1

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ( 1 من 2)

دور إبن العلقمى والشيعة فى إسقاط الدولة العباسية

 

مقدمة :

دخلت الأخطاء التاريخية ـ إلى صلب التوجيه الإستراتيجى لجماعات جهادية هامة . وفى ذلك تعميق لإنحراف المسار ، وإرتداد الجهاد إلى صدور الأمة بدلا من أن يكون وسيلتها للنهوض.

فلابد من وقفة تأمل لإعادة النظر فى مصادرنا التاريخية ، ومراجعة المقولات الجاهزة التى تضلل المسيرة ولا تقودها، لأنها مخالفة لحقائق التاريخ. فلابد من تصحيح الرؤية بناء على الحقائق وليس على أكاذيب وكمائن فكرية .

يقول زعيم جهادى مهم فى توجيه إستراتيجى لجماعتة خاصة وللأمة الإسلامية عامة :

{ إخوانى المسلمين المجاهدين فى كل المجموعات وكل مكان …

إننا نواجه اليوم عدوانا أمريكيا أوروبيا روسيا رافضا نصيرياً يذكرنا بتحالف الرافضة مع التتار ضد الخلافة العباسية ، وبتحالفهم مع الإفرنج ضد الدولة العثمانية .

…  فعلينا أن نقف صفاً واحداً من تركستان الشرقية حتى مغرب الإسلام فى وجه الحلف الشيطانى المعتدى على الإسلام وأمته ودياره } .

من الواضح أن المقصود الأساسى هو مأساة سوريا والأطراف المشاركة فيها والمآسى التى نتجت عنها . لهذا وضع البيان الجهادى (روسيا والرافضة والنصيرية) فى جملة واحدة. وركز جُلَ ثقله على الرافضة، وموقفهم الذى ذكَّرَهُ بتحالفهم مع التتار ضد الدولة العباسية ثم مع “الفرنجة”!! ضد الدولة العثمانية، مطالباً الأمة بأن تتحد ضدهم بإعتبارهم عنصراً رئيسياً للخطر الماثل أمامها.

فكان لنا جولة سريعة فى مفاصل ذلك الإتهام التاريخى .. ليس دفاعا عن فرد أو فئة بل دفاعاً عن أمَّة . إذا كانت رؤيتها خاطئة ومشوشة ومنافية لحقائق التاريخ فلا أمل من كثرة الحركة طالما هى فى الإتجاه الخاطئ ، فهى لن تزيدنا عن هدفنا إلا بعدا .

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

أمة ممزقة .. وخلافة متصدعة :

ترافق تصدع ثم إنهيار الخلافة العباسية فى المشرق الإسلامى، مع تصدع كبير للخلافة الإسلامية فى الأندلس ــ وكانت خلافة أموية ــ وفقد المسلمون هناك بعض مدنهم الهامة ، مع تقدم مستمر للصليبيين داخل أراضيهم. وصراع مرير بين ملوك الطوائف الذين مزقوا وحدة الأندلس . تزامن ذلك مع صراع ملوك الأيوبين فى الشرق . وعاصفه التتار متعاظمة التمدد بقوة وسرعة غير معهودة فى فتوحات الأمم . وتجَذَرَالصليبيين فى الشام ـ رغم إستعادة القدس على يد صلاح الدين ـ إلا أن صراع ملوك الأيوبيين من بعده، أدى إلى تفريطهم فى القدس وأعادتها مرة أخرى إلى الصليبيين، فى مقابل أن يدعموا طرفاً من الأيوبين ضد طرف آخر . وضاعت القدس بهذه البساطة ، لولا إعصار آخر ـ لا يقل عنفا عن إعصار التتار ـ ولكنه أقل حجما ـ وهو إعصار الخوارزميين المسلمين ـ الذى حفظ التوازن الإسلامى فى المشرق بقوته وعنفه الذى تجاوز حدوده أحياناً عديدة، حتى قارن الناس بينهم وبين التتار ، فى الإضرار بالمسلمين .

صراع الملوك الأيوبيين حرك أطماع الصليبين ليس فقط لإستعادة ما حرره صلاح الدين فى بلاد الشام ، بل تطلعوا إلى جذور القوة الأيوبية وهى مصر . فهاجموا دمياط واحتلوها وحاولوا الزحف منها إلى القاهرة، فكانت لحظة خطر إستثنائية فى تاريخ المسلمين حتى ذلك الوقت.

– ظهور صلاح الدين وتحرير القدس ـ كان ومضة ضوء باهرة فى تاريخ المسلمين إلى الآن ـ وخاصة فى تلك الفترة الحالكة ـ ولكن ذلك لم يغير مسيرة دولة الخلافة العباسية وانحدارها السريع نحو السقوط .

سنورد بعض التواريخ فى محاولة لتتبع الأحداث الكبرى، بدون التوسع فى تفاصيل تلك السنين الذاخرة بالحركة والتغيير .

(567 هـ ) سقوط الدولة الفاطمية ، وقيام الحكم الأيوبى فى مصر والشام .

(583 هـ ) صلاح الدين الأيوبى يفتح مدينة القدس. أى بعد مضى 16سنة فقط من تأسيس دولته.

ولكن  فى عام (626 هـ ) قام الملك العادل الأيوبى بتسليم القدس للصليبيين فى صفقة تحالف مع الأمبراطور فردريك ملك الفرنجة .

(616 هـ ) جاء ذلك العام بكل نذر الشر للمسلمين فى أكثر مواقهم حساسية:

1 ـ عندما نزلت قوات الفرنجة الصليبيين إلى مدينة دمياط الساحلية فى مصر واستولوا عليها وحولوا جامعها إلى كنيسة .

2 ـ  إضافة إلى خطر أكبر جاء من المشرق فى نفس العام بظهور قبائل التتار من جبال طمخاج فى الصين بقيادة ملكهم جنكيزخان .

عام (617 هـ ) كانت إمتدادا للعام الذى سبقه . فقد إنقضى وفى مصر حرب بين المسلمين والصليبيين فى دمياط والمنصورة . أما التتار فقد إنطلقت عاصفتهم فإستولوا على مدينة سمرقند(فى أوزبكستان) وهزموا السلطان علاء الدين ، وملكوا الرى (قرب طهران الحالية ) وهمزان وقزوين ، وحاربوا الكرج وملكوا فرغانه (تمتد بين أوزبكستان وقرغيزستان ) ، وترمز وخوارزم (فى أوزبكستان) وخراسان ومرو ونيسابور وطوس (مشهد فى إيران) وهيرات وغزنى . أى مساحات شاسعة جدا فى أسيا الوسطى وأفغانستان وإيران .

عام ( 618 هـ ) وفيه إستولى التتار على مراغة وهمزان وتبريز(فى إيران) . وفى مصر هُزِم الصلبييون فى دمياط ، وجاء القساوسة والرهبان لتسليم المدينة للمسلمين، وتقررت الهدنة 8  سنوات على أن يُطلِق كل طرف ما لديه من أسرى .

 

“الخليفة” يطلب من التتار إحتلال بغداد !!

كل ذلك والخلافة فى بغداد تراقب مصادر الخطر لتتقي العواصف التى تحيط بها شرقا وغربا بدون أن تقوم فيه بأى دور إيجابى يذكره لها التاريخ . عمليا لم تكن هناك (خلافة عباسية) خارج نطاق الإحتفالات الدينية ، وتقديم الولاء الشكلى للخليفة كأحد الطقوس الدينية .

– المقريزى أحد أوثق المؤرخين لتلك المرحلة يقدم شهادة كاشفة لبؤس الحالة التى وصلت إليها الدولة العباسية فى سنواتها الأخيرة ـ وتدهور “مؤسسة الخلافة ” وتدنى مستوى “الخلفاء”. فأصبح كل ما فى بغداد وكأنه مهرجان ـ أو كرنفال ـ لفنون التراث وليس لدولة كانت تتصدر العالم لما يزيد عن خمسة قرون .

يقول المؤرخ المقريزى : (ص 340ـ الجزء الثانى ـ كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك) :

( 622 هـ ) وفيها مات الخليفة الناصر لدين الله أحمد بن المستضئ بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف ، وله فى الخلافه 47 سنة غير 36 يوما .

وكان ردئ السيرة فى رعيته ، ظالما عسوفاً ، خَرُبَ العراق فى أيامه ، وتفرق أهله فى البلاد .

فأخذ أموالهم وأملاكهم . يفعل الأشياء المتضادة ، يركب بين الناس ويجتمع بهم مع سفكه للدماء. فى خلافته خَرَّب التتر بلاد المشرق حتى وصلوا همذان ، وكان هو”الخليفة” السبب فى ذلك، إذ كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفا من السلطان علاء الدين محمد بن خوارزم شاه ، لما هَمَّ بالإستيلاء على بغداد وأن يجعلهم دار ملكه .

– المهم فى ملاحظات المقريزى الصادمة هو أن دعوة التتار”الكفارالوثنيين” لإحتلال بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ، كان مصدرها (خليفة المسلمين نفسه) نتيجة خوفه من سلطان مسلم (سُنِّى) قادم من الشرق .

ذلك الخليفة فى بغداد يأتى بأفعال متضادة، كأن يقتل الناس ثم يتقرب إليهم ، ويصادر ممتلكاتهم ويشردهم فى كل فج عميق.

 

“الخليفة” .. بَقَّال فى “دكان الخلافة” !!

يقول المقريزى: لم يمت الخليفة الناصر لدين الله حتى عمي ، وقيل كان يبصر بإحدى عينيه ، وقام بالخلافة من بعده إبنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد ـ وكان عمره يوم مات أبيه ما ينيف على 50 سنة وكان يقول : (من يفتح دكانه العصر متى يستفتح ؟).

ولما وُلِيَّ أظهر العدل وأزال عدة مظالم وأطلق أهل السجون وظهر للناس، وكان الخلفاء من قبله لا يظهرون إلا نادراً .

{ومع ذلك فالخليفة يرى فى الخلافة مجرد دكان للإسترزاق . وأن تأخُرْ توليه الحكم جعل فرص الرزق أمامه محدودة، فقد تخطى الخمسين}.

 

آخر الخلفاء العباسيين يترك الحكم للحاشية ويدفع الأموال للتتار :

نمضى مع إيجاز المقريزى وملاحظاته الدقيقة التى تلامس أعماق الحدث وتوضح أبعاده ، فيقول:

– عام(640 هـ) مات الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين بعد أن فُصِدَ بمِبضَع مسموم : وفى أيامه عمرت بغداد عمارة عظيمة . وفى أيامه قصد التتار بغداد( ملاحظة : كان لديهم دعوة من الخليفة السابق ـ الناصر لدين الله )ـ فاستخدم المستنصر بالله العساكر ، حتى زادت عن مئه ألف (!!) إنسان .

قام بالخلافة بعده إبنه المستعصم بالله ، وقام بأمره أهل الدولة (ويقصد أن رجال الحاشية تولوا إدارة الدولة نيابة عنه ). وحسَّنوا له جمع الأموال ، وإسقاط أكثر الأجناد ، فقطع كثيرا من العساكر ، وسالم التتر ، وحمل إليهم المال .

هذا الخليفة المتهافت المتابع لنهج جده الخليفة (الناصر لدين الله) فى الإنحناء للتتار ودفع الجزية لهم . كان آخر خلفاء بنى العباس .

كان نهماً للمال ، فطرد الجند لتوفير المال، الذى بذل منه للتتار ـ وتفرغ هو للأنس داخل القصر مع الجوارى تاركا أمور الدولة للكبراء النافذين من الحاشية . وعلى رأسهم التعيس إبن العلقمى (الشيعي) الذى تَحَمَّل فى النهاية ـ على يد مؤرخى الفتنة وترويج الجهالة ـ وِزر كل إنحطاط الدولة العباسية فى طور سقوطها . قائلين أنه سَلَّم بغداد للتتار ـ رغم أن ذلك المشروع هو من إبتكار الخليفة “الناصر” الذى دعا التتار رسميا لإحتلال بغداد حتى لا يأخذها منه الملك الخوارزمى المسلم السُنِّي !! .

ومع ذلك كان المستعصم موضع إحتقار هولاكو ملك التتار الذى قال عنه “كانت نفسه خسيسة ـ جَمَع المال ولم يعبأ بالرجال ” .

 

خليفة ضعيف وحاشية فاسدة :

حاكم بمثل هذه الطبيعة يختار أسوأ المستشارين ، طالما يجمعون له أكبر قدر من الأموال . فيعيثون فى الأرض فسادا ، ويستغلون سلطة الدولة أسوأ إستغلال .

من الخيارات السيئة للخليفة كان إبن العلقمى نفسه . فقبل أن يضعه على رأس إدارة الدولة بدرجة (وزير)، كان يشغل منصب(إستادار) أى مدير تشريفات . والتجارب تثبت أن الحاكم الضعيف الفاسد هو من يستريح بوجود وزير منافق إنتهازى ـ مجرد تشريفاتى قبل كل شئ ـ ولكنه تقريبا يدير الدولة بإسم الحاكم ونيابة عنه!! .

(فى عام642هـ ) تولى إبن العلقمي منصبه الرفيع على رأس الجهاز التنفيذى (وزير) .

(عام652هـ) من ليل التتار المظلم تشرق إطلاله نور ، سيكون لها أثر كبير فيما بعد . فقد أسلم ملك التتار بركة خان (إبن جوش خان ابن جنكيز خان ) أى الجيل الثالث من ملوك التتار. وأظهر شعائر الإسلام فى مملكته ، واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء . وأسلمت زوجته (جِكْ جِكْ) وإتخذت لنفسها مسجداً من الخيم .

يقول المقريزى : (وفى عام654هـ) وصل جواسيس هولاكو إلى الوزير مؤيد الدين بن العلقمي فى بغداد .” أى بعد توليه الوزارة بإثنى عشر سنة”.

وكان الخليفة المستعصم قد وثق به وألقى إليه زمام أموره، تحدث معه الجواسيس ووعدوا جماعة من أمراء بغداد مواعيد {والخليفة فى لهوه لا يعبأ بشئ”حسب نص المقريزى“} .

 

سقوط بغداد ومصرع آخر الخلفاء العباسيين:

(فى عام656) : دخل التتر بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم فى السادس من صفر ، فانقرضت دولة بنى العباس .

يقول المقريزى عن أفعال التتر فى بغداد : وقُتِل الناس ببغداد ، وتمزقوا فى الأقطار ، وخرَّب التتار الجوامع والمساجد والمشاهد ، وسفكوا الدماء حتى جرت فى الطرقات، واستمروا على ذلك أربعين يوما ، وبلغ القتلى ألفي ألف إنسان .

–  عند حديثه عن سقوط دولة الخلافة العباسية ،أورد المقريزى الحديث الشريف التالى : عن حبيب بن ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبه ، أن رسول الله قام فقال : (يامعشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم وأنتم ولاته حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شر خلقه ، فالتَحُوُكُم كما يُلتَحَى القضيب ) .

– إستمرت الخلافة العباسية أزيد من خمسة قرون كانت فيها الإمبراطورية الأقوى فى العالم .

ثم بدأ يدب فيها الضعف والشيخوخة ، وتمزقت إلى ممالك عديدة شرقاً وغرباً، وأصبح الخليفة فى بغداد رمزا إسلاميا أكثر منه حاكما فعليا . كما أن المناطق الخاضعة له مباشرة تقلصت كثيرا لصالح الممالك الناشئة التى كانت إجمالا أقوى وأغنى من المركز فى بغداد، وحاول بعضها بسط سيطرته على مؤسسة الخلافة فى بغداد . وتنافست فى ذلك عدة دول . فى الشرق كانت القوه الأكبر هى للخوارزميين فيما يعرف الآن آسيا الوسطى ومراكزهم الحضارية القوية فى بخارى وسمرقند ومرو (فى أوزبكستان وتركمانستان الحالية) .

وفى مرحلة متأخرة خشي الخليفة فى بغداد من طموح ملوك الخوارزميين وقوتهم فإستعان مرة بممالك غرب بغداد خاصة الأيوبيين فى الشام ومصر . وأحيانا بأتراك الأناضول رغم قوتهم المتواضعه حتى ذلك الوقت . حتى وصل الأمر لأن يستعين الخليفة بالتتار عندما ظهروا كالإعصار الغاضب ، فإكتسحوا بلاد الإسلام الشرقية من خوارزم حتى تخوم العراق .

وكان الخليفة يأمل فى تحييد قوة الخوارزميين بقوة التتار الناشئة ثم ظهر له أن خطر التتار(الكفار) على بلاده لا يقل عن خطر الخوارزميين (المسلمين).

“عام 567 هـ” ـ بعد سقوط الخلافة العباسة بعامين ـ تمكن الأيوبيون من إقتلاع الدولة الفاطمية التى يحكمها خلفاء على المذهب الشيعى من عاصمتهم فى القاهرة . وبقوة صلاح الدين وعبقريته السياسية والعسكرية تمكن من بناء دولة أيوبية قوية على الركيزتين الجبارتين : مصر والشام . ومكنه ذلك من تحرير القدس “عام 583 هـ “. فكانت ومضه ضوء مازال إشعاعها يضيئ تاريخ المسلمين .

لكن بموته تنازع أمراء البيت الأيوبى وتقاسموا البلاد فى ممالك صغيرة، صراعها الداخلى يغطى على كل ما عداه . وتحالف الملوك الأيوبيين ضد بعضهم البعض مع الصليبين مرة ومع الخوارزميين مرة أخرى. فكانت فترة خطيرة للغاية على الأمة الإسلامية أوشكت فيها على الضياع .

 

هرولة الشام للتطبيع مع التتار : 

كان الترحيب بالتتار على أشده بين المسلمين ، من المذهب السنى، فكان الإعتراف بسلطة التتار ـ غير المسلمين ـ موضع سباق بين ملوك وقضاة وقادة . خاصة فى بلاد الشام التى إجتاحتها الفتن والصراع بين الملوك الأيوبيين ، فى وجود الصليبيين وإماراتهم على الساحل .

فكان السباق بين المتصارعين للإرتماء تحت أقدام التتار. حتى صار المحور التترى ذى قوة فى الشام، فى مقابل المحور الصليبى، وأحيانا فى مقابل الخوارزميين .

– فمن أحداث عام (685هـ ) : أن ذهب القاضى محي الدين بن الزكي ، من دمشق لمقابلة هولاكو فى حلب . فولاه قضاء الشام وخلع عليه . وأرسله إلى دمشق حيث جمع الفقهاء وجمع الناس فى المسجد الجامع، وقُرِئت عليهم فرامانات هولاكو بأمان أهل دمشق . فاشتد فيهم الإضطراب والخوف .

يقول المقريزى: {واستطالت النصارى فى دمشق على المسلمين وأحضروا فرمانا من هولاكو بالإعتناء بأمرهم وإقامة دينهم . فتظاهروا بالخمر فى نهار رمضان ، ورشُّوه على ثياب المسلمين فى الطرقات ، وصبوه على أبواب المساجد ، وألزموا أصحاب الحوانيت بالقيام إذا مروا بالصليب عليهم ، وأهانوا من أمتنع من القيام للصليب ..} .

حتى الملك الأشرف صاحب حمص، جاء إلى دمشق وفى يده مرسوم من هولاكو بتعيينه نائباً السلطة فى دمشق والشام .

وعلى غير إنتظار وقعت هزيمة التتار فى معركة عين جالوت (يوم الجمعه 15 رمضان) على يد السلطان قطز وجيش مصر . فقتل قائد التتار كتبغا ، وقتل الملك السعيد حسن بن عبد العزيز وكان مع التتار، وفر جيش التتار، ففر نواب التتار فى دمشق. وكانت مدة إستيلائهم عليها سبعة أشهر وعشرة أيام .

قال المقريزى عن أجواء دمشق بعد هزيمة التتار ـ (فى 18 رمضان نهب المسلمون اليهود فى دمشق حتى لم يتركو لهم شيئا ، وأصبحت حوانيتهم فى الأسواق دكاً . وثار أهل دمشق بجماعة من المسلمين كانوا أعوان التتار، وقتلوهم وخربوا الدور المجاورة للكنائس، وقتلوا جماعة من المُغل ، فكان أمراً مهولاً ) .

منذ سنوات سبقت سقوطها ، ودولة الخلافة غائبة تماما عن الساحة الإسلامية وتتصرف فى بغداد كإقطاعية فاسدة الإدارة وعاجزة عن حماية نفسها ، ناهيك عن دعم غيرها .

كان عام(641) من أحد السنين السوداء التى تجلت فيها أزمة الأمة الاسلامية . وكانت الخلافة الشكلية قائمة لتُذَكِّر المسلمين بالعجز والضياع . فقبل 15عاماً من سقوط الخلافة العباسية كان تصدعاً كبيراً يأخذ بزمام الكيانات (الدول)الإسلامية القائمة .

– فالتتار إستولوا على بلاد الروم (الأتراك فى الأناضول) وكان الملك غياث الدين قد صالحهم على مال يحمله إليهم . ثم فر منهم ملتحقاً بالقسطنطنية حيث الإمبراطور المسيحي .

– فى نفس الوقت كان ملوك وأمراء البيت الأيوبى فى الشام ومصر يخوضون صراعاً داخلياً لا رحمة فيه ولا محرمات ولا إعتبار فيه لأحكام دين أو إنسانية .

قال المقريزى: فالملكان الناصر دواد، والصالح إسماعيل وافقا الفرنج على أن يكونوا عونا لهما على الملك صالح نجم الدين فى مصر . وواعدا الفرنجة على يسلما لهم القدس وسلماهم طبرية وعسقلان . فعمَّر الفرنجة قلعتيهما وحصونهما .

وتمكن الفرنجة من الصخرة وجلسوا فوقها بالخمر وعلقوا الجرس على المسجد الأقصى فبرز الملك الصالح نجم الدين أيوب من القاهرة ونزل بركة الجب وأقام عليها وكتب إلى الخوارزمية يستدعيهم إلى ديار مصر لمحاربة أهل الشام . فخرجوا من ديار الشرق .

{ فى عام(642هـ ) إلتقى الملك الصالح نجم الدين وجيشه مع جيش الخوارزميه بظاهر غزة وقد رفع الفرنج الصلبان على عسكر دمشق ، وفوق رأس المنصور صاحب حماة . فساق الخوارزمية وعساكر مصر ، ودارت بين الفريقين حرب شديدة … وأحاط الخوارزمية بالفرنج ووضعوا فيهم السيف حتى أتوا عليهم قتلا وأسراً ولم يفلت منهم إلا من شرد، فكان عدة من أسر منهم ثمانمئة رجل ، وقتل منهم ومن أهل الشام زيادة عن ثلاثين ألف وحاز الخوارزمين من الأموال ما يجل وصفه ..}.

– يلاحظ فى تلك المرحلة أن حكام المسلمين وجيوشهم جمعوا “ما يجل وصفه” من تناقضات تطيش لها الألباب. فمع البطولة الأسطورية والحماس الدينى الجنونى ، والشهامة المباغتة فى أى وقت ، تجد لديهم الإجرام والوحشية والتعدى الحيوانى على الأرواح والأعراض وأموال المسلمين !! .

–  كانت تلك سمات مشتركة بين الجميع ، ولكنها كانت أكثر شهرة بين الخوارزميين الذين كانوا فى  نفس الوقت أشد بأساً ورهبة فى نفوس العدو الصديق معاً .

ولم يكن شائعاً وقتها مصطلحات سنة وشيعة ـ كما هو الهَوَس المشهور الآن ـ ولكن مصطلحات ذلك الزمان كانت : مسلمين ـ كفار ـ  فرنجة ـ تتار ـ أيوبيين ـ خوارزميين ـ روم (أتراك الأناضول ) ـ أتراك شركس ـ وهى مصطلحات تتعلق بالديانات والقوميات أكثر منها بالمذاهب.

– حتى بعد سقوط الخلافة ، وإنتشار قصة إبن العلقمى إلا أنها لم تخرج عن سياقها الطبيعى ضمن الأحداث ( أى مجرد خائن ضمن بلاط فاسد لخليفة أكثرضعفاً وفساداً). فتأثيراتها الحقيقية فى سقوط بغداد الخلافة لم تكن مفصلية بل كانت من التفصيلات غير الجوهرية ، لأن أسباب سقوط الخلافة كانت معلومة للجميع ، من الصفوة السياسية إلى جماهير الناس الذين كانت مشاعرهم الدينية قوية وعفوية .

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

مازال الفسق والخمر بين الناس ، ولكن الخوارزميون زالوا :

يقول المقريزى : فى عام(642هـ ) قطع الخوارزمية الفرات . ومقدموهم : الأمير حسام الدين بركة خان ، وخان بردى ، وصاروخان ، وكشلوخان ، وهم زيادة عن عشرة آلاف مقاتل . فسارت منهم فرقة على بقاع بعلبك ، وفرقة على غوطة دمشق ، وهم ينهبون ويقتلون ويسبون. فانجفل الناس من بين أيديهم ، وتحصن الصالح إسماعيل بدمشق وضم عساكر إليه بعد ما كانت قد وصلت غزة .

– وهجم الخوارزمية على القدس ، وبذلوا السيف فيمن كان من النصارى ، حتى أفنوا الرجال وسبو النساء والأولاد . وهدموا المبانى التى فى قمامة ، ونبشوا قبور النصارى ، وأحرقوا رممهم ، وساروا إلى غزة فنزلوها ، وسَيَّروا إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة فى غزة ، ووعدهم ببلاد الشام بعدما خلع على رُسُلِهم .

{ واضح أن ملك مصر”الصالح أيوب” خاف من شطط الخواروميين، وأن يفعلوا فى مصر ما فعلوه فى الشام }.

يقول المقريزى : فى عام (643هـ) (وألح الخوارزمية ومعهم الصالح إسماعيل فى القتال ونهب الأعمال، وضايقوا دمشق وقطعوا عنها الميرة فإشتد الغلاء بها . ثم عَدِمَت الأقوات بالجملة. وأكل الناس القطط والكلاب والميتات. ومات شخص فى السجن فأكله أهل السجن. وهلك عَالَم عظيم من الجوع والوباء ، واستمر هذا الوباء ثلاثة أشهر ، وصار من يمر بالجبل يشم ريح نتن الموتى ، لعجز الناس عن مواراة موتاهم . ولم تنقطع مع هذا الخمور والفسق بين الناس)!! .

فى عام(644هـ ): ( وفيها عظمت مَضَرَّة الخوارزمية ببلاد الشام ، وكثر نهبهم للبلاد وسفكهم للدماء وانتهاكهم الحرمات ) ولكنهم هُزِموا بظاهر حمص فى موقعة كبيرة ضد صاحب حمص وعساكر حلب وتبدد شملهم ولم يقم لهم بعدها قائمة ، وقتل مُقَدِمَهم بركة خان وهو سكران .

 

سحق وإذلال العرب “العُرْبان” فى مصر :

فى عام(651هـ ) : ثارت العربان فى مصر فى الصعيد وبحرى . ولكن الملك عز الدين أيبك [المملوكى] نكَّل بهم، وشنق ألفي فارس وستمئة راجل، وعلقهم على الأخشاب إمتدت من بلبيس إلى القاهرة. وغنم الجيش المملوكى منهم الأسلاب والنسوان والأولاد والخيل والجمال والمواشى ما عجزوا عن ضبطه ، ثم عادوا إلى بلبيس حيث المُخَيَّم . وزاد الملك على البدو الضرائب بالعسف والجور وقال المقريزى عن نتيجة ذلك : أن العربان (العرب) { ذلوا وقَلّوا حتى صار أمرهم على ما هو عليه الحال فى وقتنا } .

– قامت الدولة المملوكية فى مصر عام 648 هـ . وكان أول تعامل “جماهيرى” لها مع شعب مصر هو نكبة العربان تلك، والتى كانت مزيجا من أساليب وحشية الصليبيين والمغول معا .

– أما أهل مصر فى المدن والقرى فكانوا فى معظم وقتهم ـ تحت القهر الشديد والبؤس والفقر. قال المقريزى عن أحوال الناس فى عام (648 هـ) أن ضرر المماليك البحرية قد إزداد، وبالغوا فى الفساد حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم (!!).

[ ملاحظة:  وكأن السيطرة على مصر أصابت المماليك بنشوة أطارت صوابهم . ومع ذلك قدَّم العصر المملوكى القليل من أعظم الملوك فى تاريخ مصر والشام وعلى رأسهم الظاهر بيبرس].

– يلاحظ أن كل ذلك الخسف والجور فى حكم المسلمين ، بينما (الخلافة) الصورية مازالت قائمة فى بغداد . ولا شأن لها بما يجرى من حروب فى شرق البلاد وغربها . ولا ما يحدث، من الحكام السُنَّة، من إنتهاك لجميع شرائع الإسلام وحقوق المسلمين ، وتجاوزات فى الحكم والحرب والتحالفات مع الكفار الفرنجة أو التتار .

 

لماذا ثار العرب فى مصر ؟؟:

– ثورة العرب فى مصر كانت بسبب رفضهم الإعتراف بشرعية حكم المماليك كونهم “عبيد” غير أحرار . فقال الأعراب “نحن العرب أصحاب البلد” . وأنهم بالكاد سلَّموا بحكم الأيوبيين رغم أنهم خوارج (أى خارجين عن شرعية دولة الخلافة الفاطمية).

لم تتحرك الخلافة العباسية لنجدة عرب مصر، وإنقاذهم من حكم “العبيد المماليك”. فذهب حكم مصر من العرب إلى الأبد. ومالبث منصب الخلافة أن ضاع من العرب إلى الأبد أيضا. بل ضاع العرب أنفسهم إلى مالا نهاية حتى الآن . وتلك كانت ثورة العرب “العربان” فى مصر. ولكن قضية الدولة الشيعية الفاطمية كانت موجودة فى خلفية الصورة. فالعربان كانوا يرون الأيوبيين أكرادا خوارج على حاكم مصر الشرعى”الفاطمي” ، ويرون المماليك عبيدا غير أحرار ، بينما الفاطميون عرباً من آل البيت . لهذا فثورتهم كانت تمسكا بأن يكون منصب الخلافة للعرب وبالذات من أهل البيت. وكان يقود ثورة عرب مصر سيد ينتهى نسبه إلى آل البيت.

 

“ق” قَتَلَ  … مواصلة إذلال العرب فى مصر :

المقريزى يلاحظ أنه فى عام(700هـ) كانت ملوك الأقطار كلهم شباب لم يبلغوا ثلاثين سنة.

عام (701هـ ): مرة أخرى يُوقِعْ المماليك واقعة عظمى بالعُرْبان فى الوجه القبلى فى مصر.

ووضعوا السيف فى الجيزة ووسَّطُوا عشرة آلاف رجل ، وما منهم إلا من أخذوا ما له وسَبُوا حريمه . فإذا أدعى أحد أنه حَضَري (ليس من العرب) قيل له: ” قل دقيق” فإن قالها بقاف العرب قُتِل (!!). ثم عاد العسكر فى16 رجب وقد خلت البلاد بحيث كان الرجل يمشى فلا يجد فى طريقة أحد، وينزل بالقرية فلا يجد إلا النساء والصبيان الصغار .

– فى عام(702هـ) السلطان [ المملوكى] يوقف الأذان ” حَي على خير العمل ” فى مكة ، وعدم أمامه الزيدى فى الحرم، ومنع التمسك بالعروة الوثقى أو مس المسمار الذى فى الكعبة .

– وفى نابلس إنفرد الحنابلة بالصيام والعيد عن باقى المذاهب فلم يجتمع المسلمون من يومها. (تفريق كلمة المسلمين على أوهى الأسباب).

– إبطال عيد الشهيد (للنصارى) فى مصر. ومنعت نزهات مراكب النيل مقابل شبرا، لشيوع المنكرات. (التى لم تكد تتوقف فى مصر، حسب وقائع أوردها المقريزى فى جمل جامعة وصاعقة مثل صدمات الكهرباء)..

– ظهر الشيخ نور الدين البكرى فى القاهرة يهاجم الكنائس والنصارى ويزدرى السلطان فى وجهه فطرده السلطان من مصر .

– وظهر من حي الحسينة فى مصر شخص يركب فرس ويمسك سيفاً يضرب به اليهود والنصارى وكان يدعى (على بن السارق) فضُرِبَ عنقه .

وهكذا توالت الفتن ـ بشتى أنواعها ـ فظهرت الفتن المذهبية على يد الحكام فى مكة . ثم الشيوخ الحنابل فى فلسطين . وشيوخ فى مصر ، إلى الفارس إبن السارق الماسك سيفه .

– فى خضم ذلك كان السلطان الناصر محمد قلاوون ـ قبل أن يَقْتُل السلطان السابق له المظفر بيبرس، يشرح له، قبل بل أن يطيح برأسه، أسباب حقده وإنقلابه عليه، لأنه (لم يعطه حلوى ولا أَوِز مشوي )!! .

– فى عصورالإنحطاط .. لا توجد أى مشكلة فى إختراع أسباب للفتن وسفك الدماء ولو تحت دعاوى الظلم فى توزيع الحلوى والأوز المشوى ، وصولا إلى الإمساك الجاهل بالسيف جهادا فى سبيل الله.

وقتها يكون قتل الجار المسلم أولى من محاربة العدو الكافر الصائل .

 

***

 

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية (2 من 2 )

فى غياب إبن العلقمى ، من أسقط الخلافة العثمانية ؟؟

هل هو إبن سعود ؟ أم شريف مكة؟ أم كلاهما ؟؟

وهل كانا من السنة؟؟ .. أم من الشيعة ؟؟

 

 

أفلم يسيروا فى الأرض ؟؟.

وظيفة التاريخ هى أخذ الدروس والعبر، من أجل صنع حاضر أفضل للإنسان. فالتوظيف الإيجابى للتاريخ هى بالتعلم منه . أما التوظيف السلبى فهوأخذ العبر الخاطئة وتوظيفها ضمن هندسة الفتنة داخل المجتمعات والأمم، أو لتكريس الحكم الظالم والغاشم فيها.

– القوى الدولية المعادية للإسلام تسعى دوما إلى ترويج الدروس المغلوطه للتاريخ من أجل إضعاف الأمة بزرع الفتنة بين مكوناتها ، لضمان عدم توحدها فى مقابلة أعدائها المتكتلين ضدها فى أحلاف دولية عظمى .

– والأسوأ من القوى الدولية المعادية ، هى القوى الحاكمة المنحرفة ، المغتصبة للسلطة وثروة الأمة والتى تحظى دوما بدعم وتأييد أعداء الأمة الخارجيين .

– فأنظمة السؤ ـ كما القوى الدولية المعادية للمسلمين ، يهمها إشعال الصراعات الداخلية حتى تنشغل الشعوب بصراعاتها وتظل الأنظمة فى مأمن من يقظة شعوبها .

– زاد علينا فى الزمن الحديث مجموعات تدعى الثورة على الحكام ـ بدوافع شتى منها دعاوى كاذبة بالسعى لتطبيق شرائع الإسلام. وتلك هى الفتنة الأخطر لأنها عدو فى ثياب المنقذ الناصح.

ودليل كذبهم هو متابعة الخط الأساسى للطواغيت فى تقسيم الأمة وإشعال النيران بين مكوناتها ، بشعارات تبدو إسلامية وحماسية.

– الدروس المغلوطة المأخوذة من التاريخ هى أحد أسلحتهم الأساسية ـ إضافة إلى الإستعانة بفقهاء السوء الماضين والمعاصرين ـ لأن الفتنة قائمة ومستمرة منذ قرون ، ومن السهل العثور على تراث قديم يعطى أصالة للفتنة ويعطيها طابع الثبات والديمومة المتوارثة خلفاً عن سلف .

– الفتنة الأشهر فى وقتنا الراهن هى إشعال العداوة والقتال بين السنة والشيعة. فأصر أصحاب المصالح على مواصلة المسير الحماسى فى طريق الفتنة التى تبناها اليهود علنا بطرح كبير مفكرى إسرائيل ورئيس وزرائهم السابق شيمون بيريز،للفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، كأحد ركائز مشروع إسرائيل لبناء إمبراطورة يهودية فى بلاد العرب . فطرح فكرة تحالف عسكرى (إسرائيلى / سُنِّى) ضد أعداء إسرائيل من شيعة ـ و”متطرفين” سنة .

– وسيلتهم فى ذلك هى تشويه التاريخ ، وقراءته لإستخراج دوافع مصطنعة تدعو للفتنة بين السنة والشيعة . ومن أهم دعاويهم هى القول بأن”الشيعة” فى شخص “إبن العلقمى” الوزير الشيعى فى بلاط آخر خلفاء بنى العباسى هو الذى أسقط الخلافة العباسية متعاوننا مع التتار.

معتمدين على شيوع الجهل بالتاريخ ، وعلى سياسة التجهيل، وتسطيح عقول المسلمين بحيث تتقبل الأفكار الجاهزة سهلة الترديد التى يؤكدون عليها بالصياح الدائم والتديُّن المصطنع.

– رأينا “المقريزى” أحد أوثق المؤرخين لفترة العصرالإسلامى الوسيط، وكيف أنه ألقى الضوء على إجمالى ظروف المسلمين وما حولهم من قوى دولية ، بما أدى فى النهاية إلى سقوط (دولة الخلافة) فى بغداد، والتى كانت عند سقوطها كيانا صوريا لا يمثل أى قيمة حقيقية للمسلمين . وأن ضعف “خلفاء” بنى العباسى وفسادهم كان من أهم أسباب زوال ملكهم . وليس مجرد ظهور وزير فاسد فى بلاط حاكم “خليفة” فاسد وضعيف. فى دولة كانت هى الأعظم فى العالم لقرون عديدة.

– حكامنا الفاسدون ، وجماعاتنا العاجزة (والفاسدة أيضا) بحثت فى التاريخ عن ذريعة طائفية لتأجيج العداوة بين المسلمين ، فإدعت أن وزيراً شيعياً هو الذى أسقط الإمبراطورية !!. وتاريخ تلك المرحلة ـ وهو مازال بين أيدينا ـ يكذِّب ذلك الإدعاء جملة وتفصيلا ـ رغم أن مُدَوِّنيه هم من علماء التاريخ السنة .

ومازالت تلك أشهر أكاذيبهم الطائفية : أن إبن العلقمى الشيعي ـ ولأنه شيعي ـ هو من أسقط دولة الخلافة العباسية  !!.

 

 

مَنْ “علقمى” إسقاط الخلافة العثمانية؟؟ .

 ومَنْ “علقمى” ضياع فلسطين ؟؟.

الوسيلة الثانية ، هى الأخرى غير أخلاقية وليست منصفة إذا كان لديهم إنصاف أصلا .

الخدعة هنا هى وصم كل مذنب أو جانى أو منحرف أو خائن سواء كان فردا أو جماعة ـ أو حتى حاكما ـ بهويته المذهبية إن كان شيعيا ـ أما إذا كان سنياً ـ وهذا هو الأغلب كَوْن السنة هم الأكثريه العددية ، وأصحاب الدولة والقرار فى معظم فترات التاريخ ومعظم بلاد المسلمين . فى هذه الحالة توصف أفعالهم بمواصفاتها العملية بدون التطرق إلى مذهب الجانى أو المتهم .

ورغم أن فعل “الخيانة” مثلا هو مدان من الجميع ولكن يوصف الجانى بأنه “خائن شيعى” إذا كان شيعيا ـ أما اذا كان سنياً فإنه خائن فقط . هذا إن لم يكن فى الإمكان تجاهل الحادث و إخفائه داخل سياق كبير آخر .

– لديهم إبن العلقمى هو الذى أسقط دولة الخلافة العباسية ـ لأنه شيعى رغم أن التاريخ يعطيه دوراً صغيرا جدا فى ذلك الحدث . وأن الدور الأهم معلق برقاب المتآخرين من خلفاء بنى العباس أنفسهم .

– ولكن شريف مكة وعبد العزيز آل سعود، وقائدهم لورنس البريطانى الذى أعانوه بالرجال على قتال جيش الخلافة التركية وطرده من جزيرة العرب ثم فلسطين والشام . وبالتالى سقوط فلسطين فى أيدى اليهود . كل ذلك نادرا ما يذكروه ـ على الأقل بنفس حماسهم لإبن العلقمى . ولا ينسبوه أيضا الى مذهب القائمين بتلك السلسلة من الجرائم ـ من أهل السنة ـ إن جاز لنا إستخدام التعريفات الطائفية .

أليس هؤلاء” السنة” هم من أسقطوا دولة الخلافة العثمانية ؟، وذلك مؤكد وشواهده مازالت ملموسة حتى هذه اللحظة ؟ . فلماذا لا يطبقون على ذلك الحدث الكارثى القانون الطائفى المفضل لديهم ؟. تلك أحداث يراها الأتراك خيانة لهم ـ وذلك صحيح ـ إذ جاءت دعما صريحا للكفار “الإنجليز” ضد المسلمين الأتراك. وترتب على تلك الأعمال هزيمة الأتراك فى الحرب وبالتالى ضياع فلسطين . فما هى الهوية المذهبية “لعلاقمة” فلسطين؟ ، أى من باعوها لليهود بعد أن أسقطوا آخر خلافة فى تاريخ المسلمين وهى الخلافة التركية؟.

– حتى التاريخ الحديث يحرفونه ويهيلون عليه تراب التضليل لإخفاء الحقائق وتجهيل الناس، بالصراخ والتكرار الدائم، لخلق حقائق من الأكاذيب .

 

الصفويـــــــة :

– ثم أسطورة أخرى يتعلقون بها وهى الدولة الصفوية الشيعية فى إيران وأنها تآمرت مع الإنجليز ضد دولة الخلافة التركية.

حتى أن أدبيات هؤلاء الغيارى على (دولة الخلافة) تعتبر كلمة صفوي من السباب المُنْكَر .

وكالعادة يعتمدون على شيوع الجهل بين المسلمين ـ خاصة الجهل بالتاريخ حتى من مصادرة الاسلامية الموثوقة ـ السنية طبعاً .

فلا أحد يقرأ عن الأحوال الحاضره ناهيك أن يقرأ عن التاريخ، البعيد منه والقريب . ولكن لحسن الحظ ان المصادر التاريخية مازالت موجودة، ولكن الناس لا يقرأون، والحكام وجماعات السؤ يعتمدون على ترويج الثقافة الشفوية ، من خطب ، وشعارات ، وصيحات ،  وعلى الأكثر مقابلات تلفزيونية . ولاشئ من ذلك قائم على منهج علمي صحيح فى البحث. فقط صياح وسباب ، وعروق نافرة وحناجر صارخة.

 

صدمة تاريخية :

الصفويون ، شوافع صوفيون / يجمعهم عرق واحد مع العثمانين .

( إعتمدنا على ويكيبديا كمصدر معلومات فى هذا الجزء).

نشأت الطريقة الصفوية كطريقة صوفية لأهل السنة والجماعة على المذهب الشافعى. والمؤسس (صفى الدين الأرديبلى) هو من تولى قيادة الطريقة التى كان مركزها مدينة جيلان .

وكان أغلب أتباع الطريقة الصفوية هم من الأتراك الأوغوز. وهم قبائل من آسيا الوسطى وأذربيجان . وكانوا معروفين باسم قزلباش وكانوا مصدر قوة الصفويين عسكريا وسياسيا .

وهم من نفس الأصل العرقي لأتراك الأناضول الذن أنشأوا الدولة العثمانية، ومن قبلها الدولة السلجوقية . فالصفويون والعثمانيون لهم أصل تركى واحد، وهو الأوغوز .

مؤسس الأسرة الصفوية ــ شاه (إسماعيل الأول 1501ـ 1524) ــ أسس دولته مستفيدا من إضمحلال الإمبراطورية التيمورية (1370ـ 1506 ) وكانت إيران منقسمه سياسيا، فإستطاع الشاه إسماعيل توحيد كل الأراضى تحت قبة الإمبراطورية الإيرانية التى أقامها .

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

الصراع العثمانى الصفوى : صراع إمبراطورى وليس مذهبى .

– [ جاء فى موسوعة ويكيبيديا: إنه لمن حسن حظ الغرب المسيحى أنه بين عامي (1577م ـ  1638م) حين كانت فرنسا أولا ثم ألمانيا من بعدها ، قد شلت حركتها الحروب الدينية، أن الأتراك كان يمكن أن تصل حدودهم الغربية إلى فينا ـ وجَّهوا كل طاقتهم إلى فارس ] .

{ ملاحظة الكاتب :  يمكن إدانة العثمانيين على حرف إتجاه غزواتهم من أوروبا فى الغرب إلى بلاد فارس فى الشرق . ولكان تاريخ المسلمين والعالم ، مختلفا تماما لو أنهم سيطروا على النمسا ثم واصلوا قُدُما ، لكانت أوروبا داخل نطاق الإمبراطورية العثمانية. ولكن إستدارتهم الحادة صوب الشرق حيث لا تهديد يستدعى ذلك، سوى الطمع فى فتوحات سهلة فى فارس الضعيفة الممزقة ، وما فيها وخلفها من مجال إسلامى ضعيف وعظيم الثروات. لقد فاز العثمانيون مؤقتا ولكنهم تركوا للأمة داء العداء الطائفى مستعراً كنتيجة أشعلوها متعمدين لتبرير ترك القتال مع كفار أوروبا والتوجه إلى مسلمى الشرق ، فكان من المفيد للعثمانيين تكفير مسلمى الشرق لأنهم شيعة ، لتصبح الحرب جهادا ويبقى الحماس الدينى مشتعلاً. فغطاء الصراع المذهبى كان جاهزا للتمويه على النزعة الإمبراطورية التوسعية للعثمانيين . يلاحظ أن الإمبراطورية الروسية كان لها نفس الخيار، أى ترك التوسع غرباً فى أوروبا والتوجة شرقا نحو الممالك الإسلامية الأضعف والأغنى والممزقة أكثر } .

– ونتيجة سلسلة من الحروب المتواصلة تقدم الأتراك نحو الفرات والقوقاز وبحر قزوين ، مستحوذين على العاصمة الفارسية الجديدة تبريز. وبعد موت الملك الثانى من الأسرة الصفوية فتح الأتراك الولايات الفارسية : العراق ، لورستان ، خوزستان ، وضموها إلى أملاكهم .

وفى نفس الوقت جاء الأوزبكية من بلاد ما وراء النهر وإستولوا على هيرات ومشهد ونيسابور وإجتاحوا الولايات الفارسية الشرقية .

فى عام 1578 م ـ إرتقى العرش الشاه عباس (الملك الخامس فى الأسرة الصفوية وأعظم ملوكهم شأناً ) وهو فى الثلاثين من العمر ، دون أن تكون له عاصمة ، عقد الصلح مع الأتراك ، ثم تقدم شرقاً ليقابل العدو الأصغر شأنا والأقل نفراً. وبعد حروب دامت أعواما إسترد هيرات وطرد الأوزبكية من فارس ومات بعد ذلك متلهفا على ملاقاة الأتراك ، ولكن الخسائر والأحقاد القبلية كانت قد إستنزفت جيشه الذى كانت تعوزه أحدث وسائل الفتك والتدمير .

 

الإتصال بالغرب :

وحوالى تلك الفترة(1598م) وصل من إنجلترا إلى بلاد فارس فى بعثة تجارية إنجليزية مغامران هما سير أنطونى شيرلى وأخوه الأصغر روبرت ، يحملان هدايا ثمينة وخبرة عسكرية ، وكان برفقتهما خبير فى صنع المدافع . وتمكن الشاه عباس بمساعدتهما من إعادة تنظيم جيشه ، وزوده بالسيوف والبنادق. وسرعان ما توفر لديه 50 مدفع وقاد قواته الجديدة ضد الأتراك وطردهم من تبريز(1603) … فأرسل إليه الأتراك جيشاً عروماً قوامه مئة ألف رجل، هزمه عباس بستين ألف (عام 1605)، وإسترد بذلك أذربيجان وكردستان والموصل وبغداد وإمتد حكم عباس من الفرات إلى السند .

{ملاحظة 1 : لأجل إنتصاراته وإستفادته من تكنولوجيا الإنجليز ، يتهمون الشاه عباس بالتعاون مع الإنجليز ضد دولة “الخلافة العثمانية”. للإيحاء بأن الصراع كان دينيا، بينما هو فى الواقع صراع إمبراطوريتين كل منهما تود إبتلاع الأخرى أو زوالها . فى صراع أطماع ومصالح يلزمه شعارات دينية للتلطيف، وخداع العوام وسوقهم إلى الحرب.}

{ ملاحظة 2 : أخطأ العثمانيون بتكفير الشيعة وإعلان الحرب عليهم . فتحولت مسيرة الحرب جذريا من صراع على الأرض والموارد، إلى صرع دينى إستئصالى . ساهم ذلك بلا شك على إلتفاف الإيرانيين حول ملكهم الصفوى ، والإستبسال فى حرب شعارها العملى النصر أو الموت  فانتصروا وثبتت دولتهم فى مقابل الأتراك الأقوى والأكبر .

وهذا الخطأ تكرر مرة أخرى فى حرب سوريا فى عام 2001 . فقد أعلنت الجماعات السنية عن حرب إستئصال مذهبى ضد الشيعة (والنصيريين). بل وشملت حربهم باقى الأديان والطوائف. فتكتل معظم الشعب ضدهم . وقاتل الشيعة قتال الحياة أو الموت،  فانتصروا فى حرب هددت وجودهم المادى ، وفشل الجهاديون لأنهم خاضوا حربا بالنيابة عن المعسكر الغربى ودول الخليج. ولأن إنتفاضة شعبهم كانت فى الأساس إنتفاضة مطلبية وليست دينية . ثم تراهم يبكون الآن من وحشية الشيعة وخطرهم على الأمة الإسلامية(كلها) وليس عليهم فقط . فذلك أسهل من الإعتراف بأخطائهم . بل تراهم يدعون الأمة كلها لأن تكرر نفس الأخطاء وتتابع سيرها فى طريقهم .. طريق الخراب الطائفى .

فى تلك الحروب الدينية الإستئصالية تكون جرعة العنف والوحشية خارج التصور وخارج السيطرة ، وتكون الغرائز البدائية هى القائد الحقيقى فى الميدان. فلا مجال لأن يدعى أى طرف بأنه كان مقاتلا ملائكيا، فى حرب إستئصال، أياً كان مبعثها دينى أو قومى.}

 

فخامة فى الألقاب .. وتدنى فى الأعمال :

ألقاب رنانة مثل “دولة الخلافة الإسلامية” و “خليفة المسلمين”، يستخدمها أهل الفتنة بكل تقديس، فقط عند إشعالهم الخصومة والكراهية والقتال بين المسلمين .

وكثيرا ما كانت تلك المسميات”المقدسة” تخفى حقائق مخزية مثل ما أوردناه عن آخر “الخلفاء” العباسيين ، أو عند صراع “الصفويين” مع “دولة الخلافة التركية”، ليتضح أن التقديس الزائد كان بهدف التمويه على جريمة أطماع توسعية ــ غير شرعية ــ لأنها على حساب المسلمين أنفسهم ــ ومطلوب صرف إنظار المسلمين عن تلك الجريمة.

 

عبادة الفرد .. وأنصاف لآلهة:

قادة العمل العام ، ومن يتولون قيادة المسلمين فى ميادين السياسة أو الحرب أو الإعلام أو الفكر ، لابد وأن يستدعى الحال مناقشتهم ، وأحيانا محاسبتهم ، وربما توجيه الإتهام إليهم ـ عن حق أو باطل ـ المهم أنهم قد يصبحون فى موضع المحاسبة العامة كما كان (الخلفاء الحقيقيون) أى الراشدون . وسيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، موضع إشادة وتمجيد المسلمين فى الخطب والمقالات، أما فى التطبيق .. فلا .

– فهل يمكن لأحد أن يوجه سؤال أو إتهام ـ إلى شخصة من(أنصاف آلهة) مثل حسن البنا أو عبدالله عزام أو أسامة بن لادن أو حتى البغدادى؟؟.هذا مستحيل خاصة فى أوساط المؤيدين التابعين أوالعابدين الطائعين. فمهما كانت الشخصية هامة فيجب ان تخضع للفحص والمساءلة  وأن تجيب وتشرح بالحق وليس بالمكابرة والباطل ـ تقوم هى بذلك أو يقوم عنها قوم يفقهون.

– لهذا  ننظر بريبة شديدة إلى إغداق الألقاب الدينية والعلمية على شخصيات ممن تعرضوا للعمل العام : جهادى أو سياسى أو دعوى.

فما معنى أن نطلق على رئيس تنظيم لقب”إمام”؟. أو على مدير مكتب إغاثى لقب”إمام” أو”مجدد”؟؟.  وبالمثل ألقاب مثل”حكيم الأمة”، أو قادة تنظيم بأنهم “مشايخ الأمة”. فما هو الدليل؟ .. ومن هى تلك الأمة التى تستباح ألقاب دينها لتصبح دروعا لأى عمل منحرف، ومانعا من مناقشة القادة الحساب كبشرعاديين مثل باقى الأمة؟.. إن تقديس هؤلاء وأمثالهم هو مقدمة لتقديس أعمالهم على ما فيها من صواب أو خطأ . وإخراس الألسن عن أى نقاش جاد  وإستمرار حماية مسيرات الإنحراف تحت مظلة دينية .. ولكن لمصلحة من ؟؟ .

 

الشيعة هم السبب !!

إستخدام تلك الذريعة أو شبيهات لها ـ ليس مبعثها غيرة دينية ، بل نزعة إجرامية للتستر على مصادر الخطر الحقيقى الذى يهدد الأمة .

فلم يكن إبن العلقمى هو سبب سقوط الخلافة العباسية ـ بل السبب الأساسي كان فساد(مؤسسة الحكم) وتحول”الخلافة” إلى “مُلك عضود” ـ إستبد فيه المَلِك “الخليفة” بالقوة المسلحة التى تدعمه، واستبد بالقرارالسياسى المتسربل زورا بالدين ، وإستبد بأموال المسلمين “بيت المال” الذى أصبح خزينة خاصة للخليفة (ينفق منها كيف يشاء على نزواته وعلى حاشيته ، وعلى مناصريه المسلحين (قبيليه أوقبائل) لتثبت حكمه وديمومة سلالته فوق رقاب المسلمين.

فساد مؤسسة الحكم أفسد الطبقة الدينية من علماء وفقهاء ، وساقهم الملك فى ركابه بإرهاب السيف أو بإغراء الذهب. ولم يكد يشذ عن الخضوع إلا قلة نادرة، لدرجة أن التاريخ إستطاع أن يحصر أسماءهم ويحفظ سيرتهم ، وكان ذلك سهلا نظراً لقلتهم أو ندرتهم .

– وإذا لم تجد مؤسسة الحكم الفاسدة خصما مذهبيا تنعته بالكفر ، إستدارت إلى أى فئة تمردت أو أظهرت شيئا من العصيان ، فنعتوها بالتجديف أو الإنحراف الدينى. وأطلقت عليهم نيران جهاز الدعاية الدينية فى المساجد والشوارع ـ ثم (القوات المسلحة) تحصدهم بالسيف فى كل مكان، وبلا رحمة أو وازع من دين أو ضمير .

– الذريعة المذهبية أو العرقية هى وسيلة للتستر على فساد منظومة الحكم . وصرف النظر عن جذور المشاكل الحقيقية التى تواجه الأمة. وصرف الأنظار صوب الإختلافات المذهبية وتصعيدها إلى درجة التكفير ، وإستنفار الأمة للقتال المذهبى ، تحت شعار الجهاد .لأنه الشعار الدينى المقبول الذى يمكن أن يجعل من القتال فريضة دينية وليس مجرد فتنة مفتعلة .

– يساند ذلك مغالاة مقيتة فى قدسية المنحرفين بداية من “الملك” أو “الخليفة” وصولا إلى أعوانهم بمنحهم المراتب الدينية والصفات القدسية العاليه بدون وجه حق . وهو ما نشاهده فى الجماعات الدينية الحالية التى تمنح قادتها مراتب تكاد تلامس درجة النبوة ، مثل مرتبة الإمام والعلامة والمجدد والفقيه. كل ذلك بدون مسوغ مقبول لمنح تلك الدرجات الدينية الرفيعة.

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري  
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )  /  01/07/2021

www.mafa.world

 

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 32

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

– استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

– زاد الأمر سوءا استشهاد “أبو الشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار 90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد.

– شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

– كان وقتاً عصيباً خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام هي مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتَصَنُّع اللامبالاة وبالضحكات.

– الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

– وَعَدَنا حقاني بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا. ولكن ما إن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، ولم يَعُد لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر.

– أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة وقال إنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة.

– تأكدت أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

– كان البدوي الشاب يهدد جنود العدو بالذبح فيضحكون منه. هذه المرة كان أكثر تحديدًا إذ أخبرهم أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب. كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. لحُسْنِ الحظ أن العدوّ ضحك ولم يأخذ التهديد بجدية، فلربما تغيّر تاريخ أفغانستان المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

غادرت إلى بشاور وتركت إدارة المشروع لكوادر القاعدة، أبو تميم وأبو الشهيد، حتى أحاول تحريك جبال بشاور واتخاذ قرار بتصعيد مشاركتهم لمطاردة المطار الجديد، والعمليات البرية الأخرى إن إمكن. بالطبع فشلت في مسعاي ذاك، وانسحبت القاعده تدريجياً من “دزجات ستان”، خاصة بعد استشهاد أبو الشهيد القطري. وأورد هنا تقرير صادر من نقطة الترصد وموجه إلى أبو تميم الذي كان يتولى الإدارة وقتها، وهو بتاريخ 23/9/90 وأورده هنا ملخصاً..

 

تقرير من الترصد

ليلة السبت كان التالي: نزلت حوالي 8 طائرات وكانت الأولتين في المطار القديم، ونجحوا في النزول وتنزيل الحمولة، والصعود كذلك، أما باقي الطائرات فنزلت في المطار الجديد، وكانت الطائرة الثالثة هي التي أصيبت بل قسمت قسمين، ورأينا الدبابة تسحبها في اتجاه مبنى قرب المدرج.

1 – الأمر الأول هو أن المهمة صعبت قليلاً: أ ـ نصف القوة الليلة الماضية لم تشتغل معنا : شاه خان، ومركز رقم 9، ومجبور لم يرمي بسبب وجود حوالي 5 سيارات في مركزه. ب ـ أصبح للعدو مطارين فهو ينتهز الفرص ويغير التكتيك من حين لآخر، مما يصعب المهمه، كذلك انسحاب مركزين مهمين من العمل على المطار القديم (شاه خان ورقم 9).

2 – الأمر الثاني: لاحظنا وبكل تأكيد أن الإنزال يتم بسرعة رهيبة جدًا جدًا لا تتجاوز 8 دقائق على الأكثر بحيث أن الطائرة تنزل وتلف في المطار ثم تفتح الباب السفلي (الخلفي) وترمي بكل حمولتها على مدرج المطار وهي تمشي على المدرج بدون توقف وعند الانتهاء، مباشرة تطير. والذي يؤكد هذا الكلام هو أننا رأينا في نقطة تنزيل المطار الجديد التي على اليمين منذ حوالي 5 أيام البضائع متناثرة في نقطة التنزيل، مما يؤكد أن الطائرة تسير وعملية التفريغ تتم بدون إعاقة، فلو كانت الطائرة تنزل في مكان واحد لرأينا أنها مكدّسة في مكان واحد، لكن الملاحظة خلاف ذلك، كذلك الحمولة في المطار القديم تنزل بسرعة أسرع من المطار الجديد.

3 – الأمر الثالث: عمليات التموين من العدو وعمليات الإرهاق بالنسبة للمجاهدين، وذلك بتحليق أكثر من طائرة من نوع “جاموسة”، تغطية الأصوات بالجِتْ (يقصد الطائرات النفاثه)، وإنارة المطارين القديم والجديد في نفس الوقت والتظاهر بالإنزال في أحد المطارات.

أما الإرهاق فحدث عنه ولا حرج، نرى المجاهدين في بداية الليل يشتغلون بكل نشاط ولكن بعد الساعة الواحدة يكون بعض قطع المدفعية قد توقف عن العمل.

– ثم في آخر التقرير يقدم كاتبه (وهو غير معروف) فكره لتوزيع النيران المتوفرة على مدرج المطارالقديم، يتضح منه وجود ثلاث راجماتBM12  وراجمة واحدة فردية لجماعة أبو الحارث وهي قوة جيدة على أية حال، ولكن مناورات العدو جعلت المعلومات مشوشة، حتى التصنت اللاسلكي لم يكن يستطيع تحديد المطار الذي سوف يستخدمه العدو.

على أية حال لم يستمر العدو طويلاً في تلك المناورات بل توقف عنها سريعًا وأقتصر على استخدام المطار الجديد. حتى أن الكثير من المجاهدين أكدوا أن العدو لم يستخدم إطلاقًا المطار القديم منذ أن توقف عن استخدامه في آخر ليلة عمليات لنا في العاشر من سبتمبر. وأميل إلى تصديق ذلك، وبذلك يكون ترصدنا قد وقع فريسة تمويهات العدو، الذي لم يستخدم سوى مطار واحد فقط هو المطار الجديد منذ يوم الثلاثاء 11/9/90.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

الطريق إلى فتح خوست

كما ذكرت سابقا فإن من عملوا معي في مشروع “المطار90” على قدر إعجابهم بأداء العرب في العملية، ونتائجها على الأرض، إلا أنهم انصرفوا من الجبهة انصرافا جنائزيا كأنهم فشلوا في المعركة وخسروا الحرب كلها.

كان حزنهم كبيرًا لأن المجاهدين الأفغان لم يستفيدوا من إغلاق المطار لمدة شهر وكان المشهور أن ذلك سيؤدي إلى سقوط خوست.

ثانيا – ما شهدوه من تكاسل شبه متعمد وترك العدو يكمل عمله في المطار الجديد بدون أي تدخل ـ تقريباـ من جانب المجاهدين. وقد كان مدفعًا واحدًا أو دبابة واحدة كافية لإيقاف المشروع وتدمير المعدات الصفراء اللون التي تعمل طول النهار ـ وكنا على استعداد للقيام بالعملية لكن أحد لم يزودنا بما هو مطلوب، رغم تفاهته وقتها.

وكما هي العادة اشتدت الحرب النفسية في بشاور على من شاركوا معنا في العملية، بدعوى أن الأفغان غير جادين لا في الجهاد ولا في إقامة دولة إسلامية ـ وكانت تلك هي النغمة السائدة في التوأم السيامي “القاعدة والجهاد المصري” وتبنتاها تنظيمات الشام (سوريا)، ثم تنظيمات الشمال الأفريقي التي غمرت الجميع بالتكفير.

زاد الأمر سوءًا استشهاد “أبوالشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد، وقد استشهد أثناء محاولة تفجير قذيفة هاون تالفة من مخلفات الحرب. وكنا قد احتفظنا بها في مكان مهجور لتفجيرها عندما تسنح الفرصة، وحتى لا يأخذها البدو من جامعي الشظايا، فتؤدي بحياة بعضهم. ولكنها أودت بحياة واحد من أفضل شبابنا وأنبلهم خلقًا وأكثرهم شجاعة.

كان أبو الشهيد قد تولى قيادة مركز أبوالعباس بعد انصرافي، وإلى حين تصفية المركز، بعد أن انتهت العملية التي كان “أبو العباس” قلبها النابض.

أثناء العملية (المطار 90) ورغم خطورتها الاستثنائية، إلا أننا لم نفقد فيها أي شخص لا شهيد ولا جريح، ولكن تصفية المعسكر أفقدتنا أهم كادرعندنا!!

من المفارقات أن “أبوالشهيد” عبر ذات ليلة مظلمة من وسط حقل ألغام في جبل الترصد ووصل إلينا بلا خدش، وبدون أن يدري حقيقة ما قام به. إنها مفارقات الحرب المحزنة.

وهاهو الشاب النبيل يحاول الحفاظ على حياة أطفال البدو من جامعي الشظايا حول معسكرنا ـ من خطر قذيفة هاون صدئة من عيار 82 مليمتر. ولكن القذيفة تصيبه بشظية في جبهته فيلقى ربه بعد دقائق. حقاً.. ما أهون هذه الحياة!

في أول يوم من العام “1991” كنت في ميرانشاه مع ابني الأكبر وليد “20 عاما”، وبسرعة لحقت بي العائلة كاملةـ ماعدا عبد الرحمن الذي كان الوحيد بينهم الذي كان مازال مرتبطاً بالتعليم في مدرسة باكستانية. سكنت أسرتي في نفس منزلنا السابق ـ وأصبح لنا جيران هذه المرة. فالبيت المجاور يسكنه حاليا مولوي “عزيزجان” مدير المدرسة الدينية “منبع الجهاد ” وهو صديق قديم وعزيز، وشخصية جهادية تاريخية. (توفي بالسرطان بعد ذلك بأعوام قليلة).

حاجي إبراهيم ـ زميلي في المجلة وفي العمليات ـ كان سعيدًا للغاية أن نعود مرة أخرى إلى الجبهة في مشروع جديد للمطار الجديد.

أبو الحارث كان جاهزا “لاحتلال” مركز أبوالعباس وإدارته بأفراد من جماعته. استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني في ميرانشاه، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

وافقوا على المغادرة في غضون ساعات ـ فهذه هي حياتهم ـ وكان المركز في حاجة إلى أكثر من يوم لتنظيفه، فقام شباب أبو الحارث بالمهمة خير قيام كعادتهم دومًا في المهام جميعا، سهلة كانت أم صعبة. ومعسكرات القاعدة أمدتنا بالفرش وأدوات الطبخ، ثم بقايا صواريخ “كاتيوشا” من فائض عمليتنا السابقة.

ما لبث “أبوالعباس” أن صار أحد مراكز أبوالحارث، وتولى هو إدارته وكانت بعض إداريات المركز تأتي من مقر جماعتهم الرئيسي في غرب جبل تورغار.

كان الدفاع عن جبل “تورغار الصغير” عملهم الدفاعي الرئيسي في خوست وقتها، وكان ذلك مبعث ارتياح حقاني وباقي المجاهدين. فالجماعة أصحاب قوة وبأس، وشبح بيع الجبل قد انتفى تمامًا، وهو الخطر الماثل بقوة منذ أن باع أحدهم تورغار عام “1984”. وجبل “تورغار الصغير” هو مقدمة الدفاع عن “تورغار الكبير” الذي لا يمكن للقوات الحكومية أن تهاجمه بدون التقدم من الأصغر فالأكبر.

على تورغار الكبير كان لجماعة أبوالحارث تواجد ملحوظ، ويستخدمون من فوقه راجمة صواريخ فردية، يقصفون بها مواقع حكومية متعددة، وقد طوروا قاعدتها فصارت رمايتها أكثر دقة. ومع ذلك لم تقم جماعة أبوالحارث بما كنت أتوقعه منهم بتحويل جبل تورغار إلى بارجة نيران حقيقية.

كنت حزينا لتدهور القيمة التكتيكية لذلك الجبل بعدما انتقل إلى أيدي المجاهدين. كنت أتصور أن دبابة واحدة فوق الجبل ومجهزة هندسيا بشكل مناسب، يمكنها تدمير كافة الأسلحة الرئسية للعدو في خط دفاعه الأول الذي مازال يمثل مشكلة. تلك الدبابة يمكنها أيضا النيل من مراكز العدو الحساسة التي مازالت في العمق.

ضغطت كثيرًا على حقاني وأبو الحارث لتوفير دبابة لهذا الغرض. وشرعنا بالفعل في حفر موقع لها في موضع متحكم فوق تورغار.

شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

وافق “ابن عمر” على تجهيز الموقع واستخدامه ضد دبابة العدو (التي حاولت جماعة القاعدة تدميرها). ومن الموقع الذي كنا نجهزه قال ابن عمر إنه يستطيع تدمير دبابة العدو من الطلقة الأولى أوالثانية على الأكثر.

وكنا نطالع دبابة العدو من موقع تورغار المرتفع. ونحن نجهز بالمتفجرات موقع دبابتنا الموعودة، وكان حقاني قد وافق على المشروع وقال إنه سيزودنا بها بعد تجهيز الموقع (وَعَدَنا في الحقيقة بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا)، ولكن ما أن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، وعندها لم يكن لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر. وكانت الدبابات تابعة كلها لكتيبة “العمري” التي يديرها أشقاء حقاني إبراهيم ثم خليل (الذي يرفض دومًا تزويدنا بإبرة خياطة وليس دبابة).

عندما انتقلنا إلى “الجبهة الشرقية” جاء معنا ابن عمر وقضيت معه أياما نتفحص الجبال والسهول شبرًا شبرًا. لتحديد ملامح استخدام محتمل للدبابات من جانبنا ضد العدو، وكانت اكتشافاتنا مذهلة.

وصاحبنا “ابن عمر” كان ذو خبرة وخيال خصب في استخدام سلاحه التخصصي. تحمسنا كثيرًا لأفكارنا الجديدة، سواء ما هو ضد المطار الجديد أو ماهو ضد مواقع العدو في سهل خوست المواجه لنا، أو مرابض مدفعية العدو خلف مطاره الجديد، أو مخازن أسلحته السرية التي اكتشفناها مؤخرًا، ولا يعلم أحد عنها شيئا، حيث أنها ظهرت فقط من منطقتنا الجديدة بعد صبر وجهد في المتابعة.

 

طريق بين الألغام

جنوب جبل تورغار ساحة واسعة جدًا مليئة بالأعشاب والأشجار البرية. كانت كثيفة النباتات بشكل ملفت للنظر، ربما لأن أحدًا لا يجرؤ على استخدام تلك المنطقة المحرمة، التي زاد من وحشيَّتِها كثافة الألغام التي بثها العدو بشكل مدروس ومنظم أحيانًا، وبشكل عشوائي أحيانًا أخرى.

كانت أشبه بمناطق “السافانا” الأفريقية، ولكن بدل من الحيوانات المفترسة، يوجد هنا الألغام الحقيرة القاتلة التي تهون إلى جانبها أي ضواري أفريقية.

القاعدة هنا: كل شيء ملغوم، خاصة الأشياء الجميلة التي تجذب النظر، أو الجاذبة لاهتمام شخص يجوب المنطقة، مثل شجرة ظليلة أو بركة ماء صغيرة، أو مدق ترابي قديم.

كان يجب اختراق تلك المنطقة وشق طريق خلالها حتى نحقق اتصالا بين مركز أبو الحارث ومركز أبوالعباس، وبالتالي يتحقق اتصال ذو قيمة تكتيكية كبيرة بين (بوري خيل) ومناطق حيوية شرقا وشمالا مثل دروازجي ولاكان ومناطق جنوبيه مثل (توده شني). إذن تكتمل شبكة حيوية بطرق هي الأقصر والأكثر أمنا في المنطقة.

تحدثت مع أبو الحارث في الفكرة، فاستوعبها وتحمس لها، وشرعنا في إجراءات التنفيذ. كان علينا أن نطارد -وبصبر- ذلك التراكتور الوحيد الذي يخدم المنطقة بأسرها، وهو مزود بسكين خاص لتسوية التربة، وهو ما نحتاج إليه لتمهيد الطريق. وأخيرًا حجزنا دورنا لاستلام التراكتور في يوم محدد.

وكان علينا أن نستكشف الطريق الذي سيسلكه قبل أن يحضر إلينا، فهو ليس كاسحة ألغام، وليس مهندس طرق. لابد أن نحدد له الطريق المطلوب، والأهم أن نطمئنه أنه خال من الألغام.

كان المشاة القادمون إلينا من مركز أبوالحارث وما جاوره يسيرون على الحافة الصخرية للجبال، متحاشين منطقة “السافانا”.

لا أحد يعرف شيئا عن طريقة توزيع الألغام في “السافانا”. نحن إذن أمام خيار واحد لا غير وهو أن نسير في المنطقة بأنفسنا، نختار الطريق المفترض و”نضمن” خلوه من الألغام!!

سرت مع أبو الحارث في منطقة “السافانا” عدة مئات من الأمتار، نسبر الأرض بأعيننا، وأحيانا بقطعة من خشب، كان وقتا عصيبًا خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام كانت مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتصنع اللامبالاة وبالضحكات أحيانًا، حتى وصلنا إلى مدق للمشاة كان يستخدمه مجاهدو المنطقة. فحمدنا الله بأننا قد أنجزنا أهم فقرة في إعداد الطريق.

ولم نلبث أن أحضرنا التراكتور، ومجموعة من شباب مركز أبو الحارث لمساندته في تلك المهمة التاريخية، ولردم بعض الخنادق العميقة التي حفرتها الأمطار والسيول..وأخيرًا صار لدينا طريقًا عسكريًا جديدًا وانقلابيًا.

أول القيادات العسكرية مرورًا في الطريق كان مولوي “نظام الدين” نائب حقاني، الذي جاءنا متهلل الوجه يبارك لنا ذلك الطريق ويقول بأنه “مفيد جدا للمجاهدين”. ولكن لا هو ولانحن أدركنا ـ حتى تلك اللحظة ـ أنه سيكون مفيدًا إلى هذا الحد بتحويل محور الهجوم الرئيسي من بوري خيل (غرب تورغار) إلى ماليزي (شرق تورغار).

 

الطريق الطويل إلى خرمتو

بعد أسبوع أو أكثر من انتقالنا إلى “أبو العباس” تبين أن أموراً كثيرة قد تبدلت وأن عودة العمل ضد المطار القديم بالصورة السابقة أضحى مستحيلًا. وليس أمامنا سوى العمل على مطار واحد هو المطار الجديد. وحتى هذا ظَهَرَ أنه أمر صعب جدا ومحفوف بالمخاطر. فجميع الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعًا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

ذهب جولاب ومجموعته من البدو وسريعا ما رجعوا من هناك، وتلك هي أفضل مجموعة قتالية في خوست، وربما في كل أفغانستان. وقَبْلَهُ ذهب مجبور ـ من كتيبة (غوند) أبوجندل ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. وتلاه إبراهيم شقيق حقاني ـ قائد “غوند” العمري ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. لم يبق سوانا!!. ومن نحن؟؟

من قدماء مشروع “المطار90 ” كان معي حاجي إبراهيم الأفغاني، وأبو تميم الذي هو معنا بشكل مضطرب في انتظار بدء أي عملية أرضية حتى ينضم إليها. أي أنه ليس معنا في حقيقة الأمر.

ثم أبو الحارث الذي أصبح ضيف شرف في مجموعته الذي أسسها وتبتعد عنه واقعيا، ومن أجل صداقتنا يستنزف كل رصيده الأدبي في المجموعة كي يستخلص لنا بعض أفرادها، وحتى هؤلاء غير مضموني البقاء في المشروع إذا بدأت أي عمليات أرضية، فمن يمكنه كبح جماحهم حتى يستمروا في عمية مدفعية، أو في الأغلب مجرد عمليات إمداد لمواقع مدفعية!!

ما حول “أبو العباس” أصبح خاليا. منطقة “دزجات ستان” أضحت منطقة أشباح. الجميع رحلوا بعدما رحل المطار القديم. كابوس يجثم على صدري: ماذا لو عاد العدو لاستخدام المطار القديم فجأة؟؟ يمكنه المناورة بحرية بين المطارين، وهذا أفضل له، وأصعب علينا.

نحن في حاجة إلى شهرين حتى نعيد بناء قوة نيران معقولة للعمل ضد المطار القديم. أما لبناء قوة نيران تعمل في وقت واحد ضد المطارين فنحتاج إلى معجزة مستحيلة التحقيق، فأيدينا خالية بكل معنى الكلمة، ولا نملك سوى مجرد تصورات!!

كنت أتابع مع حقاني تطورات الموقف العام وتطورات مشروعنا والمشاكل الكثيرة التي تعترضه. فطلب مني مقابلة “وزير” قائد مجموعة البدو التابعين لحزب “السيد أحمد جيلاني” وكان لنا علاقة قديمة معه منذ عام 1988 ولكنها انقطعت بعد استشهاد صديقي عبد الرحمن.

أخبرني حقاني أن حكومة باكستان تزود “وزير” بالصواريخ حتى يعمل ضد المطار الجديد. أثار ذلك ارتيابي وزاد من فضولي في مقابلة وزير والحديث معه.

لم أصارح حقاني بشكوكي، فكنت أعرف أنه يرفض معظمها، وإن كانت علاقته مع الباكستانين قد توترت بشكل متصاعد منذ مصرع ضياء الحق وعزل “حميد جول” قائد الاستخبارات. وكنت أعلم أن علاقته مع مدير الاستخبارات الجديد “أسد دوراني” متوترة بشكل خاص. فقد “استدعاه” دوراني بشكل غير لائق فرفض حقاني الذهاب إليه قائلا لزبانية الاستدعاء: “إن كان دوراني يريدني فليأت هو إلي مقابلتي بعد تحديد موعد مسبق”. مرت الأزمة ولكن ظل الجمر متقداً تحت الرماد.

أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة ـ ولكنه لم يحدد الهدف منها ـ وقال أنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة في” المطارالقديم”.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

صواريخ.. ثمن الخيانة

بعد رحلة ممتعة عبر منطقة “خارصين” التي كانت اكتشافًا جديدًا بالنسبة لي، وصلنا في سيارتنا القديمة إلى مركز القائد “وزير” قبل المغرب بقليل.

وكان معي “حاجي إبراهيم” و”أبو تميم”. وجدنا المركز يعج بالنشاط، وعشرات من البدو الأصحاء ينقلون أكداسًا كبيرة من صواريخ الكاتيوشا الجديدة داخل صناديقها الخشبية.

كانت المعنويات مرتفعة للغاية، خاصة “الكومندان وزير” الذي قابلنا بابتسامة عريضة وترحاب واضح وانشراح كبير، وكل ذلك ليس من عادة البدو غالبًا، إلا في المناسبات الخاصة.

“وزير” أخبرنا بصراحة تلقائية وبدون أن نسأل، بأن تلك الصواريخ الجديدة زودته بها حكومة باكستان كي يعمل بها ضد المطار الجديد. سلمناه رسالة خطية من حقاني، وفيها أننا مكلفون بالعمل ضد “المطار الجديد” ويرجوه التعاون والتنسيق معنا نظرًا لسابقتنا الناجحة في “المطار القديم”.

قرأ “وزير” الرسالة وأعاد الترحيب بنا وسألنا عما نريد أن نفعله. فشرحنا له النقاط الرئيسية في العمل ضد المطار بشكل مركز على هيئة نقاط.

وكلما أوضحنا نقطة، رد علينا بحماس وبابتسامة عريضة بأن هذا بالضبط ما قرر فعله وأتفق عليه مع “حقاني”. شعرنا أن الرجل سحب البساط كله من تحت أقدامنا، فهو يعرف كل ما نعرفه ويمتلك من الوسائل مالا نحلم بامتلاك جزء يسير منه.

ليس لدينا شيء سوي حفنة من الصواريخ، وأفراد ثابتون أقل من أصابع اليد الواحدة. فسألت إبراهيم وتميم إذا كان أحدهم يود أن يضيف شيئا قبل أن ننصرف، فقالا بأن لا شيء لديهم. فاستأذنا وانصرفنا.

بعد فترة من الصمت ونحن سائرون في المجاهل صوب “توده شني” قلت لزميلاي، أنه ليس من المهم أن نشارك نحن في العملية مادام هناك من يمكنه القيام بها. وافقاني على مضض، فكلاهما يشعر أن هناك شيئا ما غير صحيح. أما أنا فكنت على ثقة في أعماقي نفسي أن الذخائر الضخمة التي شاهدناها وتلك التي في المخازن ولم نشاهدها، هي (ثمن الخيانة) أي ثمن ألا يشارك وزير في ضرب المطار. بينما يعتمد المجاهدون في خطتهم على “وزير” في إغلاق المطار، يكون وزير انسحب من المعركة تاركا “المطار” كي يستجلب من كابول كل مستلزمات النصر في المعركة القادمة.

اجتمعنا مع حقاني مرة أخرى وأخبرناه عن “النتائج الوردية” لمقابلتنا مع وزير ولكنه نفى أن يكون قد اتفق معه على تفاصيل العمل التي ذكرناها!! فتأكد لدي أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو على الأقل جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

زاد حماسي للمشروع، ونجحت في نقل جزء من ذلك الحماس إلى صديقي “أبوحفص” في القاعدة، فانبسطت أيديهم معنا ـ قليلا ـ ووصلنا عدد من الأشخاص وكمية من الصواريخ، فتحسن وضعنا نسبياً، وأصبحت على ثقة من أننا في معركة المطار الجديد لسنا منفردين. ولكن أكثر تخوفنا وحذرنا من أننا قد نتلقى ضربة مباشرة إلى أشخاصنا داخل الجبهة أو خارجها ـ خاصة في ميرانشاه. وأثبتت الأحداث صحة تلك التخوفات.

 

 

بطولات البدوي الشجاع

في منطقة ماليزي، كان البدو من جماعة جولاب يشغلون الخط الأول الذي كان على مسافة قريبة جدًا من جبال الخط الأول للعدو. وكانت الاشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والهاونات.

كان مكانًا خطرًا. وصديقنا القديم “الحاج محمد أفريدي” الذي تعرفنا عليه في عمليتنا السابقة “المطار القديم ” كان نجمًا ساطعًا في الخط الأول.

ونجح في تثبيت مدفعه “الدوشكا” وإلى جانبه العلم الأبيض وخاض جولات مشهودة ضد العدو، اختلطت فيها صليات الرشاشات مع صليات الشتائم المهينة التي يصبها جنود العدو غير المهذبين على بطلنا الشاب الذي كان يتهددهم بالذبح مثل النعاج في القريب العاجل.

خلف جبل الخط الأول ساحة واسعة يخترقها مجرى سيل جاف وعميق اتخذه البدو”مقرا إداريا” حفروا فيه مغارات للراحة والنوم والمخازن. وعلى حافته وضعوا راجمة صواريخ بجوارها حفر عديدة للذخائر والطعام.

كتب حقاني رسالة إلى جولاب كي يسلمنا الراجمة، وأن يسمح لطاقم من عندنا باستخدامها من نفس موقعها ضد المطار الجديد. وافق البدو بترحاب، خاصة وأننا أوضحنا لهم أننا سنستخدم الراجمة ليلا فقط ضد المطار، أما أثناء النهار فيمكنهم استخدامها إذا احتاجوا إليها في عملياتهم، بشرط أن لا يستخدموا شيئا من ذخائرنا، فوافقوا بروح رياضية.

لم نكن نعلم وقتها -وربما أن حقاني لم يكن قد قرر بعد- أن تبدأ حملة تحرير خوست من ذلك المكان الذي يشغله البدو، وعلى أيديهم.

عندما قرر حقاني وتحددت ساعة الصفر للهجوم على جبال العدو وخط دفاعه الأول في ماليزي، كان الأمر غاية السرية ولم يعلم به سوى أفراد قلائل. فقط في اليوم السابق للعملية كان رجال البدو في ماليزي قد علموا بتفاصيل ماهو مطلوب.

العدو كان على أتم الاستعداد، ولكن جهة الغرب من تورغار، أما ماليزي وغيرها فكانت في إطمئنان تام. هذا لولا ملاسنة بالشتائم والرشاشات خاضها العدو ضد الشاب “الحاج محمد أفريدي ” ويبدو أن عناصر العدو كانوا يستمتعون بذلك الروتين القتالي مع الشاب البدوي المتحمس لدرجة الجنون. فكانوا يشتمونه على جهاز المخابرة ويصفونه “بالبدوي الأحمق”.

كالعادة كان البدوي يهددهم بالذبح في القريب العاجل، فيضحكون منه. ولكنه هذه المرة كان أكثر تحديدًا، فبعد السباب التقليدي أخبرهم البدوي الفصيح أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد، ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب.

ضحك ضباط العدوّ وأغرقوا في الضحك، ولكنهم ندموا كثيرًا في صباح الغد، فقد كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. ولحسن حظ المجاهدين أن العدو لم يأخذ ذلك التهديد مأخذ الجد فلربما تغير تاريخ أفغانستان المعاصر.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

بسم الله الرحمن الرحيم

17- استراتيجيات الضغط

 

فلسفة الأناكوندا: “التي تسمح بافراغ الهواء لا إدخاله .. تقيد عدوها وتخنقه وتحرمه من المبادرة .. تعصره وتفرمه وتشكله لتتمكن من التهامه كاملاً” .. لا حدود لقسوتها .. إنها غريزة الحيوان .. وما أكثر وجودها بين البشر ..

ركز بعمق على القاعدة التالية: “دافع وأنت تهاجم .. وهاجم وأنت تدافع .. وهاجم بعنف وأنت تفاوض” ..

في الصراع مع من «أبَى» علينا: [ أن نضغط ونقاوم ضغط الأعداء في آن واحد .. المطلوب: “أولاً أن نحدد طبيعة العلاقة ونُعرفها .. ثانياً أن نضبط سرعة الإيقاع ونفرض إيقاعنا” ] ..

في الصراع السياسي والعسكري التحدي والاستفزاز يسهل نقل موضوع الصراع إلى منطقة من اختيارنا .. تقتضي الحكمة السيطرة على نمط تفكير العدو  واستدراجه إلى متاهة الغضب أو العظمة أو الرضا: “تغضبه ليفقد اتزانه ويقع في سلسلة لا متناهية من الأخطاء .. تمدحه ليزهو بنفسه ويترفع على العقلاء ويبقى فريسة جهله ووحدته وأنانيته .. تشعره بالسيطرة لتقل يقظته ويتملكه الرضا القاتل عن نفسه” .. القائد المنتصر في الصراع العسكري يفرض على أعدائه مجالاً يحجمهم فيه ويسمح لهم بالتنفس .. ويمنحهم فرص لإعادة التفكير والاختيار فنحن مسلمون ولسنا أناكوندا ..

 

من البراعة قبل الحرب:

أن نعرف أعداء الدين ونصنفهم لنحسن التعامل مع كل صنف: الدعوة للجميع .. ومنهم من تغزوه بالقوة الناعمة .. ومنهم من تغزوه بالقوة الخشنة .. ومنهم من تتحالف معه .. ومنهم من تهادنه …إلخ .. والواجب ليس ابقاؤهم فقط تحت ضغط السنان واللسان بل إمرار سحب الرحمة الاسلامية في التعامل عبر سمائهم ليقارنوا بينها وبين ظلمات حياتهم ..

وهذا لا ينفي أن هناك خصوم ومنافسون ينتمون للدين ولكن طموحهم تسوقه أطماعهم .. فالحرص كل الحرص على عدم سفك الدم الحرام فيقدم الصلح والقضاء على القتال .. قال تعالى{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}الحجرات ..

 

ومن البراعة في الحرب:

أن نسيطر على فكرهم العسكري ونستدرجهم إلى منطقة نألفها ولا يألفونها .. أن نحضر الميدان بما يمنحنا التفوق ويحرمهم منه ( بدر ) .. بأن نمنحهم طعماً ما يتوهمونه ضعفاً فهذا يجعلهم يندفعون حيث نريد أن نحشدهم ( حطين ) .. ولطالما حارب المسلمون الأوائل وظهرهم إلى الصحراء .. وسمحوا لعدوهم بعبور الجسر بعد أن جربوا عبوره .. وحاصروا عدوهم وظهره للهاوية ( اليرموك ) .. وبنو أو حفروا الموانع ليكسروا إرادته ( الخندق ) .. ودمروا الإمبراطوريات بحرب العصابات ( أفغانستان ) .. هكذا فعل عباقرة القادة ساقوا أعدائهم لحتفهم بظلفهم ..

والقاعدة في ذلك: لا تُقبل على حرب حضر لها العدو .. واستدرج العدو إلى حرب حضرت لها ..

 

ومن البراعة بعد الحرب:

بل من الحرص على الإنسان في الأرض أن نمنح جنود العدو وشعبه بعد هزيمتهم فرصة يتنفسون فيها تحت ظلال الإسلام ونجدد لهم الدعوة ونمنحهم الخيارات .. بعد أن رفع عنهم ضغط الساسة وأئمة الضلال وتحررت عقولهم ..

كذلك أن نحدد للخصوم أو المنافسين مجالاً ينفسون فيه عن كبتهم؛ يحفظ حياتهم ويمنعهم من الفتنة .. أن نسمح لهم بالقدر الذي يمنحهم الأمن والاستقرار ولا يمكنهم من أخذ زمام المبادرة .. وقديماً قال معاوية رضى الله عنه: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي .. ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني .. ولو كان بيني وبين الناس شعره ما انقطعت إذا مدوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها ..

وختاماً: عند الساقية تستر أعين الفحول وتعلق على أكتافهم مهمة إخراج الماء لنفع الناس .. بعض الناس لا ننجح في هدايتهم أو نتوافق معهم؛ فلسنا المختارين لهذه المهمة ( الهداية ) فلكل قوم هاد .. لكن .. يمكن إشغالهم بالنفع العام بدلاً من إهمالهم وتهميشهم وتركهم لأنفسهم .. لعلهم يهتدون ولعلنا نتوافق ..

 

مبادئ استراتيجية الضغط:

1- أبقهم مستنزفين:

وهذا من فلسفة حرب الضعيف ضد القوي .. يبقيه دائما مستنفراً غاضباً مهموماً متعجلاً متوجساً لاهثاً خلف طيف لا يمسكه ولا يقضي عليه .. إذا أراد العدو أن يرتاح نغص عليه الوقت والمكان .. حول هجوم العدو إلى رد فعل متعجل يندفع إليه بذهن مشتت .. وكلما خطط العدو لأمنه واستقراره اضربه في مكمنه وزاد من توجسه وحيرته .. وإذا أراد العدو أن يفكر أثقلته هموم ديونه واستنزاف اقتصاده .. اجعل مسيرة عدوك سلسلة من النكد تنتهي بيأسه وهزيمته ومن ثم خضوعه التام .. إنها الحرب المجلية أو السلم المخزية .. وفق استراتيجية تنسجم مع حجمنا الصغير وقدراتنا المحدودة ضد ديناصورات القرن الحادي والعشرين ..

 

2- اختر الميدان وابتكر نظرية التغيير المناسبة:

فمن بدر وأحد والخندق إلى اليرموك والقادسية والفسطاط والقدس .. ومن أفغانستان وفلسطين واليمن والصومال والمغرب والعراق والشام ومصر وليبيا ومالي إن شاء الله إلى العالم أجمع .. هذه اليوم أراضي عملنا ويجب أن يختار أهل كل أرض ما يناسب شعبهم وإمكاناتهم ويبتكروا رؤى التغيير المناسبة ويبنوا الاستراتيجية التي تحقق أهدافهم ..

وأي ميدان توقفت فيه الفتوحات وانكمشت المناطق المحررة وتعطل تحقيق الأهداف فعليهم أن يراجعوا علاقتهم بالله أولاً وبأسباب التحول والانكماش ثانياً .. ومن هذه الأسباب: في بعض هذه الساحات وأثناء مسيرتها الجهادية أحدثوا تغييرات جوهرية في الاستراتيجية التي تحقق بها العديد من الانتصارات .. وتعجل بعض العاملين فيها ليحقق له ولدولته المزعومة أو لفصيله تواجد سياسي وإداري تحت مظلة الخلافة والسلطان قبل القضاء على العدو وفض تحالفاته .. وانفرط النظم بخصومتهم الداخلية وقتالهم لحلفاءهم بالأمس ورفاقهم في التغيير .. فدخلوا في متاهة اجتهادهم وفقدوا اتجاههم وضل سلاحهم .. على هؤلاء جميعا أن يقفوا لله وقفة تجرد وإخلاص ولا يغرهم تزين بطانتهم وتبريرها لسقطاتهم أو غش من يدعمهم ويمنيهم من الخارج .. فهي لن تجدي في الدنيا ولن تنفعهم في الأخرة .. وليكونوا على يقين بأن تأخرهم في الإصلاح نذير شؤم لهم وإنذار بالاستبدال .. أما شعبهم وأمتهم فلهم الله يُخرج منهم سبحانه وتعالى من ينصر دينه ..

 

3- أفشل استراتيجيتهم وزد من أخطائهم:

بات مألوفاً أن نكتب عن كيف نجحت حرب العصابات في إفشال استراتيجية النظام .. لنكتب اليوم بعض صور إفشال النظام لاستراتيجية حرب العصابات:

– يتعمد النظام في مرحلة أولية من الصراع وبسبب شراسة الهجمات إلى التخلي عن بعض المناطق البعيدة من العاصمة ليتملص من تبعاتها ويحملها للعصابات وذلك لأسباب منها: ضعف ولاء السكان .. صعوبة الدفاع عنها وبالتالي سهولة استعادتها مستقبلاً .. ضعف القدرة على الانفاق عليها ..

– يقوم النظام في المناطق التي تخلى عنها بترك جيوب موالية له تعمل كطابور خامس حال تمدد العصابات وتمارس أعمال التجسس والتخريب النفسي والمادي ..

– يقوم النظام بتشكيل عصابات موازية تشعل حرب جانبية مع العصابات الحقيقية وتنافسها على شعب المنطقة أو تفسد نقاء عملية التغيير وتصيب الشعب باليأس من كسب المعركة مع النظام ..

– فسح المجال أمام العصابات لتتمدد على بقعة تفوق قدراتها البشرية .. وضع العصابات في حالة استنزاف اقتصادي بالانفاق على سكان المناطق التي انسحب منها .. استهلاك واشغال العصابات في توفير الأمن للسكان والسيطرة على اللصوص والمجرمين ..

– سرقة الوقت من العصابات حيث لم تنضج كوادرهم فتكثر أخطاؤهم ولم يتعرف عليهم السكان بعد فتهدم الثقة بينهم .. تمنح النظام مزيداً من الوقت لكسب حلفاء إقليميين ودوليين يساهمون في دعمه .. عقد هدنة مع بعض فصائل العصابات الضعيفة ليتفرغ للأقوى منها .. يقوم النظام بإرهاب وتحيد حلفاء العصابات الاقليميين ..

– بانكماش النظام وتمدد العصابات تتوهم العصابات بأنها أصبحت ذات قدرات نظامية تمكنها من الحسم وبالتالي يتم استدراجها إلى حرب تفوق منظومتها العسكرية فيقضي عليها فيها … إلخ ..

– يساهم النظام في حرق المراحل على العصابات حتى يقضي عليها قبل أن تستوعب تجربتها وتستغرق وقتها ويتعرف ويثق فيها شعبها وتبني منظومتها وتطورها وفق تدرج مرحلي سليم ..

– – على العصابات أن تنتبه لعنصر الوقت وعليها أن تقايض المكان بالزمان ..

 

4- الحرب خدعة:

نحن أمام مناورة ذهنية وحركية تتعلق بالنفس البشرية حيث تكثر الاحتمالات وتتنوع بحسب نفسية الشخصيات المتصارعة .. التي يجب أن يقدم لها الطعم المناسب الذي يحرك شهيتها لممارسة ما تجيده .. والخدعة إما إيجابية أوسلبية .. والسلبية تسعى بالضرورة لنتيجة إيجابية .. المناورات الايجابية لتحريك الجمود .. المناورات السلبية للسيطرة على الحركة .. هكذا يجب أن تسير الأمور ..

– المناورة السلبية هي: التي لا تستخدم فيها الوحدات العسكرية .. فهي مناورة ذهنية تمثل ضغطاً ناعماً على نفسية العدو ليقوم برد الفعل المخطط له من قبل المناور .. وهي ناجحة بدرجة كبيرة في فض التحالفات أو جلبها ..

– المناورة الإيجابية هي: أيضاً مناورة ذهنية ولكنها تعتمد على التحركات الأرضية للوحدات العسكرية .. تهدف للضغط على نفسية العدو وتستدرجه للقيام بالحركة الخطأ ..

– الطعم قد يكون معلومة يتعمد تسريبها ( نعيم بن مسعود – غزوة الأحزاب وتعتبر نموذجاً مثالياً للمناورة السلبية ) أو تحرك أرضي يصعب تجاهله أو تفويته ( المناورة الأكثر شهرة الفرار لإيقاع المطارد في كمين محكم وهي تعتبر ايضاً نموذجاً مثالياً للمناورة الإيجابية ) .. وكلا المناورتين تمثلان ضغطاً على نفسية القائد وسرعان ما يتجاوب معه

لإنجاح الخدعة لابد لمن يمارسها أن يكون عالما بنفسية القائد المقابل وهيئة أركانه .. مدركاً لنمط أفعالهم وبالتالي قادراً على التنبؤ بردود أفعالهم .. وبشكل عام فالخدعة يجب أن تغذي الصفة المسيطرة على شخصية القائد بحيث يلتهمها بنهم يشبع طبيعته ..

ومن نماذج القادة: الحذر .. العنيد .. المتهور .. المتباهي .. الوفي …إلخ ولكل منهم نقطة الضعف التي تؤتى منها فمثلاً:

القائد الحذر: يجب أن تمارس سلسلة من المناورات التي تغذي حذره وتزيد من مخاوفه .. نقطة ضعفه هي الخوف وهو بالتالي يحسن الحرب الدفاعية .. ولذلك لا يقدم على أي خطوة حتى يجتاز شكوكه وخوفه .. والمناورة الإيجابية فعاله جداً مع هذا النوع من القيادة فبمجرد تثبيت وحدات أمامه وتحريك قوات أخرى في حركة التفاف فهو يعتبره تهديد بالحصار مما يدفعه ( القائد الحذر ) عادة إلى الانحياز لنقطة تقيه هذا الحصار .. وبالتالي يفقد الأرض دون هجوم كبير عليه أو مقاومة منه .. وتكرار المناورة معه نافع وأثرها الأكبر يكون دائماً بحسب عمقها ..

القائد العنيد: يجب ألا تساهم مناورتك في تغذية عناده ورغبته في السيطرة بل تساير رغبته وتمنحه ما يجعله يرغب في مزيد من السيطرة ثم تفاجأه بما يكسر اندفاعته وتضعه أمام وضع يائس يفقده توازنه ويعجل بانهياره .. نقطة ضعفه تكمن في كبريائه وشرفه ( ليس متكبراً )  وبالتالي لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي ليتلقى الضربات بل عليه أن يحقق ما يغذي عزة نفسه من انتصارات وبالتالي فهو يجيد الحرب الهجومية .. ومثله يصعب مواجهته فلا يمنح هذا بل يتم استدراجه في مواجهات صغيرة متعددة سرعان ما تنحاز ويطاردها .. حتى إذا طالت خطوط إمداده أمكن إعاقة تقدمة بقوات أكبر مع الالتفاف عليه وتطويقه .. وقطع الإمدادات عنه وإحكام حصاره ..

القتائد المتهور: تكمن نقطة ضعفه في انعدام صبره وعصبيته .. وهو لا يكف عن مطاردة أي حركة تلفت انتباهه .. إعداده للمعركة سيء واهتمامه بالاستطلاع والاستخبارات أسوء .. وهذا النوع من القادة ما أسهل أن تستدرجه لكمين محكم ينتهي فيه مع قواته ..

وهكذا يتم التعامل مع بقية الصفات الشخصية لقادة العدو .. والضغط عليها بما يناسبها ..

قال أبو جعفر المنصور: لقد أخرجت الثعلب من مخبأة .. لقد كان النفس الذكية محمد بن عبد الله بن الحسن ذكياً كريماً وفياً ولقد كان مقتله في حسن خلقه وتربيته .. فما هو نوع الضغط الذي مارسه أبو جعفر المنصور عليه ليخرجه .. راجع الصراع بينهما ففيه الكثير من الفوائد ..

من النماذج التي يصادفها الانسان في حياته النفسيات السلبية .. وهي تلك التي تواجه ضغوط الحياة بدرع من العناد ترفض من خلاله التعاون وتحاول به الهروب من المواجهة .. فمنهم من يظهر عدم الاكتراث لما يواجههم ويهربون منه بالصبر عليه .. وقد يتلذذ البعض بالمعاناة والألم وينتظر أن يرأف به معذبه وينتشله من معاناته ( حال الكثير من الشعوب العربية ) .. نوع آخر منهم يظهر الحكمة والتعقل ولكن أيضاً بلا فاعلية فهو يهاجم بعاطفة هائجة مشحونة بمشاعر ساخنة لصرف انتبههم عن التوجهات الايجابية وأسرهم في قوقعة من السلبية ( حالهم كالخازن الذي يتعلل لابقاء خزنته مغلقة لانه يجد مشقة كبيرة في الصرف منه ويرى فيما سبق وتم صرفه أنه استهلاك بلا فائدة وطان الأفضل لو بقي في الخزنة ) .. وهناك نماذج أخرى للنفسيات السلبية منها ما يطلق عليه “عبد المأمور” هذا النوع في خطابه يحتاج إلى مرجعية يقيس عليها الصواب والخطاء ومن ثم صدمه بين ما أمر الله وإملاءات رئيسه ثم يخاطب ضميره ليتوقف عن تنفيذ الأعمال الخاطئة .. والنماذج السلبية كثيرة والمطلوب فهمها وإدراك ماذا نقول لها ..

هذه العناصر السلبية سواء كانت أعضاء في تنظيم أو مكونات شعبية يغذي عنادهم السلبي محاولات دفعهم للايجابية وتكرار طلب ذلك منهم .. الحل الأمثل معهم هو التفوق عليها في السيطرة السلبية .. أي ممارسة الضغط السلبي عليهم .. فيم الإيحاء لهم بأن ما يمارسونه من سلبية هو تعاون معك وتنفيذ لمخططك .. وعلى مستوى الشعب فإن ما ينفذونه هو إملاءات النظام عليهم .. هذه المسايرة لأفراد التنظيم وهذه الموافقة من الشعب للنظام هو ما يهربون منه بعنادهم فكيف يطيعونهم؟!! .. هنا فقط يفقدون توازنهم ويتوقفون عن العناد السلبي ويعكسون سلبيتهم باتجاه التغيير .. وهو الهدف الذي تم التخطيط لتحقيقه ..

يقول البعض أن إبادة الخصم أو القضاء التام عليه يخلق خصوم جدد أكثر خبرة وقوة .. لذلك الابقاء على خصم ضعيف عركته مع الأيام خير من القضاء عليه .. ربما تفسر هذه المقولة رؤية ما تمارسه الأنظمة العربية مع جماعة الإخوان المسلمين .. وهو ما تسعى إليه أيضاً مع غيرها من الجماعات .. وهو ملاحظ إلى حد ما مع تلك الجماعات التي هزمت في القتال وانسحبت حتى من الممارسة السياسية واكتفت بممارسات إجتماعية وإنسانية تداوي فيها جراحها .. أسأل الله أن يعفو عنا وعنهم جميعا ..

هذه الإشكالية تعالجها الأجيال الجديدة التي اطلعت على نمط الحياة والتقدم للشعوب الأخرى .. هذه الأجيال تحركها رغبتها في التطور والتقدم وتقودها غيرتها على دينها ووطنها للمنافسة مع بقية الشعوب .. ومهما حاول الغرب أو الأنظمة العملية له أن تكبتها فلن تستطيع .. ومهما قُدم لها من فتات فلن تقبل به .. إنها روح المنافسة التي لا تهدأ والغيرة المحمودة والسعي الحثيث نحن التفوق والسيادة .. هذا هو ما يحرك الشعوب الحرة .. ونزيد عليها أن ديننا يدفعنا ويحرضنا لحمل رسالته إلى العالم كله ..

الخطوة الأولى لهذه الأجيال هي: الخروج من الضغط والتبعية النفسية للقيادات التاريخية التي لم تحسن تعبئتها .. وصَبغتها بسلبيتها في المواجهة .. ورضت بالفتات مقابل البقاء والمحافظة على اليسير من المكتسبات .. إن كسر طوق رق الطاعة العمياء أصبح ضرورة لعودة الروح لهذه التنظيمات .. لقد أصبح حتمياً أن تتخطى هذه الأجيال رؤساءها السلبين لتتمكن من تحقيق طموحها ..

الخطوة الموازية هي: المعرفة بما سبق من تجارب وتاريخ الصراع السياسي للمنطقة على الأقل لآخر قرنين من الزمان .. كذلك التمسك بالمذهب الديني لغالبية الشعب كمرجعية تضبط المسيرة الحركية للتغيير .. والانتباه لمكونات المجتمع والعمل على انسجامها وتلافي ما يحدث شروخ تعيق تقدم عملية التغيير ..

الخطوة التالية هي: إعادة التنظيم للطاقات والإمكانات .. وتبني رؤية تغييرية واقعية وشاملة .. واختيار وسيلة للتغيير أو التنسيق بين عدة وسائل للتغيير بحسب ما تمنحه الأرض ويملكه الشعب من إمكانات .. ومن ثم قيادة الجماهير بحكمة وحنكة لتحقيق التغيير المنشود ..

ويبقى التفاعل الحركي للصراع خاضع لموهبة القيادة وقدرتها على الإلهام والتجديد وتخطي العوائق والأزمات ..

النقطة التي لا يمكن تجاهلها أو إغفالها هي حسن التوكل على الله وطلب معيته وتوفيقه .. والتزام أوامره وتجنب معصيته .. ولأهميتها أخرت ذكرها حتى تبقى عالقة في الذكرة ..

ومسك الختام: بيان الروح والخلق الإسلامي في الصراع .. لأننا بشر ولسنا أناكوند “حيوانات” .. ولأننا مسلمون نؤمن برسالتنا .. فليس للإبادة نصيب في تفكيرنا .. لأننا ندرك مهمتنا وهي تعبيد الخلق للواحد الأحد وهو ما ندعو إليه قبل الصراع وأثناءه وبعده .. فإن النصر في حركتنا الجهادية يعني إزلة العوائق أمام الدعاة ويكشف الحجب عن أعين الناس ليمكنوا من الاختيار ..

إن جوهر الجهاد قائم على تحقق النصر على الشيطان بالتغلب على أئمة الكفر وبطانتهم وجندهم لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني آدم .. وليس قائم على إبادة الناس .. وعلى شباب الأمة عامة ومن حمل منهم السلاح خاصة أن يتعلموا ويفقهوا مراد الله من الدعوة والجهاد ( عملية التغيير ) ومن ثم يعقلون ماذا يقدمون للناس بعد النصر ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

 




دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة - العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ - مارس 2021 م

 

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ – مارس 2021 م .

29-03-2021

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، ينفذ الأمريكيون برنامجاً، لكسب دول فى المنطقة لتنفيذ مشاريع: تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

– تشهد ولاية بدخشان عدة مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل /وتتلاعب بالحدود الدولية/ بما يشكل تهديدا خطيرا على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

– إسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة في إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بمياه نهر جيحون، رغما عن حقوق باقي الدول.

– أي مشروع إنفصالي هو إستمرار للعدوان العسكري وسوف يستمر الجهاد العسكري لإحباطه. ولا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان، وحدة أراضيها، وكامل سيادتها على كامل أراضيها، وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هي ملك لجميع شعب أفغانستان، ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأي إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

– إرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمي هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

 

مشروع تقاسم أفغانستان:

ذلك هو جوهر التحرك السياسى الأمريكى الراهن. ومضت أمريكا بأقصى قوة فى ذلك البرنامج خلال الفترة التى تلت توقيع إتفاقية الدوحة.

والهدف هو(شراء) مواقف الدول الأساسية والمؤثرة فى مشكلة أفغانستان بتوزيع قدر من غنائم افغانستان على حسب أهمية الدور المطلوب من كل دولة. ويلاحظ أن جزءاً هاماً من الغنائم عبارة عن رشاوى إقتصادية، أو مشاريع استراتيجية عملاقة تتعلق بأطماع إسرائيل فى أفغانستان والمنطقة لتضعها تحت شبكة النفوذ اليهودى الإقتصادى والسياسى، وإنهاء أى دور إيجابى كان يمكن أن تقوم به أفغانستان بعد التحرير.

المشروعات المطروحة تركزعلى ربط وسطوجنوب آسيا مع تركيا، ثم إسرائيل عبرأفغانستان.

– وبشكل خاص خط السكة الحديد من نيودلهى إلى إسلام آباد، ثم كابل وصولا إلى تركيا. وهو يشكل إنقلابا عميقا فى الموازين الجيوسياسية للمنطقة، خاصة العلاقة بين الهند وباكستان، وبالتالى العلاقة بين الصين وباكستان.

– مشروع آخر لا يقل أهمية وهو سطو إسرائيل على مياه آسيا الوسطى، لإحياء (خط أنابيب السلام) الذى تكلم عنه بيريز منذ أكثر من ثلاثة عقود، لنقل المياه من أنهار سيحون وجيحون إلى إسرائيل عبر تركيا.

والمشروع يستدعى إنقلاباً آخر فى الموازين الجيوسياسية فى المنطقة. وهو إحتمال تغيير طاجيكستان للحدود مع أفغانستان لإغتصاب نصيبها من مياه نهر جيحون. والتلاعب بمشاريع رى مخادعة فى بدخشان تؤدى إلى خدمة نفس الهدف. أى تحويل أكبر قدر من مياه أفغانستان إلى طاجيكستان. وسيترب على المشروع الإسرائيلى أزمات خطيرة بين دول آسيا الوسطى. فإسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة فى إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بالمياه رغما عن حقوق باقى الدول، بما يهدد بحرب إقليمية، تصب لمصلحة إسرائيل وشركات السلاح والأمن والمرتزقة فى إسرائيل والولايات المتحدة. وتشهد ولاية بدخشان مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل/تتلاعب بالحدود الدولية/بما يشكل خطراً على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

وعلى طول الحدود الباكستانية شهدت الحدود الأفغانية عمليات ضم جائرة للأراضى وأسوار عازلة منيعة تتنافى مع النوايا الطيبة وعلاقات حسن الجوار. وهى تعديلات لا يمكن النظر إليها الآن بمعزل عن المشروع الأمريكى/الإسرائيلى لتغيير التوازنات الجيوسياسية فى المنطقة، لمحو دور أفغانستان لصالح تواجد إمبراطورى لإسرائيل يربط المنطقة كلها بمشاريع عظمى تصب مكاسبها المالية فى إسرائيل والبنوك اليهودية.

الأزمة ستطال الصين التى تحاول أمريكا وإسرائيل حرمانها من منفذها البرى مع أفغانستان فى ممر واخان. وهو المنفذ المرشح ليكون طريقاً دولياً يستكمل طريق الحرير نحو شواطئ البحرالمتوسط عبر إيران والعراق والشام. إيران أيضا مرشحة للعزل برياً عن أفغانستان (المنقطعة بريا عن الصين)، وبالتالى ستحرم إيران أيضاً من فرصة الإتصال البرى مع الصين أى أن إيران ستكون فى قائمة ضحايا المشروع الأمريكى/ الإسرائيلى.وهى قائمة لاتضم حتى الآن سوى الصين والإمارة الإسلامية وإيران، وربما روسيا أيضا التى مازالت تراجع كشوفات المكسب والخسارة، فى حال شملت معها حسابات حديقتها الخلفية فى طاجيكستان.

فقد تفضل موسكو أن تكون مياه “خط أنابيب السلام” فى متناول يدهها عند التفاوض مع إسرائيل، التى ستخنقها إقتصاديا بورقة غاز البحر المتوسط والخليج.

إيران مرشحة لخسارة فى مكانتها الجيوسياسية. بهبوط مكانة مشروع ميناء تشبهارلعدة أسباب منها تحول تجارة أفغانستان البحرية لتعود إلى ميناء كراتشى فى باكستان، وفى ذلك توثيق لربط أفغانستان مع المحور الجديد الذى يربط باكستان والهند مع تركيا وإسرائيل فى طرق للسكة الحديد.

وفى الغالب ستبذل أمريكا وإسرائيل غاية الجهد لتمرير خطوط الطاقة (تابى) المتوقف عند الحدود الأفغانية التركمانية. لأن وصول ذلك الخط إلى باكستان والهند سيكون جائزة كبيرة لهما لقاء تعاونهما مع مشروع التغيير الجيوسياسى فى آسيا. لأن فى مشروع “تابى” أضرارا غير مباشرة ستصيب إيران والصين، وكلاهما خارج الخريطة الجديدة التى ترسمها واشنطن مع تل أبيب. كما أن “تابى” سيضع أفغانستان الضعيفة سياسيا وإداريا تحت وصاية لاترحم من شركات الطاقة المشرفة عليه، كما هو الحال فى الأماكن التى تعمل فيها إحتكارات النفط، حيث تشكل حكومة حقيقة بعيدا عن الأضواء.

الصين لا بد أن تكون فى حالة غليان من مشروع أمريكى/إسرائيلى/تركى، يجرى إعداده بالحديد والنار لحصار الصين بزرع كيان مسخ على حدودها فى (بدخشان)، التى قد تكون كياناً مستقلاً أو مرتبطاً بسلسلة ولايات شمال أفغانستان، فى دولة إنفصالية واحدة، وظيفتها عزل أفغانستان عن دول وسط آسيا ـ وعزل الصين برياً عن أفغانستان (وربما عن باكستان والهند أيضا)، بتمديد حدود بدخشان لترتكز حافتها الشرقية على حدود الهند فى مرتفعات سياتشين الجبلية / الجليدية. (وجليد يعنى ماء متجمد وهو ما تسعى إليه إسرائيل دوما حسب قانونها الإستعمارى: نحن فى الحالة الحرب نحتل المواقع الإستراتيجة، وفى وقت السلام نحتل مصادر المياه).وإسرائيل الآن فى حالة سلام وإستقرار فى مركز إمبراطوريتها فى الشرق الأوسط. لهذا تبحث عن المياه، من الحبشة إلى طاجيكستان وبدخشان والهند.

ليس من المستبعد أن يتم الإتفاق مع الهند كى تتنازل عن منطقة التماس مع الصين لصالح بدخشان والمشروع الإنفصالى خلفها. فتتخلص الهند من منطقة خطر وإزعاج دائم، وتتولى المشاكل الحدوية مع الصين دولة مسخ إنفصالية تدعمها إسرائيل وأمريكا. مع ملاحظة أن بدخشان لها تاريخ مع الدواعش، وبذلك قد تتحول حدود أفغانستان مع الصين إلى مسرح لحرب داعشية تنقل تجارب الشرق الأوسط وتجتذب مجموعات داعشية مسلحة تعانى من البطالة. إذا تحقق ذلك الحلم الإسرائيلى فلا روسيا ولا دول آسيا الوسطى، ولا أفغانستان، ستحظى بأمن أو سلام. وذلك يوفر أفضل الظروف لنجاح المشاريع الإسرائيلية. ولعلنا نتذكر هنا وعد أحد الصهاينة الأمريكيين فى الكونجرس الذى قال “سنحول أفغانستان إلى إسرائيل فى المنطقة.

 

 

حرب لإلغاء دور أفغانستان كدولة إسلامية :

أمريكا وإسرائيل تدفعان حرب أفغانستان فى إتجاه إلغاء أفغانستان كدولة إسلامية لها دورفى أى مجال آخر سوى زراعة المخدرات، واستخراج المعادن والخامات النادرة لصالح شركات الغرب وبنوك اليهود.

الصين هى المتضرر الأكبر من ذلك البرنامج. ومن المفروض أن تكون روسيا ضمن قائمة المتضررين. وكل ذلك يشير إلى أن العمل السياسي للإمارة فى حاجة إلى المزيد من المبادرات، لإيضاح أرضية تفاهم سياسية وإقتصادية واستراتيجية للتعامل مع الدول المحيطة.

بعد مجهد صعب، وضغوط من كل جانب، تمكنت الإمارة من التفاوض بقوة وإستقلالية. ويظل العمل السياسى للإمارة فى حاجة إلى تدعيم، وعقد تفاهمات إقليمية واضحة وقائمة على المصالح المتبادلة للعمل الثنائى، والإقليمى الجماعى. حتى لا تلجأ بعض تلك الدول إلى التعامل مع المشاريع الواضحة والمغرية التى يقدمها أعداء أفغانستان. فإرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمى هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها. والحصار الإقتصادى هو أول الأسلحة الأمريكية ويصاحبة العمل الإرهابى والإخلال بالأمن وإثارة الفتن وتحركات الإنفصال.

وفى تلك الحالات الحرجة ولمواجهة سياسة التجويع، والأعمال التخريبية، ستكون الإمارة فى حاجة إلى علاقات ثابتة، وخريطة واضحة للمصالح المتبادلة مع دول الجوار والدول الكبرى فى الإقليم.

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

أمريكا تمارس الفجور السياسى :

أى ضعف فى الأداء السياسى للإمارة قد يتيح للعدو فرصاً للنجاح فى مجالات خطيرة مثل :

– تحويل وضعه من محتل لأفغانستان إلى وسيط سلام بين المتحاربين الأفغان. هذا بينما قواته وقوات حلفائه ما زالت تحتل أفغانستان.

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، طرح الأمريكيون برنامجا ضخماً للرشاوى، لكسب الدول الأساسية فى المنطقة لتنفيذ مشاريع:تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

تناسى العدو الأمريكى موضوع الإنسحاب المقرر له أول مايو2021، ودفعنا/على حين غفلة/ إلى دوامة من المبادرات والمؤتمرات والوساطات، والضغوط فى كل جانب من أجل:

– فرض”السلام” كما يفهمه المحتلون.. أى وقف الجهاد ضد الإحتلال والحكومة العميلة.

– تشكيل حكومة مشتركة مع نظام كابول. أو بمعنى أصح المشاركة فى النظام القائم، مع تغيير فى الوجوه، سواء وجوه عملاء كابل، أو إضافة وجوه يرتضيها المحتل، ثم يدعى أنها تمثل الإمارة.

ذلك الفجور السياسى الأمريكى يستدعى المزيد من الوضوح فى خريطة العلاقات والمصالح المتبادلة بين الإمارة الإسلامية والدول الأساسية فى الإقليم، بما يحفظ مصالح أفغانستان ويحقق الأمن والإزدهار والعدالة فى العلاقات داخل الإقليم، والإبتعاد به عن التدخلات الخارجيية من القوى المعتدية، أى أمريكا وحلف الناتو.

عدم إكتمال إستراتيجية سياسية شاملة، مع العدو والصديق، أتاح لأمريكا أخذ زمام المبادرة، فطرحت علناً المقترحات الفاجرة الآتية:

1 ـ وقف العمل الجهادى بدعوى إفساح المجال “للسلام”، أى لحكومة مشتركة تحت إشراف الإحتلال.

2 ـ إغلاق مكاتب الإمارة فى الخارج التى لم تأذن بها واشنطن، والمقامة بشكل غير رسمى فى دول لا تحظى برضى أمريكا.

 

خطة للنجاة سياسيا :

مازال الوقت متاحاً لتدارك تلك الأخطار قبل أن تخرج عن السيطرة، فتصبح الإمارة أسيرة لردود الأفعال مثل الريشة فى مهب الريح. وتضيع من بين أيديها أضخم إنجازات عسكرية فى تاريخ أفغانستان. وهناك مجموعة إجراءات ضرورية ينبغى إتخاذها.. ومنها:

– الاصرار على الإنسحاب الكامل لجميع القوات المحتلة لأفغانستان فى الموعد المحدد.

– الإعلان بأن العدو المحتل، والدول المشاركة فى العدوان، ليست دولا صديقة ولا وسيطة.

فالدول المشاركة فى الغزو: لا يمكن أن تكون وسيطا ـ ولا شريكا مستقبلياً إلا بعد فترة زمنية طويلة تثبت خلالها أن سلوكها العدوانى الغادر قد تغير ـ وقبل ذلك لا يمكن أن تكون مركزاً لمؤتمرات أو لمفاوضات من أى نوع، ويكون وفد الإمارة مشاركاً فيها.

– أى تعديل للحدود الدولية لأفغانستان هو عمل عدائى مرفوض ويهدد الأمن والإستقرار فى المنطقة، وسيتم التعامل معه وفق ما تقرره الإمارة.

– أى مشروع إنفصالى هو إستمرار للعدوان العسكرى وسوف يستمر الجهاد العسكرى لإحباطه. فلا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان ــ وحدة أراضيها ــ وكامل سيادتها على كامل أراضيها ــ وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هى ملك لجميع شعب أفغانستان ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأى إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

يشير العرض السابق بكل وضوح إلى أهمية زيادة عنصر المبادرة والإقتحام الشجاع للجهاز السياسى من أجل التقدم بقضية الإسلام فى أفغانستان، وحماية الإمارة الإسلامية. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو تحرير العمل السياسى من أى ضغوط خارجية، وتوفير كامل الإستقلالية لعمله في اي مكان.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية




33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

بسم الله الرحمن الرحيم

8- استراتيجية الاقتصاد في القوى

الاقتصاد لا يعني الشح أوالتبزير فكلاهما قد يكون سببا في الاخفاق .. الاقتصاد هو الإحسان في إدارة الموارد والإمكانات .. ليس ما تملكه هو الذي يحقق لك النصر بل كيف تستعمله .. الوفرة والثراء يفقدان الاحساس بالحدود .. المجاهدون معنيون بالواقع وحدوده .. حين تملك أقل فستتعلم كيف تحسن استعماله وعندها يصبح الزمن حليفك ..

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا {29}

أن تحلم بما تريده ثم تحاول العثور على الوسائل لتحقيقه هي وصفة جاهزة للانهاك والهدر والهزيمة .. السعي المبكر لامتلاك ما هو عند العدو يحولك لنسخة أضعف وستفقد روح الابتكار .. ابتكر وامتلك من الفكر والوسائل ما يفقد قوة العدو زخمها ويحيدها في الصراع .. فكر فيما لديك واستعمله بمهارة ..

 

 

الاقتصاد في القوة أحد أهم مبادئ الحرب .. والتاريخ ملئ بالعبر لقادة بارعين في الحرب .. ورغم انتصارهم في كل المعارك إلا أنهم خسروا الحرب لعدم مراعاتهم لهذا المبدأ واضطروا إلى التوقف والانسحاب .. هذه الانتصارات التي بطعم الهزيمة أو الموازية للهزيمة يطلق عليها ( نصر بيروسي ) .. فرغم أن الملك بيروس انتصر في معاركه على الرومان إلا أن تكلفة هذه المعارك كانت كارثية .. فالقوات التي انتصرت لم تعد كافية لشن حملة تحسم بها نتائج الحرب مما اضطرها لإنهاء الحملة .. وأهم عناصر التكاليف كان في أعداد القادة أصحاب الخبرة والتجربة الذين قتلوا في الحرب .. هذه تكلفة لا يمكن تعويضها في الحال ..

قبل وأثناء سير المعارك هناك إشارات ترشد وتنبئ بما هو ممكن أو ما هو متوقع .. تقارير وحدات الاستطلاع والمخابرات عن قوة العدو أو فساد الحلفاء فيها إرشاد لاستغراق وقت أطول في الإعداد للمعركة أو لتأجيها وحتى إلغائها واستغلال القوة المتاحة لتهيئة أجواء التفاوض لتحقيق تسوية مناسبة .. وفي الحرب حساب التكاليف من أهم تلك الإشارات التي يجب أن تلهمك متى تستمر ومتى تقف .. عندها يمكنك توفير مواردك ومعداتك وتحافظ على الخبرات والأرواح ..

القائد الذي لا يتمكن من ضبط نفسه وكبح جماحها وينساق وراء حظها وينصت لتزيين الحلفاء ويستدرجه إغراء الهدف والمكاسب المحتملة ويرى فقط ما يريد رؤيته .. ويتعامى عن المصاعب والخسائر المحتملة أو يظن وجود إمكانية لتعويضها .. وكلما مضى في أوهام اليقظة أبعد متجاهلا الحسابات والتكاليف كلما توغل في منحدر الخسائر وارتكب المزيد من الأخطاء .. التي تقود لمعضلات جديدة تتسبب بتكاليف جديدة لم تكن في الحسابان .. وأي نصر يتحقق بتكلفة عالية في الأرواح والمعدات والموارد لا معنى له ..

أضف لذلك هناك حسابات غير منظورة وأخرى غير ملموسة ولكنها باهظة الكلفة .. منها تهديد الاستقرار الاجتماعي للحاضنة أو الشعب .. فقد الرصيد السياسي الطيب .. ضياع الوقت والذي كان يمكن استثماره لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر وأعمق .. استهلاك وهدر الموارد بلا فائدة ترجى أو تعويض مناسب .. الحالة النفسية للأمة التي راهنت على قدراتك .. رغبة الثأر لدى الكثيرين الذين تجاهلتهم أو قمت باستغلالهم وخذلتهم وحتى أؤلئك الذين خسروا في المعركة .. التاريخ والناس لا يرحمون من يتجاهل التكاليف .. قم بحساباتك اليوم كاملة وأحسن التحضير لتقاتل في يوم آخر ..

ستظل قائمة الأعداء واضحة في عين القيادة التي تبصر أيضا الأعداء الذين يتخفون في لباس الحلفاء والأصدقاء .. أي كيان أو شخص لديه ثلاث قوائم أساسية: قائمة الأصدقاء والموالين .. قائمة المحايدين المتربصين .. قائمة الأعداء الألداء .. والحكيم من يراقب حركة القوائم ليزيد من عدد الأصدقاء ويقلل من عدد خصومه .. ويدرك أن الانتقال داخل القوائم من أعلاها لأدناها أو الانتقال من قائمة لأخرى يعتمد بالدرجة الأولى على قدراتنا الذهنية والنفسية لإدارة الصراع .. فنحن لا ننزلق لأي صراع ما أن تُدق طبوله .. فهناك مسيرة طويلة يجب أن نخطوها قبل أن ننخرط في الحرب .. وعندما يتوجب علينا خوض الحرب فلا بد أن يتم ذلك وفق شروطنا ..

الوقت هو العنصر الأكثر أهمية والذي بحسن استثماره يمكننا من بناء أنفسنا في مقابل زيادة عناصر التفتت في منظومة العدو .. دراسة العدو وإدراك نقاط ضعفه المخفية وراء قوته العاتية عنصر لا يقل أهمية عن الوقت ففي ضوء ذلك يمكننا من بناء استراتيجية ناجحة لإدارة الصراع فالنصر في الحرب يتحقق بمحصلة القوتين الخشنة والناعمة .. الاستخبارات الفعالة عنصر آخر في طريق النصر والسعي من خلالها لمعرفة نوايا العدو لا يقل أهمية عن معرفة عناصر قوته وضعفه الظاهرة .. مع دفع العناصر الذكية “الدهاة” إلى المناورة النفسية عالية السرية لتخذيل الأعداء وغرس بذور الشك بينهم وتهيئة مناخ من انعدام الثقة لفك تحالفهم ( نعيم بن مسعود نموذجاً ) .. العمليات النوعية كاملة السرية لضرب مفاصل العدو لتعميق نقاط ضعفه وإثارة كبرياء الخصم تزيد من حدة تفاعل عملية التفتت الداخلي لمنظومة العدو .. بناء القوات العسكرية المناسبة لخوض الحرب لا علاقة له بالحجم والضخامة وإنما بالحركية والقدرة على المناورة في ميادين الحرب المختلفة .. لنتخيل صورة نبي الله “داوود” عليه السلام وهو يواجه بالمقلاع العملاق المدجج بالسلاح “جالوت” ويصرعه به { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ }.. الحرب الاعلامية لخلق اضطراب في مناخ الرأي العام الداخلي لجماهير العدو تتسبب في أزمات داخلية ( من المعارضة السلبية إلى الثورة الحقيقية ) مما يدفع العدو لتوجيه جهوده للسيطرة الداخلية فينشغل بها عنا .. أو خلق مناخ ضاغط لإيقاف الحرب ( الجنرال جياب فيتنام ) مما يمنحنا مزيداً من الوقت .. أو دفع الإعلام لاستعراض عدالة قضيتنا وصدقها ونبلها وأنها لخير البشرية جمعاء بلا تمييز، ولبيان تعدي وظلم الأعداء وفسادهم وجشعهم لإشباع شهواتهم المادية التي تدمر البشرية جمعاء .. المبادرة إلى المناورات الاقتصادية لفك تحالف الأعداء أو تحييد بعضهم ( مقترح عرض ثلث الثمار على غطفان خلال أجواء غزوة الأحزاب ) .. الضربات “العسكرية الاقتصادية” للبنية المالية الهشة لأي عدو تستهلكة وتستنزفه وتنتف ريش زهوه ريشة ريشة .. المعارك العسكرية والضغوط الاقتصادية والحيل النفسية والقلاقل الاجتماعية والاضطرابات الأمنية والهجوم الإعلامي هي أدوات بيد القيادة السياسية تديرها وتناور بها وفق الاستراتيجية “الخطة العليا” التي تعمل على تحقيق الهدف العام للصراع وفق مراحل متتالية .. من المهم أن نفقه المرحلة التي نمر بها لنحقق أهدافا متتالية تشكل مرتكزاً لبعضها البعض لبلوغ الهدف العام .. ففي مرحلة الضعف نهدف لتحقيق توازن استراتيجي واقعي مع العدو .. وفي مرحلة التوازن نهدف لتحقيق تفوق استراتيجي على العدو .. وفي مرحلة الحسم نعمل للقضاء على إرادة العدو القتالية .. وهذه المراحل طال وقتها أو قصر مرتبطة عضويا بالصراع أي كانت استراتيجيته أو وسائطه ..

الاقتصاد بالقوة يعني ترشيد الصراع وذلك بدفع القوة المناسبة بخطة مناسبة لتحقيق هدف محدد .. فلا يستخدم السيف في موضع العصا .. فإذا أحسنا إدارة الصراع وترشيده من خلال التزامنا بالشروط السابقة فإن كثير من الأعداء بمرور الزمان يفضلون الانتقال إلى قائمة الحياد وبمزيد من الوقت ينتقلون منها إلى قائمة الأصدقاء .. علينا الاهتمام بالوقت لفسح المجال أمام المناورات السياسية وأدواتها لضخ مزيد من القوة الناعمة واستعراض القوة الخشنة سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور ..

إن البدهية العسكرية ( هاجم نقاط ضعف العدو بنقاط قوتك ) إذا اعتمدنا مبدأ الاقتصاد في القوة تدعونا لجعل الحرب للعدو أكثر كلفة كما تدعونا للعمل على إبقاء كلفة الحرب منخفضة من خلال تبني استراتيجية واعية وواقعية يمكن تطبيقها .. لا توجد قوة في العالم ليس لها نقاط ضعف غير محمية أو غير متطورة .. حتى ضخامة القوة وتكاليفها العالية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف تهزمه ( الاتحاد السوفيتي ) .. المطلوب أولاً: تحديد نقاط ضعف العدو والعمل عليها ومنها: عدم الاستقرار السياسي الداخلي .. التفكك الاجتماعي والانحراف الأخلاقي .. التعددية العرقية والنزاعات بينها .. الموارد الاقتصادية الضعيفة .. جنون العظمة عند قائده .. تحيد داعميه الاقتصاديين أو ضرب المرتكزات التي تدعم اقتصاده بضرب طريق الحرير البحري للبضائع التجارية وللنفط ثمرة عمليات النهب التي تدعم اقتصاده ( الولايات المتحدة الأمريكية ) .. والمطلوب ثانياً: إبقاء نقاط ضعفك الخاصة خارج المعركة وتحفظ قوتك على المدى الطويل ..

حين نكشف نقاط ضعف أعدائنا ونستهدفها ستمثل ضربة كبيرة تحط من معنوياته .. وترهقه .. وساعتها ستنكشف لديهم نقاط ضعف جديدة لا بد من استثمارها .. وهكذا ..

يمكن فهم مبدأ الاقتصاد بالقوة من خلال عقد مقارنة بين نفسية المجتمعات البشرية الفقيرة وأسلوب إدارتهم لما لديهم وبين نفسية المجتمعات البشرية الغنية وأسلوب إدارتهم لما لديهم .. الاحساس بالحاجة وإدراك الواقع والحدود يدفعنا لحسن استثمارها .. فقد هذا الاحساس يدفعنا للحياة داخل أحلام اليقظة حيث لا واقع ولا حدود .. الحالمون بالسيطرة ( بن زايد وبن سلمان ) يتوهون في أوهام يقظة وينفقون مدخرات الأمة على أعدائها لتحقيق أوهامهم وسيفيقون منها حين يستبدلون إن شاء الله ولا مستقبل لهما .. المجاهدون المتفاعلون مع الواقع ( باليمن والصومال ) عليهم ألا يتركوا الانهيار القادم يسقط بيد عدو الله والأمة الحلف اليهودي الأمريكي وعلى المجاهدين أن يحضروا أنفسهم ويجتهدوا للسيطرة واستثمار الفرصة .. علينا أن نركز على ما هو بين أيدينا وأن نحسن إدارته .. متى نظهر ومتى نختفي .. متى نكثف الضربات ومتى نقتصد فيها .. التحرر من النظر تحت أقدامنا لنبصر إلى حدود الأفق وندرك ما وراءه .. التعلق بالانفاق لتوفير امكانات تشابه امكانات العدو تستنزفنا وتستهلكنا وتحولنا إلى نسخة مصغرة منه تلعب في ميدانه ووفق تكتيكاته وبإمكانات محدودة تسبب هدر الموارد كما تؤدي إلى انتكاسات لا تنتهي ( الشام ) .. الاستفادة مما هو بين أيدينا وفق استراتيجية وتكتيكات تناسبنا تحول ضعفنا إلى قوة مهما طال وقت الصراع ( الصومال ) .. حينما يملك العدو التفوق الجوي؛ علينا أن نمتلك التفوق الأرضي من خلال هجمات نوعية تحط من معنويات العدو وتخلق رأي عام مناصر لايقاف الحرب ( فيتنام ) ..

الاستراتيجية هي موازنة بين الوسائل والأهداف .. لابد أن نضع في اعتبارنا المعطيات لنا ولجيش العدو .. التناسببين بين الجيشين إذا كنا نخوض حرب نظامية .. الانسجام بين قوتنا والأرض التي سنحارب عليها .. استعمال الخداع من خلال جمع المعلومات المخابراتية والتنفنن في الدعاية .. الروح المعنوية لجنودنا .. استثمار الطقس .. الامتيازات السياسية المتوفرة .. كل هذه العوامل لا تضع أساس للخطة فقط بل تحدد النتائج التي يجب تحقيقها من المعركة ..

ما يجعلنا ننتصر في الصراع ليس تراكم القوة العسكرية .. ولكن أولاً: إيماننا بالله والتزامنا بشريعته وروحانيتها وإحسان التوكل عليه سبحانه { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .. ثانياً: المنهج الإسلامي ( السليم من الإنحراف والتمييع ) ونموذجه البشري الذي يقود الصراع بإنسانية ورقي والمطروح كبديل للمنهج الاستغلالي السائد ونموذجه البشري الشاذ .. ثالثاً: اجتهادنا في عالم الأسباب بالسعي لتحصيل أسباب القوة حسب الاستطاعة { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .. رابعاً: فهمنا لعدونا واستثمار نقاط ضعفه وحسن إدارة الصراع باقتصاد لتعميقها وتحضيره للإنهيار ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)




الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

نفذت إسرائيل قدرا كبيرا من الإغتيالات ضد علماء الذَرَّة . ليس فقط فى إيران بل أيضا فى العراق التى شنوا حرب إبادة على علمائها، ومصر التى شتتوا علماءها النوويين ، وعلماء من تركيا و فلسطين و تونس وغيرها . كما إغتالت عددا كبيرا من الأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا المتقدمة ، طالما هم خارج إنظمة السيطرة اليهودية .

الإغتيال لن يستمر طويلا كإمتياز حصري لإسرائيل . بل إن ظهور مملكتها المسماة “الشرق الأوسط الجديد” / ومدخله المسمى بالتطبيع/ سوف يجعلها مستقبلا هى الأضعف فى ذلك النشاط. وطبقا للمنطق الإسرائيلى نفسه سيصبح الإسرائيليون مستهدفون ، ومعهم ذلك السرب الطويل العريض من اَوِّزْ التطبيع ، وقطعان الأبقار.

ولن يكون علماء العدو هم فقط المستهدفون، بل أيضا أصحاب نشاطات إقتصادية، ومروجون تجاريون، وقوادو إعلام . فإغتيال العدو وكلاب حراستة وطَبَّالي الزفة قد يتحول إلى نشاط شعبى. والإغتيال الإنتقائى أو حتى العشوائى سيكون عملاً أرخص وأسهل، وربما تحول ذات يوم إلى رياضة شعبية.

ليس ذلك رجما بالغيب بل بناء على سوابق تاريخية. لا نستطيع حصرها فى بلاد العرب من المغرب العربى إلى السودان والشام والعراق. لذا سنورد نماذج موجزة للغاية من مصر وشعبها المشهور بأنه مُسالِم فوق العادة .

 

– فى الحملة الصليبية الفرنسية على مصر . وإحتلالها مدينة دمياط الساحلية وتقدمها نحو مدينة المنصورة الحالية . إستجاب المصريون لدعوات الجهاد وعمَّ بكاء الناس فى مساجد المحروسة ، وتقدموا إلى ساحات القتال ضد الفرنجة (الفرنسيين) . وأبدعوا فى أساليب المقاومة الشعبية براً وبحراً. وخطفوا الكثير من جنود وفرسان الفرنجة، وأرسلوهم أسرى لرفع معنويات سكان المحروسة . وقال أحد المؤرخين القدماء عن تلك الفترة أن ما فعله العامة ضد الفرنجة كان أكثر مما عمله جيش السلطان الأيوبى . وإنتهت الحملة بهزيمة الفرنسيين وأسر مَلِكِهم .

– فى ثورة 1919 كانت حملة المقاومة الشعبية وحركة الفدائيين السرية فى مصر ضد جنود الإحتلال البريطانى ، عنصرا ضاغطا أثار ذعر جيش الإحتلال وذعر الخونة المحليين . وبعض قادة الثورة أصابهم الذعر أيضا ، فسارعوا إلى عقد إتفاق مع الإحتلال يضمن مصالحهم ويخلصهم من التبعة الثقيلة للمقاومة الشعبية . وتمت تصفية المجاهدين المقاومين بمجهود مشترك بين الإحتلال والقصر الملكى وعدد من قادة ثورة 1919 الأثرياء الإقطاعيين.

 

– وفى حرب 1948 كان أخطر ما واجهه اليهود هم الفدائيين الإسلاميين ـ خاصة من الإخوان المسلمين المصريين ـ فسارع إلى التنكيل بهم فريق من الإستعماريين (اليهود والبريطانيون والأمريكان) والقصر الملكى المصرى . وفى مقدمة الجميع كانت “الأجهزة السيادية” المصرية، إبتداء من”جيش التشريفات والموالد” إلى البوليس السياسى(الجد الأكبر للأمن الوطنى).

– خرجت المقاومة الشعبية العربية لمساندة الشعب الأفغانى وقت الغزو السوفيتى ، على هيئة آلاف الشباب المجاهد . فكان الموضوع المتفق عليه فى المفاوضات بين العملاقين (السوفيتى والأمريكى ) هو تصفيتهم أولا، ثم البحث عن حل لمشكلة أفغانستان ثانيا .

وما زال البحث عن علاج لفيروس الجهاد هو الشغل الشاغل لأعداء الأمة ، وعلى رأسهم إسرائيل ثم أمريكا، ثم كبار الأنذال منزوعى الشرف والسيادة .

 

– التدافع السريع للأحداث أصاب الأمة (العربية/الإسلامية) بالصدمة. فارتماء الأنظمة تحت أحذية اليهود كان غير مُتَخيَّل حتى فى كوابيس الرعب . ولكنه أصبح حقيقة مُتَبَجِّحَة ، فيُمَارَسُ إنحطاط الإستسلام فى ثياب الإنتصار والبطولة.

تكشفت للأمة حقائق السقوط السياسى والفراغ المعنوى . فتهاوت الرموز والمؤسسات الحكومية والتنظيمات الشعبية الإسلامية. والشعوب أصابها الشلل من هول الصدمة . والشباب فى معظمه فقد الثقة والإتزان . ومن المعلوم أن المخطط الصهيونى لتهويد “الشرق الأوسط” قديم ومكتوب منذ ما يزيد عن قرن ، ومعظمه ليس سريا. ورغم ذلك فأبعاد الكارثة مازالت مجهولة للأكثرية، لأن شعوبنا دوما حبيسة التجهيل والتضليل . وتلك مصادفة متفق عليها بين الحكام الطواغيت وبين المعارضة العلمانية والإسلامية. فبدون الجهل والتضليل ما كان لهذا الغثاء أن يستمر، سواء فى الحكم أو فى المعارضة.

وطبقا لذلك المشروع القديم (الشرق الأوسط الجديد)، فإن منطقتنا لن تعود إسلامية ولاعربية ، بل مجرد مستعمرة يهودية كبرى تسيطر فيها إسرائيل على كل شئ . وسوف تلاقى منطقتنا ما لاقته القارات التى”إكتشفها”الأوربيين، حيث تُفَرَّغ الأرض من السكان الأصليين/ بالإبادة والتهجير/ ليعاد تعبئتها بسكان جدد من أجناس مهاجرة ، وعبيد آخرين من غير العرب.

سيفهم الشباب بمرور الوقت أن عليهم ألا ينتظروا أحدا. وعليهم إعداد الزاد المعنوى للمواجهة بإحياء حقيقى للإسلام ، بعيدا عن المؤسسات الدينية الرسمية، وبعيدا عن علماء (نفاق الدولة)، وبعيدا عن الضلال السعودى ، المعروف بإسم السلفية الوهابية ، الدعوى منها والمسلح.

وأيضا.. بعيدا عن الجماعات الإسلامية القديم منها والجديد. فالجميع دخلوا فى منظومة “الشرق الأوسط الجديد” أو الإمبراطورية اليهودية الجديدة. دخلوها بعلم و”ذكاء” من البعض، وبحماس غبى من الأغلبية الصاخبة. فالصحوة التى بَشَروا بها ظهر أنها إغماءة الموت. ودولة الدَعْوَشَة الهستيرية التى تخبطوا بها ، كانت وَبَالاً وذبحا للمسلمين بشعارات الإسلام .

وفى كل الحالات ظهر أن الحماس العاطفى مع غياب العقل ومحاربة الوعى ، هو طريق الهلاك ، وسبيل لسيطرة الأعداء على الجموع المتهيجة ، التى تظن أنها على طريق الحق والصواب.

 

– ضمن محاولات الأعداء لتحطيم ما تحقق من نجاحات ، بعيداً عن السجن العربى الكبير،لا ننسى” نخاس” المرتزقة فى أبوظبى ، الذى نصح الأمريكيين بتنفيذ برنامج إغتيالات موسع ضد قادة طالبان ، كى يدخلوا إلى التفاوض وهم فى وضع ضعيف يستجيب لمطالب أمريكا.

وبالفعل يدور فى أفغانستان برنامج واسع جدا للإغتيالات يقوم به الإحتلال الأمريكى/الإسرائيلى. مستخدمين تكنولوجيا فائقة التطور ، من ضمنها الأقمار الصناعية وطائرات “درون” وأجهزة التنصت والتتبع ، وقائمة طويلة لا تكاد تنتهى من معدات كانت مجهزة لحرب عالمية ضد دول كبرى . وبالفعل فَقَدَ طالبان الكثير من المجاهدين والكوادر.

ولكنهم واجهوا حملة العدو بحملة إغتيالات مضادة، فكانت كفَّتَهم هى الأرجح، رغم الفارق التكنولوجى الهائل ومفعوله القَتَّال . فاغتال المجاهدون قادة نافذون، وجنرالات من الجيش والأمن والإستخبارات ، وفوق ذلك عناصر من الموساد الإسرائيلى وشقيقته الكبرىCIA. حتى فقد العدو توازنه وتناثرت صفوفة تطلب النجاة باللجوء إلى طالبان وإمارتهم الإسلامية.

عناصر قوة طالبان فى تلك الحرب كانت: سيطرتهم على معظم الأرض ـ ومحبة الشعب لهم وثقته فيهم ـ وخشية العدو من قوتهم وهيبتهم ـ وإختراقهم لأجهزة الدولة واستقطاب عناصرها المترددة أو التى غيرت نظرتها للحرب. وفى مقدمة عناصر النجاح تأتى قوة القيادة وكفاءتها العالية مع وحدة وتماسك التنظيم الجهادى (طالبان) وتلاحم قواعدهم الشعبية والقبلية.

– إذا كان من نصيحة للشباب العربى والمسلم فهى : أن أفغانستان هى مجد الإسلام والمسلمين، فتعلموا من الأفغان تنتصروا .. تعلموا منهم الدين وتعلموا منهم الجهاد.. وتعلموا منهم أصول الإنتصار فى حروب المواجهة ، وفى حروب الإغتيال الإنتقائى ، الذى يظن الأعداء أنهم سادته.

ويوم يأتى الشباب المؤمن سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

 

 




داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

 

– (الحرب على الإرهاب) من أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . والدولة الأمريكية مجرد “خادم”  لذلك “النظام الإقتصادي الأمني”ولها فيه دور محدد بدقة.

– دخلت داعش إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل شركات “بلاك ووتر” و “هليبرتون”. وظيفتهم خلق مبررات للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– يطمع الأمريكيون فى إنسحاب من أفغانستان تعقبه عودة أخرى ، بدعوى حماية الشعب من دموية داعش ، كما فعلوا فى العراق.

– كوادر حزب البعث شكلوا الهيكل القيادى لداعش العراق ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

– معسكر اللصوص والقتلة فى”شمشتو” باكستان، هو مصدر التجنيد رئيسى لدواعش ولاية “خراسان”، حتى فى أوج قدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع دواعش سوريا والعراق.

–  تعددت ولاءات الدواعش ، فباعوا خدماتهم لمن يدفع أكثر ، من أى جهة كان . فظهرت حالات قتل مرتزقة الدواعش بعد أداء عملياتهم، حتى لا تُكشَف هوية من إستأجرهم .

– جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان، فإن الحمقى الضائعون، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!.

– لولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان، ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز.

 

ما نواجهه فى بلادنا من حروب أو أزمات إقتصادية وصراعات داخلية ، وأخيرا تلك المجموعات الإجرامية المسلحة التى تنشر الخراب والرعب بإسم الدين. ثم إنهيار العملات والغلاء والأزمات الإقتصادية ، وزحف البنوك العالمية لإغراق بلادنا فى قروض ربوية تجعلنا عبيداً لها أبد الدهر.  كل تلك الكوارث وغيرها كثير، ناتجة عن النظام الإقتصادى الذى تطبقه الولايات المتحدة ، لتكتوى الإنسانية كلها بنيرانه ، وفى مقدمتها الشعب الأمريكى نفسه، وشعوب العالم الفقيرة بدرجة أكبر ، وعلى الأخص الشعوب الإسلامية ، لأن الكوارث الإقتصادية المفروضة عليها يضاف إليها حقد دينى عميق متوارث، ورغبة صليبية حمقاء فى إنهاء الإسلام كدين ، ودفع المسلمين خارج التاريخ ، بل وخارج جغرافيا الأرض إن أمكن .

ذلك النمط الإقتصادى الأمريكى ـ الذى فرضته على العالم كله ـ يُطلِق عليه علماء الإقتصاد (رأسمالية الكوارث) ـ إضافة إلى أسماء أخرى عديدة ـ تشير إلى أنه نظام شيطانى ينمو وينتعش بالكوارث التى يحدثها بالشعوب، فتزداد بسببها أرباح الشركات والمؤسسات الرأسمالية الكبيرة فصار تقاسم الأدوار بين الدولة “الأمريكية” وبين تلك الشركات يسير على هذا النحو :

1 ـ الدولة تصنع أزمات كبيرة داخل بلادها وخارجها ـ من الأزمات إقتصادية إلى الحروب .

2ـ  ثم توكل حلها إلى مجموعة شركات كبرى، كلٍ حسب إختصاصه .

3ـ تدفع الحكومة أتعاب تلك الشركات من ميزانية الدولة ، إضافة إلى ما يمكن أن تنهبه تلك الشركات من البلاد المنكوبة ـ مثل الحصول على عقود تجارية أو إمتيازات. و شركات النفط من أهم المستفيدين من الحروب والأزمات العالمية، ولا تكاد تخلو أزمة من إمتياز يصب فى جيب شركات النفط .

– المستفيد الآخر هو شركات الخدمات المتعلقة بالجيوش ، سواء فى الجانب القتالى المباشر مثل شركات المرتزقة التى أشهرها “بلاك ووتر”، أو الشركات العاملة فى النقل والإمدادات ومن أشهرها “هاليبرتون” .

صناعة النفط وصناعة الأمن تتربعان فى صدارة إقتصاد الكوارث، بمعنى أنهما أكبر المستفيدين والمتعيشين على مصائب الشعوب مثل الكوارث الطبيعية والزلازل والفيضانات والحروب،

والثورات الداخلية . تلك الكوارث تعقبها عملية (إعادة إعمار)، وهى من الجوائز المالية التى تسعى إليها الشركات الأمريكية لتمتص ما تبقى من دماء الشعوب المنكوبة .

 

الصناعة الأمنية .. والحرب على الإرهاب :

إخترعت الحكومة الأمريكية أسطورة إسمها الإرهاب ، ثم أعلنت عليه حربا غير محددة بوقت أو مكان . وأعجبها كثيرا أن يكون ذلك الإرهاب إسلاميا ، ليصبح إسم تلك الحرب : (الحرب على الإرهاب الإسلامى ) أو الحرب على(الأصولية الإسلامية) أو (التطرف الدينى ) إلى آخر مسميات كثيرة جميعها تستهدف المسلمين كشعوب (كانت أمة واحدة) ، وتستهدف الإسلام كدين.

تلك الحرب على الإرهاب الإسلامى بدأت بحادث 11 سبتمبر فى الولايات المتحدة. المستفيدون من الإقتصاد الجديد ـ إقتصاد الكوارث ـ هُمْ مَنْ رتبوا كارثة سبتمبر التى ستؤثر علينا ، إلى ما شاء الله ، فقد أطلقت سبتمبر القوة المحركة لإقتصاد عالمى عملاق ، يتعيش على الحروب والكوارث ويعمل على ديمومتها وإستمرارها، وليس حلها.

 (الحرب على الإرهاب الإسلامى) هو عنوان دائم لحرب تدور على مساحة جغرافية واسعة جدا وحساسة ، ومليئة بالثروات . وتسكنها شعوب يمكنها أن تغير مسيرة العالم لو إنتبهت إلى قيمة الدين الذى بين يديها ، بدلا من أن تبيعه بثمن بخس ، دراهم معدودات .

الحرب على الإسلام والمسلمين تحت مسمى(الحرب على الإرهاب الإسلامى ) هى حجر الزاوية لأحد أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . وهو نظام لا يتوقف على شخصية الرئيس الأمريكى أو الحزب الذى أوصله إلى الحكم . بل أن الدولة الأمريكية هى مجرد “خادم”  لذلك النظام الإقتصادي الأمني ، ولها فيه دور محدد بدقة.

فهى تحميه بقوتها ، وتختلق من أجله الأزمات والحروب التى يعتاش عليها . وتفتح أمامه كافة الطرق لمراكمة الثروات المغموسة بالدماء ونكبات الشعوب .

– أطلق الإقتصاديون على الشركات التى تمارس الحرب أو تعمل على أطرافها فى تقديم الخدمات والنقل أطلقوا عليها (الصناعة الأمنية) . ونظرا لأنها تضخمت بسرعة، فأطلقوا عليها صفة الفقاعة ، فأصبح إسمها (الفقاعة الأمنية). وكانت طوق نجاه للإقتصاد الامريكى، إذ أنقذته من ركود كان يهدده عشية حادث 11 سبتمبر. الحادث الذى بعث الحياة فى الإقتصاد الأمريكى. فكانت (الشركات الأمنية) عملاقاً، حقق دخلا مقداره 60 مليار دولار فى عام 2006 منفرداً .

تلك “الشركات الأمنية ” سيطرت على الترسانة العسكرية الأمريكية وسخرتها فى خدمتها .

بمعنى أن الجيش الأمريكى يهدف لأن تحقق تلك الشركات أقصى ربح ، وليس معنياً بتحقيق أهدافاً وطنية أو إستراتيجية لبلاده، كشأن الجيوش منذ القِدَم .

 

11 سبتمبر .. كلمة السر لإقتصاد الكوارث :

حادث 11 سبتمبر كان إشارة البدء للإنطلاق الوحشى لرأسمالية الكوارث ، لتبتلع معظم الموارد الحكومية الأمريكية ـ وجزء كبير من صلاحيات الدولة ـ ثم تنطلق إلى المجال العالمى ، فتكون أفغانستان أول مغامراتها الكبرى سعيا إلى الثروات الهائلة التى يزخر بها ذلك البلد.

الجيش الأمريكى أصبح مجرد وعاء يضم شركات المرتزقة القتاليين والمتعاقدين فى المجالات غير القتالية . فكانت أهم دوافع حركته فى أفغانستان هى مصالح شركات الطاقة (النفط والغاز)، التى تستهدف ثروات آسيا الوسطى ، ثم مصالح شركات التعدين التى طالما نادت بإحتلال أفغانستان للإستيلاء على ثروات معدنية تتعدى قيمتها ألفي مليار دولار. ثم مصالح مافيا المخدرات التى تحقق سنويا من أفيون أفغانستان بعد تصنيعة إلى هيروين مبلغ يدور حول الألف مليار دولار سنويا ، فى تجارة عالمية تستخدم القدرات اللوجستية لدى الجيش الأمريكى.

العدوان الأمريكى على أفغانستان كان بذريعة معلنة هى القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . وبعد أقل من عامين إحتل الجيش الأمريكى العراق ـ بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل ـ التى إكتشف العالم أنها مجرد أكذوبة ـ تماما مثل أكذوبة أحداث 11سبتمبر ومطاردة تنظيم القاعدة . كان الحافز الأمريكى فى العراق هو إحتياطات النفط الهائلة.

 

داعش .. حتمية إقتصادية :

ذريعة الحرب على الإرهاب ، تعتبر عنصراً رئيسيا لديمومة تلك الحروب وإكتساب الرأى العام لدعمها كحرب مشروعة ضد عدو خطير، يهدد الجميع . فكان ضروريا تصنيع نموذجاً بشعاً “للإرهاب الإسلامى” الذى يستفز العالم ويخيف الشعوب ويدعوها إلى تأييد التدخل الأمريكى فى العديد من البلدان.

فكان إختراع تنظيم داعش ضروريا لتلك الحروب ، وما تعنيه من مصالح إقتصادية ضخمة لنظام إقتصاد الكوارث ، وشركاته العظمى التى تدير الولايات المتحدة وتوجه حركتها فى العالم.

دخل تنظيم داعش بشكل مباشر إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل أى شركة أخرى مثل “بلاك ووتر” أو “هليبرتون”. قد تختلف طريقة التشغيل أو الإدارة لكن الوظيفة ثابتة، وهى خلق مبرر للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– نشأ داعش فى العراق، وهناك أدى بنجاح أهم الأدوار. لهذا يعتبر نموذجاً حاولوا تكراره فى أفغانستان ، لكن بدون أى نجاح يذكر. نتيجة لإختلاف المجتمع الأفغانى عن المجتمع العراقى ، ونتيجة لمقاومة حركة طالبان وإجتماع الشعب حولها.

 فى العراق نجحت داعش فى تجزئة حركة الجهاد ضد الإحتلال، وحولتها إلى إقتتال طائفى داخلى . فانقسم المجتمع على نفسه ولم يتحد فى مواجهة خطر الإحتلال الخارجى .

نجاح داعش يعود إلى وجود صراعات مذهبية مزمنة ، زكتها أنظمة حكم منحازة وظالمة، فتحول المجتمع إلى برميل بارود قابل للإنفجار، فكان إشعال الفتنة سهلا على داعش وأمثالها.

– بالتعاون بين داعش والإحتلال الأمريكى عادت قوات الإحتلال إلى العراق بعد أن كانت غادرته عام 2011 فيماعدا قوة صغيرة لتستقبل باقى القوات عندما تتاح الفرصة. وقد أتيحت الفرصة بإعلان دولة داعش عام 2014 على مساحات شاسعة من العراق وسوريا ، مرتكباً أبشع الجرائم . فاتخذها الإحتلال ذريعة لإعادة قواته التى كان سحبها إلى الجارة الكويت التى كانت منطلقا للعدوان على العراق .

 يراود الإحتلال أوهام بإعادة نفس التجربة فى أفغانستان، بإستدعاء داعش بأعداد كبيرة قبل رحيله ، لتخلق له مناخا من الإضطراب والرعب يكون ذريعة لإعادة قواته التى سحبها إلى الجارة باكستان، التى كانت قاعدة إنطلاق للعدوان على أفغانستان.

أى إنسحاب تعقبه عودة ، بدعوى حماية الشعب من إجرام ودموية داعش .

– هزائم داعش فى أفغانستان والعراق فاقمت عنده مشكلة تجنيد عناصر جديدة . فى بداية ظهوره كان لديه فرص جيدة للتجنيد داخل العراق نتيجة الطبيعة الطائفية للمجتمع هناك . فكانت كوادر حزب البعث العراقى هُمْ قوام هيكله القيادى ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

وقد نقلوا معهم إلى التنظيم دمويتهم المفرطة ، وعنصريتهم القومية والطائفية، فزادوا من وحشية التنظيم ومن كراهية أغلبية الشعب له ، خاصة بعد الهزائم الثقيلة التى تلقاها عام 2017 ، فتقلصت دولته ولم يتبق منها غير سراب.

فى أفغانستان كان العنصر الداعشى المحلى قليلا للغاية ، لعدم شيوع الوهابية وتفاهة المتبقى من آثار التمويل السعودى وقت الجهاد ضد السوفيت . والعناصر الداعشية من الإيجور ومناطق آسيا الوسطى لم تكن بالعدد الكافى لتكوين قوة ذات وزن . فجاءت النجدة من باكستان التى زودت التنظيم بأهم عنصر قيادى وهو “جلب الدين حكمتيار” أحد أشهر قادة أحزاب بيشاور الدمويين. وحزبه يدير معسكر “شمشتو” قرب بيشاور، والذى يشتهر بإيواء القتلة واللصوص. هؤلاء فعلوا كما فعل بعثيو العراق، فتحولوا إلى وهابيين متعصبين ومقاتلين إجراميين، فى صفوف داعش ـ فرع خراسان ـ

 

داعش جزء من قوات الإحتلال الأمريكى :

فى العراق وسوريا حظى مقاتلوا داعش على خدمات دعم جوى بالقاذفات الأمريكية ، وخدمات نقل جوى بالمروحيات للنجاة من مآزق الحصار، أو عند الإحتياج إلى خدماتهم فى جبهة أخرى ، أو لتنفيذ هجات مباغتة على مواقع بعيدة لقوات تعتبرها أمريكا قوات معادية . فى أفغانستان أيضا حصل الدواعش على خدمات مشابهة تماما .

فكانت البرهان على أن مقاتلى داعش إنما هم جزء من قوات الإحتلال ، بل أحد شركات المرتزقة العاملة ضد المدنيين بشكل خاص . وبتواجد الدواعش زادت خسائرالمدنيين فى الأرواح والممتلكات ، وإستفحلت النزعات الطائفية والقومية والمذهبية ولم يشهد البلد ـ المبتلى بداعش ـ أى تغييرات إيجابية فى العمران أو الإقتصاد ، بل شهد المزيد من التدهور ودمار البنى التحتية.  فاعتماد أساليب الإجرام هو نهج رئيسى لفرق الموت الأمريكية والمرتزقة الدواعش.

وليس غريبا أن يكون معسكر اللصوص والقتلة فى “شمشتو” هو معسكر تجنيد رئيسى لدواعش”خراسان” حتى فى أوج الإقبال على التنظيم وقدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع داعش فى سوريا والعراق، وأغلبتهم كانوا ذوى خلفيات إجرامية فى نظائر لمعسكر شمشتو الباكستانى ، وهى السجون الأوربية المليئة بالضالعين فى قضايا جنائية . وحسب تقديرات الأوربين فإن أكثر من نصف الذين إلتحقوا بداعش كانوا ذوى خلفيات جنائية.

وبالتالى فإن القوى البشرية للدواعش جاءت من أربعة مصادر أساسية :

1 ـ معسكر شمشتو (قتله ـ لصوص ـ نشالون ..) وهم النسبة الأعلى بين جنود ولاية خراسان الداعشية . وحسب تقدير أحد مساعدى حكمتيار الكبارفإنهم 70% من دواعش ولاية خراسان .

2 ـ حزب البعث العراقى( خبراء القتل والتعذيب والتجسس ، وأساليب الإرهاب والحرب الدعائية والخبرات القتالية) .

3 ـ سجون أوروبا ـ من أصحاب السوابق الجنائية فى السرقة والقتل والمخدرات والإغتصاب.

4 ـ دواعش وهابيون أصلاء. وهم أقلية يشغلون مناصب قيادية فى الخطابة والقضاء والفتوى.

– الخدمات البعثية هى التى أكسبت داعش طابعه الخاص ، وأهمية فريدة بين شركات المتعاقدين أو المرتزقة العاملين مع الجيش الأمريكى .لأنهم خبراء فى أساليب إشعال الفتن بأنواعها المذهبية والعرقية . وتطبيقاتهم فى العراق مثالية كونه ميدان النشاط البعثى لمدة عقود قبل أن يتحولوا إلى الوهابية الداعشية لتكتمل الحلقة حول رقاب المسلمين.

يتميز البعثيون الدواعش بقدر من الثبات المبدئى على أهدافهم وبرامجهم على المدى الطويل. فلم يتخلوا عن حلم العودة إلى حكم العراق تحت السيادة الأمريكية ، وأن داعش بالنسبة لهم مجرد خطوة على الطريق ، فهو تنظيم ذو جوهر بعثى إجرامى، مع وجه تكفيرى دموى .

– بينما إخوانهم من لصوص “شمشتو” ، مجرمو أسواق وبلطجية مدن، فليس لهم أى ثبات مبدئى على أى شئ سوى مكاسبهم المباشرة . لذا فهم الأكثر تغييرا للولاءات ، فكل يوم لهم سيد جديد يدفع لهم أكثر من سيدهم السابق. ولعدم الثقة فيهم فإن سادتهم يقتلونهم بعد إرتكاب الجرائم حتى لا تتسرب أخبار المؤامرة . أى أنهم بضاعة رخيصة قد تستخدم لمرة واحدة فقط .

يتميز مجرمو أوروبا من الدواعش بالميل إلى الجريمة المنظمة ـ بما يتوافق مع ثقافة المجتمعات التى نشأوا فيها ـ فميولهم أكثر لتكوين مافيات خاصة بهم ، تتعاون (فى سوريا والعراق) مع مثيلاتها من عصابات الأوروبين والأمريكين والأتراك .

– الدواعش الوهابيون : وهم الأقلية المَلَكِيَّة الممتازة ـ قبل خسارتهم ذلك الموضع بتحول السعودية من”منهج” الوهابية إلى “منهج” الترفيه و”عقيدة “الإندماج فى المشروع الإسرائيلى ، مع ثبات “إيمانى” راسخ “بوحدانية” الرئيس الأمريكى ترامب، رغم إهاناته لهم، والتى لا يمكن أن تتحتملها سوى الأبقار{حسب ما يصفهم به ترامب، برضاهم التام وربما سعادتهم بالوصف الذى لم يحدث أن إعترضوا عليه مرة واحدة }.

وبالتالى إنسحب الوصف ذاته على الدواعش الوهابيين الأصلاء . وكان تميزهم نابع من قدرتهم على جلب التمويل من المملكة وباقى المشيخات . إضافة إلى جرأتهم على الإفتاء بغير علم ، والإقدام على سفك الدماء ، و(الإبداع فى فتح أبواب الصراع) بين المسلمين .

 

تمويل داعش :

داعش وجدت مصادر أفضل للتمويل ـ فقَلَّ إعتمادها على الصفوة الوهابية فى التنظيم .  فزاد تهميش تلك الفئة الوهابية بإتقان داعش لعبة النفط ـ والقتال من سبيله مع الممول الأمريكى ـ واكتساب براعة فى تسويقه وتهريبه ضمن غنائم فتح الشام ، وآثار الأقدمين ، وقمح السوريين.

ومن سمات الدواعش الوهابيين أنهم الأكثر قبولا بالعمليات “الإستشهادية ” ضد المسلمين والأكثر إصراراً على الفتنة المذهبية حتى أصبحت قَوَامْ دينهم . ذلك التأثير”الإستشهادي الطائفي” إنتقل إلى الدواعش الأحدث سنا من خريجى السجون الأوربية، ولكنه معدوم بين دواعش البعث العراقى ودواعش شمشتو.

–   24 مليون قرص من مخدر الترامادول أعلنت إيطاليا عن ضبطها. وكانت مهربه لحساب داعش لتمويل عمليات فى أوروبا عام 2017. ليس ذلك هو”الترامادول الوحيد”، فالمشيخات قدمت لداعش وإخواتها مبلغ 137 مليار دولار حتى عام 2015 ـ تقريبا ـ حسب قول “جاسم بن حمد” وزير خارجية قطر السابق مضيفا أن ذلك تم بموافقة وتنسيق مع الأمريكين.

وقفت إسرائيل فى ظلال المشهد ، ولكن مجهوداتها الضخمة فى إسناد داعش ومشتقاته تسربت منها بعض الشذرات التى تعطى دلائل:

فمثلا أعلنت إسرائيل بالصوت والصورة عن تقديم خدمات علاجية للمجموعات السلفية/الوهابية المقاتلة فى سوريا . وهؤلاء بدورهم أيدوا ما حدث ولم ينكروه ، بل جعلوه مُبَرَرَاً بحكم الضرورة فكل شئ لديهم يمكن تبريره إلا توحيد صفوف المسلمين ، أو حتى وقف القتال فيما بينهم. العديد من المصادر التى تابعت الدواعش عن قرب أجمعوا على أن معظمهم يجهل المعلومات الأولية عن الإسلام ، ولا يقرأون القرآن ، ولا يُصَلّون.

أحد الدراسات التى أجريت لصالح الأمم المتحدة تقول أن المقاتلين فى سوريا يفتقرون إلى الفهم المبدئى للإسلام . وأن وراء تجنيدهم عوامل إقتصادية والتهميش الإجتماعى والوعود البراقة بالمال والحياة المرفهة والزوجات .

 

 إسرائيل وخدمات نقل الدواعش:

تلقت داعش وأخواتها معونات فى مجال الإنتقال من ساحة إلى أخرى . فى سوريا تلقى وهابيون تسهيلات إسرائيلية للعبور فى الجولان المحتل لمهاجمة مواقع عسكرية سورية.

وفى العراق هناك عملية النقل الجوى الشهيرة للدواعش بواسطة الطيران الأمريكى من الأراضى السورية إلى مدينة كركوك شمال العراق. فتزايدت هناك عمليات القتل والخطف ضد الاكراد.

ومعروف عن (دواعش البعث) عدائهم المطلق للأكراد(السنة) والعرب(الشيعة). وبصماتهم تبدو واضحة حيث يتواجدون فى مناطق الأكراد أوالشيعة .

كان لإسرائيل دور فى تمويل تلك الجماعات الوهابية المتطرفة . لكن الصورة مازالت غير مكتملة وفى حاجة إلى مزيد من التوضيح . ومن ضمن ما تسرب :

ذكرت مجلة “فورن بوليسى” الأمريكية ، فى شهر سبتمبر 2018 أن إسرائيل مَوَّلَت وسَلَّحَت مالا يقل عن 12 جماعة فى جنوب سوريا . وادَّعَت المجلة أن 24 شخصية قيادية من تلك المجموعات قد شهدوا بذلك .

اليهود أدلوا بدلوهم، فنقل موقع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن ضابط سابق برتبة لواء إحتياط فى الجيش الإسرائيلى أنه حضر عندما كان قائداً لفيلق هيئة الأركان العامة فى الجولان السورى ، أحد اللقاءات التى عقدها موشيه يعالون(وزير الأمن السابق) مع ناشطين سوريين من الطرف الآخر. وكانوا ثلاثة، سأل يعالون أحدهم (هل أنت سَلَفى؟) فأجاب : (بصراحة أنا لا أعرف من هو السَلَفى، إن كان ذلك يعنى أن اُصَلى أكثر ، فنعم ، كنت أصلى يوم الجمعة فقط ، والآن أصلى 5 مرات فى اليوم . ومن ناحية أخرى ، السلفيون لا يتعاونون مع الصهاينة ، وأنا أجلس الآن مع وزير الأمن الصهيونى ، لذلك فأنا لا أعرف إن كنت سَلَفيَّاً أم لا) .

 

الدعم الإعلامى :

حظى داعش بوجود كبير على شبكات التواصل الإجتماعى ، بفضل رعاية أمريكية خاصة. إستفاد التنظيم بذلك عند قمة ذروته بعد عام 2014 عندما بلغت نسبة المجندين عبر وسائل التواصل حوالى 80% من المتطوعين ، 20% فقط كانت من داخل المساجد . وكانت المواقع الألكترونية التابعة لداعش تنشر كتب التدريب العسكرى وصناعة العبوات الناسفة ودورات الأمن والإستخبارات.

وهناك موقع أسسته الصهيونية “ريتا كاتز” ليكون منصة إعلامية مقتدرة تخدم داعش والجماعات التكفيرية ، وتبث أخبارهم والأفلام الصادرة عنهم والتى لا يمكن العثور عليها فى أى موقع آخر.

ويقول مختصون فى الإعلام أن داعش تلقت دعماً لا شك فيه من الإستخبارات الأمريكية .

وقد زاد إحتياج داعش لهذا الدعم بعد أن تراجعت كثيراً وتيرة الإنضمام إلى التنظيم، بعد الهزائم الكبرى التى حاقت به فى مواطن نشأته فى العراق والشام ، وفشل تجاربه فى شرق وجنوب آسيا، ثم فى أفغانستان بشكل خاص، والتى يكتسب دوره فيها أهمية كبرى حاليا .

 

داعش طريد الأوطان :

لاقى داعش الفشل أينما حل . ذلك لأن مبعث حركته فاسد ومدمر للشعوب والمجتعات الإسلامية. فلم يتقبله أحد، ولفظه الجميع . وكثيرون حملوا ضده السلاح حتى داخل البيئة “السُنِّية” التى إدعى أنه جاء ليدافع عنها . فقد أكتشف مَنْ حوله أنه جاء لقتلهم ، وتأليب الجميع ضد الجميع واصْطِناع عداوات بين المسلمين، لصالح اليهود والمحتلين.

ولتغطية هذا الفشل إدعى داعش ـ وإخوانه ـ أنهم عالَمِيُّون وليسوا وطنيين . جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان ، كما أن الجبل هو مجموع الصخور التى تُكَوِّنَه. فلكل إنسان وطن وُلِدَ ونشأ  فيه، وغالباً يموت ويدفن فيه . وأى مسلم يفقد وطنه تصبح كل بلاد المسلمين وطنا له ـ إذا كان بها اسلام ـ ويمكنه العيش في أيها شاء ويصبح واجب على كل مسلم إعادته إلى وطنه إن كان قد اُخرج منه ظلماً وعدواناً، كما حدث لأهالى فلسطين .

 فى مغامراتهم الفاشلة ، ترك الدواعش زوجاتهم وأولادهم فى شتى البلدان ، لا يرون لأنفسهم مخرجاً ، ولايرغب أحد ـ بكل أسف ـ فى مد يد العون لهؤلاء الضعاف الأبرياء . وتمادى الكثير من المجرمين فى الترويج لنظرية شيطانية تحذر من أن هؤلاء الأطفال الأبرياء سيكونون دواعش المستقبل، يهددون أمن البلدان التى قدموا إليها . إنه عالم يتبارى فى القسوة والإجرام.

فلنقارن تلك الصورة مع ما يحدث فى أفغانستان . فرغم أربعين عاما من الجهاد وملايين الشهداء لم يسمع أحد بضياع الصغار وأمهاتهم . فالمجتمع الأفغانى الذى إحتضن فريضة الجهاد وأفرز لها خيرة أولاده ،هو الذى تبنى الأيتام والأرامل كفريضة تعادل فريضة الجهاد وتتكامل معها.

ومع هذا فإن الحمقى الضائعون ، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!. فلولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز ، ولا كان ممكناً إنتصار المسلمين على أخطر إمبراطوريات الشر فى تاريخ البشر.

 

ولاءات متعددة للدواعش :

يقدم الإحتلال الأمريكى للدواعش فى أفغانستان دعماً قتاليا مباشراً إلى جانب الترويج الإعلامى لتضخيم خطر التنظيم لإستثمار ذلك سياسيا لديمومة الإحتلال بدعوى مكافحة الإرهاب.

تفشت الأمراض الأخلاقية لمبدأ الإرتزاق القتالى، ومن أهمها ضعف الولاء وعدم وجود هدف أسمى للقتال، غير أنه وسيلة للإثراء . تعدد ولاء المرتزقة ـ وفى مقدمتهم داعش ـ فباعوا خدماتهم فى سوق مفتوحة لمن يدفع، من أى جهة كان . سواء كان دولة أو جماعة أو فردا. فظهرت حالات التخلص من الدواعش المرتزقة بعد أداء عملياتهم حتى لا تنكشف هوية الجهة التى إستأجرتهم .

– من أشهر عمليات الدعم التى قدمها الجيش الأمريكى لدواعش أفغانستان ، عملية تاريخية بالفعل كونها المرة الأولى لإستخدام أضخم قنبلة فى الترسانة الأمريكية ـ وأقوى قنبلة غير نووية ـ أطلقوا عليها ” أم القنابل” تيمناً بتسميات “صدام حسين”. القنبلة وزنها أكثر من عشرة أطنان، وثمنها 16 مليون دولار . وقد إستخدموها فى تاريخ (2017/ 4/ 15) ضد مواقع مجاهدى حركة طالبان الذين كانوا يحاصرون الدواعش فى منطقة أتشين فى ولاية ننجرهار. قال ترامب أن القنبلة دمرت خنادق ومغارت لداعش . ولم يكن هناك شئ من ذلك، ولكن الإنفجار قتل ما بين 54 إلى 94 من الأهالى . وحسب قول مندوب فى البرلمان الأفغانى فإن مياه أتشين أصبحت سامة والأرض الزراعية بارَتْ .

– أردفت أمريكا ذلك الدعم العسكرى للدواعش بدعم إعلامى كبير. فبعد يوم واحد، إفتتحت لهم إذاعة فى القاعدة الجوية فى جلال آباد ، وأسموها (صوت الخلافة) !! يذيعون منها أخباهم .

فى خريف عام 2016 حاول الدواعش التسلل من باكستان للوصول إلى منطقة (أزره) فى لوجار والتى أرادوا تجهيزها كقاعده بالقرب من كابول . فتصدى لهم مجاهدو طالبان وأفشلوا مخططهم رغم تعرضهم مرارا لقصف الطائرات الأمريكية التى هبَّت لدعم الدواعش .

 

داعش داخل صراع الأجهزة :

عملية نموذجية لإستخدام الدواعش كقرابين فى صراع الأجهزة وأجنحة النظام الحاكم فى كابل،  فى تلك العملية قام عشرة من الدواعش مرتدين ملابس القوات الخاصة الأمريكية ، مستخدمين سيارتين من النوع الذى لا يمتلكه غير تلك القوات .

فعبروا جميع نقاط التفتيش الموجودة بكثافة حتى وصلوا بالقرب من مبنى وزارة الداخلية. وكأن قوات الحراسة كانت فى إنتظارهم فقتلوهم جميعاً وغنموا السيارتين سالمتين .

عضو برلمانى تساءل عن كيفية حصول الدواعش على السيارتين وكيف عبروا جميع نقاط التفتيش . ثم لماذا قاموا بتلك العملية؟ (هل ليقتلوا أنفسهم فقط؟) حسب سؤاله .

 وهناك أمثله أخرى لعمليات داعشية أساسها حسابات سياسية لنظام كابول، للضغط على دول خارجية لإتخاذ موقف مساعد للنظام، ومزيد من التوريط فى الحرب الدائرة . ومن أمثلتها:

 

هجوم داعشى على معبد للسيخ :

 فى رسالة إلى الهند لتبذل المزيد من العون للنظام . هجوم وقع فى كابول يوم (2020/3/24) وأسفر عن مقتل 25 شخصا وجرح ثمانية. وتضاربت المعلومات حول عدد المهاحمين وكيفية إدارة العملية . فقيل أن المهاجمين كانوا أربعة، من بينهم إنتحارى . ثم قيل بل شخص واحد قام بالعملية . لكن النتيجة المؤكدة عدم وجود فرد واحد ممن نفذوا الحادث .

ثارت الهند وهددت بإرسال قوات إلى أفغانستان . ثم هدأت وأرسلت بعض الأسلحة والمهمات التى لا ضرورة لها . كانت الهند تحت ضغط أمريكى لتكثيف وجودها العسكرى فى أفغانستان بعد الإنسحاب الأمريكى ، وعرضوا عليها مزايا مغرية للغاية ، عبارة عن (ممتلكات) فى شواطئ إمارة دبى .

 

هجوم للدواعش على إجتماع عزاء للقائد الشيعى عبد العلى مزارى:

كانت عملية داعشية ضد قيادات شيعية. قتل فى الهجوم 27 شخصا وجرح 55 آخرين . وكان فى مجمع العزاء عدد من أهم قادة النظام ، لم يصب منهم أحد.

فى رسالة للشيعة بأن النظام هو من يحميهم من الدواعش وطالبان ، لتتوقف موجة إلتحاق الشيعة بحركة طالبان والقتال إلى جانبهم . ورسالة إلى إيران بأن نظام كابول هو الحليف الموثوق.

 

القوات الخاصة الأمريكية .. لإنقاذ الدواعش :

مشهورة تلك العمليات التى قامت بها القوات الخاصة الأمريكية على سجون يحتفظ فيها طالبان بالدواعش . وهى أماكن إحتجاز بدائية، إعتمادا على أن المناطق حولها تحت السيطرة ويصعب الحركة فيها بغير معرفة طالبان . ولكن القوات المحمولة جوا هاجمت عددا منها وحملوا الدواعش معهم فى المروحيات . فى حين أن أماكن إحتجاز أسرى الجيش والشرطة كانوا يقصفونها بالطائرات لقتل من فيها، بسبب أنهم كانوا يعودون إلى قبائلهم متعهدين بعدم العودة للقتال . أما الدواعش فإنهم يقاتلون إلى جانب الأمريكان إلى آخر نقطة دم طالما تصلهم رواتبهم.

– يلاحظ فى آخر أفلام داعش الدعائية أن معاركهم كانت فقط ضد طالبان، وعدم وجود مشهد واحد للقتال ضد الأمريكيين الذين يقدمون للدواعش الدعم الجوى ، أو ينقلونهم بالطائرات إذا وقعوا فى الحصار . أولإنزالهم فى مناطق طالبان الحصينة بدون المرور على الدفاعات ونقاط الإنذار . ثم بعد العملية تسحبهم طائرات الهيلوكبتر إلى القواعد الأمريكية.

   ومشهورة حوادث وقوع الدواعش فى حصار قوات طالبان ـ فى شمال أفغانستان ـ ثم فرار الدواعش إلى القواعد العسكرية الحكومية . لتنقلهم المروحيات بعد ذلك بعيداً عن المنطقة . كان معظم هؤلاء من(دواعش شمشتو) القادمين من باكستان، أى الطبقة السفلى من دواعش خراسان.

 

قَبَلِيّون : دواعش فى سبيل النفط :  

أما الطبقة العليا من الدواعش، فهم من الأفغان المنتمين إلى قبائل معروفة . وبعضهم عمل لفترة فى صفوف الإمارة الإسلامية ، قبل أن يجرفه تيار الفتنة وتحصيل الأموال . فطردتهم الإمارة واتهمتهم فى قضايا فساد وطلبتهم للمحاكمة ففروا إلى داعش ، رافعين شعارات الفتنة الدينية . وأظهر أحد قادتهم تطلعه إلى ثروة النفط ، والعمل تحت إمرة الشركات النفطية المتربصة على الحدود مع تركمانستان لتمرير خطوط الطاقة ” تابى” إلى الأراضى الباكستانية ، ثم إلى الهند .

ملا عبد المنان نيازى أحد رموز تلك المجموعة التى إنضمت إلى الدواعش هربا من الإمارة . ثم حاولوا التكلم بإسمها. وساعدته تركياعام2015 مدعيا تمثيل الإمارة فى مباحثات للمصالحة مع حكومة كابول عقدت فى إسطنبول . لكن المحادثات فشلت بطريقة مخزية . وفشل نيازى فى أول ظهور دولى .

ولكنه أمسك خيطا آخر ـ ربما بمشورة الأتراك ـ بأن تبَنَّى مشروع “تابى” مستغلا إرتباطاته القبلية ومعرفتة بالمناطق التى ستمر فيها الأنابيب .

وفى حوار إعلامى مع محطة تلفزيونية أمريكية تسمى (إيران إنترناشيونال) قال نيازى أنه يؤيد مشروع “تابى” وأن هناك دول تعادى المشروع مثل روسيا وإيران وباكستان.

وقال أنه يستطيع حماية المشروع ، وأن دول الجوار مثل تركمانستان (التى ستدخل منها الأنابيب إلى أفغانستان ) ينبغى أن تتكلم معه حتى يصل المشروع إلى نتيجة حقيقية.

لقد هُزِمَت داعش فى كل أفغانستان . ونيازى يبحث لنفسه عن دور كبير، يدفعه وهْمٌ كبير. فهو لم يستطع أن يكون قائدا فى الإمارة الإسلامية ، ولكن مازال يحدوه الأمل فى أن يكون أميراً نفطياً .. يسكن القصر .. ويُطَبِّع علاقاته مع إسرائيل .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة

 

 




الدور الريادى لعبيد النفط (2)

الدور الريادى لعبيد النفط (2)

مقال “الدور الريادى لعبيد النفط”  مكون من ثلاثة أجزاء هى :

1 ــ ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج والسعودية بإسرائيل ؟ .

2 ــ معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد .

3 ــ الحركة الإسلامية ، وإمبراطورية اليهود فى (الشرق الأوسط الجديد).

 

الدور الريادى لعبيد النفط

(2)

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

أولا ــ سوريا / وحزب الله ــ عقبات معقدة
أمام مشاريع المياه والسكك الحديدية ، ونقل الطاقة :

(1)  سوريا تعترض جغرافياً مسيرة خط مياة السلام التركى ، حسب مقترح تركى عام 1987 لإيصال المياة المنهوبة من نصيب مياه شعبي سوريا والعراق فى نهرى دجلة والفرات، اللذان ينبعان من تركيا، لإيصالها إلى السعودية ومشيخات الخليج عبر سوريا ثم الأردن.

وخط آخر إقترحته تركيا يمر من سوريا إلى إسرائيل فالأردن والسعودية والمشيخات .

كلا الإقتراحين فشلا بسبب الموقف السورى الخارج عن الإجماع الإسرائيلى السعودى الخليجى.

(2)  سوريا مثلت عقبة أخرى بالنسبة لموقعها من خط السكة الحديدية الذى كان يربط الحجاز بأراضى الشام ويَمُر بدمشق . والذى ظل يعمل حتى عام 1948 إلى أن أوقفته الحرب اليهودية على الفلسطينين والعرب.

خط حديدي آخر أقامة الإنجليز يربط  بورسعيد المصرية بمدينة طرابلس فى لبنان عبر العاصمة بيروت . “أى أنه بشكل غير مباشر مرتبط بالقرار والمصالح السورية” .

— سوريا موجودة فى المخططات اليهودية الثلاثة لبناء شبكة طرق دولية سريعة تربط المنطقة ببعضها وبأوروبا :

 ــ واحد يربط الشمال الأفريقي بأوروبا عبر مصر /إسرائيل/ سوريا / تركيا.

 ــ والثانى يربط الشمال الأفريقي بالعراق والخليج الفارسى، عبر إسرائيل وسوريا.

ــ وثالث يربط غزة بالقدس وعمان ودمشق وحيفا .

الدول التى تمر منها الطرق ستساهم فى التمويل . وجزء من الطرق تبنيه مؤسسات دولية تُمْنَحْ حق تحصيل رسوم مرور .

 (3) معلوم أن سوريا كانت عقبة فى تمرير خطوط طاقة تربط الخليج مع جنوب العراق وصولاً إلى شاطئ المتوسط عبر سوريا . فكان ذلك سبباً أساسياً لإحراقها فى حرب (الربيع العربى).

ــ عموما سوريا تشكل عقبة كبرى أمام (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعة الخاصة بالطاقة والمياه والمواصلات . وكذلك حزب الله فى لبنان يمثل نفس المشكلة ، مضافاً إليها قدرته على الإشتباك المسلح مع إسرائيل من باب الدفاع عن أراضي ومياه لبنان وحقوقها فى حقول الغاز فى البحر المتوسط ، التى يفرض عليها الحزب غطاءً صاروخياً يهدد أى تجاوز إسرائيلي عليها.

 

 ثانيا ــ  مياه الخليج الفارسى..

خندق نيران .. أو ساحة حرب مصيرية

إسرائيل متواجدة فى مشيخات النفط بدوافع النهب الإقتصادي ، فى خطوة أساسية لترسيخ إمبراطوريتها اليهودية ، أو حسب مصطلحاتها المنافقة (الشرق الأوسط الجديد).

إمبراطورية لا تعتمد على المال فقط ، إذ لابد لها من قوة مسلحة . فلأسباب نفسية وتاريخية لا يتحمل اليهود قتالا أرضيا حقيقيا لفترة طويلة.

لذا تعتمد إسرائيل على عنصرين هما : سلاح الجو ـ وسلاح التجسس. وكلاهما مدعوم بقاعدة بحثية وتصنيعية بالغة الرقى ، وهنا يأتى دور الدعم الأمريكى والأوروبى عامة .

نشاط التجسس الإسرائيلى ـ المتفوق تكنولوجيا ـ منتشر بكثافة فى مشيخات النفط ، وفى بلاد الحرمين الشريفين ، وتحديدا حول الحرمين الشريفين .

ويغمض المسلمون أعينهم عن تلك الحقيقة تهرباً من تحمل المسئولية . رغم أن (إغلاق العين لا يعنى عدم وقوع الرذيلة) .. التى وقعت فيها الأمة جميعا .. إلا من يبذل جهدا لوقفها بيَدِه .. أو بيَدِه .. أو بيَدِه ، وليس وراء ذلك ذرة من الإيمان .

الطيارون الإسرائيليون يشاركون بنشاط فى حرب اليمن . يمتطون طائرات سعودية وإماراتية ، ويقومون بمهام قصف وتدمير، وتدريب وتوجيه وجمع معلومات . وسماء جزيرة العرب بالكامل مفتوحة أمام طيارانهم المدني والعسكري ، سراً وعلناً.

— لكن بعد إعلان إلحاق الإمارات ـ علناً ـ بالإمبراطورية اليهودية (الشرق الأوسط الجديد) لن تتراجع إسرائيل عن إرسال قطع من أسطولها إلى مياه الخليج . قد تتردد فى ذلك لبعض الوقت لكنها لن تلغى الفكرة .

ــ وإذا حدث ذلك فإن صفحة جديدة من الصراع فوق مياه الخليج سوف تبدأ ، بإنتقال الحدود البحرية والبرية لإسرائيل إلى بعد أمتار من الحدود الإيرانية .

سيخلق ذلك توتراً خطيرا فوق مياه الخليج ، ويصنع حافة هاوية تقف فوقها المنطقة، مع إحتمال حرب غير مسبوقة . وستكون إسرائيل أمام تحدى لتثبيت الحدود الشرقية لإمبراطوريتها الجديدة (الشرق الأوسط الجديد) أمام التحدى الإيرانى فى منطقة الخليج الفارسى، التى هى من أخطر نقاط التوازن الدولى ، ومفتاح الطاقة والإقتصاد .

ثلاث قوى أساسية فى آسيا ستجد نفسها معنية مباشرة بحفرة النيران الجديدة . وهى روسيا والصين والهند . جميعها ستتأثر بشدة بأخطار الخليج الفارسى ، وبالتغيرات الجديدة فى الطبيعة (الجيوسياسية) لبلاد العرب”سابقا”، وتحولها إلى إمبراطورية يهودية جديدة.

 { ملاحظة حضارية : لأول مرة يجتمع العرب تحت راية إمبراطورية بعد إنهيار دولة الخلافة العثمانية ، الآن يجمعهم اليهود فى دولة واحدة تحت شعار السلام والأرباح ومحاربة الأصولية الإسلامية ــ أو بتلخيص آخر : دولة “السلام اليهودي” المحارب للإسلام }.

 من الطبيعى أن تبحث إسرائيل عن ترضيات مناسبة لتهدئة مخاوف تلك القوى، لتكسب موافقتها على ما يحدث ، أو على الأقل وقوفها بحياد والبحث فى الحطام العربى عن مغنم ما.

يجب أن تتناسب الترضية ـ إذا حدثت ـ مع حجم المخاطر والأضرار المتوقعة. وهى كبيرة جدا على مصالح تلك الأطراف .. مثلا :

ـ تهديد إمدادات النفط الحيوية الذاهبة عبر الخليج إلى كل من الهند والصين .

ـ تهديد التعامل التجارى بين تلك الدول ومشيخات النفط والسعودية التى تعتبر أسوقا مهمة ، أو محطة ترانزيت لبضائعها .

ـ التوتر العسكرى فى الخليج سيهدد ميناء(تشبهار) الإيرانى المطل على بحر العرب والمحيط الهندى ، والذى يربط تجاريا بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وأفغانستان وتلك دول لا تمتلك موانئ على البحار المفتوحة . وروسيا كان حلمها التاريخى القديم أن تطل على تلك البحار الجنوبية الدافئة.

 

يضاف إلى ذلك أن الخطط الإسرائيلية ترمى إلى تحويل البحر الأحمر إلى مجرد شريط مائى ضيق يخترق أراضيها الجديدة . بوضع اليد على باب المندب / وجزيرة سوقطرة اليمنية .

بالسيطرة على البحر الأحمر ومداخله سيتاح لإسرائيل التحكم فى المدخل الجنوبى لقناة السويس ويجعل المرور منها مشروطا أو محظورا ، بمبررات من السهل إصطناعها. وبهذا سيخضع المرور من قناة السويس  للسيطرة اليهودية. أى أن إتصال تلك الدول الكبيرة (الصين ، روسيا، الهند، إيران) مع شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط ، سيكون تحت إشراف وسيطرة إسرائيل.

 –  توتير إسرائيل للوضع الأمنى فى الخليج الفارسى سوف يرغم تلك القوى على بذل المزيد من الإهتمام بالمنطقة . وربما إلى إتخاذ إجراءات أمنية إستثنائية . خاصة بين الثلاثى روسيا والصين وايران . وقد يصل ذلك إلى نوع من التنسيق العسكرى أو حتى التحالف فى ظل تطورات معينة.

– وهناك تلويح بإسترضاء الهند، بمنح رعاياها حكما ذاتيا على قطعة من الشاطئ(العربى) للخليج الفارسى ، يقال أنها قد تكون دبى. وربما تنال الفلبين إستدراجا إلى المنطقة بمنح رعاياها إمتيازا مماثلا مقابل مشاركة عسكرية إلى جانب إسرائيل للمحافظة على الأوضاع الجديدة . وعلى المدى المتوسط لابد من إفراغ ذلك الشاطئ الخليجى من أى تواجد عربى أو إسلامى . وكذلك مناطق النفط السعودية ، والمناطق حول مكة والمدينة التى سوف يعود إليها اليهود مجدداً مطالبين بتعويضات عن ممتلكاتهم وعوائدها خلال الأربعة عشر قرنا التى تواجد فيها إسلام فى تلك المناطق . وقد بدأت بالفعل موجة سعودية لتهديم ممتلكات للقبائل حول المدينة المنورة ومكة وغيرها من المناطق .

هذا التطهير السكانى تشنه إسرائيل بواسطة كلابها المحليين فى عدد من الدول العربية، تأتى مصر والسعودية والبحرين على رأسها. أما اليمن فتخضع لتطهير عرقى ودينى مستمر منذ أكثر من خمس سنوات . وكذلك ليبيا ، وسوريا منذ بداية حرب”الربيع” إلى الآن .

 

فوائد حافة الهاوية :

توتير الأوضاع مع إيران فوق مياه الخليج ، ووضع المنطقة على حافة هاوية الحرب سوف يساعد كثيرا فى دفع المشروع الإمبراطورى اليهودى قدماً .

فسوف يتشبث عبيد النفط بإسرائيل كطوق نجاة وباعث على الأمن والطمأنينة . وبمزيد من تسويق الخطر الإيرانى سيكون دفع الإتاوات المالية أكثر سلاسة ، وتوقيع صكوك الديون الفلكية للبنوك اليهودية هو أيسر أعمال الحكام . وسيكون تحويل”يافا” إلى مرفأ وعاصمة لجزيرة العرب، كبديل عن الخليج الفارسى الخطير والمهدد ، عملا مبرراً بل ودليل على الوطنية عند البعض . ودليل على حسن الإسلام وسلامة العقيدة وسماحتها عند القطاع المتدين بمذهب عبيد النفط . وطاقة إنعاش لجماعات الفتن الدينية فى جيش الدفاع الإسرائيلى وفرق المستعربين فى الموساد ، ورعايا “دحلان” .

 

إنعكاسات حرب أفغانستان على أوضاع الخليج:

أهم تلك الإنعكاسات هو غسيل أموال المخدرات ، التى تخوض فيها بعمق بعض البنوك فى الإمارات. وتعتبر إسرائيل إلى جانب البنوك اليهودية العظمى فى الولايات المتحدة وأوروبا، هى المستودعات النهائية لذلك الطوفان المالى الهائل.

ومجال آخر يمكن أن يطل على شاطئ المشيخات، هو تجارة المياه . وإسرائيل أكبر أعمدتها بواسطة السد الذى بنته فى الحبشة لحجز مياه النيل الأزرق لبيعها فى السعودية والمشيخات.

{ سوف تحصل اسرائيل على رسوم مالية نظير عبور المياه من تركيا إلى السعودية ومشيخات الخليج وهى المياه المنهوبة من نصيب شعوب سوريا والعراق } .

ــ نتائج حرب إسرائيل وحليفتها أمريكا على شعب أفغانستان جاءت مخيبة لآمالهم بخصوص مشاريع المياه ، التى كانوا يأملون فى سحبها من نهرى سيحون وجيجون بأنابيب ونقلها إلى جانب الغاز والنفط ـ من آسيا الوسطى ـ إلى ميناء جوادر الباكستانى المطل على بحر العرب، لتسويقها فى السعودية والخليج وإسرائيل والعالم بواسطة ناقلات بحرية أو خط أنابيب . نفس الإحتمال غير مستبعد بالنسبة لخطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر، أى نقلها عبر أنابيب إلى الشاطئ الخليجى /الإسرائيلى لتنضم إلى باقى قافلة الأنابيب المماثلة المتجهة إلى حيفا . لتزيد  مركز إسرائيل قوة فى مجالات تصدير الطاقة عالميا ، وبيع المياه إقليميا.

ــ خط السكة الحديد (مسقط / حيفا) سوف يسهل نقل وتوزيع المياه المنهوبة (من النيل أو جيحون) بواسطة خزانات تنقلها القطارات.

جهاد الأفغان أحبط الخطط المائية لإسرائيل فى أنهار آسيا الوسطى، وأحبط أيضا مشاريع نهب الطاقة من تلك البلدان . لكن تظل مياه النيل متاحة وفى إنتظار إستكمال سد الحبشة واستكمال مخزون المياه خلفه ، وتمديد خط نقل المياه إلى أى شاطئ أفريقى متاح ـ غالبا سيكون بورسودان أو ميناء فى جيبوتى.

 

غسيل أموال المخدرات …

دافع أساسى وراء الإسراع بكشف خطيئة “التطبيع”

مع تدهور سوق النفط والهبوط الشديد فى أسعاره ـ تصدعت ميزانيات مشيخات الخليج ـ ماعدا قطر ـ فأصبحت موارد بنوكها من غسيل أموال المخدرات فى أفغانستان هى أهم ثرواتها الوطنية.

من المفروض أن تتكفل السعودية والمشيخات بمصروفات تأسيس الإمبراطورية اليهودية الجديدة فى بلاد العرب، خاصة فوق أرض الجزيرة . مع تكاليف حصارها البحرى ، والبنية التحتية الجديدة التى تحتاجها الإمبراطورية {خطوط نقل الطاقة ـ وطرق برية سريعة وطرق حديدية . ومراكز فسق وفجور وسياحة .. الخ } مع تكاليف الحرب على الإسلام فى جزيرة العرب وعموم الإمبراطورية اليهودية الجديدة .

أهم الموارد المالية التى ستحصل عليها إسرائيل لتمويل مشروعها الإمبراطورى هى :

ـ ما تبقى من إحتياطات مالية لدى مشيخات الجزيرة .

ـ موارد بنوك غسيل أموال المخدرات .

ـ قروض تقدمها بنوك يهودية كبرى بوساطة من إسرائيل.

لهذا كانت اُولى الإجراءات الإسرائيلية فى الإمارات هى وضع يدها على البنوك والمصادر المالية، بالتطبيع المالى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

 




العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

 

على قدر تراجع الجَزْر ، يكون إرتفاع المَدْ القادم . إنه قانون الفعل ورد الفعل المتساوى فى المقدار والمخالف فى الإتجاه . إلا إذا وقع زلزال فى قاع المحيط عندها يتحول المد إلى  “تسونامى” جبار ومدمر.

 مرة أخرى يتصدع الإسلام بشدة فى بلاد العرب ، وينحط شأن المسلمين . ويتسع نطاق الفتنة ، حتى دخلت فى كل بيت . ومن كل الجهات إنقض المتكسبين بالفتن وآكلى لحوم الأمة . ومن كان قليل الشك إكتملت لديه الخيانة . والمؤمن بالكاد يتمسك بما تبقى لديه من جمر الدين.

وأحتل اليهود قلب بلاد المسلمين وأمسكوا بجميع المقدسات بين أيديهم ودنسوها. فأصبح المتوقع هو طوفان التسونامى وليس أمواج المد الطبيعى .

– قبل ثمانية قرون ، عندما  أطبق سيل المغول على بلاد المسلمين من حدود الصين وصولا إلى حدود مصر ، وسقطت خلافة بنى العباس فى بغداد، فكأنما سقطت السماء على الأرض.    واعتقد أكثر الناس أن الإسلام هو الذى إنهار ، فصنع أكثرهم مراكب من نفاق كى تطفوا بهم فى لجج الكفر المتلاطم .

الصليبيون عملوا مثل السندان على شواطئ المتوسط ، ليتكاملوا مع مطرقة المغول فى طحن الشعوب المسلمة . فإضطرب الناس ، وكأنه يوم الحشر ، وصار الموت والجوع والخوف ضيوفا دائمين على كل بلد وفى كل بيت .

الملوك أظهروا الخيانة من أجل البقاء فوق كراسيهم . فخضعوا للمطرقة المغولية أو للسندان الصليبى ، أو تقلبوا فى الولاء بينهما. الملوك والأمراء والقضاة وقادة الدين والدنيا  تكالبوا على أموال المغول ومناصب دنياهم الوثنية الجديدة .

المغول شجعوا الفتن الداخلية ، وحرضوا المسيحيين واليهود على الأكثرية المسلمة من أهل البلاد . فتطور الأمر من الإذلال وسلب الأموال، وصولا إلى إهانة المعتقدات وسفك الدماء.

إلى أن بدأت الدورة العكسية لآلة الزمن فى العمل . وبعد الجَزْر الإسلامى تحركت المسيرة صوب المد. فصمد أمراء المماليك فى مصر وتماسكوا ، فهزموا آخر الحملات الصليبية التى حاولت إحتلال مصر ، وأسروا ملك الفرنجة وهزموا جيوشه هزيمة منكرة . ثم التفتوا صوب السيل المغولى الذى أغرق الشام ، وأخذ يدق أبواب مصر من بوابة غزة .

ومن رماد الهزيمة سطع أمل الإنتصارمع الخوارزمين من مسلمى التاتار وبقايا أبطال مملكة خوارزم فى آسيا الوسطى ، وجيشهم الذى يتحرك مثل صواعق الموت ، فتضرب المغول الوثنيين كلما تمكنت منهم ، أو تضرب ـ وبنفس الشدة ـ المسلمين فى بلاد إستسلمت لليأس ولم تعد شعوبها تقوى على رفع السيف أو حتى العصي .

إنبعثت بقايا النخوه الأيوبية فى بلاد الشام . وأتراك الأناضول أخذوا يناضلون للوقوف على أرجل أكثر صلابة من أقدام دولة السلاجقه المتصدعة ، وهم فى تماس دموى مع مطرقة المغول الذين شاركوهم فى هضبة الأناضول ، وتماس مع السندان الصليبى الضاغط عليهم من السواحل.

 سلطان مصر مع جيشه حطموا المغول فى عين جالوت فتحررت دمشق، واعتدل الميزان فيها من جديد . وكل من أهان المسلمين وسفك دماءهم وسرق أموالهم دفع مكافئ لأفعاله مع فوائد مناسبة . فتحرر شعب دمشق وقتل من قتلوه وفى مقدمتهم المسلمين الذين تعاونوا مع المغول ، واستعاد أمواله ومساجده.

أحفاد صلاح الدين الذين قسموا الشام بينهم إلى ممالك ، كان أحدهم قد تبرع للصليبيين بالقدس. فعاد الصليبيون لرد جميل صلاح الدين وعفوه الكريم عنهم ، ولكن بسفك دماء المسلمين وإستباحة أموالهم وأعراضهم . فصعدوا إلى قبة الصخرة جاعلين منها خمارة، ورفعوا فوقها الصليب والأجراس، مستفيدين من صراعات ملوك الأيوبيين فى الشام ومصر.

لكن الإنتقام الخوارزمى طالهم فى القدس . فلم يُبْق الخوارزميون على صليبى واحد فى القدس.. قتلوا الجميع . وحتى الموتى من الصليبيين نبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم . كانت العودة قوية ومنتقمة ورهيبة ، حتى إنعقدت ألسن المؤرخين من هول الأحداث.

من طعنات الخيانة والردة ، ومن حرائق المغول والصليبيين، إنبعث المد الإسلامى الجديد. حتى إنحسرت أمواج الطوفان المغولى ، ولملم الصليبيون بقاياهم تاركين سواحل الشام لأبطال الأمراء المماليك الشراكسة ، ومن معهم من تركمان وأكراد وعرب.

وعلى قدر ما كان التراجع الإسلامى رهيبا وقريبا من الإنهيار ، كان المد التالى له عنيفا وجذريا ومنتقما فى الكثير من نواحيه .

قد يقال إنه قانون نيوتن للفعل ورد الفعل؟؟ ـ لكن من الأفضل أن نتلوا قوله تعالى: {(وإن عُدتم عُدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) ــ (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ) ــ ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )}.

وقالت العرب قديما : (إن غدا لناظره قريب). وأهم معانى الجَزْر هى أن المد قادم لا محالة .

دورة التاريخ بطيئة وثقيلة ومرهقة وتُزَلَزِل الناس زلزالا شديدا. ولكن سنن الله لا تتبدل ولا تتوقف (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). فكل شئ بمقدار ويتحرك طبق جدول زمنى منذ الأزل.

والخائن سيطاله حتماً سيف الإنتقام إن كان حيا .. وستحرق جثته إن كان جيفة ..

بضياع مقدسات المسلمين وقع الزلزال فى قاع المحيط .. فتوقعوا تسونامى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

15-08-2020

العدالة الخوارزمية

 

 




مؤتمر الدوحة حول أفغانستان 2

إتفاق إحلال السلام في افغانستان 2

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان :

السلام المراوغ .. وإتفاقية إحلال السراب

(2)

 

– الرؤية الأمريكية / الإسرائيلية للعالم الإسلامى ترى تقسيمه مذهبيا إلى معسكرين متصارعين ، أحدهما سنى متحالف معهما ، والآخر شيعى عدو لهما ولحلفائهما من السنة. والإمارة الإسلامية تضاد تلك الرؤية.

– أمريكا ترشح تركيا لدور أكثر نشاطا فى المرحلة الجديدة من حرب أفغانستان ، يتكامل مع دور هندى (وآخر باكستانى) ، للقضاء على أى أمل فى بناء نظام إسلامى .

– ما يمكن للهند أن تفعله هو دعم الطاجيك فى أفغانستان ، وإضطهاد البشتون لدفعهم نحو أحضان باكستان كحامى لهم ضمن شريط بشتوني موازى لباكستان .

– من المستبعد أن يشارك الروس أو الصينيون فى أى مشروع إنفصالى داخل أفغانستان ، لأنه تهديد لأمنهم ومصالحهم .

– داعش فى أفغانستان هو تنظيم ذو خلفية عرقية تركية ، تزيده ترابطا مع الجيش التركى المقترح إستدعاؤه ، ليكون للجيش التركى جناحان هم الدواعش و(جلم جم)، وبينهم رابط عرقى رغم التنافر المفترض بين شيوعية “جلم جم” وإسلام الدواعش .

– إستغلت أمريكا العلاقات المتفجرة لتجهز الهند لمواجهة كبرى ضد الصين فى حرب، ستكون نووية، ولكنها مازالت فى أول مراحلها الإقتصادية و”البيولوجية”.

 

القادمون الجدد .. والقدماء الغائبون :

ليست الهند أو تركيا من القوى الدولية الجديدة ، فهى كيانات عريقة. لكن أمريكا ــ المشرف العام على شئون العالم ــ قررت تكليف الدولتين ـ بأدور أوسع مما تمتعتا به فى العقود الماضية. والدافع هو إنتصار حركة طالبان فى أفغانستان على الغزو الأمريكى فى أطول حرب عرفتها تلك الدولة الإستعمارية ، فيما عدا حربها على سكان أمريكا الأصليين .

عودة الإمارة الإسلامية منتصرة إلى حكم أفغانستان فى ظل أمجاد الإنتصار العسكرى ودروسه العظمى ، يشكل من وجهة نظر أمريكية خطراً كبيراً على مصالحها فى المنطقة والعالم الإسلامى، لأنه يضاد الرؤية الأمريكية / الإسرائيلية للعالم الإسلامى القائمة على تقسيمه مذهبيا إلى معسكرين متصارعين ، أحدهما سنى متحالف معهما ، والآخر شيعى عدو لهما ولحلفائهما من السنة. والإمارة الإسلامية تضاد تلك الرؤية .

وعند عودتها إلى حكم أفغانستان ، فسوف تعمل بنشاط على إعادة إلتحام الأمة وتجميع قواها من أجل تحرير أراضيها المحتلة ، وإستعادة كرامتها وثرواتها التى نهبتها الإحكتارات الدولية ونظامها الربوى ، وبناء نظام إسلامى حقيقى عادل ومستقل .

طالبان إكتسبت مصداقية من جهادها المنتصر على الجيش الأمريكى/ أقوى جيوش العالم عبر التاريخ/ ليضاف ذلك إلى تراث الشعب الأفغانى المجيد ، فى جهاده الإسلامى ضد قوى الإحتلال منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم .

 

تجميع المسلمين تحت راية إسرائيلية :

إنصاع العرب فرادى تحت راية إسرائيل ، التى تريد للمسلمين راية شاملة تجمعهم بإسم الإسلام (الطائفى) وتدخل بهم جميعا فى طاعة إسرائيل تحت إسم تحالف ضد ما أسمته “الخطر الشيعى الإيرانى” .ولكن من الذى يجمع ذلك الشمل ويخوض بالمسلمين إلى تلك التهلكة ؟؟.

ــ فالسعودية إحترقت أقنعتها المزيفة كلها ، ولم يتبق لها إلا راية الترفيه الداعر الذى يقوده بن سلمان ، ويحكم به جزيرة العرب.

ــ وتركيا حامية التناقضات، تطمح إلى قيادة (إسلام سنى) بالمواصفات سالفة الذكر. فهى دولة “إسلامية” بمفهوم يقبل بحكم اليهود وسيادتهم على المسلمين . فتغزو شعب أفغانستان فى حرب أعلنها جورج بوش حرباً صليبية . حرب إنضمت إليها تركيا تحت راية حلف الناتو الذى يصفه أصحابه بأنه (نادى مسيحى) .

وهى دولة علمانية لا تطبق شيئا من قوانين الإسلام ، ولكنها تعتبر إنتماءها التاريخى للإسلام مصدر قوة فى تجاذباتها مع أوروبا ، كون تركيا تملك قدرة على السيطرة والتوجيه داخل بلاد العرب والمسلمين ، لذا هى فى وضع يمكنها من تقديم خدمات للغرب ، أكثر مما تستطيعه أى دولة عربية بما فيها السعودية.

وهى متحالفة مع الإخوان المسلمين ـ أكبر حركة إسلامية سنية ـ ومتحالفة مع عدد لا يحصى من المجموعات الإسلامية الجهادية (المسلحة) فى سوريا وليبيا والعراق . وذات علاقات وطيدة مع داعش ، وقد ساهمت مع باكستان فى نقله من الشام والعراق إلى أفغانستان ، خاصة عناصر التنظيم القادمين من تركستان وآسيا الوسطى .

وتنقل تركيا باقى التنظيمات الجهادية إلى حيث تظهر الحاجة الأمريكية لجهادهم “فى سبيل الله” كما فى ليبيا وأفغانستان.

لهذا ترى تركيا خطرا قادما من نظام الإمارة الإسلامية فى أفغانستان، حيث أنه أكثر صدقا وطهارة.  فتقدم تركيا نفسها منذ عام 2001 لضرب إحتمال عودة ذلك النظام الإسلامى مرة أخرى خوفا من يصبح قدوة لباقى العالم الإسلامى.

أمريكا ترشح تركيا لدور أكثر نشاطاً فى المرحلة الجديدة من حرب أفغانستان ، مرحلة ما بعد الهزيمة الأمريكية الكبرى فى ذلك البلد . دور تركى يتكامل مع دور هندى (وآخر باكستانى) ، للقضاء على أى أمل فى بناء نظام إسلامى حقيقى هناك .

– فى زيارته لباكستان فى 12 فبراير 2020 بحث أردوغان مع لاعب الكريكت و رئيس باكستان ـ عمران خان ـ ذلك التعاون”الإسلامى” فى إطار الإستراتيجية الدولية للولايات المتحدة وإسرائيل . الإعلام ذكر شئ أسماه (مجلس التعاون الإستراتيجى بين تركيا وباكستان). ربما فى إشارة لذلك التكتل الإسلامى المنشود لخدمة إسرائيل وأمريكا فى العالم و فى أفغانستان على وجه الخصوص .

الشاويش أوغلو وزير خارجية تركيا بعد إجتماعه مع رئيس أفغانستان أشرف غنى فى تركيا قال أن قوات بلاده ستبقى فى أفغانستان للوقت الضرورى”!!”. وقال الشاويش(إننا جاهزون للتوسع”!!” فى موضوع الحماية الأمنية والدفاع فى أفغانستان”!!” .

أردوغان والشاويش أوغلو يوضحان معاً المزيد من ملامح المشروع التركى القادم فى أفغانستان تحديدا . وقال محللون أن أردوغان يحاول إستقطاب باكستان تحت جناحه ، كبديل يعوضها عن السعودية التى يسعى عمران خان للتحرر من إملاءاتها المتغطرسة ، وإصدارها للأوامر المحرجة . كما حدث حين أخرجته من مؤتمر ماليزيا الذى كان يستعد لحضوره منذ شهرين ضمن “منتدى” إسلامى يزمع فى إطلاق قناة تلفزيونية ناطقة بالانجليزية للدعاية للإسلام فى دول الغرب”!!” . ولكن السعودية تخشى من العدوان التركى على مكانتها المقدسة، فتستحوذ على زعامة القطاع السنى من العالم الإسلامى الممزق مذهبيا .

 

أوراق تركيا فى أفغانستان :

لتركيا الآن 500 جندى فى أفغانستان ـ {مع التحفظ الدائم على الأرقام التى تنشرها الولايات المتحدة عن أى شئ يتعلق بأفغانستان. فهى تحتكر تماما مهمة إصدار البيانات العسكرية والأرقام بأنواعها والتحليل السياسى للأحداث وتصنيف المجموعات ، وتحديد مساحات الأراضى التى يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك . ولكن لا يكاد يوجد بديل حتى الآن لإستخدامه عوضا عن المصادر الأمريكية المزورة } .

طبعا يمكن زيادة أعداد القوات المحتلة فى أى وقت بدون أى إعلان مسبق ـ سواء القوات التركية أو القوات الأمريكية والحليفة لها . وتلك النقطة هامة جدا فيما يتعلق بالإتفاقية التى وقعوها فى الدوحة ، عاصمة السراب .

الشاويش أوغلو يقول أن بلاده جاهزه للتوسع فى أفغانستان . وهو نفس التكليف الذى حظيت به الهند ضد المسلمين فيها وفى أفغانستان وكشمير وعموم شبه القارة الهندية (بشمول بنجلاديش) .

– لتركيا الآن إثنان من قادة الإخوان المسلمين المؤثرين فى نظام كابول . أحدهما (جلب الدين حكمتيار) أحد المديرين والموجهين الكبار لنشاط داعش فى أفغانستان ، إلى جانب نشاطه كمجاهد شعبى فى سبيل الحقوق النسوية . حكمتيار على علاقة تاريخية وثيقة مع باكستان ، الحليف الهام لتركيا فى دورها الأفغانى الجديد، المكمل لدورها الإمبراطورى الممتد إلى ليبيا عبر سوريا .

الزعيم الإخوانى الآخر هو(عبد الرسول سياف) الزعيم السابق لإتحاد المجاهدين فى الحقبة السوفيتية . وهو صاحب دور دبلوماسى هام لتحريض الهند وجذبها إلى الميدان الأفغانى، للعمل عسكريا ضد الإمارة الإسلامية بعد إنتصارها على الجيش الأمريكى .

الورقة الثالثة الهامة فى يد اللاعب التركى فى مقامرته الجديدة فى أفغانستان هى ورقة الزعيم الأوزبكى الأفغانى “عبد الرشيد دوستم” أشهر قائد ميليشيات شيوعية فى العهد السوفيتى ، والزعيم “المرتزق” الكبير فى خدمة الإحتلال الأمريكى .

ميلشيات دوستم الشهيرة بإسم (جلم جم) الميليشيا الشيوعية “سابقا” ذات عصبية للعرق التركى، بما يجعلها قريبة نفسيا من أوزبكستان وتركمانستان ، الجارتان للشمال الأفغانى . وبإستغلال التعصب للعرق التركى تحاول تركيا ترسيخ دورها القادم فى أفغانستان وتخطيه إلى عمق آسيا الوسطى ، بما يرفع مكانتها السياسية فى التحالف الدولى مع إسرائيل وأمريكا.

     داعش التى سربتها تركيا إلى أفغانستان ، يتمركز أكثرها فى شمال أفغانستان ، أى نفس المناطق المرشحة للتواجد العرقى لتركيا أردوغان. وأهم تكوينات الدواعش فى أفغانستان هم “التركستانيون” و”الأوزبك”ــ وهم أعراق تركية ــ ، فيمكن القول أن داعش فى أفغانستان هو تنظيم ذو خلفية عرقية تركية تزيده ترابطا مع الجيش التركى المقترح إستدعاؤه للعمل ضد الشعب الأفغانى . ليكون للجيش التركى جناحان هم الدواعش و(الجلم جم)، وبينهم رابط عرقى ، رغم التاقض المفترض بين الشيوعية وإسلام الدواعش.

– عيون الأتراك ـ مع الإحتلال الأمريكى ـ تمتد إلى مشروع إنفصالى لشمال أفغانستان. وهو مشروع سار فيه السوفيتى شوطاً ولكنهم فشلوا فى نهاية المطاف على يد طالبان وإمارتهم الإسلامية . وهو نفس المصير الذى ينتظر أى إنبعاث مشئوم لذلك المشروع على يد تركيا والدواعش.

 

الهند على مسار تقسيم أفغانستان :

ليس هناك أقلية هندوسية يمكنها بناء مشروع إنفصالى تدعمه الهند فى أفغانستان . وما يمكن للهند أن تفعله هو شغل الموقع السوفيتى القديم فى دعم الطاجيك فى أفغانستان. ومن المستبعد أن يشارك الروس أو الصينيون فى أى مشروع إنفصالى داخل أفغانستان، سيكون تلقائيا مهددا لأمنهم ولمصالحهم . وأهم نشاط إنفصالى للتدخل العسكرى الهندى سيوجه لإضطهاد البشتون لدفعهم نحو أحضان باكستان كحامى لهم ضمن شريط بشتوني موازى لحدود باكستان .

لهذا لن تكون ردة فعل باكستان على التدخل الهندى فى عمقها الإفغانى سوى رد فعل شكلى وإعلامى ، كما هو رد فعلها على إحتلال الهند لإقليم كشمير ، بل أقل من ذلك بكثير. بإعتبار أن المجهود العسكرى الهندى فى أفغانستان سيصب فى النهاية لصالح باكستان !!.

وما عدا ذلك فإن دور الهند ــ الكيان الأكبر فى آسيا بعد الصين ــ سيكون موجها ضد المسلمين فى شبه القارة الهندية وصولا إلى أفغانستان .

وفى ذلك نجاح غاية الخطورة لإسرائيل والولايات المتحدة فى حربهما المشتركه على الإسلام، وفى المقابل لا يوجد مشروع ، أو حتى مجرد (تصور) إسلامى لكيفية التعامل مع ذلك الخطر .

– أهم النقاط حاليا هو التناقض الشديد بين الهند والصين ـ وكلاهما قوة نووية ويمتلك إقتصادا ضخما ينمو بسرعة ـ وبينها مشاكل حدودية خاصة فى التبت . فاستغلت أمريكا تلك العلاقات المتفجرة لتجهيز الهند لمواجهة كبرى ضد الصين فى حرب ـ غالبا ستكون نووية ـ ولكنها مازالت فى أول مراحلها الإقتصادية والبيولوجية (سلسلة فيروسات كورونا المبتكرة والمعدلة وراثيا، لتستهدف أجناس بشرية بعينها ).

– توثيق العلاقات الأفغانية مع الصين سيخلق توازناً مع الدور الهندى ويكبح الميل العدوانى لدى نظامها شديد التعصب ضد المسلمين .

ومن هذه النقطة ندخل إلى الخيارات المتاحة أمام حكومة إسلامية حقيقية فى أفغانستان كى تواجه التهديدات الأمريكية بالتقسيم والحروب الأهلية ، وإدخال قوى أجنبية لتنفذ ذلك المخطط خاصة : الهند / تركيا.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

8-3-2020

 

إتفاق إحلال السلام في افغانستان 2