جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 2 )

 

– مصرع كافر قبيلة ” إبراهيم خيل” .

–  راهب الجهاد ” الشيخ محمود” يستشهد فوق بندقيته أثناء الصلاة .

– الشهيد الغريب “السيد أحمد” … سيد الهاون .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

هذا هو إلهى .. فأطيعوه :

الطريق القادم من جرديز ما أن ينتهى من سلسلة جبال (ساتى كاندو) المكسوة بغابات الصنوبر ، حتى تبدأ مناطق تسكنها قبائل “زدران” وتستمر حتى بداية وادى خوست لذا أطلقوا على الطريق إسم تلك القبائل فصار إسمه طريق ( زدران) .

رغم أن العديد من قادة الجيش الماركسيين الكبار هم من أبناء هذه القبيلة ، إلا أن العلماء وشيوخ القبيلة وأفردها ، لم يوافقوا على ما يحدث ، وكان قرار القبيلة أن الحكومة الجديدة (كافرة) ولهذا قرروا مقاطعتها ، وألا يسمحوا لها بالمرور من أراضيهم ، أى أنهم قطعوا الإتصال بين جرديز وخوست .

تحت أقدام “ساتى كاندو” تبدأ منطقة يسكنها فرع من زدران يدعى”إبراهيم خيل” ـ يعنى قوم إبراهيم ـ تصادف أن يكون منهم القائد العسكرى فى جرديز وقتها هو ضابط شيوعى شاب ومتحمس للغاية يدعى إبراهيم ، وكان قائدا لسلاح المدرعات فى الولاية ، فذهب إلى قبيلته كى يقنعهم بفتح الطريق .

قصة الضابط إبراهيم مع قبيلته كانت على العكس تماما من قصة نبى الله إبراهيم مع قومه. كان الضابط إبراهيم كافرا وقبيلته من المؤمنين . بالحجة حاول أن يقنعهم بالكفر ، ولما فشل حاول إجبارهم عليه بقوة الدبابة ــ إلهه الجديد كما زعم ــ فكانت نهايته المأساوية .

شيوخ القبيلة رفضوا مرور الجيش من أراضيهم لأن الحكومة كافرة لا تؤمن بالله . الضابط إبراهيم ناقشهم طويلا وهددهم بأن الحكومة ستفتح الطريق بالقوة إذا لم يفتحوه طوعاً ، وأن بيوتهم ستدمر وتحرق ، وأن لا طاقة لأحد بهذه الحكومة وجيشها الجبار .

أصر شيوخ القبيلة على موقفهم ، فتحداهم الضابط إبراهيم قائلا: تقولون أننا الشيوعيون لا نؤمن بالله .. فأين هو إلهكم ؟ .

فردوا عليه قائلين : إن الله هو خالق كل شئ ، ولكن لا أحد يستطيع رؤيته .

ضحك إبراهيم مستهزئا وقال بأن عنده إله قوى وجبار أقوى من إلههم ولكن يمكن رؤيته ، وسيحضره معه صباحا كى يريهم إياه ، وطلب منهم إنتظاره فى وقت محدد من صباح الغد .

فى الوقت المحدد حضر الضابط المغرور ممتطياً ظهر دبابة سوفياتية من طراز (تى62) وهى الدبابة الأثقل لدى الجيش وقتها .

كان رجال القبائل يخشون الدبابات كثيرا ، وهذا كان أول إحتكاك لهم مع واحدة من تلك الوحوش التى لا تصرعها طلقات بنادقهم العتيقة ، وكان مجرد صوتها يثير خوفهم . وصل إبراهيم وصوت دبابته يهز الجبال ، وقد تجمهر شيوخ القبيلة والكثير من أفرادها المبهورين الخائفين ، وإبراهيم منتصب القامة فوق دباباته وكأنه قهر بها العالم . ثم أخذ يروح بها ويجئ ويستدير ويعتدل ، ويطلق القذائف على قمم الجبال القريبة والبعيدة فيرتج المكان والأبدان .

إمتقعت وجوه الحاضرين ، ولا أحد منهم ينطق ببنت شفة . نزل إبراهيم منتشيا مزهوا من على ظهر دبابته ، ووقف متحديا شامخاً أمام شيوخ القبيلة ، وتكلم بزهو المنتصر :

ــ هذا هو إلهى !! هل رأيتم كم هو قوى وجبار ؟؟ . إنه سيفتح لنا هذا الطريق ، وإن لم تطيعوه فإنه سيدمركم .

وقف الشيوخ واجمون صامتون ، ثم طلبوا منه إمهالهم ساعة للتشاور قبل إعطائه الرد. غادروا المكان للتداول فى مكان آخر . وبعد قليل عادوا من مجلس تداولهم ، وتقدم أكبرهم سناً حتى يبلغ الضابط الشاب بنتيجة بحثهم . قال الشيخ :

ــ يا إبراهيم لقد بحثنا الأمر ، وقد تأكد لدينا أنك أيضا كافر مثل حكومتك ، ولن نترككم تمرون من هذا الطريق مهما حدث . أما إلهك هذا فليس سوى كومة من صفيح ، فخذه معك وإرحل من هنا .

فبهت الذى كفر ، واستشاط الضابط المغرور غضبا ، وثار مهددا متوعدا :

ــ سنمر من هذا الطريق بالقوة وسنحرق قراكم ، سآتى بالجيش غدا صباحاً فى مثل هذا الوقت من ضحى الغد ، إحضروا كل القبيلة وسأرى من منكم يستطيع منعى .

وغادر إبراهيم المجلس غاضبا ، وركب إلهه الفولاذى وغادر به إلى جرديز .

دقت طبول الحرب فى”إبراهيم خيل” وكل قبائل زدران ، إستعدادا لصراع غير متكافئ بين أجساد الرجال وبنادقهم العتيقة وبين جيش جرديز ودباباته الفولاذية التى لا تقهر .. وموعد اللقاء الرهيب كان ضحى الغد .

شارك حقانى ورجاله فى ذلك الكمين . وبسبب إنشغاله فى ترتيب أمر الكمين والمشاركة فيه تأجل ذهابنا إلى لقائه فى سرانا ليوم أو إثنين .

لم يكن لدى القبائل أدنى فكرة عن أن هناك سلاح يمكن أن يواجه الدبابة ، ولا عن أى طريقة لمواجهتها . إنهم يواجهون المستحيل ، وكانوا حقا يذهلوننا بذلك . عندما كنا نسألهم فى مواقف مشابهة “ماذا ستفعلون؟؟ “، فكان ردهم دوما وبكل هدؤ وثقة ” توكل بخداى” ـ أى التوكل على الله !! ــ كنا نظن أن تلك مجرد كلمة . ولكنها عند الأفغان سلاحهم السرى الذى لايقهر …  والدليل ؟؟ :

فى ضحى اليوم التالى للقائه مع شيوخ قبيلته “إبراهيم خيل” ، جاء الضابط إبراهيم مع قافلة عسكرية ضخمة مهمتها فتح الطريق بالقوة ، وإيصال المؤن إلى مدينة خوست . فبدأ سيل من الدبابات ومئات الجنود المدججين بالسلاح فى سياراتهم المصفحة . ورجال قبيلة زدران يرون الزحف المرعب يزلزل جبال ستى كندو وترجف منه جبال إبراهيم خيل .

نزل الجيش من جبال ستى كندو وبدأ التقدم عبر منطقة “إبراهيم خيل”. فدوت صيحة جماعية من رجال القبائل المستحكمين خلف الصخور: “الله أكبر” !! صيحة زلزلت هى الأخرى جبال “ستى كندو” و”إبراهيم خيل” ، وغطت على زمجرة عشرات الدبابات والمصفحات والشاحنات العسكرية ، وطائرات الميج النفاثة التى تمزق الفضاء .

والنتيجة !!.. لم تعبر القافلة .. ودُمِّرتْ عن آخرها .. ولم ينجو جندى واحد ولا ضابط واحد حتى إبراهيم كان من بين القتلى . دبابة روسية واحدة قديمة جدا من طراز”تى ـ 34″ إستطاعت الفرار ووصلت منفردة إلى خوست كى تنقل نبأ الفاجعة .

كيف حدث كل ذلك ؟؟.. لا أحد يدرى لا من القتلى ولا من الأحياء ، ولا من الذين قابلناهم بعد ذلك نسألهم الخبر .

وكنا قريبين من المنطقة وقت المعركة ، وقد ذهبنا لرؤية آثارها وأخذنا الكثير من الصور لحطام القافلة العسكرية ، وكان ذلك أثناء زيارتنا الأولى لأفغانستان فى يونية 1979 . لقد كانت أفغانستان كلها ومازالت .. معجزة .

كتبت عن زيارتنا لمكان المعركة فى كتاب 15 طلقة فى سبيل الله .. فقلت :

ما زلت أتذكر زيارتنا لموقع المعركة ، بعد إنتهائها بيوم واحد تقريبا . لقد وقعت القافلة المتوجهة نحو خوست في كمين قاس .. كانت آثاره المدمرة واضحة . أكثر من عشرين شاحنة إحترقت تماما وجثث السائقين و معاونيهم قد تحولت إلى تماثيل بشعة من الفحم الذي تبرز منه عظام آدمية بيضاء إضافة إلى أكثر من عشر مصفحات محترقة ، وقد سقطت جثث الجنود خلف مزاغل إطلاق النار و بعضهم  إحترق داخل المصفحة  أو على أسفلت الطريق العام .

جثة أخرى لعسكري ـ أو ضابط ـ زحف إلى خارج الطريق وأسند ظهره إلى صخرة ومات تحتها . لقد تعفن الجسد وأصبح أسودا مثل الفحم بينما إنكشفت عظام الجمجمة واليدان فوق البطن وعظام الفك مفتوحة عن إستغاثة يائسة . عدد آخر من المدرعات ترك الطريق العام ونزل إلى الوادي الصخري المجاور حيث يسير نهر شمل بمياة قليلة لكنها شديدة الإندفاع .

فتعطلت بين الصخور وغرزت فيها العجلات والجنازير ، وهكذا ضاعت عدة دبابات في الوادي أيضا . وفوق الجسر منظر غريب آخر ، مصفحتان إقتحمتا الحاجزالحديدي كي تسقط في الوادي من إرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا ، وكأن السائقين فوجئوا بالكمين فقرروا الفرار بهذه الطريقة ، والأغلب أنهم قتلوا. من المناظر الغريبة أيضا  إحدى ناقلات الجنود وقد إخترقت طلقة الحديد السميك المجاور لمزغل إطلاق النار فقتل الجندي وسقط فى مكانه.

نظرنا إلى المكان الذي جاءت منه تلك الطلقة الغريبة ، وكيف إستطاعت اختراق حديد بتلك السماكة ، وهذا غير ممكن إلا بطلقة ـ أو قذيفة ـ مضادة للدروع وهو الشيء الذي لا يمتلكه المجاهدون في ذلك الوقت . كان في الإتجاه المقابل للمزغل جبل صلد مرتفع لم تحدث من جهته أية عملية إطلاق لأن الكمين كله جاء من جهة واحدة عبر الوادي حيث تشرف عدة تلال متفاوتة الإرتفاع أما الجانب المقابل فهو جبل مرتفع لا يتيح للقوة أية فرصة للإختباء، فكأنها تقف أمام حائط كي يطلق عليها المجاهدون النارمن الجهة المقابلة، فسحقت القوة بالكامل وهي في وضع سيء.

إكتملت الصورة بكثير من الجثث التي تحللت وأصبحت أشبه بالرماد المحترق وقد تناثرت فوق الطريق وكأنها كتل بارزة من الإسفلت ، وقد تجمعت الكلاب حولها تنهش منها ما تشاء ، بينما جلست كلاب أخرى متكاسلة على جانبي الطريق وقد أصابتها التخمة . وفي وسط هذه اللوحة المأساوية وجدت كتابا ضخما وقد تلوثت صفحاته المصقولة بالدماء ، لقد كان ديوان شعر باللغة الروسية ، مزينا برسومات رومانسية غير متقنة لضباط وجنود مع فتيات جميلات ، حولهم العديد من الزهور والأشجار وزجاجات الخمر والطيور .

خمنت أن الديوان كله يتحدث عن ضباط وجنود ذهبوا إلى الجبهة للقتال وتركوا خلفهم الأهل والعشيقات ومتع الحياة . أضافت الدماء التي لطخت الصفحات خاتمة مأساوية لحياة إنسان فقد حياته على أرض غريبة.  لقد قتل وهو يطلق النار على الأبرياء بينما يقرأ أشعارا الغزل ولوعة الفراق ـ كمثل نيرون الذي أحرق روما وهو يغني أشعارا ـ لقد سقط الجندي الروسي ـ ولا ندري أين جثته وسط هذا الحشد المتفحم  ، فقد حياته بلا معنى . وبعد يوم وفاته بإحدى عشر سنة تقريبا سقطت الشيوعية وإنهارت دولة السوفييت فوق نفس الجبال في أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

راهب الجهاد .. “الشيخ محمود” .

كل ما حولى كان أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة . الأرض ، الناس ، الأحداث ، لم يخطر على بالى شئ منها. فكنت أحاول إستجماع نفسى حتى أفهم ما حولى . كل ما رأيته فى رحلتى الأولى (يونيه 1979) كان معلومات تأسيسية ، وما تلى من سنوات كنت أبنى عليها فتزداد حصيلة فهمى لتلك العناصر . ولكن وحتى مغادرتى لأفغانستان فى نوفمبر 2001 لم أستكمل هذا الفهم . ولا أظن أنه ذلك ممكننا ، فكل ساعة فوق أرض أفغانستان ومع هؤلاء الناس ، وما يصنعونه من أحداث لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية ، ويظل دوما فريدا ومفيدا .

ـــ فى عصر أحد الأيام ، رأيت بادشاه (يعنى الملك) ــ إبن عم حقانى ــ العامل على الرشاش البلجيكى الثقيل المضاد للطائرات ، وكان يحمل مدفعه من فوق القمة نازلا به إلى الوادى. شعرت بالسرور لأننى كنت لا أشعر بصداقة مع ذلك المدفع ، ولا مقتنعاً بفكرته ، وتسبب لى ذلك “بحفلة” تقريع من حقانى سيأتى ذكرها فيما بعد .

ولكن تعجبت أن “بادشاه” وافق على إخراج مدفعه من الخدمة ، وبهذه السهولة . سألت حقانى عن السبب ، وكان يهبط من منزله صوب الوادى . فقال أنه يأخذ المدفع إلى “الشيخ محمود” حتى يتفحصه . فسألته عمن يكون ” الشيخ محمود” .

فقال أنه من المجاهدين الأوائل الذين حملوا السلاح ضد حكم دواد ولم يترك سلاحه إلى اليوم . ولمدة ثلاث سنوات لم يغادر الجبهة ولكنه جاء منذ أيام إلى “سرانا” مريضا . فاشتاق إلى السلاح وكان متعجبا من وجود رشاش ثقيل عندنا يشتبك مع طائرات العدو ، فأراد مشاهدته فأرسلته إليه فى الوادى حتى لا يتكبد عناء الصعود وهو مريض .

ــ نزلت مع حقانى إلى الوادى حتى ألقى التحية على “الشيخ محمود” الأسطورة الذى لم يضع سلاحه منذ أن رفعه على “الكافرين” منذ أكثر من خمس سنوات .

رأيته مسندا ظهره على الجبل . فظهر وكأنه جزء منه ، بكيانه الضخم الصلب . كَفَّاهُ خشنتان كقطع من جذع شجرة صنوبر على سفوح ( ساتى كاندو). جبهته بارزه وحاجباه كثيفان تطل من تحتها عينان تلمعان بحدة وسرور . كان يقلب بكفيه الخشنتان المدفع الثقيل ، وكأنه طفل يتلقى هدية العيد من والده المحب . جلس إلى جانبه حقانى وهو يبتسم شارحاً للشيخ العملاق أسرار ذلك السلاح الجبار { وكنت أرى فى ذلك المدفع أفشل مشروع للدفاع الجوى ، ويراه حقانى تحديا يمرغ أنف الكافرين فى التراب ـ والآن ـ أظن أن كلانا كان على حق . كنت أنظر إلى الناحية التكتيكية لسلاح منفرد سريع العطب . وحقانى نظر إلى الجانب المعنوى لوجود سلاح فريد فى المنطقة ، رآه رافعا لمعنويات المجاهدين ومتحديا لجبروت الكافرين } .

ألقيت السلام على الشيخ محمود ، ومد إليّ يدا ثقيلة خشنة وألقى على وجهى نظره ثاقبة سريعة ، شعرت أنه فهم فى تلك الومضة كل ماهو محتاج إلى معرفته عنى ، أو أنه إطلع فى ومضة واحدة تاريخ حياتى كله من الولادة وحتى الممات . ثم عاد الشيخ يتفحص المدفع الملقى على ركبتيه ، وكأنه يداعب طفله الأول .

رغم قوته وكيانه المهيب كان يبدو مريضا ومنهكا . دفعنى الفضول لمعرفة أسرار هذه الشخصية التى رفعت سلاحها للجهاد ، منفردا وحيدا ، ضد دولة بجيشها ..وهو الآن فرح ليس فقط بالسلاح الجبار الملقى على ركبتيه ، بل لأن قبائل باكتيا وأفغانستان كلها لحقت به إلى الجهاد . الشيخ محمود كان واحدا من هؤلاء العظماء السبعة ــ  قائدهم حقانى ونائبه أحمد جول ــ الذين إفتتحوا الجهاد فى باكتيا ـ وسيطروا على قاعدة عسكرية قرب غابات الأورجون بالتكبير وبضع طلقات من بنادقهم القديمة.

– كانت زيارتنا الأولى لأفغانستان قد إنتهت ، عندما تعافى الشيخ محمود ، وذهب إلى موقع المجاهدين الذى كنا فيه حيث التماس الدائم مع العدو .

توضأ الشيخ محمود ، ووقف يؤدى صلاة العصر . وفجأة داهمت طائرات الهيلوكبتر الموقع ، وبدأت بإطلاق مدافعها الرشاشة على من فيه .

إختبأ الجميع بين الصخور ، إلا الشيخ محمود الذى ظل واقفا يكمل صلاته ، حتى أصابته طلقة فى رأسه فتهاوى كتلة واحدة شهيدا بين يدى ربه ، متمددا وصدره فوق بندقيته التى كانت حاجزا أمام مصلاه ، فبدا وكأنه يحتضنها فى وداع أخير . فكان شهيد المحراب الذى لم ينحن يوما لغير خالقة . وكان الشهيد الوحيد فى ذلك اليوم ، وإن لم يكن آخر الشهداء .

–  بالنسبة لى كان مذهلا ذلك الصنف من الناس ، الذى يقف منتصباً للموت ولا يظهر خوفاً أو تردداً ـ لماذا ؟؟ كنت أرى أن ذلك على ما فيه من بطولة وعزة إلا أنه عمليا قد يؤدى إلى القضاء على جميع المجاهدين فى ساعات أو أيام قليلة ، وتنتهى قصة الجهاد ويبقى “للكافرين” سطوتهم على الدنيا وما فيها . ولكن يكمن فى ذلك أحد أسرار الشخصية الأفغانية . كان التحدى جزءً من فطرتهم الإيمانية ، والشجاعة جزء من تكوينهم النفسى ، والمرونة والتكيف جزء من ذكاء فنون البقاء لديهم .

وهذا الخليط إمتزج فى النهاية ليخرج المجاهد الأفغانى الذى يتحدى العالم ، ويسقط أغنى وأقوى دول العالم ، الواحدة تلو الآخرى . بلا وجل ، ولا تعب ، ولا تردد ، ولا جمود .

 

السيد أحمد .. سيد الهاون :

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان ، (هاون السيد أحمد) كان السلاح الثقيل الثالث الذي شاهدناه  في حالة إشتباك .

“السيد أحمد” ــ من شمال أفغانستان ــ رامي الهاون في مجموعة مولوي عبد الرحمن ، وهى أول مجموعة قتالية نلتحق بها فى أفغانستان (كان مولوى عبد الرحمن يمزح ضاحكا : عندنا مجموعة من 12 مجاهدا يتكلمون أربع لغات مختلفة !! ) . وقد أرسلنا إليه حقانى إليهم بعد أن وصلت بنادقنا التى إشتريناها من غنائم جماعة مطيع الله فى الأورجون . مولوى عبد الرحمن شاب فارع الطول ذو إبتسامة ساخرة لا تكاد تفارق وجهة . كان يرتدى نظارة طبية بعد أن فقد إحدى عينيه خلال إشتباك مع العدو .. وعلى يد الرجلين ( مولوى عبد الرحمن ، والسيد أحمد) تلقيت بعض الدروس التي أفادتني طول مدة الحرب . كما أنها ظلت مستخدمة بين المجاهدين على  نطاق واسع .

أول هذه الدروس كان تأخير وقت الإشتباك إلى قرب غروب الشمس حتى لا يعطي للطيران فرصة للتدخل ضده . (فى فبراير 1990 خرج حقانى عن هذه القاعدة أثاء هجوم ضخم وناجح للإستيلاء على جبل تورغار ــ المفتاح الجنوبى للمدينة ومطارها ــ بعد صلاة الجمعة مباشرة والشمس فى كبد السماء!! . سنعود إلى ذلك فى موضعه ) .

الدرس الثاني كان دقة إختيار الأهداف … فقد كان (سيد أحمد) يتناقش مسبقا مع قائده (عبد الرحمن) في تحديد الأهداف التي سيوجه إليها نيرانه أثناد العملية قبل أن تبدأ .

الدرس الثالث كان الإقتصاد فى الذخيرة ، فقد كان لكل هدف طلقة واحدة ولم نسمع يوما أن (سيدأحمد) قد أخطأها .

بقي أن نعرف أن (سيد أحمد) كان مختصا في سلاح الهاون أثناء خدمته في الجيش الأفغاني وقبل أن يفر من وحدته ويلتحق بالمجاهدين . أخذ معه سلاحة ( الهاون عيار 82 مليمتر ) وظل يستخدمه أثناء إلتحاقه بالجهاد . والغريب أنه يقصف وحدته العسكرية المستحكمة في قرية (دارا) القريبة من جرديز على أول الطريق الذاهب إلى خوست .

ومن هذا نفهم لماذا لم يكن يخطئ الهدف أبدا ، فهو إلى جانب مهارته الفنية ، يحفظ تماما مواقع الأهداف ومسافاتها . ونفهم أيضا  لماذا يناقش إختيار الأهداف مع قائده عبد الرحمن ،  وكان يصر على عدم قصف خيام الجنود ، وكان دائما يقول:( إنهم ليسوا شيوعيين وقد كنت بالأمس واحدا منهم ، وكلهم ينتظرون الفرصة للإلتحاق بإخوانهم المجاهدين ولكن الضباط الشيوعيين يحرسونهم جيدا ويقتلون فورا كل من يشكون في نواياه من الجنود) .

لقد ظل المجاهدون طوال مدة الحرب يفرقون بين الجندي الأفغاني المغلوب على أمره وبين الضابط الشيوعي الذي يأمره ويتحكم فيه بل ويستعبده . وكل هؤلاء الجنود تقريبا كانوا من مزارعي الأرض في مناطق شمال أفغانستان الناطقة بالفارسية .

وكان ذلك ضمن مخطط الشيوعيين لإشعال الكراهية بين القوميات التي يتركب منها المجتمع الأفغاني . فالجنود والضباط في كل قومية يقاتلون في مناطق القوميات الأخرى . أما الضباط الشيوعيين (الحزبيين) فإنهم يقاتلون في كل مكان لأنهم يكرهون الجميع .

–  لقد إستشهد (السيد أحمد) بعد ذلك بعدة أشهر بواسطة قذيفة مدفعية . كان عائدا إلى المعسكر بعد زيارة لقبر أحد الصالحين يدعى “خدى بابا” الموجود على جانب طريق جبلى ، منحدر وضيق يقع على طريق المجاهدين، من قمة الجبل إلى مركزهم الخلفى تحت الجبل . قرأ الفاتحة وهَمَّ بالإنصراف. ولكن هبطت قذيفة مدفع قادمة من جرديز ، لتأخذ السيد أحمد فقط ، ولم تعقبها قنابل أخرى.

ما زلت أعتقد أن ذلك الشاب هو نموذج للمجاهد المثالي خلقا وعملا . كان من السادة ـ أي سلالة تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان سيدا نبيلا بكل معاني الكلمة ، هادئا دمث الطباع محبوبا من الجميع متواضعا . يتصرف بثقة من تعود على السيادة والقيادة هذا عن أخلاقه . أما مهنيا فلم أر مثله في أفغانستان شخصا يعشق سلاحه ويهتم به كما تهتم الأم بطفلها الرضيع . لقد حفر مغارة خاصة صغيرة تستوعب مدفعه وذخائره القليلة . أما بطانيته التي ينام عليها فكان يخصصها لتغطية ماسورة المدفع التي ينظفها يوميا من الأتربة ، عدا التنظيف الحتمي بعد الإشتباك والرماية . وأثناء التحرك بالسلاح إذا أمطرت السماء ، كان يتخلى عن ردائه “الباتّو” كي يلف به الماسورة حتى لا تطالها الأمطار، أما هو فلن يصدأ إذا تبلل جسده بالمطر أو لفحته الرياح.

كان فى مقتبل الشباب ، نحيل الجسم خفيض الصوت محبوبا من الجميع . يحيط به الشباب يمازحزنه أثناء الطعام ( أو ما يشبه الطعام). ويتسابقون على إصطحابه أثناء عمليات الرماية. ولكن مولوى عبد الرحمن كان يحدد العدد تفاديا للخسائر من جراء القصف المعاكس الذى كان العدو يسرف فيه جدا . فالضباط كانوا يعرفون أن الرامى هو السيد أحمد ، الجندى السابق الذى كانوا يستعبدونه بغبائهم العسكرى وقسوتهم ، يشاهدونه الآن وهو يقتلهم بكل حرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى

 




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(1)

 

{ لا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدرى نفس بأى أرض تموت } ـ صدق الله العظيم ـ

لم أتصور  ذلك يوما، ولا أحببت أن أكتب رثاء فى ذلك الرجل ، الذى تعلمت منه أهم دروس الحياة ، وما لا يمكن أن أتعلمه من أى شخص آخر ، فى أى مكان آخر غير أفغانستان .

حاولت الإعتذار عن الكتابة ، ولكننى جوبهت بإصرار من إخوة وأصدقاء على أن أكتب ما لا تصورت يوما أن أكتبه .

فقدان هذا العملاق أكبر من أن نقدم فيه التعزية . فمغزى ظهور تلك الشخصية فى مثل تلك الفترة التاريخية الخطيرة التى عاصرها ، هو فى حد ذاته جانب عميق يستحق التأمل ، كما أنه باعث على الأمل الذى يوازن الألم الناتج عن فقدانه . لأن الرحمة الإلهية واضحه فى إمداد الأمة بمثل هؤلاء العلماء الأفزاز والقادة الأبطال . ليدافعوا عن الإسلام فى واحدة من أخطر المراحل التى هددت أهم حصونه على الأرض … أفغانستان ـ

الغزاة كانوا الجيش الأحمر/ الصورة الأحدث لجحافل المغول/ وقد تقدمتهم “قوات الإستطلاع” من الشيوعيين المحليين الذين إستولوا على السلطة ـ فبدأوا القتل والحرق ـ

وفى دياجير ذلك الليل المظلم تسللت بالتدريج أضواء الجهاد . ورفع الراية أبطال من أفغانستان يندر مثيلهم فى التاريخ ، وكان “حقانى” من رموزهم الكبرى . ومع علمه وتقواه وخلقه الرفيع ، كان جنرالا عسكريا لا أعلم له نظيرا فى تلك الحرب الظافرة ضد السوفييت والشيوعيين . بل أنه وبكل تواضع هو أحد أساتذة حروب العصابات الحديثة ، وأحد المجددين لقواعدها . وعلى نفس طريق التطوير لنظرية الحروب الشعبية فى مواجهة جيوش ( ما بعد الحداثة) ، (وما بعد التوحش) ، جاء نجله “سراج الدين” ليواصل وبنفس العبقرية والإبداع طريق والده المجدد الأول للجهاد البطولى ، الذى تحتضنه أفغانستان على مر العصور .

ولنبدأ القصة من أولها ..

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

عبد الله .. والجبل :

جلال الدين حقانى ولد الشاب “عبدالله” ، والذى عرف فيما بعد بإسمه الحركى “جلال الدين”، فى أحضان جبل “ساتى كاندو ” العتيد وغاباته الصنوبرية . الجبل يقف مثل السد الجبار فى مقابل مدينة جرديز عاصمة ولاية باكتيا . ولد عبد الله فى قرية {كاندو كالاى} الصغيرة التى أهملتها الجغرافيا ولكنها صنعت التاريخ ، بمولد”عبدالله ” الذى وهبه والده لدراسة العلوم الدينية. وهى مهمة مقدسة فى المجتمع الأفغانى . ومن حيث لم يعلم أحد ، كانت تلك هى الخطوة الأولى لتجهيز “عبدالله” ليقف مثل جبل “ساتى كاندو” سدا منيعا فى وجه السيل الشيوعى المتدفق من العاصمة كابل عبر جرديز صوب جبال باكتيا وقبائلها . فكان عبد الله فى شموخ ومنعة جبل “ساتى كاندو”، بل أشد ، وكأن الجبل العتيد هو الذى إستمد صموده وصلابته من ذلك الشاب.

التدرج فى سلم العِلْم إستدعى منه السفر إلى باكستان لإستكمال الدروس الدينية فى مدارس المناطق القبلية ، حتى وصل إلى المدرسة “الحقانية” القريبة من بيشاور ، وهى أعلى المدارس الدينية فى تلك المناطق . ومن طالب علم نابغة ، إلى مدرس موهوب ، واصل “عبد الله” كفاحه الدراسى . واكتسب لقب”حقانى” نسبة إلى مدرسته التاريخية ، كما حصل على المرتبة الدينية “مولوى”.

وكأن القدر كان يرتب لصدام تاريخى مذهل . ففى نفس الوقت الذى يتأهل فيه عبد الله فى المدارس الدينية ، كان شباب من باكتيا ، وباقى مناطق أفغانستان، يتأهلون فى موسكو لغزو أفغانستان كلها .

كان عود الشيوعية يشتد تدريجيا ـ وشباب البشتون كانوا لا يستدعون إلى التجنيد الإجبارى ، ولكنهم يلقون ترحيبا وتشجيعا لدخول الكليات العسكرية ـ ومن باكتيا وتحديداً من المناطق حول جرديز وصولا إلى خوست ، عبورا بمناطق قبيلة “زدران” التى ينتمى اليها “عبدالله ” تخرج شباب يافعون كضباط فى الجيش ، أرسلوا إلى موسكو لتلقى دورات عسكرية وعقائدية. وأكثرهم عاد إلى بلاده شيوعيا مندفعا. ومنهم كانت أسماء لامعة فى تاريخ التأسيس للحكم الشيوعى والإنقلاب العسكرى الذى جاء به.. من تلك الأسماء كان :

-الجنرال عبد القادر ـــ القائد الفعلى للإنقلاب الشيوعى عام 1978 ـ  وهو من منطقة (زورمات ) جنوب مدينة جرديز .

-والجنرال إبراهيم من قبيلة “إبراهيم خيل”. وكان قائدا لسلاح الدبابات فى جرديز ، وله قصة نادرة فى القتال بنفسه ومن فوق دبابته ضد قبيلته ، فى معركة مأساوية . إذ جاء طالبا منهم ترك الإسلام وفتح الطريق (من جرديز إلى خوست ) أمام الجيش الشيوعى . فصنع أسطورة تشبه المآسى الأغريقية القديمة . وكانت المأساة قد إنتهت للتو عند وصولنا إلى “سرانا”فى زيارتنا الأولى عام 1979 وقد شاهدنا آثارها وصورنا بقايا المحرقة .

-والجنرال ” نظر محمد” من قبيلة زدران ، وله قصة معقدة ومظلمة من أحد أهم ملاحم المنطقة . وقد عاصرنا جزءاً منها فى أعوام (1987 ــــ 1988 ) . وكان هدفه أيضا فتح الطريق من الجرديز إلى خوست أمام الجيش السوفيتى ، ولكن من داخل صفوف المجاهدين هذه المرة . وقد نجح فى مسعاه بتعاون من “عبد الرسول سياف” الزعيم والمتحول الشهير ، الذى منحه الحماية والغطاء اللازم للعمل قائدا لجماعته فى جبل “ساتى كاندو” ، فمهد الطريق للقوات السوفيتية كى تمر.

– الجنرال “شاه نواز تاناى ” من قبيلة تاناى فى خوست . وكان وزيرا للدفاع ، حاول فى عام 1990 ترتيب إنقلاب عسكرى بالتعاون مع الزعيم المتحول الشهير “حكمتيار” ، ولكنهما فشلا .

ضد الجنرالين الأخيرين خاض حقانى صراعاً مريرا . وغيرهم أسماء أخرى من باكتيا أيضا من قبائل “منجل” و”جربز”. ومن رتب كبيرة ومتوسطة جمعتهم صفات مشتركة منها العناد والتهور والصلابة . وهى صفات إستخدمت للأسف فى غير مكانها المناسب .

سفكوا الكثير جدا من الدماء ، وخاض أكثرهم معارك ضد حقانى ، بعضها كان حملات موجهة خصيصا للقضاء عليه ، أهمها كانت الحملة السوفيتية/ الأفغانية على قاعدة جاور فى عام 1986 ، والتى إستخدموا فيها ثلاثين ألف جندى .

 عاد “عبدالله” إلى قريته {كاندو كالاى} خلال حكم السردار”محمد داود” الذى خلع إبن عمه الملك “ظاهر شاه” {1973} ، وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية فى تاريخ أفغانستان ، بعدأن قضى عشر سنوات كرئيس للوزراء ، وكانت سلطات الدولة معظمها فى يده.

إستعان “دواد” بالشيوعيين فى إدارة الدولة و الجيش وأجهزة الأمن فكانوا هم قوته الضاربة. ولكن سياساته لم تكن (ثورية) بما يكفى فانقلب علية “الرفاق” وقتلوه ، وتولوا السلطة مباشرة فى (27 أبريل 1978) معلنين جمهورية شعبية إشتراكية . فبدأت أكثر الفترات دموية فى تاريخ أفغانستان لإقتلاع الإسلام من جذوره وفى أقصر مدة ممكنة . وهنا كان مقتلهم لأن تلك اللهفة عجلت بنهايتهم بواسطة نهضة جهادية حركها العلماء . إلى أن ترنح النظام الجديد وأوشك على السقوط . فلم تجد موسكو مخرجا سوى التدخل المباشر بجيشها فى (28 ديسمبر1979) لإستكمال المهمة ـ لخشيتها الكبرى من أن سقوط نظام شيوعى فى أفغانستان قد يؤدى إلى سقوط متسلسل (مثل أحجار الدومينو) للأنظمة الشيوعية من وسط آسيا إلى شرق أوروبا . و كل ما حصل أنهم أجلوا ذلك السقوط لعدة سنوات ، حيث بدأ سقوط الإمبراطورية السوفيتية بعد عدة أشهر من إنسحابهم من أفغانستان فى فبراير(1989) .

 

 

لا شئ كما كان :

عاد “مولوى عبد الله” من رحلته ، العلمية ولكن قريته “كاندو كالاى” لم تعد كما كانت . فالقوات الشيوعية التى يديرها الرئيس “داود” ـ كانت قاسية ومندفعة . ولأول مرة يتجرأ جيش حكومى على إقتحام الجبال وإعتقال الرجال من القرى ، خاصة علماء الدين الذين يتكلمون ضد السطوة الشيوعية التى بدأت تظهر فى أجهزة الدولة والقوانين الجديدة التى سنتها الدولة خلافا للدين والأعراف .

الضباط الشباب عادوا أيضا  من الاتحاد السوفيتى . لم يعودوا “بالمبادئ ” الشيوعية فقط بل عادوا بأسلحة حديثة لا عهد للأفغان بها . فالجنود كانوا مزودين بالبنادق الآلية (كلاشنكوف) . وتنقلهم المصفحات التى لا يخترقها الرصاص ، والأخطر كانت الدبابة التى أثارت رعب الشجعان ، وصرير جنازيرها يخيف سكان القرى فيختبئون أو يغادرون قراهم ـ فقذيفة الدبابة تهز الجبال وتنسف الصخور وتهدم بيتا وتقتل من فيه . بينما طلقة البندقية لا تؤثر فيها بشئ ، وليس لدى الأهالى سوى بنادق الأجداد القديمة .

عاد المولوى الشاب “عبد الله حقانى” إلى قريته التى لم تعد هى نفسها . فبدأ يشجع الرجال ويدعوهم إلى الجهاد ، وعدم الخشيه من الكافرين وأسلحتهم الحديثة .

ولكن التردد جاء أيضا من الموقف الناس إزاء رئيس الجمهورية الجديد” محمد دواد” ، الذى كان هو حاكمهم الفعلى لمدة عشر سنوات ، ثم أنه ـــــــــ وهذا هو الأهم ـــــــــــ كان يدعى “الحاج محمد دواد” أى أنه مسلم موحد بالله ، فكيف يخرجون عليه ويرفعون عليه السلاح ؟؟!! .

وصلت دعوة حقانى إلى أسماع السلطات فى”جرديز” القريبة ، فأرسلوا قواتهم لإعتقاله ، فطوقوا القرية بالدبابات وشاحنات الجنود والمصفحات فى عملية كبرى لإستعراض القوة.

تمكن “عبدالله” بأعجوبة من الإفلات من الحصار ، وأحتمى بالجبال القريبة . ودعا الشباب والرجال إلى الإلتحاق به ، ولكن لم يستجب له سوى أقل القليل . ولم يكن لديهم سوى البنادق العتيقة التى لم تعد تفيد أمام جبال الصلب من دبابات ومصفحات .

جاء الشتاء والثلج أغلق الطرقات ، وإمتنع الطعام ، فهاجر “عبدالله” مع رجاله القليلون إلى باكستان ، لأعادة تدبير أمورهم .

فى ميرانشاه كانت عدة أسر قد هاجرت من باكتيا . وبعضهم فقد شهداء . وكان اليأس عاماً ، ولا عزيمة عند أحد حتى يخوض تجربة القتال ضد حكومة شرسة وجيش دموى مجهز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ورئيس جمهورية شيوعى .. نعم ، ولكنه من حجاج بيت الله الحرام !! .

ذهب مولوى “عبدالله حقانى” لأداء فريضة الحج مع صديق العمر وزميل الدراسة مولوى(أحمد جول)، الذى أصبح نائباً له فى فترة الجهاد التالية . وتلك الرحلة سمعت بعض تفاصيلها من الرجلين .

كانت تجربة لا تخلو من الطرائف كونها المرة الأولى للشابين التى يغادران فيها أفغانستان ، ذاهبين إلى الديار المقدسة براً عبر إيران والعراق .

فى أحد المطاعم الفقيرة على الطريق ، شاهدا التلفزيون لأول مرة فأصابهما الذهول . أناس تتحرك وتتكلم من داخل صندوق؟!! . ذهبا للنظر إلى خلف الصندوق لإكتشاف السر ورؤية ما يحدث خلفه . ولكنهما لم يجدا شيئا . بعد ذلك كانت تلك الطرفة واحدة من نوادر السمر بين الصديقين الشابيين .

قال لى حقانى : ” ونحن نصلى فى الكعبة خلف إمام الحرم كان حماسنا لا يوصف . فنحن كأحناف لا نقول (آمين ) بعد تلاوة سورة الفاتحة . ولكن عندما قالها إمام الحرم ، رددناها خلفه بصوت عال وحماسة ” .

(وفى ذلك عبرة لتأثير الحرمين فى نشر دعوة من يستولى عليهما) .

 فى العام التالى كتب المولوى الشاب”أحمد جول” إلى صديقه مولوى “عبدالله” أن يكررا تجربة الحج هذا العام أيضا . فكتب إليه مولوى “عبدالله ” :

“لقد أدينا فريضة الحج فى العام الماضى ، وحجنا مرة أخرى هو نافلة ، بينما الجهاد الآن فرض عين بعد أن إستولى الشيوعيون على الحكم وفرضوا شرائع جديدة مخالفة للإسلام” . وكان الشيوعيون قد أسرفوا فى القتل والحرق والتعذيب ، بشكل ليس له سابقة فى تاريخ أفغانستان من بعد غزو المغول .

 

 

الجهاد – من الكِتَاب إلى الميدان :

إجتمع الصديقان لبحث الخطوة الخطيرة فى الإنتقال بالجهاد من النظرية الشرعية إلى التطبيق العملى . تساءلا معا: ماذا  نفعل؟؟ . وبعد بحث طويل كانت الخطة جاهزة . البداية أن يعملا سرا على ضم المزيد من الأصدقاء المؤيدين . وبعد مجهود وبحث وصلت القوة البشرية فى إجمالها إلى 7 أشخاص . كل فرد سيدبر لنفسه بندقية وطلقات الرصاص .

جمعوا من بينهم أموالا إشتروا بها أغطية وطعام جاف (خبز ناشف وحمص وتوت مجفف وعسل قصب يابس “جُرْ ” ، شاى أخضر) .

و إشتروا حمارا ليكون هو أول وسيلة لنقل الإمدادات فى تلك الحرب الطويلة . إنتقل البحث عن أنسب مكان لبدء “العمليات الجهادية الأولى” . إستقر الرأى على أن تكون البداية من الجنوب الغربى لولاية باكتيا . وهو الجزء الذى حوله الشيوعيون إلى ولاية مستقلة أسموها باكتيكا . إختاروا المكان لكونه جبليا وعرا ، ويضاف إلى ذلك غابات الصنوبر التى تشكل مخبأ جيدا . تحركت القوة الضاربة الأولى للجهاد فى باكتيا ، بين الغابات الجبلية حتى وصلوا إلى أحد مواقع الجيش . فقادة الجيش بدافع الغرور والغباء نشروا قواتهم فى كل مكان يمكن أن يتمرد فيه السكان أو أن تبدأ فيه مقاومة . فتواجدوا فى القرى الجبلية وبعض أعماق الجبال.  ومن هنا بدأت قوة المجاهدين ضربتها الأولى .

إقترب المجاهدون السبعة حتى صار كل ما فى معسكر الجيش واضحا لأعينهم .

هتف المجاهدون مكبرين . ثم صاحوا بالجنود حتى يستسلموا وينضموا إلى المجاهدين . وألقوا نصائح ومواعظ بأصواتهم المرتفعة .فأرسل إليهم الضباط سيلا من الشتائم بمكبرات الصوت .

تنبه قائد الموقع إلى خطورة تأثير كلام المجاهدين . فأمر جنوده بصيحة الشيوعيين فى الحرب (هوراه ..هوراه ) لم يكن الجنود يفهمون معنى لذلك الصياح المنكر ، ولكنهم مجبرون على ترديده . ثم أمرهم بإطلاق جميع نيرانهم الثقيلة والخفيفة فى إتجاه مصدر أصوات المجاهدين ، وإستمروا كذلك حتى هدأ غضب القائد .

رد المجاهدون السبعة بالتكبير ، ثم بعدة بطلقات من بنادقهم الإنجليزية القديمة المتوارثة من غنائم آخر حملات بريطانيا على أفغانستان عام 1919 .

ثم توقفوا حتى لا تنفذ ذخائرهم بسرعة . وبدأوا مرة أخرى فى الوعظ والإرشاد والتكبير .. ثم ساد الصمت. وتداول المجاهدون فى الوضع ، خاصة وأن الذخائر قليلة جدا . فجأه سمعوا إطلاق نار شديد داخل المعسكر . ثم هدؤ .. ثم الجنود يخرجون رافعين الرايات البيضاء ، ويستسلمون بلا قيد أو شرط . وقالوا للمجاهدين {لقد قتلنا الضباط الشيوعيين ونحن نسلم لكم الموقع !! } .

صار ذلك الحادث نموذجا للعديد مما تلاه من حوادث فى باكتيا . والملخص هو رمايات قليلة من جانب المجاهدين مع الكثير من التكبير ، ثم إستسلام جنود القوة الحكومية بعد قتل الضباط الشيوعيين .

ومع ذلك نشبت الكثير من المعارك الطاحنة ، وسقط الكثير من الشهداء . ولكن النكسات والفشل كان المدرسة الكبرى التى تعلم منها المجاهدون فن الحرب ضد جيش حديث .

التعليم بالدم كان باهظ الثمن للغاية ، بذل فيه أفضل الرجال أرواحهم ، ولكن دروسه كانت راسخة ، ومتراكمة ومتواصلة حتى لحظتنا الراهنة .

بدأ المجاهدون الأوائل فى إتخاذ أسماء حركية ، حتى لا تعرف الحكومة هوياتهم فيتعرض أهاليهم للإنتقام . لم يتحقق هذا الهدف إلا لمدة قصيرة وبعدها صاروا  أشهر من نار على علم . فذهب سبب تغيير الاسماء ، ولكن ظلت الأسماء الجديدة على حالها .

و”عبدالله حقانى ” أصبح “جلال الدين حقانى ” الإسم الاكثر هيبة وإحتراماً منذ ذلك الوقت وحتى الأجيال القادمة .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

توَكَلْ على الله ـــــ { تَوَكَلْ باخُدَاى } :

التوكل على الله شئ عظيم الخطورة لدى الأفغان . إنه ليس كلمة تقال ، من نافلة القول ، أو أنها علامة ضعف كما تستخدم أحيانا عندنا ـ أو حتى كلمة تحدى كما يستخدمها عوام المصريين بمعنى (إمشى غور من هنا !!) .

ولكنها منهج حياة ، وسلاح حرب ، ويستخدمونه بمعنى (وما النصر إلا من عند الله ) أو بمعنى (وإذا عزمت فتوكل على الله ) ، أو (لله الأمر من قبل ومن بعد ) . هى قريبة من أحد تلك المعانى  حسب الظرف الذى تقال فيه .كانت شعارا دينيا حيويا فى الحرب ، يعادل فى الأهمية شعار الله أكبر الذى هو العمود الفقرى للمجاهدين فى أعمالهم ، وحتى فى أنفاسهم.

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان كنا ثلاثة وصلنا إلى مركز “جلال الدين حقانى” فى قرية سرانا القريبة من جبل {ساتى كاندو} . لم نكن متعودين على مثل تلك الرحلات الشاقة الطويلة ، مع طعام قليل يصعب أكله بدون حافز من حب البقاء .

بعد حفل إستقبال تحت أشجار “السرو” فى الوادى . وخطبة قصيرة ألقيتها نيابة عن الوفد العربى ، ثم خطاب طويل من حقانى ، صعدنا معه إلى قمة الجبل القريب حيث يسكن ، ويدير أمور مجاهديه المنتشرون فى المنطقة .

كان يسكن فى بيت من صخور وطين . صغير ومحشور  بين كتل صخرية ، ويصعب تمييزه إلا من مسافة قريبة . كانت أسرته تسكن معه أحيانا فى ذلك البيت ، وفى الشتاء يعودون إلى مدينة ميرانشاه الحدودية .

وكان له فى ذلك الوقت طفلان (نصير الدين ) و(سراج الدين ). فوق سطح قمة الجبل مباشرة ، ركز حقانى رشاشا ثقيلا من صناعة بلجيكية عام 1941 ، مهمته التصدى للطائرات التى تغير على الموقع وعلى القرية من وقت إلى آخر . تلك القرية موجودة على القمة المقابلة ، على مسافة ليست كبيرة ويفصلهما وادى . ويقيم فى تلك القرية عدد من عائلات المجاهدين

وأكثر من نصف القرية قد غادرها ساكنوها إلى باكستان خوفا من القصف المتكرر للطائرات .

قضينا ليلة فى القرية ثم إنتقلنا إلى القمة الأخرى حيث حقانى والمدفع المضاد للطائرات الذى سنعود اليه فى الفقرة الخاصة بإسقاط “هيبة الطائرات” ، ودور حقانى فى ذلك . وما خصنى به من توبيخ نتيجة تقديرى المبالغ فيه لقدرة الطائرات .

كان صديقنا (إسماعيل) قد غادرنا عائدا إلى بيشاور نتيجة لتورم فى ركبتيه المصابتين أصلا نتيجة ممارساته الرياضية . بقيت مع أحمد ، وهو صعيدى سريع الملل ، لكنه أبدى صبرا مدهشا رغم إنفلاتات عصبية عاصفة ، مرت بسلام .

كان لحقانى مجلس تحت الأشجار على سفح الجبل ، وقد مهدوا له مساحة صغيرة تصلح لأربعة رجال . كان يجتمع فيها بقيادات المجموعات القادمين إليه . جلست معه عدة مرات أستفسر عن أشياء كثيرة تتعلق بأوضاع الجهاد فى المنطقة وما حولها ، وعن أحزاب بيشاور الذى بدأت تظهر على إستحياء شديد فى ذلك العام . أهتممت بالإسفسار عن المشكلات بأنواعها . وكان واضحاً بالفعل  حاجة المجاهدين إلى كل شئ . إنتابنى مقدار كبير من الهَم ، لأن ما هو مطلوب يبدو أكبر بكثير جدا مما يمكننا توفيره ، حتى مع بذل أقصى مجهود .

أدركت أن الموضوع سيكون طويلا وصعبا ، بل أصعب مما تخيلنا ـ ملخص الوضع الراهن أنه لا توجد ذخائر كافية لأسلحة المجاهدين . والطعام متقطع وبمستويات متدنية حتى بالمعيار المحلى المتواضع جدا .

قال لى حقانى أنه جلس يوما قبل نومه مهموما لعدم وجود شئ لديه لإ طعام المجاهدين . وفى نومه ، رأى شخصا يخاطبه قائلا : “يا عبدالله لم يتركك الله جائعا يوما ، والآن بعد أن خرجت مجاهدا فى سبيله ، تظن أنه سيتخلى عنك؟؟. ستجد طعامك غدا معلقا بهذه الأشجار” . وفى الصباح جاءنا أحد الرعاة بخروفين تبرعا منه للمجاهدين .فذبحناهما وعلقنا اللحم على الأشجار لتوزيعه على مراكز المجاهدين.

وقال حقانى لولا التوكل على الله لما استطعنا البدء فى الجهاد أو الإستمرار فيه ولو لساعة واحدة .

لا توجد حركة للمجاهد كفرد أو للمجاهدين كجماعة إلا ويتجسد فيها معنى التوكل الحقيقى على الله ، حيث لا أسباب ولا وسائل تصلح لأن تعقد عليها الآمال . وكلما زادت القدرات كان عدد المتوكلين على الله يقل ، فالبعض كان يلتصق بالأسباب ويقاتل من أجلها وعندها كانت الكوارث والهزائم .

كان حقانى هو المعلم الأكبر لرجاله لتذكيرهم بمعانى التوكل على الله وعدم التعلق بالأسباب ، مع السعى الحثيث لحيازة أكبر ما يمكن من أدوات القتال الفعالة والتدريب عليها . وأرشدهم وأثبت لهم بنفسه عمليا أنه حتى مع عدم وجود الوسائل المناسبة للقتال فإنه بالتوكل على الله يمكن الإنتصار على العدو مهما كانت قوته .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (150) | ذوالحجة 1439 هـ / اغسطس 2018 م. 

24/8/2018

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

– بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب .

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية .

–  تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا ، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

–  تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة .

–  أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها .. وهكذا تفعل على الدوام .

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب ، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟؟

– من أهداف أمريكا الكبرى : تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى ، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى .

– ما هى  قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان ؟؟ .

–  وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى ، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية ، إلى أن يتوقف الجهاد .

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض . فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون ، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان .

–  لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن ؟؟ .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد . فهو يعبر عن النظام الأمريكى ، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب . رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى ، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى .

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط ، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة . فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن . فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم . وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات . وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم ، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا .

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما) ، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه . ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية ، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة . لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة ، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون .

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب :

1 ـ  إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا ، وعلى رأسها أفغانستان ، ومن ضمنها العراق وسوريا . ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها ، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا ، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ  أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة . وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله .

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة ، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية ( أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية ، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية . أو لطرد منافسين من مناطق معينة ( إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا ..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة .

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم ، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية ، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى ، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول . وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل . وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية . لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم .

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة . ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا ، أو مستقيلا ، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام .

 

الحرب والمفاوضات :

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب . ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك .

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء . فالمفاوضات مليئة بالعروض (أوالمشاريع) الملغمة ، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك . وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى . فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه . واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد .

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا ، فى ” فرساى” بالقرب من باريس ، بشأن الإستسلام والتعويضات . وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية) .

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة ، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب ، إذا كان هناك حرب أخرى .

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً . وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها . بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء . فهناك مثلا :

 ضغوط عسكرية : بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين ، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة .

  ضغوط سياسية : من داخل أفغانستان وخارجها ، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها .

  ضغوط مذهبية : مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين .

  ضغوط نفسية : ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها ، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج .

وكما سمعنا فى حوار مع أحد رموز حركة طالبان القدماء مع محطة إعلامية عربية شهيرة ، والمذيع يدحرج عليه كومة من الإدعاءات المحبطة ، التى توحى بعزلة الحركة ومخالفتها لجميع التيارات والمبادئ الإجتماعية والدينية ، فيقول ما معناه { القبائل الأفغانية مَلَّتْ من الحرب والعلماء يطالبون بوقفها ـ والمقاتلون مَلّوا من الحرب ، بينما حركة طالبان تريد الإستمرار فى الحرب منفرده ضد إرادة الجميع } !! .

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية ، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال .

   فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان . وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009 ، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014 . ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط ، ولوبى المخدرات ، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا ، واستمرت الحرب .

  وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان . وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها . أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها .

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها ؟؟ . قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019) . بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض ، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى ، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

 – تنازلات أمريكية “مؤلمة !! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة ، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية) ، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى ، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا ؟؟.

 فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل : تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا .. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ” !! .

   إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى ، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل . فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة ، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله .

   الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة ، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل .

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا . ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات . فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا  لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله .

    الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى ، إلى (صفقة) سياسية ، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة . وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية ، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا .

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته ، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه . وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية . فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة ، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا) ، فلا أحد يأخذ منها شيئا ، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف .

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان ، فما هى   أهدفه المتبقية فى عملية التفاوض ؟؟ .

   الهدف هو ذاته لم يتغير ، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا ، وتطبيقها للشريعة شكليا ، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته :

    فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية. وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب .

ولا يصل إلى السياسة ، فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام .

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة ، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء . ويترك لجماعة التنفير من الدين ، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام .

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق .

دخول تلك الشركات إلى دولة ما ، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد :

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات : لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى . ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها .

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى : أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان ، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث . تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية ، وشئون الأسرة ، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل ، كل ذلك بمنظور غربى بحت ، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية . ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين . ويكون هَمْ الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة .

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية” : وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما :

الأولى : تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد . وتوزيع مشاريع الدولة على تلك الشركات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى ، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة ، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة ، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى ، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية . والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية : الحفاظ على الأمن الداخلى : لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة . لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة ، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة ، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر ( كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ) .

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة تلك الشركات والدول الحامية لها .

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته ، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم .

وأهم الأدوات اللازمة لذلك ، هى الأجهزة المسلحة أى : جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة ، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره . جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى : تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج ( الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة) .

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن” . وأهم الأجهزة المساندة هى : الجهاز التشريعى ( مجلس النواب ) والجهاز الإعلامى ، والجهاز القضائى ، والجهاز الدينى(علماء النتاجون ، وبغال الإفتاء ) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين ، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ) .

الثالثة :  القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها :

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة .

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما .

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا .

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان ، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات ، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان ؟؟ :

المطلوب أشياء كثيرة .. أهمها ما يلى :

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند ، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان . وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى ، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة . أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة .

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة ( UNODC ) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها ، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون .

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة . مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها . وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت ، ( طبقا لقاعدة : “أمريكا فوق الجميع” ، وكل شئ لأمريكا فقط ، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان ، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن ، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا . وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان .

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان . والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى . مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين .

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام ، والمحافظة على أقلية من العملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها .

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته . ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى .

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة .

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية . وهى هيئات إستخبارية فى الأساس ، وأدوات غزو سياسى وثقافى .

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة ، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى .

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال . وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام . وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد . والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال .

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل ، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب ، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم . وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان .

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى ، والإلتزام بالتجارة الحرة ، أى عدم حماية الصناعات المحلية ، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي . وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى ، حسب ما سبق ذكره .

 

 

لا نهائية المفاوضات :

أولا : من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض ، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة . كما أن التفاوض يعنى صفقة ، والصفقة إذا كانت عادلة ، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر . بينما تحرير أفغانستان لا يخضع للتفاوض أو المساومة ، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة ، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل ، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد .

    فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان ، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع ، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن . فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة  ، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال ، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق ، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم . عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام  1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية .

ثانيا :  ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض . فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة ، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها .

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه ، جميعها شئون أفغانية بحتة ، يجرى بحثها داخليا ، وتنفيذها جماعيا ، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته ، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص . والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض ؟؟.

   إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض ، لمصالح قد تراها ، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده ، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام ، إلى أن يخرج آخر جندى محتل . لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً . فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة ، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض ، أو ( لبناء الثقة !! ) . أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين … إلخ .

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة . إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية . ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات الجهادية المقاتلة وتفتر الهمم ، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم . فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات .

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى . وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة ، مزقت أوصاله طيلة سنوات . ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود .

 

ملاحظات حول توقيت التفاوض :

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية .

 

فى أفغانستان :

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ {حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية} ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها . فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون . وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون ، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى ، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان ، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية . وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب . وإن كان هو أقواها ، ولكن ذلك لا يبرر بقائه ، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين . وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون .

    وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى . وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة .

 

فى الداخل الأمريكى :

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد . فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله .

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين ، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة .

 

فى المنطقة العربية :

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية ، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها .

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع ، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران . بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم . لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض ، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية .

   قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية . فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/8/2018

www.mafa.world

 




قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر ( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (149) | ذوالقعدة 1439 هـ / يوليو 2018 م. 

24/7/2018

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

 – العمامة وحدها لا تصنع من الجاهل عالما . ومجاورة البيت الحرام لا تجعل من الفاسق ناسكا .

– كيف يسمع بوجود الإحتلال الأمريكى لأفغانستان من أصم سمعه رنين الذهب وأعشى بصره بريقه .

– حاقت بالمسلمين فتنة لا تزول ، إلا بفضل من الله وجهاد الأفغان ، ومن سارعلى دربهم من المخلصين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 (فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام ) . فكيف هو حال الأمة إذا كان الحكام والعلماء الذين على أبوابهم هم من مروجى الفساد والمنافحين عنه ؟؟.

ألم يسمع “علماء” الزور بأن الجيش الأمريكى إجتاح أفغانستان عام 2001 بناء على وعد من الرئيس الامريكى (بوش)، قطعه على نفسه فى كنيسة بالعاصمة واشنطن مهددا أفغانستان بحرب صليبية ؟؟ . يبدو من أحاديثهم أنهم لم يسمعوا أصلا بوجود إحتلال أمريكى فى أفغانستان . هل فقدوا الذاكرة أم أنساهم بريق الذهب تلك الحقيقة الرهيبة التى تعيشها أفغانستان منذ 17 عاما ويعرفها العالم أجمع فيما عداهُمْ !!. حقيقة وجود جيش كافر صائل يقتل وينهب ويعتدى ، وينشر الرذيلة والفساد ويسفك دماء المسلمين .

نسى هؤلاء أم سقط سهوا من بياناتهم وفتاويهم وجود آلاف من جنود الإحتلال الأمريكى ومن دول تابعة لتلك الدولة الكافرة بلغت حوالى الخمسين دولة ، غير آلاف أخرى من مرتزقة الشركات الدولية التى تتعاطى تجارة الحروب والهلاك . إضافة إلى عدة آلاف أخرى من سقط متاع المجتمع الأفغانى سلحتهم أمريكا ودربتهم ليكونوا رأس حربة فى خراب البلاد وهلاك العباد . ومن بين تلك الجيوش الغازية كانت ثلاث جيوش (إسلامية !!) هى تركيا والإمارات والأردن ، ناهيك عن باكستان التى وضعت كافة إمكاناتها وطاقاتها ومعلوماتها فى خدمة حملة بوش الصليبية على شعب أفغانستان .

بلغت جيوش الحملة الصليبية أكثر من 150 ألف جندى ، مزودين بأشد أسلحة العالم فتكا ، وسلاح طيران لا نظير له فى دول اليوم . وذخائر لا حصر لها ما بين ذكى وإشعاعى ، ومن جميع الأوزان والأحجام وصولا إلى (أم القنابل) التى تزن 11 طنا من أنقى أنواع المتفجرات، لتكون أقوى القنابل خارج الترسانة النووية الأمريكية .

ألم يسمع السادة العملاء بذلك ؟؟. أم أن بريق الذهب يعشى الأبصار ورنينه يصم الآذان ؟؟. أم أن الإرتشاء فضيلة لمنعدمى الفضيلة ؟؟.

إن العمامة وحدها لا تصنع عالما .. والتواجد فى البلد الحرام لا يجعل من الفاسق ناسكا .. وإلا لما حفظ لنا القرآن إسم أبا لهب ، وحفظ التاريخ إسم أبا جهل ضمن أسماء فطاحل الكفر .. فالكفر ملة واحدة منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير فى حياة البشرية.

“وبلعام بن باعوراء” له أحفاد مستنسخون ، تجدهم فى شتى الأماكن من أندونيسيا إلى كابول إلى البلد الحرام ـ ولاحول ولا قوة إلا بالله .

وكذلك هو أبا رغال وأبا جهل ومسيلمة الكذاب . كلها شخصيات تختفى حينا وتظهر أحيانا لتؤدى نفس الأدوار فى عصور مختلفة وبأسماء مستعارة ـ قد يتمسح بعضها نفاقا بالإسلام وشخصياته النورانية .

هلك فرعون وأخزاه الله فى الدنيا والآخرة . لكن أحفاده المستنسخون ، والمنبثون فى أرجاء المعمورة ، مازالو يتناوبون على حكم البشر . يسومونهم سؤ العذاب ويرشدونهم سبل الضلال ، ثم يلاقى فرعون وجنوده ـ نفس المصير ، ولا من معتبر . فأكثر الناس ينسون ولا يتذكرون ، بل يستخفهم الباطل بدعايته المبهرجة التى يطرب لها ضعاف العقول ، بأنهم كانوا قوما فاسقين .

– إن المشكلة فى أفغانستان والتى تعامى عنها من طمس الله قلوبهم هى الإحتلال الأمريكى للبلاد . وشعب أفغانستان / وإن كان من أكرم الشعوب وأنبلها / إلا أن به من أصناف البشر مثل ما فى كل شعوب العالم . فهناك ضعاف النفوس وفيه من تعاون مع المحتل وعمل إلى جانبه وقاتل من صفوفه طمعا فى متاع الحياة الدنيا . كما تميز الشعب الأفغانى بكثرة علمائه ومجاهديه الذين يبذلون الأرواح من أجل دينهم ، فقاتلوا أعداء الدين من الغزاة والمتعاونين معهم من أهل البلاد مهما كانت قبائلهم أومكانتهم الإجتماعية ـ عملا بقوله تعالى:

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } المجادلة ـ 22 ـ

ـ فلدى الأفغان أيضا (أبا رغال) و(بلعام بن باعوراء ) ومسيلمة الكذاب ، تماما كما أن لدى العرب خائنين للأمة ودينها من الذين أدخلوا الكفار أعداء الدين إلى البلاد المقدسة والأراضى التى طردهم منها رسول الإسلام . بل ويتباهون بصداقتهم ، ويهبونهم أراضى جزيرة العرب التى طردهم منها رسول الإسلام بقوله (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) ، يبتغون عندهم العزة .  فأنشأوا فيها أكبر الكنائس وأكبر القواعد العسكرية وأعظم الموانئ لأساطيل دول الكفر . بل وأدخلوا اليهود لحماية قصورهم ، وتثبيت أركان حكم وهمى زائل وبلا كرامة فى الدنيا ولا ثواب فى الآخرة . وتنازلوا لهم ومنحوهم الحق فى إحتلال أراضى الإسلام فى فلسطين وكأن تلك الأرض ومقدساتها هى من أملاكهم الخاصة . فوصل بهم الأمر إلى التنازل لهم عن القدس ومسجدها الأقصى .

   يقول بعض الضالين المضلين ، بضرورة التطبيع مع قتلة الأنبياء مغتصبى أرض الإسراء والمعراج ، وأن تفتح لهم السفارات فى بلاد جزيرة العرب . بل وقنصليات فى مكة  والمدينة !! ، إلى جوار بيت الله الحرام ، ومسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).

ــ إلى هذا الحد بلغ الفجور فلا تختبئوا تحت العمائم فهى ليست لكم ، بل هى للرجال العلماء المجاهدين ، ولأطفال العلوم الشرعية الذى يقتلهم الجيش الأمريكى يوميا فى أفغانستان ، فما توقفوا عن الذهاب إلى مدارسهم لتلقى علوم القرآن والشريعة رغم قصف الطائرات وغارات القوات الأمريكية الخاصة ورغم رحيل الشهداء قوافل تلو القوافل ، من أطفال مدارس الشريعة وشيوخها وطلابها من الشباب المجاهدين المنافحين حقا وصدقا عن الإسلام .

ــ يا من جسدوا العار فى جيبن المسلمين ، هل سمعتم فرعون العصر وهو يقول :{ إن للإسرائيلين الحق فى العيش بسلام على أرضهم (فلسطين!) ولا مشكلة لنا مع اليهود ، وتجمعنا مصالح مشتركة مع تل أبيب }.

فيتبارى السلطان وكلابه  فى التمسح بأحذية اليهود ، ولعق أحذية الأمريكان . كتبت عليهم الذلة والمسكنة ، وعليكم يا آكلى السحت وشهود الزور . أعجزتم أن تقولوا كما يقول بعض المنصفين فى بلاد الأعداء؟؟ .

قال الموقع الأليكترونى الأمريكى (آنتى وور) ، فى تقرير مطول ، أن الجيش الأمريكى قتل فى العراق 2,5 مليون إنسان . (فكم قتل من الأفغان خلال 17 عاما من القصف الجوى والبرى على المدنيين؟؟ ). يقول الموقع المذكور فى تقريره { إقتنع الجمهور بالصفات شبه السحرية “للأسلحة الدقيقة” فكان سهلا على القادة العسكريين والمدنيين الأمريكان تبرير إستخدامها لتدمير قرى وبلدات بأكملها ومدن فى بلد بعد آخر ، كما فى الفلوجة والرمادى والموصل فى العراق ، أو فى سانجين وموسى قلعة فى أفغانستان . ومدينة سرت فى ليبيا ، ومدن كوبانى والرقة فى سوريا } .

–  يا كلاب أهل النار .. هل أصابكم الصمم عن أن تسمعوا قول باحث أكاديمى من سادتكم اليهود وهو يقول عن مضيفكم ـ وبصريح العبارة ـ أن بلاده بدون عون إسرائيل لا تستطيع أن تحمى {{مؤخرتها!}} حتى فى العاصمة . ناهيك عن طلبها للعون الإسرائيلى فى حروبها فى بلاد عربية متنوعة . فإذا كان هذا رأى ذلك الخبير فى “مؤخرة” مولاكم . فماذا عنكم أنتم ؟؟ هل تستطيعون حماية أى شئ؟ ، أم أنكم كما قال حكيم : لا تأخذون حقا .. ولا تدفعون باطلا.  وكيف تدفعون باطلا وأنتم الباطل نفسه ، وعنه تدافعون بشرفكم وكرامتكم ، وتشترون به الدنيا وتبيعون من أجله الآخرة ؟ .

– { فى أفغانستان (خلاف) بين (إخوة فى الدين) يجب أن يتصالحوا فيما بينهم ليعم السلام والوئام } . وهكذا كانت بداية قصيدتكم كفرا .. ونهايتها أيضا كانت كفرا .. فبهذه المقدمة لمؤتمر الشياطين ، لابد أن تكون التوصيات هادية إلى النار .

فى أفغانستان معركة بين الكفر والإسلام . بين كافر غزى بلاد المسلمين وبين شعب مسلم يدافع عن دينه وعرضه وأرضه وماله . فكيف يكون التصالح ؟؟. فليس هناك إلا طريق واحد للحل ، هو أن يخرج المعتدى ويسحب كل قواته معه . { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ـ النساء 76 ـ

أما من ساندوا الغزاة الكافرين من أهل البلاد ، فإنهم فسخوا العهد مع الله والدين والأمه وتلزمهم التوبة ، أو العقوبه المناظرة لجناياتهم التى إرتكبوها . فالخيانة جريمة عظمى ، وليست وجهة نظر تُقدَّر حسب المبلغ المدفوع .

وطبقا لتلك القاعدة الشيطانية التى يرسيها كلاب أهل النار ، بمؤتمراتهم ومؤامراتهم وفتاويهم جاهزة الإعداد ومدفوعة الأجر ، سوف يكون على المسلمين جميعا أن يتنازلوا عن دينهم ، ويتصالحوا مع اليهود المحتلين لفلسطين ، بل ويتعاونوا معهم ويتحالفون سويا للقتال ضد أى مسلم يعترض على(السلام!!) الذى يموهون به على المسلمين ، بتسميه الأشياء بغير مسمياتها. فالخيانة والردة لن تكون أبدا سلاما واستقرارا ، بل أن الجهاد سوف يستمر ، إلى أن يأتى الله بالنصر أو بأمرٍ من عنده .

فقد أنبأنا رسولنا الكريم قائلا : { لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة } ــ رواه مسلم ــ فمن أعظم من الأفغان صبرا أو أقوى منهم شكيمة أو أشد منهم بأسا ؟؟. هم الطائفة الراسخة على الحق ، وبهم يلحق الصادق من المسلمين .

 ــ يا عملاء الزور !! .. لقد حذر الله فى كتابه الكريم بشرا من أمثالكم بقوله تعالى :

{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } ـ الأحزاب 60 ـ

وفى هذا تحذير لأمثالكم من المنافقين ، بأن هناك قصاص لابد منه ، ومؤمنون فى بطن الغيب قادمون لإقامة الدين وإتمامه ولوكره الكافرون .

ذلك وعد الله .. فأين لكم منه المفر ؟؟ إلا بالتوبة قبل القصاص العادل .

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

علماء البنتاجون و بغال الإفتاء :

شاع مصطلح علماء البنتاجون بعد هزيمة السوفييت فى أفغانستان وظهور دور المتطوعين المسلمين من أنحاء العالم ، بعد فتاوى بلا حصر تؤكد فرضية الجهاد فى أفغانستان ضد الإحتلال السوفيتى .

وبعد إنتهاء الحرب وإنقلاب الموقف الأمريكى والغربى ضد المتطوعين المسلمين ـ خاصة العرب منهم ـ أفتى نفس العلماء بأن هؤلاء المتطوعين هم من المتطرفين والإرهابيين . ولكن ما لبثوا أن أخرجوا فتاوى أخرى تدعو الشباب للتطوع للقتال ضد الروس فى الشيشان ، وفى البوسنة والهرسك ضد الصرب والكروات ـ فكانت بوصلة فتاوى هؤلاء “العلماء” متجهة إلى حيث المصالح الأمريكية الحيوية ومتطلباتها العسكرية . فإذا كان الجهاد لغير صالح الولايات المتحدة كأن يكون ضد اسرائيل أو ضد الجيش الأمريكى وحلفائه/ كما حدث فى غزو أفغانستان / فإن الآيه تنقلب تماما ، ويصبح الجهاد فى فتاويهم جريمة نكراء والمجاهد ينقلب إلى إرهابى يهدد الأمن والإستقرار . فيعقد علماء البنتاجون وعبيد الدولار حلقات الفتوى ومؤتمرات الضرار ، يتجولون بها من بلد إلى آخر ومن محطة فضائية إلى أخرى ، يحذرون من (جريمة الجهاد) ، وفوق ظهورهم يحملون فتاويهم جاهزة التزوير حسب طلب الكافرين. فصدق فيهم وصف (بغال الإفتاء) .. ولا كرامة لفاسق .

ومع ذلك فإن وجود بغال الإفتاء لم يمنع وجود علماء البنتاجون بل وحتى علماء الكنيست . فكلهم مشغولون الآن فى الإفتاء لصالح مولاهم الأمريكى ، ورفع راية إسرائيل وتثبيت أركانها إمبراطوريتها فى بلاد المسلمين والعرب . ومصادقة من يصادقها ، ومعاداة من يعاديها، والجهاد دونها بالكلمة والمال والسلاح ـ أولئك هم أولياء الشيطان .

 بغال الإفتاء لن يستطيعوا إحراز النصر لمن عجزت جيوشهم عن تحقيقه فى أرض المعركة. إنهم جزء من محاولة الجيش الكافر اليائس الذى يرغب فى الفرار السريع قبل أن يسقط على أرض أفغانستان مُحَطّماً ساقط الهيبة والكرامة ، فيسقط على مستوى العالم كله.

 ـــ  فى الوقت الراهن يريد الأمريكى أن يحارب بجيشه ـ أو أن يهدد به فقط ـ كى يرسى قواعد دولة اليهود فى بلاد العرب ، ويضع تحت يدها (جميع) مقدسات المسلمين ، وجميع جزيرة العرب من الشام إلى اليمن ـ وجميع بلاد العرب من المحيط إلى الخليج . ولكن المجاهدين الأفغان يعرقلون كل ذلك وربما أسقطوا معبد الكفر فوق رؤوس الأوثان وعبيد الشيطان . فتنتهى على أيديهم ردة واسعة النطاق وإنهيار شامل لا أمل فى وقفه إلا بعناية من الله وجهاد عباد الرحمن من أبطال الأفغان . ولهم فليدع كل مسلم ، وليعترف بما لهم من فضل يطوق رقاب الأمة جميعا . ولهم النصر المبين بإذن الله .

{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز } ﴿٢١﴾ المجادلة

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/7/2018

www.mafa.world




كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (148) | شوال 1439 هـ / يونيو 2018 م.      

كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

– أمريكا تستخدم داعش لتكرر تجربتها فى السلفادور مع فرق الموت ، التى دربتها ومولتها لإرتكاب مجازر ضد الشعب  وإلصاق المسئولية بالثوار  لتشويه سمعتهم .

– القنبلة العملاقة (أم القنابل) كانت إشارة البدء ” لإذاعة صوت الخلافة” الداعشية ، لتعمل من داخل قاعدة جوية أمريكية فى جلال آباد .

– عملية لداعش فى كابل ضد وزارة الداخلية تستعمل بها سيارات لا يمتلكها إلا الجيش الأمريكى ، وأسئلة محرجة ومتشككة ، أثيرت فى البرلمان الأفغانى .

– كمين وزارة الداخلية ، رتبه الأمريكيون للدواعش بعد أن جهزوهم بالسيارات والأسلحة وملابس عسكرية للقوات الخاصة الأمريكية .

– عمليات ترتبها المخابرات الأمريكية لتضخيم خطر داعش . وتستهلك فيها الدواعش كما تستهلك أوراق مسح الأيدى القذرة ، و لمجرد الدعاية وتصنيع “خطر إرهابى” .

– أمريكا تحاول حشد دول المنطقة والعالم لتأييد إحتلالها لأفغانستان ، بدعوى مكافحة إرهاب داعش . والروس يلتقطون الخيط ويخوفون دول آسيا الوسطى ، على أمل قبولهم بتقديم الحماية الروسية لهم .

– مؤتمرات “عبيد الدولار” للفتاوى مدفوعة الأجر ، فشلت سابقا فى أفغانستان ، وسوف تفشل حاليا ، وسيخرج الإحتلال مهزوما مدحورا .

– “المؤتمرات سيئة السمعة” ، تستهدف الشعوب الإسلامية لتمرير تحالفا أمنيا وعسكريا مع إسرائيل فى الحرب على الإسلام والمجاهدين ، والتنازل عن فلسطين والمقدسات الإسلامية . كل ذلك تحت شعار مضلل هو الحرب على إرهاب داعش والتطرف الإسلامي .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

أتقنت الولايات المتحدة خدعة صناعة الأخطار ، ثم تسويق نفسها كحامى ومدافع عن الآخرين فى مقابل أغلى الأثمان .

كانت أبرز تجاربها فى هذا المجال هى تجربة ” فرق الموت” ألتى أنشأتها فى السلفادور دفاعا عن الحكومة العميلة التى كانت تحكم البلاد ، وتهددها مجموعات الثوار . مهمة فرق الموت التى دربها الأمريكيون وأدارها خبراؤهم العسكريون ، كانت إرتكاب كل الجرائم الفظيعة ضد أفراد الشعب وإلصاق التهمة بالثوار ، لتشويه سمعتهم وصرف الشعب عن مسانتهم ، بل والإستنجاد بالحكومة العميلة كى تحميهم من الثوار .

وآخر صور( فرق الموت) التى إخترعتها الولايات المتحدة كان تنظيم داعش . وبواسطته إستطاعت حرف مسار جهاد عدة شعوب عربية ، وتحويله من مقاومة الإحتلال الأجنبى إلى مسار القتال الطائفى والمذهبى .

وعلى إتساع البلاد العربية فإن الولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا داعش ـ ومثيلاتها ـ لتأكيد وجود عدو بديل عن إسرائيل ، وأشد خطورة منها ، بل ويبرر الإتحاد معها فى تحالف ضد عدومشترك . ذلك العدو أسموه ( الإرهاب والتطرف الإسلامى ). الإرهاب هو داعش ـ وجميع الشعوب توافق على ذلك ، والأصولية الاسلامية هى أى مسلم يرفع السلاح ضد الإحتلال الإسرائيلى أو الأمريكى ـ وتلك هى الخدعة فى الشعار المطروح ، أى المساواة بين الإرهاب الإجرامى وبين الجهاد الإسلامى . فى أفغانستان ، عندما فشلت أمريكا فى محاولتها قهر الشعب الأفغانى وهزيمة مجاهديه ، إستوردت تنظيم داعش كى يكمل معها ما فشلت فى تحقيقه مع تحالف يضم خمسين دولة . وحاول داعش أن يعرض على شعب أفغانستان إسلاماً جديداً ، خارج عن كل أحكام الإسلام ، وجهادا جديدا لا يلتزم بأحكام الجهاد فى الإسلام ، إذ كان قتلا وإفسادا فى الأرض بغير الحق ، وتعاونا مؤكدا مع الكافرين ضد المسلمين المجاهدين. وفى كل ساعة يكتشف الشعب الأفغانى لتلك الحقيقة ، وتزداد داعش وحشية وعزلة .

ومع تزايد المأزق الأمريكى فى أفغانستان ، وفقدان الطريق لأى إنسحاب يحفظ ماء الوجه ، ويضمن “المصالح” الإستعمارية فى أفغانستان ـ تزايد الإعتماد على تنظيم داعش ، والترويج الكاذب لقوته وخطورته ، ثم وضعه فى ميزان واحد مع حركة طالبان التى تقود جهاد شعبها منذ سبعة عشر عاما متوالية . ثم مطالبة ذلك الشعب بنبذ كل ذلك(الإرهاب) الداعشى منه والطالبانى ، والدخول فى سلام مع النظام العميل الذى أقامه الإحتلال ورسم دستوره وقوانينة وأرسى أسسه القائمة على دعائم الفساد والطغيان والتعدى على الشريعة . ولكن تلك الحيلة لم تنطل على أى كائن حى فى أفغانستان ، سوى أشباه البشر الذين ربطوا حياتهم بحياة المستعمرين والكافرين .

كان من هؤلاء زعماء مزيفون ، وتجار دماء وقادة مافيات تتاجر بكل شئ ، وسياسيون بلا ضمير ولا مبدأ سوى مصالحهم المالية . وكان من بينهم أشباه علماء يحاولون تجريم الجهاد ويصرفون الأنظار عن جيوش الإحتلال التى تجاوزت على الدين والعرض والأرض وأرزاق المسلمين .

هؤلاء أشباه البشر ، من علماء السؤ يعقد لهم الاحتلال مؤتمرات الفتنة المتنقلة فى بلاد المسلمين . بالأمس فى إندونسيا وبعدها فى كابول ، وغدا ستكون هناك أماكن أخرى، إلى أن تختلط الرؤية فى أعين المسلمين وضمائرهم ، ويصبح منكر الإحتلال معروفا ، ومعروف الجهاد والشريعة منكرا وإرهاباً . ذلك المزيج المشترك بين إرهاب داعش من جهة ، وعلماء السؤ من جهة أخرى ضمن موكب الشيطان الأمريكى ، وإبليس الإسرائيلى .

وكما تروج أمريكا لإجرام داعش ، تروج أيضا لضلالات علماء السؤ . فكلاهما يستهدف الدين ، ويستهدف نتزع سلاح الجهاد من أيدى المسلمين ليضيع الدين وتضيع البلاد ويهلك العباد .

 

(أم القنابل) لإفتتاح (صوت الخلافة) :

إبتدع الإحتلال الأمريكى أساليب إجرامية لترويج إرهاب داعش فى أفغانستان . فيوم أن إستخدموا قنبلتهم العملاقة (أم القنابل) وهى الأضخم فى الترسانة التقليدية عندهم . قالوا إنهم ألقوها على مواقع مجاهدى طالبان فى جلال آباد . وبعد يوم واحد بدأ راديو داعش فى البث بإسم (صوت الخلافة) من داخل القاعدة الجوية الأمريكية فى مطار جلال آباد !! . لم يظل الأمر سراً لفترة طويلة وذاع إلى درجة أن تكلم به أحد أعضاء مجلس النواب فى كابول ، وهو “ظاهر” ابن حاجى قدير “والى” جلال آباد السابق .

 

كمين وزارة الداخلية ، أحجيه دامية .. كيف نفسرها ؟

فى الثلاثين من شهر مايو الماضى تحركت سيارتان عسكريتان تحمل كل منهما خمسة مسلحين دواعش مزودين بأحدث الأسلحة الأمريكية ويرتدون ملابس القوات الأمريكية الخاصة . عبرت السيارتان عشرات من نقاط التفتيش دون أن يستوقفهما أحد ، إلى أن توقفتا أمام المبنى الجديد لوزارة الداخلية .

ترجل المسلحون العشرة من السيارتين ، ليجدوا قوات الأمن التى تحرس المكان فى تمام الجهوزية لإستقبالهم ، وفتحت عليهم النيران وأردتهم قتلى جميعا . وبقيت السيارتان سالمتان غنيمة لقوات الأمن .التى إدعت أن أحد عناصرها قتل وأصيب خمسة آخرين بجروح خفيفة .

إنتهت العملية وبقيت ألغازها بدون حل . فكيف تعبر سيارتان كل نقاط الأمن الكثيرة بلا إعتراض ؟؟ وكيف كان الأمن جاهزا ومتحفزا أمام ساحة المبنى الحكومى الذى تحولت إلى منطقة قتل أبيد فيها المهاجمون؟؟. فهل كان ذهابهم لأجل إجتماع ما ، ثم وقعوا فى خيانة وكمين غير متوقع؟؟. والدليل على ذلك عدم تفخيخ السيارتين لتفجيرهما خلال العملية كما هو متبع فى مثل تلك العمليات، أى لم تكن هناك عملية هجومية فى الأصل ، وأنه مجرد كمين للدعاية والإعلان ، أعده الأمريكيون . فلا بأس فى قتل عشرة من الدواعش أو حتى ألفا ، فقد ظهر أن الأمريكيين يستهلكونهم فى مآربهم مثلما يستخدمون أوراق مسح الأيدى القذرة ، ثم يتخلصون من جثثهم بإزدراء .

هناك شك فى أرقام الإصابات فى صفوف الأمن . أو كما قال (عبد الله باركزاى) نائب البرلمان عن ولاية أرزجان فى حوار له مع قناة (طلوع) التلفزيونيه المحلية :

 1 ـ  كيف حصلت داعش على هذه السيارات ؟ ومن أين ؟ فالسيارات الأمريكيه المستخدمة لا يمتلك مثلها (أشرف غنى) رئيس الحكومة ، ولا أى من الوزراء أو النواب ، بل هى ملك حصرى للقوات الأمريكية .

2 ـ  كيف وصلت السيارات إلى وزارة الداخلية بدون التعرض للتفتيش على طول الطريق؟ .

3 ـ  وماذا فعل الدواعش فى هذا الهجوم ؟ .. هل هاجموا الوزارة كى يقتلوا أنفسهم فقط ؟ .

السؤال الأخير يثار فى العديد من العمليات الداعشية . وكأن المطلوب فقط هو النسف والحرائق وقتل أكبر قدر من البشر ، بما فيهم المهاجمين ، حتى لو كانوا هم القتلى الوحيدون . ولكن الإعلام المحلى الذى يديره الإحتلال ، ويظاهره الإعلام الدولى يلتقط الخيط من بين الأشلاء ، والمعارك المشبوهة ثم يضخم من خطورة داعش ، وفظاعة عملياتها .

فيشيع فى أفغانستان والمنطقة والعالم تلك الصورة المغلوطة عن الغول الداعشى الذى يهدد الجميع ، وأن الإحتلال الأمريكى هو الحل ، ليس هذا فقط بل على دول المنطقة أن تمد له العون ، وأن يتبرع الآخرون بدفع تكاليف ذلك الإحتلال المفيد والمنقذ !! .

–  ذلك الترويج لأسطورة داعش ، والمواصلة فى نفخ ذلك البالون الدامى ، هو من صلب حرب أمريكا على الإسلام على إمتداد العالم ، وفى أفغانستان على وجه الخصوص ، التى برهنت على إستعصائها على التطويع ، بل وقدرتها على تحقيق النصر على أرض الجهاد ، بحيث تورط المحتل فى إيجاد طريق للفرار . ويجرب كافة الوسائل من الإجرام الداعشى ـ إلى علماء السؤ ومؤتمراتهم الخبيثة ـ إلى الإستهداف المباشر للمدنيين بكافة الوسائل العسكرية المتاحة بحيث لا تكاد تنقطع المجازر المتعمدة ضد المدينين من الجو ومن الأرض .

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

 

مسرحية ” قرغا” :

عملية ترويجية آخرى ، مع ألغازها الخاصة المستعصية على أى تفسير .

فالمعروف أن القوات المسلحة المحلية ، بداية من الجيش المحلى الذى كلف الأمريكيين ما يقارب عشرة مليار دولار حتى الآن . وصولا إلى المليشيات من مطاريد المجتمع والقبائل التى يسلحها ويمولها الإحتلال . جميعها ذات هدف رئيسى هو الدفاع عن قوات الاحتلال أولا ، ثم مقراته الإدارية ومعسكراته . فكيف فى معسكر “قرغا” تدافع القوات الأمريكية عن القوات الأفغانية . هل إنعكست الآية ، أم أن هناك سرا وراء عملية معسكر قرغا ؟ .

قوات الإحتلال الأمريكى تفرض رقابة عسكرية على كل ما يتصل بأفغانستان خاصة العمليات العسكرية . وعملية قرغا مصدر المعلومات الوحيد عنها هم الأمريكيون . ثم يأتى الإعلام العسكرى الحكومى ومن بعده الإعلام المحلى المدار أمريكيا . والجميع تناول الحادث بكل إمكانات التهويل ، وانبرى ( الخبراء العسكريون والاستراتيجيون ) فى التحليل والتأويل والطبل والزمر حول قوة داعش وخطورتها .

لهذا أبرز الجيش الأمريكى دورة فى التصدى للهجوم الذى يفتقر إلى شهود . حيث أنه فى داخل معسكر كبير ذو أهمية ، ويدار تحت إشراف الإحتلال .

قال الإحتلال على لسان الناطق العسكرى الأفغانى أن 11 جنديا أفغانيا قتلوا وأصيب 16 آخرون ، وأن 3 من مقاتلى داعش قتلوا كما أسر منهم واحد .

ــ الرئيس أشرف غنى أظهر إهتماما نادرا لم يظهر مثله فى أى من العمليات الأكبر والأخطر التى قامت بها حركة طالبان ، وقال أنه شكل لجنة تحقيق فى الحادث ، وبنفسه أعفى من الخدمة سبعة من القادة من بينم 2 من جنرالات الفرقة 111 التى تشغل المعسكر المذكور.

 

مراكز تدريب لداعش فى كابول !!

فى الحملة الإعلانية للترويج لخطر داعش ، وضرورة الإحتلال من أجل التصدى له . جاءت الكثير من العمليات الإصطناعية . مثل العثور على (أكبر) معسكر تدريب لداعش فى كابول . وهو الحدث الذى خاصت فيه ـ بأوامر وتوجيه من سلطات الإحتلال ـ وسائل الإعلام المتواجدة فى العاصمة الأفغانية ، المحلى منها والدولى .

القوات الأمريكية أعلنت أنها ، مع القوات المحلية العميلة ، قد إكتشفوا أكبر معسكر لتدريب الدواعش فى قلب العاصمة . وسائل الإعلام صورت فى ذلك “المركزالمفترض” رايات داعشية ، مع أدوات عسكرية بسيطة ، وعدد قليل من قذائف(آر بى جى) .

ولم يكن هناك معتقلون أو حتى مشتبه فيهم ، فى قضية مركز التدريب(الأكبر) فى العاصمة والتابع (لأكبر) تنظيم إرهابى فى أفغانستان .

–  كل صغيرة من نشاطات داعش تتحول إلى ” كبيرة” إعلامية ، فيعاد رسمها ووصفها وترويجها على أوسع نطاق . حتى قائد القوات الأمريكية فى أفغانستان لا يتوقف عن تضخيم نشاطات داعش فى جميع جلساته الإعلامية . وبأمر من قوات الإحتلال ـ واللجنة الإعلامية لذلك الإحتلال ـ تكون الصحف والقنوات الإعلامية المحلية مطالبة بوضع أخبار داعش فى مقدمة تغطياتها الإخبارية ، مع والتركيز على الصور المروعة لتقطيع الرؤوس . وقد نشرت قناة كابول نيوز تقريرا مفصلا حول توصيات القيادة العسكرية حول التركيز على أخبار داعش وتضخيمها وإعطائها الأولوية على ما سواها من أخبار .

–  (حنيف أتمر) مؤسس داعش فى أفغانستان ـ والمستشار الأمنى لرئيس الدولة ـ  أعلن عن وجود(أبوبكر البغدادى) زعيم داعش فى جبال تورابورا ـ شرق أفغانستان .

لم يقدم المستشار أى دليل ، ولم تخرج أى إشارة من المنطقة المذكورة على أن البغدادى يقيم هناك . حيث أن المنطقة الجبلية كلها خاضعة لحصار حركة طالبان .

وفى الخريف الماضى حاولت داعش إختراق مناطق طالبان فى جلال آباد للوصول الى منطقة خوجيانى ثم التسلل منها إلى ولاية لوجر وتحديدا فى منطقة (أزره) التى قدمها حكمتيار ـ الزعيم الأصولى المتحول ـ هدية لداعش بالتواطؤ من حنيف أتمر ، والرئيس غنى ، والقوات الأمريكية ، وعون عسكرى ولوجستى من باكستان ، ليكون الدواعش على مشارف العاصمة .

لكن مجاهدى طالبان كانوا دوما بالمرصاد ، وأفشلوا المحاولة الداعشية ، فتعرضوا لإنتقام سلاح الطيران الأمريكى الذى قصف مواضعهم بعنف فى سبع غارات خلال شهر واحد .

– ولكن الجيش الأمريكى منح داعش موطئ قدم فى أماكن جبلية شبه خالية فى شرق أفغانستان وفى شمالها خاصة فى مديرية درزاب الجبلية من محافظة جوزجان . وبذلك أتيحت الفرصة أمام قائد المنطقة العسكرية الروسية الوسطى ، الفريق “ألكسندر لابين”  ، كى يبالغ هو الآخر ـ ولأهداف روسية هذه المرة ـ فيقول أن فى أفغانستان حوالى عشرة آلاف مقاتل معظمهم دواعش ، ونصفهم يتمركزون فى شمال أفغانستان ، وهم يعملون على إقامة خلافة فى دول آسيا الوسطى . إن “الفريق” الروسى يريد القول بأن جهاد الأفغان هو مجرد إرهاب داعشى، وهذا هو المطلوب تعميمه أمريكيا . ويريد الروس تحويل دفة الأحداث إلى مصلحتهم وعرض أنفسهم كحامى لدول آسيا الوسطى من خطر الإرهاب الداعشى .

 

علماء الدولار :

“علماء” الدولار وخدم الإحتلال الصليبى ، ليسوا علماء بل عملاء . فالعلماء تعرفهم أفغانستان منذ فجر الإسلام . وهم قادة الشعب وحراس الشريعة ، الذين تصدوا لجيوش الطواغيت شرقا وغربا. ومازالت أصداء الجهاد ضد السوفييت قائمة ، وقد أفتى به وحمل رايته العلماء المخلصون . ودفعوا ضريبة الدم والمعاناه بشتى أنواعها ، إلى أن أنعم الله على شعبهم بالنصر والتمكين .

والآن يقود العلماء وطلاب الشريعة جهاد شعبهم ضد الإحتلال الأمريكى الذى جاء ليكمل رسالة المعتدين البريطانيين والسوفييت لإخراج شعب أفغانستان من الإسلام وإدخاله فى قيود التبعية والذل للصليبية والصهيونية الدولية .

المؤتمر الدينى الذى عقد فى خيمة(العار) فى العاصمة تحت حراسة جنود الإحتلال وطائراته ، لتنفيذ أوامره ، بتحريم الجهاد وتجريم المجاهدين ، وتصوير الحرب الدائرة على أنها حربا بين طرفين مسلمين(!!!). أحدهما طالبان والطرف الآخر هو حكومة كابول ـ وكأن تلك الحكومة قائمة بذاتها بعيدا عن جيش الإحتلال الذى عينها ويديرها علنا وليس من وراء حجاب.

ليست تلك هى المرة الأولى التى يحاول فيها المحتل إستخدام علماء السؤ وعبيد الدولار ضد جهاد شعوبهم . فبعد رحيل الجيش السوفييتى من أفغانستان عام 1989 ، نشطت دعاية المصالحة بين “المجاهدين” والحكومة الشيوعية فى كابول وهو الأمر الذى رفضه المجاهدون ، رغم المؤامرات وتدبير الهزائم (جلال آباد مثالا) وفتاوى محلية وأخرى عربية ، وموفدين دينيين من جزيرة العرب تحض على الصلح ونبذ العنف ووقف(الفتنة) بين الإخوة “!!” فى أفغانستان . رغم أن الجهاد كان قد بدأ أصلا ضد الشيوعيين المحليين ، فإفتاء العلماء الأفغان ، وتأييد معظم علماء المسلمين خاصة فى بلاد العرب .

رفض العلماء المخلصون فى أفغانستان ، كما رفض المجاهدون البواسل المصالحة مع الحكومة الشيوعية العميلة ، وواصلوا قتالهم المرير وسط أمواج المؤامرات المحلية والدولية ، حتى كتب الله لهم النصر ، وسقطت الحكومة الشيوعية التى جلبت الإحتلال الأحمر إلى البلاد. وما أشبه الليلة بالبارحة ، نفس المؤامرة وإن إختلفت الأسماء والوجوه .

وسوف ينهار الإحتلال الأمريكى ويخرج ذليلا مدحورا ساحبا فى أذياله الحكومة العميلة ، فهى ليست سوى ظل للإحتلال فوق الأرضى الأفغانية . ” قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ” ـ 81  الإسراء ـ

إن شعب أفغانستان قد جرب هذه المؤتمرات (الدينية) لعلماء باعوا دينهم بدنيا الكافرين .

ولكن المقصود الأساسى بتلك المؤتمرات هو أماكن وشعوب أخرى غير أفغانستان وشعبها ، فهؤلاء قد حصنهم الله بعلم علمائهم وجهاد شبابهم ، ولكن المقصود هم الشعوب الإسلامية عامة ، وشعوب العرب بشكل خاص .

فى وقت ما ،  سوف يتحول مسار تلك المؤتمرات ، وتتوسع فى العدد والإمكانات لتبشر بتحالف إسلامى/يهودى/ صليبى ، ضد الإسلام والمجاهدين ، تحت دعاوى التعاون فى الحرب على الإرهاب الإسلامى والأصولية الإسلامية .

وبهذه الخديعة تدخل إسرائيل والصهيونية العالمية وتسيطرعلى جميع بلاد المسلمين ، وتقدم إليهم دينا جديدا ليس فيه من الإسلام إلا إسمه . وتأخذ كل شئ من بين أيديهم  وتضيع منهم فلسطين والمقدسات الإسلامية ، فلا يبقى لهم غير الخسران فى الدنيا والآخرة .

إن شعب أفغانستان يحارب نيابة عن الأمة الإسلامية جمعاء أخطر معارك الإسلام ضد أعداء الإسلام والإنسانية . وسوف ينتصر الأفغان حتما طبقا للوعد الإلهى الصادق: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلى أن الله قوى عزيز } ـ21 المجادلة.

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




مؤامرات .. ومؤتمرات مدفوعة الأجر

البرنامج العدوانى الأمريكى : مؤامرات .. ومؤتمرات مدفوعة الأجر

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / االسنة الثالثة عشرة – العدد 147 | رمضان 1439 هـ / مايو 2018 م .

البرنامج العدوانى الأمريكى :

مؤامرات .. ومؤتمرات مدفوعة الأجر

– أمثال مؤتمر أندونيسيا سيكون رأس رمح للإجتياح الإسرائيلى لبلاد المسلمين وتأمين إعتراف وتطبيع شامل معها .

– لا يكاد يعقد مؤتمر إسلامى مدفوع الأجر ، إلا وكانت التوصيات موجهة ضد الجهاد والعمليات الإستشهادية .

– تلك الحكومات لن تعلن الجهاد إلا على الجهاد نفسه ، وعلى المجاهدين تحديدا .

– هل يعقل أن يعلن ” كرزاى” الجهاد ضد الجيش الأمريكى ، أو أن يعلن “أبومازن” الجهاد ضد الجيش الإسرائيلى ؟؟ .

– إسرائيل ترى فى جهاد أفغانستان خطرا يهدد توسعها فيما وراء إيران . وليس عبثا أن كانت أفغانستان هى نقطة البدء فى مشروع الشرق الأوسط الكبير .

– معظم ميزانية العمليات العسكرية (60 مليار دولار سنويا)  توجهها أمريكا ضد أفغانستان.

– لا الرشاوى الشخصية ولا الفتاوى مدفوعة الأجر تصلح فى أفغانستان ، لأن نيران الجهاد تضئ الأرض والعقول ، وتكشف كل زيف .

– فشلت أمريكا وإسرائيل فى تطويع أفغانستان سلما أو حربا ، ولم يدركوا أن إخضاع أفغانستان هو من المستحيلات القليلة فى عالم اليوم .

– أمثال تلك المؤتمرات المشبوهة وفتاويها مدفوعة الأجر سيكون لها تأثير خطير، ليس على أفغانستان ، بل على فلسطين.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 147 : اضغط هنا

منذ البداية يرتبط البرنامج العدوانى الأمريكى على أفغانستان ، مع برنامجها العدوانى على المنطقة العربية ـ الذى أطلقت عليه فى البداية إسم الشرق الأوسط الجديد ـ أو الكبير ـ

وما زال هذا الترابط قائما. وإن كان البرنامج الأمريكى فى المنطقة العربية دخل منطقة خطرة تكاد تكون حاسمة ، لأنه يشمل فلسطين وقضية إحتلالها وتشريد شعبها إضافة إلى خطط إسرائيل للهيمنة على كل بلاد العرب وحتى على جيران المنطقة الأقربين فى تركيا و إيران بوجه خاص ، فإن البرنامج فى أفغانستان إشتدت خطورته أيضا ، فوسعت أمريكا نطاق إهتماماتها العدوانية لتشمل أطراف العالم الإسلامى (الكبير) من أفغانستان وآسيا الوسطى وصولا إلى أندونيسيا ، الحافة الشرقية للعالم الإسلامى .

وعنصر الإرتباط هنا هو الإسلام الذى تتخيل الولايات المتحدة وشقيقتها الصغرى إسرائيل أنهما قد أمسكتا بمفاتيحه الأساسية واقتربتا من التوجيه والسيطرة الكاملة على إتجاهات نشطائه بل ومقدساته نفسها ، لتعزيز سيطرتها على العالم الإسلامى ، بإستخدام عنصر الدين الذى تكافح لمنع المسلمين من إستخدامه فى جهادهم السياسى والعسكرى.

ومؤخرا تجلت الكثير من ملامح ذلك الإستخدام الشيطانى فى خلال مؤتمر (علماء دين !!) من ثلاث دول لبحث مخرج سلمى تصالحى فى أفغانستان . تلك الدول هى أفغانستان وباكستان ثم أندونيسيا. ومعلوم موقف الدولتين الأولى والثانية ، فأمثال تلك المؤتمرات وتوصياتها، متطابقة تقريبا مع ما يصدر عن (علماء دين !! ) فى كلا البلدين .

فلماذا أندونسيا هذه المرة ؟؟. ولماذا (علماء الدين) من أجل السلم والتصالح بينما أفغانستان دولة تحت الإحتلال الأمريكى وباكستان هى صاحبة الباع الأطول فى تنفيذ وإنجاح ذلك الإحتلال ؟؟.

وقبلا عقد فى طشقند عاصمة أوزبكستان مؤتمرا دوليا شارك فيه الإتحاد الأوروبى ، وخرج بتوصيات لا تبتعد كثيرا عن توصيات “رجال الدين ” فى أندونيسيا . وفى طشقند وعدت مسئولة السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبى بالمساعدة فى رفع أسماء قادة طالبان من القائمة السوداء ، إن هم وافقوا على وضع السلاح والإنخراط فى الواقع الإحتلالى القائم . وكأن حركة طالبان تقاتل منذ سبعة عشر عاما لمجرد رفع أسماء قادتها من القوائم السوداء للممنوعين من السفر لدى الأمم المتحدة !! .

وهو نفس التوجه المريض الذى يستخدمه ترامب هذه الأيام مع كوريا الشمالية حين يعرض على رئيسها أن يبقيه فى سدة الحكم فى مقابل نزع سلاح بلاده النووى والصاروخى ، وأن يترك الشركات الأمريكية تتسلم ملفات التنمية والإعمار فى كوريا الشمالية (أى إبتلاع ثرواتها وتفكيك ترسانتها الصناعية والعلمية وإغراقها فى الديون ) .

إذن سلامة رئيس كوريا وإبقائه فى سدة الحكم هى ثمن كل ذلك . وكأن كوريا تعلن إستسلامها بدون قيد أو شرط بعد هزيمتها فى حرب ضروس . تلك هى نفسية (ترامب) التاجر اللص نهاز الفرص ، الذى يريد أن يكسب كل شئ فى مقابل لا شئ ، بل بمجرد رشوة حقيرة يقدمها لمنعدم ضمير يحكم بلدا بلا شعب .

بالطبع لا الرئيس الكورى وافق ، ولاحركة طالبان يمكن ان توافق على هذا الهراء الأوروبى /الأمريكى . فالأساليب التى نجحت فى الشرق الأوسط لا تنجح فى أفغانستان ، فلا الرشاوى (الشخصية) تنفع ـ ولا الفتاوى مدفوعة الأجر تجد أذانا صاغية ــ لأن نيران الجهاد ضد المستعمر تضئ الأرض والعقول وتكشف كل زيف .

ولكن مثل تلك المؤتمرات المشبوهة وفتاويها مدفوعة الأجر سيكون لها دور خطير فى المستقبل القريب . ليس بالنسبة لأفغانستان ـ بل بالنسبة لفلسطين التى هى المستهدف الأساسى لتلك المؤتمرات “ومخرجاتها” الإفتائية .

فى الأساس بحث مؤتمر أندونيسيا وما قبله من مؤتمرات ، سواء إسلامية أو دولية ، فى أهمية السلام ونبذ العنف . ثم إدانة خاصة للعمليات الاستشهادية كونها (مخالفة للإسلام) .

مصطلح “العنف” فى علم النفاق الدولى يقصد به الجهاد تحديداً . والسلام والإستقرار يقصد بهما قبول الإحتلال مع الإنخراط فى منظومته السياسية الحاكمة، التى تحمى مصالحه وتنفذ برامجه الإقتصادية والأمنية .

تمرين على بيع فلسطين :

حكومات المنطقة العربية فى شبه إجماع على تطبيع العلاقات مع إسرائيل ، والموافقة على إلغاء القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها إلى الأبد ، وطرد الفلسطنين من داخل أراضيهم المحتلة إلى غزة وإمتداد لها فى شبه جزيرة سيناء المصرية. وحرمان الفلسطينيين من حق العودة إلى بلادهم . وتوطين المغتربين منهم فى أى مكان يسمح لهم بذلك  . وفى الأخير ضم القدس كلها إلى إسرائيل كعاصمة يصفونها (بالأبدية !!) .

تشتكى إسرائيل من أن الشعوب العربية تعارض (صفقة القرن) التى بعض معالمها هو ما سبق ذكره . ومن المتوقع أن تكون باقى الشعوب الإسلامية معارضة بشكل أكبر . لذا إستخدام العدو ورقة المؤتمرات الإسلامية المزيفة ، وشيوخ الإفتاء المستأجرين ، ذلك من أجل تمرير صفقة القرن ولكن على المستوى الإسلامى الواسع ـ أى بدخول حكومات الدول الإسلامية فى إتفاقات الخضوع لإسرائيل ( وحتى التحالف العسكرى معها) والإعتراف بإبتلاع فلسطين وتشريد أهلها ، وهيمنة إسرائيل على البلاد العربية . ليس ذلك فقط بل ودخول بلاد المسلمين كافة فيما دخلت فيه حكومات العرب كافة ، من الإعتراف بإسرائيل والتطبيع الكامل معها . ولا بد أن يسبق ذلك مؤتمرات وفتاوى مثل تلك التى شاهدناها فى مؤتمر إندونيسيا “الإسلامى” ـ الذى يدعو بشكل غير مباشر ـ إلى الإعتراف بالإحتلال والتطبيع معه والتعايش تحت سلطانه ، ونبذ الجهاد بل وتجريمه ، بعد توصيفه بالعنف الذى لا تقره الأديان .

وهكذا تدخل إسرائيل وتسيطر على العالم الإسلامى كله . وهى تتحسب الآن لأندونيسيا وآسيا الوسطى . وتعتبر جهاد أفغانستان خطراً أكبر يهدد مستقبلها، خاصة فى وسط آسيا وجنوبها . وليس فى ذلك إكتشافا جديدا، فإسرائيل أدركت خطورة أفغانستان وشعبها على طموحاتها فيما وراء العالم العربى وإيران . لذا تشاركت مع الأمريكيين منذ لحظة الغزو الأولى وحتى الآن ، وفى شتى المجالات . وليس عبثا أن كانت أفغانستان هى نقطة البداية لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير ، قبل العراق ، التى كانوا يجهزون لغزوها منذ إنتهاء حربها ضد إيران عام 1988 .

ومنذ أن غزى السوفيت أفغانستان ، أدرك الأمريكيون والإسرائيلون أهمية إدماج أفغانستان فى المعسكر الغربى طوعاً أو حرباً. وقد فشلوا فى الحالتين ، فتطويع شعب أفغانستان وإخضاعه للإستعمار أو الهيمنة الخارجية هو أحد المستحيلات القليلة المتبقية فى عالم اليوم .

لأجل تلك الصعوبة الإستثنائية التى يمثلها إحتلال أفغانستان وإخضاع شعبها خصصت لها أمريكا أكبر جهد عسكرى خارجى ، كما خصصت معظم ميزانية عملياتها للحروب الخارجية.  فميزانية العمليات العسكرية فى العراق وسوريا وأفغانستان هى 60 مليار دولار حسب ميزانية 2018 . فإذا علمنا أن العمليات العسكرية فى العراق وسوريا تمول كلها تقريبا من جيوب حكومات فى المنطقة العربية ، فإن معظم ذلك المبلغ الضخم مخصص للعمليات ضد شعب أفغانستان وحركة طالبان التى تقود جهاده .

ولولا هذا المجهود الأمريكى الضخم لانهار نظام كابول فى غضون ثلاثة أيام ، حسب تقدير قائد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، أما فى تقدير رئيس الدولة (أشرف غنى) فالمقدر للنظام سته أشهر فقط أذا تخلى عنه الأمريكيون .(العديد من الأنظمة العربية مقدر لأعمارها نفس المدة ــ حسب تقديرات ترامب ــ لولا بقاء القوات الأمريكية لحمايتها ـ ولكن بشرط أن تدفع التكاليف) . ومع ذلك هناك إحتمال بأن أمريكا تسترد نفقاتها فى حرب أفغانستان من خزائن عربية . فقد صرح ترامب أكثر من مرة أن على تلك الدول الغنية أن تدفع تكاليف الجيوش الأمريكية فى المنطقة العربية و.. أفغانستان !! .

وقد يكون فى ذلك تفسير لنكوص أمريكا عن الإنسحاب من أفغانستان بنهاية 2014 كما كان مقررا . فما دامت الحروب مدفوعة التكاليف (مثل المؤتمرات الدينية وفتاويها) ، ستبقى الغنائم من ثروات أفغانستان تمثل ربحاً صافيا للبنتاجون . يضاف إليها توسيع نشاط مبيعات الأسلحة الذى يرافق أمثال تلك الحروب ، كما يرافق التوترات الساخنة التى تفتعلها الإدارة الأمريكية . مثل توترات حافة الهاوية مع كوريا الشمالية ، ومع الصين فى بحر الصين الجنوبى ، ومع روسيا فى أوكرانيا وسوريا .

فالحرب على الإرهاب والتى بدأت بصورتها الشرسة الحالية منذ أحداث سبتمبر 2001 ، أدت إلى تنشيط صناعات تكنولوجية متقدمة وتنشيط الإقتصاد الراكد فى أمريكا وإسرائيل معا. ومن أهم صادرات معدات مكافحة الإرهاب هى الطائرات بدون الطيار التى تأتى أمريكا وإسرائيل فى صدارة منتجيها ومصدريها . وتحاول الصين أن تنافسهم فى ذلك المجال . وتمتلك الدولتان ميزة وجود ميادين تجارب حية لذلك السلاح الفتاك ، والتباهى بأنجازاته فى قتل “الإرهابين ” فى بلدان عديدة من اليمن إلى الصومال وسوريا وفلسطين والعراق وأفغانستان .

ويعمل ترامب على التوسع فى تصدير أنواع من تلك الطائرات ، وامتلاك موقع الصدارة فى ذلك السوق القاتل ، والتخفيف من أى قيود أخلاقية أو سياسية قد تقلل من أرباح شركات التصنيع العسكرى لتلك الطائرات أو غيرها من معدات الدمار ، رغم أن جمعيات حقوق الإنسان فى أمريكا تحذر ترامب من أن يؤدى ذلك إلى تأجيج الصراعات فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا . وتصف المصادر الحكومية الأمريكية تلك الطائرات بأنها ذات دور محورى فى استراتيجية الحرب على الإرهاب .

فى نفس الوقت تسعى أمريكا وإسرائيل إلى نزع أحد الأسلحة الاستراتيجية لدى المجاهدين وهو سلاح العمليات الإستشهادية . ولا يلجأ المجاهدون إلى تلك العمليات إلا لنقص التسليح المتقدم الذى يتيح لهم الوصول إلى الأهداف الحساسه لدى العدو. فلو توافر السلاح المتطور لانتفت الحاجة إلى العمل الإستشهادى .

أما التوسع فى تصنيع ونشر أسلحة مثل الطائرات بدون طيار التى قتلت المئات من قيادات المجاهدين والآلاف من أفراد الشعب الأبرياء ، ثم المطالبة فى نفس الوقت بنزع السلاح الإستشهادى . فلا معنى له سوى دعوة المجاهدين إلى الإستسلام والتنازل عن أكثر أسلحتهم فعالية فى تحطم معنويات جنود العدو أكثر مما يحطم من أجسادهم ومعداتهم .

أما المنطقة العربية فحدث ولا حرج . وبها أكبر قدر من الحروب الفعلية ، وأكبر قدر من توترات حافة الهاوية ، وأكبر قدر من مبيعات الأسلحة الأمريكية حتى على المستوى العالمى .

وما دام  العرب يدفعون تكاليف الإحتلال الأمريكى لبلادهم ، ويعترفون بإسرائيل إلى درجة التحالف ، فإن المتوقع أن يتبعهم باقى المسلمين . وإذا فعل الأفغان ذلك لأصبح أكثر سهولة أن يسقط كل من تبقى من المسلمين فى نفس الهاوية . والعكس أيضا صحيح أى أن صمود الأفغان وإنتصارهم هو فى صالح فلسطين وجميع المسلمين .

– المؤتمرات “الإسلامية” والفتاوى “الشرعية” على ذلك النمط الأندونيسى ، ومن قبله الكثير فى باكستان وأفغانستان . ماهى إلا تغليف (إسلامى) مزور لوجهات نظر أعداء الإسلام فى أمريكا وإسرائيل ، لتشويه صورة الجهاد والمجاهدين وعزلهم داخل مجتماعتهم وفى أنحاء العالم . على هذه الشاكلة تطمح إسرائيل فى تمدد سلطانها على بلاد المسلمين ، من إندونسيا إلى مراكش ، مروراً بأفغانستان وما حولها من الجهات الأربع .

أمثال تلك المؤتمرات ستكون رأس الرمح للإجتياح الإسرائيلى لبلاد المسلمين ، لتأمين إعتراف وتطبيع ، بل وتحالف جماعى تقوم به حكومات تلك الدول .

وبالطبع ستكون حكومة أفغانستان فى الطليعة . ويومها سوف تتكشف الكثير من الأقنعة عن وجوه منافقة ظلت تتستر لأعوام طويلة فى إنتظار تلك اللحظة التى تنهار فيها مقاومة الشعب الأفغانى ومجاهديه . لكن هذه الخطة سوف تنقلب فى أفغانستان ، وسترتد الموجة فى صدور المعتدين والمتآمرين والصهاينة ، بفضل التوكل على الله ، وصلابة المجاهدين ، وصبر الشعب الأفغانى الذى لا حدود له .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 147 : اضغط هنا

 

داعش وخلط الأوراق :

داعش كانت آخر المنتجات الوهابية وأسوأها على الإطلاق . أهم واجبات داعش المكلف بها كانت توطين الحروب داخل بلاد المسلمين ونشرها على أوسع نطاق ممكن ، تحت ذرائع مذهبية أولا أو أى ذرائع أخرى دينية أو عرقية أو حتى عشوائية .

تشويه صورة الإسلام تأتى كنتيجة منطقية لذلك ، خاصة عند ممارسة تلك النشاطات خارج نطاق العالم الإسلامى . حتى وجدت شتى الأمم ذريعة ومبررا للإتحاد ضد قضايا المسلمين وحقوقهم الضائعة فى كل مكان .

ويتسع نفس المعنى ليشمل تجريم فريضة الجهاد نفسها ، لأن الدواعش يطلقون على إجرامهم البشع كلمة جهاد . وقد نجح الأمريكيون والإسرائيليون إلى درجة معينة فى إقناع قطاع من الناس ـ حتى من بين المسلمين ـ بوجهة نظرهم تلك .

فإتهام داعش بالإرهاب ، يتسع خلسة ليشمل إتهام الجهاد نفسه بأنه عمل إرهابى . فداعش فصيل منحرف دينيا وسلوكيا ، وليس من المنطقى إلغاء فريضة الجهاد أو الإسلام نفسه بدعوى القضاء على داعش ، التى بات واضحا أن الأمريكيين أنفسهم هم المؤسس والداعم والموجه لذلك الفصيل ، وللعديد من أمثاله ، لأهداف كبرى يسعون إليها . ومعروف فى أفغانستان تحديدا كيف نشأ هذا التنظيم وتوسع ، ومن يقف خلفه ويدعمه من الأمريكيين ومن كبار مسئولى الحكومة الأفغانية ومن باكستان المجاورة . ونفس الشئ فى كافة البلاد التى ينشط فيها ذلك التنظيم . فأكذوبة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود هى خدعة صهيوأمريكية نابعة مع إحتياجات إقتصادية واستراتيجيه ذات أبعاد إقليمية ـ فى العالم العربى والإسلامى ـ وأبعاد لأطماع دولية تمتد من أوروبا حتى إندونيسيا وماليزيا والصين ، مرورا بالهند وروسيا .

– قبل وبعد مؤتمر أندونيسيا ، شهدت البلاد نشاطا فريدا لداعش فى نسف الكنائس والهجمات على الشرطة . قام بالعمليات الإنتحارية (أُسَر) بأكملها بما فيها من أطفال ونساء فى تجديد فريد من نوعه وجدير بالبحث . طبعا الرأى العام الأندونيسى تم تجهيزه بتلك العمليات حتى يستقبل المؤتمر المذكور وقراراته بالترحاب . حتى الخلط والهذيان الموجودان فى البيان الختامى أصبح لهما تبريرا . وما سوف يأتى مستقبلا من قرارات من أجل “السلام ونبذ العنف مع العدو الصهيونى” سوف يطالها نفس التسامح ـ على الأقل فى حساب من رتبوا لمهزلة المؤتمر ومهزلة الدواعش ـ وهما شئ واحد متكامل .

فى أفغانستان شهد نشاط الدواعش إزديادا ملحوظا ، من قطع الرؤوس فى جلال آباد إلى تفجير تجمعات مدنية ولجان تسجيل ناخبين . وعليه فإن حكومة أفغانستان تكثف إتصالاتها مع الجيران لمكافحة (الإرهاب). وفى أندونيسيا يستعد الرئيس لإصدار قانون ” لمكافحة الإرهاب والتصدى للمتشددين الإسلاميين” . هذا هو الشكل الخارجى الذى جرت عليه العادة فى بلدان شتى لتغطية نشاط قمعى أكثر إتساعا يرمى إلى (تجفيف منابع) الإسلام نفسه ، والتمهيد للإعتراف بإسرائيل والتطبيع معها بل والتحالف العسكرى أيضا .

تجريم سلاح استراتيجى :

تضغط أمريكا بشكل خاص ـ ومنذ سنوات ـ لإستصدار فتاوى إسلامية مدفوعة الأجر يصدرها علماء السلاطين وفقهاء أجهزة الأمن ، تقضى بتجريم العمليات الإستشهادية تحديدا، والتأكيدعلى مخالفتها للدين الإسلامى والمعايير الإنسانية كونها تستهدف المدنيين . وفى ذلك خلط متعمد لتجريم سلاح ذو أهمية استراتيجية لدى المجاهدين ـ بحجة أن الدواعش يستخدمونه بشكل إجرامى .

  لذا لا يكاد ينعقد مؤتمر إسلامى مدفوع الأجر ، لأجل لتلاوة توصيات وفتاوى جاهزة الإعداد فى مطابخ الممولين ، إلا ويجرم الجهاد ويجرم العمليات الاستشهادية ـ وقد زاد(علماء) فى باكستان بندا جديدا لم يأخذ حقه من الشهرة ، أفتى به “علماء” تابعين لجامعة دينية واحدة أسستها وتنفق عليها حكومة خارجية معروفة بعلاقاتها الوثيقة مع الصهاينة ، واستضافتها الأبدية للقوات الأمريكية. يقول 1800 “عالم” من تلك الجامعة ما تود أمريكا وإسرائيل قوله وهو:( لا يملك أى فرد أو جماعة سلطه إعلان الجهاد ).

ولما كانت الحكومات الشائعة فى بلاد المسلمين لا ترغب أصلا فى الإسلام ، وترى فى الجهاد خطرا يهدد مصيرها ودوامها ، فإن تلك الحكومات لن تعلن الجهاد الإ على الإسلام نفسه وعلى المجاهدين تحديدا.

فهل يعقل مثلا أن تعلن حكومة (كرازى ) الذى دخل أفغانستان على ظهر مروحية أمريكية ، أن يعلن الجهاد على جيوش الإحتلال الأمريكى ؟؟ أو أن يعلن (أبو مازن) الجهاد على الجيش الإسرائيلى الذى يحميه ويمسك بقوائم الكرسى المرتجف الذى يجلس فوقه؟؟.

فإذا إمتلك المسلمون يوما حكومات تقوم بواجباتها الإسلامية الصحيحة ، أو حتى واجبات أى حكومة ذات سيادة فى أى مكان من العالم ، لما كان هناك حاجة (للجماعات الجهادية) بشتى أنواعها النافع منها والضار . ولكن حكومات بلاد المسلمين ، وسادتهم الأمريكيين لا يريدون سوى إحتلال البلاد ونشر الحروب والفوضى فى كل مكان ، بل ويستخدمون الإسلام المنحرف لضرب الإسلام الصحيح / كما يستخدمون الدواعش لضرب جهاد الأفغان وحركة طالبان / حتى يسهل عليهم سرقة الثروات ، وبيع الأسلحة ، وتكديس الأرباح على حساب السلم والإستقرار على وجه الكرة الأرضية .

تحميل مجلة الصمود عدد 147 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 




لا نريد دموعاً .. نريد صواريخ

لا نريد دموعاً .. نريد صواريخ

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد 146 | شعبان 1439 هـ / أبريل 2018 م . 

لا نريد دموعاً .. نريد صواريخ

حملة عسكرية صليبية على التعليم الدينى فى أفغانستان

 

طائرات العدو تقتل وتجرح 150 من خريجى وعلماء مدرسة دينية فى قندوز .

–  لا نطلب دموعا وشجباً ، بل نريد صورايخ مضادة للطائرات ..

للدفاع عن أنفسنا وأولادنا ومدارسنا .

–  المدارس الدينية والعلماء والطلاب ، أهداف ثابتة للإحتلال الأمريكى .

تحميل مجلة الصمود عدد 146 : اضغط هنا

 

هجوم جوى على مدرسة دينية بطائرات مروحية ظهرا ، فى وقت تخريج دفعة من حفاظ القرآن الكريم ، واستشهاد وجرح حوالى 150من الطلاب معظمهم من الأطفال ، وعدد من العلماء والمدرسين وأهالى المنطقة والآباء . ذلك ما حدث فى ولاية قندز شمال أفغانستان فى الثانى من شهر أبريل 2018 .

إنه حادث آخر يضاف إلى قائمة طويلة لا تكاد تنتهى من الحوادث المشابهة التى يرتكبها الإحتلال الأمريكى وعملائه ضد أهداف مدنية مسالمة ذات طبيعة دينية خالصة . ونظرا لتكرارها المستمر فهى تعبير عن سياسة ثابتة (استراتيجية) وليست حادثاً عارضاً ولا خطأً فنياً أو غير مقصود .

وهنا أسئلة تفرض نفسها على الجميع .

ـ ما هى دلالة الهجوم المستمر على المدارس الدينية ؟؟.

ـ  ولماذا القتل المتعمد لأطفال وعلماء تلك المدارس ؟؟.

ـ  ولماذا الإصرار على إحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية ، مثل ضرب مدرسة دينية ظهراً وفى ذروة الإحتفال بتخريج الطلاب وسط فرحة الأهالى بأولادهم ، وسعادة الأطفال بإنجازهم وسعادة العلماء بثمرة عملهم وكدهم وأداء رسالتهم المقدسة ؟؟.

فهذا الهجوم الفتاك بطائرات مروحية عسكرية فى ذروة الظهيرة هو تطور مهم من ناحية الدلالات والنتائج .

فهو أكبر من جريمة قتل عمد لأطفال وشيوخ ومدنيين أبرياء . بل هو عمل إنتقامى يدل على حقد أسوء وعزيمة على الإستئصال وليس القتل فقط .

فالغارات النهارية وبمختلف الأسلحة الأرضية والجوية تكملها غارات ليلية على القرى ، وإخراج الأهالى إلى الساحات وإرعابهم بالكلاب المدربة على إلتهام البشر أحياء وموتى ، ثم قتل وخطف العلماء وطلاب العلوم الشرعية . وكثيرا ما كانت الغارات الليلية بالقوات الخاصة المحمولة جوا تستهدف تلك المدارس وتقتل طلابها الساكنين بها . وتختطف منهم من تشاء وتنقلهم معها الى حيث لا يدرى أحد .

وسجون بولى تشرخى وقاعدة باجرام الجوية ، وعشرات من السجون السرية السوداء زاخرة بأمثال هؤلاء الى جانب آلاف المشتبه بهم الذين لا يدرى بهم أحد ، ويعاملون أحط أنواع المعاملة الوحشية . من بينهم أطفال وشيوخ وعلماء وأئمة مساجد ، الى جانب أسرى المجاهدين . فما معنى تلك السياسات وما هى الغاية منها؟؟.

1 ـ إنها حرب مباشرة على الإسلام وبلا مواربة ، وردع للشعب عن التعليم الدينى .

2 ـ استهداف معنويات الشعب لإبعادة عن فريضة الجهاد.

3 ـ تلك الغارات تدعم التعليم الإحتلالى بشكل غير مباشر ، وهو التعليم الذى يقتل الروح الجهادية لدى الشباب بتمييع مفاهيم الإسلام ، متكاملا فى ذلك مع النشاط الكنسى السرى الذى ترعاه الدولة إلى جانب جيش الإحتلال .

–  الحرب المباشرة على الإسلام أعلنها جورج بوش قبل أن تنطلق جيوش الإحتلال لتدمير أفغانستان وإسقاط نظامها الإسلامى . ولم يعد مجديا أى مجهود دعائى للعدو لنفى تلك الحقيقة ، لأن جيوش العدوان تصرفت بذات الروح الصليبية التى أعلنها الرئيس الأمريكى من كتدرائية أمريكية قبل بدء العدوان .

واستهدف الرموز الدينية ( مدارس ، مساجد ، كتب دينية) واستهدف العلماء وطلاب الشريعة من جميع الأعمار خاصة الأطفال ، يؤكد ثبات تلك السياسة لردع الشعب عن التعليم الدينى وإرعابهم من عواقب ذلك للإبقاء على نوع واحد من التعليم الذى فرضه الإحتلال .

 

 

المعركة على العقول والقلوب :

بالسلاح يحاول المحتل الأمريكى تغيير معتقدات الأفغان ، لأن إلتحامهم التام مع الإسلام جعل من المستحيل إحتلالهم أو إخضاعهم ، فقاوموا أعتى الإمبراطوريات وتغلبوا عليها .

فكان لابد من دق إسفين يفصل هذا الشعب القوى عن الإسلام الذى يدعو إلى مجاهدة الكافرين الغزاة ، وعدم فتح البلاد لهم ولشرائعهم .

فالتعليم الدينى فى أفغانستان حافظ على المحتوى الجهادى للإسلام فكان من الطبيعى أن يستهدفه الغزاة . وكان ذلك واضحاً بقوة فى تجربة الإحتلال السوفيتى ثم الإحتلال الأمريكى ، مع فارق الأسلوب وإتحاد الهدف . فالسوفييت عنيفون ومباشرون ـ والأمريكيون خبثاء مداهنون ـ ولكن عند إستخدام القوة يكونون حيوانات كاسرة أكثر من السوفييت .

كانت المدارس الإحتلالية وقت السوفييت تركز فى مناهجها على محاربة الدين ونشر الإلحاد بشكل مباشر . يقوم بذلك مدرسون شيوعيون ذوى عقائد عنيفة . فأثار ذلك غضب الأهالى وكانت أول خطوات الجهاد فى أى منطقة هى إحراق المدارس الحكومية ، ويطلقون عليها إسم (مكتب) وهى غالبا مبنية من الأسمنت والطوب الأحمر ، أما (المدرسة) فيقصد بها المدرسة الدينية وهى غالبا مبنية من الطين ، أو هى داخل المسجد نفسه .

وأثناء القتال كان العدو فى العادة يتخذ من (المكتب) مركزا للقيادة الأمنية أو العسكرية . لذا ظل إستهداف (المدرسة) هدفا جهاديا ثابتا .

حاول العدو تحريف معنى ذلك الإستهداف ، ليوحى بأن المجاهدين (خاصة طالبان) يحاربون التعليم عامة ، وتعليم الفتيات خاصة . وذلك صحيح حيث كانت مدارس البنات فى العهد الشيوعى تجبرهم على نزع الحجاب والقيام بنشاطات مرفوضة دينيا وإجتماعيا منها زيارة المواقع العسكرية الهامة وقضاء أيام هناك . لذلك كانت مدارس البنات مستهدفة بشكل أشد ، ومنع الأهالى بناتهم من إرتيادها ، حتى لو أضطروا إلى الهجرة خارج أفغانستان .

الأمريكيون الآن يركزون على فرض تعليمهم الإحتلالى على البنات وإبراز نماذج جديدة للنساء على النمط الأوروبى والمتمردات على الإسلام ، من طراز المراهقة (ملاله يوسف زاى) من منطقة القبائل ، والتى منحوها جائزة نوبل للسلام وفتحوا أمامها عنوة أبواب الشهرة والمجد ، لتكون مثالا بين نساء القبائل على (مزايا ) التمرد على شرائع الدين .

الجانب الآخر من صورة ، واستكمال لنفس الرسالة ، جاءت سياسة تدمير المدارس الدينية بوسائل عسكرية ، من طائرات ومدافع وقوات عسكرية ، واستئصال العنصر البشرى من العلماء إلى المدرسين والطلاب من جميع الأعمار ، ومتابعتهم فى مدارسهم ومساجدهم ، ومداهمة بيوتهم وقراهم فى غارات ليلية . فقتلوهم بلا رحمة وعذبوهم فى سجون سوداء لا يعلم أحد مكانها ، سوى عدد قليل من السجون التى تركت أماكنها معروفة ، للعبرة والإرعاب.

–  الإحتلال الأمريكى ـ  بدعاياته الصاخبة ـ وأعوانه من المثقفين والإعلاميين الذين رباهم وفتح لهم وسائل إعلامية عالية الإنتشار . نجح بهم فى ردع المجاهدين عن كبح النظام الإحتلالى للتعليم كما فعل أسلافهم فى مقاومة السوفييت ونظامهم التعليمى ، وكما فعلوا هم أنفسهم فى بداية جهادهم ضد الأمريكيين . وتلك غلطة كبرى ستظهر آثارها مستقبلا. فبعد زوال الإحتلال ، سيترك المعركة كى يحاربها لمصلحته عدة ملايين ممن رباهم فى مدارسه ، وأثر فى عقولهم وقلوبهم ، فقَـلَّتْ حساسيتهم للإحتلال ، مع ضعف (أوإنعدام)الوازع الدينى بفعل التعليم الذى تلقّوْه . فجميع البلاد التى إحتلها الغرب ترك أمثال هؤلاء يكملون رسالته الثقافية وحراسة مصالحه الإقتصادية ، وموالاته سياسيا ، وعبادته ثقافيا .

وبتولى هؤلاء مقاليد الحكم وقيادة الدولة وتوجيه المجتمع ، تستمر مأساة المسلمين وتخلفهم وتمزقهم ، وتسود حياتهم الفوضى والعنف والحروب ومقاومة الإسلام بشكل دائم عبر آلاف من الوسائل المبتكرة ، وتشويه صورة الدين وتجريم المتدينين ، وينتشر تحقير العلماء وتوظيفهم فى أداء خدمات دعائية للحاكم والدولة بما يخالف آصول الدين .

–  الأمريكيون الأكثر خبثا من الروس لا يهاجمون الدين مباشرة ولكن تقوم مناهجهم على(إحلال) مفاهيم جديدة فى عقول الطلاب بديلا عن المفاهيم الإسلامية وبشكل جذاب . وكما فعل السوفييت فإن دور المدرسين كبير جدا فى تسريب تلك المفاهيم فى عقول الطلاب خاصة فى الأعمار الصغيرة ومقتبل الشباب . فالمدرسون يجرى إعدادهم بطريقة خاصة ويتشربون ما فى مقرر الدراسة من مفاهيم معادية للدين ، وفن تسريبها بأكثر الأساليب جاذبية وإقناعاً ، تساعدهم كتب دراسية كتبها مختصون فى علم النفس ومستشرقون .

تحميل مجلة الصمود عدد 146 : اضغط هنا

 

ضرب الركيزة الشعبية للجهاد :

للمدارس الدينية دورها الهام فى الحفاظ على الإسلام والمفاهيم الجهادية وتقاليد المجاهدين الأفغان المتوارثة عبر الأجيال .

–  وللجهاد الحالى فى أفغانستان خاصية فريدة هى إعتماده الكامل على الشعب الأفغانى فى تزويده بكافة الإحتياجات . فمن الشعب يأتى المجاهدون الشباب ، وتأتى الأموال ، ويأتى الطعام ، وتأتى المعلومات بكافة أنواعها ، وتنتشر بيانات المجاهدين ونشراتهم المعنوية وتعليماتهم . المجاهدون تحت السلاح عدة الآف ، والمجاهدون بذلك المعنى الشامل هم ملايين الشعب الأفغانى .

بهكذا وضع يستحيل هزيمة جهاد ذلك الشعب . والحل الأسهل أمام الإحتلال هو ردع الشعب وإبعاده بالقوة عن المجاهدين . وعندما تعظم خسائر المدنيين يأمل الإحتلال أن يقوموا ضد المجاهدين ويطالبوهم بوقف النشاط القتالى .

ولكن الكثير من القواعد والقوانين لا يمكن أن تسرى فى أفغانستان ، ومنها قانون إستخدام القوة المفرطه لردع الشعب عن الجهاد . فهى تأتى بعكس المطلوب إذ يزداد تدفق الشباب وحتى الشيوخ على الجهاد بعد أمثال تلك المجازر ، وترتفع الروح القتالية والرغبة فى الشهادة وإنزال الخسائر بالعدو .

فيجد العدو المحتل نفسه بين طرفى معادلة غير قابلة للحل :

فأما أن يترك الشعب على حاله فينمو الجهاد بوتيرة طبيعية منتظمة . وإما أن يستخدم القوة لردع المدنيين بالمجازر الرهيبة ، فتكون النتيجة تصاعد حاد فى وتيرة الجهاد . وخسارة العدو مضمونة ومؤكدة فى الحالتين .

 

 

لا نريد عزاءً .. بل صواريخ :

نشكر كل من تقدم بالعزاء لشعبنا فى تلك الفاجعة فى قندوز .

وذلك أضعف الأيمان . لأن هناك من تراقصوا فرحا وفخرا مثل القرود فى بلاط الأعداء . ولكن الرثاء وحتى الشجب والتنديد ليست هى البضائع المطلوبة من الشعب الأفغانى . بل المطلوب هو صواريخ مضادة للطائرات . فلو أن هناك صاروخا واحداً فى ولاية قندز كلها لما تجرأت مروحيات العدو على الظهور أو الطيران إلا فى أعلى الإرتفاعات .

فى العام السابع أو الثامن للجهاد ضد السوفييت ظهرت صواريخ ستنجر فى أيدى المجاهدين . وكان السوفييت قد أظهروا للأمريكيين صراحة أنهم بصدد الإنسحاب من أفغانستان .

فسارع الأمريكيون إلى إدخال صواريخ ستنجر إلى أرض أفغانستان وذلك لأهداف :

1 ـ الإدعاء أن ذلك الصاروخ كان هو سبب نجاح المجاهدين وهزيمة الجيش الأحمر . وليس السبب هو المجاهد المسلم الذى ضحى بكل شئ دفاعاً عن دينه ووطنه . فهم يخشون أظهار ذلك العنصر المعنوى الخطير . لأن معاركهم الكثيرة القادمة مع المسلمين ستكون طويلة ومريرة ودامية ، وضمانتهم للنجاح هى إبعاد الإسلام عن ميدان المعركة ، وإبقاء المقاتل المسلم منعزلا عن دينه ، فتسهل هزيمته مهما كان تسليحه وأعداد جيوشه .

2 ـ الدعاية للسلاح الأمريكى ، فى إطار السباق بين الدول الصناعية الكبرى ، خاصة السوفييت ، على أسواق بيع السلاح حول العالم . وهى التجارة عالية الربح ، والأهم عندهم بعد تجارة المخدرات والنفط .

فكل حرب ينتج عنها دعاية تجارية واسعة لأنواع محددة من الأسلحة . فالسوفييت بعد حربهم فى أفغانستان إشتهرت دوليا طائراتهم المروحية . ونافسهم الأمريكيون ـ بل أحبطوا دعايتهم تلك ـ بالدعاية لصواريخ ستنجر التى إدعوا أنها سبب الهزيمة الأوحد .

الآن وبعد سبعة عشرة عاما من الحرب الطاحنة ، وعشرات الآلاف من الشهداء وملايين المهاجرين داخل أفغانستان وخارجها . والدمار الكبير فى القرى والمزارع ، والتلوث الواسع فى البيئة ، والإستخدام الموسع لطائرات الهيلوكبتر فى ضرب المدنيين والمدارس الدينية والأسواق والقرى ، وفى الغارات الليلية على القرى والمدارس ، لا يجد الشعب الأفغانى المسلم ما يدافع به عن نفسه وعن فلذات أكباده من أطفال المدارس الدينية .

– هذا فى الوقت الذي تخرج فيه (من أمريكا !!! ) دعوات إسلامية تدعوا المسلمين بعدم القتال لنشر دينهم بالقوة !!. بينما نحن نريد ـ ولا نتمكن ـ من نشر ديننا بين أولادنا . وتمنعنا أمريكا بقنابلها وطائراتها ، وبقواتها المحمولة جوا التى تهاجم المدارس والعلماء فى بيوتهم ومساجدهم.

 – هذا فى الوقت الذى تحتل فيه دول إسلامية صدارة المستوردين للأسلحة على مستوى العالم أجمع . فلأى شئ إشتروا تلك الأسلحة؟؟ ، بينما شعوب إسلامية عديدة تسيل دماءها أنهارا .. من فلسطين إلى أفغانستان ، وصولا إلى مسلمى بورما والفلبين .

–  الشعب الأفغانى يناشد أمته الإسلامية :

لا نريد دموعا ولا رثاء .. نريد صواريخ مضادة للطائرات .. فقط لا غير .

 ومرة أخرى :

لا نريد دموعا .. نريد صواريخ .

من مخازن الدول الإسلامية المكدسة ..   

فقط نريدها للدفاع عن أطفالنا وبيوتنا وقرانا .

عليكم الدمع .. وعلينا الدم .. ولنا الصواريخ .

 أعطونا الصواريخ ولا نريد منكم شيئا آخر .

وهذا بيننا وبينكم :

فى الختام : نعلم أنكم لن ترسلوا لنا شيئا ، فلو أراد الله بكم خيرا لأرسلتموها منذ زمن .  لقد أقمنا الحجة عليكم . أما نصرنا فقد تكفل به رب السماوات والأرض ، الذى أخبرنا فى كتابه العزيز ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذى تكفل سبحانه وتعالى بحفظة من التحريف والتبديل :

 ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز ) ــ 21 المجادلة ـ

( .. وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ــ 47 الروم ــ

( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) ــ 14 التوبة ـ

وفى الأخير .. هذه لكم .. ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ــ 38 محمد ـ

صدق الله العظيم .

تحميل مجلة الصمود عدد 146 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




المدنيون وحرب المدن

المدنيون وحرب المدن / طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد 145 | رجب 1439 هـ / مارس 2018 م .

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)   

دراسة فى أنواع الثورات وتحدياتها :

المدنيون وحرب المدن

–  أساليب تزييف الثورات الشعبية والإنتفاضات المسلحة .

– مخاطر التحول من الثورة السلمية إلى المسار العسكرى .. وبالعكس .

– حركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، ليست طائفية ولا شعوبية . نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يسبق لها المرور بمثله .

– إذا حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات ، فكم يوما سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟.

–  فى تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات: عند تدخل طيران دولة عظمى فى الصراع المباشر .. حركة طالبان تعثر على الحل البديل للإستيلاء على المدن.

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

تزييف الثورات :

معلوم أن وسائل التغيير الجذرى فى أوضاع المجتمع لها سبيلان أساسيان هما :

1 ــ الثورة الشعبية .

2 ــ حرب العصابات .

( ونحن فى غنى عن تكرار القول بأن الإنقلاب العسكرى ليس سوى تجديد لصياغة الحكم المستبد الفاسد . فالجش هو الركيزة الأولى للأنظمة المستبدة العميلة للأجنبى . ولتغيير تلك الطبيعة القاتلة يجب تغيير الجيش نفسه وإنشاء جيش جديد موال للشعب وأهداف ثورته. ونفس الشئ يقال عن أجهزة الأمن والإستخبارات ).

كُتِبَ الكثيرعن هذين النوعين من التغيير الجذرى/ من اقع التجارب الكبرى الناجحة/ فى محاولة لإستنتاج القوانين الخاصة بكل منهما .

– ونلاحظ أن المعسكر الدولى الإمبريالى عالج مشكلة التغيير الجذرى فى البلاد المتخلفة والساعية نحو التحرر من سيطرته ، فابتكر نسخة مزورة من وسائل التغيير الجذرى تلك ، بحيث لا تصل إلى غايتها المنشودة بإحداث التغيير السياسى والإقتصادى والإجتماعى فى الدول الثائرة . بل ينتج عنها عكس ما كان متوقعا منها ، أى مزيد من المعاناة والتمزق والإنتكاس إلى حالة أشد بؤساً . والوقوع فى براثن أنظمة أشد قسوة وخضوعا للغرب الإمبريالى . مع أوضاع إقتصادية أسوأ ، بشركات عابرة للقارات تحكم قبضتها القوية على جميع مصادر الثروات الأساسية وتغرق الشعب فى ديون يستحيل سدادها إلى الأبد .

تلك النسخ المزورة ــ والمدمرة ــ مأخوذة من الوسيلتان التقليديتان أى (الثورة الشعبية ـ وحرب العصابات ) .

– فتحولت الثورة الشعبية فى نسختها المزورة إلى ثورة ملونة . (جورجيا ـ أوكرانيا ).

– وتحولت حرب العصابات إلى حرب بالوكالة (الحرب ضد السوفييت خاصة على مستوى الأحزاب الأفغانية ـ الحرب الأهلية الأسبانية 1936 ـ حروب عديدة فى أمريكا الجنوبية ) .

– ثم الثورة الهجين ـ وهى الأشد فتكا ـ فعندما تفشل الثورة الملونة تتحول إلى حرب بالوكالة ، أى تمرد مسلح فوضوى ، يتبع بعض تكتيكات حرب العصابات بدعم خارجى فتكون خسائر الشعب ومعاناته مضاعفة. ( سوريا ـ ليبيا ـ الجزائر فى التسعينات).

أساسيات التغيير الشامل :

رغم المسارات المختلفة لكل من الثورة الشعبية وحرب العصابات فإن لهما أساسيات واحدة :

1 ــ عقيدة إيمانية راسخة ، وثقة فى الإنتصار .

2 ــ وجود نظرية للتغيير الشامل والجذرى فى المجتمع ، من النواحى الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية.

3 ــ القائد الذى يجسد نظرية التغيير ويمكنه المواءمة بين مقتضياتها وبين الظروف المتغيرة فى مراحل الثورة .

4 ـ التنظيم الثورى الذى يربط ما بين القائد والشعب ، ويقود الثورة فى مختلف الميادين، ويتحمل معظم تضحياتها . مؤمنا بعقائده ، واثقا فى قيادته .

5 ــ حاضنة شعبية مستعدة للتضحية ، مؤمنة ، واثقة فى التغيير ، واثقة فى القيادة الثورية ، محبة لكوادر الثورة العاملين فى خلايا المجتمع .

إستحالة التحول من صورة إلى أخرى :

طبيعة الثورة الشعبية تختلف جذريا عن طبيعة حرب العصابات . لذا فإن طبيعة الإعداد لأى منهما يختلف ، سواء عند إعداد الكوادر أو شحن وتنظيم القواعد الشعية ، أو التجهيزات المسبقة للحركة . كما أن تركيبة التنظيم الثورى تختلف جذريا فى الحالتين . لهذا يكون من المستحيل التحول من صورة إلى أخرى ، بإستخدام نفس الآليات التنظيمية والتعبئة الشعبية .

ــ وفى حالة فشل إحدى الطريقتين ، وإتخاذ قرار بالتحول إلى الصورة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات ) يلزم مرور زمن كاف لبناء كل شئ من جديد، قبل البدء بالصيغة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات .. أو العكس) .

ــ مع العلم أن حرب العصابات يمكنها تدبير إنتفاضات ثورية محدودة جدا فى المدن لإضعاف النظام وتشتيت قواه ، وإثارة الحماس الشعبى . بدون التخلى عن أسلوب حرب العصابات كمسار رئيسى . مع مراعاة رد الفعل العسكرى على تلك المظاهرات الشعبية (تجربة هيرات فى أفغانستان عام 1979 والرد العنيف الذى أدى إلى إستشهاد 30,000 مواطن أفغانى).

 وبالمثل ، فالثورة الشعبية قد تستعين بضربات مسلحة محدودة فى المناطق النائية ، أو حتى فى المدن . وغالبا ما تكون عمليات إغتيال مدروسة أو عمليات تخريب ذات دلالة سياسية.

بداية مختلفة ، ومسار جغرافى متعاكس :

تبدأ الثورة الشعبية من المدن الكبرى وخاصة العاصمة ، ثم تمتد بالتدريج إلى الأرياف والمناطق البعيدة . بينما حرب العصابات تأخذ مسارا معاكسا : إذ تبدأ فى أشد المناطق وعورة من الجبال والغابات والصحارى ومناطق المستنقعات ، وأثناء تقدمها تتجه نحو الريف ثم المدن الصغيرة ، ثم العاصمة فى نهاية المطاف . ونلاحظ أن المسار متضاد فى الحالتين :

فشعار الثورة الشعبية هو : { من المدينة إلى الريف والجبل } .

وشعار حرب العصابات هو : { من الجبال إلى الريف والمدينة } .

 الإختلاف فى إستراتيجية الإنتصار :

  الثورة الشعبية تهدف إلى إحداث شلل فى أجهزه النظام بحيث يعجز عن إدارة البلاد. فتستولى الثورة على الحكم . وتبادر( كما هو الحال أيضا عند إنتصار حرب العصابات) بعملية تطهير آثار النظام السابق من سياسات وعناصر ، وبناء أجهزتها الجديدة وفق مبادئ ثورتها ، خاصة الأجهزة المسلحة من جيش وشرطة وإستخبارات ، وإعلام وتعليم ، مع ضرورة تغيير بنية الإقتصاد بما يتناسب مع رؤية الثورة ونظامها الإجتماعى الجديد .

بالطبع يتغير المسار السياسى للبلد ، بما يحقق الإستقلال وسلامة أراضى الوطن واسترداد حقوقه ، والتعاون خارجيا مع الدول التى هى أقرب إلى تفهم النظام الجديد والتعامل الإيجابى معه .

– يلاحظ أن الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) عند إستيلائها على السلطة تكون أجهزة الدولة سليمة ولكنها فاقدة المعنويات والثقة بالنفس. وقاعدة الإقتصاد والبنية التحتية سليمة  والخسائر بشكل عام محدودة.

– ما سبق معاكس لما تكون عليه الحال فى حروب العصابات التى تعتمد على تحطيم قوة الجيش والأمن تدريجيا عبر قتال طويل . كما أن البنية التحتية تتأثر بشدة نتيجة للعمليات العسكرية ، وبالتالى خسائر الإقتصاد تكون فادحة ، وأيضا الخسائر فى أرواح المدنيين نتيجة سياسات العدو الوحشية ، الهادفة إلى منع الشعب من دعم الثوار .

فإحدى القواعد العامة لحرب العصابات تقول { إن الشعب هو البحر والثوار هم الأسماك التى تسبح فيه} . وذلك للدلالة على حتمية الإرتباط والتواجد المادى للثوار فى أوساط الشعب ، وعدم الإنعزال عنه ، لا شعوريا ولا ماديا . فمن الشعب تأتى كافة أنواع القوة المطلوبة للمضى بالصراع حتى نقطة الإنتصار. فالثورة المسلحة تنجح إذا كانت تعبر عن آمال الشعب.

– يجب ملاحظة أن هذه القاعدة صحيحة أيضا فى حالة الثورات الشعبية( الإنتفاضة) ، بل هى الفيصل ليس فقط بين النجاح والفشل ، بل الفيصل بين الثورة الشعبية الحقيقية ، والثورة المزيفة والمسماه الثورات الملونة والتى وصلت إلى البلاد العربية تحت إسم (الربيع العربى) سئ الذكر والذى إنحدر بحالة الشعوب إلى الدرك الأسفل .

بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة :

– من الفروق الجوهرية أن مطالب الثورة (الإنتفاضة) الحقيقية لها طابع جذرى يمتد إلى جميع مفاصل الحياة . بينما الثورات الملونة تتبنى إصلاحات جزئية تتعلق ببعض الحريات الشخصية والإنفتاح الإقتصادى والسياسى ، بينما فى الإقتصاد بالكاد تطرقت إليه ، وعلى أساس الوصفة الغربية للدول المتخلفة إلى الأبد ، أى الإعتماد على السياحة والإستثمار الخارجى والقروض ، بدلا من الإعتماد على الموارد الذاتية وبناء إقتصاد إنتاجى حقيقى .

 مسار تلك الثورات يتطابق بالكامل مع فلسفة النظم الغربية ، لذا ينتهى بها المطاف إلى تبعية كاملة للغرب وتفريط كامل فى الثروات وضياع القرار السياسى والسيادة الوطنية .

– نلاحظ أن دول الغرب صفقت طربا لثورات الربيع العربى وتفاخرت بأنها ثورات ليبرالية صديقة للغرب. فقيادات تلك الثورات وجهوا خطابهم السياسي إلى دول الغرب أكثر من توجيهه إلى شعوبهم . وكانت القيادات تسعى إلى الحصول على رضا الغرب وتأييده أكثر من إعتمادها هلى تعبئة الشعب وحشده من أجل إحداث تغيير حقيقى .

– الغرب يستخدم الثورات الملونة لقلب أنظمة الحكم المعادية ــ أو تلك المنتهية الصلاحية ــ أو لإحداث تغييرات كبيرة فى وقت قصير بواسطة قوى عميلة نشطة وطموحة وقاسية .          أو لإستباق ثورات حقيقية محتملة ، فتأتى الثورة الملونة (المزيفة) كضربة إجهاضية تمنع حدوث الثورة الحقيقة وتقطع الطريق عليها . وقديما كان الإنقلاب العسكرى يؤدى تلك المهمة الإجهاضية (إنقلاب العسكرى الأول فى مصر عام 1952) ، وما زال يؤدى نفس الدور حسب توافر الظروف . وقد رأينا أن الإنقلاب العسكرى الثانى فى مصر( عام 2013) وقد جاء تاليا للثورة الملونة ، من أجل إكمال ما فشلت فى تحقيقة قيادة الإخوان الضعيفة والمهترئة .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة :

حرب التحرير هى ثورة شعبية مسلحة ذات أساليب عسكرية تأخذ شكل (حرب العصابات) . هذا المنحى العسكري الصعب للثورة تفرضه عدة عوامل هى :

1 ـ إستحالة أى سبيل آخر للتغيير ، وتيقن الشعب من ذلك .

2 ـ جغرافية البلاد تساعد على نشؤ حرب عصابات ناجحة .

3 ـ جاهزية الشعب للقتال طويل المدى ، مع تحمل كافة تكاليفه وتبعاته .

4 ـ من الأفضل (وليس من المحتم) وجود جوار صديق للثورة . ومن الأفضل أن تكون بداية الثورة قريبة من ذلك الجوار .

تعدد التنظيمات .. فى الثورة وحروب التحرير(العصابات) :

تعدد التنظيمات يتسبب فى تشتيت قوى الشعب ، ويؤدى إلى فشل الثورة الشعبية السلمية أو حرب التحرير(حروب العصابات) فى تحقيق أهدافهما والإنحراف عن المسار ونشوب حروب داخلية.

 – كعلاج مؤقت تلجأ الأحزاب المختلفة إلى عقد تحالف فيما بينها على شكل جبهة: (جبهة التحرير الجزائرية ـ منظمة التحرير الفلسطنية ـ الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ) .

وبينما إستطاع الجزائريون الإحتفاظ بجبهتهم حتى حققت هدفها من التحرير، فإن منظمة التحرير فشلت فى تحقيق الهدف منها ، وكانت مجرد ستار للتدخل العربى فى شئون الفلسطينين لإفشال نضالهم .

والإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، تحول إلى مجرد حزب عادى مثل باقى الأحزاب الفاسدة. والتى إجتمعت على شئ واحد بعد دخولها إلى كابول وهو الحرب الأهلية المدمرة ،  وإنشاء نظام فاسد خاضع لقوى خارجية متعددة ، ومنع ثورة الأفغان الجهادية من تحقيق شعارها بإقامة دولة إسلامية .

–  بالنسبة لتعدد التنظيمات خلال الثورات الشعبية ، ومخاطر تعدد التنظيمات فيها تحضرنا التجربة المصرية ، فحين سقط رأس النظام ، لجأ العسكر(المجلس العسكرى الحاكم) إلى حيلة بسيطة وهى فتح الباب لتشكيل الأحزاب . فتكون خلال فترة قصيرة للغاية حوالى مئة حزب سياسى . فتفرق الناس فى الشوارع شيعا وأحزابا إلى أن إستعاد الجيش زمام السلطة بشكل مباشر أشد قمعا وفسادا . وحتى اليوم لم يجتمع الناس على رأى حول سبل الخلاص . فقد فشلت الثورة ومضى زمانها  وكل ما تبقى منها هو الأحزاب المتنازعة !!.

– نتيجة لهذا التشرذم فى قوى الشعب الثائر سواء بإنتفاضة شعبية أو قتال مسلح ، فإن الباب يكون مفتوحاً على مصراعيه للتدخل الخارجى ، ويبحث كل طرف محلى عن داعم خارجى ، بما فى ذلك النظام الحاكم نفسه . فتتحول البلد الى ساحة صراع بين قوى خارجية متنافسة ، وتتحول جماعات الثوار ، وحتى النظام نفسه ، إلى مجرد “بغال تحميل” لقوى خارجية.  (أنظر الحال فى مصر بعد نجاح الإنقلاب العسكرى ، حيث هرب الإسلاميون إلى قطر وتركيا ، وهرب المعارضون العلمانيون إلى أوروبا وأمريكا ، بينما ذهب النظام إلى إسرائيل ودول الخليج الأخرى ) . ويمكن الإعتبار بالأحوال فى العراق وسوريا ، فكل تشرذم أخذ خريطة الإنتماء الأيدولوجى والسياسى الخاص به ــ وفى كل الأحوال كانت الشعوب هى الخاسر الأكبر ، وتمزقت الدول مع أمل ضعيف جدا فى التماسك مرة أخرى .

لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟ .

إذا تمكنت التنظيمات والأحزاب من تشكيل جبهة مشتركة من أجل إسقاط نظام قائم أو إخراج محتل أجنبى ، فإن ساعة الوصول إلى السلطة ، تكون هى ساعة الفراق . فتتصارع القوى المختلفة وتتزاحم على غنائم السلطة من أجل تطبيق برنامجها الخاصة . فالذى يصل أولا إما لأنه الأكثر قوة ، أو لأنه كان الأسرع قفزا إلى كرسى الحكم نتيجة مصادفات معينة ، فإنه يدافع عن إمتيازه مستخدما أدوات الدولة فى إقصاء الآخرين بالعنف ، فتبدأ الصدامات والتصفيات . فيقال وقتها أن الثورة تأكل أولادها .

ومع هذا فإن الصدامات كثيرا ما تحدث قبل الإنتصار ويكون ذلك أوضح فى الثورة المسلحة نتيجة توافر الأسلحة بين الأيدى ، فيكون الحوار بالرصاص والمتفجرات . حدث هذا فى أفغانستان سابقا كما حدث فى سوريا والعراق ، وفى ليبيا واليمن .

 فى مصر ، أكل الجيش جميع قوى إنتفاضة يناير وجميعهم إعتبروا الجيش أخاً أكبر وكيانا وطنيا مقدساً ، فسمح لهم الجيش بالعبث عدة أشهر ثم دمرهم جميعا ، منفردا بحكم يأمل أن يكون أبديا بعون إسرائيلى خليجى .

 المدنيون فى ساحة الصراع :

الشعب (المدنيون) هو مادة الصراع . فهو منتج الحياة ومستخرج الثروات ومادة الجيوش .

فتتصارع الرؤى على الطريقة المثلى لإدارة شئونه إما لخدمته أو لاستغلاله واستعباده . تتنزل الديانات للهداية وتتصارع الأهواء على الإستئثار بالقوة السياسية والمالية .

قد يحاول الشعب فرض حقوقه بالثورة السلمية (إنتفاضة) أو بالثورة المسلحة (حرب عصابات) ، فإما أن ينجح ، أو أن يفشل فيستمر الصراع حتى لو تأجل النجاح إلى حين .

المدنيون فى الثورة الشعبية :

أى ثورة شعبية أو حرب تقليدية أو غير تقليدية يصاحبها حتما ضحايا من المدنين . والثورة الشعبية تكون عادة الأقل من حيث خسائر المدنيين ، فهى تستغرق فترة زمنية أقل ، ولا يعتمد فيها الثوار على إستخدام الأسلحة ـ إلا فيما ندرـ لأن سلاح الثوار هو العصيان المدنى والتجمع بالملايين فى ساحات المدن بهدف شل قدرة الحكومة على إدارة البلد ، ويعملون على إمتصاص هجمات الجيش والشرطة بالمراوغة والصمود وتحمل الخسائر بدون التورط فى مواجهات مسلحة كبيرة إلا قرب النهاية ، عند الإستيلاء على مقرات الجيش والشرطة والإدارات الحكومية وتطهيرها من العناصر التى لم تستسلم بعد .

وتلجأ ( الإنتفاضة) أثناء مسيرتها إلى تكوين وحدات صغيرة مسلحة لحراسة المنشآت الحيوية التى تم الإستيلاء عليها ، ولحفظ أمن المتظاهرين من هجمات البلطجية . وتسلح حرسها بالغنائم من الأسلحة . كما تنشئ وحدات حرس مسلحة فى الأماكن السكنية ، وعلى الطرقات العامة لحفظ الأمن من المجرمين والعصابات الإجرامية التى تديرها الدولة وتدفع لها بسخاء.

فى نهاية الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) يكون لدى قيادة الثورة نواة مسلحة تبنى حولها جيشها الجديد وأجهزتها الأمنية والإستخبارية على أنقاض الأجهزة الحكومية التى لا يجوز للثورة إستخدامها مرة أخرى كونها أجهزة قمع مهيأه نفسيا وعمليا على قمع الشعب وخيانة الوطن .

– بشكل عام فإن سلاح (الإنتفاضة) الشعبية هو التكتلات الكبرى من المدنيين ، الذين بتجمعهم وبتحركهم المدروس يشكلون سلاح (الإنتفاضة) الأول والأساسى .

أى بجملة واحدة : { الجماهير هى سلاح المواجهة فى الإنتفاضة الشعبية }.

وهدف السلطة الحاكمة فى حالة الإنتفاضة الشعبية هو : إرعاب الجماهير لصدها عن التجمع والتمرد ، فتواجههم بعنف مفرط منذ البداية . ولكن مع تعاظم الحشود وإصرارها تتفكك أجهزة القمع ثم تسقط السلطة الحاكمة.

المدنيون فى حروب العصابات ( حروب التحرير) :

حروب العصابات تختلف جذريا فى مسألة دور المدنيين فهم بالنسبة لها كالماء بالنسبة للسمك. فالجماهير هم الوسط الحيوى الذى يمد المقاتلين بوسائل الحياة والإستمرارية حتى النصر.  فالماء ليس بسلاح حرب ، بل هو مجال للعيش يجب الحفاظ عليه وعدم تعريضه لأى مخاطر إذا أمكن ذلك . فالجماهير ليسوا (سلاحا) يستخدم فى معارك حروب العصابات ـ مثل ذلك الإستخدام الكارثى الذى حدث فى سوريا .

وبينما الثورة تدفع الناس إلى الشوارع من أجل المواجهة ، لأن قوة الجماهير فى كثره عددها . فثوار حروب التحرير يجنبون الجماهير حتى من مجرد إحتمال التعرض لعمل إنتقامى من جيش الإحتلال (الأجنبى أو الوطنى ) وميلشياته المسلحة . وسواء كان الشعب يعيش فى المناطق المحررة أو يعيش فى المناطق الخاضعة لسلطة الإحتلال ، فإن الثوار يحافظون على سلامتة ، ويتجنبون أى أضرار قد تلحق به ، بل قد يقومون بالدفاع عنه بالسلاح إذا أمكن ، أو الثأر لما لحق به من أضرار سببها الإحتلال . ويكون من أكبر مهام الثورة المسلحة هو الحفاظ على حياة مواطنيها وأمنهم وسبل عيشهم ، وقوة إرتباطهم بالثوار المجاهدين عن الطريق المعامله النظيفة العادلة.

وفى حروب التحرير يكون شعار (الصراع على عقول وقلوب الجماهير)هو الأوضح . وهو صراع يستخدم فيه النظام الحاكم كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق الفوز . فيستخدم قواة الناعمة كلها ، من إعلام ودعاية ومنابر الدعوة الدينية ، مع رشاوى إقتصادية وسياسية على شكل إصلاحات غير حقيقية ولكنها تعطى مجرد إنطباع شكلى بحدوث تغيير وأن النظام بدأ يتغير من تلقاء نفسه ، وأن الهدؤ والصبر كافيان لإصلاح سلمى بلا صدامات تؤذى الجميع .

ويستخدم نظام الإحتلال الوسائل القذرة لتشويه صورة الثوار ، فيقوم بعمليات قتل وسطو وقطع طرق وعمليات ذبح جماعية وتفجيرات فى أماكن مدنية مزدحمة ، وينسب تلك العمليات إلى الثوار وتقوم آلته الدعائية بالتهويل اللازم . وأصدقائه فى الخارج يروجون ويضخمون ويستخدمون المنابر الدولية لتشويه الثوار لكسب تأييد عالمى واسع لعمليات النظام ضد الشعب على إعتبار أنها أعمال ضد الإرهاب .

– من جانبهم يعمد الثوار إلى تجنيب السكان بطش جيش الإحتلال والجيش الحكومى وأعوانهما . فيبعدون مناطق عملياتهم ، وأماكن تجمعهم ، أو قواعدهم المؤقتة أو الدائمة ، عن القرى والمراكز المدنية قدر الإمكان حتى لا تتوجه إلى السكان ضربات إنتقاميه من العدو.

 

تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار :

أصبحت تلك الاستراتيجية شائعة فى مواجهة حروب التحرير . وقد طورها الجيش النازى فى حربه ضد عصابات المقاومة الشعبية فى أوروبا . والجيوش الإستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا توسعت فيها كثيرا لقمع التمردات المسلحة المطالبة بالاستقلال فى مستعمراتها.      والعصابات اليهودية فى فلسطين إستخدمتها بتوسع ضد السكان الفلسطينيين ، وكانت معتمدة رسميا ضمن استراتيجيتهم العسكرية . والأمريكيون فى فيتنام إستخدموا كل طاقتهم العلمية والتكنولوجية لضرب المدنيين أو حتى إبادتهم بالأسلحة الكيماوية التى تدمر كل شئ من إنسان ونبات ومازالت تلوث البيئة هناك حتى الآن . وقبل فيتنام قصفت أمريكا اليابان بالقنابل النووية حتى تهدم روح المقاومة لدى الشعب اليابانى .

والسوفييت فى أفغانستان دمروا البنية السكانية والإقتصادية وأرغموا أكثر من أربعة ملايين أفغانى على الهجرة من أوطانهم .

والأمريكيون إستخدموا فى أفغانستان جميع الأسلحة الحديثة المحرمة دوليا والتى كانت تستخدم للمرة الأولى ، من الغازات الكيماوية إلى قذائف اليورانيوم المخصب والمنضب ، وقنابل هى الأثقل فى العالم والتى بدأت من زنة ستة أطنان حتى وصلت إلى عشرة أطنان من المتفجرات المتطورة . ومنذ لحظات الحرب الأولى عمدت أمريكا إلى معاقبة السكان جماعيا بتدمير أى مركز سكانى تنشط قوات طالبان قريبا منه . وفى بداية الحرب طلب السكان من طالبان العمل بعيدا عن مناطقهم . والآن صار إستهداف المدنيين على قمة استراتيجية (ترامب) الجديدة حتى ينفض السكان عن تأييد طالبان ، ويتحولون من إداة دعم للثوار إلى أداة للضغط عليهم . ومعلوم أن الإحتلال الأمريكى فرض طوقا من الحصار والعزلة على شعب أفغانستان وحركة طالبان ولا يكاد يجرؤ أحد على تقديم الدعم لهم إلا بشق الأنفس . ولم تحظ الحركة حتى الآن بدعم رسمى من أى حكومة فى العالم ، نظرا للسطوة الأمريكية وقدرتها على تقديم الرشاوى الإقتصادية ، مع التلويح بالعقاب العسكرى المباشر أو غير المباشر . وحتى تعداد من قتلهم الأمريكيون أو من هجروهم من ديارهم فى مناطق إيواء داخلية ، غير معلوم بدقة . ويحظر على الصحافة التجول الحر أو الكتابه بعيدا عن الرقابة العسكرية الأمريكية وأجهزة الحكومة العميلة . لهذا تغيب صور المجازر الأمريكية عن أعين العالم ، وتغيب صور دمار البيوت والمزارع والمساجد .

 –  ويمكن إعتبار تعامل حركة طالبان مع المدنيين هو النموذج المثالى لكل ما هو معروف حتى الآن من تجارب فى حروب التحرير . فهى لم تستخدم مطلقا أسلوب الترهيب حتى تضمن الولاء . بل هى تضع مصالح المدنيين فى مقدمة الإعتبارات عند التخطيط العسكرى . لهذا نجحت فى تحطيم المشروع الأمريكى فى أفغانستان ، وهو فى طريقه لأن يصبح فشلا وسقوطا لمركزأمريكا الدولى كقوة أولى . فى تطبيق حديث للسقوط السوفيتى ، ولكنه سيكون أبعد أثرا فى شئون العالم .

– سياسات الإستعمار لمقاومة حروب التحرير تتلخص فى تجفيف الأنهار التى يعيش فيها الثوار . إما بإرغام السكان بالقوة والإغراء على العمل مع الإحتلال لطرد الثوار. وإذا تعذر ذلك فيعمد الإستعمار إلى تهجير السكان بعدة وسائل :

ـ إحراق المحاصيل وإتلاف الحقول وقنوات الرى .

ـ تدمير القرى وقتل السكان عشوائيا بالغارات الجوية أو الأرضية .

ـ تهجير السكان إلى الدول المجاورة أو إلى المدن الخاضعة للإحتلال بممارسة الإرهارب عليهم .

ـ حشد السكان فى معتقلات جماعية خلف الأسلاك الشائكة والحراسات العسكرية . وتركهم للموت البطئ بسؤ التغذية والأمراض .

فإذا جفت الأنهار ماتت الأسماك وإنتهت المقاومة . ولكن ماذا لو أن المقاومة وثوارها قاموا بتسميم الأنهار التى يعيشون فيها وأشعلوا فيها النيران ؟؟

يبدو هذا إفتراضا جنونيا غير أنه ما حدث بالفعل فى كل من العراق وسوريا .

المسئولية الأولى تقع على قيادة المقاومة . فالمقاومة العراقية الناجحة ضد الإحتلال الأمريكى ، تحولت إلى صراع طائفى على أيدى قيادات فاشلة ، وأحيانا عميلة لقوى خارجية. وفى سوريا حرفت المجموعات (الجهادية) القادمة من الخارج دفة صراع الشعب من أجل حقوق معيشية ، إلى الصراع الطائفى يستدعى القوى الإقليمية . وسريعا ما وصلت قوى دولية عديدة وساحة الصراع أصبحت دولية ، وهذا معناه خروج زمام السيطرة من أيدى القوى المحلية ، التى تحولت طاقاتها إلى الصراع الداخلى والدمار الذاتى للشعب وخراب مقدرات البلد ، بعد أن أصبح فريسة لصراعات خارجية لا تعنيه فى معظمها ، بل تعرض أمنه وثرواته وسلامة أراضيه لمخاطر كبرى فيتعرض للنهب والتقسيم ، وفقدان القيمة الجيوسياسية.

–   القيادات الفاشلة ـ تتحول إلى قيادات فاسدة ـ بفعل الإرتباط المصيرى مع الخارج . ثم يزحف الفساد من الأعلى نحو الأسفل ، أى من القيادة إلى قواعدها المقاتلة . وطبيعى أن تحاول تلك القيادات التملص من المسئولية وإلقائها على أطراف محلية أو قوى خارجية متناسية أن الكارثة قد بدأت من عندها تحديدا ، وهى تتحمل المسئوليه كاملة .

فوجود قوة طائفية فى المجتمع ليست مبرراً لأن تتحول حركة المقاومة إلى الإتجاه الطائفى ، لأن ذلك يعكس مسارها ويحولها إلى قوة دمار للمجتمع وفشل مؤكد فى إكمال أهدافها الثورية التى قامت من أجلها .

ـ وإذا عدنا إلى أفغانستان لأخذ الأمثلة من التطبيق الجهادى لحركة طالبان ، فإن الحركة أثناء زحفها من قندهار صوب المدن الكبرى فى البلاد وصولا إلى العاصمة كابول ما بين عامى 1994 ـ 1996 قابلت قوى مضادة قاتلت حتى راية عرقية وأخرى حاولت إستنفار الخلاف المذهبى . ولم يدفع ذلك حركة طالبان إلى الطرف المضاد بتبنى موقفا عرقيا أو مذهبيا مضادا (كما فعلت قيادات عراقيه وسورية فيما بعد ) بل أصرت على طرح إسلامى شفاف ونقى يستوعب جميع العرقيات وجميع الإجتهادات المذهبية . فقاتلت من قاتلها ولم تغير ذلك المبدأ حتى الآن عند قتالها ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بحوالى خمسين دولة أخرى . وقد نجحت الحركة فى الوصول إلى السلطة عام 1996 بعد عامين فقط من القتال . وهى الآن نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يمر بها قبل ذلك فى أى محنة سابقة .

فحركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، وليست طائفية ولا شعوبية .

–  ومن المرجح أنه لا توجد تجربة ثورية سبقت ثوار سوريا فى خطئهم التاريخى بالقتال من داخل المدن والتترس بسكانها . لذلك يتحملون الوزر الأكبر لهذه المأساة التى ترقى إلى درجة جريمة حرب من الطراز الأول .

ذلك رغم خلفيتهم السلفية ، وإدراكهم لحكم التترس بالمدنيين . عندما يحتمى بهم العدو ويتقدم صوب صفوف المسلمين ، حتى يتحرجوا من قتل إخوانهم فيحقق العدو إنتصاره .

فقد أفتى إبن تيمية بجواز قتل المسلمين الذين تترس بهم التتار . فإذا إنعكست الآية وتترس المسلمون بالمسلمين نجد أن موقف المجموعات الوهابية قد تبدل ، ويلقون بالمسئولية على أعدائهم مشهرين بهم وبوحشيتهم !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

خطر المجموعات الخارجية المسلحة : 

للمتطوعين الإسلاميين مزايا كبيرة إذا عملوا ضمن شروط صحيحة ، وليس بفرض أنفسهم ورؤاهم المذهبية والعرقية والسياسية على أصحاب الأرض والقضية الأصليين . فالقيادة بادئ ذى بدء يجب أن تكون لأصحاب الأرض . والسبب بسيط للغاية وهو أن الشعب قام بالثورة سيرا خلف أبنائه الذين يعرفهم ويعرف أصولهم وتاريخهم . ولا يتبع أشخاص غريبين عنه ، ناهيك أن يكونوا عدوانيين ومخالفين فى كل شئ .

المجموعات الوهابية ، المغالية فى الدين ، تتطوع لهدف مبدئى لديها وهو مكافحة الشرك وإنحراف العقائد . وسريعا ما تفتى بأن تلك الموبقات موجودة فى أهل البلاد الذين ذهبوا لمساعدتهم ، فيتهمونهم بالشرك ، ويتوجهون لمقاتلتهم قبل التوجه إلى العدو الخارجى . وما من ساحة ذهب إليها هؤلاء الغلاة إلا وتحول إتجاه البنادق إلى صدور أهل البلاد أنفسهم قبل الأعداء الخارجيين أو الداخليين . (أنظر تجربة داعش فى كل مكان ذهبت إليه).

فى كل مكان يذهب إليه الغلاة ، يبدأون بالتبشر لأفكارهم داخل صفوف المجاهدين المحليين وبين السكان ، فتبدأ بذرة الشقاق وتتعدد التنظيمات حين يحاولون إلحاق المجاهدين المحليين فى صفوف التنظيم (أو التنظيمات) الوهابية الوافدة .

 ومعلوم أن  تعدد التنظيمات هو خطوة مؤكدة للإقتتال الداخلى قبل الإنتصارأو بعده . وهذا ما حدث فى افغانستان وقت الجهاد ضد السوفييت . ولولا حيوية القوى الإسلامية فى أفغانستان وتخطيها لعقبات الإنقسامات الحزبية لبقى السوفييت فى أفغانستان إلى الآن ، ولبقيت إمبراطوريتهم وتوسعت .

وعندما شكلت أمريكا وأعوانها “حكومة أحزاب المجاهدين” التى دخلت كابول بعد التحرير ، كانت رسالة تلك الحكومة هى إستكمال ما فشلت فيه أثناء مرحلة الجهاد ، بإسئناف القتال الداخلى ، وتقسيم البلاد تمهيدا لإحتلال خارجى قادم ، ولكن من جهة الغرب وليس الشرق .

ولكن حركة طالبان أفشلت المخطط وأقامت إمارتها الإسلامية ، رغما عن الأحزاب جميعا وفوق أنقاضها . فلم يتبق أى مخرج أمام الأمريكيين سوى الدخول المباشر فى حرب ضد الشعب الأفغانى لتغيير ثقافته ودينه والإستيلاء على ثروات بلاده .

وقادة الأحزاب الجهادية المنحرفة فى وقت السوفييت ، كشفوا أقنعتهم فظهرت وجهوهم الحقيقية . والآن هم أعمدة الحكومة العميلة فى كابول ، وأحدهم ومن داخل موقعه فى النظام القائم يشرف على مجهودات داعش فى تدمير أفغانستان وخدمة الإحتلال .

 القتال بالمدنيين والإستهتار بسلامتهم :

فى أكثر من مكان ، فإن المجموعات الوهابية المسلحة ، القادمة من خارج البلاد لم تتحرج من التترس بالمدنين والقتال من داخل المدن . ولم تبال إطلاقا بسلامتهم ولا بأمنهم وأرزاقهم. فلديها الشجاعة لقتل كل كائن حى ، ولكن ليس لديها ما يكفى من الشجاعة الأدبية للإعتراف بالخطأ والإعتذار عنه وتحمل مسئوليته .

فقد غرهم الإسناد الدولى والإقليمى بالمال والسلاح ، والماكينات الدعائية الجبارة لدى حلفائهم ، فألقوا بتبعات جرائمهم على كاهل أعدائهم ، ولكن من أختار المدن كساحات قتال بأحدث الأسلحة هم هؤلاء الغلاة وليس أعدائهم .

وإذا عدنا إلى تجربة أفغانستان لأخذ الدروس من حركة طالبان نجد أنهم إلى الآن (مارس 2018) لم يحتفظوا بأى مدينة كبرى رغم أنهم فعلوا ذلك عدة مرات . ولكنهم أدركوا ضرر ذلك خاصة وأن سلاح الجو الأمريكى هو الذى يعمل فى سماء أفغانستان ، لحفظ نوع من التوازن يمنع طالبان من الإستيلاء على المدن ، حتى تبقى المدن فى يد أمريكا كورقة مساومة على وضع نهائى للحل .

تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات :

– وفى تجديد غير مسبوق فى إستراتيجية حروب العصابات فى ظل تفوق كاسح لسلاح جوى لدولة كبرى ، وإستحالة الإستيلاء على المدن بدون أن يلحقها تدمير شامل من ذلك الطيران ، فقد عثرت حركة طالبان على حل مثالى لتلك المعضلة :

 بأن تواجدت داخل المدن بشكل سرى ، واسع وعميق ، بدون الإستيلاء عليها . مع إثبات قدرتها على فعل ذلك ، بالضرب الموجع فى الأعصاب الحساسة للنظام الحاكم والإحتلال معا. ذلك هو الوضع فى عدد من المدن الأساسية وتجلى بشكل خاص فى العاصمة كابول ، مؤيدا بتصريح لقائد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، يفيد بأن قواته محاصرة داخل كابول ولا تجرؤ على الحركة على الأرض ، وتعتمد على المروحيات فى تنقلاتها .

فهل هناك دليل على الهزيمة أكبر من ذلك ؟؟ .

فماذا لو حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف ؟؟ .. فكم يوما بعدها سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟ .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




الولايات المتحدة: من قطب أوحد إلى كلب عقور

الولايات المتحدة: من قطب أوحد إلى كلب عقور

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 144 | جماد الآخر 1439 هـ / فبراير 2018 م .

الولايات المتحدة: من قطب أوحد إلى كلب عقور

– رسالة الأفغان: أيها المسلمون إتحدوا، وحطموا أسنان الكلب الأمريكي العقور.

– “الكلب العقور” أصبح عنوانا لنظام دولي تحاول أمريكا السيطرة به على العالم.

– أسلحة نووية تكتيكية وإقتصاد عسكري في محاولة أمريكية أخيرة قبل السقوط.

– لهذا هُزِمَ الأمريكيون في أفغانستان، وبهذا إنتصر المجاهدون.

– لم يكن في بنيان المَوْجَة الجهادية الجديدة في أفغانستان بقيادة حركة طالبان عنصرا واحدا غريبا على المجتمع، أو مُقْحَمَاً على بنيانه الديني و الإعتقادي، أو خبراته التاريخية القريبة والبعيدة.

– الجيش الأمريكي يحظر نشر معلومات عن أفغانستان كانت متاحة سابقا، لإخفاء الحقائق عن الشعب الأمريكي، والتستر على فساد الجنرالات.

تحميل مجلة الصمود عدد 144 : اضغط هنا

إنتصار الشعب الأفغاني على الإحتلال السوفيتي أدى مباشرة إلى نهاية نظام الثنائية القطبية الذي تحكم في العالم، ومن ثم الإنتقال إلى مرحلة الأحادية القطبية الذي تربعت فوق رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعلنت عن ميلاده وهي تهنئ نفسها كمنتصر (أوحد) في الحرب الباردة التي إستمرت حوالي نصف قرن، بإنتصار حاسم تحقق في حرب أفغانستان، وبدماء شعبها وجهاده الباسل.

ظنت الولايات المتحدة وقد أعماها غرور القوة أن أفغانستان ستكون فريسة سهلة، فأقدمت على إحتلالها لأسباب ملفقة وحملة صاخبة من إستعراض القوة العسكرية الجبارة التي كانت مكدسة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لتكون تهديدا للسوفييت، ورصيدا من القوة تخيف بها دول العالم الأقل شأناً، وتسيطر على ثرواتهم. بينما كان الشعب الأفغاني منهكا بحروب متصلة. فمن حرب ضروس ضد الجيش الأحمر السوفيتي، إلى حرب أهلية بين (المنظمات) و(الأحزاب) وأمراء الحرب وقطاع الطرق من جميع الأصناف. صاحب تلك الفوضى العارمة دعاوى إنفصالية لتقسيم البلاد كنوع من الحل يضمن ترضية لأقطاب الفتنة الداخلية ورضا رعاتهم الخارجيين.

لهذا هزم الأمريكيون..وبهذا انتصر المجاهدون

ظهور نظام الإمارة الإسلامية ـ وحكم الشريعة الذي يرتضيه الأفغان ويحترمونه ـ طوعاً واعتقادا ـ قمع فتنة الإقتتال الداخلي وإختلال الأمن، وجميع الشعب بجميع عرقياته تحت راية واحدة وكلمة سواء. وماتت دعوات التقسيم مع موت فتنة الحروب الداخلية. فكان واحد من أهم إنجازات “الإمارة الإسلامية” هو الحفاظ على وحدة الشعب والحفاظ على تراب الوطن، وإئتلاف الجميع تحت راية الشريعة التي لا تفرق ولا تحابي ـ خاصة مع حسم التطبيق ونزاهته، وعدالة الحاكم وصلاحية بطانته، ومثالية كوادرة الإدارية والمقاتلة، وهم شباب (طالبان) من دارسي العلوم الشرعية، ضمن مدرسة فقهية واحدة أصيلة في عملها، جهادية في فهمها وتطبيقها للإسلام، فقادوا المجتمع والدولة قيادة عادلة وزاهدة ومجاهدة.

– السنوات الخمس التي قضتها (الإمارة الإسلامية) في حكم أفغانستان كانت هي القاعدة الصلبة للجهاد الذي نشب فيما بعد لمقاومة “عاصفة الحرب الصليبية” التي شنها جورج بوش على أفغانستان. فأجهزة الإمارة وخبراتها المكتسبة إداريا وعسكريا، وكوادرها من شباب (حركة طالبان)، كانوا هم الجيش الذي تولى قيادة الشعب الأفغاني لهزيمة الحملة الصليبية المكتسحة. فلم يكن شيئا عن قادة الموجة الجهادية الجديدة، أو كوادرها المنتشرين في المجتمع، أو أهداف الجهاد وغايته، مجهولا من أحد، حيث أوضحتها وجسدتها جميعا الإمارة الإسلامية، وأختبرها الشعب خلال خمس سنوات كاملة قبل الغزو. فلم يكن في كل ذلك عنصرا واحدا غريبا على المجتمع أو مقتحما لبنيانه الفكرى والإعتقادى أو خبراته التاريخية البعيد منها والقريب.

ــ لهذا احتضن الشعب الأفغاني مجاهديه بمقاومتهم المسلحة، ودَعَمَهُم بما أغناهم عن المدد الخارجى الذي إنقطع عنهم بعد أن صارت بلادهم نسيا منسيا من المسلمين قبل غيرهم.

ــ جيوش الغزو الصليبي وجدت نفسها معزولة في وسط بحار من الأفغان المقاومين. والإدارة العميلة في العاصمة كابول ولدت ميته كما ولدت فاسدة. فتشاركت تلك الإدارة مع جيوش الغزو في سفك دماء الأبرياء، وسرقة ثروات البلد، ونشاط تهريب المخدرات. فتعاظمت كراهية الشعب للإستعمار وإدارته العميلة وديموقرطيته المتوحشة وثقافته المنافقة. فتحول المناخ الداخلى بالكامل لصالح المجاهدين وقيادة حركة طالبان.

القطب الأمريكي الأوحد، مسلحاً بترسانة تسليحية عالية التقنية كانت جاهزة لمواجهة قوى عظمى ولإرهاب العالم أجمع، ومدعوما بحلف الناتو أكبر تحالف عسكري. ومع كل ذلك فشل في إخضاع حركة جهادية لشعب فقير معزول ومحاصر. وأعزل إلا من الإيمان وبقايا أسلحة بسيطة وقديمة، يعود معظمها إلى أكثر من نصف قرن مضى.

انتصر العنصر الإيماني المدعوم بحاضنة شعبية على جيوش (ما بعد الحداثة) وتحالفاتها العسكرية وسيطرتها على المؤسسات الدولية وحكومات أكثر الدول.

الهزيمة الأمريكية تحقق منها جورج بوش في نهاية عهده، وأدركها أوباما منذ يومه الأول على كرسي الحكم. أما ترامب فكان يدعو إلى الفرار من أفغانستان أثناء حملته الإنتخابية، إلى أن كبلته عصابة من الجنرالات في البيت الأبيض نتيجه الخلل في قواه العقلية وعدم إتزانه. ومع ترامب وعصابته العسكرية، تبلورت تماما ملامح نظام دولي جديد، على ضوء الهزيمة العسكرية الأمريكية في أفغانستان والدروس المستخلصة منها. رغم أن معظم تلك الدروس لم يكن جديدا. ولكن المشكلة هي أن تتكرر نفس الأخطاء في ظل سيادة أمريكية مطلقه على العالم، وامتلاكها لأحدث وأخطر الترسانات العسكرية ــ ولكنها للمفارقة ــ تمتلك أيضا أسوأ الجنود، وأبعدهم عن صفة الجندية، وانحدارهم إلى مجرد لاعبى أجهزة ( أتارى) للقتل عن بعد. أما على الأرض فهم ليسوا سوى عاجزين لا حيلة لهم سوى بدعم الطائرات عند كل خطوة. لذلك فهم فرائس تثير شهية الصائدين.

فتأكدت أمريكا من تجربتها الأخيرة وهزيمتها في أفغانستان أن لا سبيل إلى مجابهة حركة جهادية تتمتع بمميزات خمس، هي:

1 ــ الإيمان الديني.

 2 ــ الأهداف المحددة الواضحة.

 3 ــ القيادة القدوة (إيمانا وفهما).

4 ـ الكوادر الفدائية.

 5ــ الحاضنة الشعبية المتماسكة.

وبهذا إنتصر المجاهدون الأفغان على كل إمبراطوريات الشر في العالم.. وعلى مر التاريخ.

وبنفس هذه العناصر يمكن لأى حركة جهادية أو ثورة إسلامية أن تحرز النصر المؤكد.

 تحميل مجلة الصمود عدد 144 : اضغط هنا

إستراتيجية نووية جديدة

أعلنت الولايات المتحدة عن توجه استراتيجي جديد في سياساتها العسكرية القادمة. إعتمادا على عناصر القوة الموثوقة لديها وهي التفوق التكنولوجي والإقتصادي. رغم أنها عناصر فشلت في كسب الحرب في أفغانستان ضد شعب فقير ولكنه يمتلك حركة جهادية تتمتع بمميزات التفوق الخمس، ولكن لا بديل أمام تلك الدولة ولتمديد سيطرتها على البشرية سوى التمادى في الإعتماد على التكنولوجيا العسكرية فائقة القدرة على التدمير ـ أي القوة النووية ـ بعد ترويضها كي تصلح للإستعمال التكتيكي ـ أى تصبح أوسع إستخداماً ـ للتخلص من الورطات الميدانية الكبرى في بلاد مرشحة للصراع المتصاعد على إتساع القارات كلها. إنها تريد سلاحاً حاسماً على مستوى الصراعات المحدودة، فوق أراضى الدول الصغيرة ـ أو مناطق المزاحمة الجيوسياسية مع المنافسين الكبار، وهم تحديدا روسيا والصين (وقد وصفهما ترامب بالدول الرجعية المنافسة). ولإرعاب “محور الشر” ــ حسب الرؤية الأمريكية ــ من الدول الأصغر وفى مقدمتها إيران وكوريا الشمالية. أو أى دولة أخرى تحاول الإستقلال عن القبضة الأمريكية ( أو الإسرائيلية بطبيعة الحال ).

ــ ذلك التصعيد التسليحي صوب السلاح النووى لجعله في المتناول خلال الصراعات التقليدية، ترافقه عمليه عسكرة للإقتصاد الأمريكي بجعل الصناعات العسكرية مصباً رئيسا لميزانية الدولة، لتقوية الجيش وتطوير تسليحه وصلاحياته، وتدخلاته في السياسة الدولية كأداة رئيسية لتمهيد الطريق أمام السيطرة الإقتصادية الأمريكية على العالم، وإخضاع إرادة الشعوب للإرادة الأمريكية وتسليم ثراواتها، وأراضيها، وثقافتها ودينها للأمريكي بأطماعه ونزواته وتجبره على كل شعوب الأرض، وبعنصريته الحادة المقيتة التي يمثلها ترامب بغبائه وصلافته.

روسيا رأت في الإستراتيجية النووية لترامب أنها (تثير المخاوف وتزيد من خطر حدوث سؤ فهم بين البلدين). والصين أعربت عن موقف مشابه، وقالت إنها عودة إلى أجواء الحرب الباردة وتصعيد التوترات حول العالم. هذا ما سوف يحدث بالفعل عندما تصنف أمريكا دول العالم إلى ثلاث درجات : أشرار منافسين ــ ودول مارقة تتمسك بحقها في إستقلال قرارها وسيادتها على أراضها وثرواتها ــ ومعسكر آخر ترضى عنه أمريكا خانعاً ومطيعاً.

ولأن ترامب يرى أن (أمريكا أولا) وقبل الجميع، بل وفوق الجميع. والنتيجة هي أن عزلت أمريكا نفسها عن العالم وحتى عن حلفائها، فلا تتكلم مع أحد إلا بلغة التهديد والغطرسة، وتفسخ أى إتفاق دولي لا يتوافق مع نظرتها الأنانية، بما أفقد العالم الثقة بالمعاهدات الدولية وفى أمريكا تحديداً. وتدعو أمريكا إلى حماية حدودها بأسوار واقية، وتمنع مواطنى الكثير من الدول الفقيرة من دخول أراضيها أو تقليل ذلك إلى أقصى حد. وتتخلى عن مبادئ “العولمة” الإقتصادية وتتجه نحو الحماية الجمركية لصناعاتها، فبدأت بالفعل في فرض رسوم جمركية على بعض منتجات حلفائها الأوربيين وتنذرهم بحرب تجارية تشنها عليهم !!.

ــ في أجواء التوتر يزداد سباق التسلح وترتفع مبيعات أمريكا من السلاح حيث تسيطر على حوالى نصف مبيعات العالم من السلاح ( في عام 2015 باعت أسلحه قيمتها 40 مليار دولار من إجمالى 80 مليار حجم تجارة السلاح العالمية ). سيزداد المبلغ بالتأكيد في ظل توترات تثيرها في شرق آسيا والشرق الأوسط. وتصعيد التوترات مع الصين وروسيا، وما حولهما من دول، لتوريطها في نزاعات إقليمية.

فأرقام بيع الأسلحة في المنطقة العربية وصلت أرقاما غير مسبوقة (فى عام 2015 كانت مبيعات الأسلحة لثلاث دول عربية هي كالتالى قطر في المركز الأول بصفقات بلغت 17 مليار دولار ـ ثم مصر بمبلغ 12 مليار دولار ـ ثم السعودية بمبلغ 8 مليار دولار، أى بإجمالى 37 مليار دولار للدول الثلاث. من إجمالى مبيعات سلاح حول العالم بلغت 80 مليار دولار).

ــ لقد أطلق ترامب على وزير دفاعه (ماتيس) لقب “الكلب العقور”. وكأنه يصف بدقة الولايات المتحدة نفسها تحت قيادته. ويصف النظام الدولى الذي تفرضه بالبلطجة والإبتزاز النووى وإحياء الحرب الباردة وإشعال الحروب الإقليمية والحروب بالوكالة، بل والتورط المباشر في حروب ـ فشلت فيها جميعا كقوة عسكرية ـ في كل من العراق وسوريا، وقبل كل ذلك في أفغانستان.

فشل جنودها على الأرض كما هو متوقع. وفشلت نظرتها إلى الحرب على أنها عمل سهل يمكن كسبه بمجرد القصف من بعيد بالطائرات والصواريخ الموجهة.

فأرادت دعم نفس الأسلوب بقدرات أكثر فتكا من كل ما سبق، فتسعى إلى تطويع السلاح النووى وجعله سلاحا تكتيكيا للإشتباكات المحدودة. ولكن إذا خرج المارد النووى من القمقم مدعيا أنه (قزم تكتيكى) فمن يضمن أن لا يرجع إلى صورته الأصلية كسلاح دمار شامل ينهى الأرض ومن عليها ؟؟. فهل تنتظر ـ روسيا والصين تحديدا ـ إلى أن تفرض أمريكا نفسها على العالم، وتعيدهما دولتان من العالم الثالث، بتفجيرات نوويه (محدودة ) ؟؟.

ــ ترامب ليس إلا سمسار أسلحة ومبتز دولي يمارس الحيل الرخيصة، متوهما وجود عالم ـ على شاكلته ـ غبى ومتخلف عقليا. وأن الشعوب سوف تستسلم في النهاية أمام (نظام الكلب العقور) الذي تفرضه أمريكا نظاما عالميا، ملوحة بالأسلحة النووية التكتيكية وبما تبقى لديها من قدرة مالية تشترى بها الحكومات والقادة الفاسدين.

نظام دولي طبقا لنظرية (الكلب العقور)، لا يأخذه العالم مآخذ الجد، رغم خطورته المتمثلة في جنون الرئيس الأمريكي أكثر منه خطورة الاستراتيجية التي يبدو أنها لن تكون عملية إلا في نطاق الإستغلال التجارى والسياسى، ولتسويق الأسلحة، وإحكام السيطرة على دول هي خانعة بالفعل منذ عقود. إذن لا جديد سوى المزيد من الكآبة على المشهد الدولى، والتوجس من حدوث الأسوأ في ظل رئيس أمريكي مجنون وعصابة جنرالات تحيط به، ومن خلفهم تقف القوى اليهودية والصهيونية في أمريكا والعالم.

– لن تنجح استراتيجية (الكلب العقور) كنظام دولي يحكم العالم بعد أن فشلت في أفغانستان. وعنتريات ترامب وجنرالاته كانت نتائجها الميدانية بائسة على الجيش الأمريكي، وانعكس ذلك على نظرة العالم إلى (الكلب العقور) الذي يرغى ويزبد في البيت الأبيض، حيث إكتشف العالم عبر الأفغان الطريقة المثلى للتعامل معه.

فبينما تتوسع سيطرة حركة طالبان على الأرض، ويتزايد إختراقها للدولة وأجهزتها ومراتب قواتها المسلحة. ينطلق (الكلب العقور) في نهش أجساد المدنيين. وتنحصر مهمة الجيش الأمريكي وإنجازاته في قتل الأبرياء واستهداف منازلهم وأسواقهم وقراهم. في تقديره أن ذلك سوف يقلب الرأى العام ضد مجاهدى حركة طالبان والإمارة الإسلامية، فيطالبها الناس (بالتفاهم) مع الأمريكيين، الذين في تقديرهم أن مهاراتهم في التفاوض سوف تحول هزيمتهم العسكرية الى إنتصار كامل في الحرب.

يتمنى ترامب دفع طالبان ـ بالقوة والخديعة والوساطات ـ إلى طاولة مفاوضات تستوعبهم في ثنايا النظام الإحتلالى القائم. ولكن نباحه وتبجحات كبار مسئوليه لا تستطيع إخفاء حقيقة هزيمة بلادهم في أفغانستان.

حاول الأمريكيون تعليق عار هزيمتهم في رقبة باكستان، حليفهم الأول في تلك الحرب، محملينها مسئوليات التقصير والهزيمة. رغم أن باكستان قدمت لهم كافة إمكاناتها اللوجستية والإستخبارية. حتى أنها خاضت حربا كاملة ضد القبائل الحدودية من باكستان، دعما للجيش الأمريكي وطبقا لأوامره وبمشاركته الجوية وطائراته بدون طيار التي لا تنقطع عن التحليق فوق رؤوس تلك القبائل، فتقتل وتغتال وفق معلومات يجمعها الجيش الباكستانى نفسه.

 

حجب المعلومات عن الشعب الأمريكي:

بشكل مؤكد تسير الحرب في أفغانستان يوما بعد يوم في غير صالح الولايات المتحدة. لذا لجأت إلى حجب المعلومات عن الرأى العام الأمريكي رغم قلة تلك المعلومات في الأساس. فمكتب المفتش العام الأمريكي، الخاص بإعمار أفغانستان، تلقى تعليمات عسكرية بعدم الإفصاح عن أى معلومات، كانت علنية ومتاحة له في السابق.

ولأول مرة سنة عام 2009 يفرض الجيش الأمريكي السرية على المعلومات الخاصة بأعداد القوات الأمريكية، أو الخسائر التي تلحق بقوات الجيش والأمن الأفغانيين. كما فرض حظرا على الخرائط التي توضح المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك التي تسيطر عليها حركة طالبان. وفى الحقيقة فإن تواجد حركة طالبان لم يعد يخضع لخرائط محددة بخطوط فاصلة، فهى موجودة وممتدة من أقصى الجبال البعيدة وصولا إلى القصر الجمهورى في كابل.

صرح المفتش العام الأمريكي في أفغانستان لوكالة رويترز بأن المواطن الأمريكي لم يعد لديه قدرة حقيقية على معرفة الكيفية التي تنفق بها أمواله في أفغانستان. كلامه صحيح و هو دليل على هزيمة مؤكدة تحاول الإدارة الأمريكية إخفائها، كما أنه محاولة للتستر على حالة فساد غير مسبوقة داخل الجهات الأمريكية العاملة في أفغانستان، وعلى رأسهم العسكريين ورجال الإستخبارات الذين تورطوا في أشكال متنوعة من الفساد على رأسها تجارة المخدرات.

وزارة الحرب الأمريكية حاولت التملص من مسئوليتها عن ذلك الغموض الناتج عن حظر المعلومات جميعها، فألقت بالمسئولية على التحالف العسكرى الذي يقوده حلف الناتو. وهي القوة التي يقودها جنرال أمريكي هو (جون نيكلسون). ومعلوم أن لا رأى للناتو فيما يجرى داخل أفغانستان، ولا رأى لباقى الذيول التافهة التي تشارك في ذلك “التحالف” المقيت. فالقرار هناك هو أمريكي.. وأمريكي فقط.

ــ لا إنجازات أمريكية في أفغانستان سوى في مجال جرائم الحرب ضد المدنيين. وعلى عكس ما تتوقع أمريكا وكلبها العقور فإن تلك السياسة لم ينتج عنها (ردع) بل نتج عنها (حشد) وتكاتف شعبى كامل خلف حركة طالبان في الجهاد ضد المحتل الأمريكي. فقدمت للعالم الحل الأمثل للتعامل مع الكلب الأمريكي العقور. فبدلا من قذفه بحجر، يقوم المجاهدون الأفغان بتحطيم أسنانه بالكامل.

ذلك هو الرد الأفغاني على النظام الدولى الجديد، نظام ما بعد القطبية الأحادية ـ نظام الكلب العقور ـ فليس أمام شعوب العالم المستضعفه إلا إتباع الإستراتيجية الأفغانية للتعامل مع ذلك الخطر الذي يهدد العالم. إنها رساله الأفغان إلى الشعوب الإسلامية: من أجل دينكم، ومقدساتكم، وكرامة شعوبكم، وسلامة أوطانكم، وإستعادة حقوقكم جميعا، (أيها المسلمون في العالم، إتحدوا، وحطموا أسنان الكلب الأمريكي العقور).

تحميل مجلة الصمود عدد 144 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world