الدور الريادى لعبيد النفط (2)

الدور الريادى لعبيد النفط (2)

مقال “الدور الريادى لعبيد النفط”  مكون من ثلاثة أجزاء هى :

1 ــ ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج والسعودية بإسرائيل ؟ .

2 ــ معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد .

3 ــ الحركة الإسلامية ، وإمبراطورية اليهود فى (الشرق الأوسط الجديد).

 

الدور الريادى لعبيد النفط

(2)

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

أولا ــ سوريا / وحزب الله ــ عقبات معقدة
أمام مشاريع المياه والسكك الحديدية ، ونقل الطاقة :

(1)  سوريا تعترض جغرافياً مسيرة خط مياة السلام التركى ، حسب مقترح تركى عام 1987 لإيصال المياة المنهوبة من نصيب مياه شعبي سوريا والعراق فى نهرى دجلة والفرات، اللذان ينبعان من تركيا، لإيصالها إلى السعودية ومشيخات الخليج عبر سوريا ثم الأردن.

وخط آخر إقترحته تركيا يمر من سوريا إلى إسرائيل فالأردن والسعودية والمشيخات .

كلا الإقتراحين فشلا بسبب الموقف السورى الخارج عن الإجماع الإسرائيلى السعودى الخليجى.

(2)  سوريا مثلت عقبة أخرى بالنسبة لموقعها من خط السكة الحديدية الذى كان يربط الحجاز بأراضى الشام ويَمُر بدمشق . والذى ظل يعمل حتى عام 1948 إلى أن أوقفته الحرب اليهودية على الفلسطينين والعرب.

خط حديدي آخر أقامة الإنجليز يربط  بورسعيد المصرية بمدينة طرابلس فى لبنان عبر العاصمة بيروت . “أى أنه بشكل غير مباشر مرتبط بالقرار والمصالح السورية” .

— سوريا موجودة فى المخططات اليهودية الثلاثة لبناء شبكة طرق دولية سريعة تربط المنطقة ببعضها وبأوروبا :

 ــ واحد يربط الشمال الأفريقي بأوروبا عبر مصر /إسرائيل/ سوريا / تركيا.

 ــ والثانى يربط الشمال الأفريقي بالعراق والخليج الفارسى، عبر إسرائيل وسوريا.

ــ وثالث يربط غزة بالقدس وعمان ودمشق وحيفا .

الدول التى تمر منها الطرق ستساهم فى التمويل . وجزء من الطرق تبنيه مؤسسات دولية تُمْنَحْ حق تحصيل رسوم مرور .

 (3) معلوم أن سوريا كانت عقبة فى تمرير خطوط طاقة تربط الخليج مع جنوب العراق وصولاً إلى شاطئ المتوسط عبر سوريا . فكان ذلك سبباً أساسياً لإحراقها فى حرب (الربيع العربى).

ــ عموما سوريا تشكل عقبة كبرى أمام (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعة الخاصة بالطاقة والمياه والمواصلات . وكذلك حزب الله فى لبنان يمثل نفس المشكلة ، مضافاً إليها قدرته على الإشتباك المسلح مع إسرائيل من باب الدفاع عن أراضي ومياه لبنان وحقوقها فى حقول الغاز فى البحر المتوسط ، التى يفرض عليها الحزب غطاءً صاروخياً يهدد أى تجاوز إسرائيلي عليها.

 

 ثانيا ــ  مياه الخليج الفارسى..

خندق نيران .. أو ساحة حرب مصيرية

إسرائيل متواجدة فى مشيخات النفط بدوافع النهب الإقتصادي ، فى خطوة أساسية لترسيخ إمبراطوريتها اليهودية ، أو حسب مصطلحاتها المنافقة (الشرق الأوسط الجديد).

إمبراطورية لا تعتمد على المال فقط ، إذ لابد لها من قوة مسلحة . فلأسباب نفسية وتاريخية لا يتحمل اليهود قتالا أرضيا حقيقيا لفترة طويلة.

لذا تعتمد إسرائيل على عنصرين هما : سلاح الجو ـ وسلاح التجسس. وكلاهما مدعوم بقاعدة بحثية وتصنيعية بالغة الرقى ، وهنا يأتى دور الدعم الأمريكى والأوروبى عامة .

نشاط التجسس الإسرائيلى ـ المتفوق تكنولوجيا ـ منتشر بكثافة فى مشيخات النفط ، وفى بلاد الحرمين الشريفين ، وتحديدا حول الحرمين الشريفين .

ويغمض المسلمون أعينهم عن تلك الحقيقة تهرباً من تحمل المسئولية . رغم أن (إغلاق العين لا يعنى عدم وقوع الرذيلة) .. التى وقعت فيها الأمة جميعا .. إلا من يبذل جهدا لوقفها بيَدِه .. أو بيَدِه .. أو بيَدِه ، وليس وراء ذلك ذرة من الإيمان .

الطيارون الإسرائيليون يشاركون بنشاط فى حرب اليمن . يمتطون طائرات سعودية وإماراتية ، ويقومون بمهام قصف وتدمير، وتدريب وتوجيه وجمع معلومات . وسماء جزيرة العرب بالكامل مفتوحة أمام طيارانهم المدني والعسكري ، سراً وعلناً.

— لكن بعد إعلان إلحاق الإمارات ـ علناً ـ بالإمبراطورية اليهودية (الشرق الأوسط الجديد) لن تتراجع إسرائيل عن إرسال قطع من أسطولها إلى مياه الخليج . قد تتردد فى ذلك لبعض الوقت لكنها لن تلغى الفكرة .

ــ وإذا حدث ذلك فإن صفحة جديدة من الصراع فوق مياه الخليج سوف تبدأ ، بإنتقال الحدود البحرية والبرية لإسرائيل إلى بعد أمتار من الحدود الإيرانية .

سيخلق ذلك توتراً خطيرا فوق مياه الخليج ، ويصنع حافة هاوية تقف فوقها المنطقة، مع إحتمال حرب غير مسبوقة . وستكون إسرائيل أمام تحدى لتثبيت الحدود الشرقية لإمبراطوريتها الجديدة (الشرق الأوسط الجديد) أمام التحدى الإيرانى فى منطقة الخليج الفارسى، التى هى من أخطر نقاط التوازن الدولى ، ومفتاح الطاقة والإقتصاد .

ثلاث قوى أساسية فى آسيا ستجد نفسها معنية مباشرة بحفرة النيران الجديدة . وهى روسيا والصين والهند . جميعها ستتأثر بشدة بأخطار الخليج الفارسى ، وبالتغيرات الجديدة فى الطبيعة (الجيوسياسية) لبلاد العرب”سابقا”، وتحولها إلى إمبراطورية يهودية جديدة.

 { ملاحظة حضارية : لأول مرة يجتمع العرب تحت راية إمبراطورية بعد إنهيار دولة الخلافة العثمانية ، الآن يجمعهم اليهود فى دولة واحدة تحت شعار السلام والأرباح ومحاربة الأصولية الإسلامية ــ أو بتلخيص آخر : دولة “السلام اليهودي” المحارب للإسلام }.

 من الطبيعى أن تبحث إسرائيل عن ترضيات مناسبة لتهدئة مخاوف تلك القوى، لتكسب موافقتها على ما يحدث ، أو على الأقل وقوفها بحياد والبحث فى الحطام العربى عن مغنم ما.

يجب أن تتناسب الترضية ـ إذا حدثت ـ مع حجم المخاطر والأضرار المتوقعة. وهى كبيرة جدا على مصالح تلك الأطراف .. مثلا :

ـ تهديد إمدادات النفط الحيوية الذاهبة عبر الخليج إلى كل من الهند والصين .

ـ تهديد التعامل التجارى بين تلك الدول ومشيخات النفط والسعودية التى تعتبر أسوقا مهمة ، أو محطة ترانزيت لبضائعها .

ـ التوتر العسكرى فى الخليج سيهدد ميناء(تشبهار) الإيرانى المطل على بحر العرب والمحيط الهندى ، والذى يربط تجاريا بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وأفغانستان وتلك دول لا تمتلك موانئ على البحار المفتوحة . وروسيا كان حلمها التاريخى القديم أن تطل على تلك البحار الجنوبية الدافئة.

 

يضاف إلى ذلك أن الخطط الإسرائيلية ترمى إلى تحويل البحر الأحمر إلى مجرد شريط مائى ضيق يخترق أراضيها الجديدة . بوضع اليد على باب المندب / وجزيرة سوقطرة اليمنية .

بالسيطرة على البحر الأحمر ومداخله سيتاح لإسرائيل التحكم فى المدخل الجنوبى لقناة السويس ويجعل المرور منها مشروطا أو محظورا ، بمبررات من السهل إصطناعها. وبهذا سيخضع المرور من قناة السويس  للسيطرة اليهودية. أى أن إتصال تلك الدول الكبيرة (الصين ، روسيا، الهند، إيران) مع شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط ، سيكون تحت إشراف وسيطرة إسرائيل.

 –  توتير إسرائيل للوضع الأمنى فى الخليج الفارسى سوف يرغم تلك القوى على بذل المزيد من الإهتمام بالمنطقة . وربما إلى إتخاذ إجراءات أمنية إستثنائية . خاصة بين الثلاثى روسيا والصين وايران . وقد يصل ذلك إلى نوع من التنسيق العسكرى أو حتى التحالف فى ظل تطورات معينة.

– وهناك تلويح بإسترضاء الهند، بمنح رعاياها حكما ذاتيا على قطعة من الشاطئ(العربى) للخليج الفارسى ، يقال أنها قد تكون دبى. وربما تنال الفلبين إستدراجا إلى المنطقة بمنح رعاياها إمتيازا مماثلا مقابل مشاركة عسكرية إلى جانب إسرائيل للمحافظة على الأوضاع الجديدة . وعلى المدى المتوسط لابد من إفراغ ذلك الشاطئ الخليجى من أى تواجد عربى أو إسلامى . وكذلك مناطق النفط السعودية ، والمناطق حول مكة والمدينة التى سوف يعود إليها اليهود مجدداً مطالبين بتعويضات عن ممتلكاتهم وعوائدها خلال الأربعة عشر قرنا التى تواجد فيها إسلام فى تلك المناطق . وقد بدأت بالفعل موجة سعودية لتهديم ممتلكات للقبائل حول المدينة المنورة ومكة وغيرها من المناطق .

هذا التطهير السكانى تشنه إسرائيل بواسطة كلابها المحليين فى عدد من الدول العربية، تأتى مصر والسعودية والبحرين على رأسها. أما اليمن فتخضع لتطهير عرقى ودينى مستمر منذ أكثر من خمس سنوات . وكذلك ليبيا ، وسوريا منذ بداية حرب”الربيع” إلى الآن .

 

فوائد حافة الهاوية :

توتير الأوضاع مع إيران فوق مياه الخليج ، ووضع المنطقة على حافة هاوية الحرب سوف يساعد كثيرا فى دفع المشروع الإمبراطورى اليهودى قدماً .

فسوف يتشبث عبيد النفط بإسرائيل كطوق نجاة وباعث على الأمن والطمأنينة . وبمزيد من تسويق الخطر الإيرانى سيكون دفع الإتاوات المالية أكثر سلاسة ، وتوقيع صكوك الديون الفلكية للبنوك اليهودية هو أيسر أعمال الحكام . وسيكون تحويل”يافا” إلى مرفأ وعاصمة لجزيرة العرب، كبديل عن الخليج الفارسى الخطير والمهدد ، عملا مبرراً بل ودليل على الوطنية عند البعض . ودليل على حسن الإسلام وسلامة العقيدة وسماحتها عند القطاع المتدين بمذهب عبيد النفط . وطاقة إنعاش لجماعات الفتن الدينية فى جيش الدفاع الإسرائيلى وفرق المستعربين فى الموساد ، ورعايا “دحلان” .

 

إنعكاسات حرب أفغانستان على أوضاع الخليج:

أهم تلك الإنعكاسات هو غسيل أموال المخدرات ، التى تخوض فيها بعمق بعض البنوك فى الإمارات. وتعتبر إسرائيل إلى جانب البنوك اليهودية العظمى فى الولايات المتحدة وأوروبا، هى المستودعات النهائية لذلك الطوفان المالى الهائل.

ومجال آخر يمكن أن يطل على شاطئ المشيخات، هو تجارة المياه . وإسرائيل أكبر أعمدتها بواسطة السد الذى بنته فى الحبشة لحجز مياه النيل الأزرق لبيعها فى السعودية والمشيخات.

{ سوف تحصل اسرائيل على رسوم مالية نظير عبور المياه من تركيا إلى السعودية ومشيخات الخليج وهى المياه المنهوبة من نصيب شعوب سوريا والعراق } .

ــ نتائج حرب إسرائيل وحليفتها أمريكا على شعب أفغانستان جاءت مخيبة لآمالهم بخصوص مشاريع المياه ، التى كانوا يأملون فى سحبها من نهرى سيحون وجيجون بأنابيب ونقلها إلى جانب الغاز والنفط ـ من آسيا الوسطى ـ إلى ميناء جوادر الباكستانى المطل على بحر العرب، لتسويقها فى السعودية والخليج وإسرائيل والعالم بواسطة ناقلات بحرية أو خط أنابيب . نفس الإحتمال غير مستبعد بالنسبة لخطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر، أى نقلها عبر أنابيب إلى الشاطئ الخليجى /الإسرائيلى لتنضم إلى باقى قافلة الأنابيب المماثلة المتجهة إلى حيفا . لتزيد  مركز إسرائيل قوة فى مجالات تصدير الطاقة عالميا ، وبيع المياه إقليميا.

ــ خط السكة الحديد (مسقط / حيفا) سوف يسهل نقل وتوزيع المياه المنهوبة (من النيل أو جيحون) بواسطة خزانات تنقلها القطارات.

جهاد الأفغان أحبط الخطط المائية لإسرائيل فى أنهار آسيا الوسطى، وأحبط أيضا مشاريع نهب الطاقة من تلك البلدان . لكن تظل مياه النيل متاحة وفى إنتظار إستكمال سد الحبشة واستكمال مخزون المياه خلفه ، وتمديد خط نقل المياه إلى أى شاطئ أفريقى متاح ـ غالبا سيكون بورسودان أو ميناء فى جيبوتى.

 

غسيل أموال المخدرات …

دافع أساسى وراء الإسراع بكشف خطيئة “التطبيع”

مع تدهور سوق النفط والهبوط الشديد فى أسعاره ـ تصدعت ميزانيات مشيخات الخليج ـ ماعدا قطر ـ فأصبحت موارد بنوكها من غسيل أموال المخدرات فى أفغانستان هى أهم ثرواتها الوطنية.

من المفروض أن تتكفل السعودية والمشيخات بمصروفات تأسيس الإمبراطورية اليهودية الجديدة فى بلاد العرب، خاصة فوق أرض الجزيرة . مع تكاليف حصارها البحرى ، والبنية التحتية الجديدة التى تحتاجها الإمبراطورية {خطوط نقل الطاقة ـ وطرق برية سريعة وطرق حديدية . ومراكز فسق وفجور وسياحة .. الخ } مع تكاليف الحرب على الإسلام فى جزيرة العرب وعموم الإمبراطورية اليهودية الجديدة .

أهم الموارد المالية التى ستحصل عليها إسرائيل لتمويل مشروعها الإمبراطورى هى :

ـ ما تبقى من إحتياطات مالية لدى مشيخات الجزيرة .

ـ موارد بنوك غسيل أموال المخدرات .

ـ قروض تقدمها بنوك يهودية كبرى بوساطة من إسرائيل.

لهذا كانت اُولى الإجراءات الإسرائيلية فى الإمارات هى وضع يدها على البنوك والمصادر المالية، بالتطبيع المالى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

 




العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

 

على قدر تراجع الجَزْر ، يكون إرتفاع المَدْ القادم . إنه قانون الفعل ورد الفعل المتساوى فى المقدار والمخالف فى الإتجاه . إلا إذا وقع زلزال فى قاع المحيط عندها يتحول المد إلى  “تسونامى” جبار ومدمر.

 مرة أخرى يتصدع الإسلام بشدة فى بلاد العرب ، وينحط شأن المسلمين . ويتسع نطاق الفتنة ، حتى دخلت فى كل بيت . ومن كل الجهات إنقض المتكسبين بالفتن وآكلى لحوم الأمة . ومن كان قليل الشك إكتملت لديه الخيانة . والمؤمن بالكاد يتمسك بما تبقى لديه من جمر الدين.

وأحتل اليهود قلب بلاد المسلمين وأمسكوا بجميع المقدسات بين أيديهم ودنسوها. فأصبح المتوقع هو طوفان التسونامى وليس أمواج المد الطبيعى .

– قبل ثمانية قرون ، عندما  أطبق سيل المغول على بلاد المسلمين من حدود الصين وصولا إلى حدود مصر ، وسقطت خلافة بنى العباس فى بغداد، فكأنما سقطت السماء على الأرض.    واعتقد أكثر الناس أن الإسلام هو الذى إنهار ، فصنع أكثرهم مراكب من نفاق كى تطفوا بهم فى لجج الكفر المتلاطم .

الصليبيون عملوا مثل السندان على شواطئ المتوسط ، ليتكاملوا مع مطرقة المغول فى طحن الشعوب المسلمة . فإضطرب الناس ، وكأنه يوم الحشر ، وصار الموت والجوع والخوف ضيوفا دائمين على كل بلد وفى كل بيت .

الملوك أظهروا الخيانة من أجل البقاء فوق كراسيهم . فخضعوا للمطرقة المغولية أو للسندان الصليبى ، أو تقلبوا فى الولاء بينهما. الملوك والأمراء والقضاة وقادة الدين والدنيا  تكالبوا على أموال المغول ومناصب دنياهم الوثنية الجديدة .

المغول شجعوا الفتن الداخلية ، وحرضوا المسيحيين واليهود على الأكثرية المسلمة من أهل البلاد . فتطور الأمر من الإذلال وسلب الأموال، وصولا إلى إهانة المعتقدات وسفك الدماء.

إلى أن بدأت الدورة العكسية لآلة الزمن فى العمل . وبعد الجَزْر الإسلامى تحركت المسيرة صوب المد. فصمد أمراء المماليك فى مصر وتماسكوا ، فهزموا آخر الحملات الصليبية التى حاولت إحتلال مصر ، وأسروا ملك الفرنجة وهزموا جيوشه هزيمة منكرة . ثم التفتوا صوب السيل المغولى الذى أغرق الشام ، وأخذ يدق أبواب مصر من بوابة غزة .

ومن رماد الهزيمة سطع أمل الإنتصارمع الخوارزمين من مسلمى التاتار وبقايا أبطال مملكة خوارزم فى آسيا الوسطى ، وجيشهم الذى يتحرك مثل صواعق الموت ، فتضرب المغول الوثنيين كلما تمكنت منهم ، أو تضرب ـ وبنفس الشدة ـ المسلمين فى بلاد إستسلمت لليأس ولم تعد شعوبها تقوى على رفع السيف أو حتى العصي .

إنبعثت بقايا النخوه الأيوبية فى بلاد الشام . وأتراك الأناضول أخذوا يناضلون للوقوف على أرجل أكثر صلابة من أقدام دولة السلاجقه المتصدعة ، وهم فى تماس دموى مع مطرقة المغول الذين شاركوهم فى هضبة الأناضول ، وتماس مع السندان الصليبى الضاغط عليهم من السواحل.

 سلطان مصر مع جيشه حطموا المغول فى عين جالوت فتحررت دمشق، واعتدل الميزان فيها من جديد . وكل من أهان المسلمين وسفك دماءهم وسرق أموالهم دفع مكافئ لأفعاله مع فوائد مناسبة . فتحرر شعب دمشق وقتل من قتلوه وفى مقدمتهم المسلمين الذين تعاونوا مع المغول ، واستعاد أمواله ومساجده.

أحفاد صلاح الدين الذين قسموا الشام بينهم إلى ممالك ، كان أحدهم قد تبرع للصليبيين بالقدس. فعاد الصليبيون لرد جميل صلاح الدين وعفوه الكريم عنهم ، ولكن بسفك دماء المسلمين وإستباحة أموالهم وأعراضهم . فصعدوا إلى قبة الصخرة جاعلين منها خمارة، ورفعوا فوقها الصليب والأجراس، مستفيدين من صراعات ملوك الأيوبيين فى الشام ومصر.

لكن الإنتقام الخوارزمى طالهم فى القدس . فلم يُبْق الخوارزميون على صليبى واحد فى القدس.. قتلوا الجميع . وحتى الموتى من الصليبيين نبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم . كانت العودة قوية ومنتقمة ورهيبة ، حتى إنعقدت ألسن المؤرخين من هول الأحداث.

من طعنات الخيانة والردة ، ومن حرائق المغول والصليبيين، إنبعث المد الإسلامى الجديد. حتى إنحسرت أمواج الطوفان المغولى ، ولملم الصليبيون بقاياهم تاركين سواحل الشام لأبطال الأمراء المماليك الشراكسة ، ومن معهم من تركمان وأكراد وعرب.

وعلى قدر ما كان التراجع الإسلامى رهيبا وقريبا من الإنهيار ، كان المد التالى له عنيفا وجذريا ومنتقما فى الكثير من نواحيه .

قد يقال إنه قانون نيوتن للفعل ورد الفعل؟؟ ـ لكن من الأفضل أن نتلوا قوله تعالى: {(وإن عُدتم عُدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) ــ (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ) ــ ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )}.

وقالت العرب قديما : (إن غدا لناظره قريب). وأهم معانى الجَزْر هى أن المد قادم لا محالة .

دورة التاريخ بطيئة وثقيلة ومرهقة وتُزَلَزِل الناس زلزالا شديدا. ولكن سنن الله لا تتبدل ولا تتوقف (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). فكل شئ بمقدار ويتحرك طبق جدول زمنى منذ الأزل.

والخائن سيطاله حتماً سيف الإنتقام إن كان حيا .. وستحرق جثته إن كان جيفة ..

بضياع مقدسات المسلمين وقع الزلزال فى قاع المحيط .. فتوقعوا تسونامى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

15-08-2020

العدالة الخوارزمية

 

 




إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية :

هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

ترامب يهدد يقصف 52 موقعا ثقافيا فى إيران .. لماذا؟؟.

لأنه يعلم غيرة الإيرانيين على تراثهم ( الدينى / الثقافى ) ، وهما شئ واحد فى الغالب .

وأما رقم 52 فهو عدد الأسرى الأمريكيين الذين أخذهم الطلاب الإيرانيون كرهائن عند إقتحامهم السفارة الأمريكية فى بدايات الثورة الإسلامية عام 1979 . ترامب يريد القول بأن فى قبضته رهائن “ثقافية” ، وأن بلاده حقودة ولا تنسى ثأرها مهما طال الزمن . تماما كما تصف إسرائيل نفسها.

–  دخل ترامب فى عداد المنتصرين منذ لحظة إغتياله لكل من الجنرال قاسم سليمانى ، وأبو مهدى المهندس وزملائهما بضربة جوية عقب خروجهم من مطار بغداد الدولى فى رحلة قادمة من دمشق .

فى نفس اللحظة ضَمِنَ ترامب فوزه فى الإنتخابات الرئاسية القادمة فى عام 2021 ، وأيضا خروجه سالما من الحملة الشرسة لمحاكمته أمام الكونجرس، على تجاوزاته واستخدام سلطاته لخدمة مصالحه الخاصة .

ود ترامب لو يوقف الزمان عند هذه اللحظة المنتصرة . وأشد ما كان يخشاه هو ردود فعل إيران ، وإحتمال أن يتحول ذلك النصر إلى هزيمة تفقده إمكانية إنتخابه للمرة الثانية .

– خدمة عظمى قدمها ترامب لإسرائيل بعملية إغتيال سليمانى ، متوجاً هداياه التى لم يسبقه بمثلها أى رئيس أمريكى آخر : من إعترافه بالقدس الموحدة عاصمة “أبدية لإسرائيل”، التى إعترف بشرعية ضمها للجولان السورية ، إلى إعترافه بشرعية المستوطنات التى إبتلعت الكثير مما تبقى من ممتلكات الفلسطينيين فى بلادهم . إضافة إلى تحقيقه لمكاسب يهودية عظمى فى الخليج وجزيرة العرب واليمن لم تكن تحلم بها إسرائيل .

– هذا السجل “الناصع” من الخدمات العظمى لإسرائيل ، توَّجَهُ بعملية إغتيال كانت أُمْنية غالية لإسرائيل ، ضَمِنَ ترامب رضا القوة المالية اليهودية فى الولايات المتحدة . وهى صاحبة القرار الحاسم فى تحديد نوعية وشخص الرئيس ضمن أطر (الديموقراطية) الأمريكية. فهى القوة المهيمنة على مجلسى النواب والشيوخ ، وعلى التيار الغالب فى الإعلام . إختصارا هى القوة الحقيقية الحاكمة والمتحكمة فى تلك الدولة “الأعظم” فى العالم .

– ولكن الذى حدث هو أن عملية الإغتيال أدت إلى تفاعلات فى الداخل الأمريكى ، وفى السياسة الدولية ، ثم فى العراق ومنطقة الخليج والجزيرة. تفاعلات كانت عموما فى صالح إيران وفى غير صالح عملية الإغتيال التى أضحت علامة فارقة بين عهدين : ما قبل ، وما بعد الإغتيال.

فإذا إبتلعت إيران الإهانة ، كانت تلك خطوة أولى سريعا ما يتبعها شريط طويل من تنازلات تنتهى بإيران إلى وضعية مشابهة لأى مشيخة على الشاطئ الغربى من الخليج . أما إذا رَدَّتْ الصاع صاعين ــ كما هى عادتهاــ  فإن ترامب تعهد بإستخدام غير متكافئ للقوة . وهو يعلم أن ذلك لن يخيف إيران التى جربت الحرب المكشوفة فى حربها مع العراق لثمان سنوات واجهت فيها العالم، من الإتحاد السوفيتى إلى أمريكا وكبراء حلف الناتو، وقوة أموال نفط الخليج .

الرادع الذى يظن ترامب أنه فعال هو خشية الإيرانيين وحرصهم على تراثهم (الدينى /الثقافى) الذى من أجله سافر الآلاف منهم الى العراق وسوريا للدفاع عن ـ المراقد المقدسة ـ التى هددها الدواعش وإخوانهم ، بل وفجروا أجزاء منها .

– ربما تصور ترامب أن الشعب الإيرانى سوف يضغط على قيادته من أجل الإمتناع عن الثأر الذى قد يؤدى إلى دمار كامل للتراث (الدينى الثقافى) الشيعى فى إيران . ولكنه كان مخطئا ، وكذلك مستشاروه . لأن الشعب الإيرانى خلال مراسم تشييع جنازة الشهداء أبدى عزيمة لا تردد فيها على الأخذ بالثار والإنتقام مهما كانت النتائج . وجميع فجوات السياسة الداخلية ردمتها بسرعة عملية الإستشهاد الذى تعرض لها الجنرال سلمانى ــ البطل الشعبى فى إيران ــ حتى أصبحت دعوات الثأر للشهداء عاملا ضاغطا يستحيل تجاهله ، أو تأجيله طويلا، بغير ثمن كبير يدفعه النظام من رصيد مصداقيته وصلابته .

 

إذن سوف تَرُدْ إيران على جريمة الإغتيال . فهل ينفذ ترامب تهديده بالدمار”الثقافى” ؟؟ .

لا يمكن تأييد ذلك أو نفيه. ولكن يمكن الترجيح قياساً على مجريات الأمور داخل النظام الأمريكى ، وتأثُرِه / أوخضوعه/ لمطالب مموليه اليهود .

والهدف اليهودى ليس تدمير الأماكن المقدسة للشيعة ، بقدر ما هو تدمير المساجد الثلاث المقدسة للمسلمين جميعا ، أى الكعبة المشرفة فى مكة، والمسجد النبوى الشريف فى المدينة ، والمسجد الأقصى فى القدس .

ليس تدميرها فقط ، بل وإلصاق تلك الجريمة بإيران(والشيعة)، بدعوى أنهم خلال عمليات الثأر وتطاير آلاف الصواريخ إنتقموا لتدمير مساجدهم “الشيعية” ، فدمروا المساجد الثلاث بإعتبارها مساجد”سنية”.

وهكذا يتأصل الصراع الدامى بين طائفتى السنة والشيعة إلى درجة الإستئصال . ومن خلال ذلك الصراع (الوجودى) تتعمق التحالفات “السنية” مع أمريكا وإسرائيل ، أكثر مما هو قائم حاليا مع حكومات وتنظيمات حركية سنية . فاتهام الشيعة بالعدوان على المساجد الثلاث هو أسهل الأمور على أمريكا وإسرائيل وحلفائهم من العرب. فأثناء العدوان على شعب اليمن كانت حكومة بن سلمان تدعى أن “الحوثيين ” يستهدفون مكة ، وذلك إذا سقط أى صاروخ بالقرب من الرياض أوحتى فى الربع الخالى .

– إن تدمير الكعبة هو أمنية لدى المتطرفين من المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة فى الولايات المتحدة. وكانت وصفة مفضلة لدى العديد منهم للقضاء على الإسلام . حتى أن بعضهم طالب بتوجيه ضربة نووية إلى مكة . وفى ظنهم أن تهديم الكعبة بشكل نهائى سوف ينهى الإسلام ، فتنزاح آخر العقبات التى تؤرق الغرب الصليبى .

ومازلنا نذكر تصريح السكرتير العام لحلف الناتو فى بداية التسعينات، من أن الغرب قد تخلص خلال القرن العشرين من أهم عدوين له وهما النازية والشيوعية . ومهمته المتبقة هى التخلص من الإسلام .

–  قد يكون هدم الكعبة بضربة صاروخية (تقليدية أو نووية) هو العلاج النهائى الناجز. رغم أن بن سلمان قد وضع مملكته خارج نطاق الإسلام . والسعودية التى حاربت المسلمين (بعقيدة إبن عبد الوهاب) فأسقطوا خلافة المسلمين فى بدايات القرن العشرين ، وبالتالى تمكن اليهود من إحتلال فلسطين وتمزيق العرب إلى دويلات (سجون) لا تسمن ولا تغنى من جوع . ثم تحولت السعودية فى بداية القرن الحادى والعشرين إلى مملكة (للترفيه) الذى يعنى الدعارة المنظمة تحت رعاية الدولة ، وتجارة الرقيق الأبيض فى شبكات داخل المملكة ، تضمن إمداد جيوش الإحتلال المتمركزة داخل البلاد باحتياجاتها الجنسية . ودوليا إمداد قوات مرتزقة بلاك ووتر( بإدارة : بن زايد / أريك برنس) بفتيات الترفيه.

أما شعوب الفقر والتخلف ، فقد أوصِدَتْ أمامها أبواب الرزق، فلا طريق إلى الثروة سوى أن يكون شبابها ضمن جيوش المرتزقة ، وفتياتها ضمن منظومة البغاء. تلك الصناعة التى يروجها آل سعود تحت مسمى الترفيه، وينفقون فى تشييد بنيتها التحتية ملايين الدولارات ، ولكنها تعود بالمليارات على الملك وحاشيته .

فمن أجل تنويع مصادر الدخل جعل بن سلمان من الدعارة والقمار مصدرا ” شرعيا” وأساسيا لثروة المملكة التى أصبحت “قِبْلَة” يأتيها فَسَقَة العالم من كل فج عميق.

 فلو دمر ترامب الكعبة ، فإن آل سعود وآل سلمان لديهم من موارد ” الترفيه” ما يعوض خسائرهم .. وهكذا يديرون الأراضى المقدسة!! .

– أيدى اليهود ستظل بريئة من هدم المسجد الأقصى إذا استهدفه ترامب ضمن حملته التى يهدد بها “الأهداف الثقافية” الإسلامية . ولن يضيع اليهود وقتا فى عملية إعادة البناء . ليس إعادة بناء المسجد الاقصى بل بناء(هيكل سليمان) مكانه .

ولن يثأر لهدم المقدسات أحد من معسكر ترامب الإسلامى . بل سينتقمون من باقى المسلمين، ويتبادلون معهم الإتهامات حول من الذى هدم المقدسات الإسلامية … وكانهم لا يعلمون !!.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستهدافات ترامب الثقافية :  هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

 




ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

(3)

《لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ》

توضيح بخصوص المقال الأخير ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون ( 2 ) 

 

بلغتني الكثير من التساؤلات(متابعين وبعض المنخرطين في الثورة ) حول ما ذكر عن الساحة السورية وبالأخص مسألة الإزدواجية المتناقضة، مع مبادئ الجماعات جهادية على رأسها هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، وعلاقتها بأجهزة الإستخبارات الدولية، كالتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا بجهازها الإستخبراتي CIA وشريكه الإسرائيلي، !

بعض التساؤلات التي وردتني عقب نشر المقال، طالبت بتقديم الأدلة على ما أكتب و أدعي أو توضيح أكثر لما نشر.

ونظرا لبعض المشاغل الشخصية، لم أستطع أن ألبي طلب المتابعين الكرام وأوضح ما اشكل عليهم، فأرجوا المعذرة عن التأخير،!

بداية أشكر الإخوة المتابعين على تفاعلهم وتواصلهم،  بارك الله فيهم وزادهم أدبا وحرصا على معرفة الحقيقة، وإستقصاء تفاصيلها، وكذلك الذين لم يتقبلوا ما ذكر ولم تستوعبه عقولهم، أقول لهم مهلا، لا تستعجلوا فإن دنياكم ملأى بالأحداث، والحقائق، وماخفي اليوم لاشك سيظهر غدا، وما يخفيه عنكم من تثقون فيهم ، قد يخبركم به أعدائكم،!

ولا غرابة في هذا فكم من أخبار وحقائق أخفاها عنا القريبين فوصلتنا من جهات بعيدة، 《ويأتيك بالأخبار من لم تزودي》 وخاصة في هذا الزمان الذي إختلط فيه الحابل بالنابل والحق بالباطل والخداع بالصراحة …الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث:

(سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمين)[صحيح ابن ماجه الصفحة ٣٢٧٧ وصححه الألباني صحيح الجامع الصفحة ٣٦٥٠]

فالأصل طلب البينة في كل ما يرد من أخبار، والبينة قد تكون أدلة ملموسة كوثائق مقروءة أو تسجيلات مسموعة أو مرئية… أو شهادات لأشخاص عاصروا الحدث رأوا وسمعوا … أو مواقف وتصريحات تدخل الشك والريبة في أصحابها، وكل هذه المسائل ينظر فيها القضاء العادل، فيفصل بين الناس بما لهم أو عليهم،!

وإن لم يوجد هذا القضاء العادل في زمان ومكان ما  فإن القضايا لا تسقط عن أصحابها، بل ترفع للملك الديان سبحانه، الذي يعلم السر وأخفى،  فيقضي بين عباده في يوم شعاره قول الحق سبحانه {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[غافر /١٧]

وإن ما كتبته شهادة لي على تجربة عشتها وأحداث عاينتها في مختلف الجوانب، العسكري منها و الأمني و الدعوي التربوي، في ثورة شعب مختلطة بمختلف التوجهات الفكرية والعملية ، ويكاد يتفق على أحداثها ومامرت به جميع  العقلاء.

ومن الضروري أن نذكر في هذا السياق نفسه أن الجهة المتهمة الآن ( هيئة تحرير الشام ) هي نفسها كانت تتهم غيرها من الفصائل والكتائب بنفس التهم بل و قاتلتهم بذريعتها وسلبت سلاحهم، وصادرت مكتسباتهم، دون أن تقدم أدلة أو شهادات تثبت ماادعت في حقهم من تعامل مع جهات خارجيا، أو إعتداءات على آخرين داخليا،!

وبالتأكيد لا يوجد قضاء مستقلا يفصل في النزاع و القضايا، ولو نظريا على الأقل، وإنما الخصم هو القاضي…!

يعمل بقانون الغابة، القوي يأكل الضعيف ويلبسه أي تهمة تسقط حقه و شرعيته، على غرار الطغاة السالفين في الأمم، وكذلك التغيرات التي طرأت عليها، لم تكن حقيقية على مستوى الأفكار والممارسات بقدر ماهي ردات أفعال إنتهازية مصلحية لا أكثر،

طبيعة المتغير دائما تدفعه لأن ينتقد ماسلف عنه من أفكار وممارسات خاطئة، إذ يكون قد تجاوزها وأيقن بحمقها وخطئها، فيصحح حاضره ويوضح ماكان من خطئه في الماضي ليستشرف مستقبلا أفضل مما مضى آملا أن يرمم ويصلح ما أفسده سابقا،!

بينما هؤلاء تجدهم يثنون على كل تقلباتهم المختلفة،!

ولا مكان عندهم للنقد الذاتي، كيف لا وهم على الحق والصواب في كل إختياراتهم من ألف إلى ياء،  كأنهم مؤيدين بالوحي لا سمح الله، فحينما كانوا دواعش تحت إمرة البغدادي، كانوا على الحق، وكذلك لما انفصلوا عنه و إرتموا في حضن القاعدة هم على الحق فيما اختاروا،!

ولما انفصلوا عنها كسابقتها، بالتاكيد هم على الحق ومنتهى الصوابية ، ولما لبسوا الوطنية وثوب الثورة الشعبية، كذلك هم على الحق فيما اختاروا وهلم جرة، كأن الحق والصوابية عباءة مطاطة بحبال تزيد من وسعها وضيقها حسب الرغبة والطلب، تلبي جميع التقلبات، وما يدرينا قد يضطروا يوما للرجوع إلى نهج الأزارقة والقرامطة كما كانوا في العراق ماقبل الثورة ( مدرسة المكر والخداع  )…!

دون أن يكلفوا  أنفسهم بأن يصارحوا الناس،  كنا على خطأ وها نحن نصحح ما رأينا من أخطاء ، وقد يقال هذا لمن هم بعيدين عن الساحة أو يراسل به الخصوم و الأعداء،!

وهذا لاعيب فيه البتة، و إنما العيب أن تهمل وتذر من حولك من أتباع غارقين في تخبط و خلط بين الماضي و الحاضر، مما يجعلهم فريسة لكل منحرف ومجهول يقودهم يمنة ويسرة  في تغييب تام عما يحدث ويدور حولهم، في إحدى الأيام كنت في زيارة لأحد المشايخ ممن لهم دور قيادي داخل هيئة تحرير الشام ، سألته متعجبا عن سبب إهمال قواد الساحة عناصرهم وعدم قربهم منهم وعلاج فقدان الثقة والتخبط الحاصل بين الشباب، بأن يوضحوا لهم بصراحة و مصداقية، مشروعهم ويجيبوا عن أسئلتهم ، لا يمكن أن يستمر الناس معهم كالقطيع كل دوره تلقي الأوامر دون فهمها و إستيعابها بل ومناقشتها و نقدها،!

فقال: يا أخي يجب أن تدرك أن القيادة ليس عندها ثقة فيمن حولها من عناصر، (أتباع و مناصرين)، فكيف تريدهم أن يجالسوهم ليصارحوهم أو يشرحوا لهم بغية إقناعهم،! اه

و الواقع أن هؤلاء (القادة) ينظرون إلى أتباعهم ومن خلفهم على أنهم مرتزقة، و جودهم في الغالب مقترن بمصلحة،! على قدر طاعتهم ينالوا الأجور الزهيدة، ويعدونهم إذا كان هناك مستقبل جيد سينالهم شيء من المكافئات، المعنوية مقابل بذلهم وصبرهم على اللأواء ،!

ولا أحد يحق له أن يسائلهم أو يحاسبهم على الأموال التي يجبونها من الموارد التجارية مع النظام والمليشيات والضرائب البشرية (الحدود التركية) والتجارية المقدرة بما يفوق خمس مليون دولار شهريا على أقل تقدير ، يتلاعب بها القادة كيفها شاؤو،! بينما عناصرهم يعانون شظف العيش وقلة الحاجة،!

لا يهم هذا الكلام مادام إخواننا يرو أن عملهم قربة لله و إن أساء بهم الظن قادتهم و بخسوهم أعمالهم  ،! و من الغريب و الباعث للشك والريبة أن تقوم الهيئة بإعدام أشخاص على أنهم خلايا (عملاء) للتحالف الدولي، ولأنهم تسببوا في قتل مجموعة من الناس منهم المدنيين و المجاهدين، ولا تذكر أن هؤلاء عناصر لها في الأصل ومجندين في الجهاز الأمني للهيئة وعندما إنتهت صلاحيتهم أو تجاوزوها (كعادة الأمنيين في التنظيمات الجهادية) تم تصفيتهم بذريعة تهمة العمالة،!

خذ على ذلك مثالا علاء (نموذج) شاب من قرية بنش في ريف إدلب ، كان علاء (فواز الأحمد) من عناصر الجهاز الأمني المقربين من مركزيته، بحكم قرابته العائلية من بعض قيادات الهيئة، و بطريقة ما تم وصل علاء بجهات ترفع التقارير  و المعلومات للتحالف الدولي من خلالها يتم تحديد الهدف سواء كان شخص أو بيت أو مقر أو معسكر،!

وحسب قول علاء  وإدلائه بشهادته لي أنه كان مكلف من طرف مركزية الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام بواسطة أميره أبو عمر الحلبي و أبو أحمد حدود، برفع التقارير والمعلومات المغلوطة للتحالف الدولي،!

وكذلك التحالف يرسل لهم معلومات عن الأهداف المطلوبة مع مبالغ مالية (مكافئات) حسب دسامة الهدف وقيمته،.!

وكل هذه التفاصيل تمر عبر الجهاز الأمني للهيئة، كان علاء يجند خلايا تعمل مع التحالف يديرها بإشراف أميره (أبو عمر الحلبي ضابط سابق في  قسم التحقيق عند النظام السوري قبل الثورة)، في إحدى التقارير والأهداف التي رفعت للتحالف وقع فيها خطأ  فاستهدف أبرياء،!

وليست المرة الأولى فقد قضيت سنة كاملة في السجن بسبب خطأ سابق وهذه المرة استهدف مكان آخر بالخطأ،!

بسببه أعتقلت للمرة الثانية من أجل تأديبي،!

من بين الأبرياء الذين استهدفوا تجمع كان داخل مسجد لشيوخ الصوفية في قرية الجينة في ريف حلب الغربي، آذار 2017 و بعض الإخوة في مناطق مختلفة.! اه

وبعد فترة بلغني خبر إعدام علاء من طرف الجهاز الأمني للهيئة بتهمة عمالته لصالح التحالف الدولي،!

وهنا يحق لنا كما يحق لغيرنا أن يتسائل من المسؤول عن أخطاء علاء، و غيره من الخلايا، في إستهداف بعض المجاهدين و المدنيين الأبرياء (بدون قصد طبعا) ،!؟

لما يقتل علاء وحده في غموض حول هذه التهمة التي الجهاز الأمني شريك فيها وهو المسؤول عنها بل هو الذي صنعها  ،!؟

لما لم يعترفوا بالخطأ ويصرحوا بأنهم المسؤولون عن هذه الاخطاء في حق الذين استهدفوا ،!؟

ولما لم يؤدوا مايوجبه الشرع و القضاء في حقهم القصاص في حق المتورطين أو دفع الديات لأهل وذوي الضحايا، والكثير من الأسئلة الهامة،!

ثم لا أنسى أن أذكر ما علمته من أحد قيادات الهيئة في ريف دمشق، حينما قال : يجوز الإستعانة بالصليبيين (يقصد أمريكا و إسرائيل) ضد الكفار والمرتدين، كحزب الله اللبناني، أو داعش فهم كفروا وخرجوا عن ملة الإسلام بقتالهم لأهل السنة،!!! اه

كما إدعى أن قيادات من حركة أحرار الشام حينما تغلبت عليهم الهيئة وقزمت و جودهم كقوة على الأرض، قامت برفع تقرير للمبعوث الأمريكي إلى سوريا (مايكل راتني) يغرونه بضرورة ضرب الهيئة في إدلب…الخ

وفي هذا السياق علمت أن الهيئة بعد أن جندت خلايا مزدوجة تعمل مع التحالف الدولي و تقوم بتوجيهها لما يخدم مصلحتها، حسب إدعاء أمنيي الجولاني ،!

حاولت فعل نفس الأمر فأرسلت مخبرا يوصل معلومات لحزب الله اللبناني كعميل مزدوج بين الطرفان،! فأغلق الحزب الباب في وجههم ورفض معلوماتهم،!

بينما هؤلاء المتعطشون للسلطة فتحوا الباب على مصراعيه حتى أصبح كل مسؤول و قيادي ينسق و يرتبط، دون علم الأخرين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،!

بل ويستخدم هذا كورقة ضغط ضد بعضهم إذا ماخالف الجماعة أو إستقل عن التنظيم كحال أبو مالك التلي و أبو عمر الحلبي وأبو أحمد حدود وغيرهم من الشخصيات المتورطة بهذا الملف و غيره ،!

وياليتهم تشبهوا بالحزب وأغلقوا هذا الباب، وجنبوا أنفسهم هذه المراتع الخطرة التي ترميهم في مزبلة التاريخ بماحملوا على كواهلهم من دماء معصومة، و لم تكن الغاية تبرر الوسيلة أبدا فإن للحرب قيما و أخلاقا و إن تجاوزها أعدائنا ،!

وكم من الأشخاص تم إعتقالهم من طرف الجهاز الأمني للهيئة بشبهة أنهم جواسيس أو بدافع شكاية ضدهم من مغرضين بلا بينة ولا دليل،  ومارسوا في حقهم أسوء و أخطر أساليب التعذيب ليستخرجوا منهم اعتراف يثبت تورطهم أو إدانتهم ولو بالإكراه تهديدا بالقتل أو محاولة القتل خنقا و شنقا ليثبتوا نجاعة عملهم و ثمرته، ولو على حساب أبرياء مظلومون،!

كحال الأخ المغربي الذي إستقل عن كتيبة المغاربة (شام الإسلام) و إعتزلهم و بسببه اعتقل ظلما وعدوانا، على يد إخوانه المغاربة أنفسهم، إذ رموه في معتقل سري طيلة ست أشهر متتالية، دون أن يثبتوا شيئا ضده، ليتم إخلاء سبيله بواسطة آخرين غرباء عنه، كفلوه حينما سمعوا بمظلوميته، و بعد مدة أخرى تعود الهيئة فتعتقله على نفس الخلفية السابقة،!

وتوجه له نفس التهم العارية عن الأدلة و الشواهد، فتطول به مدة الإعتقال التعسفي في سجن هيئة تحرير الشام وتعذبه أشد العذاب بمختلف الوسائل، لعلها تنجح في أخذ إعتراف يدينه.!

ولو كرها، غير أن الأخ صبر و تحمل كل العذاب مستعينا بالدعاء و ذكر الله طيلة فترة التعذيب، التي استمرت ما يقارب ثمانية أشهر متتالية، أصيب فيها  بأزمة نفسية و أمراض حادة مستديمة في جسده نتيجة البرد وسوء التغدية و التعذيب الهمجي،! و بعد أن عجز الجهاز الأمني أن يثبت شيئا ضده مع تزامن دفاع بعض الشرفاء عنه، قرروا إخلاء سبيله وقبيل ذلك  قال له الجلاد المجرم مسؤول التحقيق، يا أخي فلان إرفع غطاء عينيك و انظر إلى خلفك ماذا تر فإذا بالاخ يقول رأيت عصى بلاستيكية حشوتها حديد صلب ،!

قال له يأخي تلك هي الأدات التي كنت أعذبك و أضربك بها لتعترف ،! فأرجو منك الأن أن تأخذها وتقتص مني قبل أن تغادر سجننا الذي يذود عن حياض المسلمين و الأمة،!

موقف…

في منتهى السخرية و السذاجة، و لسان حال الأخ المكلوم، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ،؟ بينما القادة و الأمراء المدانين فعلا،  لا أحد يعكر صفوهم و لايحاذي جنابهم ،!

أما الضعفاء من الناس فحائطهم قصير الكل يقفز حوله و فيهم تجرب التجارب 《 في رأس اليتيم نتعلم الحلاقة 》،!

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 《إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يداها》متفق عليه.

هذا فقط نموذج بسيط وإلا فحدث ولا حرج عن المظلومون الذين قتل بعضهم تحت التعذيب في قضايا مثل هذه وغيرها، لو سردناها لملئنا سفرا بجنباته،!

وما هذا إلا غيض من فيض و قابل الأيام ستكشف الكثير من الأحداث والخبايا والشخصيات المتورطة في دماء المسلمين و أعراضهم، هل ما ينساه الإنسان ينساه الملِك الديَّان؟!

كلا ثم كلا والله !

وإنما الأمم – أفرادًا وجماعاتٍ – تفعل ما تفعل، و تترك ما تترك، لكنها يومًا ما ستقف أمام ربها! وستُواجَه بما فعلت، وستُحاسَب بما تركت،

قال الله  تعالى  ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 28]

قال الله تعالى{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[ابراهيم /42]

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم /64]

وختاما

عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]؛ متفق عليه.

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

 




هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟ 

معظم العناصر المقربة لدى الجماعات ( الجهادية ) وقياداتها وليدة السجون التعسفية والمعتقلات الغير إنسانية. وهذا مما يؤكد أن القسوة والشدة غالبا ماتنتج مثيلهما كما ونوعا…

وهذا أمر يظهر جليا في مواقف وممارسات هذه الشخصيات في واقع المجتمعات المتواجدة فيها.! نجد ضمن  أدبياتها التنديد بالظلم (الحكرة) والاستبداد ومارأته من تعذيب جسدي ونفسي وغير ذلك من معاناتها ومايعتري نفسيتها من شعور بضرورة الإنتقام والأخذ بالثأر أو المفاصلة الأبدية على أقل الأحوال حتى في الحياة الطبيعية التي من المفروض أن تكون بعيدة عن التشنجات النفسية فتجد أحدهم إذا كان هناك مسلم يود مشاركته في عمل دنيوي او أخروي سواء.

بدأ معه (سلسلة بنت سليسلة) من الإمتحانات العقدية والفكرية والمواقف السياسية ليتبين صدق عريكته… وكذلك  إحداهن إذا عرض عليها أحدهم الزواج يكون او سؤال عنه وعن حاله هل أنت صاحب ( منهج ) بمعنى هل تعاني مانعانيه ( أزمات نفسية ) فإن كان من نفس الفصيلة فبها ونعمة وإلا فلست أهلا للإرتباط. وقس على ذلك سائر المسائل  الإجتماعية ..!

يصبح المعيار عند هذه الفئة  (الموافقة او المواءمة الفكرية) ولايكفي أن تكون مجرد مسلم ينطق الشهادتين ويحافظ على الصلوات الخمس ومهذب السلوك.

بل يجب أن تحقق ركن من أركان الفكر ( السلفي الجهادي ) الكفر بالطاغوت وفق تصورهم فتعلن رأيك في كل ما يطرح لك من مسائل أي كان نوعها فقهية كانت أو عقدية أو فكرية لكي تثبت عدالتك .! أو تكون لك سابقة سجنية تدل  (تزكية) على سلامة المنهج لديك.!

أما دون ذلك فتظن بك الظنون.!

ناهيك عن النظرة الدونية للمجتمعات الإسلامية بدعوى أنهم أخلدوا للراحة على حساب الدين ( ضعف الإلتزام ) والانتصار للمظلوم.!

فهم الإخوة الخواص وغيرهم العوام!

وهم المجاهدون وغيرهم القاعدون!

وهم أنصار الشريعة وغيرهم خاذلي الشريعة !

وهلم جرة من الثنائيات العجيبة .

وإن كان هذا لا يظهر بلسان المقال صراحة ( إلا عند فئة قليلة ) ولكنه يبرز جليا على لسان حالهم عند الاحتكاك والملامسة عن قرب والله المستعان … بينما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

أن البلاء والمحن والمصائب لم تقع ولم يتضرر منها غير هاؤلاء المسلمين المساكين الذين لم تنتكس فطرتهم ولم تتلوث أفكارهم بأولئك (الوكلاء) المتطوعين (في سبيل الله) بلا مقابل ولو لحفظ اعراضهم..!

في إحدى الأيام إثر معركة من معارك ريف اللاذقية دار حديث بيني وبين قائد ( مهاجر ) من قواد جبهة النصرة آنذاك (قبيل التدخل الروسي المباشر سنة 2015) وهو الأخير حول مفهوم الأمة والعمل المشترك مع جميع أبنائها وضرورة تجاوز الحزبية وأن هذه التنظيمات جزء من الأمة السورية فلا ينبغي أن تسلب حقها في الرأي والعمل الجماعي لمصالحها ولا تمارس الوصاية عليها خصوصا أن هذا (جهاد) شعب بكامله يحمل مختلف المستويات علميا وفكريا وعسكريا واجتماعيا وفيه من الخير الكثير ..!

فقال نعم ولكن نحن طليعتها و يجب أن تكون خلفنا نوجهها لأننا أعرف بأعدائها والمنافقين فيها ..!

نحن لانقصيها

ولكن نقويها حتى يشتد ساعدها فهي لم تعتاد الجهاد ومقارعة الطواغيت أشعرني وكأننا داخلين دمشق خلال ساعتين وبعدها القدس الشريف بينما جميعنا حذر من تساقط قذائف الهاون الطائشة .!

ثم تابع حديثه هل نرضى أن يؤمنا عوام أو مرجئة  أودعاة الحداثة والدولة المدنية ؟

طبعا الجواب ….؟

أليست هذه العقلية وهذا النمط من التفكير عائق كبير في اندماج هذه الفئة ومشاركتها مع فعاليات الأمة الطامحة في التغير والإصلاح …؟

فلما سألت عن شخصه علمت انه أحد خريجي السجون العربية فعلمت من أين اتي الرجل.!

فهؤلاء حقيقة نشؤوا وتربوا في ظروف  مشحونة جدا فمن الطبيعي أن تنعكس على ممارساتهم الحياتية.. وهم في حاجة للعلاج النفسي والفكري أولا  مما يضمن سهولة  اندماجهم في المجتمع بدل تسليطهم على رقاب المسلمين بما يحملوا من عقد وصراعات نفسية.!

نذكر على سبيل المثال.

الصف الأول لتنظيم الدولة (داعش ) قد نشأ وتكون في سجن بوكا وسط صحراء أقصى جنوب العراق الذي حشرت فيه أمريكا آلاف المعتقلين السنة العراقيين كان من بينهم البغدادي نفسه…

وأبو علي الانباري وغيرهما من مجلس شوراهم فيما بعد. كما انضم لهم ضباط كبار من حزب البعث مثل أبو منصور و أبو أيمن العراقي و أبو أحمد فرقان و حجي بكر.

بل و مؤسس جماعة التوحيد التي تحولت فيما بعد الى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ” أبو مصعب الزرقاوي ” كان لتجربة سجن سواقة..بالأردن الذي مكث فيه عدة سنوات رفقة شيخه ابو محمد المقدسي اميره سابقا في التنظيم (جماعة التوحيد او ماعرف ببيعة الإمام 1996) ايام الأردن قبل الإنتقال إلى العراق دور محوري في تحوله الفكري لما لاقاه ضمن المؤسسة السجنية.! وغيرهم  الكثير  كان لتجربة السجن دورا فاعلا وحاسما في تحولهم الفكري الأيديولوجي.!

فلا تسمع غير أن فلان خريج سجن صيدنايا او فرع فلسطين (سوريا)

والأخر خريج سجن غوانتناموا (أمريكا)

والأخر خريج سجن أبو غريب او بوكا او التاجي (العراق)

ثم عد ما تشاء من السجون العربية على وجه الخصوص .!

ثم تفقد أغلب الشخصيات القيادية في كل الجماعات ( الجهادية ) تجد عليها خاتم المحنة او المنحة السجنية! حتى تكاد لا تجد شخصية بارزة في الجماعات الجهادية إلا ولها قصة مع السجون والمطاردة بل يعدها أحدهم مفخرة تدل على سلامة الفكر وصفاء المنهج حتى وصفها بعضهم بالفريضة .؟!

وقرب هذا المعنى يذكر القيادي في حركة أحرار الشام ابو يزن رحمه الله؛ أنهم لم يستوعبوا سبب إخلاء النظام السوري سبيل عدد كبير من سجناء السلفية الجهادية بداية الثورة إلا بعد تحولهم إلى كيانات وجماعات مسلحة ضمن الثورة .! [اه]

وللأسف كانت السجون المحضن و المصنع عالي الجودة لتخريج الغلو والإنحراف الفكري.! بل وكثيرا ماكان يتم تجنيد المخبرين والعملاء من داخل السجون والمعتقلات.! هذا ما أكده لي محمد أحد خريجي جامعة الموصل حين إلتقيته قدرا لعدة أسابيع ( في سجن الهيئة إدلب لحادث سيأتي ذكره لاحقا…)

هو الأخير لم يسلم من الحشر الأمريكي لأبناء السنة وسط الصحراء العراقية  ؟!

والجدير بالذكر السجون العربية التي تخضع للبرنامج او النموذج  الأمريكي في التعامل مع النزلاء بالتعذيب الجسدي والنفسي نذكر منها على سبيل المثال فرع فلسطين وصيدنايا (سوريا ) وكذلك العقرب وبو زوبع (مصر) وماشهدته معتقلات و سجون المغرب بين 2003/2008 إثر أحداث “16 ماي” وما بعدها من ملاحقة لخلايا إرهابية على حد وصفهم في تمارة والمعاريف والزاكي 1\2  والقنيطرة وأذكر عن الأخير حادث هروب 9 من النزلاء (صيف سنة 2008) أصحاب الأحكام القاسية والطويلة كان نتيجة غياب برامج التأطير والتأهيل المعرفي والفكري.!

إذ لا غرابة أن تجد قائد (أمير) تنظيم جهادي لا يحسن القراءة والكتابة ! ناهيك عن إستيعاب النصوص الشرعية او فهم مقاصد الشريعة.!

وفي كثير حالات كانت الإستخبارات الأمريكية ترسل نزلائها (السجناء) الى سجون عربية لإتمام مهمة التحقيق بنجاح. كما حدث مع ابن الشيخ الليبي وأبو هاني المصري وغيرهما رحم الله الجميع…

هذا كان له الأثر و دور رئيسي وفعال في دمج الحكومات العربية بالعدو الصهيوأمريكي في مخيلة السجين مما أنتج مجموعة من الأفكار والقناعات ليس التخلص منها بالأمر السهل…

إذ يلزم ذلك برامج مصالحة مع الذات وجبر ضرر الضحايا وإدماج حقيقي…

لا أزعم أو أقول هنا كما قد يتوهم البعض أن كل سجين إسلامي هو بالضرورة مغال او منحرف متنطع أو مشروع خراب. فهذه الفئة تبقى نادرة قليلة وسط العديد من السجناء الذين لهم حصانة فكرية أو نضج عقلي يمكنهم من اجتناب هذه المزالق  لكن العبرة ليست دائماً بالأرقام والأعداد إذا علمنا أن من خرجوا من بوكا السابق الذكر او غيره من سجون  أحدثوا كل هذا الضجيج في العالم لم يكن عددهم بالكبير.

ليس بالضرورة أن يكون كل سجين او معتقل مظلوما.!

هناك أناس طيبون مظلومون

وأيضا هناك آخرون مذنبون  كما يقول المثل .. صاحب الذنب يستحق العقوبة .. لكن الإشكال أن كل طرف يفسر قضيته حسب وجهة نظره دون مراعاة نظرة الطرف الثاني ( الخصم ) وهنا يحصل اللبس والغلط في تنزيل الأحكام …!

وهذا أمر يحتاج إلى  تمعن وتبين وتحري الدقة بين الطرفين للوصول إلى الحقيقة. اما التظاهر بالمظلومية واللعب على العاطفة الإنسانية هذا قد يسلكه الظالم (دموع التماسيح) والمظلوم معا.! والتاريخ مليء بهكذا قصص ومواقف من مختلف  الجماعات والأيديولوجيات…!

مثل اليهود الصهاينة أخزاهم الله.

يتظاهرون بالمظلومية وأنهم مورست في حقهم المذابح والمحارق ( الهولوكوست ) كذبا وخداعا للناس قد يكون منهم من ظلم وعذب وطرد وحرق لكن ليس بالعدد والصورة التي يروجوها ليغطوا عن جرائمهم الشنيعة ضد خصومهم ..!

يقول أفلاطون إنه لا يعرف معنى العدالة، ولكنه يعرف معنى غياب العدالة.! ربما يبدو هذا مدخلاً فلسفياً مناسباً للحديث عن الظلم، ذلك أن المظلوم عادة ما يفكر في أشياء كثيرة عندما يتعرض للظلم .. كما يقول ابو الطيب ؛ الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ

إلا أن قليلاً مِن البشر مَن يعترف بأنه ظلم ذات يوم نفساً بشرية، أو طيراً، أو حيواناً، أو حجراً، ذلك أنه حتى الظالم يشعر بفداحة هذا الفعل، ويحاول إبعاد نفسه عنه.

ومع هذا فقلّ أن تجد مَن لم يباشر هذا الفعل بشكل من الأشكال، إلى درجة أن الإنسان قد يظلم نفسه أحياناً على حساب مراعاة مشاعر الآخرين، وتقديم مصلحتهم على مصلحته، إما لإحساسه بالمسؤولية عنهم، أو لتقمصه دور المخَلِّص الذي عليه أن يضحي من أجل الآخرين، مقدماً نفسه قرباناً على مذبح الفضيلة.

الإحساس بالظلم شعور ينشأ عند الإنسان منذ الطفولة، فالطفل يشعر بأن والديه يظلمانه عندما يحرمانه من اللعب طوال اليوم،  ويحددان له وقتاً للدراسة.. وآخر للعب.. وثالث للنوم.. وهكذا.

والشاب يشعر بالظلم عندما يمنعه والداه من البقاء خارج المنزل حتى أوقات متأخرة من الليل، والفتاة تشعر بالظلم عندما تتدخل والدتها في اختيار ملابسها، وتحرص على معرفة من تصاحب من زميلاتها في المدرسة، وتسأل عن أسرهن وتتحرى عن أخلاقهن وسيرتهن..

وتكون قمة الشعور بالظلم عندما يكون للأهل الرأي الأول والأخير في اختيار الزوجة للابن، أو الزوج للبنت عندها تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، إذ يمثل هذا التدخل قمة الأنانية والظلم من وجهة نظر الأبناء.

هكذا تتكون منظومة الظلم عبر مراحل العمر المختلفة، وتنتقل مع الإنسان من مرحلة إلى أخرى، تبدأ مثل دائرة صغيرة على وجه بحيرة راكدة، ثم تكبر شيئاً فشيئاً، مكونة حولها دوائر كثيرة، حتى تغطي سطح البحيرة كله..!

هل يشعر الظالم بأنه يظلم بالقدر نفسه الذي يشعر به المظلوم عندما يتعرض للظلم؟ ربما يبدو هذا السؤال هو الآخر فلسفياً تنظيرياً أكثر منه واقعياً.

فحين يوقفك شرطي المرور، على سبيل المثال، في الشارع، بتهمة قيادة سيارتك بطيش وتهور، وتعتقد أنت أنك لم تقد سيارتك بطيش وتهور، وإنما حاولت أن تتفادى سيارة أخرى كانت على وشك أن تصطدم بك.

هنا يصبح للعدالة وجهان؛ وجه يراه شرطي المرور ولا تراه أنت، ووجه تراه أنت ولا يراه شرطي المرور الذي يخرج دفتره لمخالفتك،  ويصبح القاضي بعد أن تُحوَّل القضية إلى المحكمة، هو الفيصل الذي يحكم بين ما يراه الطرفان.

برغم أنه لم يشهد الواقعة، ويصبح تقرير شرطي المرور ودفاعك أنت عن نفسك هما ما يوجه كفة ميزان العدالة، وإلى أي ناحية تميل إلى ناحيتك أنت الذي تعتقد يقيناً أنك مظلوم، أم ناحية التقرير الذي أعده شرطي المرور الذي يعتقد هو الآخر يقيناً أنه لم يظلمك..

ولذلك فإننا كثيراً ما رأينا أناس (مجاهدين ) يتظاهرون بالمظلومية حسب وجهة نظرهم اما اذا نظرت في وجهة نظر الجهة (مجتمع او فرد ) التي تضررت جراء أفكارهم وأعمالهم قد تجدهم حقيقة “ظالمين” لهذا كان الحديث النبوي الشريف كما عند الإمامين البخاري ومسلم «قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار» وتعبير «قاضٍ» يصدق على كل من يكون بيده إصدار حكم يرجح كفة على كفة، مثل شرطي المرور.. والمدرس.. والمدير، وغيرهم ممن تترتب على أحكامهم نتائج يستفيد منها طرف، ويتضرر طرف…

العدالة تاج يسبح في فضاء من الأحكام المختلفة، يحاول كل حكم منها أن يضع هذا التاج على رأسه، وقليل من الأحكام من يحظى بارتداء هذا التاج، مثلما هم قلة أولئك الذين يستطيعون توجيه هذا التاج الوجهة الصحيحة.

القضاة صنف منهم، وهناك أصناف كثيرة تؤدي أدواراً تشبه أدوار القضاة، حتى لو لم تحمل أسماءهم، والله الهادي للصواب…

 

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

 




لهذا نجح نور الدين وصلاح الدين.. مع مقارنة واقعية مختصرة

لهذا نجح نور الدين وصلاح الدين.. مع مقارنة واقعية مختصرة

لهذا نجح نور الدين وصلاح الدين.. مع مقارنة واقعية مختصرة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

وبعد

توطئة

كثير من الذين قدّر الله لهم أن يكونوا في مراكز ذات نفوذ يتغنون بنور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله وهذا أمر طيب ومحمود، ولكن المؤسف لا نرى هؤلاء يقومون بنصف ما قام به نور الدين وصلاح الدين، والسبب في ذلك وبكل بساطة؛ أن نور الدين وصلاح الدين رحمهما الله قادا الحركة الجهادية التحررية بالعدل والإنصاف مع الأهالي عمومًا . وهذا هو المطلوب من أي قيادة تريد أن تقود شعبها إلى النصر والتحرير، أما الظلم والتعدي على حقوق الناس وعدم إنصافهم فإنه يجعلهم ناقمين على قيادتهم كارهين لها وهذا يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي تدريجيًا واستمرار الهزيمة والاحتلال.

وللمقارنة والوقوف على الأزمة التي يعانيها كثير من المتنفذين والذين هم سبب رئيسي في ارتباك المقاومة وزعزعة صفوف المجاهدين؛ سأذكر قصتين حدثتا مع نور الدين زنكي رحمه الله، وسأختم بحجم أملاك صلاح الدين الأيوبي رحمه الله والتي تدل على كيفية سير حياته وطريقته في الحكم.

مواقف سريعة؛ قال ابن الأثير في كتابه، التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية:

 أن نور الدين زنكي رحمه الله: طُلِبَ مرة من قبل أحد المُدَّعين فما كان من أحد كبار موظفيه إلا أن دخل عليه ضاحكاً وقال مستهزئاً: يقوم المولى-يقصد نور الدين- إلى مجلس الحكم، فأنكر نور الدين على الرجل سخريته وقال: تستهزيء بطلبي إلى مجلس الحكم؟ وأردف: يُحضر فرسي حتى نركب إليه: السمع والطاعة؛ قال الله تعالى: “إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا” (النور، آية: 51). ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة واستدعى أحد أصحابه وقال له: امضي إلى القاضي وسلم عليه وقل له: أني جئت هاهنا امتثالاً لأمر الشرع. انتهى

قلتُ: هذه هي صفات القادة الذين يكتب الله النصر على أيديهم، القادة الذين يستجيبون فعليًا لله ورسوله وتعاليم دينهم؛ فهنا لم يقبل نور الدين من هذا المتنفذ أن يسخر من المواطن الذي جاء يطلبه للقضاء، كما أنه بادر للاستجابة والتوجه للقاضي ليفصل بينه وبين المواطن الذي زعم أن له عنده حقًا، وهذا دليل على أنه يخاف الله فعلًا وأنه متواضع وعادل مع رعيته، وهذا من أهم أسباب النصر.

وفي نفس المصدر قال كذلك: ويوماً كان يلعب الكرة – هوايته المفضلة – في دمشق، فرأى رجلاً من أتباعه يحدث آخر ويومئ بيده إليه، فأرسل إليه يسأله عن حاله، فأعلمه أن له مع نور الدين خصومة حول بعض الأملاك، وطلب حضوره إلى مجلس القضاء للفصل في المسألة، فتردد الغلام في عرض الموضوع على نور الدين، ولكن هذا ألح عليه، فلما تبين له الأمر ألقى العصا من يده وخرج من الميدان وسار إلى القاضي كمال الدين وقال له: إنني قد جئت محاكماً فاسلك معي ما تسلكه مع غيري، فلما حضر المدعي ساوى كمال الدين بينه وبين خصمه وإذ لم يثبت ضده شيء قال للقاضي ولكافة الحضور: هل ثبت له عندي حق؟ قالوا: لا فقال: اشهدوا أنني قد وهبت له هذا المال الذي حاكمني عليه وقد كنت أعلم أنه لاحق له عندي وإنما حضرت لئلا يظن أنني ظلمته، فحيثما ظهر أن الحق لي وهبته إياه. انتهى

قلتُ: وهذا دليل على عفة نفسه وكرمها وأنه واثق منها ومن أقواله وأفعاله، لا كحال كثير من المتنفذين في زماننا والذين لا يجرؤ أحدهم على مواجهة الأهالي بسبب ظلمه لهم وتعديه على حقوقهم. ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

 

أما عن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله فلقد قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية:

أنه: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد – أي دينار واحد – صوريًا وستة وثلاثين درهمًا.

وقال بعضهم: سبعة وأربعين درهمًا، ولم يترك دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة ولا بستانًا، ولا شيئًا من أنواع الأملاك. انتهى

قلتُ: هذا صلاح الدين الأيوبي الذي قضى حياته مجاهدًا في سبيل الله بلسانه ويده وفاتحًا ومحررًا لديار المسلمين، وهذه أملاكه التي لا تعتبر شيئًا يُذكَر مع أنه كان قادرًا على جمع وادخار الأموال والأملاك الكثيرة ولكنه لم يفعل، بل كان ينفقها أولًا بأول في سبيل الله، فلم تكن الدنيا في قلبه بل كان الإسلام ونصرة المسلمين هو الذي يسكن قلبه وهو الموضوع الأهم بالنسبة له والذي قضى كل حياته من أجل القيام به على أحسن وجه، لذا وفقه الله وكتب على يديه النصر والتمكين للإسلام والمسلمين. فمن علم هذا ونظر لحالنا عرف الخلل. ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

الخاتمة:

يجب على المجاهد أن يشغل جل وقته في الإعداد-العلمي والميداني- والعمل لنصرة الإسلام وأهله، وعليه كذلك ألّا ينشغل بالدنيا وزينتها والمظاهر وبهرجتها. والله الموفق.

وعليه العمل من منطلق قول الله تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، مع مراعاة عدم إغفال واجبات ولوازم الحياة الدنيا بشرط عدم الانكباب عليها أو الانشغال بها وليعمل من منطلق قول الله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”.

والله من وراء القصد

 

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 




السیرة الذاتیة أمیرالمؤمنین الشیخ هبة الله آخندزاده حفظه الله

امارة افغانستان الاسلامية

السیرة الذاتیة لزعیم إمارة أفغانستان الإسلامی

أمیرالمؤمنین الشیخ هبة الله آخندزاده حفظه الله تعالی ورعاه

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله واصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه اجمعين وبعد!

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ماعاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا 23 لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً 24) الاحزاب .

أفغانستان مقبرة الغزاة و منارة العزّ والشهامة و الأمجاد، وهي موطن الأبطال و مدرسة الجهاد والاستشهاد والفدائیة. و إلی جانب صنّاع التاریخ من المجاهدین الفاتحین قدّم العلماء المتبحّرون من الفقهاء و المحدثین و المفسرین أیضاً في هذا البلد أروع الخدمات في مجالات العلم و التعلیم عبرالتاریخ.

إن کان السلاطین المسلمون من أمثال (محمود الغزنوي) و (شهاب الدین الغوري) و (أحمدشاه الأبدالي) قد حکموا الهند و خلّصوا المسلمین من شرّ الظالمین فإنّ الفقهاء و المفسرین و المحدّثین من أمثال الإمام أبي داود السجستاني، و شیخ الإسلام محمد بن محمد بن بکر الخُلمي، و الإمام أبي اللیث السمرقندي البلخي، و الإمام ابن حبّان البستي أیضا أناروا بلاداً من العالم الإسلامي بمصابیح العلم و الفقه والدرایة.

إنّ عائلات معظم النجوم اللامعة للعلم والدرایة والفقاهة في العالم الإسلامي عبر التاریخ کانت قد انتقلت من مختلف مناطق أفغانستان مثل (کابل) و(هلمند) و(هراة) و (بلخ) إلی مراکز الخلافة الإسلامیة في مکة المکرّمة و بغداد و دمشق. وقد قدّم أولئک العلماء خدمات جلیلة للإسلام والمسلمین في مجالات الفقه والحدیث والتفسیر. فنسبة إمام الفقه الإمام أبو حنیفة و نسبة راوي الأحادیث النبویة الشریفة و عالمها المحدّث المعروف مکحول الشامي رحمهما الله تعالی أیضا کانت إلی هذا البلد.

إنّ أولئک العلماء المتبحّرین رحمهم الله تعالی کانوا قد أسّسوا مراکز مشهورة للعلم و التعلیم في أفغانستان، وربّوا فیها مئآت الآلاف من العلماء عبرالتاریخ و قدّموهم لخدمة العلوم الإسلامیة في المجتمعات. و قد بدأت هذه السلسلة من عام 202 للهجرة النبویة الشریفة وامتدت إلی عصرنا الحاضر. و کانت لأفغانستان في هذه السلسلة الدورالعظیم في إحیاء و ترویج العلوم الدینیة، و تقديم العلماء الأجلّاء في علوم الفقة وأصوله، و في الحدیث وعلومه، و کذلک في علم التفسیر و البلاغة و المعاني، وعلميّ الصرف والنحو.

و ما یمیّزعلماء هذه السلسلة في أفغانستان من غیرهم من العلماء هو أنّ أساتذه العلوم الإسلامیة في هذا البلد یقدّمون لطلاّبهم الدروس في الدفاع عن الدین أیضاً إلی جانب تدریسهم لهم العلوم.

إن المعارک التي خاض الفاتحون خاضوا غمارها ضدّ الکفار في داخل أفغانستان و خارجها کان دور العلماء فیها أکبر و أبرز من غیرهم. فعلی سبیل المثال کان فتح السلطان محمود الغزنوي للهند عام 388هـ بترغیب و توجیه من علماء الإسلام. و کذلک کان العلماء علی مناصب علیا في حکومة السلطان شهاب الدین الغوري الذي کان یحکم شبه القارة الهندیة عام 559 هـ.

وفي عام 1160هـ حین ساق الأمبراطور الأفغاني أحمدشاه الأبدالي جیوشه لمساعدة مسلمي الهند کان الباعث و الدافع لتلک الغزوة هي أیضا إرشادات العلماء و توجیهاتهم التي حثّت ذلک الفاتح لنجدة إخوانه المسلمین في بلاد الهند.

وفي عام 1254 هـ حین نهض المجاهدون المقاومون ضدّ الغزو الإنجلیزي کانت قیادة تلک المقاومة الجهادیة أیضا بید علماء هذا البلد.

و کذلک في عام 1357 الهجري الشمسي  حین قام الشیوعیون الأفغان بالانقلاب العسکري بتحریض من الروس، و بعده في زمن احتلال الروس لهذا البلد أیضا کانت قیادة المقاومة الأفغانیة المجاهدة بید العلماء المجاهدین. و فیما بعد کان شرف إقامة إمارة أفغانستان الإسلامیة أیضا کان من نصیب العلماء، والتي کان زعیمها الأول أمیرالمؤمنین الملا محمد عمر المجاهد – رحمه الله تعالی-  و من بعده الشهید الملا أخترمحمد منصور رحمه الله تعالی. و بعد استشهاد الملا أختر محمد منصور اختیر لزعامتها العالم الجلیل أستاذ الأحادیث النبویة الشیخ هبة الله آخندزاده – حفظ الله تعالی – و الذي نقدم للقراء التعریف به ونبذة من سیرته الذاتیة في الأسطر التالیة:

المولد والنشأة:

وُلد شیخ الحدیث المولوي (هبة الله آخندزاده) بن الشیخ المولوي (محمدخان) بن الشیخ مولانا (خدای رحیم) في الخامس عشر من شهر رجب عام 1387هـ في أسرة علمیة معروفة بالعلم و الصلاح و التدین في قریة (ناخوني) من مدیریة (پنجوایي) بولایة (قندهار). و مرّت المرحلة الأولی من حیاته تحت رعایة و تربیة والده العلمیة.

أسرته:

عُرِفت أسرة الشیخ (هبة الله آخندزاده) فی منطقته بالعلم و الفضل و التقوی منذ قرون. یرجع أصل هذه الأسرة العلمیة إلی مدیریة (تخته پل) في ولایة (قندهار) و قد انتقلت فیما بعد إلی مدیریة (پنجوايي).

کان والد الشیخ هبة الله – حفظ الله تعالی- من الشخصیات المعروفة علماً و فقهاً بین علماء عصره في تلک المنطقة، و کان یحظی بمکانة علمیة و اجتماعیة مرموقة في مجتمعه. و کان له دور بارز في التربیة و نشر العلم و الصلاح في منطقته. و کان قد قدّم خدّمات جلیلة في مجالات الدعوة و التبلیغ و التدریس و الإصلاح. و کان رحمه الله تعالی قد ربّی کثیراً من التلامذة لخدمة الدین والدفاع عنه.

وفي 1357 الهجري الشمسي حین قام الشیوعیون الأفغان بقیادة (نورمحمد تَرَکی) و أحکموا سیطرتهم علی السلطة و زمام الأمور، کان الشیخ (خان محمد) رحمه الله تعالی من أوائل العلماء و المجاهدین الذین ثاروا ضدّ الحکم الشیوعي الإلحادي، و وقف خلفه في نهضته الجهادیة تلک عامة الشعب الذین رباهم في منطقة و تأثروا من دعوته، وکان هذا مما أثارعلیه حفیظة الشیوعیین الملحدین، و اعتبروا نهضته تهدیداً لسلطهم. و بدؤوا یخططون لتصفیة الشیخ رحمه الله تعالی، فاقتحموا بیته و مدرسته، إلا أن الشیخ کان قد نجاه الله تعالی من أسرهم حیث کان قد خرج إلی منطقة (ریگ) قبل أن یسعی الشیوعیون للهجوم علیه. فکان الشيخ یواصل تربیة للمجادین و مقاومة الشیوعیین مع المجاهدین الآخرین هناک في منطقة (ریگ).

و بعد أن انتشرت المقاومة الجهادية في قندهار، و ازدادت فيها قوتهم، رجع الشيخ (خان محمد) إلی المناطق الآهلة بالسکان، و استمرّ في خدمته الجهادية والعلمية.

بعد وفاة والده هاجر الشيخ هبة الله مع مئآت الآلاف الآخرين من أبناء بلده إلی باکستان بسبب مظالم الجنود المحتلين الروس الوحشية، و استقرّ في مخيّم (پيرعليزي) للمهاجرين بمقاطعة (بلوشستان) في باکستان بهدف العمل لتحرير البلد و إقامة النظام الإسلامي فيه.

دراسته الدينية:

بدأ الشيخ هبة الله آخندزاده دراسته الدينية الابتدائية والمتوسطة علی والده رحمه الله تعالی، فدرس عليه القرآن الکريم، و متون الفقه الابتدائية، و الصرف، و النحو، والأدب العربي، و علم المعاني، و أصول الفقه. و بعد ذلک توجّه إلی المدارس الدينية المشهورة لدراسة العلوم الشرعية العالية فأتمّ فيها دراسته، ثمّ أکمل دراسة الصحاح و السنن في الأحاديث علی الشيخين المعروفين(الشيخ المولوي محمد جان آغا) و ( الشيخ المولوي حبيب الله). و وضعت علی رأسه عمامة شرف التخرّج عام 1411هـ.

جهاده و کفاحه السياسي:

حين کان الشيخ في المراحل الأخيرة من دراسته کانت خنادق الجهاد في أفغانستان في أَشدّ سخونتها ضدّ القوات الروسية المحتلة، و کان الشباب و بخاصة طلبة العلم الشرعي یشتاقون للحوق بصفوف الجهاد ضدّ القوات الروسية والشيوعية. فکان الشيخ من أولئک الطلبة المشتاقين للجهاد، و کان قد قسّم وقته بين التعلم و الجهاد، حيث کان يذهب إلی جبهة الشيخ الـ(ملا محمد) المعروفة في ولاية قندهار للقتال ضدّ الروس و الشيوعيين في أيام الإجازات السنوية.

کانت جبهة الـ(ملا محمد آخوند) من الجبهات المشهورة في جنوب غرب أفغانستان، و هي الجبهة التي کان يجاهد فيها معظم من أصبحو فيما بعد مسؤولين لحرکة (الطالبان) بمن فيهم أمير المؤمنين الشهيد الملا أختر محمد منصور رحمه الله تعالی، و نائب رئيس الوزراء الملا محمد حسن آخوند. کانت تلک الجبهة تتبع في البداية لمنظمة حرکة الانقلاب الإسلامي للشخ محمد نبي المحمدي رحمه الله تعالی، و فيما بعد ارتبطت بمنظمة الحزب الإ سلامي للشخ محمد يونس خالص رحمه الله تعالی.

کان الشيخ هبة الله آخندزاده من الشخصيات الهامة وجاهة وعلما بين إخوانه في تلک الجبهة. و کان قد اشترک في القتال و الجبهات مع أميري المؤمنين الملا محمد عمر المجاهد و الملا أختر محمد منصور رحمهما الله تعالی، و کان قد أصيب بجرح أيضا في الجهاد. کان الشيخ آنذاک يقوم بتربية المجاهدين و توعيتهم الدينية، کما کان يتولی مسؤولية المرکز أيضا في بعض الأحيان. و کان يؤکّد علی مسؤوليّ المجاهدين في أمر تربية المجاهدين فکريا ضدّ الإلحاد والمعتقدات الضالة الأخری، لأنّ الروس والشيوعيين کانوا يحاربون الأفغان فکريا أيضا إلی جانب حربهم العسکرية. و في کثير من الأحيان تکون المقاومة الفکرية أکثر أهمية و ضرورة من المقاومة العسکرية. و لذلک کان الشيخ يرکز علی التربية الفکرية. و قد قدّم في هذا المجال خدمات ملفـتة للنظر.

يتمتع الشيخ بکفاءة و مهارة فائقتين في تدريس العلوم الشرعية بخاصة في الفقه و أصوله و في التفسير والحديث. و منذ أن تخرّج في عام 1411هـ واصل تدريسه لهذه العلوم إلی الآن إلی جانب جميع وظائفه الجهادية. وقد ربّی کثيرا من طلبة العلم في العلوم المذکورة.

لَقب الشيخ هبةالله بلقب (الشيخ) لباعه الطويل في تدريس الصحاح الستة في علوم الحديث. و يتصل سنده في رواية الحديث بسيدنا رسول الله صلی الله عليه وسلم عن طريق شيخيه الشيخ المولوي (محمد جان آغا) و (الشيخ المولوي حبيب الله).

دوره التأسيسي في حرکة الطالبان:

بعد انسحاب الروس و انهيار الحکومة الشيوعية حين بدأت الحروب الأهلية بين المنظمات،  و تورّط کثير من القادة في تلک الحروب، إلا أنّ الشيخ هبة الله آخوند زاده ابتعد مع بقية إخوانه المجاهدين في الجبهة عن تلک الحروب. و بصفته أستاذا و مرّبيا للمجاهدين في الجبهة اشتغل بالفعاليات العلمية والإصلاحية، ولم يشترک في الاقتتال الداخلي.

و حين نهض المرحوم الملا محمد عمر المجاهد للقضاء علی الحرب الأهلية و الفساد المستشري في البلد، وقف الشيخ هبة الله بصفته أحد الأصدقاء الجهاديين لمؤسس تلک الحرکة  إلی جانبه من بداية تأسيس حرکة الطالبان.

بعد تمکّن حرکة الطالبان من إحکام سيطرتها علی الولايات الجنوب غربية و إحداث التشکيلات الإدارية من قِبَل قيادة الحرکة تأسّست في إطار الحرکة في قندهار المحکمة العسکرية أيضا، و وُظّف فيها العلماء المعروفون  و المتخصصون علی مستوی البلد، و کان من بينهم الشيخ هبة الله آخوند زاده، و الذي کان تعرفه قيادة الحرکة بالعلم و الفقاهة و التقوی من أيام جهاده ضد الشيوعيين.

رئيسا للمحکمة العسکرية:

حين سيطرت قوات الإمارة الإسلامية علی مدينة (کابل) عام 1996م عيُّن الشيخ هبة الله بحکم خاص من أمير المؤمنين رئيسا عاما للمحکمة العسکرية في العاصة (کابل). و بعد ترتيب أمور المحکمة في کابل و إجراء الإصلاحات اللازمة فيها فُوِّضت إليه مسؤولية المحکمة العسکرية للإقليم الشرقي لأفغانستان. و حين رتّب أمور المحکمة في الولايات الشرقية و بخاصة في ولاية (ننگرهار) و عمِل هناک لسنتين عاد منها بحکم أمير المؤمنين إلی کابل و استمرّ في رئاسة المحکمة العسکرية إلی نهاية حکم الإمارة الإسلامية.

لماذا رئيسا للمحکمة العسکرية؟

إن ّ من أبرز ميزات حکم الإمارة الإسلامية کان توفير الأمن المثالي في البلد، و قد اعترف الأعداء أيضا بهذه الحقيقة. و کان لتنفيذ حدود الله تعالی إلی جانب إصلاح النظام التأثير الأکبر في توفير الأمن. و حين قامت الإمارة الإسلامية کانت  تجربة مسؤوليها جديدة في مجالات النظام و الإدارة والأمن و القضاء، و کانت الوسائل و الإمکانيات الأمنية تقرب من الصفر، إلا أنّ الطالبان بتنفيذهم للحدود الشرعية استطاعوا أن يأتوا بالأمن المثالي إلی البلد الذي استمرّت فيه الحرب لعشرين عاما، وقد  اعترف بهذه الحقيقة الصديق والعدوّ.

إنّ الأمن يستتبّ بتطبيق الحدود الشرعية حين يتمّ تنفيذها وفق الشريعة الإسلامية، و لذلک کانت تسعی الإمارة الإسلامية إلی تعيين الأشخاص الأکفاء علی رأس الإدارات العدلية والقضائية من علماء الشرع الذين کانوا يدرکون فلسفة تطبيق الحدود الشرعية و يعرفون تطبيقها في ضوء الکتاب والسنة والتعاليم الشرعية.

إنّ أمر تنفيذ الحدود الشرعية في الإمارة الإسلامية کان مفوّضا للمحاکم الشرعية، و کانت مسؤولية الإصلاح و المؤآخذة  في الجبهات الجهادية و في صفوف القوات الأمنية قد فوّضت بشکل خاص إلی المحکمة العسکرية. فکانت المحکمة العسکرية تقتضي أن يکون علی رأسها شخص يتمتّع بالکفاءة العلمية و التخصصية ليتحمل مثل هذه المسؤولية التنفيذية.

و للتعيين علی الوظائف الهامة کانت الإمارة تؤکّد علی وجود صفتين في الشخص المتعيّن و هما: السابقة الجهادية، و العلم الشرعي.و کان الشيخ هبة الله يتصف بکلتا هاتين الصفتين، ولذلک اختير من قبل أميرالمؤمنين لمثل هذه الوظيفة الهامة. و کان اختيار أميرالمؤمنين للشيخ هبة الله لهذه الوظيفة ينطوي علی المصالح الهامة التالية:

المحکمة العسکرية في العاصمة کابل کانت أهمّ إدارة فُوِضت إليها صلاحية تنفيذ الحدود.

إن تنفيذ الحدود بقدر ما هو مهم و سبب لإصلاح المجتمع، يُحتاج في تنفيذها إلی جههَ منفذة تتحلی بالعلم و الفقاهة والدقَة والتعقل والعاطفة الإنسانية الفياضة. و کان أميرالمؤمنين رحمه الله تعالی قد أحسّ هذه المواصفات في الشيخ، و لذلک فوض إليه هذه المسؤولية. و في کل مرة حين کان يُنفَذ حکم القصاص من قبل قضاة المحکمة الشرعية المتخصصين کان الشيخ يطلب  بنفسه قبل الآخرين العفو من ورثة المقتول للقاتل، و کان يذکر لهم  الآيات و الأحاديث في فضل العفو عن القاتل في الشريعة الإسلامية. و کان يلحّ عليهم في الطلب للعفو عن القاتل، کما کان يستشفع الوجهاء و الشيوخ و العلماء من الحاضرين لمشهد القصاص أن يطلبوا العفو من ورثة المقتول للقاتل. و کان يطلب العفو للقاتل بصفته أحد العلماء و الوجهاء، لا بصفته مسؤلا حکوميا. و بسبب مثل هذه الجهود العاطفية کثيرا ما کان يُعفی عن القاتل من قبل ورثة المقتولين و يحظی بحياة جديدة.

و کذلک حين کان يصدر القضاة  حکما في مرتکبي الجرائم الجنائية کان الشيخ يبذل قصاری جهده البشري في رعاية الأصول والمقررات الفقهية في إثبات الجريمة، و کان يمهّد بقدر الإمکان لدرء تنفيذ الحدّ وفق القاعدة الشرعية (الحدود تندرئ بالشبهات).

فيِظهر مما ذُکر أنّ الشيخ هبة الله حين کان في زمن حکم الإمارة الإسلامية في المحکمة الشرعية کان يقوم بدوره في تطبيق الحدود الشرعية بصفة شخص متعقل بالغ الاحتياط و صاحب عاطفة فياضة، و هو الآن أيضا بتلک الصفات المذکورة  يلتزم بصفته أميرا للإمارة الإسلامية بإجراء الأمور الجهادية و جميع الأمور الشرعية في حدود الشريعة الإسلامية.

دوره الهام في بدء الجهاد مرة أخری ضدّ المحتلين:

حين هجم الأمريکييون و حلفاؤهم علی أفغانستان عام2001م، و بدأت قيادة الإمارة تنظيم صفوفها من جديد بعد وقفة تکتيکية، کان للشيخ هبة الله دور مؤثر و خاص في هذه المرحلة في الإعداد والجهاد.

في بداية الإحتلال الأمريکي لأفغانستان کان القيام بأي نوع من الفعاليات الجهادية من شبه المستحيل بسبب الملاحقات الأمريکية، فقد قام الشيخ هبة الله مع عدد آخر من الشيوخ والعلماء المجاهدين في تلک الظروف الصعبة الحسّاسة بجهود جبّارة في تنظيم و ترتيب صفوف المجاهدين. کان کل من الشيخ المرحوم غلام حيدر و الشهيد الشيخ عبدالسلام والشيخ عبدالحکيم حفظه الله تعالی شرکاء الشيخ في تلک الخدمة التاريخية حيث کانوا جميعا يدعون الشعب اأفغاني المسلم إلی خنادق المقاومة الجهادية، و کانوا بعلمهم و ببيانهم للقرآن و الأحاديث يرغّبون الناس لإعلاء کلمة الله تعالی و للدفاع عن الدين.

إنّ إنهاض و إعداد الشعب الأفغاني الأعزل الذي نکبته الحروب لمقاومة التحالف الصليبي بقيادة أمريکا لم يکن بالأمر الهيّن، لأنّ هذا الشعب کان قد قدّم بإسم الدفاع عن الإسلام و الجهاد في زمن الاحتلال السوفياتي مليونا و نصف المليون من الشهداء، و هاجر قرابة سبعة ملايين منهم من بلدهم، و کان هناک بالملايين من الأسری والجرحی و المعاقين، إلا أنّ جميع تلک التضحيات ذهبت هدرا بسبب الخلافات و المعارک بين قادة بعض التنظيمات. و أصيب الشعب الأفغاني المجاهد بالإحباط و اليأس. و لکن بفضل جهود الشيخ هبة الله و بجهود إخوانه الشيوخ الآخرين المتواصلة، و بخطبه العلمية واستدلاله الفصيح البليغ انتفض الشعب الأفغاني المجاهد ضدّ الغزاة الصليبيين، و بدأ جهاده بأيدي شبه خالية ضدّ التحالف الکفري العالمي الذي کانت تقوده أمريکا. وقد أثبت الشعب الأفغاني المجاهد خلال هذه المقاومة أنّ الأفغان مهما کانوا ضعفاء و مهما کانت أيدهم خالية من الأسلحة فإنّهم رغم کل ذلک يقومون للجهاد ضدّ الغزاة، و يکونون في ثقة من أنّ النصر في مقابل الباطل سيکون حليفهم ليقينهم بقول الله تعال:(وکان حقا علينا نصر المؤمنين).

إنّ وقوف أمثال الشيخ هبة الله من أهل العزم من العلماء  وراء المجاهدين  و تحريضهم و تأييدهم المعنوي لهم  کان من العوامل التي استطاع بها المجاهدون أن يهزموا التحالف الصليبي العالمي بقيادة أمريکا، و قوات أکبر تحالف عسکري کالأطلسي هزيمة تاريخية بأيدي شبه خالية. و قد عمل الشيخ خلال الخمس عشر سنة الماضية بوظايف مسؤول لجنة الدعوة والإرشاد، و قاضي محکمة التمييز،  والرئيس العام للمحاکم.

نائبا لقيادة الإمارة الإسلامية:

في عام 2016م حين أُعلن من قّبل الشوری القيادي عن وفات أميرالمؤمنين الملا محمد عمر رحمه الله تعالی، عُيّن الشهيد الملا أختر محمد منصور أميرا للمؤمنين، و عُيّن الشيخ هبة الله نائبا له.

کان الشهيد أميرالمؤمنين بموهبته التي وهبها الله إياه صاحب مهارة خاصة في تعيين الأشخاص و المسؤولين. و کان يعرف تقريبا جميع المسؤولين بأشخاصهم، وکان وظّف کل واحد منهم في الوظيفة التي تلائم علمه وکفاءته. وکان من بين أولئک المسؤولين الشيخ هبة الله أيضا، والذي کان الأمير الشهيد قد أدرک کفاءته العلمية و وجاهته الاجتماعية بين المجاهدين، و لذلک اختاره لمنصب نائب الأمير في الهيکل الإداري للإمارة الإسلامية ليُستفاد من کفاءته العلمية والعملية في هذا المنصب العالي. کان الشهيد أميرالمؤمنين موفّقا جدّا في هذا الاختيار، حيث تسبّب تعيين الشيخ في هذا المنصب في توحّد جميع المسؤولين العسکريين والمدنيين و تجمّعهم.

عمل الشيخ هبة الله لعشرة شهور کاملة في هذا المنصب، و قد کانت الإمارة الإسلامية في هذه الفترة تواجه تهديدات شديدة من قِبَل الأمريکيين و حلفائهم.

بعد وفات مؤسس الإمارة الإسلامية اتّخذ بعض الناس موقفا مخالفا للأمير الجديد، فکان في إقناع أولئک الناس وإصلاحهم بالعلم و الدليل دور کبير للشيخ هبة الله حفظه الله تعالی. فبذل الشيخ جهودا کبيره في هذه المرحلة الهامّة من تاريخ الإمارة الإسلامية، و قد اجتمع مرّات بقصد توحيد صف المجاهدين بالعلماء و الوجهاء و مسؤولي المجاهدين، و في جميع هذه الإجتماعات و اللقاءات کان يرکّز الشيخ علی وحدة صف المجاهدين. فکانت نتيجة جهود الشيخ و إخوانه العلماء الآخرين أن حفظ الله تعالی صفّ المجاهدين بقيادة أميرالمؤمنين الشهيد الملا أختز محمد منصور رحمه الله تعالی من التشتت والتفرّق، ووقف جميع أعضاء الشوری القيادي متفقين وراء أمير المؤمنين الشهيد الملا منصور رحمه الله تعالی، و بايعه  ولاة جميع الولايات والمسؤولون المجاهدون و وجهاء الشعب و جميع أطيافه علی دوام الجهاد ضدّ الغزاة الأمريکيين و أعوانهم.

زعيما للإمارة و أميرا للمؤمنين:

حين استشهد أمير المؤمنين الملا أختر محمد منصور رحمه الله تعالی بتاريخ14/8/1437هـ في غارة جوّية لطائرة أمريکية مسِّرة،  عيّن الشوری القيادي باتفاق الآراء الشيخ هبة الله أميرا للإمارة الإسلامية والقائد سراج الدين الحقاني  والمولوي محمد يعقوب بصفة مساعدَين له.

إنّ تعيين الشيخ هبة الله أميرا للإمارة الإسلامية هو العامل والسبب الأهم في تحقق المصالح الجهادية وفي استمرار الجهاد ضدّ الغزاة الأمريکيين وأعوانهم، وکذلک في الحفاظ علی وحدة صف الإمارة الإسلامية. و مع أنّ الشوری القيادي للإمارة الإسلامية کان في أعضائها کثيرين ممن کانوا يحظون بالشهرة العسکرية والسياسية ولکنهم باتفاق الآراء اختاروا لهذه المسؤولية الشيخ هبة الله لمکانته العلمية والجهادية و للحفاظ علی وحدة الصف الجهادي.لأنّ الشيخ يتمتّع بثقة ومکانة کبيرة بسبب المحبوبية الخاصة له في قلوب جميع أرکان و مسؤولي وعامة مجاهدي الإمارة، و قد حباه الله تعالی بصلاحية تجمّع جميع المسولين والمجاهدين حوله.

توجهه المذهبي والفکري:

الشيخ هبة الله عالم مذهبي مثل العلماء الآخرين في أفغانستان، و يتبع المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة والجماعة. و توجهه الفکري هو اتّباع السنة و منهج السلف الصالح من هذه الأمة. يبتعد الشيخ عن کل التعصبات المذهبية والفکرية والتنظيمية، و يخالف بشدّة البدع والخرافات. و يعتبر وحدة الأمة رمز انتصار المؤمنين الأصلي، و يعتبر التفرق عامل شقاوتهم.

و في المطالعة العلمية للشيخ شغف کبير في سيرة النبي صلّی الله عليه وسلم. ولذلک حين ذهب للحج عام1999م کان في اشتياق زائد لرؤية المقامات التاريخية المذکورة في السيرة النبوية الشريفة مثل جبل الرماة و جبل (أحد) و ميدان غزوة (أحد) الذي جرح فيه النبي صلی الله عليه وسلّم، و استشهد فيه عمّه حمزة  رضي الله عنه في تلک الغزوة.

بعض خصوصيات حياته:

للشيخ مشخصات خاصة في حياته  العلمية و الاجتماعية، و ينظر إليه جميع مسؤولو و أفراد الإمارة الإسلامية بصفة شخصية جامعة و محترمة، و هذا ما جعله يقوم  بدور هام في جمع شمل المجاهدين في وقت استشهاد أميرالمؤمنين، و کذلک في وقت مبايعة المجاهدين له، و قد بايعه الجميع بالاتفاق ولم يخالفه أحد.

يقوم الشيخ منذ عشر سنوات ماضية علی التوالي بتدريس تفسير القرآن الکريم والأحاديث النبوية الشريفة، و له أعداد کبيرة من التلاميذ في أفغانستان. يتمتّع الشيخ إلی جانب غزارة علمه بالفصاحة و قوة البيان أيضا، والتي تؤهله لإقناع الجهة المقابلة بسهولة.

يتصف بالحزم والجزم في تنفيذ قراراته. هو قليل الکلام ولکن کلامه في وقت الضرورة يکون جادّا ومؤثّرا. و مع أنّه الآن في العقد الخامس من عمره إلا أنّه يعشق التدرّب و الإعداد للجهاد. الطمأنية و الوقار و الرحمة من ميزاته الأساسية. حياته بعيدة عن التکلف، ولا يُری أثر الرفاهية في مطعمه و ملبسه و مسکنه. و في وقت اللقاء يحس المرء کأنّه أخاه الودود أو أستاذه المشفق. يهتم بکل دقة بالأمور الجهادية، و بدل المطالعة و التدريس قد فرّغ الآن معظم وقته لتنظيم وتنسيق الشؤون الجهادية ومتابعتها. انتهی

 

جمع وترتيب – قسم التاريخ باللجنة الثقافية

۱۴۳۸/۳/۱۴هـ ق

۱۳۹۵/۹/۲۴هـ ش ـــ 2016/12/14م