جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(12)

أسرار الحملة الكبرى على خوست وقاعدة جاور عام 1985
” من التقرير المكتوب وقتها لجريدة الاتحاد الإماراتية”.

 

– وزيرالداخلية الأفغاني يتحدى رئيس الأركان:  

(أتنازل لك عن زوجتي إن استطعت احتلال جاور).

ــ رئيس الأركان يتولى قيادة عملية الاستيلاء على جاور ويطلب من وزير الداخلية الاستيلاء على مناطق ( زدران) .

ــ  فقد الجنرال السيطرة على قواته وانتابه هياج عصبي حاد. ــ خلال الاجتماع الجنائزي في خوست طهر حقاني مناطق (ليجاة) و( باري) وأعاد الموقف إلى ما كان عليه قبل الهجوم.  

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

حقاني يفقد أركان حربه :

حققت دبابة حقاني المفاجأة للمرة الثانية باستخدام الطرق الجبلية التي شقها المجاهدون. المرة الأولى حققت مفاجأة هجومية والمرة الثانية مفاجأة دفاعية وفي الحالتين كسب المجاهدون الجولة. وإن كانت القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك إعادة احتلال جبال  ليجاه  والتقدم إلى نفس المسافة السابقة عن قاعدة  جاور،  وهي خمسة كيلومترات، وذلك نتيجة لاستشهاد القائد مولوى فتح الله حقاني  في ليجاه أيضاً، فتكرر ما حدث عند استشهاد  مولوى  أحمد جول. وكان فقدان القائدين أشد خسارة تكبدها المجاهدون في باكتيا منذ بداية الجهاد في الولاية في صيف عام 1978.

وفي معركة واحدة خسر جلال الدين حقاني اثنين من كبار أركان حربه. ولم تتزحزح القوات الحكومية عن مواقعها حتى وقعت مجزرة  الجنرالات  التي فقد فيها الجيش الأفغاني مجموعة من أفضل جنرالاته . بعدها اقتلع حقاني القوات الحكومية بواسطة هجوم مضاد كاسح ردهم إلى خوست.

 

الوزير يراهن على زوجته :

(حذفت صحيفة الاتحاد ما يتعلق بالرهان رغم دلالته على الحالة الأخلاقية والنفسية السائدة فى الجيش الأفغانى الأحمر) .

قررت حكومة كابول تعيين (شاه نواز تاناى) رئيس الأركان قائداً عاماً للعمليات في باكتيا وأعطته صلاحيات تامة ودعم غير محدود.

وظل شاه نواز ينتقل بشكل يومي تقريباً بين خوست وكابول بواسطة هيلوكبتر عسكرية. وفي كل زيارة كان يحصل على مزيد من القوات والأسلحة. وفي اجتماع استثنائي شمل قادة القوات المسلحة والوزراء تقرر إرسال جسر جوي من كابول إلى خوست بمقدار حمولة أربعمائة وخمسون طائرة، ذخائر ومهمات وجنود. ومعلوم أن خوست محاصرة منذ عدة سنوات وتحصل على إمداداتها عن طريق الجو. باستثناء مرات قليلة استطاعت القوات الحكومية التحرك من (جرديز) شرقاً على طريق (جاجي) ثم الانحراف جنوباً نحو خوست.

وهذا ما فعلته القوات الحكومية هذه المرة أيضاً بعد أن أصبح هذا المحور هو (البطن الرخو) لهذه المنطقة الصلبة. وذلك لأسباب نشرحها فيما بعد (أسباب تتعلق بفساد أحزاب بيشاور).

في اجتماع قيادي في كابول برئاسة شاة نواز رئيس الأركان و(جولاب زاي) وزير الداخلية وهو من قبائل زدران التي ينتمي إليها جلال الدين حقاني.

(وأسلم وطنجار) وهو بطل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان وهو من منطقة (زورمات) في باكتيا ، (وسليمان لايق) وزير شئون القبائل وهو من باكتيا.

وحضر هذا الاجتماع  عدد من المستشارين السوفييت. تعرض رئيس الأركان (شاه نواز) لانتقادات حاده من زملائه في تلك اللجنة وركز الأعضاء هجومهم على ضخامة القوات المحتشدة في باكتيا وكميات الأسلحة التي لم تحشد لأي معركة من قبل. وكان جميع أفراد الجانب الأفغاني ينتمون إلى ولاية باكتيا. وسألوا رئيس الأركان عن سبب تأخره في شن الهجوم حتى ذلك الوقت رغم القوة الهائلة  التي حشدها. فرد عليهم (شاه نواز) بهجوم معاكس من جانبه وطالبهم أن يحضروا هم أيضا إلى خوست ويتولى كل منهم مسئولية جانب من العمليات وقال (شاه نواز) إنه سيتولى شخصيا جانب الهجوم على قاعدة (جاور) الحصينة والاستيلاء عليها وطلب من وزير الداخلية “جولاب زاى” أن يقود قوة للاستيلاء على منطقة (زدران) التي أقام فيها جلال الدين حقاني عدة  قواعد جبلية. ولما كانت مهمة الاستيلاء على جبال منطقته (زدران) من المهمات العسيرة  فقبائل(زدران) أشد قبائل باكتيا مراسا وخبرة في القتال، ومناطقها الجبلية شديدة الوعورة.

شعر (جولاب زاى) بالتحدي … فواجه رئيس الأركان  قائلا:  أراهنك على زوجتي فهي هدية لك إن استطعت الاستيلاء على مركز (جاور). وإن لم تستطع دخول (جاور) فاعطني زوجتك هدية لي، وسوف أستولى أنا على جبال (زدران) وأدمر قواعد جلال الدين هناك. وتكهرب جو اللقاء واضطر السوفييت إلى التدخل وحسم الموقف.

وقرروا أن يتولى)شاه نواز) قيادة العمليات ويرأس مجلس عسكري من عدة جنرالات أفغان. على أن يرافقهم عدة جنرالات سوفييت (كمستشارين) !! . أما الوزراء(سليمان لايق) و(جولاب زاي) و(أسلم وطن جار) فسوف يتناوبون علي زيارة خوست من وقت إلى آخر لمساعدة (شاه نواز) والارتباط من جانبه مع كابول. وبدأ تنفيذ القرار السوفيتي على الفور.

 

تأمين مطار خوست :

نجح (شاه نواز) في تطهير المناطق المحيطة بمطار مدينة خوست الذي وضعه رجال جلال الدين وباقي الجماعات المتعاونة معه في التنظيمات الأخرى تحت رحمة هجماتهم بمختلف أنواع الأسلحة.

ثم تقدمت القوات لتوسع الطوق الدفاعي حول المطار حتى أصبح في غير مقدور أسلحة المجاهدين الوصول إلى مدرج المطار وتهديد الحركة عليه. كذلك حطموا أكثر مراكز المجاهدين في تلك المنطقة إن لم يكن جميعها. وكان الهجوم الحكومي من الكثافة والتركيز بحيث انكمشت فعاليات المجاهدين حتى باتت غير محسوسة. وانسابت موجات بشرية من قوات المشاة تطهر المواقع الجبلية تحت حماية عشرات من طائرات الهيلوكبتر والطائرات القاذفة والمقاتلة. بالإضافة إلى قوة نيران أرضية تنطلق من نفس مدينة خوست، شهد جميع المجاهدين أنهم لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل من حيث الغزارة ودقة التوجيه. وكانت هذه النيران تُدارمن قبل ضباط سوفييت. ثم هدأت المعارك قليلاً.

 

هجوم مباغت:

وبواسطة هجوم كاسح باغت شاه نواز قوات المجاهدين في الرابع من أيام عيد الأضحى حيث لم يتوقع أحد من المجاهدين أن تهاجم قوات الحكومة في ذلك الوقت. لأن تلك القوات تهاجم عادة في أيام الأعياد لعلمها أن أكثر المجاهدين يفضلون قضاء الأعياد في عائلاتهم في معسكرات المهاجرين في باكستان.وفي هذا العام لم يغادر المجاهدون مواقعهم طيلة أيام العيد الثلاثة خوفاً من هجوم الجيش على مواقعهم وفي نهاية اليوم الثالث بدأ كثير منهم في مغادرة مواقعهم لزيارة عائلاتهم في المعسكرات. ولكن في ظهر اليوم الرابع  ضرب (شاه نواز) ضربته واقتلع المجاهدين من(ليجاة) وتقدمت قواته عبر الجبال حتى أصبحت على بعد خمسة كيلومترات فقط من (جاور). وتقدمت الآليات عبر منطقة (باري) في محاولة لاستخدام الطرق التي صنعها المجاهدون ومباغتة (جاور) من جانبها (الشرقي). وبعد أن قطعت الآليات عدة كيلومترات على هذا الطريق قامت مجموعة القائد (منان) وهو قائد يعمل مع حقاني ويقود رجاله من البدو الذين يعيشون في تلك المناطق. قام (منان) بضرب هذه القوة وتدميرها وفرالجنود تاركين الآليات خلفهم واستطاع رجال منان قيادة مدرعة واحدة وثلاث شاحنات وأحرقوا باقي الآليات حتى لا يعود الجيش ويستولي عليها من جديد.

وانتشرت عدة مجموعات في كمائن قوية على طول هذا الطريق فتخلى (شاه نواز) مؤقتاً عن فكرة إستخدامه. وركز مجهوده في التقدم عبر الجبال إلى (جاور) من جهة الشمال. تمكن (أحمد جول) من رد القوة الحكومية إلى الخلف وأعاد إحتلال (ليجاة) ثم استشهد يوم الجمعة (10/9/85). وكان فتح الله حقاني قد عاد من أداء فريضة الحج وكان قد فقد الإبصار في إحدى عينيه أثناء عمله في تمديد بعض الطرق الجبلية بواسطة المتفجرات وذلك قبل المعركة بشهرين تقريباً.

وتمكن فتح الله باستخدام إحدى الدبابات أن يحطم القوة فوق جبال (ليجاه) وأعاد احتلال المنطقة مرة أخرى. ثم استشهد بواسطة قذيفة مدفع ميدان في يوم الجمعة (17/9/85). أي بعد أسبوع واحد من استشهاد (أحمد جول). وعلمت الحكومة بالخبر فأمرت بالهجوم مرة أخرى فتمكنت القوات الحكومية من العودة إلى ليجاة والاقتراب من (جاور)على نفس البعد السابق وأصبح الموقف في غاية الخطورة بالنسبة للمجاهدين.عاد جلال الدين حقاني من الحج بعد أن استشهد أركان حربه الأساسيين(أحمد جول) و (فتح الله) وكان جلال الدين قد قرر السفر فجأة لأداء الحج كمحاولة لطلب العون المادي من المسلمين في ذلك الموسم فقد اقتربت ديونه من رقم السبعة ملايين روبية باكستانية، وهي الحد الأقصى من التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها من تجار المنطقة الحدودية في شراءالطعام والوقود والذخائر. وبدأت تتوقف التسهيلات والقروض في أحرج أوقات المعركة.على أي حال عاد جلال الدين من موسم الحج بدون أن تنجح مهمته ووجد بدلاً من ذلك رفيقي جهاده وأركان حربه قد استشهدا وكانت تلك أقسى ضربة تلقاها منذ بداية الجهاد . كما وجد “شاه نواز” قد أطل برأسه على”جاور”وأصبح على مرمى حجر منها .

 

إيجابيات المعركة :

تحولت (جاور) إلى رمز للمقاومة الأفغانية. حشد حقاني قواته للدفاع عن جاور بعد أن عززها بتلك القوات التي انسحبت من ليجاة. وتدفق آلاف من معسکرات المهاجرين يحملون السلاح ويكونون فصائل تضع نفسها تحت إمرة جلال الدين.وإمتلأت الجبال والشعاب بمئات الكمائن وضرب حول (جاور) نطاق كثيف من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات. وجاء إلى جاور (حكمتيار) وبالتعاون مع جلال الدين أنشأ قوة للدفاع عن ميمنة (جاور) وزودها بعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، وكانت تلك بادرة لم تحدث منذ بداية الجهاد.

وإلى جاور وصل (مولوي يونس خالص) رئيس حزب إسلامي، وسلم جلال الدين كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة. كما أرسل سياف رئيس حزب (الاتحاد الاسلامي لتحرير أفغانستان) معونات مالية وأسلحة إلى حقاني للدفاع عن (جاور) وكانت تظاهرة تضامن حقيقية لم يشهد مثلها الجهاد الأفغاني من قبل. (علمنا فيما بعد دور المخابرات الباكستانية في إجبار وتهديد زعماء الأحزاب للتعاون في معركة خوست خشية أن يتمكن السوفييت من إغلاق منافذها الحدودية).

 

لحوم الأضاحي .. تصل الجبهة :

كان موقف المهاجرين في تلك المعركة ظاهرة لم تحدث قبلاً.. فقد انتفض المئات من حالة السلبية في المعسكرات وتحولوا إلى مقاتلين يتقدون حماساً. حتى زادهم القليل من الطعام حولوه إلى الجبهة واستأجروا سيارات على نفقتهم تحمل الخبز ولحوم الأضاحي التي تبرع بها حجاج بيت الله إلى المهاجرين. حولوها إلى الجبهات ولم يطعموها أبناءهم الذين نسوا اسم اللحم وليس طعمه فقط. وقد اضطر القادة إلى رجاء المهاجرين بأن يوقفوا إرسال الطعام لأن الكميات التي تصل أكبر بكثير من احتياجات المجاهدين ومن القدرة على النقل إلى  مراكز القتال فكان أكثر الأطعمة يتلف.

كما طلب قادة المواقع من كثير من المجاهدين العودة إلى أماكن قريبة من الحدود لحين الاحتياج إليهم .لأن كثافة المقاتلين أصبحت أكثر من المطلوب وقد يؤدي ذلك إلى ارتباك في الحركة وازدياد نسبة الإصابة من جراء الطيران الذي لا يكاد يهدأ طول اليوم ، والمدفعية السوفييتية التي تعمل على مدار اليوم بأكمله. وعلى وجه العموم كانت الإيجابيات التي أفرزتها المعركة أبعد أثراً من تلك السلبيات التي انكشفت. وكان يمكن تطويرها لكي تصبح مرتكزاً جديداً لإصلاح مسيرة الجهاد في أفغانستان.

 

كذبة تحولت إلى كارثة :

نعود إلى (شاه نواز) الذي وجد نفسه للمرة الثالثة في أقل من عشرة أيام يقترب من هدفه المنشود وتصبح (جاور) على بعد خمسة كيلومترات فقط. وفقد المجاهدون في أسبوع واحد إثنين من أفضل قادتهم الذين طالما تمنت كابول منذ سنوات أن تتخلص منهم بشتى السبل ولكن بلا جدوى. وها هو (شاه نواز) يتخلص من الرجلين في أسبوع واحد. وتصبح (جاور) على قاب قوسين أو أدنى. ما أن سمع (شاه نواز) باستشهاد فتح الله حقاني بعد أن استشهد (أحمد جول)، وعلم أن قواته تقدمت إلى هذا المدى، حتى أرسل برقية عاجلة إلى كابول يعلن سقوط قاعدة (جاور) وذهب إلى إذاعة خوست ليزف الخبر بنفسه ويعلن انتصاره على الملأ.

استلمت كابول إشارة (شاه نواز) واستمع سكان العاصمة إلى صوته يدوي من راديو خوست يعلن سقوط (جاور). كان ذلك في السابع عشر من سبتمبر  (1985). وطار على الفور فريق عسكري من المكلفين بقيادة عمليات خوست تحت إشراف (شاه نواز).

تكون الوفد من الجنرال (غلام رسول) والجنرال (حميد الله) وأحد كبار المستشارين السوفييت المسئولين عن العملية. استقل الوفد طائرة هيلوكبتر مقاتلة وتوجه إلى (جاور) على الفور.

طارت الهيلوكبتر فوق (ليجاة) وشاهدت الاستحكامات الحكومية والجنود بثيابهم العسكرية يملأون قمم الجبال، وواصلت الهيلوكبتر تقدمها نحو (جاور) وهي تتوقع أن تشاهد نفس المنظر ولكنها فوجئت بالسماء وقد تحولت إلى جحيم ومئات من طلقات الرشاشات الثقيلة تصطدم بجسم الطائرة، وأدرك ركاب الطائرة على الفور أن جاور لم تسقط واستدارت الطائرة نحو خوست في محاولة للفرار.. ولكنها انفجرت في الجو وتساقط حطامها.. ليجد المجاهدون في الحطام جثث الركاب.. وتعرفوا من بينها على جثتي الجنرالين الأفغانيين والمستشار الروسي.

وكان يعتقد في بادئ الأمر أن (شاه نواز) كان بداخل الطائرة. ولكن صوته جاء لينبعث مرة أخرى من إذاعة خوست ليعلن مصرع الجنرالين ويعلن أيضاً أن (جاور) لم تسقط بعد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الطائرات تلقي منشورات إسلامية :

لم يفلح رئيس الأركان في دفع جنوده لإقتحام الكيلومترات القليلة الباقية للوصول إلى قاعدة (جاور).فقد أصبح الطوق الدفاعي حول القاعدة رهيباً. وكان على القوات المهاجمة أن تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح مقابل كل بوصة تستولي عليها.

ولم تفلح غارات الطائرات في تكسير الطوق الدفاعي للمجاهدين رغم استخدامها للنابالم والقنابل العنقودية. وجوبهت بنيران كثيفة من الأسلحة المضادة للطائرات لدى المجاهدين. قرر (شاه نواز) بسرعة أن يغير تكتيكه في الهجوم. بدأ خطتة الجديدة بمحاولة لإضعاف معنويات المجاهدين. فأخذت طائرات الهيلوكبتر تلقى أطناناً من المنشورات تشيد بحكومة الرئيس “كارمل” وتدعي أنها حكومة إسلامية وتعمل لصالح الإسلام.

وتشيد بالسوفييت والجيش السوفييتي كصديق جاء يدافع عن الشعب الأفغاني.. وتهاجم المجاهدين وتدعي ضدهم شتى الإدعاءات. ووقف المجاهدون موقفاً عملياً من منشورات (شاه نواز) فكانوا يجمعونها ويستخدمونها كوقود يطبخون عليه طعامهم ويصنعون عليه الشاي الأخضر. أخذ (شاه نواز) يعيد توزيع قواته وركز قوات جديدة على ميمنة وميسرة (جاور) ليصبح الهجوم من ثلاث شعب بدلاً من شعبة واحدة. شعبة تنطلق من (باري) الواقعة على يمين جاور، وشعبة أخرى من دارجي الواقعة على يسارها،  بجانب الهجوم من المحور الأول من (ليجاة) في اتجاه (جاور)

 

انهيار الجنرال :

كانت معنويات الجنود في تدهور مستمر نظرا لطول فترة الاشتباكات و لعدم قدرتهم الاحتفاظ بمواقعهم الحساسة أمام الهجمات المضادة للمجاهدين. وفقد (شاه نواز) بريقه في أعين الجنود وصاروا يتثاقلون في تنفيذ الأوامر. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أوامر التقدم  واحتلال قمم الجبال. حتى الضباط بدأ ينتشر بينهم التذمر. وسجل المجاهدون محادثات لاسلكية بين الضباط وقياداتهم  في خوست.

 وبين العسكريين في خوست والقيادات في (كابول) تبادل فيها الجميع  أفحش السباب واتهامات الجبن والعمالة. في المقابل فقد رئيس الأركان ثقته بالضباط وصار يتنقل بواسطة سيارة مدرعة ليشرف بنفسه على  تنفيذ الأوامر من موقع إلى آخر.

وصار يقضي معظم ساعات الليل والنهار في الحركة الدائبة ليشرف على الأمورجميعها بنفسه. وصار الجنرال المشهور أكثر عصبية وانتابته حالة من الهياج الشديد. وأخذ يوزع السباب واللكمات على الضباط والجنود، وأدرك الجميع أن “شاه نواز” الشهير قد فقد الثقة بنفسه أيضاً، وبدأ ينهار.

 

نهاية شاه نواز:

في صباح العشرين من سبتمبر ركب (شاه نواز) سيارة مصفحة وبرفقته اثنين من المستشارين السوفييت الذين أصبح لا يثق إلا بهم بعد أن تقاعس ضباط الجيش وفترت همتهم. ركب في المدرعة أيضاً أربعة من الجنود لحراسة الجنرال والمستشارين وأمر (شاه نواز) سائق المصفحة أن يتحرك بهم من (دراجي) إلى (البتلون) جنوبي خوست. أسرع السائق يلبي الأمر، وسلك الطرق الفرعية الوعرة متفادياً الطريق الرئيسي .  فنهره الجنرال  وأمره باستخدام الطريق الرئيسي، ولكن السائق ارتبك وحاول أن يشرح للقائد أن الطريق قد يكون مزروعاً بالألغام.

فثارت ثائرة الجنرال وجن جنونه ورماه بالجبن وأسمعه سيلاً من الشتائم العسكرية البذيئة. انحرف السائق جهة اليسار ليستخدم الطريق الرئيسي وقد امتقع لونه هلعاً من الجنرال وخوفاً من احتمالات الموت المتربص تحت تراب الطريق. وبعد أمتار قليلة حدث ما كان يخشاه السائق وانفجر لغم مضاد للدبابات تحت السيارة المصفحة فقُتل الجنرال والمستشارين على الفور. وكذلك الحراس الأربعة بينما جُرح السائق جراحاً خطيرة.

 

كذبة واحدة أضاعت الهجوم:

لم يعلم المجاهدون بمصرع (شاه نواز) إلا من إذاعة خوست. وأُذيع النبأ من  إذاعة خوست ثلاث مرات ثم عادت لتنكره مرة أخرى. وفي اليوم التالي تأكد النبأ من راديو كابول كما أكده أيضاً العديد من الضباط والجنود الأفغان بل من بعض ضباط الإستخبارات الأفغانية الذين فروا أو سلموا أنفسهم للمجاهدين. كان الفارق بين حادثة سقوط الهيلوكبتر ومصرع ( شاه نواز) أربعة أيام فقط. وبسبب كذبة (شاه نواز) التي ادعى فيها سقوط (جاور) لقي إثنين من كبار الجنرالات الأفغان مصرعهم في الهيلوكبتر التي جاءت لتشهد سقوط جاور. وبعدها فقد الجنرال أعصابه وأمر سائق سيارته أن يسير في طريق ملغوم. فقتل هو أيضاً. وبهذا كانت كذبة الجنرال السبب الرئيسي في فشل كل البرنامج العسكري الضخم الذي أعده السوفييت وحكومة كابول من أجل إخضاع محافظة باكتيا.

 

اجتماع جنائزي:

هبطت في خوست طائرات هيلوكبتر تحمل كبار رجال الجيش والحكومة لبحث الكارثة التي حلت بأكبر عملية عسكرية شهدتها أفغانستان منذ الاحتلال الروسي للبلاد. حضر سليمان لايق وزير شئون القبائل وجولاب زاي وزير الداخلية الذي راهن على زوجته بأن (شاه نواز) لن يستطيع دخول قاعدة  (جاور).ولا شك أنه شعر بالسرور لأن زوجته قد خرجت سالمة من هذا الرهان الحرج. حضر أيضاً الجنرال (أسلم وطنجار) البطل القومي للشيوعيين في أفغانستان. وبعد مباحثات استمرت عدة  أيام قرر الجميع أنه لا فائدة من متابعة الهجوم.

 

حقاني يستعيد ليجاة:

لم يكد المجتمعون في خوست ينفضون حتى كان جلال الدين حقاني على رأس رجاله قد طهروا تماماً قمم الجبال في ليجاة. ودفع جنود الحكومة بلا هوادة حتى أدخلهم مرة أخرى إلى وادي خوست ورفع رجاله آلاف الألغام المضادة للأفراد كان الجيش الأفغاني زرعها فوق الجبال وفي الوديان. وأعادوا زراعتها في الطرق التي يمكن  أن يستخدمها جنود الجيش. اندفعت مجموعات كثيرة لتطهر المناطق الشرقية من جاورفي (باري)، والغربية في (دارجي) وفي غضون أيام قلائل عاد الوضع العسكري حول خوست لما كان عليه قبل بداية الحملة العسكرية. باستثناء أن جلال الدين لم يرسل رجاله إلى وسط، الوادي في (لاغوراي) نظراً لكثافة الألغام التي وضعتها الحكومة حول المنطقة.

 

 

مدرسة الحرب:

يقول حقاني: إن القوات الحكومية فقدت سبعة جنرالات في معارك خوست وهذه أكبرخسارة تقع بالجيش الأفغاني منذ بداية الجهاد. ونحن أيضاً خسرنا اثنين من أفضل قوادنا باستشهاد مولوي (أحمد جول) ومولوي فتح الله حقاني بالإضافة إلى استشهاد القائد الشجاع (داد مير) الذي استشهد في الأيام الأخيرة للمعركة وظل المجاهدون يقاتلون لمدة أربعة أيام لكي يستعيدوا جثته من منطقة تسيطر عليها القوات الحكومية. إن خسائر مثل هؤلاء القادة الكبار أمر محزن لجميع المجاهدين. ولكن الدروس التكتيكية التي استفدنا منها فى هذه المعركة لا تقدر بثمن وسوف تساهم في تطوير تنظيمنا القتالي بدرجة كبيرة.

 

تعليقات على المقال:

(1) .. حملة السوفييت هذه على باكتيا فازت بهذا اللقب، أشرس حملة عسكرية منذ التدخل السوفييتي. وفازت بنفس اللقب حملة عام 1986 ضد جاور. وقد كانت فعلاً أشرس من حملة 1985. ثم جاءت حملة شتاء (88/87) لتصبح أكبر حملة فازت بتغطية إعلامية دولية وسوفيتية رغم كونها مجرد تمثيلية ومؤامرة لتغطية السوفييت وحفظ شرفهم العسكري قبل الانسحاب. وحملة العرب في جاجي (بقيادة أسامة بن لادن) كانت أخطر وأهم عمل للعرب في أفغانستان وبداية مولدهم الجهادي. ومعركة خوست التي انتهت بفتح المدينة في مارس 1991، كانت الضربة القاصمة للنظام وأدت إلى إسقاطه. وهكذا كانت باكتيا في تاريخ تلك الحرب، هي الحلقة المحورية التي شكلت نهايتها المنتصرة.

(2) .. نجاحات حقاني العسكرية، وزيادة توافد العرب إلى جبهاته إلى حدٍ ما. زاد من قيمة التسهيلات الاقتصادية التي يحصل عليها من تجار منطقة القبائل. وقد كَبَّدَهُ فتح خوست وحدها ديوناً بلغت أكثر من خمسين مليون روبية باكستانية لم يستطع حقاني تسديدها فى وقتها نظراً لتوقف التبرعات الخارجية .

(3) .. ظل الاعتقاد سائداً لعدة أشهر أن شاه نواز قد قُتل فعلاً في ذلك الحادث. ولكنه أُصيب إصابات بليغة وفقد الوعي في الحادث حتى ظنوه في البداية قتيلاً خاصة وهوغائص في بحار من الدماء وسط أشلاء من جثث مرافقيه. وقد نُقل الجنرال إلى كابول واختفت أخباره لفترة طويلة، ثم عاد مرة أخرى على قمة الجهاز العسكري الأفغاني. وكانت مفاجأة غير سارة للمجاهدين في مارس 1990 حين قام بعملية انقلاب فاشلة وفرَّ من كابول إلى باكستان ليعلن تحالفه مع حكمتيار من أجل إقامة حكومة (ثورية إسلامية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 12




مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

– من البلاهة الاعتقاد أن أمريكا ترامب، يمكن أن تكون موضع ثقة.

– ترامب يرى في مفاوضات أفغانستان مجرد ورقة في حملته الانتخابية.

– الولايات المتحدة أعادت تموضعها على الأرض وحددت أماكن جديدة لإنتاج الهيروين وطرق نقله، وجزء من خطوط العمل الجديدة كانوا يتبعونها خلال حقبة الاحتلال السوفيتي.

– القوة القتالية الضاربة هي “بلاك ووتر” الجديدة التي تتقاسمها إسرائيل مع الإمارات.

– الخطط الأمريكية الجديدة لصناعة الهيروين قد تؤدي إلى تقسيم أفغانستان.

– على هامش صناعة المخدرات ضَرَبَ الفساد الجنرلات الأمريكيين خاصة مع اقتراب نهاية الحرب.

– قاعدة بجرام أضحت غير آمنة للأمريكيين، فاضطروا إلى إعادة نشر قواتهم في مناطق أخرى داخل وخارج أفغانستان!!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الانتخابات الرئاسية هدف ترامب الأول، والتجديد لولاية ثانية أهم عنده من كل العالم ومشاكله. ترامب، إلى جانب أنه غبي وعنصري قلبا وقالبا، ومع ذلك دأب على تركيز مفاتيح القوة بين يديه، خاصة الجيش والمخابرات، والسيطرة عليهما بأيدي أزلامه الخاضعين لنزواته المريضة. ويقول إنه في حاجة إلى أحد هؤلاء الأتباع للسيطرة على وكالات المخابرات بدعوى أنها “خرجت عن السيطرة ” وفي حاجة لمن “يكبح جماحها”. ويبدو أن ترامب يسير بأمريكا صوب نوع من الفاشية العالمية الحمقاء.

الجيش هو الآخر مستاء إذ يرى أن الرئيس يستخدمه كورقة في حملته الإنتخابية. وظهر تمرد القادة الكبار عندما رفضوا حضور استعراض عسكري دعاهم إليه الرئيس.

من خلال الدفع قدما بصفقة القرن يشتري ترامب الدعم اليهودي لإعادة انتخابه رئيسا. و”منامة” البحرين قدمت كل ما تستطيع لإنجاح وليمة التطبيع الاقتصادي والسياسي مع إسرائيل. والآن يركز ترامب على “الدوحة” لاقتناص مكسب انتخابي، بعقد اتفاق مع الإمارة الإسلامية يتيح له الحفاظ على مكاسب احتلاله لأفغانستان بدون تكبد مشقة الاحتلال. فرمى الكرة في ملعب الأفغان مظهرا نفسه بمظهر الوسيط الطيب فاعل الخير الذي جاء لإحلال السلام بين الأفغان عشاق الحرب.

ــ من البلاهة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ـ خاصة تحت قيادة ترامب ـ يمكن أن تكون موضع ثقة. فقد خاض ترامب سباقاً لتمزيق كل الاتفاقات الدولية مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء. بدأ بإتفاقية المناخ وانتهى بالخروج من اتفاقية الصواريخ  المتوسطة والقصيرة المدى، كما خرج من الاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي هدد بإشعال منطقة الخليج لتصبح أزمة ربما تؤدي إلى حرب عالمية.

ــ في غمرة صخب ترامب وهوسه بالاستمرار في الحكم وتجميع مصادر قوة الدولة الأمريكية بين يديه، وتحويله أفغانستان إلى مجرد ورقة انتخابية، والمفاوضات إلى مجرد مناورة مخادعة، من المفيد أن نتذكر الدافع الحقيقي للحرب وهو الأطماع الاقتصادية. فمازالت تلك الأطماع موجودة ومستمرة. قد تتغير صور السيطرة، وقد يقل استخدام القوة العسكرية أو يزداد، ولكن تلك المصالح مستمرة. ونتيجة للضربات الجهادية فإن الاحتلال مضطر للبحث عن أساليب أخرى للحفاظ على مكاسبه. خاصة بعد اعتراف الاحتلال في وثائقه الرسمية بأنه فقد السيطرة على 85% من الأراضي المزروعة بالخشخاش. وذلك يعني خسرانه للحرب بنفس النسبة تقريبا. مع العلم أن النسبة الباقية (أي15%) ليست آمنة ولا مضمونة في ظل الضربات المتواصلة التي تستهدفه أينما كان.

والموقف العسكري في الميدان هو الذي يملي على الاحتلال الأمريكي أشكال التحرك السياسي بما فيها التفاوض أو الانسحاب. وقد أنجزت الإمارة الإسلامية تقدما كبيرًا على الأرض خلال العام الأخير. وهنا نشير إلى أن الولايات المتحدة قد أتمت ـ تقريبًاـ إجراءات المرحلة الجديدة من التدخل في أفغانستان. فمن أجل الحفاظ على نصيبها في ثروة الأفيون أعادت تموضعها على الأرض وحددت أماكن جديدة لإنتاج الهيروين وطرق نقله، وجزء من الخطط الجديدة كانوا يتبعونها خلال حقبة الاحتلال السوفيتي.

المكسب الكامل تحققه أمريكا في أفغانستان في حال انخراط رجال الإمارة الإسلامية في نظام كابول الحالي. فمن المزايا الهامة التي يحصل عليها الاحتلال هي توقف القتال وحصوله سلميا على كل ما يريده من أفغانستان أو تريده حليفته إسرائيل التي وضعت بعض تواجدها العسكري والاستخباري والاقتصادي في أفغانستان تحت شيء من الأضواء، وإن كان معظمه مازال مخفيا بشدة.

فبالنسبة لصناعة الهيروين يمكن أن تستمر الآليات الحالية كما هي ( باستمرار قاعدة بجرام كعاصمة للهيرويين في العالم)، وأن الخطة البديلة التي اكتملت معظم حلقاتها الآن، قد تتحول إلى مسار ثانوي أو احتياطي للطوارئ، كما أنها تصلح كقاعدة لتقسيم أفغانستان بشكل غير معلن ولكنه مكتمل المواصفات. تكلم عملاء لأمريكا في مؤتمر الدوحة للمدنيين عن (أفغانستان الموحدة) وربما كانوا يهددون باحتمالية التقسيم إذا لم تنضم الإمارة الإسلامية إلى موكب الحكم الفاسد والعميل في كابل.

 

عودة مشروع “تابي” والمحرقة النووية :

يرى ترامب أن انخراط الإمارة الإسلامية ضمن نظام كابول، مع وقف القتال، سوف يسمح بالانطلاق الفوري والسريع لخط أنابيب (تابي) من آسيا الوسطى صوب الهند. وكذلك باقي كنوز النفط والغاز سوف تجد طريقها إلى بحر العرب عبر ميناء جوادر في باكستان. فالحرب الجهادية أصابت ذلك المشروع بالشلل وأضرت كثيرًا بمصالح شركات النفط الأمريكية وشركائها الخليجيين، وعلى الدوام كانت هناك جبهة كاملة تقاتل في الدوحة من أجل انبعاث  “تابي” من جديد.

– التوازن العسكري على أرض أفغانستان حاليا ليس في مصلحة الاحتلال، ويميل بشدة لصالح مجاهدي الإمارة الإسلامية بشكل متواصل نتيجة عجز الاحتلال عن إيجاد عناصر فعالة لإعادة التوازن لصالحة، باستثناء أحلام اليقظة التي عبر عنها ترامب من أنه رقيق القلب لدرجة إنه لا يريد قتل عشرة ملايين أفغاني لحسم الحرب في يومين أو ثلاثة. وقد انتابته نفس الحالة العاطفية عندما أسقطت إيران واحدة من أهم طائرات التجسس الأمريكية، فادَّعى أنه أوقف ردا صاعقاً خشية أن يقتل 150 من الحرس الثوري!!.

واضح أن ترامب يهدد باستخدام السلاح النووي ضد الشعب الأفغاني إذا استمرت الإمارة الإسلامية في نفس المسار الذي سيؤدي حتما إلى هزيمة واضحة لأمريكا في أطول حرب في تاريخها، وإلى إحباط أطماعها النفطية والأفيونية، وإلى سقوط النظام العميل واستيلاء الحركة على العاصمة إيذانا بعودتها إلى الحكم. فيلوح ترامب بسلاحة النووي لوقف انهيار أحلامه ومشاريعه في أفغانستان. وذلك ليس بالموقف الجديد فقد سبق وأن هدد السوفييت باستخدام السلاح النووي لمنع سقوط مدينة خوست في يد المجاهدين لأن ذلك سوف يتسبب في سقوط النظام الشيوعي. في ذلك الوقت رفض المولوي حقاني التهديد الذي حمله إليه “أصدقاء” ، وقال:(سنتوكل على الله ونفتح خوست)، وهذا ما حدث. وفُتِحَت خوست وسقط النظام الشيوعي. وما أشبه الليلة بالبارحة، فكابول الآن جاهزة للسقوط والجيش الأمريكي معظمه قد رحل بالفعل، ولم يتبق سوى مرتزقة اليهود وأشباه اليهود.

 – والجدير بالذكر أن أحدًا لايجرؤ على استخدام سلاحه النووي حتى ضد ضحية لاتمتلك ذلك السلاح. في بداية خمسينات القرن الماضي لم يدرك الجنرال ماك أرثر تلك الحقيقة وطالب الحكومة الأمريكية أن تسانده بضربة نووية ضد القوات الكورية والصينية، فعزلته القيادة الأمريكيية. والآن لا يجهل أحد حقيقة أن أي إطلاق نووي جديد بعد هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية سيكون إطلاقا جماعيا خارج السيطرة، ولن تتاح أبدا فرصة لأي طرف حتى يدرك مَنْ قصف مَنْ . وبعد تلك المحرقة النووية لن تتذكر البقايا البشرية أي شيء ولا حتى شكل العالم قبل المحرقة.

مصادر صحفية أمريكية قالت أن ترامب مستعد لتخفيف عدد قواته في أفغانستان من رقم14000 إلى رقم 9000 أو 8000 أي العودة إلى نفس الرقم القديم الذي ورثه عن سلفه اللدود (أوباما) . أي أنه لم يقدم شيئا للإمارة الإسلامية سوى فرصة لحصولهم على مناصب في حكومة جديدة من المفترض أن يتم تشكيلها بعد انتخابات سبتمبر.

لابد من ملاحظة أن الأمريكيين لن يسحبوا قواتهم إلا بضغط عسكري كبير، وبدون ذلك قد يبقون إلى الأبد. وما يفعلونه الآن في سوريا والعراق يؤكد ذلك. فكلما توقف الضغط العسكري زادوا من قواتهم وتدخلهم وتحكمهم في البلد المنكوب ، بل زادت صلافتهم وتجبرهم في التعامل مع الشعوب والحكومات.

حال الجيش الأمريكي في أفغانستان لا يعطي أملا كبيرا لترامب في الفوز بورقة انتخابية رابحة. وبالكاد تكفي القوات الأمريكية للدفاع عن نفسها في قواعدها الجوية. وبشكل متصاعد تصبح تلك القواعد مهددة من خارجها ومن داخلها بما في ذلك قاعدة(بجرام) قلب الاحتلال وعقله وعضلاته الضاربة. وأي مغامرة عسكرية والابتعاد عن القاعدة الجوية تعتبر مجازفة خطيرة. وبهذا يمكن اعتبار أن الدور القتالي الحقيقي لم يعد موكلا بالقوات الأمريكية. بل تحققت بالكامل نظرية تكليف القطاع الخاص بتلك الحرب حسب النظرية التي طرحها المستشار الإستراتيجي (ستيف بنون) على ترامب في بداية حكمه . وأصبحت شركة المرتزقة (بلاك ووتر) الجديدة، التي تتقاسمها إسرائيل مع الإمارات، هي الذراع المقاتل الحقيقي. ذلك النشاط القتالي يغلب عليه الطابع الاستخباري، ويعتمد على الاغتيالات الممنهجة ضد قيادات ذات أهمية، وعمليات المداهمة ضد القرى والأهداف المنعزلة. وهذه غالبا ما تتم بعد متابعات بالتجسس الجوي والأرضي.

اغتيال قيادات الإمارة الإسلامية في الداخل والخارج كان استراتيجية مقترحة عربيا عن أجل تحطيم صلابة الموقف التفاوضي للإمارة الإسلامية في الدوحة. وخلال الجولة الحالية من المفاوضات اغتال العدو حاكم ولاية فراه ومساعدوه، وقد نجحت قبل ذلك عدة عمليات من نفس الطراز.

ولكن عمليات المداهمة تواجه الآن إجراءات مضادة أكثر حسما على مستويات متعددة . سواء بالتصدي المباشر بحيث ينتهي العديد منها بكوارث، سواء بإبادة كاملة أو شبه كاملة للوحدات الخاصة المهاجمة، أو بإحراق المروحيات التي تنقلهم أو تحميهم، وهي في الجو أو عند هبوطها على الأرض. وانتقلت المواجهة الجهادية إلى المستوى الهجومي ضد القوات الخاصة والطائرات في القواعد الجوية نفسها، أو عند تحركهم خارج قواعدهم. وهناك أنباء عن اغتيال قادة من تلك المجموعات الخاصة وهم خارج عملهم القتالي. حتى أن طيارين حربيين اختُطِفوا وأعْدِموا بطريقة رادعة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

طالبان في حرب الاستخبارات :

–  أمريكا تخوض حربا استخبارية تقودها المخابرات الأمريكية، وتنفذها شركة مرتزقة من القتلة المزودين بأرقى وسائل التكنولوجيا ، فكان لزاما على مجاهدي الإمارة الإسلامية التركيز على العمل الاستخباري بشكل لم يحدث من قبل، لأنه طابع الحرب الجديدة التي لم تعد حربا للمواجهات العسكرية واسعة النطاق. وحتى عند الهجمات الكبرى مثل الاستيلاء على المدن الأساسية (العاصمة وما دونها) سيكون أساسها المعلومات الاستخبارية. وكما ظهر في الإستيلاء على مدينة غزني، وكيف أن أسلوب الاقتحام ، وحتى المعارك داخل المدينة كان قائما على عمل استخباري دقيق ومحكم .

–  حالة التحلل والفساد داخل النظام الحاكم وأجهزته العسكرية والأمنية أعطى ميزة كبرى للإمارة الإسلامية كي تبني شبكات استخبارية فعالة، وعلى مستويات متعددة داخل أجهزة الدولة  ومن حسن الحظ أن الفساد قد زحف إلى صفوف الجنرالات الأمريكيين. فالحرب بالنسبة لهم على وشك الانتهاء ، ومازالت أرقام حساباتهم البنكية لا تكفي للخطط المستقبلية التي حددوها لأنفسهم .

نتكلم عن الفساد الذي ضربهم على هامش نشاط الأفيون والهيروين، وهو الأوسع على نطاق العالم ، بل ويشكل محور الحياة الاستعمارية في أفغانستان، حتى طال الفساد صميم الحياة العسكرية نفسها ، وأصبح المنصب والمعدات والعلاقات مصادر محتملة لاكتساب الثروة .

أما الجنرالات الأفغان فقصص فسادهم أوشكت أن تصبح ضمن الأدب الشعبي يحكونها في الأغنيات وجلسات السمر. فليست المعلومات فقط هي السلعة بل السلاح والذخائر ، والمخدرات، والوظائف العسكرية، وحركة التنقلات والتعيينات.

ليس لدى الإمارة الإسلامية طائرات استطلاع أو أقمار صناعية، ولكن قدرتهم على المعرفة تفصيلية لكل ما هو فوق الأرض وما تحتها، وفي كافة دهاليز قوة العدو.

–  ليس سراً أن يكون الانكشاف الاستخباري قد دفع العدو إلى تغييرات جذرية في ترتيباته العسكرية والاستخبارية . نتكلم هنا عن CIA في أفغانستان بما تشمله من موساد إسرائيلي وإماراتي.

 قدرة الإمارة الإسلامية على إحداث الاختراقات الاستخبارية جعلت قاعدة بجرام غير آمنة أو كافية لكل ذلك النشاط العسكري/ الاستخباري الأمريكي، فاضطر العدو إلى إعادة انتشاره إلى خارج بجرام، بل وإلى خارج أفغانستان نفسها.  ويمكن اعتبار ذلك انسحابا فعليا وتأسيسا لمرحلة جديدة من التدخل وحفظ المصالح الاستعمارية فيما بعد الاحتلال المباشر.

–  تعترف التقارير الأمريكية أن الإمارة الإسلامية تسيطر هذا العام على مساحات من الأرض أكثر من أي وقت مضى. فلم يتبق أمام الأمريكيين لإحراز نجاحات سوى قتل المدنيين بالطائرات، ثم تأتي الأمم المتحدة لتُقَسِّم أعداد قتلى المدنيين بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية.

أما الجيش الأفغاني فليس لديه أي إنجاز عسكرى سوى بيانات عسكرية مكذوبة أفرزتها خيالات الجنرالات في غرف مليئة بدخان الأفيون. أما دخان المعارك فهو من نصيب الجنود الذين يعانون من أكبر نسبة من الخسائر في الأرواح. وتدنت معنوياتهم لدرجة الفرار من المعارك حتى قبل أن تبدأ.  أما مستوى تدريبهم فهو يقترب من الصفر وبعضهم لا يجيد حتى إستخدام سلاحه الشخصي. ولا ينطبق ذلك على جنود القوات الخاصة الذين يتمتعون بتدريب وتجهيز جيد ولكن بدون رغبة حقيقية في القتال رغم الرواتب المرتفعة والامتيازات المعيشية . ولكن مهامهم القتالية لم تعد مجرد نزهة آمنة بعد أن طور المجاهدون أساليبهم المضادة، فأصبح الموت يلاحقهم أينما كانوا ، سواء في الجو أو على الأرض، وحتى في تفاصيل حياتهم المدنية يلاحقهم شبح الانتقام .

– ومهما كانت أخطار ساحات المعارك فإن الخطر الحقيقي، يأتي دوما من فوق وتحت طاولات التفاوض .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

 

 




سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 161) | ذو القعدة 1440 هـ / يوليو 2019 م .                  

19/07/2019

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

– الحرب في أفغانستان أول تجربة طويلة وكاملة تقودها المخابرات الأمريكية .

– الحرب الجهادية هي حرب كل الشعب المسلم، المسلح منه وغير المسلح.

– لا الهيئات الدولية ولا طاولات التفاوض يمكنها الحفاظ على أرواح الشعب المدني.

– سحب الجيش الأمريكي من أفغانستان هو تحصيل حاصل، لأنها حرب استخبارات ومرتزقة. و يكتفي الجيش بحماية قواعده الأساسية مع أقرب حقول الأفيون إليها.

– أهداف حيوية واستخبارية يخفيها العدو بين الأحياء السكنية لحمايتها من هجمات المجاهدين .. فما هو الحل؟؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

استهداف المدنيين هو عماد الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في أفغانستان: وهو الوسيلة الوحيدة المتاحة لديهم لتحقيق بعض أهدافهم في ذلك البلد، ولديهم وسائل أخرى يأملون في أن تحقق لهم الكثير، اعتمادًا على حظ المقامرين. وليس ذلك بغريب على رئيسهم المقامر وكبار مستشاريه من المجازفين الحمقى.

الوظيفة الأساسية للقوات المحمولة جوًّا من المرتزقة والقوات الخاصة العميلة ـ ومنذ عدة سنوات كانت مهاجمة القرى والأماكن المعزولة، لارتكاب مجازرـ وأخذ أسرى، وسرقة محتويات البيوت، وإحراق مسجد القرية وقتل إمام المسجد وعدد من طلاب العلم. ثم الرحيل بالأسرى والغنائم للاحتفال “بالنصر” في قواعدهم العسكرية.

الطائرات المسيَّرة (درون) تعمل على مدار الساعة ضد الأهداف المدنية أساسًا. لقتل الزراعين في الحقول والمسافرين على الطرقات، وإحراق القرى. وما تبقى لديها من وقت وطاقة فتصرفه على برنامج اغتيالات منظم ـ أو عشوائي ـ تشرف عليه المخابرات الأمريكية التي تدير كل البرنامج الأمريكي في أفغانستان ـ العسكري منه والمدني. حتى أن حرب أفغانستان تعتبر وبجدارة أكبر تجربة عسكرية للمخابرات الأمريكية في تاريخها. لأنها حرب متكاملة طويلة الأمد، وليست عملية محدودة في الزمان والمكان مثل الكثير من تجاربهم الاستعمارية السابقة. والجيش الأمريكي العظيم منحصر داخل قواعده الكبيرة مكتفيا بمهام الحراسة لأقرب حقول الأفيون القريبة إليه، وذلك بمساعدة القوات المحلية، وكامل سلاح الجو.

– في الفترة الأخيرة زاد تركيز العمليات الاستخبارية / العسكرية على ضرب المراكز الصحية في أفغانستان ـ بوتيرة أعلى مما سبق.{فاستشهد وأصيب عدد كبير من خيرة الأطباء والممرضين، وأسر عدد آخر منهم} حسب بيان صادر عن اللجنة الصحية بالإمارة الإسلامية بيان آخر عن الإمارة كان موجزًا للغاية وبليغًا في تصوير الموقف بواقعية مريرة عندما قال: “استشهد طبيبين وطفلتين وإمام مسجد القرية على يد المحتلين في مركز ولاية غزنى”.

واضح التركيز الاستخباري العسكري على النوعيات البشرية التي يستهدفها الاحتلال: الأطباء ـ الأطفال، أئمة المساجد. ولا حاجة لتعليق أكثر.

وفي بيان صادر في نفس اليوم جاء فيه {إن جنود العدوّ والقوات المشتركة قتلوا مريضًا في زُرْمَت}. فالمريض مثل الطبيب كلاهما مستهدف والأطفال مثل أمة المساجد .. الجميع مستهدفون. زادت وتيرة استهداف المراكز الصحية نتيجة زيادة المأزق العسكري وعجز الأمريكيين عن فرض حل يناسبهم وتوافق عليه الإمارة الإسلامية. فالمفاوضات السياسية تدور حول نفسها ولا تسير إلى الأمام. والأفخاخ التفاوضية ـ والمؤمرات أحيانا ـ لم تحقق سوى القليل حتى الآن.

– تكثيف الضربات ضد المدنيين، وزيادة استهداف المراكز الصحية له علاقة بعملية التفاوض الدائرة من أجل ممارسة الضغط على الشعب فينتقل الضغط إلى المفاوضين، فيصبحون أكثر مرونة. فينتج اتفاق يوفر غطاءً لانسحاب أمريكي مريح بأقل قدر من التنازلات أو حتى بدون تنازلات إن أمكن.

 

رؤية ترامب للانسحاب :

في حديث صحفي للرئيس ترامب كرر أمنيته بالانسحاب من أفغانستان، حسب رؤيته الخاصة  التي وصفها بقوله:{ سنرحل ونترك تواجدًا استخباريًّا قويًّا جداً في أفغانستان !!}.

وذلك هو جوهر خطة ترامب، وما تبقى من تصورات هو لدعم ذلك التواجد الاستخباري القوي في أفغانستان.

فالمخابرات الأمريكية هي الجهة المسؤولة عن حرب أفغانستان وما يتفرع منها من قضايا اقتصادية (أفيون/ نفط / ثروات معدنية ..الخ) وقضايا جيوسياسية خاصة التأثير على التحرك الصيني الروسي الإيراني لإيجاد مركزية قيادية لآسيا منافسة أو موازية للنظام الدولي الأمريكي الأحادي.

وليس بغريب أن يكون وزير الخارجية الأمريكى (بومبيو) هو رئيس سابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكي، ويمثل سطوة المخابرات على وزارة الخارجية. وتناظرها سطوة شركات السلاح على البنتاجون ـ وفوق الجميع إيباك واللوبي الصهيوني المشرف على الدولة كلها، ويدير حروبها المالية والاقتصادية على العالم، نيابة عن اليهود، وتمهيدًا لظهورهم الأعظم من القدس كعاصمة دولية لهم.

– بشكل عام الجيش الأمريكي دوره ثانوي في حرب أفغانستان، ويأتي في المركز الثاني في الأهمية بعد المخابرات. وما تقوم به الجيوش من مهام قتالية تقوم به شركات المرتزقة (المتعاقدين)، وشركاتهم الكبرى التي تشرف عليها إسرائيل وبن زايد.

– يريد الجيش الأمريكي أن يتخلص من وصمة الهزيمة التي لحقت به في أفغانستان. واهتزاز هيبته وسمعته في العالم، بعجزه عن إخضاع شعب صغير محاصر، تداعت عليه الأمم. وينتظر الجيش الأمريكي أن يأتيه الفرج من الدوحة التي لا تنفك تبعث فيه الأمل بتسوية سياسية ترضى (الحليف الإستراتيجي). لهذا مازال بومبيو يبشر (باتفاق سلام مع طالبان قبل حلول شهر سبتمبر المقبل) .. كيف؟؟.. لا أحد يدري ولكن كل شيء ممكن الحدوث على شواطئ النفط. فصفقة القرن التي انطلقت من المنامة تبعث أمل الأمريكان في (صفقة العمر) من الدوحة .. التي وصلت صداقتها الاستراتيجية مع واشنطن على جميع الأصعدة إلى درجات غير مسبوقة حسب قول القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى قطر. وعلى هذا المنوال الأقوال أكثر وأعمق، ومن أعلى المستويات على الجانبين.

– إذًا لا معنى لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان لأنها ومنذ سنوات وهي تقوم بدور (الضيف عديم الشرف) الذي لا يفيد وجوده في تغيير مسار الحرب، ودوره منحصر في تكرار الجرائم التي يقوم بها المرتزقة بطريقة أكثر قسوة واحترافية.

سبتقى المخابرات المركزية تدير حرب أفغانستان بنفس الوسائل المتبعة حاليا. مع تعديلات في الترتيب السياسي الداخلي حسب”مخرجات” الدوحة التفاوضية التي تدور ـ حسب وكالات الأنباء ـ حول أربعة محاور هي:

مكافحة الإرهاب ـــ {وجود!!} القوات الأجنبية ــ الحوار بين الأفغان (أي بين طالبان وأعوان المستعمر!!) ــ التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار( !!).

 أما حسب قول المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري (لمكافحة الإرهاب !!) و(رفض المنازعات!!)، فالمفاوضات تشمل حقوق المرأة والأقليات ووقف إطلاق النار.. إلخ .

– سينسحب الجيش الأمريكي وتبقى المخابرات الأمريكية، ويستمر الاحتلال في ثوبه القديم / الجديد . وتبقى معاناة المدنيين وهي موضوعنا الآن .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

أمن المدنيين .. مسئولية من ؟؟ .

مناشدة الهيئات الدولية أن توقف عدوان الاحتلال على المدنيين هو مجهود لا جدوى منه . فتلك الهيئات في أفضل الحالات تلقي المسئولية بالتساوي على الاحتلال ومجاهدي طالبان.

ــ والمناشدة اللزجة الصادرة عن طاولات التفاوض هي الأخرى لا جدوى منها، بل العكس، لأن خسائر المدنيين ودماءهم تتحول إلى (بترول) يحترق لينتج طاقة تفاوضية، تدفع نحو حل أمريكي لمشكلة أفغانستان.

– يتبقى أن الحل الحقيقي والوحيد لمعاناة المدنيين في أفغانستان وهو استكمال المرحلة النهائية من الحسم العسكري حتى يضطر العدو الأمريكي إلى سحب جميع قواته العسكرية، وجميع تواجده الاستخباري وجميع شركات مرتزقته، وجميع الدواعش الذين استجلبهم من باكستان وتركيا وبلاد العرب، ليدافع عنهم بقواته وطائراته كلما تعرضوا لحصار أو هددتهم إبادة.

– معلوم أن القواعد الجوية للعدوّ ـ خاصة قاعدة بجرام ـ هي رأس الأفعى ومقر القوة المسلحة والاستخبارية للاحتلال. ولابد من تصميم برنامج خاص لحل تلك المعضلة ـ التي تستدعي سريعا ضرورة تطوير الأسلحة المستخدمة في ذلك، والحصول إلى إمكانات تكنولوجية حديثة أصبحت متاحة لحركات مقاومة تمر بظروف شبيهة لما يمر به مجاهدي أفغانستان.

– ومعلوم أن أسلحة الفقراء أصبحت تشمل الطائرات بدون طيار، والصواريخ المصنوعة بأبسط الوسائل. وقد أثبتت تلك المعدات قدرة تكتيكية كبيرة، أدت إلى تحولات استراتيجية في صراعات كبرى في المنطقة العربية تحديداً.

– تبقى مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن العدو يستخدم الأهالي في المدن كدروع بشرية، فينشئ مراكزه الهامة وسط الأحياء السكنية، معطيا إياها عناوين مضللة كمدارس أو نوادي رياضية أو معاهد تعليمية أو فروع لهيئات إغاثية .. إلخ ، وجميعها فروع استخبارية وعسكرية نشطة للغاية، وهناك مراكز رسمية هامة يراعون دفنها في عمق التواجد السكاني لردع المجاهدين من استهدافها.

وبالفعل نجح العدو في تحجيم العمل العسكري على هذه الأهداف أو حتى منعه، بينما مناقشات متفاوضي الدوحة ركزت على حماية المدنيين ـ ليس خوفا على المدنيين ـ بل حرصا على سلامة تلك الأهداف الاستخبارية المدسوسة في أوساط الأحياء السكانية.

يبقى على المدنيين الابتعاد عن المعروف من تلك الأهداف حتى يسهل للمجاهدين التعامل معها. أما الأهداف غير المعروفة ـ وهي الأكثر عددا ـ فالأفضل للمدنيين الابتعاد عن مكان الهيئات الأجنبية، أو الفروع المريبة لهيئات محلية أو أجنبية. وعلى وحدات المجاهدين المنتشرة في العاصمة والمدن الكبرى تنبيه السكان إلى (مواطن الشبهات) للابتعاد عنها.

فلا الهيئات الدولية، ولا طاولات التفاوض التي تتمخض كالجبال ثم لا تلد شيئا غير كائنات ضارة لا جدوى منها. كل ذلك لن يجدي في الحفاظ على سلامة المدنيين . فقط العمل الجهادي المدروس جيدا، والترابط الوثيق بين المجاهدين وقاعدتهم السكانية، هما فقط الوسائل المفيدة.

وسلامة المدنيين هي نفسها سلامة المجاهدين. الذين هم أبناء الشعب. وأي خسائر تحيق بالمجاهدين هي خسائر لجميع الشعب، وأي خسائر في صفوف المدنيين هي خسائر للمجاهدين، فالعدوّ يستهدف كلاهما، لأن الحرب الجهادية هي حرب الشعب المسلم، سواء المسلح منه أوالمدني غير المسلح.

 

ترامب وتسييس الجيش الأمريكي :

زاد انحدار الجيش ودوره في عهد ترامب أكثر مما كان في عهد من سبقوه .إذ استكمل ترامب

استبداله بشركات المرتزقة بقيادة استخبارية لجهاز CIA .

واستخدم الجيش داخليا كورقه انتخابية للترويج لإنتخابه لولاية ثانية. رغم فشله المشهود واعتراف الجميع بأنه الرئيس الأسوأ في تاريخ أمريكا المليء بالرؤساء الفاشلين، لأن المؤسسات الاقتصادية والمالية الكبرى هي التي تدير البلد، وليس تلك العرائس الخشبية التي تأتي بها مهزلة الانتخابات الديموقراطية.

رغم أن الجيش يحظى بنصيب الأسد في اعتمادات الميزانية {733 مليار دولار} إلا أن انحداره إلى مجرد ورقه انتخابية في الداخل ترافق انحدار سمعته الدولية كقوة ضخمة وحديثة لكن فاشلة وقليلة التأثير إلا على بلدان متهالكة فاشلة في الشرق الأوسط تحديدا.

فتحول الجيش إلى ورقة ابتزاز مالي للدول الغنية الفاشلة. ولكنه فشل في أفغانستان أمام شعب فقير معزول إقليميا ودوليا، حتى أن المخابرات المركزية هي التي تقود الحرب، الأطول في تاريخ أمريكا، ومعها جيش الدولة الأمريكية الذي فقد رغبته في القتال وقدرته على تحويل طاقته النارية إلى رادع معنوي أمام أي شعب مصمم على المقاومة مهما كانت درجة ضعفه.

الجيش الأمريكي مستودع بشري للفاشلين اجتماعيا والمهمشين والشواذ، أما الطموحين فالجيش بالنسبة لهم خطوة أولى نحو مستقبل مهني مزدهر في شركات المرتزقة الدوليين.

ترامب يحتقر جيشه ويعي قيمته المتدنية، وإنه مجرد فزاعة لإرعاب الشعوب المسحوقة، والأنظمة العميلة كثيرة الأموال معدومة الكرامة.

في احتفال عيد الاستقلال الأمريكي رفض كبار قادة الجيش الحضور، في خطوه اعتبرت ازدراء بالرئيس، الذي بدوره يزدري الجيش ويحوله إلى مجرد ملصق دعائي في حملته الانتخابية، وإلى فزاعة عالمية من ورق مقوَّى، رغم أسلحته النووية.

الرئيس لا يتمتع بأي احترام إلا من قاعدته العنصريه داخل أمريكا. وفي غمرة احتفال عيد الاستقلال رفع المزدرون بالونا يمثل (ترامب الرضيع) وهو بالون مهين يصور الرئيس كطفل رضيع يرتدي حفاضة. هذا غير لافتات تصف الرئيس بالخائن (!!)، بينما أحرق آخرون علماً أمريكيا أمام البيت الأبيض في أهم مناسبة “وطنية” في البلاد.

تعدى الأمر ادعاءات الديموقراطية، ودخل في مؤشرات التفسخ الداخلي والتمزق الاجتماعي ـ عرقي وديني ـ فكأس السم الذي جرعته أمريكا للعالم حان الوقت لأن تشربه كاملا .. إنها مسألة وقت ليس إلا.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون




جلال الدين حقاني

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 11

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 161) | ذو القعدة 1440 هـ / يوليو 2019 م .                  

19/07/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 11 )

في تقرير عن معركة خوست .. نشر  في صحيفة الاتحاد الإماراتية ( 1985 ) :       

– كيف بدأت الحملة العسكرية ضد باكتيا.. وكيف إنتهت؟ – تفاصيل وأسرار أضخم حملة يقوم بها السوفييت في أفغانستان؟ – قاعدة جاور الهدف الأول للحملة السوفييتية على خوست.

-الجنرال الدموي يعلن: سأشرب الشاي في (جاور) .

وحقاني يرد عليه : مكانين لن يدخلهما الشيوعيون (الجنة) و (جاور) .

– الشهيد فتح الله حقاني يقهر الجيش الأفغاني بواسطة دبابة صعد بها إلى  جبل(جاور) .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

عدو التكنولوجيا:

الجمعة 12 يوليو 1985:

وصلت أمس إلى ميرانشاه مع عبدالرحمن وأبوحفص.. استطعنا توفيرثلاث قطع مخابرات لاسلكية صغيرة من نوع عتيق جداً. وجهاز تفجير عن بعد جرى تصنيعه محلياً في بشاور… وسنكون أول من يجربه ميدانياً. علمنا أن الوضع متوتر في خوست. وجرت معارك عديدة بين المجاهدين والقوات الشيوعية. ركبنا أحد السيارات التابعة لحقاني ومعنا الشيخ (محمد طالب) وآخرون في طريقنا إلى (ليجاه) لمقابلة حقاني والاتفاق معه على برنامج عملنا، الذي من المفروض أن يستمر كما كان. عند أول نقطة تفتيش على الطريق نحو الحدود، كان يقف شخص في حجم الديناصور من المخابرات الباكستانية، ومعه عدد من الزبانية من جواسيس منطقة القبائل.. كان في  انتظار شيء معين… أوقف سيارتنا.. تحدث معنا فاكتشف أننا لسنا من البشتون أو الفرسوان (متكلمي الفارسية). والمشكلة الرئيسية كانت معي شخصياً بصفتي أشدهم جهلاً بتلك اللغات الحية.

أحد الزبانية نظر إلى السيارة فعرفني، وتذكرت وجهه.. أظنه كان مع المجاهدين في ليجاه منذ  ثلاث سنوات. صاح عندما رأى وجهي (قسم بخدا دا عربيان دى)…  أي أقسم بالله أن هذا عربي. سحبونا بعدها إلى مركز سري للاستخبارات داخل ميرانشاه فبقينا هناك لأكثر من ساعه وأصر مرافقونا الأفغان بأنني (تركماني) لا أعرف أي لغة في المنطقة هنا.. وأخيراً أطلقوا سراحي وواصلنا السير إلى ليجاه.. هناك كان حقاني مع بعثة تلفزيونية من كندا.

القوات الحكومية كانت محتشدة على أطراف الوادي . حقاني اشتبك معهم منذ يومين واستولى على أحد مراكزهم وأخذ منها أسيرا حكوميا. وفقد عشرشهداء وعشرين جريحاً.

اتفقنا معه على استئناف برنامجنا على المطار.

 

السبت 13 يوليو 1985:

نزلنا من ليجاه إلى جاور ثم إلى ميرانشاه وهناك كانت مفاجأة في انتظارنا.. طائرتان هيلوكبتر (مي/24) فرتا من خوست وهبطتا في مطار ميرانشاه. وكان يمكن رؤيتهما من الشارع المقابل لبيت حقاني حيث ينزل ضيوفه، وكانتا مغطتان بشباك تمويه وأغصان أشجار خوفاً من أن تأتي الطائرات الأفغانية لقصفها.

كنا في سرور لكون “عربات البطاطا” قد استسلمت أخيرا  كما كنا نتنبأ لها. سمعنا أن حكمتيار ادعى أن الطيارين كانوا على ارتباط بجماعته، وبالتالي يطالب باستلام الطائرات وأطقمها. حضر حقاني من ليجاه ورفض ما قاله حكمتيار وطالب باستلام الطائرتين لكن حكومة باكستان نقلت الطائرات وأطقمها إلى إسلام آباد، كي تجري المخابرات الأمريكية فحوصاتها وتستجوب الطيارين!!.

سمعنا أن الدكتورعبدالله عزام كان قد احتجز في أحد نقاط التفتيش وهو قادم من بشاورأمس ومعه عشرة من العرب وقضوا ليلة في الحجز.. ولكن حقاني أرسل مندوبيه للإفراج عنهم…

وصل الدكتورعبدالله ومعه عالم من اليمن لا أذكر اسمه ، وفي الليل جلسنا خارج بيت حقاني هرباً من الحرارة.. ودارت بعض الأحاديث الممتعة، أهمها معضله ( هل يمكن للكافر أن يكون شجاعاً؟ ). كانت إجابة الدكتور عبد الله: نعم، والعالم اليمنى:لا. استمر الجدال فترة حتى حسمه حقانى بنظرية (شجاعة الحمار) التي كانت حلاُ وسطاً مقبولاً.

الخميس – يوليوـ 1985 :

وهذه ملاحظات كتبتها في ذلك اليوم:

– قام العدوّ بعمل جسرجوي فوق العادة خلال ثلاثة أيام (20-21-23يوليو) وبمتوسط 15 طائرة نقل كبيرة كل يوم.

– يقوم العدو بعملية استطلاع جوي لمدة سبع ساعات يوميا من الثامنة صباجاً وحتى الثالثة عصراً.

الاستنتاج:

يجري الآن الإعداد لبرنامج موسع ضد المجاهدين في خوست بعد تحديد مواقعهم وأسلحتهم بواسطة الاستطلاع الجوي، وغارات جس نبض بواسطة طائرات الهيلوكبتر والنفاثات (الجت) وسيزداد المجهود الجوي للعدو في الفترة القادمة بغرض تحطيم مراكز المجاهدين وتأمين المطار.

القوات التي وصلت حديثاً وكذلك الأسلحة، سوف تستخدم في هجمات معاكسة على المجاهدين في عدة مناطق خاصة حول المطار لتوسيع نطاق الأمن. وأيضاً ضد المجاهدين في الوادي (رجال حقاني لا يزالون في منطقة لاغوري).

السبت 20 يوليو 85 :

تحركنا لمباشرة عملنا..هالنا ما شاهدناه من صواريخ الهيلوكبتر المغروزة في الجبال و في الأرض. كنت مع عبدالرحمن في الساحة خلف جبل منان حين داهمتنا طائرة هيلوكبتر.. قفزنا في إحدى الحفر ويظهر أنها لم ترنا..ولكنها أفرغت حمولتها من الصواريخ في تلك الساحة  بصلية واحدة.. ثم غادرت صوب المطار.. هل أصبحت منطقتنا مشبوهة إلى تلك الدرجة ؟؟.. أظنه كان  إجراءاً احتياطياً، فلم يكرروا هذا العمل عندنا مرة أخرى.. بلا شك أن السوفييت سوف يفلسون إذا ظلوا يعملون على هذا المنوال. كنت مغرماً بقراءة تاريخ إنتاج قذائف العدو ومن شظايا صواريخ الهيلوكبترعرفت أن بعضها من صناعة نفس العام  1985 أسعدني ذلك لأنه يعني أن المخزون السوفيتي من تلك الذخائرقد انتهى، وأن الانتاج يخرج من المصانع إلى الجبهة مباشرة!!. إنهم سوف يفلسون بلا شك.. ولكن هل نجد يوماً إحصاءاً منشوراً عن عدد أطنان المتفجرات التي فجّرها السوفييت في بلاد الأفغان.. الأمل في ذلك ضعيف.. وأظن أنها أرقام مذهلة وغير مسبوقة في أي حرب مضت.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الأربعاء أول أغسطس 1985 :

كنت فى الإمارات بينما جلال الدين حقانى و فتح الله حقاني كلاهما  في الحج  ولم أكن أعلم بذلك في وقتها،حتى تناقلت الوكالات أنباء الحمله السوفيتيه الواسعة على محافظة (باكتيا)  ثم قرأت نبأ استشهاد مولوى أحمد جول في برقيات وكالات الأنباء. وكنت وقتها فى زياره لجريدة الفجر . حاولت الاتصال بجلال الدين حقانى من خلال مندوبه في أبو ظبي مولوي غازي مرجان. وكنا في حيرة هل هو في الحج أم في المعركة ؟ ولم يلبث أن وصلنا نبأ استشهاد مولوي فتح الله حقاني الذي التبس علينا اسمه مع إسم جلال الدين .  فانتابنا هَمٌ شديد حتى كاد صديقى المنياوي أن ينهار من الحزن.

عدت بسرعة إلى إسلام آباد والمعركه تلملم أذيالها .. وتقابلت مع حقاني بعد انتهائها ثم زرت المنطقه وحصلت على التفاصيل ثم  كتبت لجريدة الاتحاد التقرير التالي عن المعركة.

خوست/ مقبرة الجنرالات

الاتحاد أول صحيفة في العالم تحصل على تفاصيل أضخم حملة عسكرية في تاريخ أفغانستان

رسالة أفغانستان: تحقيق، وتصوير:   مصطفى حامد

جلال الدين حقاني | معركة جاور 1985 م

كانت أغرب حملة عسكرية في تاريخ الحرب الأفغانية..كما أنها كانت الأضخم بشهادة الجميع إنها حملة خوست التي كان من المفروض أن تنتهي بسيطرة القوات السوفييتية على ولاية باكتيا ومنافذها الحدودية، ومسالكها الجبلية التي تمر فيها أكثر من80%  من إمدادات القتال في أفغانستان. والآن انتهت الحملة.. ولم تحقق شيء.. فكيف؟؟.. فما هي أسرار هذه الحملة التي وصفتها جميع مصادر المراقبين بأنها أشرس حملة قتال في تاريخ أفغانستان؟

لقد انفردت الاتحاد بنشر الخطوات الأولى التي مهدت لهذا الصدام.. وغطت جانباً من التطورات الأولية التي رسمت مسيرة هذا القتال.. ولكن جاء وقت لكي تكشف فيه بعض الأسرار التي لم يكن من المناسب أن تنشر في ذاك الوقت.. والآن توصلت (الاتحاد) إلى أدق تفاصيل وأسرار هذه الحملة. ونبدأ في نشر جانب من هذه الأسرار بقدر ما تسمح به ظروف المواجهة التي ما زالت قائمة رغم إنتهاء تلك الحملة التي بدأت في منتصف مايو وانتهت بنهاية شهر سبتمبر الماضي 1985 .

عام الحسم:

كان من المفروض أن يكون عام1984م,هو عام الحسم العسكري في أفغانستان. هكذا أعلن السوفييت بقوة على لسان الرئيس الأفغانى )بابراك كارمل(. وبدأ السوفييت يدفعون بفرقهم العسكرية  لكي تأخذ على عاتقها تدمير مراكز تجمع المقاتلين الأفغان وقواعدهم.  فقد السوفييت ثقتهم في الجيش الأفغاني رغم أن تعداده الذي تدنى إلى ثلاثين ألف جندي قد عاد وارتفع إلى ستين ألف. وتم تجديد الأسلحة القديمة واستبدالها بمعدات أحدث. ولكن الروح القتالية لدى الجنود كانت في تدهور مستمر. وحتى تنجح حملة واسعة كالتي يخطط لها السوفييت كان لا بد لهم من الاعتماد على قواتهم التي اكتفت منذ دخولها أفغانستان بحماية العاصمة كابول التي يخصص لها ثلث القوات السوفييتية تقريباً، وحماية طريق الإمدادات من الأراضي السوفييتية حتى كابول عبر ممر سالانج وهو طريق الإمداد الرئيسي لقواتهم. ثم حماية القواعد الرئيسية مثل قاعدة باجرام الجوية شمال كابول وقاعدة (شيندند) القريبة من هيرات، وغيرها. أما المشاركة في العمليات فقد احتفظ السوفييت لنفسهم بدور المستشارين العسكريين في كافة المستويات القيادية من قيادة الجيش إلى قيادة الفصائل الميدانية. هذا إلى جانب احتفاظهم بالدور الأساسي في السلاح الجوي العامل، مع اشتراك وحدات الكوماندوز السوفييتية في عمليات لها أهمية خاصة وعلى المناطق المجاورة للحدود السوفييتية.

 

حقاني في باكتيا :

في باكتيا تعيش عدد من أكثر القبائل الأفغانية شجاعة وبسالة في القتال ولكنها قبائل ترفض أي نوع من السيطرة غير القبلية، لهذا كانت وما تزال عملية تنظيمهاعسكرياً عملية شاقة. ولكن ظهور شخصية قائد عسكري فذ مثل جلال الدين حقاني هو في نفس الوقت من علماء الدين البارزين استحوذ على إعجاب تلك القبائل. فأصبح حقاني قادراً على تجميع معظم هذه القبائل في عمل عسكري واحد وعلى درجة من التنظيم لم تعهدها باكتيا من قبل. ولم تشهد باكتيا الصراعات الحزبية الدامية كما شهدتها مناطق أفغانية أخرى. لهذا توقف الإفساد الحزبي عند حده الأدنى في باكتيا. وبرز حول حقاني مجموعة من القادة العسكريين العلماء من خيرة قادة العمليات في البلاد من أمثال أحمد جول وفتح الله حقاني وبختر جان ومحمد حسن وغيرهم وقد استشهد أحمد جول وفتح الله في العمليات الأخيرة. كل هذا جعل الثقل المتجمع حول حقاني هو العقبة الرئيسية في إخضاع باكتيا ويضمن بقاء هذا الشريان مفتوحاً أمام قوافل المجاهدين. ولكن حقاني مثله كباقي القيادات الميدانية البارزة لم ينج من محاولات التحجيم أو (الإزاحة) من جانب زعامات(المهجر) في بشاور. لقد تعرض مسعود لعمليات قطع طرق الإمداد ليس فقط بواسطة القوات السوفييتية بل أيضاً بواسطة قوات حزبية مدعومة من بشاور. أما ذبيح الله ــ في مزارشريف فكانت طرق إمداده تمر عبر باكتيا بضمان جلال الدين حقاني الذي أنشأ مخازن تموينية خاصة بقوافل القائد (ذبيح الله) في مزار شريف. وكان الرجلان على معرفة وثيقة عبر تبادل الرسائل ولكنهما لم يتقابلا أبداً..  حتى اغتيل (ذبيح الله) على أيدي قوات حزبية.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

حصار اقتصادي:

لم يكن ممكناً لكي يتم تحجيم حقاني بأن تقطع خطوط إمداده بواسطة قوات حزبية. لأن حقاني هو الذي يمسك بين يديه بعصب الإمدادات لمعظم أنحاء البلاد. كما أن أي مغامرة لإزاحة حقاني بالطريقة التي أُزيح بها (ذبيح الله) ستهيج قبائل باكتيا ضد المعتدي ولن تجعله يطأ أرض أفغانستان مرة أخرى. لهذا كانت محاولات تحجيم حقاني تعتمد على سلاح الاقتصاد أو الحصار الاقتصادي.

فكانت تحبس عنه المساعدات بشتى السبل وكانت المساعدات القادمة من الخارج إلى بشاور لا تعرف طريقها إلى حقاني. فكان يلجأ لتمويل عملياته وإطعام رجاله إلى الاستدانة من تجار القبائل. ولكن إذا وصلت ديونه إلى رقم السبعة ملايين كانت تتوقف تلك التسهيلات (البنكية)، وبالتالي تخففت نشاطات حقاني تدريجياً إلى حدها الأدنى. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة أمام الحزبيين لتحجيم حقاني. وجاءت الحملة الأخيرة لتقلب ضمن أشياء كثيرة معادلة الحصار الاقتصادي، بل وضِعَتْ أحزاب بيشاور في دائرة الاتهام، وأصبح التخلص من تأثيراتها السلبية على الجهاد مطلباً دينياً وقومياً لدى المقاتلين الأفغان. ولا يكاد برنامج إصلاحي لتعديل الانحرافات الحادثة إلا ويحتوي على محاولات لتخطي الصيغة الحزبية الكريهة. ** القواعد والطرق إنجازين هامين لجلال الدين حقاني أكسبت المجاهدين في باكتيا مزايا استراتيجية على العدو..

وكان تدمير تلك الإنجازات على رأس أولويات الحملة الأخيرة، كما أفاد بذلك عضوين من كبار ضباط (خاد) جهاز الاستخبارات الأفغانية. وقعا أسيرين في عمليات المجاهدين على مدينة خوست.وأكد ذلك أيضاً ضباط عاملين في الجيش الأفغاني انضموا إلى المجاهدين أثناء تلك العمليات أيضاً. أول تلك القواعد المستهدفة كانت قاعدة (جاور) . وهي القاعدة التي زارتها صحيفة الاتحاد وتحدثت عنها في تاريخ (8/8/85) وبدون ذكر اسم القاعدة. ولم يقتصر الأمر على ضباط الاستخبارات أو  ضباط الجيش بل أن رئيس الأركان الجنرال(شاه نواز تاناني) أثناء تواجده في خوست لقيادة العمليات أعلن بنفسه من إذاعة المدينة أنه سيشرب الشاي في قاعدة (جاور). وكان للجنرال سمعة عسكرية عالية فهو يحمل أوسمة التقدير من حكومة كابول وله خبرة واسعة في العمليات الكبيرة في هيرات وبانشير وكونار . وهي أهم الحملات في الحرب الأفغانية وكان للجنرال باع طويل فيها كرجل كفؤ وشجاع  ودموي أيضاً. والغريب أنه من مواليد ولاية باكتيا التي جاء لكي يقهرها ويخضعها للسوفييت.

جاور و (الجنة) :

كان لتصريح (شاه نواز) في الإذاعة وقع سيء على نفوس القبائل وأدرك جلال الدين خطورة الحرب النفسية التي يشنها السوفييت والحكومة عبر إذاعتي خوست وكابول. لجلال الدين محطة إذاعة في (جاور) فأطلق رده المشهورعلى تصريحات رئيس الأركان. قال جلال الدين للمجاهدين إن الشيوعيين لن يدخلوا مكانين هما (جاور) و (الجنة)!!. أحبطت كلمات العالم البارز والقائد العسكري المشهور الحرب النفسية للجنرال شاه نواز وحكومة كابول. وذلك قبل أن تُحْسَم المعركة فوق جبال خوست. ولقاعدة (جاور) عدة نماذج نشرها حقاني في بكتيا واختيرت مواقعها بعناية , بحيث يصعب التأثيرعليها بالقصف الجوي حيث أنها عبارة عن كهوف ضخمة في الجبال.كذلك فإن اقتحامها عملية تستدعي قوات أرضية كثيفة ومعارك طويلة باهظة التكلفة في الأرواح والمعدات بالنسبة للمهاجمين.

وفي نفس الوقت فإن إغضاء الطرف عنها يكلف القوات الحكومية والسوفييتية الكثير. فهذه القواعد تختزن كميات كبيرة من المؤن والذخائر إلى جانب الخدمات الأساسية للمجاهدين مثل الخدمات الطبية والتدريب والتعليم والخدمات الإدارية. ويتفرع عن القاعدة نشاط عسكري يغطي مساحات واسعة حولها. وأحياناً تقدم خدماتها إلى محافظات مجاورة مثل لوجار وغازني وباكتيكا. إذن من غير المعقول أن تخضع باكتيا قبل تدمير هذه القواعد واحتلالها. وفي مقدمة هذه القواعد كانت قاعدة (جاور) القريبة من الحدود الباكستانية جنوب خوست وأيضاً لأنها تحتوي على محطة إذاعة  يصل مداها إلى عمق أفغانستان.

الطرق .. والمفاجأة :

الطرق التي شقها المجاهدون كان لها تأثير جذري على سير المعارك. فقد ركز حقاني طوال سنوات ليس فقط على إنشاء القواعد الجبلية بل أيضاً في مد طرق جديدة بين الشعاب وبين القمم الجبلية بحيث تصلح لمرور الآليات. وبهذا أصبح في إمكان المجاهدين استخدام السيارات لنقل المؤن والعتاد حتى خطوط القتال القريبة من العدو وحتى قمم جبلية لم يكن يصلها في السابق غير البغال وبشق الأنفس. بل استطاع جلال الدين أن يفاجيء قوات الحكومة في موقع (ليجا) بأن تقدم بالدبابات لتظهر فجأة على يمين القوة في الوادي وتفتح نيرانها عليها فسبب ذلك إرباكاً ضخماً وتجمعت أكثر القوات المخصصة للدفاع عن خوست لتدافع عن (ليجاة) فإلتف رجال الدين برجاله من يمين القوات المتمركزة أمامه ليحتل مواقع في منتصف وادي خوست عند (لاغوراى) وخلف القوات المتمركزة ودمر عدة تجمعات للميليشيا وجنود الحكومة. وظلت القوات الحكومية في  خوست تعاني من هذه الضربة حيث تمكن جلال الدين من عزل المراكز والحصون الحكومية في الطرف الغربي من الوادي وأصبح يضرب كل محاولة لتموينها. وظل الوضع هكذا حتى تقدمت القوات الحكومية من (جارديز) لتفك الحصار حول (خوست) التي وصلها أكثر من عشرة آلاف جندي إضافي فاضطر جلال الدين إلى سحب قواته مرة أخرى إلى المرتفعات حتى لا يتعرض للحصار والإبادة في الوادي المكشوف. { الانسحاب من الوادي المكشوف والعودة إلى الجبل تفاديًا للحصار مناورة عسكرية استخدها حقاني مرة أخرى أثناء هجومة على مدينة جرديز في عام 1991ـ كما سنرى ذلك فيما بعد}. وكان طول فترة بقائه في الوادي قد تحصن داخل مجاري السيل الجافة. والتي كان عمق بعضها يبلغ مترين أو أكثر وحولها بسرعة إلى تحصينات طبيعية وحَفَرَ في جدرانها المغارات وحولها المجاهدون إلى كمائن حصينة لم تؤثر فيها غارات الطيران أو القصف الصاروخي الشديد الذي انصب عليها.

دبابة فوق الجبل:

لقد ساهمت تلك الطرق في تحقيق مفاجأة تكتيكية أخرى كانت حاسمة في الدفاع عن قاعدة جاور. فقد اهتزت صفوف المجاهدين بعد استشهاد القائد المشهور مولوي أحمد جول بقذيفة هاون أثناء دفاعه عن جبال منطقة ليجاه التي حاولت الحكومة احتلالها والتقدم عبرها إلى حصن جاور. وكان زخم الهجوم السوفييتي والحكومي على أشده في ذلك الوقت. واعتمد السوفييت على كثافة نيران هائلة تصبها المدفعية من خوست فوق قمم الجبال. وبعد إسكات مصادر نيران المجاهدين تتقدم موجات كثيفة من المشاة لتحتل قمم الجبال وتظل هكذا تدريجياً حتى تصل إلى الهدف المنشود وهو قاعدة جاور في هذه الحالة. وبعد استشهاد مولوى  أحمد جول، وهو من كبار مساعدي جلال الدين حقانى ومن أبرز قواده ، انهارت خطوط الدفاع عن ليجاه وتقهقر المجاهدون حتى قرب  جاوربينما تقدم المشاة فوق قمم الجبال حتى صارت قوات الحكومة على بعد خمسة كيلومترات فقط من  جاور .

عندها بادر  فتح الله حقاني  المساعد الأول لجلال الدين حقاني فأمر أحد الدبابات الموجودة في قاعدة  جاور فصعدت فوق أحد القمم العالية حول القاعدة عبر طريق كان قد مهده المجاهدون. وفاجأت الدبابة القوات الحكومية بوابل من القذائف ففر الجنود الحكوميين تاركين قمم الجبال ولم يتوقف انسحابهم حتى وصلوا إلى قواعدهم في الوادي. وأسرع فتح الله حقاني ليطهر الجبال من الألغام التي بثتها الحكومة ويعيد تركيز رجاله وأسلحته عليها.

{ سوف نرى فيما يلي كيف سارت المعركة إلى نهايتها المحتومة}.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 11




ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

 

 

–  طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا من تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك .

–  أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها من دول المنطقة . كما تولت الإمارة عمليا أكثر مهام الحكم داخل بلادها.

–  نظام كابول يعيش درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته لصالح صفقات تسوية لأوضاع كبار مسئوليه مع الإمارة الإسلامية .

–  فى أيام العيد جنود الجيش يحصلون من حركة طالبان على تصاريح لزيارة أهليهم في قراهم المحررة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

( ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا ) :

يقف الرئيس الأمريكى المخنث كى يعلن منح إسرائيل ما يشاء من أراضى العرب ومقدسات المسلمين من القدس إلى الجولان المحتل . وهو ماض فى رسم خرائط دول العرب ، والسطو على ثرواتهم وتقرير حاضرهم ، وما تبقى لهم من مستقبل .

هو يفعل ما يشاء فى جغرافيا العرب وتاريخهم ، ويعيد تشكيل عقائدهم بما يخدم إمبراطورية يهودية فى طور التشكيل ، أوشكت على الإنتهاء فى بلاد العرب بمقدساتها الثلاث .  وتتكلم قيادات إسرائيل عن إمبراطورية عالمية تنطلق وترتكز على إمبراطوريتهم العربية. مجال تلك الإمبراطورية يطال أفغانستان ، لتهدد منها الصين وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى .

الجهاد فى سبيل الله كان حبل النجاه الذى عصم به الله شعب أفغانستان من الضياع والإندثار بفعل قوة الكافرين وأعوانهم .

–  فشلت مكائد عملية التفاوض التى كان من أهمها مكيدة وضع السلاح ، والخضوع لنظام الحكم الإستعمارى فى كابول تحت شرعية دستور كتبه المحتلون ليضمن مصالحهم ويضعف الإسلام ويستبعده تماما من مجالات العمل. ويترك ثروات أفغانستان فى أيدى أمريكا وشركاتها الكبرى وبعض عملائها الصغار . ويتبقى الفقر والجهل والمرض من نصيب شعب أفغانستان ، ويكفيه المئات من وسائل الإعلام التى تسحق دينه وتقاليده بهدف تحويله إلى شعب آخر، قابل للإستعمار فاقد للقيم الدينية والإجتماعية .

– النظر إلى ما يجرى فى فلسطين يرشدنا إلى طريقة عمل العدو فى أفغانستان . فالولايات المتحدة التى تقاتل الشعب الأفغانى هى إسرائيل الكبرى التى تحمى وتساند اليهود فى إحتلال فلسطين وتشريد شعبها، ثم تمارس إذلال العرب ونهب ثرواتهم وتعيد رسم حدود الفصل بين أمتهم الواحدة ، وتجزئتهم إلى أكبر عدد من الكيانات الهزيلة التى لا تصلح لشئ إلا لخوض الصراعات العقيمة فيما بينها .

–  وكما فى أفغانستان ، تطالب الولايات المتحدة الفلسطينيين بترك السلاح . على أن يتولى الجيش الإسرائيلى حماية الشعب الفلسطينى فى مقابل أموال تدفعها له الدول العربية النفطية. وأن يتفاوض العرب مع إسرائيل حول مقدار تلك الجزية .( تفاوض للإتفاق على مقدار الجزية المدفوعة لليهود ، وليس مفاوضات حول جلائهم عن فلسطين).

تفرض أمريكا فى مقترحاتها ـ صفقة قرن أو قرن الصفقات ــ  على المجاهدين الفلسطينين تسليم أسلحتهم للسلطات المصرية (التى تشارك اليهود فى حصار غزة منذ سنوات ). وبدلا عن الجهاد بالسلاح ، سوف يحصل المجاهدون (منزوعى السلاح) على رواتب شهرية من دول النفط العربية (!!) .

ترامب يطلب من العرب أن يدفعوا أموال للجيش الإسرائيلى ثمنا لحمايته للفلسطينيين . ويطلب من المجاهدين الفلسطينيين وضع السلاح فى مقابل رواتب شهرية يدفعها لهم إخوانهم العرب!!. التنظيمات الجهادية الفلسطينية التى ترفض العرض الأمريكى ، سوف يكون قادتها عرضة للإغتيال { وحسب قول الأمريكيين فسوف تدعم الولايات المتحدة إسرائيل فى إلحاق الأذى الشخصى بقادة تنظيمى حماس والجهاد الإسلامى } . وذلك يتطابق مع الموقف الأمريكى من حركة طالبان وقيادتها السياسية والعسكرية . فعندما رفضوا إلقاء السلاح فى مقابل رشاوى مالية ، أعطت الولايات المتحدة أوامرها لأصحاب شركات المرتزقة كى يطلقوا كلابهم المسعورة خلف قادة الجهاد لإغتيال من تستطيع منهم .على أمل أن يغير ذلك من موقفهم العقائدى إزاء الجهاد ، وأن يلين موقفهم التفاوضى ، أو أن تأتى قيادات جديدة تكون أكثر ليونة وإستجابة لمطالب المحتلين .

فى ذلك غباء مطلق ، لأنه خلال فترة الجهاد الماضية تم إستبدال معظم قيادات الإمارة الإسلامية فى كافة مستويات العمل الجهادى ، بسبب الإستشهاد فى غالب الحالات . فماذا كانت النتيجة ؟؟، لقد كانت إكتساب المزيد من القوة والتصميم على مواصلة الجهاد .

– والآن أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها كأمر واقع، ورغم أنها لم تتول بعد مقاليد الحكم بشكل رسمى ، إلا أنها تولت عمليا الكثير جدا من صلاحيات الحكم داخل بلادها، حتى أن الكثير من كبار قادة النظام الحالى وكوادره الفاعلة قد عقدوا صفقات تسوية لأوضاعهم  لما بعد رحيل جيوش الإحتلال الأمريكى . أى أن نظام كابل يعيش حاليا درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته.

فى أيام العيد ــ وبشكل غير معلن ــ يحصل جنود الجيش على تصاريح من حركة طالبان لزيارة أهاليهم فى القرى المحررة.

والنتيجة هى أن ولاء الجنود ينتقل تدريجيا إلى حركة طالبان ، والكثير منهم يفضلون التعاون مع الحركة من داخل وحداتهم العسكرية ، إلى حد القيام بهجمات من الداخل ضد الخبراء الأجانب أو الضباط الذين تمادوا فى التعاون مع الإحتلال .

هذا بينما الولايات المتحدة إعترفت “بعدم قدرتها على كسب حرب أفغانستان” . وتقول ذلك تفاديا لذكر كلمة (هزيمة عسكرية) التى هى واقع حالها فى ذلك البلد الذى تنفق فيه ميزانية حرب مقدارها 45 مليار دولار سنويا .

 

 

أفغانستان بداية الشرق الأوسط الجديد :

كانت حرب أفغانستان هى طلقة البداية لحملة صليبية على العالم العربى ، لبناء(الشرق الأوسط الكبير أو الجديد)، وهو كبير لأنه تخطى العالم العربى ليصل إلى الأطراف الإسلامية من حوله ، والتى تشمل إيران وأفغانستان . كما كان من المفروض أن تتحول تركيا إلى جمهورية عسكرية بإنقلاب يجعلها دولة جنرالات يخدمون إسرائيل بشكل عنيف ومباشر كما هو حادث فى عدة بلدان عربية . حرب أمريكا على أفغانستان كانت خطوة أولى وكبيرة لتحويل البلاد العربية إلى شرق أوسط جديد ، تقوده إسرائيل التى تحميها القوات الأمريكية .

فشل أمريكا فى إخضاع أفغانستان جعل “الشرق الأوسط” غير مستقر ، فأمريكا قفزت إلى مركز الأحداث فى العالم العربى بينما بشائر هزيمتها فى أفغانستان واضحة .

طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك ، وقابل للإنهيار فى أى وقت ، خاصة إذا تذكر أكثر العرب أنهم معنيون بفريضته الجهاد ، وأنها لم ترفع عنهم ، ولن ترفع حتى قيام الساعة.

منذ غزو أفغانستان ، وأكثر نشاط أمريكا السياسى والعسكرى فى العالم هو من أجل التمهيد لإمبراطورية عالمية لليهود يديرونها من”القدس” .

وبالمثل فإن النشاط الأمريكى فى كل الشرق الأوسط كان لإعادة صياغة ذلك الشرق العربى وتحويله إلى شرق خاضع ليهود إسرائيل .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الضمانات :

الضمانات مجال آخر للتشابه الكبير بين السلوك الأمريكى فى مفاوضات أفغانستان ، وبين سلوك إسرائيل مع ضحاياها من العرب .

فأمريكا تطالب فى مقابل قبولها بالإنسحاب من أفغانستان ، أن تقدم لها الإمارة الإسلامية ضمانات بألا تستخدم الأراضى الأفغانية منطلقاً لأعمال تهدد أمن أمريكا أو أصدقائها . أى أن المحتل الذى دمر أفغانستان وقتل مئات الألوف من شعبها ، يطالب بضمانات لأمنه إذا إنسحب بعد أطول حرب عدوانية خاضها فى تاريخة .

من جهتها ، إسرائيل فى شرقها الأوسط الجديد تطالب ضحاياها بضمانات تزيل مخاوف شعبها بأنه غير معرض للتهديد(!!) . أى أن ضحايا إسرائيل مطالبون بضمان أمنها ، وبطمأنة سكانها ، وازالة مخاوف جيشها الذى هو الأقوى من جميع دول الشرق الأوسط ، وحتى أقوى من كل الدول التى على محيط ذلك الشرق الأوسط الوسيع .

وكما فى أفغانستان عملاء يطالبون بطمأنة المحتل المعتدى . هناك بين العرب من يرى حقا لإسرائيل أن يقدم لها العرب فروض الطاعة والخضوع تحت مسمى ضمانات الأمن. ليفتح جميع المجالات أمامها من الأمن إلى الإقتصاد إلى الثقافة ، إلى المقدسات الإسلامية التى ستصبح متاحة أمام الإسرائيليين ـ كخطوة أولى ـ وبعدها تصبح ملكا خاصاً لإسرائيل ، تديرها كما تشاء وفق مصالحها السياسية وعقائدها ـ كما يحدث الآن فى المسجد الأقصى ، المرشح للإزالة والبناء فوق إنقاضه هيكل هو من أوهام نصوصهم “الدينية ” المزيفة.

ومكة المكرمة يدفعونها بالتدريج صوب الإستغلال السياسى لقيمتها الدينية والمعنوية ، لتكون منصة للدعوة إلى التطبيع مع المستعمرين اليهود وليس الجهاد لطردهم من أراضى المقدسات الإسلامية ، ومن جميع أراضى المسلمين التى يعيثون فيها فساداً .

–  بلادنا ومقدساتنا لن يحميها المستعمر ، من أن يقف رقيع مثل ترامب ليقول أنه (فقد عجيزته وهو يدافع عن الملك !!) . فيضحك ومن خلفه جمهور تزداد نشوته كلما تدفقت الإهانات من فم السفيه ترامب وهو يكيل التحقير لأذلاء يعتقدون أنهم يمثلون الإسلام الذى يكرهه ترامب ، خاصة عندما يقول فى ليونة رقيعة ( أنا أحب الملك !!) .

– ويقف وزير عربى يتمطى قائلا أن على الدول العربية أن تطمئن إسرائيل على مستقبلها ، وأن تبدد مخاوفها . ثم يسعى زملاؤه لإقناع الإمارة الإسلامية خلال معركة التفاوض أن تمنح المعتدى المحتل ما يحتاجه من ضمانات بعدم إعتدائها عليه مستقبلا . وكأن الإمارة هى التى إعتدت عليه فى البداية .

يطلبون ومن الإمارة الإسلامية العمل فى أفغانستان ، ليس وفقاً للشريعة الإسلامية ـ بل وفق الدستور الذى وضعه خبراء جيش الإحتلال ، فيما يشبه وضع العراق الذى يسير الحكم فيه وفق دستور جعل من العراق بلدا لا قرار سياسى له ، ولا إستقرار فيه ولا إجتماع حول أى شئ . وفى فلسطين نرى دستور الحكم الذى وضعة الإحتلال يجعل من العرب المقيمين هناك لا يتمتعون بحق المواطنة المنحصر فى اليهود فقط ، بإعتبار إسرائيل وطن قومى لهم دون غيرهم . تلك هى دساتيرهم لحكمنا ، فلا خير فيها عاجلا أو آجلا .

وفق صفقة أمريكا لهذا القرن فإنها تطلب من الشعب الفلسطيني بالتنازل عن أرضه ومقدساته  وكامل حقوقه ، فى مقابل مكافئات سخية يدفعها له أثرياء العرب”!!” لإنعاش إقتصاد الشعب الممزق والضائع . إنها صفقة لبيع أقدس البلاد فى مقابل أنجس الأموال .

–  فى أفغانستان فإن الضمانات الحقيقية المطلوبة هى ضمانات يقدمها المحتل الأمريكى بألا يكرر حماقته بالعدوان على أفغانستان مرة أخرى . وأن يقدم إلى جانب الإعتذار الرسمى تعويضات حرب عما لحق بالشعب الأفغانى من أضرار .

عندها  يمكن أن يحصل المحتل على ضمان من الإمارة الإسلامية بتركه ينسحب بأمان ، وفق جدول زمنى متفق عليه . فلا أحد يمكنه ضمان سلامة قوات الإحتلال أثناء فرارها من أفغانستان بدون إتفاق مسبق .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 10 )

– مولوى حقانى يرسلنا لإستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار .

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضا واستهتاراً .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات فى أفغانستان.

– بدلا من أجازة العيد حقانى يرسلنا فى داورية للتصدى لقوة عسكرية زاحفة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الإهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية إستطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار .

قال: تتحركون صباحاً مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكاناً مناسباَ نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضاً فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون إلتفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق ، فيما عدا حقاني الذي إهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، وإختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد إستغرقنا خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخاً تاريخياً) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان،وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب . فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة إنتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التى كانت قد تهاوت تقريبا ).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار) . كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقانى/ هو الذي إفتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين

 هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب فى مدرسة حقانى :

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين  أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان . وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقانى كان عملهم منتجا ومفيدا ، لأن حقانى وظفهم ضمن إستراتيجية عمله التى كانت دوما مدروسة وفعالة . وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا ، وقد تمكن حقانى بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل . وأفضل نتائج العرب فى جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقانى ضمن مشروعه العسكرى ، كما حدث معنا ، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردنى فيما يلى من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرا لثباتهم فى العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من(البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل ، مع الإنفعال الحماسى وفقدان الرؤية المتزنة .

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين كما حدث في بعض الحالات أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان كما حدث في معظم الحالات. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار هذا العمل. سواءفي المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام 1991 حين فتحت المدينة.

ذكرت فى تقرير صحفى ، نشَرَتْهُ صحيفة الإتحاد الظبيانية ، رحلتنا الإستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص . وكما ذكرت سابقا فكلاهما إستشهد فى أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتى والآخر فى الغزو الأمريكى. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات :

 لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا إستعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الإستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة إستطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الإستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيراً من مواقع العدو وإحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف ) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي إستطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاة)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف إستطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في إتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في إحتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة.إتخذوا قرارهم بالمناوشة والإنسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد إستدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديداً وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة.في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد إنتهت رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد إختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا إهتماماً كبيراً وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

 بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وإرتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بإرتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الإستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم و إحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما..إختفى القومندان بين شجيرات الجبل ، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشئ المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدا وتهورا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أى أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة : (لقد إستشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله ، ولا يبالى إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل . ولكن للأسف لم تكن الأحداث فى معظم الأحوال تترك لنا مجالا للإختيار} .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

البيان الأخير :  

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1- تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح

جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.  3- تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4- إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5- إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة. 6- إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها إرتفاعاً وتحصيناً. لهذا إرتبط جبل تورغار بسلامة المطار وإرتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي إتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان إستيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقانى بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتى تجلت فى حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

إلتحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم إسمه(عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته ، و كان لنا إستقلالية في العمل ولكن مع إرتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا إستلام شئ منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية .

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وإنضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للإستيلاء على جبل تورغار،حين إنفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فإنفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م :

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. إعتبرت ما حدث  هو عملية (إقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدرممكن من الرحلات الجوية.وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( إقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985 :

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث إحتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاءالجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لإقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمرحقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيده جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي إستمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الإنتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة إنتحارية مع القوات الشيوعية.ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا  مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست.خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسيرفي منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام وإحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثرمما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتى متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو فى نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة..إنشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءاً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الإستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة..إلتقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً إنسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار.لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فإضطررنا للمبيت في ميرانشاة. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الإبتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال أنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الإنتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الإتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى 10

 




فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها

والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى

 

– لماذا تحول “خليل زاد” من حمامة سلام إلى ذئب أجرب؟؟.

– مبدأ أمريكا فى جميع مفاوضاتها حول العالم : ” كل شئ لنا .. ولا شئ لكم” .

– مجموعات من المرتزقة الدوليين تتحرك لتنفيذ برنامج إغتيالات ، ضمن قائمة تضم من 20 إلى 30 إسما لقيادات فى جهاد أفغاستان .

– الصياد الأفريقى والقرد ، تجربة تتكرر فى أفغانستان .

– القوة التسليحية ، مع التفسخ الأخلاقى ، يجعلان من الجيش الأمريكى الخطر الأول على أمريكا والعالم .

– تغير المناخ السياسى ، الإقليمى والعالمى ، يوفر إمكانية لإنطلاق رحب للعمل السياسى لحركة طالبان ، بعيدا عن ذلك المُعْتَقل المُكَيَّفْ والمُهَدَد سياسيا وأمنيا .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

المفاوض الأمريكى زلماى خليل زاد ، فى مفاوضات الدوحة الأخيرة ، خلع ثوب الخروف وظهر على حقيقته كذئب أجرب من قطيع المحافظين الجدد و صهاينة أمريكا .

كشف المفاوض الأجرب عن أن هدفه الحقيقى ليس الإنسحاب من أفغانستان ، حين قال أنه يتفاوض فقط من أجل (إحلال السلام بين الأفغان!!) . وذلك ليس مستغربا من الرجل الذى كان مُحَرِّضاً ومهندسا لعملية غزو أفغانستان من أجل تمرير خطوط أنابيب الطاقة من آسيا الوسطى. والآن هو فى الدوحة مفاوضا لأجل السلام بين الأفغان وليس لإنهاء الحرب والإنسحاب بعد أطول حرب فاشلة ورط فيها أمريكا.

من الصعب العثور على توصيف لموقف المفاوض الأمريكى : فهل هو صفاقة أم وقاحة ، أم مقامرة جنونية ، أم دفاع أخير عن الوجود الأمريكى نفسه الذى يهدده الإنسحاب من أفغانستان بخسارة مواردها المالية الفلكية ؟؟ .

–  من ناحية المبدأ فإن التفاوض مع أمريكا هو مضيعة للوقت وإضعاف للهمم وتفريق للصفوف . فحتى لو تم التوصل إلى أفضل النتائج من تلك المفاوضات ، فالمعروف أن أمريكا لا تلتزم بأى إتفاق مهما كان مُوَثّقاً . فقد فسخ ترامب جميع المواثيق التى سبق وأن عقدها أسلافة ـ سواء المواثيق مع الحلفاء أو الأصدقاء أو الأعداء . وفرض ما شاء من عقوبات على من يشاء بدون التقيد بقوانين أو معايير دولية.

فما فائدة التفاوض مع ذلك البلد مهما كانت نتائج التفاوض ؟؟ . ألم يعلنوا خروجهم من العراق رغم إحتفاظهم بعشرات القواعد العسكرية؟ . ثم عادوا إليه مرة أخرى ، بحجة محاربة تنظيم داعش الذى تديره المخابرات الأمريكية ويعمل ضمن تشكيلات الجيش الأمريكى وضمن الإستراتيجية الدولية لذلك البلد؟. ثم بكل وقاحة يطالب وزير خارجية أمريكا الحكومة العراقية بضمان أمن القوات الأمريكية فى العراق !!.

إذاً ، حتى لو إنسحب الأمريكيون من أفغانستان ، فلا توجد ضمانة تمنع عودتهم مرة أخرى تحت أى ذريعة مفتعلة. ونراهم حاليا يحشدون الدواعش فى أفغانستان وينقلونهم من تركيا عبر عدة مسالك يشرفون عليها . حتى صار لداعش تواجدا يحسب حسابه فى محافظات كونر وننجرهار وبعض محافظات الشمال الأفغانى .

لقد تصور البعض أن أمريكا تحولت فى أفغانستان إلى حمامة سلام ، بعد أن أنفقت فى حربها هناك أكثر من ألفى مليار دولار . وقتلت أكثر من مليون أفغانى (رغم الإحصاءات الأمريكية المزورة) . وليس ما أوضحه خليل زاد شيئا مفاجئا لأن المبدأ الثابت فى المفاوضات الأمريكية مع جميع الأطراف الأخرى هو (كل شئ لنا .. ولا شئ لكم).

 فالعرض الأمريكى للمفاوض الأفغانى هو: التخلى عن سلاحه بشكل دائم ، والدخول فى تقاسم للسلطة مع حكومة العملاء فى كابول . فى مقابل بقاء أمريكا فى أفغانستان لتستنزف ثروات ذلك البلد حتى الرمق الأخير.

وكأن الشعب الأفغانى جاهد لمدة 18 عاما ضد جيوش الإحتلال الأمريكى و48 دولة أخرى ، فقط لأجل تقاسم السلطة مع العملاء ، وبقاء الإحتلال إلى الأبد !! .( أى أن ملخص الصفقة هو بيع الوطن .. فى مقابل رشوة مالية وسياسية).

ونظرة سريعة إلى أهم عمليات التفاوض التى تجريها أمريكا مع أطراف أخرى نجد :

مع إيران : يطلبون منها التخلص من برنامجها النووى والصاروخى ، ثم القبول التام بصفقة القرن وسيطرة إسرائيل على بلاد العرب ، وإنهاء كامل لقضية فلسطين ، بل وحتى لإسم فلسطين نفسه . والمقابل الذى ستحصل عليه إيران هو رفع العقوبات الإقتصادية التى فرضتها أمريكا عليها. (أى أن ملخص الصفقة هو الإستسلام التام .. فى مقابل الطعام).

مع الفلسطينيين : يطلبون منهم التنازل التام عن فلسطين ، وحقوق الفلسطينيين . والمقابل عدة مليارات من الدولارات تدفعها دول النفط العربية لبناء مشاريع إقتصادية يعمل فيها الفلسطينيون . أى يحصل اليهود على كل فلسطين فى مقابل أن يحصل الفلسطينيون على مشاريع تنمية يدفع تكلفتها عرب النفط ، وتلك هى صفقة القرن !!.

فيالها من صفقة وياله من قرن!! .. فلسطين كاملة لليهود بدون أن يدفعوا فلساً واحداً ثمناً للأرض المقدسة ، بل العرب يدفعون !! .(أى أن ملخص الصفقة هو بيع الوطن .. فى مقابل الطعام) .

مع كوريا الشمالية : يعرضون عليها تفكيك برنامجها النووى وتوقف تجاربها الصاروخية فى مقابل وعود إقتصادية غير ملزمة وتهدئة عسكرية ، مع بقاء العقوبات الإقتصادية كاملة،( أى إستسلام بدون قيد أو شرط .. فى مقابل لا شئ!!).

* لهذا ليس مفاجئا أن يظهر خليل زاد بجلده الحقيقى ، جلد الذئب الأجرب . ولكن هناك تخطيط سرى يراهن عليه “زلماى”، لهذا يبدو واثقا وهجوميا على عكس ما كان عليه حاله المذرى منذ البداية وحتى الجولة قبل الأخيرة .

 

ذلك التخطيط محصورة فى شيئين فقط هما :

1 ـ الرهان على نجاح برنامج إغتيالات مدروس بعناية .

2 ـ حدوث إنشقاق فى حركة طالبان . نتيجة لنجاح برنامج الإغتيالات ،الذى يسانده برنامج رشاوى كثيفة بإستخدام دولارات النفط العربى والهيروين الأمريكى .

وفى الوقت الراهن يبدو برنامج الإغتيالات هو الخطر الأكثر جدية والذى له دور كبير فى الموقف المتنمر والهجومى لزلماى خليل زاد .

– أخبار متواترة ، وشواهد عديدة ، تدل على أن الإحتلال الأمريكى طلب من إدارة شركات المرتزقة العاملة معه فى أفغانستان أن تتحرك فعليا لتنفيذ برنامج إغتيالات ضد حركة طالبان . وقد تحركت مجموعات التنفيذ بالفعل صوب أهدافها التى تغطى أسماء من 20 إلى 30 شخصا حددهم الإحتلال الأمريكى.

خمسة فئات يستهدفها برنامج الإغتيالات وهم :

1 ـ قيادات عليا فى الإمارة الإسلامية .

2  ـ قيادات عسكرية ميدانية مؤثرة .

3 ـ قيادات فى الجهاز السياسي والتفاوضي للإمارة .

4 ـ قيادات إعلامية فى الإمارة .

5 ـ متعاطفين ومتعاونين مع الإمارة وحركة طالبان ، فى أماكن متفرقة خارج أفغانستان .

يتوقع العدو الأمريكى أن نجاح ذلك البرنامج بقدر معقول سوف يضعف الموقف التفاوضى للإمارة الإسلامية . وقد يؤدى إلى حدوث إنشقاق فى الحركة ، أو ظهور تيار معارض لها بمساعدة أمريكية ، فتتحرك عملية التسوية “والسلام !!” حسب الرؤية الأمريكية ـ مع بقاء الإحتلال كقوة تحفظ السلام والتوازن بين الأفغان ، وتحمى البلد من إرهاب داعش (!!!) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

الصياد الأفغانى والقرد الأمريكى :

أمريكا لن تُفْلِت أفغانستان من يدها طواعية . يحدوها فى ذلك الطمع الغبى الذى يتعدى القدرات الفعلية للمعتدى ، فتكون عاقبته السقوط وضياع كل شئ حتى حياته نفسها . كما يحدث فى صيد القرود لدى بعض القبائل الأفريقية .

إذ يقذفون إلى القرد علبة معدنية بها قطع من الحلوى فيدخل القرد يده فى ثقب ضيق من العلبة حتى يقبض على قطعة حلوى . فيقوم الصياد بسحب العلبة بواسطة حبل مثبت فى قاعدتها . ولا يفكر القرد مطلقا فى ترك قطعة الحلوى لتحرير يده وينجو من المصيدة . فيقع القرد فى يد الصياد الأفريقى .

تتكرر القصة الآن أفغانستان بين الصياد الأفغانى والقرد الأمريكى .

فالقرد الأمريكى لن يترك قطع الحلوى الأفغانية ولو كلفه ذلك قطع يده أو فقدان حياته . والخيار الآن بيد الصياد الأفغانى ، فأوراق القوة التى فى يده أكثر وأبعد أثرا من الأوراق التى يمتلكها القرد الأمريكى ، أى الإحتلال .

يطول الحديث عن الإرتداد السلبى الذى عاد على الولايات المتحدة نتيجة سياساتها الرعناء والعدوانية على إمتداد العالم كله . فقد بدأ خسران يتوسع مداه وقد ينتهى بعزلة أمريكا دوليا وفقدان سطوتها المالية وهيمنة الدولارعلى عملات العالم، بما يمكنها من إستخدامه لتأديب العالم بعقوبات غاشمة .

تحت الضغوط الأمريكية لن تكسب أمريكا، بل سوف تخسر على المدى القريب والمتوسط . إذ بدأت تتشكل ملامح إقتصاد دولى جديد ، ونظام عالمى . وكلاهما يتركز على آسيا ، والصين تحديدا، ومعها روسيا والهند وإيران .

 

الجيش الأمريكى .. عدو بِلادِه :

العدو المباشر والأساسى الذى تصدى له الشعب الأفغانى ومجاهدو حركة طالبان هو الجيش الأمريكى . الذى أوضح علانية أنه عاجز عن الإنتصار عسكريا على حركة طالبان . بل وعاجز حتى عن وقف إندفاع الحركة وتمددها على الأرض الأفغانية ، أو منع تسللها إلى أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والإدارية ، حتى صارت الحركة هى السلطة الحاكمة فعليا فى أفغانستان وذلك بإعتراف الجميع . لقد شهدوا أن الحركة تمتلك مفاتيح الإستقرار والأمن فى أفغانستان ، وأنها المستقبل القادم لهذا البلد .

الجيش الأمريكى يعانى من الشيخوخه الناجمة من فرط النشاط الإستعمارى وتبعاته على التماسك الأخلاقى والنفسى للجيش . حتى صارت القدرات التدميرية الهائلة التى يمتلكها تمثل عبئا على الدولة بدلا من أن تكون ميزة لها .

فالتحقيقات دائرة فى البنتاجون حول تبديد ترليونات الدولارات غير المعروف وجهتها . ناهيك عن الإسراف فى الانفاق على المؤسسة العسكرية الذى ساههم فى تسريع الإنحدار نحو إفلاس الدولة . فميزانية البنتاجون تناهز740 مليار دولار سنويا، ومازال ينادى هل من مزيد.

والدولة تغرق فى الديون بسبب فساد المسئولين وتدنى كفاءتهم مع جشع المجمع الصناعى العسكرى . والجيش لا يكتفى بتبديد أموال الدولة على شراء وتطوير المعدات العسكرية ، بل ينفق على المشتريات غير العسكرية بجنون ينبئ عن فساد متبجح . وتقدم دراسة أعدتها منظمة أمريكية عن أرقام طريفة تقول أن الجيش أشترى كرسيا واحدا بقيمة 924 دولار، وطاقم خزفى للطعام بقيمة 53000 دولار ، وبعض الخمور بمبلغ 308000 دولار . وبعض مأكولات بحرية بقيمة 4,6 مليون دولار . وتخلص الدراسة إلى نتيجة تقول بأن الحكومة تنفق مبالغ أكثر بكثير من مواردها لذلك تضطر دوما إلى الإقتراض من الدول الأخرى . فتخطت ديونها الخارجية مبلغ 20 ترليون دولار لتكون أكبر دولة مدينة فى العالم وعبر التاريخ.

( إحصاء طريف آخر أجرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، جاء فيه أن ترامب أدلى بعشرة آلاف تصريح كاذب خلال 800 يوم له فى الحكم، فهو الآخر مسرف فى الأكاذيب ) .

ذلك الجيش الأمريكى البازخ هو أحد أسباب إنحطاط دولته وإنكسارها . وتجلى ذلك فى أفغانستان بعجزه عن هزيمة حركة جهادية شعبية تقاتل بقواها الذاتية ، فى ظروف الحصار الخانق معظم فترة 18 عاما الماضية . وتجلى إنحطاط ذلك الجيش أخلاقيا إلى جانب إنحطاطه العسكرى فى جرائم التنكيل بالمدنيين والبطش بالأسرى ، والترفيه عن الجنود بجرائم قتل غير مبررة . بما يكشف عن أمراص نفسية متأصلة بين أفراد وقيادات ذلك الجيش . ثم هناك الجرائم الأخلاقية داخل صفوف الجيش الأمريكى فى أفغانستان وخارجها . ومن أكبر شواهدها التعديات الجنسية التى زادت بنسبة 38% خلال العام الماضى . فأكثر من 20,000 من عناصر الجيش الأمريكى قالوا أنهم تعرضوا لإعتداء جنسى . وساهم فى زيادة الإعتداءات تنامى إدماج المرأة فى وحدات القتال البرية ، وأن النساء اللاتى تتراوح أعمارهن ما بين 17 ، 20 عاما كن الأكثر تعرضاً للإعتداءات الجنسية من زملائهن الرجال .

لن نتحدث هنا عن الإنهيار الأخلاقى لجيش جعل من  تصنيع الهيرويين وتوزيعه حول العالم ، أهم موارده الإقتصادية على الإطلاق ، والتى تصب فى النظام البنكى الأمريكى والشبكة الدولية المرتبطة به من البنوك والمصارف.

ذلك الجيش الأمريكى، بتسليحة المتقدم مع تحلله الأخلاقى، يشكل خطرا على دولته وينخر فى عظامها مهدداً بنيانها بالإنهيار، كما يجعله أكبر خطر على العالم وسلامته .

 

تغير المناخ السياسى ، لصالح طالبان :

وذلك من أكبر التطورات الإيجابية فى صالح الشعب الأفغانى وحركة طالبان الجهادية . دول الإقليم جميعها تشعر بخطورة وجود السرطان الأمريكى فى المنطقة. وجميعها تتعرض لعقوبات أمريكية مباشرة ، أوغير مباشرة فى حالة عدم إلتزامها بقوانين العقوبات الأمريكية الصادرة بحق دول أخرى . هذا إضافة إلى خطر صناعتة للهيروين وترويجه إقليميا ودوليا ، وهى الصناعة الأهم بالنسبة للإحتلال الأمريكى . يضاف إلى ذلك شكوك بتحويله قاعدة بجرام إلى قاعدة نووية للصواريخ قصيرة المدى ، إلى جانب دورها الدولى الرائد فى تصنيع الهيروين ومُرَكّباتِه المختلفة .

فى هذا المناخ المواتى إقليميا ودوليا جاء دور العمل السياسى لحركة طالبان كى ينطلق فى مجالات فسيحة متخلصاً من سجن ذلك المعتقل الذهبى المكيف ، والمُسْتَهْدَف بالمؤامرات السياسية و المخاطر الأمنية على كبار ساكنيه .

يجب تثبيت العلاقات المستقبلية مع دول الإقليم ، إقتصاديا وسياسيا ، وفقا لمصالح شعب أفغانستان ورفاهيته وسلامة واستقرار الأقليم كله .

والإنطلاق دوليا إلى ما هو ممكن حاليا ، بإعتبار أهمية الدور الإستراتيجى والسياسى الذى سوف تضطلع به أفغانستان بعد التحرير، لصالح آسيا والعالم .

– يجب إشراك الإقليم كله فى مجهود جماعى ، لإخراج الإحتلال الأمريكى من المجال الأفغانى . وعلى سياسة الإمارة أن تدفع دول الإقليم إلى خارج موقفهم السلبى الحالى . فذلك الموقف سيعرض تلك الدول لأشد الأخطار، إذ يستفيد منه الإحتلال لتمديد بقائه فى أفغانستان .

فجميع الحجج التافهة التى يسوقها العدو لتبرير إستمرار عدوانه ، يدرك الجميع أنها كاذبة ولاتنطلى على أحد . لذا يجب الخروج من السلبية الإقليمية إلى مجال العمل الجماعى لإخراج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان بشتى السبل الممكنة والمتاحة . لأن أفغانستان إن لم تتحرر بالكامل فلن تقوم لآسيا قائمة ، وستكون إنجازات دولها مجرد مكاسب عابرة ، لا تؤدى إلى تقدم حقيقى فى أوضاع القارة والعالم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى

 




جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير ” قواعد الاشتباك “

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا:

حركة طالبان أمام تحدي تطوير “قواعد الاشتباك”

– لن يتحمل الشعب الأفغاني أن يكون وحيدًا في تحمل سياسة الإبادة الجماعية.

– حركة طالبان واقعة تحت ضغط شعبي للدفاع عسكريًا عن أرواح السكان وممتلكاتهم، أو الذهاب إلى التفاوض بحثًا عن حل. لهذا يماطل الأمريكيون للحصول على تنازلات  جوهرية في المفاوضات.

– مطلوب قواعد جديدة للاشتباك تسمح بردع العدوّ، وإظهار عجزه عن حماية النظام العميل والرموز السياسية للاحتلال.

– التنازل في المفاوضات هو طريق للهزيمة المؤكدة، والحل يكمن في تطوير قواعد الاشتباك، واستلهام تجربة جروزني، وإعلان كابل منطقة حرب مفتوحة ضد الاحتلال.

دروس من معركة جروزني في الشيشان، لتجديد قواعد الاشتباك في أفغانستان:

1- الهجوم على العاصمة يؤدي إلى تخفيف الضغط الوحشي للعدوّ على الأطراف.

2- هجوم مجاهدي الشيشان على العاصمة جروزني أوقف المجازر ضد المدنيين، وأدى إلى فتح العاصمة وهزيمة العدو.

– لن يحصل عملاء الاحتلال في كابل على ما حصل عليه زملاؤهم في سايجون بالهروب جوًّا من فوق سطح السفارة الأمريكية أثناء سقوط العاصمة في أيدى الثوار. وهذه هي الأسباب.

– حدثت طفرة في الوضع السياسي لحركة طالبان في وسطها الأسيوي، مع قبول لحقيقة أنها مستقبل أفغانستان القادم. وينبغي أن تسعى الحركة إلى طفرة تسليحية طبقا لمعادلة (الصديق وقت الضيق). وهناك أرضية واقعية للتعاون الاستراتيجي مع الجميع.

 – سيهرب جيش الاحتلال بدون أن ينقذ سوى عدد محدود من كبار العملاء، على رأسهم حكمتيار .. لماذا ؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

سياسة الاحتلال الأمريكي في إبادة المدنيين الأفغان وتدمير مصادر رزقهم وهدم بيوتهم وقتلهم جماعيا بدم بارد، هي درجة من الوحشية لم يصل إليها الاحتلال السوفييتي في أوج جبروته. فالقصف المدفعي يترافق مع الغارات الجوية في وقت واحد، لإزالة قرى كاملة بسكانها من فوق سطح الأرض. والمداهمات الليلية بالقوات  الخاصة المحمولة جوًّا (فرق الموت) تمارس تفجير البيوت وقتل السكان بدم بارد، وخطف العديد منهم على اختلاف أعمارهم ومهنهم، والطيران بهم إلى المجهول، حيث يختفون إلى الأبد، ونادرًا ما يظهر منهم أحد مرة أخرى إما نتيجة للتعذيب حتى الموت، أو لاستخدامهم كقطع غيار في تجارة الأعضاء البشرية.

وتدمير المدارس الدينية يحظى بأولوية خاصة، سواء بالاغتيال الفردي للطلاب والمدرسين والعلماء أو بالقصف الجوي لحفلات التخرّج التي يحضرها وجهاء القوم وأولياء أمور الطلاب، فيسقط المئات ما بين قتيل وجريح. وهناك استهداف زائد لمواد الرزق سواء بنهب وإحراق الدكاكين التجارية أو قتل المزارعين في حقولهم بواسطة طائرات “الدرون”. أمّا تجمعات السكان في الأعراس والمآتم فهي هدف ثابت للطيران الأمريكى منذ اليوم الأول للعدوان. ونفس الشيء يقال عن استهداف الطائرات لسيارات المسافرين على الطرقات العامة بشكل عشوائي ومستهتر، وكأنه ممارسة لنوع من الرياضة أو التسلية التي لا تتاح لهم في بلادهم.

 

 

الهيئات الدولية والإبادة الجماعية للأفغان:

تواطؤ الهيئات الدولية مع الاحتلال الأمريكي هو أمر مشهور ومعروف للجميع. لذا لا يمكن التعويل على تلك الهيئات لإنقاذ مسلمي أفغانستان، أو أي مسلم صاحب حق في أي مكان. وتلك الهيئات مهنتها في أفغانستان التغطية على جرائم الاحتلال ، واتّهام المجاهدين بقتل شعبهم. وفي أفضل الحالات تقدم تلك الهيئات احتجاجا باهتا على جرائم كبرى ارتكبها الاحتلال ويصعب التستر عليها.

لا يمكن أيضًا التعويل على دعم ” إنساني” أوروبي حيث أن حلفهم العسكري “الناتو” هو شريك أصيل في جرائم الاحتلال. ولا داعي للحديث عن دعم إسلامي حكومي أوحتى شعبي، فالكل مشغول بصراعات مع نفسه ومع غيره، صراعات لا تنتهي ولا أصل لمعظمها.

 

هزيمة الروس في جروزني وقواعد الاشتباك الجديدة في أفغانستان

في بداية حرب الشيشان الأولى (1994 ـ 1996) تمكن الروس من طرد المجاهدين الشيشان من العاصمة جروزني ثم ملاحقتهم حتى أطراف الشيشان والتنكيل العنيف بالسكان لقطع تعاونهم مع المقاومة. وبالفعل خرج الكثير من المجاهدين والسكان من الشيشان ولم يتمكنوا من البقاء فيها، إلى أن عثروا على الحل، وهو التجمّع في هجوم على العاصمة، التي كانت القوات الروسية فيها غير جاهزة معنويًا لصد هجوم. فنجح المجاهدون في الاستيلاء على العاصمة جروزني بعد قتال شرس، وانتهت الحرب الأولى بانتصارهم على الروس.

 

 

من دروس معركة جروزني :

– إذا نشط العدوّ في الانتقام من الأطراف لإرهاب السكان وطرد المقاومة فإن الحل هو الهجوم على العاصمة، ليضطرّ العدوّ إلى وقف نشاطه في الأطراف أو تقليله إلى أقصى حد.

– لا يستطيع العدوّ تحمّل تهديد خطير على العاصمة، ولكن يمكنه تحمل تهديد أو حتى سقوط أي مدينة أخرى. لذا يركز كل تفكيره وقوته للدفاع عن العاصمة ومنع سقوطها.

– الهجوم على العاصمة كما أنه تطوير لقواعد الاشتباك، فإنّ مداه الطبيعي هو الاستيلاء على العاصمة وإعلان الانتصار النهائي في الحرب.

– الهجوم العنيد على العاصمة يصيب النظام بالرعب وفقدان الثقة في النفس وفي الحكومة المحلية العميلة، فتزداد النزاعات والإنشقاقات في كافة الاتجاهات. وكثيرون من رؤوس النظام يفكرون في حلول خاصة بهم، إما بالفرار إلى خارج البلاد أو بمحاولة الالتحاق بالنظام القادم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 كابل هي الحل :

– إعلان كابل منطقة قتال مفتوح مع الاحتلال، هو المدخل الصحيح لوضع قواعد جديدة للاشتباك، تتيح للمجاهدين الخروج من المعضلة الحالية، ومن مأزق العجز عن توفير الحماية لجميع المدنيين في ثلاثة أرباع البلد حيث السيادة لحركة طالبان، ناهيك عن تعرض المدنيين في الأراضي الخاضعة لسلطة الاحتلال وعملائه لنفس المعضلة، وليس أمامهم سوى الاستنجاد برحمة الخالق وبنجدة حركة طالبان. هذا بينما العدوّ يفاقم تلك المشكلة حتى يرغم طالبان على أمرين أحلاهما مُرّ: فإما تقديم تنازل جوهري عن أهداف جهادهم، أو أن تنهار العلاقة بينهم وبين الشعب الذي يعاني القتل والخراب  بشكل متواصل.

– في الوضع الجهادي الحالي في أفغانستان فإن الضغط على كابل سيريح سكان الأطراف كثيرًا ويرفع عنهم معظم الضغط. وتلك ميزة ليست متوفرة لأي مدينة أخرى. فقد هاجم المجاهدون مدينة غزني واستولوا عليها لعدة أيام، وأثناء احتدام معاركها شنت “عصابات الموت” المنقولة جوًّا غارات في عدة مناطق خاصة في ولاية فراه، حيث ارتكبوا مجزرة هناك للضغط على المجاهدين في غزني وإجبارهم على التراجع.

– كابل الآن تحت حصار فعلي باعتراف جنرالات الاحتلال الذين يرون استحالة تحقيق نصر عسكري على حركة طالبان. وخوفًا من هجمات طالبان لا يجرؤ جيش الاحتلال على نقل جنوده على طرقات العاصمة ويعتمد في تنقلاته على الطائرات. ويرى مسئول رفيع في كابل أن الحكومة تعجز عن عقد أيّ اجتماع خارج القصور كثيفة الحماية.

– يمتلك طالبان أرضية عمليات قوية للغاية داخل كابل، وتواجد متنوع ما بين عسكري ومدني ولوجستي. مع نفوذ عميق داخل دوائر النّظام الحاكم وأجهزته العسكرية والأمنية والإدارية، وذلك في كافة المستويات العليا والدنيا والمتوسطة. والبنية التحتية للمجاهدين في كابل إضافة إلى قوتها الذاتية، فإنها مستندة إلى دعم مجموعات جهادية قوية في الولايات المحيطة بالعاصمة.

 

الضغط المتدرج على العاصمة:

1ـ الخطوة الأولى هي الإعلان بأنّ العاصمة أصبحت ميدانًا لحرب مفتوحة بين المجاهدين وبين الاحتلال ومعه الحكومة العميلة.

2ـ الخطوة الثانية: المطالبة بإخلاء الأحياء الهامّة في العاصمة من النّشاط الدبلوماسي والمالي والتجاري ومن السكان، خلال مهلة محددة قد تكون شهرًا واحدًا.

مع ضمان حرية التنقل صوب المدن الأخرى لمن أراد مواصلة أعماله أو إقامته. وكل من يتخلف عن الرحيل خلال المهلة المذكورة يتحمّل هو نفسه مسئولية أي مخاطر يتعرض لها.

3 ـ العمليات العسكرية في العاصمة تكون طبق خطة متدرجة مُحَضَّرَة سلفاً وتتصاعد طبقا للتطورات العسكرية والسياسية. مع عدم استبعاد إمكانية الاجتياح الشامل للعاصمة عند ترنح النظام العميل، وحماته الأمريكيين. وكلما اشتدّ الضغط على العدوّ في العاصمة تراخت هجماته على المدنيين في الأطراف.

4 ـ مطالبة جميع المنتسبين للحكومة العميلة وفي أجهزتها المختلفة (عسكرية ـ أمنية ـ ادارية ـ اقتصادية) بالالتحاق بالإمارة الإسلامية، وتسجيل أسمائهم ومكان إقامتهم في أقرب تجمّع لطالبان، لتوفير الأمن لهم ولعائلاتهم، والتمتّع بإمكانية العفو العامّ طبقًا لقوانين الشريعة. ومن يصر على البقاء حتى فتح المدينة فسوف يتعرض للعقوبات الشرعية  الخاصة بالخونة والقتلة المتعاونين مع العدوّ. ولن يستطيع شيء إنقاذهم من ذلك المصير، كما حدث قبلًا لأعوان النظام الشيوعي عند فتح كابل على يد طالبان. ومن المشكوك فيه أن تتمكن مروحيات العدوّ من إنقاذهم من فوق سطح السفارة الأمريكية في كابل. أولا لأن السفارة نفسها قد لا تكون قائمة في ذلك الوقت، كما أنّ البحر ليس قريبًا من كابل كما كان قريبًا من سايجون، حيث تواجد الأسطول الأمريكي، ليلتقط أفواج العملاء الهاربين جوًا والسابحين بحرًا. أما من يقرر منهم البقاء في كابل واختيار طريقة الرئيس الماركسي نجيب الله، فإن أعمدة الإنارة في كابل كثيرة وتكفي لتعليق الجميع. فقط على كل منهم / وبكل ديموقراطية / أن يختار العمود الذي يناسب مقامه ومركزه في النظام العميل .

 

طفرة في الوضع السياسي لطالبان :

استضافت موسكو مؤتمر لمناقشة الوضع في أفغانستان بحضور حركة طالبان. وكانت خطوة كبيرة من موسكو نحو الاقتراب من الحركة. ولكن مازال الطريق طويلًا نحو تطبيع كامل للعلاقات وعبور حفرة النيران التي تركتها الحرب السوفيتية في العلاقات الروسية الأفغانية.

بكين بدورها اعترفت بحركة طالبان كطرف سياسي فاعل في أفغانستان. وهذه خطوة كبرى في مسيرة الألف ميل لتطبع العلاقات بين بكين وكابل.

إيران بدورها استقبلت وفد طالبان وتفاوضت مباشرة معه في خطوة غير مسبوقة، ويمكن اعتبارها مجرد بداية لعصر جديد من العلاقات الإيجابية بين طهران وكابل.

الهند لم تحسم موقفها بعد، وربما هي في شك في استجابة طالبان لفتح صفحة جديدة في علاقات لم تكن مزدهرة، بل كانت أقرب للعداء الهندي النشط تجاه لتلك الحركة. عبور أزمة الثقة ممكن من بوابة طهران التي اندمجت مع نيودلهي في مشاريع استراتيجية لربط الهند بوسط آسيا عبر أفغانستان بواسطة ميناء تشابهار وشبكة خطوط سكة حديد طموحة تمر عبر أفغانستان من أجل تبادل تجاري نشط بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان.

وذلك كان دافعا لبكين أن تقترب أكثر من حركة طالبان حتى لا تنفرد الهند بمشاريع طموحة شبيهة بالحلم الصين المسمى (الحزام والطريق) أي طريق الحرير سابقًا.

** إذن أسهم حركة طالبان هي العليا عسكريا وسياسيا، وينبغي السهر على دفعها قدمًا وتحديدًا في وسط نادي عمالقة آسيا الأربعة ( الصين روسيا إيران الهند)، خاصة مع إسناد مهمة السياسة الخارجية في الإمارة الإسلامية إلى الملا عبد الغني برادر البطل العسكري المغوار وفارس العمل السياسي للإمارة حاليا. وتلك مهمّة كبرى للجهاز السياسي في الحركة في طوره الفعال الجديد. وحيث أن غاية السياسة والحرب واحدة. فإن ذلك الانطلاق السياسي الضخم يجب تحويله إلى مكاسب تسليحية كعربون لصداقة حقيقية تتخطى المجاملات الدبلوماسية، تطبيقا لقاعدة (الصديق وقت الضيق) .

وليس هناك أفضل من الشعب الأفغاني في العرفان بالجميل والوفاء للأصدقاء الحقيقيين.

ومعلوم بأن الطفرة السياسية في وضع حركة طالبان، مع الإمكانات التسليحية التي يمكن أن تنتج عنها، هي ظروف مواتية لعملية (تجديد قواعد الاشتباك) التي نتحدث عنها.

فالمناخ السياسي مناسب للغاية، وإمكانية تطوير القوة التسليحية متوافرة، وذلك عنصر مساعد. كما أن فتح كابول وفرار الاحتلال، سيفتح المجال على مصراعيه أمام أفغانستان لاحتلال مكانه (جيوسياسية) نادرة المثال في العالم المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

أسئلة هامة:

لماذا لن ينقذ الاحتلال جميع عملائه؟ 

ومن هم الأوفر حظًا في البقاء ؟؟.

ولماذا حكمتيار على رأس هؤلاء المحظوظين ؟؟.

يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة سوف تترك أفغانستان وشأنها، أو أن تلك الدولة الشيطانية ستترك أحدًا مستريحًا على ظهر هذا الكوكب طالما أن فيها عرق ينبض.

وعروق أمريكا وقلبها النابض هو البنوك اليهودية الكبرى. ومعظم الدماء التي يشتغل عليها قلب ذلك الشيطان هو المال المعتصر من دماء فقراء ومظاليم هذا العالم. وفي المقدمة شعب أفغانستان الذي يزود تلك الآلة الشيطانية بترليون دولار سنويا أو يزيد، هي عائدات بيع الهيروين حول العالم، والذي يستخرجه الجيش الأمريكي من أفيون أفغانستان، مقابل عدة ملايين من الدولارات يذهب معظمها لتجار وسماسرة ومرابون محليون ، وتبقى الديون تتزايد على رأس المزارع الأفغاني الذي لا يجد مخرجاً من جحيم زراعة الأفيون.

– لم تتكلم الولايات المتحدة عن مغادرة أفغانستان إلا بعد أن استكملت بالفعل الأدوات التنفيذية لخطتها البديلة من أجل ضمان مصالحها، وعلى رأسها الأفيون .

ــ الجيش الأمريكي (15000 جندي) سوف ينسحب، ولكن ماذا عن جيش المخابرات المركزية الأمريكية وروافدها المحلية، وشركات المرتزقة الدوليون من بلاك ووتر وأخواتها.

ــ وماذا عن الدواعش الذين اندمجوا ـ حرفيا ـ في جيش المخابرات الأمريكية تدريباً وتسليحاَ وعملياتياً؟؟. فالقوات الخاصة الأمريكية وقوات المخابرات الأمريكية المرافقة لها يشنون الغارات لتحرير الدواعش من سجون طالبان، أو لإنقاذهم من الحصار. بينما يقوم الطيران الأمريكي والعميل بدكّ السجون المحتجز بها جنود الجيش والشرطة لدى حركة طالبان، كما حدث في موسى قلعة، رغم أن الحركة تفرج عن معظمهم وتسلمهم إلى عائلاتهم وقبائلهم بعد أخذ التعهدات عليهم بعدم القتال ضد المجاهدين مرة أخرى. فلماذا تخشى الحكومة من سياسة طالبان الإفراج عن الجنود الأسرى؟.

ــ للدواعش دور هام في السياسة الجديدة للتدخل الأمريكي في شئون أفغانستان، ونزح ثرواتها وعلى رأسها الأفيون ومعادن أخرى نادرة. وما دمنا نتحدث عن دواعش أفغانستان فإننا نتكلم بالضرورة عن عراب الدواعش الأفغان وأبيهم الروحي “حكمتيار”، خاصة وأن معظمهم قادمون من معسكرات المهاجرين التابعين له في باكستان.

 ــ لذا فإننا نتكلم بالضرورة عن باكستان كقاعدة خلفية لدواعش أفغانستان ـ وحتى للحركة الداعشية الدولية ـ التي وضعت باكستان لبناتها الأولى من تدريب وتجميع وتلقين المذهبي في مناطق الحدود الباكستانية قبل سنوات من ظهور دواعش العراق ومن تلاهم، وحتى قبل سنوات من بدء كارثة الربيع العربي.

ــ ونتكلم بالضرورة عن (حنيف أتمر) مستشار الأمن القومي للرئيس الأفغاني. وهو/ كمندوب عن الاحتلال /  مهندس مشروع داعش الأفغاني. وكان لابد له أن يدفع ثمنا في مقابل تعاون باكستان مع مشروع داعش الذي هو أحد أساسيات الوضع القادم في أفغانستان برعاية المخابرات الأمريكية.

لذا أهدى حنيف أتمر لباكستان جميع المناطق القبلية التي استولى عليها الاحتلال البريطاني لفترة مئة عام إنتهت عام 1993. قال حنيف إنه وقع مع باكستان اعترافا بخط “ديوراند” كفاصل للحدود الدولية بين البلدين. وكان من الفترض أن تعود مساحات شاسعة من الأرض المسروقة  إلى الوطن الأفغاني الأم . ولكن من لا يملك (حنيف أتمر) أهدى أرض أفغانستان لمن لا يستحق (نظام عمران خان). الذي بدأ مشروعا عملاقا لتسوير الحدود بين البلدين بالأسلاك الشائكة ومخافر الميليشيات، لتثبيت أمر واقع جائر وغير قانوني، وجعله أبديا.

دور باكستان القادم في مرحلة التدخّل التخريبي لأمريكا في أفغانستان هو دور محوري للغاية، يشمل حكمتيار وداعش، كما يشمل الترتيبات الجديدة لتجارة الهيروين الدولية، بداية من مراكز التصنيع الجديدة في أفغانستان، وصولا إلى طائرات النقل العسكري التابعة للقوات الأمريكية في باكستان، وأسطولها في كراتشي.

ــ يدير حكمتيار في أفغانستان عمليات نسف وتدمير واغتيالات بواسطة أبنائه الدواعش.     لقد ضمن ـ تقريبًا ـ نصيبًا بارزًا في برنامج أمريكا الجديد لتخريب أفغانستان ونهب ثرواتها بعد انسحاب الجيش الأمريكي وتولي الإمارة الإسلامية زمام الحكم، لتجد نفسها في مواجهة مرحلة تخربية تديرها الولايات المتحدة بمخابراتها وعملائها. وبالتالي فإن مخاطر حكمتيار بعد الانسحاب الأمريكي مرشحة للتزايد وليس التناقص. وذلك قد يضعه في مرتبة متقدمة من بين أعداء الشعب الخطرين. لهذا سيكون حكمتيار على رأس قائمة المحظوظين الذين سيحافظ عليهم الاحتلال لإعادة استخدامهم في المرحلة القادمة. وهناك قلائل من رجال النظام الحالي يتمتعون بهذا القدر من “الحظ السعيد”!!. فأكثرهم قد انتهت أدوارهم وسيكونون عبئا في المرحلة القادمة التي تحتاج إلى مهارات وإمكانات لا يتمتعون بها. لهذا سيتركهم الاحتلال خلف ظهره، أو سيرميهم بنفسه إلى سلة القمامة مع من سبقهم من عملاء انتهى عمرهم الافتراضي.

 ومع كل هذا القدر من “الحظ السعيد” والحظوة لدى الاحتلال ومخابراته، فإنّ الزعيم المتحول (حكمتيار) ، لن يكون أصعب منالا ممن سبقوه من العتاة ، من أمثال “عزيز كاروان” أو”جبار قهرمان” أو الجنرال “عبد الرازق” وغيرهم كثيرون، سقطوا من علياء سلطانهم وجبروتهم إلى الطين ، مُضَرَّجين بدماء الخيانة والعار .

 ولكلِ أجلٍ كتاب .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

المقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 8 )

– ضابط سوفيتى :{ لايمكن هزيمة ” المتمردين” بواسطة جيش يفر من المعركة ، وجنود ميليشيا لا يؤدون واجباتهم}.

– الوفود الإسلامية تجاهلت جبهات القتال وركزت على دعم سياف زعيما لأحزاب بيشاور .

– يونس خالص : الإخوان العرب أفسدوا كل شئ ، وبعد كل زيارة لهم تظهر لدينا مشاكل لم تكن موجودة قبلا. واللجنة العسكرية للإتحاد تحولت إلى لجنة لدفع أجرة نقل الأسلحة بالخيل والبغال .

– حقانى رفض منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية لأنها تحولت إلى لجنة لدفع نفقات نقل الأسلحة إلى الداخل ، ويتوجه لبدء معركة فى الأورجون رغم معارضة سياف .

– قائد حكمتيار فى أورجون يصر على منصب قيادة العمليات، ويفتح الطريق أمام النجدات السوفيتية.

– المباحثات بين مسعود والسوفييت إنتهت بعقد هدنة وصفها قائد ميدانى بأنها طعنة فى الظهر .

– إستعداد باكستانى وعالمى لقبول حكومة مشتركة “شيوعية/ إسلامية” بقيادة حكمتيار، والشيوعى بابراك كارمل  ،لفرض السلام على الجميع ووقف “الحرب الأهلية”.

– نقاش مع ضباط الإتحاد حول تصنيع الذخائر ، وحقانى يصف المشروع بأنه” الأهم فى الوقت الراهن”.

– دروس فى النقد الذاتى مع برهان الدين ربانى فى مدينة “وانا” جنوب وزيرستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

أحداث عام 1982م زودتنا بالعديد من الإشارات الهامة على المستوي الأفغاني والمستوي العربي. فمن تجربتنا  المباشرة في أطراف خوست إستنتجنا أن خوست يمكن فتحها بل أن السوفييت يمكن دحرهم من أفغانستان كلها.

وهكذا فإن الإنتصارات ـ حتى الصغير منها ـ تعطي دفعات معنوية هائلة.  وفي المقابل كانت القوات الشيوعية تنهار معنوياتها بنفس المقدار. وفي تصريح نادر قال أحد الضباط السوفييت للصحافة ):

لا يمكننا هزيمة هؤلاء المتمردين بواسطة جيش يفر من المعركة وجنود ميليشيا لا يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل).وهو تصريح يصلح لأن يقوله ضابط أمريكى الآن فى عام 2019 وفي ليجاه أيضا قصفت طائرات الهليكوبتر مراكز المجاهدن بنحو 3600 صاروخ في المعركة الأخيرة فقط !! . وأسقط المجاهدون إحدى هذه الطائرات ـ وربما أكثر من واحدة ـ ووجدوا جثث  متفحمة لنساء في واحدة منها .

لا ندري حتى الآن السر في وجود هؤلاء النساء في الهليكوبتر،  ولكن الحادث نفسه إستفز مشاعر المجاهدين وسكان المنطقة .

 

ثورة فى الأورجون

مع بداية عام 1983م كان المجهود الإسلامي الشعبي منحصراً في جمع التبرعات العينية للمجاهدين الأفغان. ومقولة أن الأفغان ليسوا في حاجة إلي الرجال كانت هي السائدة ويروج لها الإخوان المسلمين وباقي العاملين على الساحة الإسلامية الشعبية .

وصلت إلي بيشاور في ربيع ذلك العام لأجد الضجيج واللغط أعلى من أي عام سبق . والوفود الإسلامية الوافدة في قمة نشاطها . لقد جمعت السعودية أبرز الشخصيات الإخوانية مع بعض السلفيين وعدد  من أبرز ضباط إستخباراتها وكونت (لوبي) إسلامي شعبي ، يضغط من أجل تثبيت زعامة سياف للجهاد في أفغانستان، وأيضا للضغط إعلاميا وشعبيا على ضياء الحق حتى يتوقف عن مساعدة الأحزاب الأخرى.

رغم أن ضياء الحق كانت له حساباته المختلفة ،ويعتبر حكمتيار هو الورقة الباكستانية الثابتة والأكيدة على الساحة الأفغانية.

ومع هذا نجحت الضغوط السعودية بإستخدام الأموال لتسكين خواطر قادة الأحزاب الأفغانية وبإستخدام القيمة الدينية للكعبة المشرفة، فجذبت السعودية ووفدها الإسلامي زعماء الأفغان إلي داخل الكعبة كي يقسم الجميع على البقاء في الإتحاد وعدم الخروج عليه وعلى طاعة زعيمه سياف والقسم على حل المنظمات التابعة لهم والإندماج كليا في الإتحاد .

وقد وقع القادة على بيانات تفيد بذلك ، وقامت السعودية والإعلام الإخواني بنشر تلك البيانات علي أوسع نطاق ممكن .

بالطبع لم يكن ضياء الحق راضيا عما حدث ، والقادة الأفغان كانوا في غاية الإمتعاض. وما أن حصلوا على الأموال التي وزعها عليهم الوفد الإسلامي ومسؤولي السعودية لقاء التوقيع على أوراق الإتحاد ، حتى توجه الزعماء جميعا ـ ما عدا سياف طبعا ـ إلى ضياء الحق كي يخبروه بأن ما حدث ليس إلا مجاملات دبلوماسية للوفود العربية، فلا يأخذ مثل ذلك التهريج السعودي مأخذ الجد.

ولكن الصراع الداخلي بين المنظمات صار أكثر حدة ، ليس فقط في مجال الحرب النفسية وحرب الشائعات في بيشاور والخارج ، بل أن الصدامات المسلحة شهدت منذ ذلك الوقت إتساعا ونموا كبيرا وألقت المنظمات الرئيسية معظم جهدها الداخلي في تنمية الصراع والقتال الداخلي.

لم يكن الإخوان أو السعوديين أو الوفود الإسلامية التي بدأ عددها يتزايد وكمية الأموال التي تحملها لسياف تتعاظم ، لم يكن يخطر ببالهم ـ أو أنهم تجاهلوا عمدا ـ مسألة الإتصال المباشر بالجبهات وكأن ذلك في إعتبارهم من الموبقات .

حتي سياف نفسه كان بعيدا جدا عن الجبهات أو العناية بشأنها . كان غارقا حتى أذنيه في الصراع مع زملائه قادة الأحزاب وكل همه منصب على تجفيف مواردهم المالية الخارجية ، أي الإستحواذ منفردا على نهر الأموال المتدفق من جزيرة العرب. كان ذلك يمكن فهمه لو أن سياف توجه بتلك الأموال ـ التي أكسبته قوة سياسية ومؤيدين وجذبت رائحتها عشرات القادة في الداخل، فبايعوه وأعينهم بالطبع على خزينته الممتلئة ـ لو أنة توجه بتلك القوة المالية والسياسية نحو جبهة  القتال لكان ما يفعله معقولا ومبررا.

 

منعطف فى معركة الأورجون

مع وصولي إلى بيشاور وجدت الشيخ يونس خالص متبرما ويضج بالشكوى من سياف والقاد والعرب. وأفاض معي بالشكوى قائلا :

إن “الإخوان العرب” أفسدوا كل شيء وأصبح الجهاد مهددا بالفشل من جراء تدخلهم . هم يأتون ويذهبون وفي كل مرة يخلقون ورائهم جبالا من المشاكل لم تكن موجودة أصلا . إنهم يحاولون شراءنا بالمال . قبل أن يعقدوا بيننا الإتحاد الأخير وزعوا علينا الشيكات وكأنها رشوة حتى نقبل بسياف . ولما جلسنا معهم وبدأت أنتقد سياسة  سياف تدخل أحدهم لمنعي من الكلام ، وأخرجت الشيك من جيبي ورميته إليه قائلا :”إذا كان هذا الشيك سيمنعني من الكلام فأنا لا أريده” . لقد جعلونا نقسم داخل الكعبة على الإتحاد وقبل أن نخرج من باب الحرم المكي بدأت الخلافات بيننا. ليس بيننا إتحاد وكل زعيم يعمل لمصلحته ولحزبه الخاص.

أنا رئيس اللجنة المالية وليس من صلاحيتي إستلام أموال التبرعات، وليس من صلاحيتي طلب كشوفات الصرف من رؤساء اللجان

 ـ الذين هم رؤساءالأحزاب ـ لقد أخذ كل منهم المال لنفسه ولحزبه ،تقسمت بينهم الأموال

 ولم يصل شيء للمجاهدين .

مثلا : اللجنة العسكرية التي يرأسها رباني صرفنا لها أكبر مبلغ من الميزانية وهو 260 مليون روبية باكستانية وإتفقنا مع رباني أن يدفع للمجاهدين أجرة إنتقال السلاح إلى داخل أفغاسنتان.

ولكنه دفع فقط لهؤلاء التابعين لحزبه (الجمعية الإسلامية) وعندما جاء له مجاهدو الأحزاب

الأخرى قال لهم أن الميزانية قد نفذت .والنتيجة أن قوافل المجاهدين التي تنقل السلاح جلست على الحدود ترفض التحرك إلي الداخل بدعوى أنها لا تملك أجرة النقل} .

قابلت الصديق القديم مولوي جلال الدين حقاني . كان أيضا في بيشاور وقد كلفه سياف أن يكون نائبا لرباني في اللجنة العسكرية . كان حقاني غير راض عن اللجنة العسكرية التي لاهم لها إلا دفع أجرة نقل الأسلحة بالبغال والخيل . فهي لجنة  نقليات وليست لجنة عسكرية .

إضطر حقاني لمغادرة بيشاور رغم عدم موافقة سياف . فقد كان لدى حقاني برنامج للعمليات ضد مدينة أورجون في ولاية باكتكا الواقعة إلى جنوب ولاية باكتيا( وتربطهما نفس السلاسل

الجبلية والوديان بل ونفس القبائل) .

تمكن حقاني من الحصول على نصف مليون روبية باكستانية من سياف لتمويل العمليات في الأورجون . وكنت برفقة حقاني وهو يغادر بيشاور كى أحضر تلك العمليات .

على بعد حوالي 40كم من بيشاور تقع قرية (دارا آدم خيل) التي تديرها القبائل الباكستانية وتتخذها مركزا لتصنيع وبيع الأسلحة ، ثم المخدرات والبضائع المهربة .

كان لحقاني أصدقاء أقوياء من تجار(دارا) كانوا على إستعداد لإقراضه معدات وذخائر بالملايين، على أن يؤجل الدفع إلى حين ميسرة . لم يخرج حقاني من (دارا) إلا وقد فرغ جيبه تماما ، إشترى مدفع واحد مضاد للطائرات(14.5مم) وذخائر للمدفع المذكور ولمدفع الدوشكا الموجود بالجبهة . إضافة إلى ذخائر خفيفة  ومنظاراً لمدفع ميدان . وخرج مديونا آخر النهار ، ولكنه كان سعيداً بتلك الإضافات الجديدة .

كان معنا في الرحلة ثلاثة شخصيات عسكرية ممتازة . الأول الرائد (جولزراك) المدرس السابق في الكلية الحربية والشاعر والمؤلف الأديب . والثاني الضابط محمد أختر الذي طرد من الجيش وسجن عدة سنوات مع سياف بسبب إنتمائه الإسلامي . والثالث ضابط المدفعية سراج الدين ، وقد كان قوي البنية متجهم الوجه ولا أذكر أنني رأيته مبتسما. وإنضم إلينا رابع هو الضابط معافي خان ، كان هو أيضا قوي الجسم ولكنه خجول لطيف المعشر ودود مع كل الزملاء .

والأخير إستمرت معرفتي به حتى نهاية الحرب حيث أصبح قائدا بارزا من قادة حقاني . أما الثلاثة الآخرون فقد كانت تلك بداية عملهم مع (الإتحاد) وتحت قيادة سياف . كان سراج الدين ومعافي خان كلاهما من رجال المدفعية وكانت مهمتهما تشغيل أحد المدافع لمساندة المجاهدين . أما جولزراك ومحمد أختر فكلاهما كانت مهمته إستشارية وأيضا لجعل هذه المعركة بإسم الإتحاد الإسلامي لمجاهدين أفغانستان . وأظنها كانت المرة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ التي يحاول سياف أن يدعم معركة عسكرية ليست نابعة من تنظيمه ، ولكنه حتى ذلك الوقت كان يعتبر حقاني أقرب حلفائه . ويكفي أنه السبب المباشر في إنتخابه رئيسا للإتحاد عام 1980م كما أنه من أكبر الدعاة إلى الإتحاد بين فصائل المجاهدين .

مع الضباط الثلاثة أجريت نقاشات كثيرة ممتعة أفادتني كثيرا في التعرف على أحوال الجيش قبل الإنقلاب الشيوعي وتصرفات الضباط المعادين للشيوعية في الجيش وكيف دبروا عدة محاولات إنقلابية فشلت جميعها  بسبب الإرتجال وسوء التنظيم . كما رتبوا الكثير من عمليات الفرار مع جنودهم وعتادهم وإنضموا للمجاهدين وتأثرت كثيرا بقصص التطهيرالدموي داخل الجيش الأفغاني . وللحقيقة فإن السوفييت إستطاعوا تكوين كوادر عالية التأهيل داخل قطاعات الجيش والمخابرات والحزب أو الأحزاب الشيوعية .

وكان الإنقلاب الشيوعي عام 1978م خاتمة سلسلة أعمال دؤوبة ومنظمة ينفذها الشيوعيون الأفغان تحت توجيه مباشر من مسؤوليهم في السفارة السوفييتية في كابل . وكان للمسلمين بعض المجهود التنظيمي داخل الجيش، خاصة من طرف حكمتيار، ولكنها كانت سيئة وبدائية لذا كشفت بسهولة وقمعها الشيوعيون بوحشية بالغة.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 عرقلة الفتح :

كان من المفروض أن ينهي الوفد العسكري الإتحادي بالتعاون مع حقاني مباحثات مع قادة المنطقة من الأحزاب المختلفة بهدف شن هجوم موحد على مدينة أورجون . طالت المباحثات كثيرا رغم إتفاق معظم القيادات على العمل بشكل مشترك تحت قيادة حقاني . ولكن قائد حزب إسلامي حكمتيار رفض هذا الإتفاق وأصر أن يكون هو القائد العام . كان ذلك القائد حديث السن والتجربة ولم يكن موضع ترحيب من الآخرين لأسباب متعددة ولكنه أصر . هذا القائد ويدعى(خالد فاروقي) وافق في نهاية الأمر أن يمنع النجدات العسكرية الشيوعية من دخول المنطقة حيث أن موقعه على التلال والجبال المشرفة على الطريق تمكنه من ذلك ،ورغماً عن سهولة العملية لكون الطريق قد تم تلغيمه بكثافة . فقد ضاعت عدة أشهر في تلك المباحثات  حتى بدأت المعارك مع دخول الشتاء. إنضمت دبابتان إلى المجاهدين ، في إحدهما ضابط كبير يدعى “نظر محمد” من قبيلة زدران وعلي درجة من القرابة مع الضابط الإتحادي جولزراك. ( فيما بعد إنضم نظر محمد إلى حزب سياف وعميلا مزدوجا للقوات الحكومية. فكان من الأسباب الرئيسية فى سقوط جبال ستى كاندو وعبور الجيش السوفيتى إلى خوست لأول وأخر مرة ـ  فى تلك الحرب وذلك فى شتاء عام( 87 ــ 1988 ).

إستخدم المجاهدون الدبابتين في فتح الحصن  الذي كنا نشتبك معه . ثم هاجم المجاهدون المدينة نفسها وإقتحموا نصفها، وتهيأ النصف الآخر للإستسلام لولا أن حدثت مفاجأة.

جاء الخبر أن القوات الروسية قد عبرت المناطق الملغومة وهي في طريقها إلي المدينة. أصدر حقاني أوامره إلي المجاهدين بالإنسحاب فورا من الوادي والصعود إلى قمم الجبال . لقد بدأت القوات الروسية حملة مطارة شرسة للمجاهدين ، وكانت الثلوج قد غمرت المنطقة وجعلت حياة المجاهدين لا تطاق . فليس لديهم مراكز إيواء فالطيران يطاردهم في كل مكان والهيلوكبتر توجه نيران الصواريخ والمدفعية . وتسرب المجاهدون إلي خارج المنطقة ، ولم يتبق إلا حقاني وعدد محدود جدا من المجاهدين . وإنتشرت إشاعة بأن الروس سوف يقومون بعمليات إنزال خلف المجاهدين لقطع طريق إتصالهم مع باكستان . لقد كانت تجربة عسيرة بالنسبة لحقاني ، ولكنها لم تكن الوحيدة في حياته من هذا النوع .

كان سبب هذا الإنقلاب أن خالد فاروقي ترك مراكزه فوق الجبال وغادر المنطقة بسبب  البرد والثلج وبدون أن يخطر حقاني بذلك . فأوقع بذلك هزيمة مؤلمة بالمجاهدين وأضاع عليهم نصرا لا شك فيه .

مثل هذه الحوادث تكررت بشكل لا يترك لدينا شك في أنها كانت مرتبطة بالصراعات الحزبية والأحقاد الشخصية وأحيانا بأوامر من باكستان  كما سنرى تفصيلا في مناسبات لاحقة سوف نتناولها.  إن رفض فاروقي للإتفاق أخر المعركة عن موعدها المقرر عدة أشهر حتى بدأت في موسم الثلوج الذي لا يناسب المجاهدين بأي شكل ولكنه يناسب العدو بشكل مثالي .

 

التصنيع العسكرى:

كان الضباط الثلاثة أذكياء ومثقفين على غير عادة ضباط الجيش . وبقدر ما كانت أحاديثي معهم مفيدة ومفعمة بالأمل إلا أنها إنتهت بالدخول إلي أبواب مشاريع عملية أدت إلي تبديل مساري مع سياف والإتحاد، بل أثرت إلى درجة بالغة على تواجدي في أفغانستان وحتى نهاية الحرب ، وربما إلي وقتنا الحالي . ولنبدأ القصة من أولها .

بينما نحن في الجبهة والمناوشات مع العدو على أشدها وكان نجم الموقف هو مدفع الدشكا وراميه العجيب الذي صار مضرب الأمثال في الصبر والصمود والدهاء ، فقد كان مشتبكا بمفرده مع حصن رئيسي للعدو ، ومع الهيلوكبتر الذي يداهمه من آن لآخر ثم مع المدفعية التي تباغته علي فترات متقطعة .

صار الرجل مضرب الأمثال في موقعه المنعزل ، ولا يطيق أحد من المجاهدين أن يصبر معه يوما واحدا أو يومين . بينما هو راسخ كالجبل يشتبك بمفرده مع جيش كامل ، فأثار حماس الجميع وكانت تذهب إليه وفود المجاهدين للتهنئة وتقدم له الدعم من بعيد خاصة ضد مشاة العدو إذا حاولوا التقدم للقضاء عليه. وفجأة توفقت الدشكا وتقهقر الرامي إلى الخطوط الخلفية. فقد نفذت الذخائر. عم الحزن صفوف المجاهدين لتوقف هذه الإشتباكات الرائعة والمثيرة ، وبدأ الطيران بأنواعه يكنس المنطقة موقعا موقعا . إستغرق الأمر حوالي أسبوع حتى

إستطاع مولوي (محمد حسن)، قائد الموقع أن يجد عدة صناديق ذخيرة . هنا تساءلت على إستحياء لشعوري أنني أتطرق إلى أسرار عسكرية فسألت الرائد جولزراك ـ وقد كان أقرب أفراد المجموعة إلى نفسي ـ سألته : (ألا يصنع الإتحاد ذخائر للأسلحة الأساسية؟). وفي الحقيقة كنت أتوقع أن سياف قد بدأ منذ مدة في شيء مثل هذا .

ولكنني فوجئت بتأكيد جولزراك أن مثل هذا الشيء غير موجود بل أنه ـ على خطورته ـ لم يطرح للبحث ولو لمرة واحدة !!.

وهنا تدخل باقي الضباط وإتسعت المناقشة لتشمل الوضع السياسي للقضية الأفغانية إضافة إلى وضعها الداخلي سياسيا وعسكريا ، وكانت حقا مناقشة مستفيضة ، بل ممتعة ومفيدة والأهم أننا خرجنا في نهايتها بقرار ومسودة مشروع لتصنيع الذخائر على أن أتولى بشخصي مفاتحة سياف وإقناعه وبدء العمل معه في المشروع .

وذلك لما يعرفونه من قوة علاقتي به ولكوني عربي ـ وهذه هي المفاجأة ـ فسوف أستطيع تحريك الموضوع أكثر من أي واحد منهم رغم أنهم من الطاقم العسكري للإتحاد!! . وذلك للمكانة  الخاصة  التي يحظى بها العرب لدى سياف !!.

كانت مبررات العجلة في ذلك الأمر راجعة إلى الموقف السياسي العالمي من قضية أفغانستان ، إضافة إلي تطورات داخلية خطيرة .

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

الأمم المتحدة وباكستان ، لحل القضية :

ففي 22 أبريل 1983م إستطاع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لدى أفغانستان أن يتوصل إلى إتفاق بين حكومتي كابل وإسلام آباد. يقضي الإتفاق بالسعي عبر مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين وبواسطة الأمم المتحدة إلى إقرار تسوية سياسية لمشكلة أفغانستان من أجل وضع

أساس دائم لحسن الجوار بين البلدين .

كانت ضربة سياسية غير متوقعة إهتز لها وضع الجهاد وبدأت تظهر أولى معالم التآمر الدولي على المجاهدين ، وبواسطة باكستان المحضن الأساسي للأحزاب والمجاهدين . وكان التوقيت في حد ذاته دعما سياسيا لنظام كابل الذي يحتفل سنويا بيوم الثامن والعشرين من أبريل لذكرى الإنقلاب الشيوعي .

فظهر الأمر كأنه هدية أعياد الميلاد تهديها الأمم المتحدة للنظام الشيوعى . وكانت أول إشارة عن حالة العداء المكتوم الذي تكنه المنظمة الدولية للأفغان وقضيتهم الجهادية. طبعا حاول أرباب الجهاد أن يردوا بطريقتهم التهريجية على ذلك التحدي الدولي فجاء الأعلان عن الإتحاد السباعي الذي تحدثنا عنه منذ قليل والذي نظمته الإستخبارات السعودية والإخوان المسلمون وأفراد آخرون لا ينقصهم الإخلاص ولا الأموال ، ولا السذاجة أيضا .

وكان الإعلان عن قيام الإتحاد(الورقي) في 22 مايو 1983م . (الموافق التاسع من شعبان 1403هـ) .

ولا شك أن الإتحاد المزعوم كان تفاقما للأزمة السياسية التي يعيشها الجهاد منذ نشأته . وجاءت الخطوة الدولية ببدء المفاوضات لتزيد الأزمة سوءا وتفتح مزاد البيع والشراء في قضية الشعب الأفغاني بل قضية الجهاد الإسلامي نفسه .

داخليا كانت هناك كارثة لا تقل سوءا. فبعد  حملات بانشير التي يقال أنها وصلت إلى سبع حملات عنيفة قام بها السوفييت لتدمير قواعد مسعود في بانشير .

هذه الحملات أسفرت مؤخرا عن مباحثات ثنائية بين مسعود والجنرالات السوفييت إنتهت بإعلان هدنة بين الطرفين . وكانت قنبلة أحدثت دويا عنيفا في أوساط المجاهدين في الداخل، ولغطا في بيشاور التي لا ينقصها  اللغط .

بعض القادة المخلصين في الجبهات أخبرني وقتها بأن هدنة مسعود إنما هي طعنة في  الظهر وبداية النهاية للجهاد ، وفي الداخل كانت تعليقات المجاهدين تدور حول هذا المعنى .

تحدثت مع ضباط الإتحاد … وكان تقييمنا أننا أمام مؤامرة دولية وإنهيار داخلي عند مسعود قد يكون مؤامرة داخلية كما يعتقد البعض. إذن عاجلا أو آجلا فسوف تقطع المساعدات الخارجية القادمة عبر باكستان ، بل أنها قد تغلق الحدود في وجه المجاهدين في محاولة لفرض تسوية سياسية لقضيتهم لا توافق أهدافهم الإسلامية .

وزاد الطين بلة تسريبات روجتها الصحافة العالمية عن إستعداد باكستاني لقبول حكومة شيوعية  إسلامية مشتركة ، يكون فيها بابراك كارمل الزعيم الشيوعي الأفغاني رئيسا للبلاد ، ويكون حكمتيار الزعيم الأصولي المتشدد رئيسا للوزراء .

وبهذا يكون الرجلان القويان قادران على فرض السلام على جميع الأطراف ووقف (الحرب الأهلية في البلاد!!) .

كانت تلك أول إشارة ، ولم يصدقها أحد خاصة نحن من السذج المتحمسين، فمهما كانت تحفظاتنا على قادة الأحزاب فلن يقبل أيا منهم بالمشاركة في السلطة مع الشيوعيين ، وكم أثبتت السنوات التالية مقدارغبائنا .

المهم كان إستنتاجنا الأساسي أنه لا بد من السعي نحو الإكتفاء ذاتيا من الذخائر المهمة وتصنيعها داخل المناطق المحررة من أفغانستان تحسبا لاحتمال إغلاق الحدود مستقبلا عند إقرار تسوية سياسية . وقلنا أنه حتى في حالة فشل مثل تلك التسوية أو تأخيرها ، فإن إمتلاك المجاهدين تلك القدرة التصنيعية والإكتفاء الذاتي في الأساسيات سوف يقوي موقفهم إزاء باكستان وأي طرف خارجي يحاول الضغط عليهم أو التأثير على قرارهم . كانت إستنتاجاتنا منطقية ومعقولة وتحمس الجميع لها لدرجة أنهم تعجلوا ذهابي إلى بيشاور لبحث الأمر مع سياف والبدء فيه فورا .

كما أن الجبهة هي أفضل مكان لقضاء شهر رمضان ، كذلك فإن أمتع أيام العيد تكون هناك. خاصة إذا لم يهاجم العدو .قضينا يومين من المرح ومسابقات الرماية . وبما أنني كنت  صاحب الفكرة فقد إضطررت إلى تمويل برامج الجوائز . إستطعنا الحصول على بعض البيض  والحلوى المخزونة منذ العهد الملكي.

ولكن، نسيت أن أقول أيضا أن الجبهة هي أفضل مكان  تكتشف فيه أن حتى أبشع المأكولات التي ترفضها في حياتك العادية تجدها أشهى من  طعام الملوك . ودعت الجميع … مودعا ذلك الجو القدسي … مقبلا بكل أسى نحو بيشاور ثم بلاد العرب .

كان عليّ  أن أقابل حقاني في مدينة ميرانشاه . وأتى معي أيضا مولوي محمد حسن لتعزية حقاني الذي توفيت أخته في شهر رمضان … وقد ترك الجبهة فجأة عندما علم بحالتها و حضر وفاتها … وما أكثر الحالات التي تلقى فيها حقاني التعازي .

 

مع رباني فی ( وانا )  :

ربانى والنقد الذاتى

(وانا) مدينة جبلية وهي عاصمة الجزء الجنوبي لمنطقة وزيرستان الحدودية ، كما أن ميرانشاه هي عاصمة الجزء الشمالي . والمسافة بينهما تقطعها السيارة العادية في ثمان ساعات .

قضينا الليلة هناك في بيت ريفي ضخم يملكه أحد الأفغان ويستضيف فيه المجاهدين أثناء عبورهم رغم أن أكثر الأحزاب إفتتحت لها بيوتا خاصة في المدينة . جلسنا في غرفة الضيافة وما هي إلا ساعة حتى سمعنا طلقات غزيرة تملأ السماء نورا والأرض ضجيجا.

(لقد وصل الأستاذ رباني)هكذا أخبرنا مضيفنا. وما هي إلا دقائق حتى وجدت الرجل يجلس إلى يساري هادئا وقورا خفيض الصوت . رحبت به بالعربية ففرح كثيرا لكوني عربي فلم يكن هذا وارداً في ذلك الوقت ، أي وجود العرب في تلك الأماكن وإندهش أكثر عندماعلم أنني قادم من الأورجون . وبدأ بيننا حديث طويل .

وبما أننا نجلس على الأرض في بيت طيني وفي منطقة قبلية نائية تهب عليها نسمات الجهاد من أفغانستان فقد تخيلت أنه حديث من القلب خاصة أن الرجل فاجأني بكمية من الصراحة و (النقد الذاتي) لم أتوقعها أو أطلبها منه . إنتقد رباني العرب وتدخلهم غير المدروس في شؤون الأفغان وأنهم يسببون من الأضرار أكثر مما يقدمون من الفوائد. وأن الإتحاد غير قائم عمليا وأن المشاكل بين المنظمات تتفاقم بسبب

محاولات العرب فرض سياف زعيما للإتحاد، وقال:

{ نحن فاشلون ولا نستطيع أن ندير مكتبا في بيشاور … فكيف ندير دولة في أفغانستان ؟؟}. ما زالت جملته تلك تدور في ذهني وأنا أشاهد ما يفعله الآن في كابل كرئيس للدولة هناك ، وكيف أنه إستبقى كل الشيوعيين المتبقين من حطام النظام السابق ، وإستخدمهم في نفس مواقعهم في قيادة الجيش والدولة . وكيف أنه يتحالف بشكل كامل مع بقايا جناح (بارشام الشيوعي)بينما يتحالف غريمه ورئيس وزرائه حكمتيار مع جناح (خلق الشيوعي).

في نفس ليلة وصولنا إلى ميرانشاه قابلنا حقاني الذي تحدث معنا بطريقته المعهودة عندما تداهمه الأحداث الشديدة.

لا يبتسم مطلقا ، يتكلم بهدوء وتركيز شديد . كنت أغبطه على تلك  القدرة .

كان يضع جدرا من الصلب البارد بين عقله وبين عواطفه . قدمنا له التعازي أولا، ثم الشكل النهائي للعرض الذي سوف أقدمه لسياف. فقلت له :

أولا إن المشروع إتحادي في الأساس فهذه فرصة لتقوية الإتحاد … وجعله إتحادا جديا يتولى مشاريعا جهادية حقيقية .

ثانيا أن تتولى شخصية إسلامية معروفة ومقبولة ومحترمة وجهادية الإشراف المالي والإداري على المشروع.

هذه الشخصية تتولى الدعوة إلى المشروع وجمع التبرعات له والإتفاق مع الكفاءات الفنية والإدارية في العالم الإسلامي كي تقدم خدماتها للمشروع … ولا أجد من تتوفر فيه تلك الصفات غير الدكتور عبد الله عزام . ثالثا وجود مثل هذه الشخصية يضمن (إسلامية) المشروع وينجو به من الحزبية.

فهو سيضمن مشاركة الكفاءات الأفغانية في المشروع أيا كان إنتمائها الحزبي. كذلك يضمن توزيع إنتاج المشروع وفوائده علي المجاهدين مهما كانت أحزابهم أو مناطقهم.

وافقني حقاني على كل ما قلت ، بل أنه تحمس بشدة وقال: هذا أهم مشروع في مرحلتنا الراهنة، وقد كنت على وشك التحرك نحو الأورجون ولكن سوف أرجئ ذلك حتى تتصل مع سياف وتخبرني تلفونيا بالنتيجة.

زادني كلامه حماسا حتى طار من عيني النوم في تلك الليلة وتحركت مع أول ضوء نحو بيشاور.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 8