جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 4

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (154) | ربيع الثاني 1440 هـ / ديسمبر 2018 م.      

24/12/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 4 )

 

– أطباء ومهندسون حاولوا جمع تبرعات للمجاهدين الأفغان من أحد المساجد  فى أبو ظبى ، فاعتقلتهم الشرطة بتهمة التسول “!!”.

– حقانى ومولوى خالص يدفعان سياف إلى قيادة “الإتحاد الإسلامى لتحرير أفغانستان” ، فكانا أول ضحايا إنحرافه .

– تحول سياف من قيادة طارئة إلى عاهة مستديمة للجهاد .

– اللقاء الأول لحقانى مع الشعوب العربية . وبداية الدور السياسى الخارجى لحقانى .

– حقانى نقل نبض الجهاد إلى العرب ، ومجددى أحبط فكرة “المتطوعين العرب” .

– عبقرية حقانى فى العمل السياسى لا تقل عن عبقريته العسكرية .

– القوة السياسية فى الداخل هى عماد العمل العسكرى للمجاهدين ، وأساس القوة السياسية فى الخارج .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا :

فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

إنتهت زيارتنا إلى الجبهة بوداع مؤثر مع مجموعتنا (متعددة اللغات ) ، ومع مولوى عبد الرحمن الذى بعث معنا دليلا ليأخذنا إلى مركز “سرانا”. كان شهر رمضان يقترب ،كما أن موسم حصاد القمح أصبح على الأبواب ، لذلك كان عدد أعضاء المجموعة مرشحا للإنخفاض بشدة وكنا نحن أول الغيث . تركنا هدية للموقع عبارة عن ما نمتلكه من أكياس للنوم ، وسترات الميدان . وكنا الوحيدان المالكان لتلك الأشياء العجيبة .

بعد تلك الزيارة تكونت لدينا فكرة لا بأس بها عن أحوال المجاهدين وإحتياجاتهم . ومشاركتنا القتالية البسيطة أو ضحت لنا الكثير .

كانو ا فقراء فى كل شئ ما عدا الإيمان والمعنويات العالية ، أى فى حقيقة الأمر كانوا هم الأغنى فى كل شئ . لأن  ما يملكونه هو ما حسم الحرب فى نهاية المطاف .. بعد سنوات مجيدة من الحرب الطاحنة .

جلسنا مع حقانى بعد عودتنا من مركز مولوى عبد الرحمن . أستقبلنا الرجل بإبتسامة عذبه ، وقال لى : ” لقد خشيت عليك أن تستشهد”.

تعجبت كثيرا من قوله ، وهو القائد الذى لا يكاد يمر يوم إلا وهو يودع شهيدا إما من رجاله أو من رجال القرى المحيطة به ، حتى تصورت أنه لايخشى من شئ ولا يخشى على أحد حتى على نفسه .

سألته عما يريد إبلاغه للعرب ، حتى نوصله إليهم عند عودتنا . وسجلت ذلك كتابة وكنت قد لمست بنفسى كل ما ذكره من إحتياجات ـ ولكنه ذكر نقطة أخرى وهى حاجة المجاهدين إلى إذاعة صغيرة يوصلون بها صوتهم إلى الشعب الأفغانى الذى يجهل الكثير عن ما يحدث .

وقد حاولنا فى كل ما ذكره حتى مسألة الإذاعة ، التى فشلنا فيها تماما . ولكن حقانى الذى لا يستسلم للفشل تابع ذلك الهدف حتى حصل بعد أعوام على إذاعة صغيرة متحركة وضعها فى موقع خلفى يسمى “جاور” . فكانت سببا فى صعود نجم “جاور” ونموها كقاعدة خلفية نشطة للمجاهدين ، فأصبحت هدفا للعدو ، وموضوعا لصراع مرير بين حقانى والحكومة فى كابول ، التى شنت على “جاور” حملات مدعومة من الجيش الأحمر ، بهدف إحتلالها بشكل دائم أو على الأقل تحطيم بنيتها التحتية بما فيها الإذاعة .

      بعد عودتنا إلى أبوظبى ، وإتصالاتنا لنا كثيرة ، مع بيان طبعناه ووزعناه سرا على كبار الإسلاميين المهتمين . كان الأثر كبيرا ولكن لم يحدث (ثورة معلوتاتية) شعبية لأن ذلك يلزمه ضوء أخضر من أولي الأمر . وحتى هؤلاء كانوا فى حاجة إلى ضوء أخضر من جهة أعلى .

وقد حاولت مجموعة متحمسة من الأصدقاء ، وهم مهندسون وأطباء ومحاسبون وطالب ثانوية عامة . أن يجمعوا تبرعات للمجاهدين الأفغان بعد صلاة العصر فى أحد مساجد العاصمة فألقت عليهم الشرطة القبض بتهمة التسول”!!” .

وكانوا على وشك قضاء ليلة فى الحجز ، لولا أن تم الإفراج عنهم بعد وساطات مكثفة ودهشة الشرطة من أن المتسولين هم من أصحاب الوظائف العليا . ولكن المفرج عنهم كانوا من أصدقائنا المقربين لذا أسميناهم “أصحاب السوابق الجنائية ” .

بعد عودتنا إلى أبوظبى بأسابيع قليلة حدث إنقلاب فى كابل أطاح بالرئيس “نور محمد طراقى” وجاء بشيوعى من جناح منافس هو “حفيظ الله أمين” ، الذى لم يمكث سوى أسابيع قليلة حتى تفاقمت الصراعات الداخلية وأوشك النظام على السقوط ، فقتل بمعرفة السوفيت وأجتاح الجيش الأحمر أفغانستان فى أكبر عملية غزو إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية .كان ذلك إيذانا بتحول جذرى فى وضع الأزمة الأفغانية وتحولها إلى موضوع كبير فى الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية ، ولم تلبث أن تحولت أفغانستان إلى أخطر قضايا الحرب الباردة بين الكتلتين ، والتى  أسفرت عن أعمق الآثار الجيوسياسية فى عالم اليوم ، إذ سقطت الإمبراطورية السوفيتية واستفردت أمريكا بالعالم مدعية أنها إنتصرت فى الحرب الباردة وأسقطت الإتحاد السوفيتى ، وبذلك أصبحت سيدة العالم بلا منافس ، تفعل به ما تشاء .

 

تفاهة دبلوماسية فى مواجهة الإحتلال :

توقيت الغزو السوفييتي لأفغانستان كان لا يخلو من المهارة . فإلى جانب أنه تم في الشتاء حليفهم التقليدي في الحروب سواء في أفغانستان أو غيرها، فإنه تم في توقيت سياسي ملائم للغاية. فقد كان غريمهم الأمريكي في نقطة ميتة سياسيا فالرئيس الأمريكي كارتر كان في لحظاته الأخيرة في البيت الأبيض . والرئيس الجديد ريجان الذي تسلم منه الحكم ، وجد أمامه أمرا واقعا في أفغانستان . لهذا لم يوجه أحد إليه السؤال : لماذا تركتم ذلك يحدث …

وماذا فعلتم والسوفييت يحتشدون لعبور حدود قانونية لدولة ضعيفة ؟ . ولكن بدأت الأحاديث حول إجراءات عقابية ضد السوفييت وإجراءات لتطويق آثارالغزو على المصالح الأمريكية  فى جنوب وغرب آسيا وخاصة مناطق نفط الخليج . لم تتحرك الدول الإسلامية إلا بعد أن مارست الإدارة الأمريكية الجديدة مهام عملها .

وأصدرت أوامرها وحددت السياسة  (الإسلامية) العامة لمواجهة خطر الغزو السوفييتي على العالم الإسلامي  والخطوات اللازمة في إطار المنظور الأمريكي . وبناء عليه عقد مؤتمر طارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية في إسلام آباد لبحث الموضوع

 وتم إصدار البيانات المعهودة التي لا معنى لها واتخاذ خطوات أشد تفاهة، كان أعظمها خطرا هو إرسال طائرتى معونات إنسانية من خيام وأطعمة للمهاجرين الأفغاني فى باكستان كدعم عاجل من المملكة العربية السعودية . وعلى صعيد (المقاومة الأفغانية) فإن تأثيرات ذلك المؤتمر عليها هو إصرار القائمين على المؤتمر على تشكيل كيان متحد للمقاومة تستطيع الدول الخارجية التعامل معه فيما يختص بالقضية الأفغانية . وكان عدد الأحزاب الأفغانية للمقاومة ستة أحزاب . وبشكل عاجل تم تشكيل واجهة موحدة هى (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) برئاسة عبد الرسول سياف ، الذي خرج لتوه من سجون النظام في كابل. وفي أقل من شهرين تحول من سجين سياسي سابق إلى رئيس (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) ليكون أول أعماله هو الإجتماع بوزراء خارجية الدول الإسلامية لمناقشة موقف تلك الدول من قضية بلاده . ورغم أن زعامة سياف وظهورها على سطح الحياة السياسية (للمقاومة الأفغانية) كان يبدو وقتها كأثر ثانوي لذلك المؤتمر ، إلا أنه بمرور الوقت ظهر أنه كان واحدا من أخطر الأحداث في المسار السياسي للقضية. خاصة في علاقتها بالتيارات الإسلامية العربية التي تعاطفت عن بعد، أو قدمت للمشاركة ميدانيا في الجهاد.وأيضا من حيث تفاقم الصراعات الداخلية في حركة (المقاومة) الأفغانية المتشرذمة أصلا .

 

سياف .. من رئاسة طارئة ، إلى عاهة مستديمة للجهاد :

عندما أوشك المؤتمر الطارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية على الإنعقاد لم تكن المنظمات الجهادية في حالة تسمح لها بحضور المؤتمر . فالخلافات مستعرة وعدد الأحزاب ستة أحزاب كاملة التحزّب . فطلبت باكستان منهم ، عندما وجدت أن الزعماء الستة يريدون حضور المؤتمر كل زعيم يمثل حزيه ، طلبت إختيار شخص واحد يمثل الأحزاب جميعا أمام المؤتمر. كانت المشكلة التي يخشاها الزعماء أنه في حال إختيار ممثل واحد عن الأحزاب يخاطب المؤتمرفإنه سوف يكون الشخص المعتمد لدى العالم الخارجي .

 وبالتالي فأي معونات خارجية  يتسلمها نيابة عن الآخرين ،  سوف يستأثر  بها لنفسه, وقد يتحول إلى صاحب حزب, فمن السهل أن يشتري من يريد وما يريد بواسطة المال الذى توفر لديه . وكانت القاعدة أنه عندما يرغب حزبان في الإتحاد ، يتم إختيار شخصية ضعيفة كي ترأس الإتحاد  المزعوم .

وبنفس الأسلوب وصل عبد الرسول سياف إلى سدة الزعامة. فقد كان ضعيفا، خارجا لتوه من سجون كابل . ويسكن في غرفة متواضعة، ويتلقى مساعدات مالية من أصدقائه داخل المنظمات. كان أشد المعترضين على ترشيح سياف هو حكمتيار الذي واجهه بحملة عنيفة من التشكيك والإتهامات.

 فقد كان يرى أن سياف قد خرج معافى من سجون الشيوعية في كابل ـ في قصة غير مقنعة ـ حيث كان الشيوعيون يقتلون الناس لمجرد الإشتباه فما بالهم بشخص مثل سياف كان في صفوف متقدمة من زعامات العمل الإسلامي في كابل ؟؟.

لماذا لم يقتلوه وهو تحت أيديهم في السجن ؟ .

وأضافت مصادر حزب حكمتيار بأن سياف قد إستفاد من حماية الزعيم الشيوعي حفيظ الله أمين المهندس الحقيقي للإنقلاب الشيوعي,والذى تولى رئاسة الدولة فيما بعد. فتولى الرئاسة  بعد أن تخلص  من سلفه نور محمد طراقي . فقد كان سياف وأمين أبناء خالة . لذلك فإن سياف لم يسجن في السجن الرهيب “بولي شرخي” بل أنه نقل سريعا إلى نوع من الإحتجاز المرفه تحت حماية إبن خالته.

ولمزت مصادر الحزب في الظروف التي إعتقل فيها سياف في عهد محمد داوود . فقد أعتقل وهو في مطار كابل وكان في طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة تعليمية موضوعها (التأهيل القانوني )!!.

 بالنسبة لهم فإن الإفراج عن سياف في أعقاب الإحتلال الروسي ، وإغتيال إبن خالته أمين ما كان ليتم خطأ كما يدعي سياف ، ولا بد أن وراءه تدبيرا معيناً بين سياف والشيوعيين والروس . كانت الإتهامات خطيرة، لكن رواج الشائعات  سواء بالحق أو بالباطل,أفقد  تلك الإتهامات أهميتها .

تبنى يونس خالص وجلال الدين حقاني قضية سياف حيث رأيا أنه المخرج الوحيد المتاح مع ضيق الوقت على إنعقاد المؤتمر . ومارسا ضغوطا على باقي الأطراف لقبوله رئيسا يمثل إتحاد أحزاب المجاهدين، ثم أنه قد وقَّع لهما بالفعل على تعهد بعدم إنشاء حزب جديد لنفسه. نجح مسعاهما بعد مجادلات طويلة مع قادة الأحزاب الأخرى وجميعهم متخوف ومتشكك فى الرجل ونواياه . وقد ندم حقانى وخالص فيما بعد إذ كانا الأكثر تضررا من إنحراف سياف واستئثارة بالمعونات المالية القادمة من الخارج . فأشترى الكثير من أتباع المنظمات فى الداخل منشئا حزبا جديدا تحت إسم الإتحاد وكون جهازا بيروقراطيا كبيرا فى بيشاور جاذبا عدا من المشاهير فى الداخل وثبتهم فى مكاتب قضت على فاعليتهم فى الميادين . ثم ضيق على مندوبو المنظمات الأخرى فى دول الخليج خصوصا، مدعيا أنهم يعملون خارج الإتحاد بشكل غير قانونى . فعانت المنظمات ماليا وكان أكثرهم معاناة هو يونس خالص وحقانى الذى كافح كثيرا حتى لا يغرقه سياف فى مشكلات مفتعلة فى الداخل والخارج .

  من أجل ملاحقة المؤتمر ظهر إلى الوجود إتحادا جديدا هو (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) . ولم يكن إتحادا فعليا ولم يكن بالطبع هوالإتحاد الأخير إذ تغير إسمه فيما بعد إلى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) فى محاولة لإصلاح الخلل ، لم تسفر عن أى إصلاح . وظلت بيشاور حتى نهاية الجهاد هى أرض الفتن كما وصفها الكثير من المجاهدين المخلصين ومنهم حقانى .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى ينقل نبض المجاهدين إلى بلاد العرب :

إنتهى مؤتمر وزراء الخارجية بدون أي التزامات واضحة أو مساعدات للشعب الأفغاني . كان فقط مناسبة لتسجيل موقف لا يترتب عليه أي نتائج . كانت صدمة للقادة الأفغان وصدمة     لأنصار الجهاد والقضية الأفغانية من أمثال صديقنا المنياوي (زميلى فى الرحلة الأولى) ، والصحفي من صحيفة الإتحاد الظبيانية سمير عبد المطلب (أول صحفى عربى زار أفغانستان . وقد زار الأورجون أثناء تواجدنا فى جرديز فى رحلتنا الأولى ) .  فطالب الإثنان من سياف أن يترأس وفدا أفغانيا كي يزور دول الخليج لطلب المساعدة من الناس مباشرة .

وكانت المشكلة أن سياف لم يتلق دعوة رسمية بزيارة أياً من دول الخليج . فكيف له أن يصل إلى هناك ؟.

صديقنا المنياوي قال بأنه سوف يسعى إلى الحصول على تأشيرة لوفد المجاهدين برئاسة سياف، على إعتبار أنه وفد باكستاني جاء للحصول على تبرعات لمدرسة  دينية .

وقام سياف بتحديد شخصيات الوفد وكانوا كالتالي :

عبد الرسول سياف  صبغة الله مجددي ـ محمد نبي محمدی ـ جلال الدين حقاني . كان صديقنا الصعيدي يعمل وقتها سكرتيرا للدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لرئيس الدولة آنذاك. تكفل أحمد بتمرير أوراق الوفد عبد القنوات الرسمية كواحد من الوفود التقليدية التي تأتي لجمع التبرعات من مساجد الدولة وتطلب العون من هيئاتها الإسلامية . ولم ينتبه أحد إلى أسماء الوفد الذين لا يدري عنهم موظفوا الدولة أي شيء.

كانت تلك الزيارة ـ المعجزة ـ الخطوة الأولى لسياف كي يرسي دعائم قوية لعلاقاته العربية بشقيها الرسمي والشعبي . بل كانت فرصة لأول لقاء مباشر بين جهاد أفغانستان والشعوب الإسلامية ـ خاصة شعوب الخليج التي لعبت الدور الأهم في (التمويل الشعبي) للعمل الجهادي.

أجرى سياف خاصة ـ والوفد المرافق عامة ـ لقاءات واسعة جدا داخل مدن الإمارات. وقابلوا ما لا يحصى من الأفراد العاديين والمتحمسين والمسلمين المتدينين . وعقدت لقاءات كثيرة في المساجد ، وحتى داخل تجمعات الأفغان ، خاصة المنطقة الصناعية في مدينة العين التي تعتبر معقلا للبشتون من أفغانستان وباكستان .

رتبنا مؤتمرا صحفيا لسياف والوفد المرافق له ، في الفندق الذي يقيم به الوفد في أبو ظبي. إتصلنا بالصحف المحلية ، وقبل بداية المؤتمر إتفقنا مع مندوب جريدة الإتحاد على توجيه   السؤال التالي : “هل أنتم في حاجة إلى متطوعين مسلمين لمساندتكم في الجهاد؟ “.

عقد المؤتمر وإنهالت الأسئلة وتأخر سؤالنا المنشود حتى قرب نهاية الجلسة . وما أن ألقى مندوب جريدة الإتحاد السؤال حتى تكهربت أعصابنا وتعلقت أنظارنا بالأستاذ سياف الذي تلقى السؤال وتهيأ للإجابة . ولكن صبغة الله مجددي إندفع كالقنبلة وتولى الإجابة بعصبية واضحة قائلا: نحن لسنا في حاجة إلى رجال، ولكننا في حاجة إلى أموال وأسلحة للقتال ، وأن على الدول العربية ودول الغرب أن تمد الشعب الأفغاني بمختلف نواحي الدعم السياسي والمادي كي يواجه الغزو السوفييتي  .

إعتبر الصحفيون إجابة مجددي هي الإجابة الرئيسة، رغم أن سياف عقب عليها برد دبلوماسي لا يفيد شيئا ، حيث قال :إن الشعب الأفغاني يتصدى ببطولة للغزو السوفييتي ولكن إذا كنا نحن لسنا في حاجة للمتطوعين المسلمين ، أليس المسلمون في حاجة إلى الجهاد؟.   في كل المناسبات التالية ولمدة سنوات كان سياف يكرر نفس الجملة عند تعرضه لهذه النقطة الهامة .

كان تخلصا دبلوماسيا لبقا من “أمير الجهاد”، فلا هو طلب متطوعين ولا هو رفض، وعلى كل طرف أن يفهم الجملة حسب هواه . إكتشفنا في وقت متأخر نسبيا أنه من المحظور على  زعماء المنظمات في  بيشاور توجيه دعوة عامة للتطوع في صفوف المجاهدين الأفغان ـ أي إعلان جهاد إسلامي عام .

  ومع هذا  فقد كانت الزيارة صخرة ضخمة ألقيت  على سطح العمل الإسلامي الخليجى الراكد .

 كان حقاني قد خرج لتوه من صدام عسكري مع  الجيش الأحمر. لذا كان النغمة اليتيمة في الوفد الأفغاني ، لأنه الوحيد الذي يمثل الحقيقة الميدانية  للجهاد. بينما رئس الوفد “سياف” قد خرج منذ أشهر قليلة من سجن مطول فى كابل إستغرق حوالى ست سنوات . وبالتلى فليس لديه أدنى فكرة عن الجهاد المسلح الدائر فى أفغانستان . وبالمثل باقى أعضاء قادة الأحزاب”الجهادية” مجددى ومحمدى ، وكلاهما ليس له علاقة مباشرة بالجبهات القتالية لا قبل الإحتلال الروسى ولا بعده .

 وما كان يريد حقانى طرحه لم يكن متجانسا مع الطبيعة الإحتفالية للمواضيع التي طرحها  الوفد ، والطابع الإنفعالي الحماسي للإجتماعات ، كما لم يكن متجانسا مع طبيعة الجمهور العربي المتعود على سلبية الإستماع ونشوة الحماس والتأثر بالخطابات البليغة. فلم يكن ممارسا  لحيوية المشاركة وما تجلبه من متاعب وصعاب لم يتعود عليها . ويصح ذلك بوجه خاص على المجتمع الخليجي فائق الرفاهية ، بما في ذلك تجمعاته  (المواطنة) أو (الوافدة) .

وأعظم ما تبلغه همم تلك التجمعات ـ حتى وقت الزيارة ـ كان دفع دريهمات لمشاريع الخير هنا وهناك . وما الجهاد عندهم ـ حتى ذلك الوقت ـ إلا واحدا من المشروعات الخيرية ، مثل بناء مسجد أو دار أيتام أو إستكمال مركز إسلامي في دولة أوروبية .

كان حقاني يريد أن يناقش القتال ومستلزماته ، والمجاهد ومطالبه، والجهاد وخطوط إمداده . وقد تحدث مع قليلين حول تلك الموضوعات وإستوعبه أقل القليل منهم . وظلت الجبهات ومشاكلها القتالية أكبر الغائبين عن ساحة الإهتمام الشعبي العربي طوال مدة القتال، مع تحسن نسبي بعد ظهور “أبوعبد الله” ـ أسامه بن لادن ـ على ساحة العمل القتالي العربي في أفغانستان .

كانت تلك هى المرة الأولى التى يمتد فيها الدور السياسى لحقانى ليشمل نطاقاعربيا ، بعد أن كان محصورا فى النطاق القبلى الذى هو أساس القوة الحقيقية للعمل الجهادى ، ولكن الإتصال الخارجى ونجاح حقانى فيه تحول إلى مدد هام جدا وفر له دعما ماليا وإعلاميا ومددا من المتطوعين العرب فيما بعد . ورغم قلة عدد العرب فى جبهات حقانى إلا أن إسهاماتهم كانت جيدة بل وهامة أحيانا .

 

الدور السياسى الداخلى .. أساس القوة الجهادية لحقانى :

إذا كان الدور العسكرى لحقانى ، يكاد لا يكون له نظير فى فترة الحرب ضد الجيش الأحمر السوفيتى ، وشاهد ذلك إنجازاته العسكرية الكثيرة الذى كان فتح خوست فخرها الأكبر  والدليل الذى لا يدحض على تلك العظمة العسكرية .

ولكن إنجازاته وعظمته السياسية لا يكاد يلتفت إليها أحد ، رغم أنه لولا تواجدها ما كان له أن يحقق إنجازاته العسكرية كلها ، وبوجه خاص فتح مدينة خوست .

وحيث أن حقانى ـ مثل باقى القيادات الميدانية فى ذلك الوقت لم يكن مدعوما من قيادة عليا جهادية أو حتى قيادة حزبية مقتدرة ، فكان هو فى ذاته القيادة العليا الشاملة التى عليها أن تواجه ميدانيا جميع التحديات العسكرية والسياسية .

 من الممكن ملاحظة التحديات العسكرية ونتائجها ، كونها صاخبة صخب ميدان المعركة، ونتائجها واضحة وصريحة : فإما نصر مشهود أو هزيمة ظاهرة لا يمكن التستر عليها خاصة فى الملاحم الكبرى . أما الإشتباكات المحدودة الحجم والنتائج ، والتى تعمل بالتراكم البطئ ، فتكون سببا للإنتصار الكبير أو الفتح الأعظم . ولكن لا ينتبه أحد إلى أهميتها لأنها مثل ضؤ المصباح الصغير . ولكن ضوء ذلك المصباح الصغير والمتكرر والدائم هو الذى أنار الطريق نحو النصر النهائى المبهر . لذلك فكل مجاهد استشهد فى تلك الإشتباكات الصغيرة التى لا تحصى ، هو صانع حقيقى ضمن صناع كثيرين ومجهولين لذلك النصر الكبير .

    فى أثناء جولتنا التاريخية فى مسيرة حقانى سنتعرض من وقت إلى آخر إلى جوانب من نشاطه السياسى وأهم فروعه هو العمل بين القبائل ، وهو ذو صلة مباشرة بالنشاط الجهادى . وبدونه يغدو ذلك النشاط مستحيلا . حيث المحيط السكانى ذو تكوين قبلى . وفى ذلك الوقت عانت القبائل من عدة ضغوط : تهدد تواجدها ـ وتهدد تماسكها ـ وتهدد مصالحها المباشرة .

ــ أما ما يهدد تواجدها فهو هجوم جيش الإحتلال وأعوانه فى النظام الشيوعى الحاكم على القبيلة مباشرة.

ــ وما يهدد تماسكها ووحدتها فهو النشاط الحزبى الموجه من أحزاب بيشاور بتخطيط من باكستان والأعداء الخارجيين الذين إرتدوا لباس الصداقة الكاذبة ، مثل الأمريكيين ودول أوروبا وحكومات الخليج وخاصة النظام السعودى .

فقد عملت تلك الجبهة من أجل تفكيك القبائل بطرق شتى على رأسها إستبدال الولاء القبلى بالولاء الحزبى . خاصة وأن الولاء الحزبى يجلب المال والسلاح . وبتعدد الأحزاب إلى سبعة أحزاب (غير ثلاثة إنشقاقات أصغر) تقسمت القبائل إلى هذا العدد . ناهيك عن الإختراقات الحكومية ولم تكن علنية فى أغلب الأحوال . لكن عند سيطرة الحكومة على منطقة قبيلية معينة ، فسريعا ما تظهر كتلة قبيلية متعاونة معها بدوافع إنتهازية بحته وطمعا فى الأموال والزعامة القبلية . والعلاقات بين القبائل من المهم جدا معرفة تاريخها القريب والبعيد . فالمشكلات القبلية تتوارث لزمن طويل . خاصة المشاكل على الأرض والمراعى والغابات والماء .

أما الثارات فهى الطامة الكبرى ، التى من الصعب علاجها ، وتبقى سابحة عبر الأجيال والأزمان . ولعلاجها لابد من تصدى العلماء والزعماء القبلين وبذل الأموال حتى تحل المشكلة. حساسية القبائل تجاه كرامتها وسيادتها على أراضيها كانت مشكلة كثيرا ما تواجه المجاهدين فى تحركاتهم العابرة لأراضى قبائل عديدة ، خاصة إذا كانت متكررة أو يترتب عليها معارك قد تطال القبيلة أو تعرضها لإنتقام العدو . و الصراع الحزبى لم يكن نادرا، وفى بعض المناطق كان مزمناً .

ــ حتى المعارك التى تدور بالقرب من أراضى القبيلة ، وتنتهى بنصر المجاهدين ، فقد تقفز زعامات من القبيلة مطالبين بجزء محترم من الغنيمة فى مقابل أراضيهم التى إستخدمت فى العبور إلى مناطق القتال ، أو دار فوقها بعض القتال .

كل تلك المشاكل تحتاج إلى دراية عميقة بطبيعة القبائل والتاريخ السياسى لكل قبيلة ، وخريطة العلاقات بينها .. الآن .. وقديما .

تقريبا من المستحيل أن تحل أى مشكلة قبلية بدون وجود عالم دين فما بالك إذا كان هو حقانى  بكل مهابته واحترامة وبطولته ؟؟ .

ــ كان حقانى مع تعدد “الكومندانات ” العسكريين داخل كل قبيلة ، وأنه مجبر على التعامل المباشر معهم إعتبارا للقوة التى تحت إيديهم من سلاح ورجال ، إلا أنه لم يهمل أبدا التعامل مع كبراء القبائل وزعمائها التقليدية من كبار السن ، وعلماء الدين فيها . وكان بذلك يضمن خطاً خلفيا يلجأ إليه فى حالة تعثر الإتفاق مع “الكومندانات ” حاملى السلاح والتابعين لأحزاب بيشاور، وتشكيل ضغط عليهم من داخل قبائلهم نفسها .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى والسياسة الإقليمية :

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا ، فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

   أهم السياسات الخارجية كان بالطبع السياسة مع الجارة اللدود باكستان ، التى هدفت إلى التحكم فى كل ما يجرى على الساحة القتالية فى أفغانستان وفى مقدمتها (الكومندانات) أى القادة العسكريين القبليين، كبيرهم وصغيرهم ، بالسلاح والإمدادات والمال (وجميعها عناصر قادمة من الخارج وليس من الحزينة الباكستانية). تسيطر باكستان على كل شئ بواسطة جهاز إستخبارى عسكرى هو(ISI) صاحب السمعة والقدرة ، والذى أسسه ضياء الحق الرئيس الباكستانى من أجل التدخل فى أفغانستان .

كان حقانى من الحالات النادرة التى ظلت عصية على الهيمنة الباكستانية ، وفرض عليهم معاملة ندية ، بل أن يده كانت هى العليا . والسبب هو قوته الشخصية والعسكرية ، وإحكام سيطرته على قبيلته زدران وهى القوة الضاربة الأولى فى ولاية باكتيا . تشاركها فى تلك الولاية ثلاثة قبائل هى منجل وجربز وتاناى . ولم تشهد باكتيا قتالا قبليا أو حزبيا ، والسبب الأساسى كان مجهود حقانى التصالحى والجامع الجهادى بين القبائل . لم تكن الخلافات أو حتى الأزمات غائبة ولكنها دوما كانت تحت السيطرة بمجهود كبراء القبائل الشرفاء المخلصين لإنتمائهم الإسلامى . وهكذا كانت باكتيا هى الأفضل من حيث التماسك والسلام القبلى بين سكانها.

 أعطى ذلك أهمية فائقة لحقانى فى السياسة الخارجية عموما ، خاصة السياسة إزاء باكستان حيث أن ولاية باكتيا لها أهمية إستراتيجية فريدة بالنسبة لأفغانستان وباكستان معا . فهى الولاية التى تحتوى أكبر عدد من الممرات البرية الطبيعية التى تربط بين البلدين ، لذا كانت سيطرة الجيش الأحمر أو القوات الشيوعية على تلك الولاية تمثل كابوساً يؤرق السلطات الباكستانية . وحائط الصد الأساسى فى ولاية باكتيا هى قيادة حقانى التى تحفظ للولاية تماسكها وقوة ردعها التى تصد الجيش الأحمر .

وكان ذلك عاملا حاسما فى إستمرارية الجهاد ونجاحه فى نهاية المطاف . فإن 80% من الإمدادات الذاهبة إلى الجبهات فى معظم المحافظات كانت تمر من باكتيا . وبالتحديد ممر جاجى ثم ممر خوست عبر قاعدة حقانى فى جاور . وفى كلا الموضعين (جاجى وجاور) دارت أعنف معارك الحرب بسبب تلك الممرات ، التى إستمات السوفييت فى إغلاقها واستبسل المجاهدون فى الدفاع عنها ، دافعين أغلى الأثمان بالدماء والأرواح .

( سوف نمر على أهم تلك المعارك خلال هذا الكتاب).

وكانت تلك هى ورقة القوة الأساسية فى يد حقانى والتى وفرت له اليد العليا فى التعامل مع باكستان وأجهزتها الإستخبارية . رغم أن تلك الأخيرة حاولت بشتى الطرق الحد من نفوذه أو إيجاد قيادات منافسة تقلل من قوته . وفى بعض الأحيان حاولوا التخلص منه نهائيا(بالإغتيال) خاصة قبل فتح مدينة خوست والذى كان خطاً أحمراً ـ بإتفاق دولى بين الكتلتين ـ حتى يرغموا المجاهدين على قبول تقاسم السلطة مع الشيوعيين فى كابول . حتى أنهم نقلوا إلى حقانى تهديدا(بضربة نووية ) إذا إقتحم خوست !! .

لم يرضخ حقانى للتهديد النووى ، كما لم تردعه محاولة الإغتيال ــ ثم حاولوا إفشال إقتحام جرديز ، ونسجوا مؤامرة نجحت فى تعطيل المحاولة الأولى للفتح (أكتوبر1991) ولكن فى الربيع لم تسطع حامية المدينة تحمل الحصار والرعب الذى أصابها من تحفز المجاهدين ومناوشاتهم الدائمة والخطيرة .

فى مثل المجتمع الأفغانى فإن السياسة القبلية للمجاهدين هى عماد قوتهم السياسية وبالتالى قوتهم العسكرية . وبشكل عام فإن القوة السياسة الداخلية (داخل الوطن) هى عماد القوة فى مجال العمل السياسى الخارجى ــ والعكس غير ممكن ــ لأن القيادة التى تسيطر على زمام العمل الجهادى بدعم الخارجى عسكرى وسياسى ومالى وتسليحى ، لا يلبس أن تكون كارثة عظمى على شعبها ، سواء نجح مسعاها أو فشل ، فإن حمامات الدم تصبح حتمية . وقد شهدت أفغانستان ـ فى العصر السوفيتى ـ تلك الحالة ، خاصة فى مثالها الأهم وهى الأحزاب (الجهادية) فى بيشاور والتى تصدرتها شخصيات لا دور يذكر لها فى قيادة قبائلها أو شعبها .

فتسببت فى مآسى لأفغانستان سواء فى عهد الإحتلال السوفيتى أو فى عهد الإحتلال الأمريكى فكانوا ضد شعوبهم على الدوام وفى خدمة القوى الإستعمارية الخارجية التى تشترى خدماتهم ، وتصنع زعامتهم المزيفة .

ونظرا لخطورة موضوع السياسة فى الحروب ، سنعود إليه مرارا فى سياق هذا الكتاب .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/12/2018

www.mafa.world

جلال الدين حقانى 4

 




أزمة نووية تصنعها أمريكا تهدد أفغانستان وجيرانها

أزمة نووية تصنعها أمريكا تهدد أفغانستان وجيرانها

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

أزمة نووية تصنعها أمريكا

تهدد أفغانستان وجيرانها

لغز سقوط المقاتلة الأمريكية “F 35 B”

 

– بعد تسببها فى حرب تجارية ، أمريكا تسعى إلى الإبتزاز النووى ضد روسيا والصين .

– ماهى عواقب إلغاء أمريكا لإتفاقها السابق مع السوفيييت لحظر تطوير ونشر الصواريخ قصيرة والمتوسطة المدى ؟؟ .

– تسعى الولايات المتحدة إلى إشعال “فوضى عالمية خلاقة” تتيح لليهود جنى ثروات لم تخطر بعقل بشر .

– هل يبنى الإحتلال على أرض أفغانستان قواعد للصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى، لتهديد روسيا والصين وإيران ؟؟.

– على الدول التى يطالها التهديد النووى الأمريكى أن تعمل ضمن جبهة دولية، لإخراج المحتلين من أفغانستان ، ودعم حركة طالبان سياسيا وعسكريا .

– أين تنفق أمريكا 45 مليار دولار سنويا فى أفغانستان ، فى ظل الهزائم المتوالية وفرار الجنود من الجيش والشرطة بسبب خسائرهم الفادحة وإهمال الدولة لإحتياجاتهم ؟؟.

–  الطائرة الشبح : هل سقطت فى شرق أفغانستان أم فى شرق الولايات المتحدة؟؟

– الطائرة الأمريكية المعجزةB 35F تفشل فى مقابل منظومة بنادق ” لى أنفيلد 303″ الإنجليزية ، كما فشلت السوخوى السوفيتية فوق جبال “تورابورا” عام 1982.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

يتزايد الخطر الأمريكى على أمن وإستقرار العالم ، وتعتبر الولايات المتحدة هى التهديد الأكبر لسكان الكوكب. فبعد الحرب التجارية التى شنتها على أهم دول العالم ـ من بينهم حلفائها أنفسهم ـ إذ إنسلخت من إتفاقات دولية ، وفرضت عقوبات تجارية على نصف العالم بإدعاءات كاذبة وبلا أى حياء أو إحترام لقواعد التعامل بين الدول . وهى على وشك التسبب فى كارثة إقتصادية لمعظم دول العالم ، بتلاعبها فى أسعار النفط ، بعد فرض عقوبات متعسفة على إيران ، لمنعها من تصدير مليونى برميل يوميا من نفطها ، بما يهدد بإنفلات جنونى فى أسعار النفط . ثم الضغط على منظمة أوبك لزيادة إنتاجها لتعويض النقص المتوقع فى المعروض فى سوق النفط رغم علمها أن ذلك مستحيل عمليا . وتعمل فى الوقت نفسه على تقويض المنظمة ، وتشكيل تجمع آخر لمنتجى النفط يكون تابع تماما لسياستها الإستعمارية فى نهب ثروات الشعوب.

 

ثلاثة مسارات للحرب الإقتصادية التى تشنها الولايات المتحدة :

ــ ضربت سوراً من الحماية الجمركية على أسواقها متخلية بذلك عن سياسة العولمة الإقتصادية والأسواق المفتوحة .

ــ فرضت عقوبات إقتصادية على أصدقائها قبل أعدائها .

ــ صراع متغطرس مع إيران ثم منظمة الأوبك بما يهدد بإرتفاع كبير فى أسعار النفط ـ خاصة إذا فرضت عقوبات نفطية صارمة على إيران لمنعها نهائيا من صدير نفطها ـ وقد يسبب ذلك أزمة إقتصادية كبرى للدول غير المنتجة للنفط ، تؤدى إلى إضطرابات سياسية واسعة داخل تلك الدول ، وربما حروب إقليمية أيضا .  ويبدو أن ذلك هو الهدف الحقيقى الذى تسعى إليه الولايات المتحدة ، أى إشعال “فوضى دولية خلاقة” تتيح لليهود جنى ثروات لم تخطر بعقل بشر.

بالعناصر الثلاث السابقة تسعى أمريكا بكل قوتها وتحت مظلتها العسكرية لأن ترهب العالم ، وتعربد كما تشاء ضد كل المعاهدات والأعراف والقوانين الدولية  ، التى رغم جورها إلا أنها كانت تحفظ شيئا ضئيلا من الإنتظام فى الشئون المتصلة بالسلم والعلاقات الدولية ــ أى أنها تحقق نوعا من الوحشية الدولية المنضبطة بتوازن الرعب والردع متبادل ــ وذلك أهون الكفر.

مزقت الولايات المتحدة إتفاقها النووى مع إيران ، رغم مشاركة كل الدول الكبرى فى ضمانته ، وذلك بدعوى خروج إيران على الإتفاق . وهو إدعاء متبجح لأن هناك الوكالة الدولية للطاقة النووية ، المخولة بالمراقبة والتفتيش وتحديد التجاوزات فى برنامج إيران النووى . وتلك الوكالة لم تقدم أى إعتراض ، رغم جولاتها التفتيشية المتصلة والمشددة فوق العادة ، على البرنامج والمنشآت النووية فى إيران .

وفى المجال النووى الدولى يكرر ترامب نفس الرعونه متهما روسيا وبعدم إحترام الإتفاق الذى وقعته بلاده عام 1987 مع الإتحاد السوفيتى والقاضى بوقف تطوير ونشر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى (من 500كم إلى 2500كم) ، ومتهما الصين أيضا بتطوير ذات الأسلحة. وقالت وزارة الخارجية الصينية أن ربط الإنسحاب الأمريكى من المعاهدة بالصين هو خطأ تماما وأن ذلك الإنسحاب الأحادى من المعاهدة سيكون له أثار سلبية فى العديد من المجالات .

وقد نفت موسكو إتهامات ترامب بأنها طورت تلك الصواريخ ونشرتها بالفعل بما يهدد أوروبا ويعرضها لضربة نووية مع فترة إنذار ضئيلة.

إذا حسمت الولايات المتحدة أمرها بالإنسحاب من معاهدة القوى النووية (TNF) المبرمة مع الإتحاد السوفيتى . فستكون خطوتها التالية هى نشر شبكات صاروخية قصيرة ومتوسطة المدى موجهة للأراضى الروسية  وشبكات أخرى موجهة إلى الأراضى الصينية . حيث أن التهديد الأمريكى شمل الصين أيضا. فأين ستنشر أمريكا تلك الشبكات الصاروخية ؟. وهل ستكون الأراضى الأفغانية مرشحة لنشر تلك الصواريخ النووية الموجهة إلى روسيا والصين؟ حيث الموقع الجغرافى لأفغانستان يتيح لتلك الصواريخ أن تتطال روسيا والصين معا وتهديد إيران أيضا ، فى إطار الضغط عليها لتفكيك برنامجها النووى السلمى ، أو التهديد بتدمير ذلك البرنامج .

فما هى نتائج ذلك التطور المأساوى لسياسة الجنون الأمريكى عندما يصل إلى السلاح النووى بعد أن تخطى الجنون الإقتصادى والعقوبات المالية والحماية الجمركية ، تحت الشعار العدوانى الدائم لترامب (أمريكا أولا) الذى يذكر العالم بشعار هتلر(ألمانيا فوق الجميع)؟؟.

فإذا نشرت أمريكا صواريخها النووية القصيرة والمتوسطة المدى فى أفغانستان لتهديد روسيا والصين . فإن الدولتان وبعد إلغاء الإتفاقية ، ستتقدمان بقواعدهما الأمامية لتطال القواعد الأمريكية الجديدة فى أوروبا وأفغانستان ، أو أى دولة أخرى فى آسيا إستقبلت قواعد صاروخية أمريكية .

هذا الإحتمال ، الذى سيشكل تهديدا نوويا لأفغانستان لأول مرة فى تاريخها ، سيشكل تحديا جذرياً للإمارة الإسلامية ، ويفرض عليها تحركا سياسيا وعسكريا جديدا لمواجهته .

كما يفرض تحديا مماثلا على الجيران الإقليميين فى كل من الصين وروسيا وإيران .

–  أما حكومة كابول فلا تملك من أمرها شيئا . فهى العبد الذليل الذى لا يملك سوى أن يبصم موافقا على أى قرار يتخذه المحتل الأمريكى . موفرا بذلك ستارا من الشرعية الزائفة على العربدة الأمريكية وتجاوزها على دماء وثروات الشعب الأفغانى ، وأمنه ، وأمن المنطقة كلها إلى درجة التهديد بالدمار النووى .

–  سيفرض التهديد النووى الجديد على دول المنطقة إجراءات سياسية غير مسبوقة لتحدى الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، وتشكيل ضغط عالمى لإخراجه ورفع يده عن ذلك البلد . وترك شئونه الداخلية ليقررها شعبه بحريه بلا تدخل خارجى مهما كان مصدره .

فيجب أن تغير دول الأقليم سياسة الحياد الظالم ، الذى تقفه إزاء مآسى الشعب الأفغانى . فإن ممالأة الوضع الرسمى فى كابل والتعامل معه كأمر واقع ، تلك السياسة ستكون خطرا على دولهم . فالأمر تخطى العواصف الأمنية التى صارت فى ظل الإحتلال الأمريكى عادية”!!” ، مثل خطر الإرهاب الداعشى وخطر عصابات الجريمة المنظمة من تهريب المخدرات إلى الإتجار بالبشر ، حتى وصلت الأخطار إلى الإبتزاز النووى ، وخطر الإبادة الشاملة لشعوب المنطقة والعالم .

يجب إعتبار حركة طالبان حركة دفاع عن حقوق شعبها والدفاع عن أمن المنطقة عموما . ويجب دعم هذه الحركة بشكل جماعى ومنظم من حكومات المنطقة ، وإمدادها بكل ما يلزم من دعم سياسى وإعلامى وتسليحى ، كى تمارس ذلك الحق المشروع ، الذى أصبح حقا دفاعيا مشتركا لجميع دول المنطقة وشعوبها . فقد تعدى الخطر الأمريكى كل الحدود المحتملة ، وأصبحت المنطقة والعالم على شفا كارثة نووية ، بعد أن كان إلى وقت قريب يواجه فقط كارثة إقتصادية عالمية تصنعها أمريكا .

هل تجهز أمريكا قاعدة صواريخ نووية فى أفغانستان ؟:

هذا سؤال يطرح نفسه بجدية على ضوء الأزمة النووية التى إحتدمت مؤخرا مع روسيا والصين ، نتيجة الإتهامات الأمريكية للدولتين بتطوير أسلحة نووية قصيرة ومتوسطة المدى وبالتالى إعتزامها نقض إتفاقية حظر تطوير ونشر تلك الأسلحة .

بالتأكيد سيترتب على ذلك نشر أمريكى لتلك الأسلحة على الأراضى الأوربية ، ثم تجميع الإتاوات المالية مقابل تلك الحماية التى لم يطلبها أو يرغب فيها أحد فى أوروبا !! .فالخطر تصنعه أمريكا ، ثم ترشح نفسها مدافعا أوحدا ، ثم تطالب الضحايا بدفع ثمن الحماية التى كلفت أمريكا الكثير . وهذا ما يسمى (البلطجة الدولية).

أفغانستان التى تمرح فيها قوات المحتل بلا حسيب أو رقيب ، لينهب الثروات ويصنع تشكيلات داعش ويوزعها حول العالم مهددا بها روسيا والصين وإيران ودول آسيا الوسطى ، والهيروين الذى ويوزعه على العالم بمئات المليارات من الدولارات سنويا . تماما كما سيفعل مع الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى .

يقول الأمريكيون أنهم ينفقون على إحتلالهم أفغانستان مبلغ 45 مليار دولار كل سنة . فأين يذهب هذا المبلغ الخيالى ، والذى يعادل تسعة أضعاف ما كان ينفقه السوفيت سنويا على إحتلالهم لأفغانستان خلال الثمانينات الماضية .

علما بأن جنود الجيش الأفغانى ـ حسب شكاويهم الموثقة ـ يعانون الجوع وغياب العناية الصحية ، والإفتقاد إلى الدعم الكافى أثناء المعارك . وفى حال الوفاة أو إنتهاء الخدمة يعانون الأمرِّين هم وعائلاتهم للحصول على مستحقاتهم . بل تتعرض نساؤهم للإغتصاب فى مقابل الحصول على الحقوق المالية !! . { فى تقرير شهر أغسطس  الماضى والذى رفعته لجنة الدعوة والإرشاد جاء أن عدد الجنود الذين هربوا من الجيش وانضموا إلى الإمارة الإسلامية بلغ 877 جنديا ــ حسب مجلة الصمود العدد 152 ص 31 ــ قالت المجلة أيضا أن نسبة الهاربين من الخدمة العسكرية أثناء تواجدهم فى الولايات المتحدة بلغت 13% عام 2016 }. وقال أحد الخبراء فى مجلة “فورن بوليسى” أن ذلك يُذَكِّرْ بأجواء إنهيار جيش فيتنام الجنوبية الذى شكلته الولايات امتحدة ليقاتل إلى جوارها هناك.

يفر مئات الجنود شهريا ، وينضم بعضهم إلى صفوف طالبان . أما الشرطة فأحوالها أسوأ . وإشتكى أحد زعماء كابل المتحولون من أن معدل خسائر الشرطة عالٍ إلى درجة أنها مهددة بالزوال !! .

أين مبلغ 45 مليار دولار المخصص للإنفاق سنويا على الإحتلال ؟؟ .

وأين تذهب تلك الإعتمادات المالية الهائلة ؟؟ .

لا يمكن سرقة كل ذلك المبلغ ، كما لا يمكن إنفاقه على العمل العسكرى المنكمش بإستمرار فى مقابل إنتصارات دائمة لحركة طالبان وتوسع مضطرد فى مساحات الأرض المحررة .

يكون منطقيا إذن لو تساءلنا إذا كان ذلك المبلغ ينفق على بناء قواعد جديدة لصواريخ نووية تهدد الثلاثى الإقليمى الأهم : روسيا ـ الصين ـ إيران ؟؟ .

ويكون منطقيا أيضا لو تولت اللجنة العسكرية فى حركة طالبان تناول ذلك الموضوع الخطير مع دول الجوار سعيا إلى موقف ضمن جبهة عالمية وإقليمية لدعم جهاد الشعب الأفغانى سياسيا وعسكريا ، والضغط على الإحتلال الأمريكى للإنسحاب فورا بدون قيد أو شرط .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

لغز سقوط المقاتلة الأمريكيةF35 B  :

أذاعت وكالات الأنباء العالمية أن طائرة أمريكية من طراز F35B سقطت يوم الجمعة (28سبتمبر الماضى) بعد أولى طلعاتها القتالية على موقع لحركة طالبان أفغانستان فى اليوم السابق أى “الخميس27 سبتمبر” .

الوكالات أسبغت صفات القوة والخطورة على الطائرة ، فقالت أنها أسطورة القوات الجوية الأمريكية . وأنها طائرة (شبح) لا ترصدها الردارات ويصل سعرها إلى 115 مليون دولار لتكون هى الطائرة الأغلى فى العالم .

وذكروا أن الطائرة سقطت يوم الجمعة أثناء مهمة تدريبية فى شرق الولايات المتحدة ، وأن التحقيق دائر لمعرفة سبب السقوط ، وأن “التفسيرات المحبطة” تلوح أمام المحقيقين ، وأن “خللا غامضا ” فى الطائرة أجبر قائدها على القفز منها .

ويقول الخبر أن تلك الطائرة نفذت يوم الخميس طلعتها القتالية الأولى على مواقع حركة طالبان فى(قندهار) ، بمشاركة أكثر من طائرة أقلعت من سفينة الهجوم البرمائية (يو إس إس أسيكس). معنى ذلك أن الطائرة التى شنت غارتها “القتالية” الأولى بنجاح (يوم الخميس)فى ولاية قندهار فشلت (يوم الجمعة) فى تنفيذ “مهمة تدريبية” فى شرق الولايات المتحدة !!! .

–  عن نفس الغارة قالت مصادر حركة طالبان أن الطائرة B35F أغارت على مواقعهم فى ولاية ننجرهار فى يوم (الجمعة 28 سبتمبر)، وليس يوم (الخميس 27سبتمبر) فى ولاية قندهار كما يقول الأمريكيون . ومعنى بيان طالبان أن الغارة والسقوط كانا فى يوم واحد هو الجمعة ، أى فى نطاق عملية عسكرية واحدة فى أفغانستان  وليس عطل فنى فى أراضى أمريكا . لم يتحدث بيان طالبان عن سقوط أو إصابة الطائرة ، ربما لأنها طائرة شبح يمكنها إخفاء إصابتها والسقوط بعيدا عن ميدان المعركة وعن أعين الشهود .

ملاحظة : دائما ما يتدخل الطيران الأمريكى فى ننجرهار لوقف زحف قوات طالبان على أوكار داعش فى جبال ولاية ننجرهار .

مرة أخرى :   يوضح بلاغ حركة طالبان أن طائرة من طراز B35F أغارت على مواقعهم يوم الجمعة 28/9 أى فى نفس اليوم الذى أعلن الأمريكيون فيه عن سقوط طائرتهم B35F  فى شرق الولايات المتحدة . وأن الغارة تمت فى ننجرهار وليس قندهار.

إذاً لا يمكن أن نستبعد أن الحديث يدور عن نفس الطائرة . أى أن نفس الطائره التى أغارت على ننجرهار يوم الجمعة قد سقطت فى أفغانستان يوم الجمعة . أما سبب السقوط فلا بد أن يكون (شئ ما) أطلقه المجاهدون على الطائرة !! .. قد يكون طلقة من بندقية إنجليزية قديمة . فأى طائرة أمريكية تسقط فى أفغانستان يدَّعى الأمريكيون فورا أنها سقطت نتيجة “خلل فنى” . وكأن ذلك “الخلل الفنى” أصبح سلاحاً سرياً تستخدمه حركة طالبان فى دفاعها الجوى ضد الطائرات .

–  إذاً لن تكون الطائرة المعجزة B35F خارج نطاق أسطورة الخلل الفنى ، فهى أيضا سقطت لأسباب فنية .. ولكن أين سقطت ؟؟ .

هل فى شرق الولايات المتحدة حقا؟؟ أم فى إقليم ننجرهار شرق أفغانستان فوق أحد الجبال الشاهقة وهى فى الطريق لهبوط إضطرارى فى مطار بجرام مثلا . أم سقطت فى البحر قبل أن تستطيع الهبوط فوق {سفينة الهجوم البرمائية يو إس إس أسيكس} . أم سقطت فى مكان ما فوق صحارى وجبال طريق العودة ؟؟.

ملاحظة : شهد إقليم ننجرهار عام 1982 سقوط أول طائرة سوخوى سوفيتية فوق جبال (تورابورا) تحديدا . و قتل أحد طياريها وأسر الآخر. وقد سلمته باكستان إلى حكومة بلاده بعد فترة وجيزة . والسلاح المستخدم كان بندقية إنجليزية قديمة من طراز” لى أنفيلد”.

لا ننتظر أن يتمتع الجيش الأمريكى بشئ من الشجاعة فيعترف أن طائرته المعجزة B35F (110 مليون دولار)،قد سقطت بطلقة ثمنها (10 سنت أمريكى) أثناء أداء مهمتها القتالية الأولى شرق أفغانستان . فتسقط بالتالى فى صراع المبيعات المستعر بينهم وبين الروس فى سوق السلاح الدولى .

السقوط .. قضاء وقدر

يتوالى سقوط الطائرات الأمريكية فى أفغانستان ، بفعل القضاء والقدر و”الأعطال الفنية ” .

– فى (24 أكتوبر) أسقط المجاهدون طائرة كبيرة بدون طيار فى ولاية قندهار .

– فى (22 أكتوبر) أسقطوا مروحية أمريكية ضخمة فى ولاية لوجر جنوب كابل، بإستهداف مباشر بالنيران أثناء محاولة هبوطها بقوات خاصة أمريكية ومحلية .

وقد وصلت طائرات الهيلوكبتر الأمريكية لنقل الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى …

ومازال سقوط الطائرات يتوالى .

الطائرة الأمريكية المعجزةB 35F فى مقابل

منظومة بنادق ” لى أنفيلد 303″ الإنجليزية .

–  تمتلك إسرائيل طائرات 35ــF الأمريكية . وهى تتحسب كثيرا لمنظومة 300S الروسية المضادة للطائرات ، والتى زود بها الروس الجيش السورى . لهذا يتدرب الطيارون الإسرائيليون فى أوكرانيا التى تمتلك نفس المنظومة الروسية ، و تقدم أوكرانيا لليهود خبراتها وتكشف لهم نقاط الضعف فى المنظومة الروسية .

شئ مماثل فعله الإسرائيليون مع اليونان ، التى تمتلك أيضا منظومة صواريخ 300S . ولكن بعد ما نرجح أنه حدث فى أفغانستان لطائرتهم المعجزة B35F ، فإن الجيش السورى أو حزب الله أو أى دولة تهددها الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية من طراز 35F ما عليهم إلا عقد صفقة مع المجاهدين الأفغان لشراء (منظومة) بنادق ” لى أنفيلد 303 ” الإنجليزية  من طراز عام 1914 مُعَدَّل ، والتى أثبتت كفاءة تامة فى إسقاط B35F من الغارة الأولى، وربما من الطلقة الأولى .

تقول المعلومات الصحفية: أن الطائرة   F 35 Bأسرع من الصوت ، ولا يرصدها الرادار، وتتميز “برشاقة” فى التحليق (وفى السقوط أيضا)، بدأ العمل عليها فى تسعينات القرن الماضى فى مشروع تكلفته 400 مليار دولار . وسقوط “طائرة أفغانستان” هو الحادث الأول التى يقفز فيه بالمظلة طيار لهذا النوع من الطائرات .

ولن يكون ذلك هو السقوط الأخير لهذا الصنف من الطائرات الشبح الذى تستطيع إلتقاطه بنادق “لى أنفيلد” ، التى يمكن الحصول عليها من أفغانستان بسعر عشرة دولارات للبندقية الواحدة . أى أن منظومة مكونة من عشرة بنادق مضادة لطائرات F 35 B ستكلف فى حدود مئة دولار فقط !! … فمن يشترى تلك الطائرات؟؟.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world

 




جلال الدين حقانى 3

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 3

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 3 )

– الغنائم .. نعمة ومشكلة . وكانت فى حاجة إلى إجتهاد جديد

– حكمة حقانى وبعد نظره ، كانت سببا فى تفادى القتال الداخلى ، والوصول إلى فتح كامل لمدينة خوست وإقتحام جرديز .

– عمليات ” الغلول” والكبيرة المنظمة ، كانت ذات بعد سياسى لتعطيل الفتح وإستبداله بالفتن القَبَلِيَّة .

– حقانى كان “بنك إقتراض” معتمد لدى المجاهدين وتجار القبائل ، فتمكن من عبور أزمات التسليح والإمداد .

– الطلقة الثالثة ثابتة .. فى المدفع البلجيكى المضاد للطائرات !! .

– جاهد حقانى لإسقاط أسطورة الطيران الذى لا يقهر. والحفريات التى قام بها أفشلت أسلحة العدو المتقدمة .

– قصة السلاح الأول المضاد للدروع (ضد الدبابة) وكيف غنمه المجاهدون واستخدموه فى نفس المعركة .

– البراعة السياسية لحقانى لا تقل عن موهبته العسكرية ، وكانت سببا لعبوره من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

عندما تركنا موقع ” مطيع الله ” فى الأورجون ، كان الرجال يجمعون الغنائم فى خيمة واحدة ، مليئة بالأسلحة وأجهزة اللاسلكى وصناديق الذخيرة . وعندما وصلنا إلى مركز”سرانا” عند مولوى جلال الدين حقانى ، كانت عملية مشابهة تجرى فى مكان قريب من المركز ، بعد المعركة الكبرى فى منطقة إبراهيم خيل .

 

حديث فى سرانا عن بخارى وسمرقند :

شارك حقانى ورجاله فى المعركة إلى جانب رجال”ابراهيم خيل ” الذين هم أحد بطون قبيلة زدران . كانت الغنائم كبيرة جدا وذاع نبأ النصر والغنائم بسرعة كبيرة فى الولايات القريبة ومنها ولاية غزنى . قابلت “مولوى” شاب قادم من هناك ، وصل إلى قمة الجبل حيث يقيم حقانى . كان يجيد العربية ، وكالعادة أدهشه وجود عربى فى ذلك المكان . وبدأ الحديث معى وهو مازال متقطع الأنفاس .

دار بيننا حواراً شيقا ، ورغم قصره إلا أنه لمس عدداً من النقاط الحساسة ، منها سؤال عن “مذهبى” لم أدرك مغزى وخطورة السؤال إلا بعد ذلك بسنوات . وهو الآن أصبح ذو أبعاد أخطر بعد ظهور الحركات الوهابية المسلحة . وإنتقال داعش إلى أفغانستان لتكون خير عون للإحتلال الأمريكى .

عندما سألت المولوى الشاب عن برنامجهم للجهاد . قال أنه بعد تحرير أفغانستان سوف يتوجه المجاهدون لتحرير بخارى وسمرقند من إحتلال الروس .أصابتنى إجابته بصدمة ، أولا لأن هناك من المسلمين من يتذكر إلى الآن تلك الأسماء التاريخية (المندثرة). وثانيا بينما الجهاد مازال يحبو بصعوبة فى خطواته الأولى ، فإن ذلك الشاب يتحدث عن تحرير بخارى وسمرقند ، وليس جرديز القريبة أو خوست الأبعد قليلا .

سألته عن سبب قدومه إلى سرانا ، فقال إنه يريد سلاح ” ضد الدبابة” . كنت أعتقد أن الطائرة هى أخطر سلاح فى العالم . وقد تأكد لى ذلك فى بداية طريقنا إلى أفغانستان ، عندما شاهدنا الطائرات وهى تدمر عددا من القرى ، ولم نشاهد أى دبابات .

قال شارحا السبب : أن الطائرات تقصف وتمضى فى حال سبيلها ، أما الدبابات فتجلس فى القرى ومعها الجنود الذين يقتحمون البيوت ويعتدون على الأموال والأعراض.

ثم قال: سمعت أن مولوى حقانى حصل فى غنائم المعركة الأخيرة على سلاح”ضد الدبابة” ـ هكذا كان إسم ذلك السلاح بين المجاهدين فى ذلك الوقت ـ وجئت للحصول على واحد منها .

تعجبت لسرعة إنتقال الأخبار بين الولايات رغم عدم وجود وسائل إتصال حديثة . وهكذا من قرية مجهولة بين جبال باكتيا إلى قرية فى صحراء غزنى يطير الخبر خلال ساعات .

 

نعمة الغنائم ، ومشاكلها :

بعد تجميع الغنائم كان يجرى تخميسها ، بحيث يحصل المجاهدون على أربعة أخماس الغنائم ، ويذهب الخمس الباقى إلى “بيت المال” أو قيادة الجبهة . ولهذا النظام مرتكز شرعى صحيح إلا أن تطبيقه كان يحتاج إلى إجتهاد جديد ، لأنه فى ظروف الحرب الحديثة ومعداتها كان التقسيم يؤدى إلى ضياع جزء كبير من إمكانيات قتالية هامة ، وإلى عجز مالى كبير لدى قيادة الجبهات إذا حاولت شراء المعدات الثقيلة الهامة من مدافع ودبابات وذخائر. لذا كان معظم تلك المعدات الهامة يذهب ليباع فى أسواق السلاح الحدودية . وعند محاولة شرائها مرة أخرى كانت أسعارها تتضاعف ، هذا إن وجدت أصلا ، لأن جهات معنية بإفشال الجهاد وعرقلة مسيرته ، كانوا يجمعونها بأى سعر ثم يخفونها عن الأنظار. لم تكن تلك مشكلة عادية إذ أوشكت بالفعل على كبح إنتصارات المجاهدين ووقف الجهاد قبل التحرير الكامل . أى إجبارهم على الدخول فى مساومات تقسيم السلطة بين السوفييت والأمريكيين .

وكانت الغنائم وتوزيعها وظهور الإحتياج إلى الأسلحة الثقيلة وذخائرها من المشكلات الكبيرة التى واجهت القيادات الجادة المخلصة من أمثال حقانى . وظهرت فى وقت لاحق مشكلة “الغلول” أى سرقة الغنائم أو إختطافها بالقوة . أحد الأحزاب إتخذ من تلك الجريمة منهجا ثابتا لرجاله فى الجبهات ليضعهم أمام خيارين إما الدخول معهم فى صدام مسلح وفتنة بين المجاهدين أو الرضوخ للأمر الواقع حفاظا على وحدة المجاهدين .كان حقانى يفضل الخيار الثانى . تكونت مجموعات خلف الحدود الباكستانية بأعداد كبيرة لإختطاف الغانائم من أيدى المجاهدين . وعملية الغلول كانت تحدث عادة فى الدقائق القليلة الحاسمة قبل نهاية المعركة ، بحيث تضع المجاهدين الحقيقيين أمام خيارين : إما ترك المعركة وإفشالها حتى يمنعوا غربان الغلول ، أو إنهاء المعركة والرضا بالقليل من الغنائم التى تبقت.

معركة فتح خوست التى بلغ فيها المجاهدون بقيادة حقاتى قمة تطورهم العسكرى ، شهدت أيضا قمة التطور فى فن جريمة الغلول . ولولا حكمة حقانى وبعد نظره لوقعت مجازر كانت ستؤدى حتما إلى فشل الفتح سواء فى خوست أو فى جرديز . وفيها تبدت بوضوح الأبعاد السياسية لعمليات الغلول، وأنها تهدف إلى حرف المجاهدين عن الفتوحات وتحويلهم إلى الفتن القبلية بديلا عنها ( ولنقارن ذلك مع فتنة داعش الآن ، والتى تفرض الفتن الطائفية والعرقية كبديل عن جهاد العدو المحتل ) . وليس سرا أن نقول أن بصمات الحكومة الباكستانية كانت واضحة ، وكذلك أحزاب بيشاور ، خاصة حزب حكمتيار الذى هو تشكيل باكستانى أكثر منه أفغانى ، أى خاضع لإدارة كاملة من المخابرات الباكستانية (ISI). ذلك الحزب كانت له اليد الطولى فى عمليات الغلول داخل أفغانستان ، ومع ذلك فقد كان الأسرع دوما إلى إصدار بيانات من بيشاور تنسب أى إنتصار داخل أفغانستان إلى الحزب الذى كان يحظى بدعم كامل من الإعلام الباكستانى . بالطبع كانت هناك مجموعات إجرامية مستقلة كانت تعمل فى خطف الغنائم ، بل وعمليات سرقة وقتل بهدف السرقة ، ولكن ضررها كان محدودا جدا مقارنة بالعمل المنظم ذو العمق السياسى لعمليات الغلول . حتى العمليات الإجرامية محدودة الحجم كانت ذات دلالات سياسية أحيانا ، مثل البحث عن العرب تحديدا، لقتلهم فى الجبهات أو على الحدود أو فى العمق الباكستانى . ولكن إهتمام المتطوعين العرب بمثل هذه الأشياء كان وقتيا ومحدودا ، فلديهم برامج أخرى ، وكانوا يفتقدون إلى قيادة مركزية جامعة . فالعربى الذى يغتال أو يستشهد كان موضع إهتمام أصدقائه المقربين فقط ، أو على الأكثر الجماعة أو التنظيم الذى يتبع له. وكثرة شهداء أى تنظيم كانت تحمل دعاية مباشرة له ، لذا كانت خير وبركة من وجهة نظر تنظيمية .

حركة طالبان فيما بعد طبقت إجتهادا جديدا إذ إحتجزت كل الغنائم “لبيت المال” ، فى مقابل ما يحصل عليه المجاهدون من إمدادات قتالية وأحيانا مكافآت مالية . وفى هذا التطبيق بعض الصعوبات أيضا ، مع أنه حل جانبا هاما من المشكلة .

 

حقانى .. بنك معتمد :

سألت حقانى عن سلاح ” ضد الدبابة ” وكم قطعة غنموها . فأجاب أن نصيب “بيت المال” كان قطعتان فقط ، واحد منها سليم تماما والآخر محترق بحيث لم يتبق منه سوى الهيكل الحديدى ، وقد ذابت كل القطع البلاستيكية . وقد رأيته وكان مشوهاً بالفعل .

فسألته كيف سيتصرف مع المولوى القادم من غزنى ، قال أنه سيشترى قطعة سليمة من أحد المجاهدين ، ويعطيها له . كنت أعلم أن حقانى لا يمتلك نقودا فى الوقت الراهن ، ولكننى إستحيت أن أسأله كيف سيشترى ذلك السلاح؟؟.

بعد قليل رأيت مجاهدا جبليا خشنا يخرج من غرفة حقانى وهو يمسك ورقة صغيرة فى حجم نصف الكف ، وهو يحملق فيها مذهولاً وعلى وجهه إبتسامة سعادة ودهشة .

سألت عن سر هذه الورقة المدهشة . فعلمت أن ما فى يده هو إيصال بالمبلغ الذى تعهد حقانى بسداده ثمنا لسلاح (ضد الدبابة) الذى باعه إليه ذلك الرجل .

أدركت وقتها مدى الثقة التى يتمتع بها حقانى بين رجاله ، لدرجة أن هذا المجاهد الفقير إعتبر أن تلك الورقة هى مال حقيقى حصل عليه . وأثبتت الأيام أن ثقة الرجال بذلك القائد هى أكبر من ذلك بكثير . جانب من هذه الثقة يعود إلى كونه عالم دين وهى منزلة محترمة جدا إجتماعيا. جانب آخر من الثقة يعود إلى مميزاته الأخلاقية العالية وقدراته القيادية الفريدة . فهو صادق ودود مع رجاله وحازم فى قيادته . وكان الأشجع على الدوام ، وهى صفة ذات منزلة كبيرة بين رجال القبائل ، وهى تلى مباشرة منزلة عالم الدين . تلك المميزات لحقانى مكنته من تعويض النقص فى الذخائر والأسلحة والمهمات من طعام ووقود ، معتمدا على مصداقيته فى الأسواق القبلية ، حيث منحة التجار قروضا وصلت إلى ملايين عديدة فى بعض الأوقات ، أو باعوه بالأجل جميع متطلبات جبهته ، معتمدين أنه رجل صادق أولا ، ثم أنه منتصر دوما ويربح الغنائم الكثيرة وقادر على السداد .

 

حقانى فى أكاديمية الجهاد :

بالتدريج كانت قوة المجاهدين تزداد ، والمعارك تكبر من ناحية الحجم والشدة. قدرات حقانى القيادية كانت تنمو معها بإستمرار . فهو الرجل ذو التعليم الدينى ، والذى لم يخدم يوما فى الجيش، كان يتعلم الحرب بالممارسة ، وبالملاحظة العميقة والذكية ، وبالإستفادة من أى معرفة تأتيه من أى جانب كان ، حتى من أسراه العسكريين .

كان يجلس مطولا مع الأسرى ، خاصة الضباط منهم . ويسألهم كثيرا عن كل شئ يتعلق بحياتهم العسكرية وأحوال الجيش المعنوية والقتالية وعن الأسلحة الموجودة لديهم وتكتيكاتهم فى القتال ويطلب منهم تقديم خدمات لتدريب المجاهدين على بعض الأسلحة الجديدة ، وعن إصلاح تلك الأسلحة إن أمكن .

قرب نهاية رحلتنا الأولى ، جاء إلى “سيرانا” حوالى عشرة من الضباط متوسطى الرتب ، فروا من جرديز ، حاملين معهم ثروة من المعلومات الداخلية ، تقود إلى نتيجة واضحة وهى أن النظام يتهاوى ، وأن الجيش بدأ فى رفض الحرب القائمة . وأن تمردا حدث فى أحد الألوية فى كابول . وتمردا آخر لضباط فى جرديز مع جنودهم ، كانت منهم تلك المجموعة .

بعضهم كانوا ضباطا فى سلاح الدبابات ، فطلب منهم حقانى الذهاب إلى موقع المعركة الأخيرة ، لبحث إمكانية إصلاح شئ من الدبابات والمدرعات والمعطوبة هناك . أمضوا هناك قرابة اليوم وعادوا بنتيجة سلبية ، بأن لا شئ هناك قابل للإصلاح . فالمجاهدون إنتزعوا من الدبابات كل شئ يمكن لهم خلعه ، ثم أحرقوا باقى الدبابة . شعر حقانى بالأسف وأنا أيضا شعرت بالأسف ، لأن المجاهدين على شجاعتهم الكبيرة ، فى حاجة إلى الكثير من التعليم والتدريب ، وأيضا الأمكانات الحديثة . بإختصار كانوا فى حاجة إلى عناصر بشرية إسلامية إضافية ، وتخيلت وقتها أن المتطوعين العرب هم ذلك العنصر المفقود . ولكن بعد سنوات تمنيت لو أن العرب لم يأتوا إلى أفغانستان ، إذ خلقوا مشكلات أكثر وقدموا إيجابيات أقل مما توقعت.

 

“إبراهيم خيل” خطوة مبكرة لفتح خوست :

–  لم يقص عليَّ حقانى تفاصيل معركة (إبراهيم خيل) ، معتبرا إياها مجرد واحدة أخرى من المعارك . وهى لم تكن كذلك بالضبط ، لأنها منعت الجيش الحكومى ، وحتى السوفيتى فيما بعد، من مجرد التفكير فى المرور بالقوة من ذلك الطريق . أى أن معركة “إبراهيم خيل” كانت البداية المبكرة والخطوة الأولى لفتح مدينة خوست بعد مشوار طويل (أكثر من عشر سنوات) من المعارك الحافلة بالبطولة والإنتصار، كما لم تخلوا من الهزائم والخيانة .

والعبرة هى : إن أى إنتصار جزئى هو خطوة ضرورية على طريق الإنتصار الكامل.أقول ذلك لأنه فى فترة لاحقة شاع فيها اليأس والإنهزامية بين المتطوعين العرب بعد أن طالت المدة وكثرت عوامل الإحباط ، فكانوا يستصغرون شأن أى إنتصار جزئى قائلين ( إن ذلك النصر الصغير لن يحرر أفغانستان). إن النصر فى حروب العصابات هو عملية تراكمية طويلة. فالإستثمار الإيجابى لعملية كسب الوقت (بالتجهيز والتنظيم والتدريب) هو محور أساسى لتلك الحروب .

–  كان لابد من إتفاق “سياسى” وبالأحرى ضخ الكثير من الأسلحة والأموال بين أيدى القبائل لشراء ولائها ، لضمان عبور دائم وآمن لقوات الجيش على ذلك الطريق الحيوى ، ولكن كان حقانى هو العقبة الكبرى . وظل ذلك الوضع قائما حتى شتاء(1987 ـ 1988) حين تمكن الروس من كسر ذلك الحاجز بقوة الخيانة التى كان نجمها الساطع (عبد الرسول سياف) زعيم حزب الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، متحالفا مع الجنرال نظر محمد وهو من قبائل زدران ، وشغل يوما منصب وزير الدفاع فى الحكومة الشيوعية. وفى تلك المعركة أصيب حقانى فى المعركة بجرح كبير فى ركبته ، وتمكن مرافقوه من حمله بصعوبة من خلال الثلوج حتى يتم علاجه بعيدا عن نيران العدو .

العدو بحماقته ساهم فى تخليد ذكرى هزيمته المدوية فى “إبراهيم خيل”، بأن جعل الدبابة الوحيدة التى نجت من المحرقة ، رمزا على بوابة أحد القيادات العسكرية فى بداية طريق خوست . واضعا تحتها لافتة حجرية كتب عليها (الدبابة البطلة!!)،حسب طريقة التمجيد السوفيتية . وكتبوا على اللافتة تاريخ المعركة التى نجت منها الدبابة منفردة وكسيرة الجناح .

إغلاق هذا الطريق كان ركيزة أساسية لمعارك فتح خوست بأن وضع المدينة تحت حصار برى إستمر حتى شهر مارس من عام 1991 حين إقتحم المجاهدون المدينة بعد معركة ضارية إستمرت ثلاث أسابيع.

خلال تلك المدة كان إمداد المدينة يعتمد فى الأساس على الإمداد الجوى عبر مطار المدينة . ومن هنا كانت أهمية إغلاق المطار وإخراجه من الخدمة ، قبل ستة أشهر تقريبا من إقتحام المدينة ، فى معارك ليلية بالراجمات إستمرت ما يقرب من شهر.(عن معركة إغلاق المطار قال عرب محبطون أن تلك العملية لن تحرر أفغانستان ـ رغم أن الذين قاموا بها كانوا عربا نسقوا جيدا مع مجموعات المدفعية والمراقبة اللاسلكية الأفغانية).

فتح المدينة تم بنجاح تام بقيادة حقانى فى مارس عام 1991 . فقيادتة كانت سببا مباشرا لذلك الفتح ، بعد معارك جزئية ضارية إستمرت لسنوات ، دفع فيها مئات الأبطال أرواحهم فى الجبال المحيطة بالوادى وفى السهول والقرى المحيطة بالمدينة .

وأبرزت معركة فتح خوست قمة التطور فى قدرات حقانى كقائد هو الأبرز فى كل الحرب ضد السوفييت بإنجازاته العسكرية التى توجها بفتح خوست ثم إقتحام مدينة جرديز ، التى بعدها بأيام تهاوت كابول نتيجة تصدعاتها الداخلية وتحلل جيشها وإنقلاب المكونات المتحالفة داخل النظام الشيوعى .

– لابد أن نشير هنا .. وسنعود لاحقا ومرارا.. إلى التأكيد على أن موهبة حقانى العسكرية والقيادية ، كان تماثلها مهاراته السياسية فى التعامل مع القبائل . وتلك نقطة خطيرة سنعود إليها مرارا . لأنها سر كبير فى بقاء وإستمرارية حقانى . عكس كثير من الأبطال الكبار الذين طوتهم المؤامرات الداخلية والخارجية . حتى أصبح حقانى قوة لا يمكن تجاوزها فى باكتيا ، وبالتالى كل أفغانستان . ومن ذلك إستمد قوة سياسية فى المجال السياسى الخارجى أيضا، فاستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

– ونضيف أيضا أن نجاح حركة طالبان والإمارة الإسلامية ، وقدرتها على الإستمرار والإنتصار ، يرجع أساسا إلى براعتها التى لا تضاهى فى التعامل مع المجتمع القبلى فى أفغانستان. و تلك النقطة تحديدا جعلت من حقانى وحركة طالبان نسيجا واحدا إسلاميا وأفغانيا أصيلا ، لا يمكن عزله أو إقتلاعه من التربة الأفغانية أو تعمد نسيانه أو تجاهله، من الآن وإلى قيام الساعة .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

فى مواجهة الطائرات : الطلقة الثالثة .. ثابتة :

الطيران معضلة دائمة تواجه حرب العصابات فى كافة مراحلها . خاصة فى مرحلتها الأولى حيث تنعدم الخبرة اللازمة، إلى جانب نقص الأسلحة الثقيلة الملائمة “لتخويف” الطائرات ، أو إسقاطها بفضل الدعاء إلى الله .

أول تجربة مباشرة عاصرتها مع الطيران ، فى مرحلة الحرب الأولى كانت عند حقانى فى مركز سرانا . حيث حطم نظرتى لسلاح الطيران بشكل غير متصور . كنت أعرف أن الحرب التقليدية تحسم فى السماء أولا فمن يسيطر عليها يكسب المعركة . ونتيجة لتجربة بلادنا فى حرب 1967 روج النظام المصرى بشدة لقدرة الطيران الخارقة فى كسب الحروب ، وكتبوا عن قدرات الطيران الحديث أشياء كثيرة، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه لتبرير هزيمتهم المخزية . بهذه الخلفية عن الطيران بما فيها من صواب وخطأ وتشويش ـ وجدت نفسى أصطدم مع “العقيدة العسكرية ” لحقانى .

أخذنى حقانى إلى أعلى قمة فى الجبل كى يطلعنى على قمة تطورهم التسليحى ، وقدراتهم “لمكافحة ” طيران العدو . كان سلاح ” الدفاع الجوى” ـ إن جازت التسمية ، وهى قطعا لا تجوز ـ عبارة عن مدفع صنع فى بلجيكا لحساب ” الجيش الملكى الأفغانى” عام 1941 حسب ما هو منقوش على لوحة على سطح السلاح ـ الرامى على المدفع شخص واحد هو “بادشاه” أى الملك ، وهو إبن عم حقانى ، وشخصية لم يصادفنى لها نظير فى كل ما تلى ذلك من سنوات .

متوسط الطول ذو جسد صلب قد من صخور “ساتى كاندو” . عيونه زرقاء مثل شاهبين ثاقبين . كان مشهورا بالشجاعة ، وفى ذلك مبالغة كبيرة ، لأنه فى الحقيقة لم يسمع يوما عن شئ إسمه خوف ، كان هكذا بالفطرة . كان واحدا من أبناء عمومة حقانى الذين وقفوا إلى جانبه بكل ما يملكون . ونتيجة لصفاته سالفة الذكر كان هو الأنسب فى كل أفغانستان الذى يمكن أن يقف ذلك الموقف الذى شاهدته . هو ومدفعه العتيق متمركزان تماما على خط الأفق على قمة الجبل . فأصبحا معلما بارزا تراه جميع طائرات العالم . تلك كانت مواصفات الرجل .

أما مميزات المدفع الذى يعمل عليه (بادشاه) فهى أنه يتعطل فى الطلقة الثالثة ، فينحشر المظروف فى ماسورة السلاح ، بكل دقة وبلا تأخير أو تقديم فى عدد الطلقات . لم يعجبنى شئ مما رأيت أو سمعت . فقد رأيت أن “بادشاه” سوف يستشهد عاجلا وليس آجلا . وذلك المدفع المستهلك سيكون سببا لهلاكه ، وجاذبا للطائرات صوب مقر القيادة الذى يقيم فيه حقانى . وبذلك يتعرض هو أيضا للخطر .أما القرية على القمة القريبة المقابلة ، فهى هدف سهل سنراه محترقا ومدمراً  كما شاهدنا القرى والطيران يحرقها ونحن فى الطريق .

أنزلوا المدفع قليلا إلى السفح فى منطقة تم تمهيدها كطريق للمشاه . وبدأ حقانى ورجاله فى التمرين على الإطلاق تحت إشراف (بادشاه) الذى كان سعيدا ونشيطا وهو يشرح ويعطى الإرشادات . ثم يأخذ قضيبا طويلا من الحديد كى يخرج الطلقة (الثالثة) المحشورة فى ماسورة المدفع .

الجميع كانو ا سعداء ، ولم أكن كذلك . تكلمت مع صديقى أحمد حول مخاوفى من قصة المدفع . ذهبنا للحديث مع “بادشاه” بجانب مدفعه على خط الأفق . واقترحنا عليه أن نقيم له محيطا من الأحجار للوقاية من شظايا القنابل . وبدأنا على العمل  الهندسى وصنعنا دائرة من الصخور حول المدفع متسعة تكفى للحركة الدائرية الكاملة ثم وضعنا بين الصخور أفرع من نباتات وأشجار للتمويه .

بعد ذلك المجهود المرهق . سألنا “بادشاه” عن رأيه فقال أنه عمل جيد وجميل . فنزلنا نحو جدول الماء بالأسفل من أجل الوضوء وغسل وجوهنا من العرق والأتربة . وما أن بدأنا الصعود حتى كان “بادشاه” قد حمل مدفعه إلى خارج الإستحكامات ، قائلا أنها تعيق حريته .

بدأ أول إشتباك مع الطائرات عندما كنت قريبا من القمة . طائرة “ميج” سوفيتية إسقطت قنبلتان على الجانب الآخر من الجبل ، أحدها لم تكن بعيدة عن المدفع .أخذت الطائرة تدور حول الموقع فى دائرة واسعة ، و”بادشاه” غير مبالى بها منشغلا بإخراج الطلقة الثالثة المحشورة فى المدفع .

كان السفح يخلو من أى خندق أو حتى مجموعة صخور مناسبة للإختباء ، كان يجب أن أنزل حتى مجلس الإجتماعات حيث مجموعة جيدة من الصخور فجريت نحوها . عندها شاهدنى حقانى متلبسا بتلك الجريمة . وما أن إبتعدت الطائرة عن الموقع لتدور فى حلقة واسعة حول المكان حتى صرخ غاضبا يؤنبنى قائلا : أنت عربى .. لماذا لا تطلق النار على الطائرة ؟؟  لماذا تجرى ؟؟ ..

كنت مذهولا من كلامه، حيث كنت أعتقد بأننى أتصرف بطريقة صحيحة ، وأن العثور على مكان مناسب يأتى أولا ، ثم بعدها إطلاق النار .. إن كان ضروريا ، فما بالك وأنا لا أرى له أى ضرورة ، لأنه ما أن رفعت رأسى إلى السماء حتى كانت الطائرة الميج قد أصبحت فوق القرية بدون أن تقصفها ثم مضت بعيدا .. لم يستغرق الأمر وقتاً ، فما جدوى إطلاق النار فى أعقاب طائرة نفاثة؟؟. ليس هناك فرصة لإصابتها ، وما لدينا من طلقات هو قليل بالفعل ، فلماذا نصرفه بدون إحتمال ، ولو بنسبة ما ، من أمكانية التأثير ؟؟.

كان حقانى غاضبا ، وأنا مندهشا ، والدخان يتصاعد من خلف الجبل و”بادشاه” منهمك مع الطلقة الثالثة .

تذكرت على الفور ما قاله المولوى الشاب من “غزنى” إذ قص على قصته عندما كان جالساً مع أمه على سطح البيت . وإذ بالطائرات النفاثة تنقض على القرية وتمطرها بالقنابل فانتفض الشاب واقفا ، ساحبا أمه للإحتماء بشئ أسفل الدار . فانتهرته بشدة قائلة له : ألا تخجل من نفسك !! أنت مولوى حافظ لكتاب الله وتخاف من كافر .. إجلس !!. فجلس معها إلى أن إنتهت الغارة . ثم نزلا ليعالجا النتائج .

ذلك التحدى بلا حدود هو أحد مكونات الشخصية الأفغانية والمجاهدين بشكل خاص . فى البداية ظننت أنه أمر لا معنى له حتى ظهر تأثيره المدمر على نفسيات العدو . البعض أفرط فى التحدى فكانت الخسائر كبيرة . من حسن الحظ أن حقانى لم يكن كذلك بل كان مهتما جدا بإجراءات الحماية ، قدر إهتمامه بإجراءات الهجوم .

فعندما كنا أسفل الوادى تحت الأشجار فى مكان اللقاء الأول الذى ألقينا فيه الخطب ، كان حقانى يأمر رجاله بالوقوف تحت الأشجار وفى الظل حتى لا تراهم الطائرات . وكان من وقت إلى آخر يرفع رأسه إلى السماء ويجول بعينيه فى محيط المكان .

إذن فما هى المشكلة .. ولماذا غضب منى هكذا ؟؟.  أكتشفت لاحقا أنه كان يخشى من تفشى حالة الخوف وانتقالها بين الرجال بالعدوى . لأن إمكانية التصدى للطائرات هى عمليا معدومة . فلو إكتشف الرجال ذلك فربما ضربهم اليأس وأنصرفوا عن الجهاد ، لأنه مستحيل عمليا بسبب الطائرات .

{ مثل هذه الحالة ضربت سكان القرى فى أفغانستان فى بداية الغزو الأمريكى حيث فشلت خبرة طالبان القديمة فى معالجة التفوق التكنولوجى للطيران الأمريكى ، فتكبدوا خسائر كبيرة ، وتعرضت القرى المحيطة بهم لضربات إنتقامية من الطيران الأمريكى } .

بالتجربة والخطأ وبطول الممارسة وبذل الدماء تعلم المجاهدون الأفغان كيف يواجهون الطيران . أفضل السبل حسب ما رأيت كان إستخدام الأرض لمواجهة الهجوم القادم من السماء ـ الوسيلة الأفضل هى الخنادق والمغارات ، بعد ذلك تأتى إستخدام التضاريس الطبيعية مثل الصخور ومجارى السيل ، والأجمل كانت التضاريس متفاوته الإرتفاع فى الجبال . فكثيرا جدا جاءت القنابل قريبة للغاية من المجاهدين ولكن على مستوى من الأرض أعلى أو أقل إرتفاعا ، فيضيع تأثيرها فى الحالتين . ونادرا ما كانت القنابل تأتى بشكل مباشر على رأس الأفراد . وعموما كانت الطائرات هى أقل أدوات الحرب التى أوقعت قتلى بين المجاهدين ، بالمقارنة مع الوسائل الأخرى . ولكنها كانت الأكثر تأثيرا معنويا على المجاهدين أكثر من أى سلاح آخر لدى العدو . بينما خسائرها للمدنيين فى القرى كانت هائلة فى الأرواح والماديات .

 

حقانى وتحييد سلاح الطيران الطيران :

لابد أن نذكر هنا ، كيف أسقط حقانى هيبة الطيران بأساليب مختلفة فى فترات زمنية مختلفة ، وربما فى نفس الفترة الزمنية لكن فى مناسبات مختلفة .

أذكر مجهوده فى ذلك خلال معركة “ليجاه” فى جنوب خوست عام 1982 كان هدف العملية هو إزالة موقع حصين للجيش الحكومى يمنع المجاهدين من دخول وادى خوست الفسيح حيث المدينة ومطارها وحزامها الأمنى الأول . كانت بداية العملية ناجحة ، وأوشك العدو على الإنهيار لولا حقول الألغام التى أوقفت زحف المجاهدين .

أخذ الطيران يقصف بشدة ، وبدأت النفاثات الروسية فى حرق الشعاب . وكانت تؤدى عروضا إستعراضية فى بعض الأحيان ، مظهرين المهارة وفرحة الإنتصار ، وكان ذلك يبعث على الغيظ والقهر . كان لدى المجاهدين رشاش وحيد من طراز”دوشيكا ” ولم يُجْدْ نفعا ، حتى إلتزم الصمت عندما ركزت عليه الطائرات . المروحيات بدورها كانت تهاجم فى مجموعة من أربعة أو خمسة طائرات دفعة واحدة . توقف المجاهدون حتى عن الرماية عليها بالبنادق عندما شعروا بعدم جدوى ذلك . النتيجة : نحن صامتون ونزحف من صخرة إلى أخرى أو بين الشجيرات ، بينما المروحيات فوق رؤوسنا تماما .

وما أن نجتمع للصلاه أو لتناول لقيمات من الخبز ، حتى يداهمنا الطيران ويحَوِّلْ راحتنا إلى دروس فى الزحف بين الأعشاب والتسلل يين الصخور .

ضاعت منا المبادرة تماما . وحقول الألغام أوقفت الزحف إلى الأمام . لم يكن حقانى معنا وقتها ، ولم يدر أحد ماذا علينا أن نفعل .

جاء حقانى إلى ليجاه برفقة أربعة من رجاله ، وصعد على الفور إلى القمة المواجهة لتجمعنا الرئيسى . وكان تسليحه الشخصى وقتها هو (RPG) . وكان يستخدمه كمدفع مضاد لطائرات الهيلكوبتر تحديدا .كانت النفاثات تدور مرتفعة حول الموقع ، وجلس حقانى مع رجاله فوق القمة ـ ولم تحضر المروحيات فى ذلك اليوم . لكن بجرأته وتحديه إنبعثت حياة جديدة فى المجاهدين . وكان قد أحضر معه كاشف عن الألغام إشتراه من سوق الأسلحة فى مدينة ميرانشاة الحدودية . فتجمع حوله المجاهدون ليشاهدوا هذا المخلوق العجيب ، وهو يشرح لهم طريقة عمله وهم فرحون كالأطفال فى أول أيام العيد . جربوا الجهاز فوق قطع معدنية مدفونة فأعطى أشارة ، فهللوا فرحين . ومع ذلك لم يفد ذلك الجهاز بشئ حيث أنه يعطى إشارات على الدوام لأن الأرض مليئة بالشظايا ، فعادوا مرة أخرى إلى الكشف اليدوى عن الألغام . ولكن هذه المرة تحت حماية جوية يقف على رأسها حقانى معه مدفعه المضاد للدبابات الذى يستخدمه لمكافحة المروحيات . عادت الحياة إلى رامى مدفع الدوشكا وبدأ يمارس نشاطه من جديد . والمجاهدون يطلقون نيران بنادقهم على الطائرات إذا كانوا فى وضع ملائم . وهكذا إنبعث من جديد مشروع فتح حصن ليجاه . بعد أن أسقط حقانى بشجاعته فقط “هيبة ” الطيران بواسطة تسليحه الشخصى الجديد ، قاذف “RPG ” الذى لم يسقط أى طائرة . ولكن إسقاط هيبة السلاح وخوف الناس منه أهم بكثير من تدمير السلاح نفسه . أسقط المجاهدون الأفغان هيبة الدبابة ثم هيبة الطائرة حتى قبل أن يتمكنوا من إمتلاك وسائل تدميرها فعليا. إيمان وشجاعة القيادة والمجاهدين كانا أدوات النصر وإسقاط هيبة العدو ، وجميع أسلحته .

تواصلت مجهودات حقانى لتحييد سلاح طيران الخصم . وكان أعظم خطواته وأبعدها أثرا هو برنامج للحفريات تواصل لسنوات حتى سقوط مدينة خوست . لذلك تحول إلى مشروع إستراتيجى وكان له أهمية كبرى فى فتح المدينة المنيعة . وقد أعترف العدو بتلك الحقيقة ، حتى أن رئيس الدولة(نجيب الله) كان يخرج على الهواء فى الإذاعة مخاطبا حافرى مغارات خوست ، وكانوا فى أغلبهم من ولاية (ميدان وردك ) ، ويطالبهم بالقدوم إلى كابول وسوف يقدم لهم ما يطلبونه من أموال ، قائلا أن مغاراتهم أبطلت مفعول طائراته وصواريخه. ولكن الوقت كان قد فات وتبقى القليل جدا من الوقت حتى يقتحم المجاهدون خوست ، وتَبَقَّى من عمر النظام كله حوالى عام واحد .

إبطال سحر الدبابة :

إبطال التأثير النفسى للدبابة كان خطوة كبرى فى العام الأول للجهاد . وكانت هى الخوف الأكبر للأهالى والمدنيين على السواء . ولذلك قصة شهيرة فى ولاية باكتيا سمعناها ممن خاضوا التجربة . سمعنا القصة فى ليلة مقمرة فوق أحد سطح بيت قروى أثناء تحركنا نحو جرديز مع مولوى حقانى ، وكان ذلك فى عام1986، وكان حقانى معنا فى تلك الجلسة المقمرة التى لم تتكرر بعد ذلك( حضر تلك الجلسة كل من أبو حفص المصرى ، وأبو عبيدة البنشيرى وعبد الرحمن المصر ى ، وقد تجمعنا من أجل المشاركة فى عمليات قرب جرديز . ولم يكن تنظيم القاعدة قد تشكل بعد )  . وفى تلك الجلسة أخبرنى حقانى عن بعض أسرار معركة جاور الأخيرة ، وسوف نذكرها فى موضعها . كما حكى مجاهدو القرية عن تجربتهم فى الحصول على سلاح “ضد الدبابة” لأول مرة ، وكانت كالتالى :

 كانت القرية  مصدر قلق للحكومة الشيوعية لتمركز القائد “شاكرين” ومجموعته يهددون منها الطريق الرئيسي والمراكز الحكومية المنتشرة على طوله، لذا قصفها الطيران عدة

 مرات وهجرها معظم السكان لكن “شاكرين” لم يتوقف، فقررالعدو شن حملة  لإقتحام القرية وكانت الخطة  أن تتقدم القوات على محورين الأول من الطريق الرئيسي نفسه ثم تنحرف الدبابات والمشاة نحو القرية حيث يوجد مدق ترابي يصلح لمرور الآليات.

والمحور الثاني تتقدم عليه قوة أخرى عبر وادي شمل حيث ينزل المشاة ويتسلقون الجبال ثم يتوجهون صوب القرية، وهناك تلتقي القوتان وتهاجمان القرية في وقت واحد.

كانت الخطة جيدة،( ولكن على الورق وليس على الأرض). فعند التنفيذ وصلت القوة  القادمة  من إتجاه شمل أولاً. وأبلغ بدو الجبال شاكرين بتقدم القوات نحوه فخرج مسرعاً مع رجاله ونصب كميناً للقوة فدمرها وأسر وقتل جميع من شارك فيها. ولم يكد يفرغ من عمله حتى كانت القوة الأخرى قد وصلت بدباباتها إلى الطريق العام وبدأت تتقدم نحو القرية عبر المدق الجبلي، شعر الرجال بالذعر لتقدم الدبابات المفاجيء نحو قريتهم. ولكنهم كانو قد غنموا سلاحاً عجيباً منذ قليل أخبرهم الجندي الذي يحمله أنه سلاح (ضد الدبابة) فطلبوا من الجندي أن يتقدم معهم لإستخدامه ضد الدبابات المتقدمة لكن الخوف أصاب الجندي  ورفض أن يتحرك خطوة واحدة حتى ولو قتلوه. فطلبوا منه أن يشرح لهم كيفية إستخدام ذلك السلاح فشرح لم وأوصاهم بالتصويب على خط التقاء البرج مع جسم الدبابة.

أحد المجاهدين إلتقط السلاح وتقدم به نحو الخطر القادم ومن الطلقة الأولى طار برج الدبابة في الهواء وإشتعلت فيها النيران. ولم تقف المفاجأة عند ذلك الحد، فالطابور المتقدم من الدبابات والمدرعات التي تحمل الجنود، وجميعها محشورة في مدق ضيق لا يصلح  للمناورة. ذلك الطابور صدمته المفاجأة، إذ كان الضباط على يقين بأن ليس لدى المجاهدين أي  سلاح مضاد للدبابات، وإعتمدوا على حقيقة أن مجرد صوت الدبابة كفيل بأن يدفع، أشجع الرجال لأن يفر من ساحة المعركة.

لذا قفز جميع الضباط والجنود من داخل الآليات رافعين أيديهم إلى أعلى معلنين الإستسلام لشاكرين ورجاله. ( وكانت قصة مازال يتداولها المجاهدون إلى الآن).

كان توفيقاً من الله ألا تصل القوات المهاجمة في وقت واحد حسب الخطة المقررة. وأن يتمكن شاكرين من القضاء على الطابور الأول وتسليح رجاله بقاذف (RPG) ليكون سلاحه الرئيسي ليس لتدمير دبابة واحدة للشيوعيين بل لتدمير وأسر القوة المتقدمة كلها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world




أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

 

– لم تعد أفغانستان منطقة عازلة ، بل أصبحت حلقة وصل أساسية بين أقاليم آسيا .

– الإستعمار الأمريكى يحتضر ، وهو آخر السلالات المتوحشة للإستعمار الأوروبى .

– شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى ، ومن حقه أن يحصل على دعمهم السياسى والتسليحى .

– التعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى ، سوف يحدد مدى تعاونه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

– ستنتشر هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير ، وسارت طرق القطارات  عبر أفغانستان إلى برارى آسيا وموانئ العالم .

– ليس السؤال هو متى ينسحب الجيش الأمريكى من أفغانستان ، بل السؤال هو كم من جنوده يمكنهم النجاة من أفغانستان ؟؟.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

ليس هناك أى شك فى أن “النظام الدولى” أحادى القطبية قد إنهار . وأن نظاما آخر قيد التشكيل وسط مقاومة أمريكية عنيفة ومتهورة .

تلك المقاومة الحمقاء تعجل بتشكيل النظام الدولى القادم ، وكل الدول المتماسكة تبحث لنفسها عن مكان بداخله . والدول المسحوقة فاقدة الإرادة تتمسك بالسيد الأمريكى ، ومستعدة للذهاب معه إلى الجحيم ، وتدفع له الإتاوات وتنفذ كافة مطالبه عسى أن يقبل تعلقها الذليل به .

من إستوعبوا الحكمة الكامنة فى التاريخ كانوا يقولون أن أمريكا إرتكبت أكبر خطأ فى تاريخها بغزوها لأفغانستان بينما عبرة سقوط الإتحاد السوفيتى مازالت ماثلة للعيان . وكانوا يقولون أن أفغانستان صارت محصنة ضد أى غزو خارجى بعد ما حدث للسوفييت . ومن قبله ما حدث لبريطانيا التى كانت عظمى وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكن بعد ثلاث حملات عسكرية لإخضاع أفغانستان تحولت إلى دولة من الدرجة الثانية ، ثم إلى مجرد “ذيل حضارى” للإمبراطورية الأمريكية التى سيطرت على النظام الدولى فى مقابل كتلة شيوعية منافسة . فكان نظاما ثنائي الأقطاب إستمر حتى هزيمة السوفييت فى أفغانستان وسقوط إمبراطوريتهم ، وأعلان أمريكا عن نفسها كمنتصر أوحد فى حرب أفغانستان ، وتعلن نهاية الحرب الباردة وأنها سيد العالم الأوحد بلا منازع وإلى مالا نهاية .

ثم رفعت راية “العولمة” التى هى “أمركة” العالم إقتصاديا وثقافيا ، تحت سطوة أمريكا العسكرية ، وأحادية سيطرتها على كل بنى البشر فى كل أنحاء الأرض .

بلغ الغرور الأمريكى حدا تجاهلت فيه السُنَّة التاريخية الثابتة ، والتى تقول أن أفغانستان هى مقبرة الأمبراطوريات الظالمة التى تخترع للبشر نظاما للإستعباد ” تسميه ” النظام دولى”.

لم يكن غير الأحمق جورج بوش الصغير هو من يمكن أن تبلغ به الجهالة إلى حد الإقدام على غزو أفغانستان . لتبدأ عملية تركيع أمريكا على يد مجاهدى الشعب الأفغانى .

كان واضحا للرئيس أوباما أن بلاده لن تفوز فى حرب أفغانستان ، ولكنه لم يمتلك القدرة على مواجهة مجموعات الضغط التى تريد إستمرار الحرب حتى ولو كانت حربا عقيمة عسكرياً طالما إنها تحقق أرباحاً طائلة فى جوانب أخرى مثل الأفيون والنفط ونهب الثروات المنجمية ، إضافة إلى ترويج منتجات صناعة السلاح والصناعات الأمنية وشركات المرتزقة (المتعاقدون)، وفوق الجميع البنوك الكبرى العاملة فى عوائد النشاطات آنفة الذكر خاصة المخدرات .

–  حتى اللحظة الراهنة لم تخرج القوات الأمريكية من أفغانستان ، وإن كانت قد إنخفضت إلى جزء من عشرة أجزاء من حجمها الأصلى . أى أنها الأن 15 ألفا بدلا من 150 ألف جندى قبل عام 2015 . ولكن لا تتوافر إحصاءات رسمية عن قوات(بلاك ووتر) وأشقائهم من الدواعش من “فرق الموت” الوهابية التابعة للجيش الأمريكى . وهناك قوات مستخزية أخرى ، هم (أولاد الحرام) الذين يمولون الناتو ويقاتلون معه حيثما حل فى بلاد المسلمين ، بدون أن يعترف الحلف بأنهم أبناء شرعيون له .

–  ومع هذا فإن ترامب (المجنون ، المختل نفسيا ، المنحرف إخلاقيا ) قد يحصل على فرصة فريدة لتخليص بلاده من حفرة النار الأفغانية التى سقطت فيها. ومن المتوقع أن الفترة ما بعد إنتخابات التجديد النصفى فى شهر نوفمبر القادم سوف تشهد مفاجآت أمريكية غير متوقعة ، أيا ما كانت نتائج الإنتخابات .

ــ (النظام الدولى) الأمريكى أحادى القطبية قد أنتهى منذ سنوات وبهذا تكون أفغانستان أوفت بعهدها ، وقضت على مكانة دولة عظمى، و(نظام دولى) حاول إذلال العالم ، ولم ينتبه إلى خطواته التى أسكرها الغرور فسقط فى جهنم الأفغانية .

ــ العالم الآن بلا نظام دولى . وهناك نظام فى طور التكوين ، وللمفارقة فإن تخبط السياسة الأمريكية تدفع نحو بلورته بسرعة . وكتلته الصلبة سوف تكون الصين وروسيا ، وحولهما إيران ودول أخرى تمتد من الهند إلى جنوب أفريقيا والبرازيل .

تنبهت أمريكا بعد فوات الأوان إلى الخطأ الذى وقعت فيه بمعاداة روسيا والصين معا ــ فحاولت إجتذاب الهند بعيدا عنهما ــ فخصها ترامب بعبارة مجاملة فى خطابه الفكاهى فى الدورة 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة ، الذى أضحك قادة العالم على ما وصلت إليه الولايات المتحدة ، التى قضت على أنظمة العالم وقوانينه ، بينما يقف رئيسها يتباهى بجهله ومغالطاته المضحكة .

– أفغانستان التى حطمت خلال قرن ونصف ، ثلاث أنظمة إستعمارية كانت تدير العالم ، لم تستفد فى أى مرة من أنجازات دفعت ثمنها غاليا من الدماء والأموال . يعود ذلك إلى ضعف القيادة السياسية للبلد ، وقدرة القوى الإستعمارية على إشعال الفتن الداخلية ، والتدخل فى أمور الدولة إلى درجة تعيين الحكام ومساندة طرف على أطراف أخرى منافسة .

آخر الفرص التى ضاعت كانت إنتصار الشعب الأفغانى على الغزو السوفيتى الذى كلف دماء وأرواح مليونى شهيد وإضعاف ذلك من المعاقين والجرحى .

ولكن عدم وجود قيادة سياسية للجهاد ، أتاح فرصة للدول الخارجية كى ترسم المسار السياسى لأفغانستان ، فأوقعتها فى حرب أهلية طاحنة منعتها من جنى ثمار إنتصارها الكبير .

الجهاد الحالى ضد الإحتلال الأمريكى ، يدور فى مناخ إقليمى ودولى تأثر كثيرا بالفشل الأمريكى فى إخضاع أحد أفقر الشعوب إقتصاديا ، وأغناها معنويا ودينيا، مما أدى إلى ظهور أقطاب كبرى حول أفغانستان تزحف بثبات نحو قيادة العالم ، فى مواجهة معارضة وعرقلات أمريكية كثيرة وقوية . ولكنها مسألة وقت ليس إلا ، حتى يبزغ نظام أسيوى يقود العالم ، ستكون أفغانستان فى مركزه ، ولديها المؤهلات لذلك  ، وهى :

 

أولا ـ إنقلاب فى الدور “الجيوسياسى” لأفغانستان :

فى القرن التاسع عشر كان ينظر ـ دوليا ـ إلى أفغانستان على أنها ” دولة عازلة” تفصل بين كتلتين من أعظم كتل العالم ، تزحفان فى إتجاهين متعاكسين . الروس يزحفون لتوسيع إمبراطوريهم القارية من الشمال إلى الجنوب ، وغاية زحفهم كانت مياه المحيطات الدافئة أى إنتزاع الهند من التاج البريطانى . وإمبراطورية بريطانية “بحرية” لا تغيب عنها الشمس زاحفة فى الإتجاه المعاكس من الجنوب نحو الشمال ، لتبتلع المساحات الشاسعة فى آسيا الوسطى وجبال القوقاز وما خلفها من بلاد .

ولأن الصدام بينهما سيكون كارثيا للإمبراطوريتين ، فإتفقتاعلى تحييد أفغانستان وجعلها منطقة عازلة تمنع التماس المباشر بينهما وما قد ينتج عنه من حروب .

– الآن إختفت تلك المعادلة الدولية . فروسيا الإمبراطورية لم تعد موجودة ، وبريطانيا العظمى إختفت عظمتها . والإمبراطورية السوفيتية إختفت كلها ، والولايات المتحدة فشلت فى فرض نظام دولى جديد لأن الأفغان حطموا أحلامها ، حتى صار رئيسها أضحوكة العالم فى الأمم المتحدة . ودول آسيا تبحث عن تواصل إقتصادى يرفع من مستوى الشعوب وليست فى حاجة إلى مساحات عازلة ، بل تحتاج إلى أفغانستان كحلقة إتصال جغرافى بين إتجاهات آسيا الأربعة . وتلك ميزة جغرافية تكسب أفغانستان قوة سياسية فى الإقليم ودورا حيويا فى نهضة إقتصادية عالمية القائمة على حرية وكثافة تنقل البضائع والأفراد بين أرجاء آسيا ، خاصة كتلها الكبرى : الصين ـ روسيا ـ الهند ـ إيران .

إيران والهند بمباركة روسية ، بدأتا بالفعل خطوات لإنجاز تلك الرؤية عبر مرتكزين هامين الأول ميناء تشبهار على بحر العرب ، والثانى خط سكة حديد لربط الميناء بآسيا الوسطى وروسيا . لذا يمكن أن نطلق عليه مشروع (الميناء والقطار) .

ومشروع الصين العظيم الذى أسمته (الحزام والطريق) وهى مشروع صينى ذو عمق عالمى يربط مناطق كثيرة من العالم القديم مع الصين ، كمركز إقتصادى وأكبر قوة تصديرية فى العالم . والمشروع يستلهم فكرة طريق الحرير التاريخى الذى كان يربط أوروبا بالصين التى يمكن أن تتطور مستقبلا إلى قطب قائد للسياسة العالمية . وإذا إتجه ذلك العملاق صوب حضارة عسكرية على النمط الغربى الذى مارستة الدول الإستعمارية فى أوروبا وأمريكا فسوف يدخل العالم فى نفق أسود . ولكن التمنيات تقول أن ذلك لن يحدث على أمل أن التراضى الإقتصادى وتقاسم الأرباح الهائلة بشئ من العدالة لن يجعل “عسكرة” النظام الدولى القادم أمراً مفيداً للإقتصاد أو للسياسة .

– لأفغانستان دور فى كلا المشروعين ، الصينى (الحزام والطريق ) ، أو فى مشروع (الميناء والقطار) أى مشروع ميناء تشبهار وخط القطارات المنطلق منه. ويؤكد المشروعان على أن الدور الجيوسياسى لأفغانستان ما بعد التحرير هو كونها حلقة وصل جامعة لكل آسيا . ومَعْبَراً لعدد من أهم دولها للخروج إلى البحار الواسعة من خلال ميناء تشبهار .

 من ضمن أهداف أمريكا فى أفغانستان هو إستخدامها كقاعدة لتخريب النظام الأسيوى الدولى، والعمل منها ضد أهم ركائزه ، وهم الصين وروسيا والهند وإيران ، بإستخدام ورقة “الإرهاب الداعشى” الملحق بالجيش الأمريكى وحلف “الناتو” .

إدراك أقطاب آسيا للأهداف الأمريكية بكل وضوح ، جعل الميدان السياسى مفتوحاً أمام تقدم حاسم للإمارة الإسلامية لتثبيت جذورها فى النظام الأسيوى القادم ، وإقتحام الميدان الأسيوى منذ الآن بتمهيد الطرق مع تجمعاته المتعددة ، وإيضاح موقفها من أوضاع العالم الحالية ، والخطر الذى تمثله الولايات المتحدة وحلف الناتوعلى أمن وإستقرار العالم وشعوب آسيا . وأن إمارة أفغانستان الإسلامية بعد التحرير، تعى دورها فى حفظ السلام والأمن فى آسيا وتخليصها من سرطان الإحتلال الأمريكى وإرهابه الداعشى ، لإتاحة الفرص أمام أوسع نطاق ممكن من تحسين أوضاع المنطقة وتنمية ثرواتها فى ظلال من العدالة والسلام .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

الإمارة الإسلامية تتصدى لأمريكا وداعش :

يتابع العالم ـ والقوى الأسيوية تحديدا ـ المعركة الضارية بين حركة طالبان ـ القوة الضاربة للإمارة الإسلامية ـ وبين جيش الإحتلال الأمريكى ، وما يتبعه من حلفاء وذيول وحشرات متسلقة . ومن أهم مكونات الإحتلال تأتى داعش (كتيبة المرتزقة الوهابيين) الملحقة بجيوش أمريكا والناتو .

لقد فشلت داعش فى تحقيق أى من مهامها فى أفغانستان . ولم تنجح فيما فشل فيه سادتها الأمريكيين ، رغم ما بذلته من تخريب وقتل لإشاعة الفتن المذهبية والعرقية ، وإرهاب مُنَسَّقْ مع أجهزة الدولة فى كابول ، وإنخراط فى صراعات حزبية وأمنية ، وحروب بين ميليشيات النافذين فى النظام . فلم يقتنع أحد فى الشعب الأفغانى بأن إجرام داعش له أى صلة بجهاد حركة طالبان . وحتى دول الجوار لم يساورها أى شك فى ذلك ، سواء الجيران فى الصين أو إيران أو روسيا والهند . فالمسلمون فى القارة الآسيوية هم منارة هدى وحضارة ومُثُل دينية عليا ، وليسوا مع الإرهاب أو التخريب ، ولن يكونوا (ورقة ) فى يد أمريكا أو إسرائيل والناتو لتخريب أمن شعوب آسيا وعرقلة نهضة تلك القارة العريقة. فالمسلمون كانوا دوما ضمير آسيا ومنارة الهداية المشرقة فى أرجائها. والأجواء القادمة فى آسيا والعالم ستجعل الإسلام يشق طريقه بالهداية والدعوة . وعلى خطوط التبادل التجارى التى ستغطى آسيا والعالم سينتشر الإسلام مع حركة الناس والتجار وطلاب العلم ، كما كان الحال فى الأزمان الخالية قبل الهجمة الإستعمارية على دول آسيا المسالمة . ستسير هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير، وسارت خطوط القطارات عبر أفغانستان إلى برارى وموانئ آسيا والعالم .

أما الغزاة المعتدين فمصيرهم معروف ، ومن المفروض أن أحدا لن يفكر يوما فى تعكير صفو أمن الشعب الأفغانى ، أو شعوب آسيا الحرة المتشوقة إلى هداية الإسلام الذى سيعرض عليها فى أجواء من السلم والثقة .

 

 

تحديات المستقبل والعلاقات مع دول الجوار :

–   تطوير علاقات الإمارة الإسلامية مع أقطاب آسيا (الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند ) له هدفان رئيسيان :

الأول : إعاة بناء أفغانستان .

الثانى : مواجهة الموجة الجديدة من الحروب الأمريكية ، وفى طليعتها الإرهاب الداعشى ، والمخدرات .

وكلا الهدفين مرتبط بالآخر إرتباطا وثيقا لدرجة يمكن إعتبارهما هدفا واحدا . وكلاهما فى حاجة إلى ترابط إقليمى بين أفغانستان ومحيطها الأسيوى العملاق . فمواجهة خطر الإرهاب الداعشى ، ومشتقاته يحتاج إلى بناء جيش قوى ركيزته القوات الجهادية الحالية بعد تحديثها وتسليحها جيدا ، وإعادة تدريبها على مزيد من المهام المستجدة فى الحروب الحديثة . ويحتاج إلى نظام معلوماتى قادر على التصدى للحرب الإستخبارية المساندة للإرهاب الداعشى ، وقادر على الإسهام فى تعاون إقليمى لرصد الشبكات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات التى تديرها أمريكا حاليا فى أفغانستان وباقى دول المنطقة لإغرقها فى مستنقع المشاكل الأمنية بدلا من التركيز على مشاريع التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، ومشاريع الإتصال بين دول آسيا .

هذا الإنفتاح الهائل أمام أفغانستان برا وبحرا سيصنع القيمة الجيوسياسية الجديدة لهذا البلد. وليس هذا بالخبر السار للمحتل الأمريكى ومشاريعه المنهارة فى أفغانستان الذى طمع فى أن يجعلها (إسرائيل جديدة فى المنطقة ) حسب قول عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل العدوان الأمريكى على أفغانستان ، أى بجعل ذلك البلد قاعدة للتخريب والحروب ونهب الثروات ونشر الفتن بأنواعها .

–  أما مكافحة المخدرات فهى عمل لا يمكن إنجازه بدون تعاون إقليمى يقديم حلا جذريا للمشكلة . فأمريكا هى المتسبب الأول فى مشكلة المخدرات كما فى مشكلة الإرهاب الوهابى . لذا فإن الحقيقة التى يدركها العالم ودول الجوار الأفغانى هى أن خروج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان هو شرط ضرورى لحل مشكلتى الإرهاب الوهابى والمخدرات ، خاصة تصنيع الهيروين وتوزيعه دوليا ، والذى تقوم به قوات الإحتلال من قواعدها الجوية . ومن المعروف دوليا أن أمريكا بعد إحتلالها لأفغانستان رفعت إنتاج الأفيون إلى أكثر من خمسين ضعفا مما كان عليه فى عام دخولها الإجرامى إلى هذا البلد .

–  ويمكن تقديم إقتراح لتنفيذه بشكل جماعى من دول المنطقة ، وهو مشروع لصناعة دوائية عملاقة تستخدم محصول الأفيون الأفغانى فى إنتاج الأدوية المحتوية على المسكنات بحيث تكفى إحتياجات دول الأقليم ـ وهى دول تحتوى على أكثر من ثلث سكان العالم . فتساهم أفغانستان بأرض لإقامة المشروع ، وبمحصول الأفيون اللازم . ودول الإقليم تساهم فى التمويل وتقديم الآلات والخبرات الفنية . ويعد ذلك يحظر زراعة أى مساحات إضافية من نبات الخشخاش إلا لتلبية طلبات مصانع دوائية معترف بها فى مناطق أخرى من العالم .

–  أما الإرهاب الوهابى فهو وافد مصطنع حقنه الإحتلال الأمريكى للإضرار بالجهاد وضرب قاعدتة الشعبية والفقهية ، وإستبداله بالفتن الطائفية والعرقية .

والتوجد الداعشى هو جزء من الحضور العسكرى لإمريكا وحلف الناتو . وهو يمثل تهديدا لأفغانستان (لأنه يريد إتخاذها مركزا دائما ومتوسطا بين الدول المستهدفة ). فهو خطر على باقى الدول خاصة إيران وروسيا والصين ، وهذا يفرض نوعاً من التعاون لإنهاء تواجد ذلك الخطر ماديا .

وبزوال الإحتلال يزول ذلك المرض الخبيث . وأى مجموعات يرسلها الإحتلال سيكون القضاء عليها سهلا نتيجة لإفتقارها إلى البيئة الإجتماعية التى تقبل بذلك الفكر المريض .

 

 ويظل الخطر الأمريكى مستمرا :

زوال الإحتلال لا يعنى أن الولايات المتحدة ستتوقف عن العمل ضد النظام الجديد ، وضد الترتيبات الجديدة فى الإقليم ، لأنها ترى فى ذلك نهاية لدورها فى العالم .

والمرجح أن أفغانستان وإمارتها الإسلامية سوف تتصدر قائمة التخريب الأمريكى ، كضيف دائم على قائمة “محور الشر” أو “الدول المارقة” أو “الدول الراعية للإرهاب” ، التى هى قوائم بأسماء المعارضين لسياسات الهيمنة الأمريكية .

     وجود قواعد أمريكية فى دول الجوار يشكل خطرا على إستقرار أفغانستان . لهذا يجب التعاون جماعيا لجعلها منطقة خالية من التواجد العسكرى لأمريكا وحلف الناتو وملحقاتهم الداعشية ، ومقاومة أى تحالفات أمنية أو عسكرية تقيمها أمريكا مع دول المنطقة .

     ومن باب أولى فإن أى إتفاقات عقدتها الحكومات التى أقامها المحتل فى كابول يجب إعتبارها لاغية وفى مقدمتها الإتفاقات العسكرية والأمنية ـ أو أى”تعاون” يضع التعليم أو التشريع تحت وصايته وبمرجعيات غير إسلامية .

    أما أى إتفاقات إقتصادية مع أطراف أخرى تمت فى عهد الإحتلال ، خاصة المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية ، مثل مشاريع الطاقة والثروات المنجمية ، فيعاد النظر فيها وأخذ قرارات بشأنها بما يتناسب مع الطبيعة الإسلامية للنظام ، ووفقا لرؤيتة لدور أفغانستان فى الإقليم والعالم .

     ويقع على أفغانستان الإسلامية مسئولية التأسيس لتعليم دينى يتماشى مع تراثها الفقهى الذى هو من نفس النسيج الفقهى لمسلمى آسيا ، وأن تخصص له موارد مالية كافية أو وقفا إسلاميا قد يكون جزء محددا من دخل الدولة . فالتراث الدينى لتلك المنطقة لم يعرف التطرف الدموى الوهابى ، الذى زرعه فى جزيرة العرب الحكم البريطانى للهند .

 

غطرسة الغريق :

” سأوى إلى جبل يعصمنى من الماء ” ، كلمة لإبن نبى الله نوح ، الذى كفر برسالة ربه فكابر وهو يغرق زاعما أنه سيجد جبلا يأوى إليه ليعصمه من الغرق . ولكن قضاء الله إذا جاء فإن جبال الدنيا كلها لا تعصم منه كافرا واحدا .

القائد العسكرى الأمريكى الجديد فى أفغانستان أتخذ نفس الموقف ، عندما قال فى مطلع تسلمه لسلطاته المشئومة ، أن بلاده لن تخرج من أفغانستان . تلك الغطرسة لن تعصم بلاده من الغرق فى الطوفان الجهادى ، وسيغرق جيشه كما غرق الجيش البريطانى ومن بعده السوفيتى. ويفهم المسلمون أن ذلك إستدراج من الله لتلك الدولة التى طغت على عباده فى الأرض وقالت لهم (أنا ربكم الأعلى ) . وموعدها مع الإنتقام الإلهى الشامل هو موعد لا يخلفه ، وتلك سنتة فى أمم قد خلت فذاقت عذاب الدنيا قبل الآخرة .

 

حشرجة موت الإمبراطورية :

هذا هو تفسير الهياج الأمريكى على كل الجبهات ، فهى دولة لا تمتلك غير الحرب والحصار والتهديد ، ضد الجميع . ولم تترك لنفسها صديق حول العالم إلا “براميل النفط” ، وإسرائيل . ورئيسهم ترامب أضحك العالم على غبائه ورعونته ، وهذا لم يحدث قط لأى طاغية من قبل .

التوتر والحروب يزيد قوة حلفاء ترامب من اليمين المتطرف العنصرى وهم جمهوره الإنتخابى . ويزيد من أرباح مجموعات الضغط ، المكونة من صناعات السلاح والنفط وصهاينة (إيباك) والبنوك اليهودية . وهم قوة التمويل وتصنيع سياسات الدولة الأمريكية فى الداخل والخارج .

حلفاء ترامب الإنتخابيون ، والماليون ، يناسبهم تماما سياسات حافة الهاوية والمغامرات الصاخبة والتهديد والحصار والقصف . خاصة إذا كان ذلك ضد المسلمين أولا .. ثم ضد روسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا .. إلخ .

–  ترامب رأس نظام الإمبراطورية المنهارة ، فرض عقوبات إقتصادية على نصف العالم ، ويهدد بالحرب على روسيا والصين . فيهدد روسيا بحصار بحرى كامل ، فردت فورا بأن ذلك غير ممكن بغير الحرب (!!) . فهددتها أمريكا مرة أخرى بضرب الصواريخ المجنحة الروسية قصيرة المدى ومتوسطة المدى ، داخل الأراضى الروسية نفسها !!.

 نفس الشئ مع إيران حين يهددها ترامب بحصار بحرى يمنعها من تصدير النفط ، فكان ردها مماثلا للرد الروسى ، وأنها ستغلق مضيق هرمز فى وجه الجميع ، وهو تعبير عن خوض الحرب الشاملة .

شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى . وأن من حقه الحصول منهم على دعم سياسى وتسليحى . فالتعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى سوف يحدد مدى تجاوبه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

أما الصين فإن ترامب يَسُوق قطيع حلفائه لإستفزاز الصين عسكريا فى بحر الصين ، شرقه وجنوبه ، فى محاولة لسلب الصين حقوقها التاريخية فى ذلك البحر ، والذى فقدت سيادتها عليه نتيجة لحربى الأفيون الأولى والثانية . وإلى الآن ترفض أمريكا إعادة تلك الحقوق لأصحابها التاريخيين . تماما كما ترفض الأعتراف بأن هناك شعبا عربيا يمتلك فلسطين ، أو أن هناك عربا فى المنطقة العربية ، أو أن فى الخليج شعب عربى وليس كما يقول ترامب مزرعة ماشية للحليب والذبح . أو أن شعب اليمن له حق فى الحياه .. مجرد الحياة .

–  النظام الأمريكى نظام يحتضر وهو آخر السلالات المتوحشة للغرب الإستعمارى. وغطرسة الغريق ، أو حشرجته المتخبطة ، ليست سوى دلائل على زواله القريب. ورصاصة الرحمة سينالها من مجاهدى أفغانستان .

والسؤال ليس هو متى ينسحب الجيش الأمريكى ، بل هو كم من جنوده الذين يمكنهم النجاة من أفغانستان؟؟ .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

 




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 2 )

 

– مصرع كافر قبيلة ” إبراهيم خيل” .

–  راهب الجهاد ” الشيخ محمود” يستشهد فوق بندقيته أثناء الصلاة .

– الشهيد الغريب “السيد أحمد” … سيد الهاون .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

هذا هو إلهى .. فأطيعوه :

الطريق القادم من جرديز ما أن ينتهى من سلسلة جبال (ساتى كاندو) المكسوة بغابات الصنوبر ، حتى تبدأ مناطق تسكنها قبائل “زدران” وتستمر حتى بداية وادى خوست لذا أطلقوا على الطريق إسم تلك القبائل فصار إسمه طريق ( زدران) .

رغم أن العديد من قادة الجيش الماركسيين الكبار هم من أبناء هذه القبيلة ، إلا أن العلماء وشيوخ القبيلة وأفردها ، لم يوافقوا على ما يحدث ، وكان قرار القبيلة أن الحكومة الجديدة (كافرة) ولهذا قرروا مقاطعتها ، وألا يسمحوا لها بالمرور من أراضيهم ، أى أنهم قطعوا الإتصال بين جرديز وخوست .

تحت أقدام “ساتى كاندو” تبدأ منطقة يسكنها فرع من زدران يدعى”إبراهيم خيل” ـ يعنى قوم إبراهيم ـ تصادف أن يكون منهم القائد العسكرى فى جرديز وقتها هو ضابط شيوعى شاب ومتحمس للغاية يدعى إبراهيم ، وكان قائدا لسلاح المدرعات فى الولاية ، فذهب إلى قبيلته كى يقنعهم بفتح الطريق .

قصة الضابط إبراهيم مع قبيلته كانت على العكس تماما من قصة نبى الله إبراهيم مع قومه. كان الضابط إبراهيم كافرا وقبيلته من المؤمنين . بالحجة حاول أن يقنعهم بالكفر ، ولما فشل حاول إجبارهم عليه بقوة الدبابة ــ إلهه الجديد كما زعم ــ فكانت نهايته المأساوية .

شيوخ القبيلة رفضوا مرور الجيش من أراضيهم لأن الحكومة كافرة لا تؤمن بالله . الضابط إبراهيم ناقشهم طويلا وهددهم بأن الحكومة ستفتح الطريق بالقوة إذا لم يفتحوه طوعاً ، وأن بيوتهم ستدمر وتحرق ، وأن لا طاقة لأحد بهذه الحكومة وجيشها الجبار .

أصر شيوخ القبيلة على موقفهم ، فتحداهم الضابط إبراهيم قائلا: تقولون أننا الشيوعيون لا نؤمن بالله .. فأين هو إلهكم ؟ .

فردوا عليه قائلين : إن الله هو خالق كل شئ ، ولكن لا أحد يستطيع رؤيته .

ضحك إبراهيم مستهزئا وقال بأن عنده إله قوى وجبار أقوى من إلههم ولكن يمكن رؤيته ، وسيحضره معه صباحا كى يريهم إياه ، وطلب منهم إنتظاره فى وقت محدد من صباح الغد .

فى الوقت المحدد حضر الضابط المغرور ممتطياً ظهر دبابة سوفياتية من طراز (تى62) وهى الدبابة الأثقل لدى الجيش وقتها .

كان رجال القبائل يخشون الدبابات كثيرا ، وهذا كان أول إحتكاك لهم مع واحدة من تلك الوحوش التى لا تصرعها طلقات بنادقهم العتيقة ، وكان مجرد صوتها يثير خوفهم . وصل إبراهيم وصوت دبابته يهز الجبال ، وقد تجمهر شيوخ القبيلة والكثير من أفرادها المبهورين الخائفين ، وإبراهيم منتصب القامة فوق دباباته وكأنه قهر بها العالم . ثم أخذ يروح بها ويجئ ويستدير ويعتدل ، ويطلق القذائف على قمم الجبال القريبة والبعيدة فيرتج المكان والأبدان .

إمتقعت وجوه الحاضرين ، ولا أحد منهم ينطق ببنت شفة . نزل إبراهيم منتشيا مزهوا من على ظهر دبابته ، ووقف متحديا شامخاً أمام شيوخ القبيلة ، وتكلم بزهو المنتصر :

ــ هذا هو إلهى !! هل رأيتم كم هو قوى وجبار ؟؟ . إنه سيفتح لنا هذا الطريق ، وإن لم تطيعوه فإنه سيدمركم .

وقف الشيوخ واجمون صامتون ، ثم طلبوا منه إمهالهم ساعة للتشاور قبل إعطائه الرد. غادروا المكان للتداول فى مكان آخر . وبعد قليل عادوا من مجلس تداولهم ، وتقدم أكبرهم سناً حتى يبلغ الضابط الشاب بنتيجة بحثهم . قال الشيخ :

ــ يا إبراهيم لقد بحثنا الأمر ، وقد تأكد لدينا أنك أيضا كافر مثل حكومتك ، ولن نترككم تمرون من هذا الطريق مهما حدث . أما إلهك هذا فليس سوى كومة من صفيح ، فخذه معك وإرحل من هنا .

فبهت الذى كفر ، واستشاط الضابط المغرور غضبا ، وثار مهددا متوعدا :

ــ سنمر من هذا الطريق بالقوة وسنحرق قراكم ، سآتى بالجيش غدا صباحاً فى مثل هذا الوقت من ضحى الغد ، إحضروا كل القبيلة وسأرى من منكم يستطيع منعى .

وغادر إبراهيم المجلس غاضبا ، وركب إلهه الفولاذى وغادر به إلى جرديز .

دقت طبول الحرب فى”إبراهيم خيل” وكل قبائل زدران ، إستعدادا لصراع غير متكافئ بين أجساد الرجال وبنادقهم العتيقة وبين جيش جرديز ودباباته الفولاذية التى لا تقهر .. وموعد اللقاء الرهيب كان ضحى الغد .

شارك حقانى ورجاله فى ذلك الكمين . وبسبب إنشغاله فى ترتيب أمر الكمين والمشاركة فيه تأجل ذهابنا إلى لقائه فى سرانا ليوم أو إثنين .

لم يكن لدى القبائل أدنى فكرة عن أن هناك سلاح يمكن أن يواجه الدبابة ، ولا عن أى طريقة لمواجهتها . إنهم يواجهون المستحيل ، وكانوا حقا يذهلوننا بذلك . عندما كنا نسألهم فى مواقف مشابهة “ماذا ستفعلون؟؟ “، فكان ردهم دوما وبكل هدؤ وثقة ” توكل بخداى” ـ أى التوكل على الله !! ــ كنا نظن أن تلك مجرد كلمة . ولكنها عند الأفغان سلاحهم السرى الذى لايقهر …  والدليل ؟؟ :

فى ضحى اليوم التالى للقائه مع شيوخ قبيلته “إبراهيم خيل” ، جاء الضابط إبراهيم مع قافلة عسكرية ضخمة مهمتها فتح الطريق بالقوة ، وإيصال المؤن إلى مدينة خوست . فبدأ سيل من الدبابات ومئات الجنود المدججين بالسلاح فى سياراتهم المصفحة . ورجال قبيلة زدران يرون الزحف المرعب يزلزل جبال ستى كندو وترجف منه جبال إبراهيم خيل .

نزل الجيش من جبال ستى كندو وبدأ التقدم عبر منطقة “إبراهيم خيل”. فدوت صيحة جماعية من رجال القبائل المستحكمين خلف الصخور: “الله أكبر” !! صيحة زلزلت هى الأخرى جبال “ستى كندو” و”إبراهيم خيل” ، وغطت على زمجرة عشرات الدبابات والمصفحات والشاحنات العسكرية ، وطائرات الميج النفاثة التى تمزق الفضاء .

والنتيجة !!.. لم تعبر القافلة .. ودُمِّرتْ عن آخرها .. ولم ينجو جندى واحد ولا ضابط واحد حتى إبراهيم كان من بين القتلى . دبابة روسية واحدة قديمة جدا من طراز”تى ـ 34″ إستطاعت الفرار ووصلت منفردة إلى خوست كى تنقل نبأ الفاجعة .

كيف حدث كل ذلك ؟؟.. لا أحد يدرى لا من القتلى ولا من الأحياء ، ولا من الذين قابلناهم بعد ذلك نسألهم الخبر .

وكنا قريبين من المنطقة وقت المعركة ، وقد ذهبنا لرؤية آثارها وأخذنا الكثير من الصور لحطام القافلة العسكرية ، وكان ذلك أثناء زيارتنا الأولى لأفغانستان فى يونية 1979 . لقد كانت أفغانستان كلها ومازالت .. معجزة .

كتبت عن زيارتنا لمكان المعركة فى كتاب 15 طلقة فى سبيل الله .. فقلت :

ما زلت أتذكر زيارتنا لموقع المعركة ، بعد إنتهائها بيوم واحد تقريبا . لقد وقعت القافلة المتوجهة نحو خوست في كمين قاس .. كانت آثاره المدمرة واضحة . أكثر من عشرين شاحنة إحترقت تماما وجثث السائقين و معاونيهم قد تحولت إلى تماثيل بشعة من الفحم الذي تبرز منه عظام آدمية بيضاء إضافة إلى أكثر من عشر مصفحات محترقة ، وقد سقطت جثث الجنود خلف مزاغل إطلاق النار و بعضهم  إحترق داخل المصفحة  أو على أسفلت الطريق العام .

جثة أخرى لعسكري ـ أو ضابط ـ زحف إلى خارج الطريق وأسند ظهره إلى صخرة ومات تحتها . لقد تعفن الجسد وأصبح أسودا مثل الفحم بينما إنكشفت عظام الجمجمة واليدان فوق البطن وعظام الفك مفتوحة عن إستغاثة يائسة . عدد آخر من المدرعات ترك الطريق العام ونزل إلى الوادي الصخري المجاور حيث يسير نهر شمل بمياة قليلة لكنها شديدة الإندفاع .

فتعطلت بين الصخور وغرزت فيها العجلات والجنازير ، وهكذا ضاعت عدة دبابات في الوادي أيضا . وفوق الجسر منظر غريب آخر ، مصفحتان إقتحمتا الحاجزالحديدي كي تسقط في الوادي من إرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا ، وكأن السائقين فوجئوا بالكمين فقرروا الفرار بهذه الطريقة ، والأغلب أنهم قتلوا. من المناظر الغريبة أيضا  إحدى ناقلات الجنود وقد إخترقت طلقة الحديد السميك المجاور لمزغل إطلاق النار فقتل الجندي وسقط فى مكانه.

نظرنا إلى المكان الذي جاءت منه تلك الطلقة الغريبة ، وكيف إستطاعت اختراق حديد بتلك السماكة ، وهذا غير ممكن إلا بطلقة ـ أو قذيفة ـ مضادة للدروع وهو الشيء الذي لا يمتلكه المجاهدون في ذلك الوقت . كان في الإتجاه المقابل للمزغل جبل صلد مرتفع لم تحدث من جهته أية عملية إطلاق لأن الكمين كله جاء من جهة واحدة عبر الوادي حيث تشرف عدة تلال متفاوتة الإرتفاع أما الجانب المقابل فهو جبل مرتفع لا يتيح للقوة أية فرصة للإختباء، فكأنها تقف أمام حائط كي يطلق عليها المجاهدون النارمن الجهة المقابلة، فسحقت القوة بالكامل وهي في وضع سيء.

إكتملت الصورة بكثير من الجثث التي تحللت وأصبحت أشبه بالرماد المحترق وقد تناثرت فوق الطريق وكأنها كتل بارزة من الإسفلت ، وقد تجمعت الكلاب حولها تنهش منها ما تشاء ، بينما جلست كلاب أخرى متكاسلة على جانبي الطريق وقد أصابتها التخمة . وفي وسط هذه اللوحة المأساوية وجدت كتابا ضخما وقد تلوثت صفحاته المصقولة بالدماء ، لقد كان ديوان شعر باللغة الروسية ، مزينا برسومات رومانسية غير متقنة لضباط وجنود مع فتيات جميلات ، حولهم العديد من الزهور والأشجار وزجاجات الخمر والطيور .

خمنت أن الديوان كله يتحدث عن ضباط وجنود ذهبوا إلى الجبهة للقتال وتركوا خلفهم الأهل والعشيقات ومتع الحياة . أضافت الدماء التي لطخت الصفحات خاتمة مأساوية لحياة إنسان فقد حياته على أرض غريبة.  لقد قتل وهو يطلق النار على الأبرياء بينما يقرأ أشعارا الغزل ولوعة الفراق ـ كمثل نيرون الذي أحرق روما وهو يغني أشعارا ـ لقد سقط الجندي الروسي ـ ولا ندري أين جثته وسط هذا الحشد المتفحم  ، فقد حياته بلا معنى . وبعد يوم وفاته بإحدى عشر سنة تقريبا سقطت الشيوعية وإنهارت دولة السوفييت فوق نفس الجبال في أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

راهب الجهاد .. “الشيخ محمود” .

كل ما حولى كان أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة . الأرض ، الناس ، الأحداث ، لم يخطر على بالى شئ منها. فكنت أحاول إستجماع نفسى حتى أفهم ما حولى . كل ما رأيته فى رحلتى الأولى (يونيه 1979) كان معلومات تأسيسية ، وما تلى من سنوات كنت أبنى عليها فتزداد حصيلة فهمى لتلك العناصر . ولكن وحتى مغادرتى لأفغانستان فى نوفمبر 2001 لم أستكمل هذا الفهم . ولا أظن أنه ذلك ممكننا ، فكل ساعة فوق أرض أفغانستان ومع هؤلاء الناس ، وما يصنعونه من أحداث لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية ، ويظل دوما فريدا ومفيدا .

ـــ فى عصر أحد الأيام ، رأيت بادشاه (يعنى الملك) ــ إبن عم حقانى ــ العامل على الرشاش البلجيكى الثقيل المضاد للطائرات ، وكان يحمل مدفعه من فوق القمة نازلا به إلى الوادى. شعرت بالسرور لأننى كنت لا أشعر بصداقة مع ذلك المدفع ، ولا مقتنعاً بفكرته ، وتسبب لى ذلك “بحفلة” تقريع من حقانى سيأتى ذكرها فيما بعد .

ولكن تعجبت أن “بادشاه” وافق على إخراج مدفعه من الخدمة ، وبهذه السهولة . سألت حقانى عن السبب ، وكان يهبط من منزله صوب الوادى . فقال أنه يأخذ المدفع إلى “الشيخ محمود” حتى يتفحصه . فسألته عمن يكون ” الشيخ محمود” .

فقال أنه من المجاهدين الأوائل الذين حملوا السلاح ضد حكم دواد ولم يترك سلاحه إلى اليوم . ولمدة ثلاث سنوات لم يغادر الجبهة ولكنه جاء منذ أيام إلى “سرانا” مريضا . فاشتاق إلى السلاح وكان متعجبا من وجود رشاش ثقيل عندنا يشتبك مع طائرات العدو ، فأراد مشاهدته فأرسلته إليه فى الوادى حتى لا يتكبد عناء الصعود وهو مريض .

ــ نزلت مع حقانى إلى الوادى حتى ألقى التحية على “الشيخ محمود” الأسطورة الذى لم يضع سلاحه منذ أن رفعه على “الكافرين” منذ أكثر من خمس سنوات .

رأيته مسندا ظهره على الجبل . فظهر وكأنه جزء منه ، بكيانه الضخم الصلب . كَفَّاهُ خشنتان كقطع من جذع شجرة صنوبر على سفوح ( ساتى كاندو). جبهته بارزه وحاجباه كثيفان تطل من تحتها عينان تلمعان بحدة وسرور . كان يقلب بكفيه الخشنتان المدفع الثقيل ، وكأنه طفل يتلقى هدية العيد من والده المحب . جلس إلى جانبه حقانى وهو يبتسم شارحاً للشيخ العملاق أسرار ذلك السلاح الجبار { وكنت أرى فى ذلك المدفع أفشل مشروع للدفاع الجوى ، ويراه حقانى تحديا يمرغ أنف الكافرين فى التراب ـ والآن ـ أظن أن كلانا كان على حق . كنت أنظر إلى الناحية التكتيكية لسلاح منفرد سريع العطب . وحقانى نظر إلى الجانب المعنوى لوجود سلاح فريد فى المنطقة ، رآه رافعا لمعنويات المجاهدين ومتحديا لجبروت الكافرين } .

ألقيت السلام على الشيخ محمود ، ومد إليّ يدا ثقيلة خشنة وألقى على وجهى نظره ثاقبة سريعة ، شعرت أنه فهم فى تلك الومضة كل ماهو محتاج إلى معرفته عنى ، أو أنه إطلع فى ومضة واحدة تاريخ حياتى كله من الولادة وحتى الممات . ثم عاد الشيخ يتفحص المدفع الملقى على ركبتيه ، وكأنه يداعب طفله الأول .

رغم قوته وكيانه المهيب كان يبدو مريضا ومنهكا . دفعنى الفضول لمعرفة أسرار هذه الشخصية التى رفعت سلاحها للجهاد ، منفردا وحيدا ، ضد دولة بجيشها ..وهو الآن فرح ليس فقط بالسلاح الجبار الملقى على ركبتيه ، بل لأن قبائل باكتيا وأفغانستان كلها لحقت به إلى الجهاد . الشيخ محمود كان واحدا من هؤلاء العظماء السبعة ــ  قائدهم حقانى ونائبه أحمد جول ــ الذين إفتتحوا الجهاد فى باكتيا ـ وسيطروا على قاعدة عسكرية قرب غابات الأورجون بالتكبير وبضع طلقات من بنادقهم القديمة.

– كانت زيارتنا الأولى لأفغانستان قد إنتهت ، عندما تعافى الشيخ محمود ، وذهب إلى موقع المجاهدين الذى كنا فيه حيث التماس الدائم مع العدو .

توضأ الشيخ محمود ، ووقف يؤدى صلاة العصر . وفجأة داهمت طائرات الهيلوكبتر الموقع ، وبدأت بإطلاق مدافعها الرشاشة على من فيه .

إختبأ الجميع بين الصخور ، إلا الشيخ محمود الذى ظل واقفا يكمل صلاته ، حتى أصابته طلقة فى رأسه فتهاوى كتلة واحدة شهيدا بين يدى ربه ، متمددا وصدره فوق بندقيته التى كانت حاجزا أمام مصلاه ، فبدا وكأنه يحتضنها فى وداع أخير . فكان شهيد المحراب الذى لم ينحن يوما لغير خالقة . وكان الشهيد الوحيد فى ذلك اليوم ، وإن لم يكن آخر الشهداء .

–  بالنسبة لى كان مذهلا ذلك الصنف من الناس ، الذى يقف منتصباً للموت ولا يظهر خوفاً أو تردداً ـ لماذا ؟؟ كنت أرى أن ذلك على ما فيه من بطولة وعزة إلا أنه عمليا قد يؤدى إلى القضاء على جميع المجاهدين فى ساعات أو أيام قليلة ، وتنتهى قصة الجهاد ويبقى “للكافرين” سطوتهم على الدنيا وما فيها . ولكن يكمن فى ذلك أحد أسرار الشخصية الأفغانية . كان التحدى جزءً من فطرتهم الإيمانية ، والشجاعة جزء من تكوينهم النفسى ، والمرونة والتكيف جزء من ذكاء فنون البقاء لديهم .

وهذا الخليط إمتزج فى النهاية ليخرج المجاهد الأفغانى الذى يتحدى العالم ، ويسقط أغنى وأقوى دول العالم ، الواحدة تلو الآخرى . بلا وجل ، ولا تعب ، ولا تردد ، ولا جمود .

 

السيد أحمد .. سيد الهاون :

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان ، (هاون السيد أحمد) كان السلاح الثقيل الثالث الذي شاهدناه  في حالة إشتباك .

“السيد أحمد” ــ من شمال أفغانستان ــ رامي الهاون في مجموعة مولوي عبد الرحمن ، وهى أول مجموعة قتالية نلتحق بها فى أفغانستان (كان مولوى عبد الرحمن يمزح ضاحكا : عندنا مجموعة من 12 مجاهدا يتكلمون أربع لغات مختلفة !! ) . وقد أرسلنا إليه حقانى إليهم بعد أن وصلت بنادقنا التى إشتريناها من غنائم جماعة مطيع الله فى الأورجون . مولوى عبد الرحمن شاب فارع الطول ذو إبتسامة ساخرة لا تكاد تفارق وجهة . كان يرتدى نظارة طبية بعد أن فقد إحدى عينيه خلال إشتباك مع العدو .. وعلى يد الرجلين ( مولوى عبد الرحمن ، والسيد أحمد) تلقيت بعض الدروس التي أفادتني طول مدة الحرب . كما أنها ظلت مستخدمة بين المجاهدين على  نطاق واسع .

أول هذه الدروس كان تأخير وقت الإشتباك إلى قرب غروب الشمس حتى لا يعطي للطيران فرصة للتدخل ضده . (فى فبراير 1990 خرج حقانى عن هذه القاعدة أثاء هجوم ضخم وناجح للإستيلاء على جبل تورغار ــ المفتاح الجنوبى للمدينة ومطارها ــ بعد صلاة الجمعة مباشرة والشمس فى كبد السماء!! . سنعود إلى ذلك فى موضعه ) .

الدرس الثاني كان دقة إختيار الأهداف … فقد كان (سيد أحمد) يتناقش مسبقا مع قائده (عبد الرحمن) في تحديد الأهداف التي سيوجه إليها نيرانه أثناد العملية قبل أن تبدأ .

الدرس الثالث كان الإقتصاد فى الذخيرة ، فقد كان لكل هدف طلقة واحدة ولم نسمع يوما أن (سيدأحمد) قد أخطأها .

بقي أن نعرف أن (سيد أحمد) كان مختصا في سلاح الهاون أثناء خدمته في الجيش الأفغاني وقبل أن يفر من وحدته ويلتحق بالمجاهدين . أخذ معه سلاحة ( الهاون عيار 82 مليمتر ) وظل يستخدمه أثناء إلتحاقه بالجهاد . والغريب أنه يقصف وحدته العسكرية المستحكمة في قرية (دارا) القريبة من جرديز على أول الطريق الذاهب إلى خوست .

ومن هذا نفهم لماذا لم يكن يخطئ الهدف أبدا ، فهو إلى جانب مهارته الفنية ، يحفظ تماما مواقع الأهداف ومسافاتها . ونفهم أيضا  لماذا يناقش إختيار الأهداف مع قائده عبد الرحمن ،  وكان يصر على عدم قصف خيام الجنود ، وكان دائما يقول:( إنهم ليسوا شيوعيين وقد كنت بالأمس واحدا منهم ، وكلهم ينتظرون الفرصة للإلتحاق بإخوانهم المجاهدين ولكن الضباط الشيوعيين يحرسونهم جيدا ويقتلون فورا كل من يشكون في نواياه من الجنود) .

لقد ظل المجاهدون طوال مدة الحرب يفرقون بين الجندي الأفغاني المغلوب على أمره وبين الضابط الشيوعي الذي يأمره ويتحكم فيه بل ويستعبده . وكل هؤلاء الجنود تقريبا كانوا من مزارعي الأرض في مناطق شمال أفغانستان الناطقة بالفارسية .

وكان ذلك ضمن مخطط الشيوعيين لإشعال الكراهية بين القوميات التي يتركب منها المجتمع الأفغاني . فالجنود والضباط في كل قومية يقاتلون في مناطق القوميات الأخرى . أما الضباط الشيوعيين (الحزبيين) فإنهم يقاتلون في كل مكان لأنهم يكرهون الجميع .

–  لقد إستشهد (السيد أحمد) بعد ذلك بعدة أشهر بواسطة قذيفة مدفعية . كان عائدا إلى المعسكر بعد زيارة لقبر أحد الصالحين يدعى “خدى بابا” الموجود على جانب طريق جبلى ، منحدر وضيق يقع على طريق المجاهدين، من قمة الجبل إلى مركزهم الخلفى تحت الجبل . قرأ الفاتحة وهَمَّ بالإنصراف. ولكن هبطت قذيفة مدفع قادمة من جرديز ، لتأخذ السيد أحمد فقط ، ولم تعقبها قنابل أخرى.

ما زلت أعتقد أن ذلك الشاب هو نموذج للمجاهد المثالي خلقا وعملا . كان من السادة ـ أي سلالة تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان سيدا نبيلا بكل معاني الكلمة ، هادئا دمث الطباع محبوبا من الجميع متواضعا . يتصرف بثقة من تعود على السيادة والقيادة هذا عن أخلاقه . أما مهنيا فلم أر مثله في أفغانستان شخصا يعشق سلاحه ويهتم به كما تهتم الأم بطفلها الرضيع . لقد حفر مغارة خاصة صغيرة تستوعب مدفعه وذخائره القليلة . أما بطانيته التي ينام عليها فكان يخصصها لتغطية ماسورة المدفع التي ينظفها يوميا من الأتربة ، عدا التنظيف الحتمي بعد الإشتباك والرماية . وأثناء التحرك بالسلاح إذا أمطرت السماء ، كان يتخلى عن ردائه “الباتّو” كي يلف به الماسورة حتى لا تطالها الأمطار، أما هو فلن يصدأ إذا تبلل جسده بالمطر أو لفحته الرياح.

كان فى مقتبل الشباب ، نحيل الجسم خفيض الصوت محبوبا من الجميع . يحيط به الشباب يمازحزنه أثناء الطعام ( أو ما يشبه الطعام). ويتسابقون على إصطحابه أثناء عمليات الرماية. ولكن مولوى عبد الرحمن كان يحدد العدد تفاديا للخسائر من جراء القصف المعاكس الذى كان العدو يسرف فيه جدا . فالضباط كانوا يعرفون أن الرامى هو السيد أحمد ، الجندى السابق الذى كانوا يستعبدونه بغبائهم العسكرى وقسوتهم ، يشاهدونه الآن وهو يقتلهم بكل حرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى

 




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(1)

 

{ لا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدرى نفس بأى أرض تموت } ـ صدق الله العظيم ـ

لم أتصور  ذلك يوما، ولا أحببت أن أكتب رثاء فى ذلك الرجل ، الذى تعلمت منه أهم دروس الحياة ، وما لا يمكن أن أتعلمه من أى شخص آخر ، فى أى مكان آخر غير أفغانستان .

حاولت الإعتذار عن الكتابة ، ولكننى جوبهت بإصرار من إخوة وأصدقاء على أن أكتب ما لا تصورت يوما أن أكتبه .

فقدان هذا العملاق أكبر من أن نقدم فيه التعزية . فمغزى ظهور تلك الشخصية فى مثل تلك الفترة التاريخية الخطيرة التى عاصرها ، هو فى حد ذاته جانب عميق يستحق التأمل ، كما أنه باعث على الأمل الذى يوازن الألم الناتج عن فقدانه . لأن الرحمة الإلهية واضحه فى إمداد الأمة بمثل هؤلاء العلماء الأفزاز والقادة الأبطال . ليدافعوا عن الإسلام فى واحدة من أخطر المراحل التى هددت أهم حصونه على الأرض … أفغانستان ـ

الغزاة كانوا الجيش الأحمر/ الصورة الأحدث لجحافل المغول/ وقد تقدمتهم “قوات الإستطلاع” من الشيوعيين المحليين الذين إستولوا على السلطة ـ فبدأوا القتل والحرق ـ

وفى دياجير ذلك الليل المظلم تسللت بالتدريج أضواء الجهاد . ورفع الراية أبطال من أفغانستان يندر مثيلهم فى التاريخ ، وكان “حقانى” من رموزهم الكبرى . ومع علمه وتقواه وخلقه الرفيع ، كان جنرالا عسكريا لا أعلم له نظيرا فى تلك الحرب الظافرة ضد السوفييت والشيوعيين . بل أنه وبكل تواضع هو أحد أساتذة حروب العصابات الحديثة ، وأحد المجددين لقواعدها . وعلى نفس طريق التطوير لنظرية الحروب الشعبية فى مواجهة جيوش ( ما بعد الحداثة) ، (وما بعد التوحش) ، جاء نجله “سراج الدين” ليواصل وبنفس العبقرية والإبداع طريق والده المجدد الأول للجهاد البطولى ، الذى تحتضنه أفغانستان على مر العصور .

ولنبدأ القصة من أولها ..

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

عبد الله .. والجبل :

جلال الدين حقانى ولد الشاب “عبدالله” ، والذى عرف فيما بعد بإسمه الحركى “جلال الدين”، فى أحضان جبل “ساتى كاندو ” العتيد وغاباته الصنوبرية . الجبل يقف مثل السد الجبار فى مقابل مدينة جرديز عاصمة ولاية باكتيا . ولد عبد الله فى قرية {كاندو كالاى} الصغيرة التى أهملتها الجغرافيا ولكنها صنعت التاريخ ، بمولد”عبدالله ” الذى وهبه والده لدراسة العلوم الدينية. وهى مهمة مقدسة فى المجتمع الأفغانى . ومن حيث لم يعلم أحد ، كانت تلك هى الخطوة الأولى لتجهيز “عبدالله” ليقف مثل جبل “ساتى كاندو” سدا منيعا فى وجه السيل الشيوعى المتدفق من العاصمة كابل عبر جرديز صوب جبال باكتيا وقبائلها . فكان عبد الله فى شموخ ومنعة جبل “ساتى كاندو”، بل أشد ، وكأن الجبل العتيد هو الذى إستمد صموده وصلابته من ذلك الشاب.

التدرج فى سلم العِلْم إستدعى منه السفر إلى باكستان لإستكمال الدروس الدينية فى مدارس المناطق القبلية ، حتى وصل إلى المدرسة “الحقانية” القريبة من بيشاور ، وهى أعلى المدارس الدينية فى تلك المناطق . ومن طالب علم نابغة ، إلى مدرس موهوب ، واصل “عبد الله” كفاحه الدراسى . واكتسب لقب”حقانى” نسبة إلى مدرسته التاريخية ، كما حصل على المرتبة الدينية “مولوى”.

وكأن القدر كان يرتب لصدام تاريخى مذهل . ففى نفس الوقت الذى يتأهل فيه عبد الله فى المدارس الدينية ، كان شباب من باكتيا ، وباقى مناطق أفغانستان، يتأهلون فى موسكو لغزو أفغانستان كلها .

كان عود الشيوعية يشتد تدريجيا ـ وشباب البشتون كانوا لا يستدعون إلى التجنيد الإجبارى ، ولكنهم يلقون ترحيبا وتشجيعا لدخول الكليات العسكرية ـ ومن باكتيا وتحديداً من المناطق حول جرديز وصولا إلى خوست ، عبورا بمناطق قبيلة “زدران” التى ينتمى اليها “عبدالله ” تخرج شباب يافعون كضباط فى الجيش ، أرسلوا إلى موسكو لتلقى دورات عسكرية وعقائدية. وأكثرهم عاد إلى بلاده شيوعيا مندفعا. ومنهم كانت أسماء لامعة فى تاريخ التأسيس للحكم الشيوعى والإنقلاب العسكرى الذى جاء به.. من تلك الأسماء كان :

-الجنرال عبد القادر ـــ القائد الفعلى للإنقلاب الشيوعى عام 1978 ـ  وهو من منطقة (زورمات ) جنوب مدينة جرديز .

-والجنرال إبراهيم من قبيلة “إبراهيم خيل”. وكان قائدا لسلاح الدبابات فى جرديز ، وله قصة نادرة فى القتال بنفسه ومن فوق دبابته ضد قبيلته ، فى معركة مأساوية . إذ جاء طالبا منهم ترك الإسلام وفتح الطريق (من جرديز إلى خوست ) أمام الجيش الشيوعى . فصنع أسطورة تشبه المآسى الأغريقية القديمة . وكانت المأساة قد إنتهت للتو عند وصولنا إلى “سرانا”فى زيارتنا الأولى عام 1979 وقد شاهدنا آثارها وصورنا بقايا المحرقة .

-والجنرال ” نظر محمد” من قبيلة زدران ، وله قصة معقدة ومظلمة من أحد أهم ملاحم المنطقة . وقد عاصرنا جزءاً منها فى أعوام (1987 ــــ 1988 ) . وكان هدفه أيضا فتح الطريق من الجرديز إلى خوست أمام الجيش السوفيتى ، ولكن من داخل صفوف المجاهدين هذه المرة . وقد نجح فى مسعاه بتعاون من “عبد الرسول سياف” الزعيم والمتحول الشهير ، الذى منحه الحماية والغطاء اللازم للعمل قائدا لجماعته فى جبل “ساتى كاندو” ، فمهد الطريق للقوات السوفيتية كى تمر.

– الجنرال “شاه نواز تاناى ” من قبيلة تاناى فى خوست . وكان وزيرا للدفاع ، حاول فى عام 1990 ترتيب إنقلاب عسكرى بالتعاون مع الزعيم المتحول الشهير “حكمتيار” ، ولكنهما فشلا .

ضد الجنرالين الأخيرين خاض حقانى صراعاً مريرا . وغيرهم أسماء أخرى من باكتيا أيضا من قبائل “منجل” و”جربز”. ومن رتب كبيرة ومتوسطة جمعتهم صفات مشتركة منها العناد والتهور والصلابة . وهى صفات إستخدمت للأسف فى غير مكانها المناسب .

سفكوا الكثير جدا من الدماء ، وخاض أكثرهم معارك ضد حقانى ، بعضها كان حملات موجهة خصيصا للقضاء عليه ، أهمها كانت الحملة السوفيتية/ الأفغانية على قاعدة جاور فى عام 1986 ، والتى إستخدموا فيها ثلاثين ألف جندى .

 عاد “عبدالله” إلى قريته {كاندو كالاى} خلال حكم السردار”محمد داود” الذى خلع إبن عمه الملك “ظاهر شاه” {1973} ، وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية فى تاريخ أفغانستان ، بعدأن قضى عشر سنوات كرئيس للوزراء ، وكانت سلطات الدولة معظمها فى يده.

إستعان “دواد” بالشيوعيين فى إدارة الدولة و الجيش وأجهزة الأمن فكانوا هم قوته الضاربة. ولكن سياساته لم تكن (ثورية) بما يكفى فانقلب علية “الرفاق” وقتلوه ، وتولوا السلطة مباشرة فى (27 أبريل 1978) معلنين جمهورية شعبية إشتراكية . فبدأت أكثر الفترات دموية فى تاريخ أفغانستان لإقتلاع الإسلام من جذوره وفى أقصر مدة ممكنة . وهنا كان مقتلهم لأن تلك اللهفة عجلت بنهايتهم بواسطة نهضة جهادية حركها العلماء . إلى أن ترنح النظام الجديد وأوشك على السقوط . فلم تجد موسكو مخرجا سوى التدخل المباشر بجيشها فى (28 ديسمبر1979) لإستكمال المهمة ـ لخشيتها الكبرى من أن سقوط نظام شيوعى فى أفغانستان قد يؤدى إلى سقوط متسلسل (مثل أحجار الدومينو) للأنظمة الشيوعية من وسط آسيا إلى شرق أوروبا . و كل ما حصل أنهم أجلوا ذلك السقوط لعدة سنوات ، حيث بدأ سقوط الإمبراطورية السوفيتية بعد عدة أشهر من إنسحابهم من أفغانستان فى فبراير(1989) .

 

 

لا شئ كما كان :

عاد “مولوى عبد الله” من رحلته ، العلمية ولكن قريته “كاندو كالاى” لم تعد كما كانت . فالقوات الشيوعية التى يديرها الرئيس “داود” ـ كانت قاسية ومندفعة . ولأول مرة يتجرأ جيش حكومى على إقتحام الجبال وإعتقال الرجال من القرى ، خاصة علماء الدين الذين يتكلمون ضد السطوة الشيوعية التى بدأت تظهر فى أجهزة الدولة والقوانين الجديدة التى سنتها الدولة خلافا للدين والأعراف .

الضباط الشباب عادوا أيضا  من الاتحاد السوفيتى . لم يعودوا “بالمبادئ ” الشيوعية فقط بل عادوا بأسلحة حديثة لا عهد للأفغان بها . فالجنود كانوا مزودين بالبنادق الآلية (كلاشنكوف) . وتنقلهم المصفحات التى لا يخترقها الرصاص ، والأخطر كانت الدبابة التى أثارت رعب الشجعان ، وصرير جنازيرها يخيف سكان القرى فيختبئون أو يغادرون قراهم ـ فقذيفة الدبابة تهز الجبال وتنسف الصخور وتهدم بيتا وتقتل من فيه . بينما طلقة البندقية لا تؤثر فيها بشئ ، وليس لدى الأهالى سوى بنادق الأجداد القديمة .

عاد المولوى الشاب “عبد الله حقانى” إلى قريته التى لم تعد هى نفسها . فبدأ يشجع الرجال ويدعوهم إلى الجهاد ، وعدم الخشيه من الكافرين وأسلحتهم الحديثة .

ولكن التردد جاء أيضا من الموقف الناس إزاء رئيس الجمهورية الجديد” محمد دواد” ، الذى كان هو حاكمهم الفعلى لمدة عشر سنوات ، ثم أنه ـــــــــ وهذا هو الأهم ـــــــــــ كان يدعى “الحاج محمد دواد” أى أنه مسلم موحد بالله ، فكيف يخرجون عليه ويرفعون عليه السلاح ؟؟!! .

وصلت دعوة حقانى إلى أسماع السلطات فى”جرديز” القريبة ، فأرسلوا قواتهم لإعتقاله ، فطوقوا القرية بالدبابات وشاحنات الجنود والمصفحات فى عملية كبرى لإستعراض القوة.

تمكن “عبدالله” بأعجوبة من الإفلات من الحصار ، وأحتمى بالجبال القريبة . ودعا الشباب والرجال إلى الإلتحاق به ، ولكن لم يستجب له سوى أقل القليل . ولم يكن لديهم سوى البنادق العتيقة التى لم تعد تفيد أمام جبال الصلب من دبابات ومصفحات .

جاء الشتاء والثلج أغلق الطرقات ، وإمتنع الطعام ، فهاجر “عبدالله” مع رجاله القليلون إلى باكستان ، لأعادة تدبير أمورهم .

فى ميرانشاه كانت عدة أسر قد هاجرت من باكتيا . وبعضهم فقد شهداء . وكان اليأس عاماً ، ولا عزيمة عند أحد حتى يخوض تجربة القتال ضد حكومة شرسة وجيش دموى مجهز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ورئيس جمهورية شيوعى .. نعم ، ولكنه من حجاج بيت الله الحرام !! .

ذهب مولوى “عبدالله حقانى” لأداء فريضة الحج مع صديق العمر وزميل الدراسة مولوى(أحمد جول)، الذى أصبح نائباً له فى فترة الجهاد التالية . وتلك الرحلة سمعت بعض تفاصيلها من الرجلين .

كانت تجربة لا تخلو من الطرائف كونها المرة الأولى للشابين التى يغادران فيها أفغانستان ، ذاهبين إلى الديار المقدسة براً عبر إيران والعراق .

فى أحد المطاعم الفقيرة على الطريق ، شاهدا التلفزيون لأول مرة فأصابهما الذهول . أناس تتحرك وتتكلم من داخل صندوق؟!! . ذهبا للنظر إلى خلف الصندوق لإكتشاف السر ورؤية ما يحدث خلفه . ولكنهما لم يجدا شيئا . بعد ذلك كانت تلك الطرفة واحدة من نوادر السمر بين الصديقين الشابيين .

قال لى حقانى : ” ونحن نصلى فى الكعبة خلف إمام الحرم كان حماسنا لا يوصف . فنحن كأحناف لا نقول (آمين ) بعد تلاوة سورة الفاتحة . ولكن عندما قالها إمام الحرم ، رددناها خلفه بصوت عال وحماسة ” .

(وفى ذلك عبرة لتأثير الحرمين فى نشر دعوة من يستولى عليهما) .

 فى العام التالى كتب المولوى الشاب”أحمد جول” إلى صديقه مولوى “عبدالله” أن يكررا تجربة الحج هذا العام أيضا . فكتب إليه مولوى “عبدالله ” :

“لقد أدينا فريضة الحج فى العام الماضى ، وحجنا مرة أخرى هو نافلة ، بينما الجهاد الآن فرض عين بعد أن إستولى الشيوعيون على الحكم وفرضوا شرائع جديدة مخالفة للإسلام” . وكان الشيوعيون قد أسرفوا فى القتل والحرق والتعذيب ، بشكل ليس له سابقة فى تاريخ أفغانستان من بعد غزو المغول .

 

 

الجهاد – من الكِتَاب إلى الميدان :

إجتمع الصديقان لبحث الخطوة الخطيرة فى الإنتقال بالجهاد من النظرية الشرعية إلى التطبيق العملى . تساءلا معا: ماذا  نفعل؟؟ . وبعد بحث طويل كانت الخطة جاهزة . البداية أن يعملا سرا على ضم المزيد من الأصدقاء المؤيدين . وبعد مجهود وبحث وصلت القوة البشرية فى إجمالها إلى 7 أشخاص . كل فرد سيدبر لنفسه بندقية وطلقات الرصاص .

جمعوا من بينهم أموالا إشتروا بها أغطية وطعام جاف (خبز ناشف وحمص وتوت مجفف وعسل قصب يابس “جُرْ ” ، شاى أخضر) .

و إشتروا حمارا ليكون هو أول وسيلة لنقل الإمدادات فى تلك الحرب الطويلة . إنتقل البحث عن أنسب مكان لبدء “العمليات الجهادية الأولى” . إستقر الرأى على أن تكون البداية من الجنوب الغربى لولاية باكتيا . وهو الجزء الذى حوله الشيوعيون إلى ولاية مستقلة أسموها باكتيكا . إختاروا المكان لكونه جبليا وعرا ، ويضاف إلى ذلك غابات الصنوبر التى تشكل مخبأ جيدا . تحركت القوة الضاربة الأولى للجهاد فى باكتيا ، بين الغابات الجبلية حتى وصلوا إلى أحد مواقع الجيش . فقادة الجيش بدافع الغرور والغباء نشروا قواتهم فى كل مكان يمكن أن يتمرد فيه السكان أو أن تبدأ فيه مقاومة . فتواجدوا فى القرى الجبلية وبعض أعماق الجبال.  ومن هنا بدأت قوة المجاهدين ضربتها الأولى .

إقترب المجاهدون السبعة حتى صار كل ما فى معسكر الجيش واضحا لأعينهم .

هتف المجاهدون مكبرين . ثم صاحوا بالجنود حتى يستسلموا وينضموا إلى المجاهدين . وألقوا نصائح ومواعظ بأصواتهم المرتفعة .فأرسل إليهم الضباط سيلا من الشتائم بمكبرات الصوت .

تنبه قائد الموقع إلى خطورة تأثير كلام المجاهدين . فأمر جنوده بصيحة الشيوعيين فى الحرب (هوراه ..هوراه ) لم يكن الجنود يفهمون معنى لذلك الصياح المنكر ، ولكنهم مجبرون على ترديده . ثم أمرهم بإطلاق جميع نيرانهم الثقيلة والخفيفة فى إتجاه مصدر أصوات المجاهدين ، وإستمروا كذلك حتى هدأ غضب القائد .

رد المجاهدون السبعة بالتكبير ، ثم بعدة بطلقات من بنادقهم الإنجليزية القديمة المتوارثة من غنائم آخر حملات بريطانيا على أفغانستان عام 1919 .

ثم توقفوا حتى لا تنفذ ذخائرهم بسرعة . وبدأوا مرة أخرى فى الوعظ والإرشاد والتكبير .. ثم ساد الصمت. وتداول المجاهدون فى الوضع ، خاصة وأن الذخائر قليلة جدا . فجأه سمعوا إطلاق نار شديد داخل المعسكر . ثم هدؤ .. ثم الجنود يخرجون رافعين الرايات البيضاء ، ويستسلمون بلا قيد أو شرط . وقالوا للمجاهدين {لقد قتلنا الضباط الشيوعيين ونحن نسلم لكم الموقع !! } .

صار ذلك الحادث نموذجا للعديد مما تلاه من حوادث فى باكتيا . والملخص هو رمايات قليلة من جانب المجاهدين مع الكثير من التكبير ، ثم إستسلام جنود القوة الحكومية بعد قتل الضباط الشيوعيين .

ومع ذلك نشبت الكثير من المعارك الطاحنة ، وسقط الكثير من الشهداء . ولكن النكسات والفشل كان المدرسة الكبرى التى تعلم منها المجاهدون فن الحرب ضد جيش حديث .

التعليم بالدم كان باهظ الثمن للغاية ، بذل فيه أفضل الرجال أرواحهم ، ولكن دروسه كانت راسخة ، ومتراكمة ومتواصلة حتى لحظتنا الراهنة .

بدأ المجاهدون الأوائل فى إتخاذ أسماء حركية ، حتى لا تعرف الحكومة هوياتهم فيتعرض أهاليهم للإنتقام . لم يتحقق هذا الهدف إلا لمدة قصيرة وبعدها صاروا  أشهر من نار على علم . فذهب سبب تغيير الاسماء ، ولكن ظلت الأسماء الجديدة على حالها .

و”عبدالله حقانى ” أصبح “جلال الدين حقانى ” الإسم الاكثر هيبة وإحتراماً منذ ذلك الوقت وحتى الأجيال القادمة .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

توَكَلْ على الله ـــــ { تَوَكَلْ باخُدَاى } :

التوكل على الله شئ عظيم الخطورة لدى الأفغان . إنه ليس كلمة تقال ، من نافلة القول ، أو أنها علامة ضعف كما تستخدم أحيانا عندنا ـ أو حتى كلمة تحدى كما يستخدمها عوام المصريين بمعنى (إمشى غور من هنا !!) .

ولكنها منهج حياة ، وسلاح حرب ، ويستخدمونه بمعنى (وما النصر إلا من عند الله ) أو بمعنى (وإذا عزمت فتوكل على الله ) ، أو (لله الأمر من قبل ومن بعد ) . هى قريبة من أحد تلك المعانى  حسب الظرف الذى تقال فيه .كانت شعارا دينيا حيويا فى الحرب ، يعادل فى الأهمية شعار الله أكبر الذى هو العمود الفقرى للمجاهدين فى أعمالهم ، وحتى فى أنفاسهم.

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان كنا ثلاثة وصلنا إلى مركز “جلال الدين حقانى” فى قرية سرانا القريبة من جبل {ساتى كاندو} . لم نكن متعودين على مثل تلك الرحلات الشاقة الطويلة ، مع طعام قليل يصعب أكله بدون حافز من حب البقاء .

بعد حفل إستقبال تحت أشجار “السرو” فى الوادى . وخطبة قصيرة ألقيتها نيابة عن الوفد العربى ، ثم خطاب طويل من حقانى ، صعدنا معه إلى قمة الجبل القريب حيث يسكن ، ويدير أمور مجاهديه المنتشرون فى المنطقة .

كان يسكن فى بيت من صخور وطين . صغير ومحشور  بين كتل صخرية ، ويصعب تمييزه إلا من مسافة قريبة . كانت أسرته تسكن معه أحيانا فى ذلك البيت ، وفى الشتاء يعودون إلى مدينة ميرانشاه الحدودية .

وكان له فى ذلك الوقت طفلان (نصير الدين ) و(سراج الدين ). فوق سطح قمة الجبل مباشرة ، ركز حقانى رشاشا ثقيلا من صناعة بلجيكية عام 1941 ، مهمته التصدى للطائرات التى تغير على الموقع وعلى القرية من وقت إلى آخر . تلك القرية موجودة على القمة المقابلة ، على مسافة ليست كبيرة ويفصلهما وادى . ويقيم فى تلك القرية عدد من عائلات المجاهدين

وأكثر من نصف القرية قد غادرها ساكنوها إلى باكستان خوفا من القصف المتكرر للطائرات .

قضينا ليلة فى القرية ثم إنتقلنا إلى القمة الأخرى حيث حقانى والمدفع المضاد للطائرات الذى سنعود اليه فى الفقرة الخاصة بإسقاط “هيبة الطائرات” ، ودور حقانى فى ذلك . وما خصنى به من توبيخ نتيجة تقديرى المبالغ فيه لقدرة الطائرات .

كان صديقنا (إسماعيل) قد غادرنا عائدا إلى بيشاور نتيجة لتورم فى ركبتيه المصابتين أصلا نتيجة ممارساته الرياضية . بقيت مع أحمد ، وهو صعيدى سريع الملل ، لكنه أبدى صبرا مدهشا رغم إنفلاتات عصبية عاصفة ، مرت بسلام .

كان لحقانى مجلس تحت الأشجار على سفح الجبل ، وقد مهدوا له مساحة صغيرة تصلح لأربعة رجال . كان يجتمع فيها بقيادات المجموعات القادمين إليه . جلست معه عدة مرات أستفسر عن أشياء كثيرة تتعلق بأوضاع الجهاد فى المنطقة وما حولها ، وعن أحزاب بيشاور الذى بدأت تظهر على إستحياء شديد فى ذلك العام . أهتممت بالإسفسار عن المشكلات بأنواعها . وكان واضحاً بالفعل  حاجة المجاهدين إلى كل شئ . إنتابنى مقدار كبير من الهَم ، لأن ما هو مطلوب يبدو أكبر بكثير جدا مما يمكننا توفيره ، حتى مع بذل أقصى مجهود .

أدركت أن الموضوع سيكون طويلا وصعبا ، بل أصعب مما تخيلنا ـ ملخص الوضع الراهن أنه لا توجد ذخائر كافية لأسلحة المجاهدين . والطعام متقطع وبمستويات متدنية حتى بالمعيار المحلى المتواضع جدا .

قال لى حقانى أنه جلس يوما قبل نومه مهموما لعدم وجود شئ لديه لإ طعام المجاهدين . وفى نومه ، رأى شخصا يخاطبه قائلا : “يا عبدالله لم يتركك الله جائعا يوما ، والآن بعد أن خرجت مجاهدا فى سبيله ، تظن أنه سيتخلى عنك؟؟. ستجد طعامك غدا معلقا بهذه الأشجار” . وفى الصباح جاءنا أحد الرعاة بخروفين تبرعا منه للمجاهدين .فذبحناهما وعلقنا اللحم على الأشجار لتوزيعه على مراكز المجاهدين.

وقال حقانى لولا التوكل على الله لما استطعنا البدء فى الجهاد أو الإستمرار فيه ولو لساعة واحدة .

لا توجد حركة للمجاهد كفرد أو للمجاهدين كجماعة إلا ويتجسد فيها معنى التوكل الحقيقى على الله ، حيث لا أسباب ولا وسائل تصلح لأن تعقد عليها الآمال . وكلما زادت القدرات كان عدد المتوكلين على الله يقل ، فالبعض كان يلتصق بالأسباب ويقاتل من أجلها وعندها كانت الكوارث والهزائم .

كان حقانى هو المعلم الأكبر لرجاله لتذكيرهم بمعانى التوكل على الله وعدم التعلق بالأسباب ، مع السعى الحثيث لحيازة أكبر ما يمكن من أدوات القتال الفعالة والتدريب عليها . وأرشدهم وأثبت لهم بنفسه عمليا أنه حتى مع عدم وجود الوسائل المناسبة للقتال فإنه بالتوكل على الله يمكن الإنتصار على العدو مهما كانت قوته .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (150) | ذوالحجة 1439 هـ / اغسطس 2018 م. 

24/8/2018

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

– بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب .

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية .

–  تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا ، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

–  تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة .

–  أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها .. وهكذا تفعل على الدوام .

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب ، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟؟

– من أهداف أمريكا الكبرى : تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى ، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى .

– ما هى  قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان ؟؟ .

–  وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى ، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية ، إلى أن يتوقف الجهاد .

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض . فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون ، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان .

–  لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن ؟؟ .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد . فهو يعبر عن النظام الأمريكى ، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب . رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى ، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى .

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط ، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة . فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن . فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم . وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات . وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم ، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا .

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما) ، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه . ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية ، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة . لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة ، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون .

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب :

1 ـ  إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا ، وعلى رأسها أفغانستان ، ومن ضمنها العراق وسوريا . ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها ، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا ، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ  أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة . وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله .

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة ، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية ( أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية ، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية . أو لطرد منافسين من مناطق معينة ( إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا ..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة .

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم ، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية ، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى ، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول . وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل . وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية . لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم .

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة . ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا ، أو مستقيلا ، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام .

 

الحرب والمفاوضات :

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب . ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك .

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء . فالمفاوضات مليئة بالعروض (أوالمشاريع) الملغمة ، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك . وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى . فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه . واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد .

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا ، فى ” فرساى” بالقرب من باريس ، بشأن الإستسلام والتعويضات . وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية) .

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة ، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب ، إذا كان هناك حرب أخرى .

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً . وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها . بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء . فهناك مثلا :

 ضغوط عسكرية : بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين ، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة .

  ضغوط سياسية : من داخل أفغانستان وخارجها ، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها .

  ضغوط مذهبية : مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين .

  ضغوط نفسية : ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها ، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج .

وكما سمعنا فى حوار مع أحد رموز حركة طالبان القدماء مع محطة إعلامية عربية شهيرة ، والمذيع يدحرج عليه كومة من الإدعاءات المحبطة ، التى توحى بعزلة الحركة ومخالفتها لجميع التيارات والمبادئ الإجتماعية والدينية ، فيقول ما معناه { القبائل الأفغانية مَلَّتْ من الحرب والعلماء يطالبون بوقفها ـ والمقاتلون مَلّوا من الحرب ، بينما حركة طالبان تريد الإستمرار فى الحرب منفرده ضد إرادة الجميع } !! .

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية ، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال .

   فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان . وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009 ، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014 . ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط ، ولوبى المخدرات ، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا ، واستمرت الحرب .

  وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان . وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها . أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها .

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها ؟؟ . قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019) . بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض ، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى ، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

 – تنازلات أمريكية “مؤلمة !! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة ، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية) ، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى ، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا ؟؟.

 فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل : تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا .. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ” !! .

   إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى ، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل . فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة ، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله .

   الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة ، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل .

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا . ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات . فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا  لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله .

    الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى ، إلى (صفقة) سياسية ، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة . وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية ، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا .

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته ، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه . وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية . فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة ، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا) ، فلا أحد يأخذ منها شيئا ، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف .

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان ، فما هى   أهدفه المتبقية فى عملية التفاوض ؟؟ .

   الهدف هو ذاته لم يتغير ، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا ، وتطبيقها للشريعة شكليا ، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته :

    فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية. وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب .

ولا يصل إلى السياسة ، فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام .

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة ، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء . ويترك لجماعة التنفير من الدين ، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام .

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق .

دخول تلك الشركات إلى دولة ما ، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد :

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات : لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى . ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها .

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى : أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان ، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث . تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية ، وشئون الأسرة ، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل ، كل ذلك بمنظور غربى بحت ، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية . ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين . ويكون هَمْ الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة .

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية” : وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما :

الأولى : تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد . وتوزيع مشاريع الدولة على تلك الشركات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى ، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة ، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة ، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى ، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية . والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية : الحفاظ على الأمن الداخلى : لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة . لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة ، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة ، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر ( كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ) .

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة تلك الشركات والدول الحامية لها .

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته ، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم .

وأهم الأدوات اللازمة لذلك ، هى الأجهزة المسلحة أى : جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة ، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره . جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى : تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج ( الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة) .

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن” . وأهم الأجهزة المساندة هى : الجهاز التشريعى ( مجلس النواب ) والجهاز الإعلامى ، والجهاز القضائى ، والجهاز الدينى(علماء النتاجون ، وبغال الإفتاء ) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين ، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ) .

الثالثة :  القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها :

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة .

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما .

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا .

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان ، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات ، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان ؟؟ :

المطلوب أشياء كثيرة .. أهمها ما يلى :

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند ، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان . وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى ، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة . أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة .

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة ( UNODC ) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها ، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون .

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة . مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها . وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت ، ( طبقا لقاعدة : “أمريكا فوق الجميع” ، وكل شئ لأمريكا فقط ، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان ، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن ، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا . وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان .

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان . والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى . مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين .

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام ، والمحافظة على أقلية من العملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها .

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته . ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى .

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة .

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية . وهى هيئات إستخبارية فى الأساس ، وأدوات غزو سياسى وثقافى .

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة ، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى .

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال . وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام . وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد . والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال .

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل ، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب ، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم . وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان .

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى ، والإلتزام بالتجارة الحرة ، أى عدم حماية الصناعات المحلية ، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي . وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى ، حسب ما سبق ذكره .

 

 

لا نهائية المفاوضات :

أولا : من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض ، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة . كما أن التفاوض يعنى صفقة ، والصفقة إذا كانت عادلة ، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر . بينما تحرير أفغانستان لا يخضع للتفاوض أو المساومة ، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة ، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل ، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد .

    فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان ، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع ، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن . فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة  ، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال ، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق ، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم . عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام  1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية .

ثانيا :  ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض . فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة ، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها .

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه ، جميعها شئون أفغانية بحتة ، يجرى بحثها داخليا ، وتنفيذها جماعيا ، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته ، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص . والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض ؟؟.

   إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض ، لمصالح قد تراها ، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده ، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام ، إلى أن يخرج آخر جندى محتل . لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً . فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة ، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض ، أو ( لبناء الثقة !! ) . أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين … إلخ .

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة . إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية . ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات الجهادية المقاتلة وتفتر الهمم ، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم . فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات .

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى . وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة ، مزقت أوصاله طيلة سنوات . ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود .

 

ملاحظات حول توقيت التفاوض :

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية .

 

فى أفغانستان :

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ {حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية} ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها . فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون . وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون ، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى ، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان ، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية . وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب . وإن كان هو أقواها ، ولكن ذلك لا يبرر بقائه ، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين . وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون .

    وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى . وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة .

 

فى الداخل الأمريكى :

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد . فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله .

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين ، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة .

 

فى المنطقة العربية :

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية ، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها .

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع ، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران . بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم . لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض ، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية .

   قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية . فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/8/2018

www.mafa.world

 




قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر ( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (149) | ذوالقعدة 1439 هـ / يوليو 2018 م. 

24/7/2018

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

 – العمامة وحدها لا تصنع من الجاهل عالما . ومجاورة البيت الحرام لا تجعل من الفاسق ناسكا .

– كيف يسمع بوجود الإحتلال الأمريكى لأفغانستان من أصم سمعه رنين الذهب وأعشى بصره بريقه .

– حاقت بالمسلمين فتنة لا تزول ، إلا بفضل من الله وجهاد الأفغان ، ومن سارعلى دربهم من المخلصين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 (فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام ) . فكيف هو حال الأمة إذا كان الحكام والعلماء الذين على أبوابهم هم من مروجى الفساد والمنافحين عنه ؟؟.

ألم يسمع “علماء” الزور بأن الجيش الأمريكى إجتاح أفغانستان عام 2001 بناء على وعد من الرئيس الامريكى (بوش)، قطعه على نفسه فى كنيسة بالعاصمة واشنطن مهددا أفغانستان بحرب صليبية ؟؟ . يبدو من أحاديثهم أنهم لم يسمعوا أصلا بوجود إحتلال أمريكى فى أفغانستان . هل فقدوا الذاكرة أم أنساهم بريق الذهب تلك الحقيقة الرهيبة التى تعيشها أفغانستان منذ 17 عاما ويعرفها العالم أجمع فيما عداهُمْ !!. حقيقة وجود جيش كافر صائل يقتل وينهب ويعتدى ، وينشر الرذيلة والفساد ويسفك دماء المسلمين .

نسى هؤلاء أم سقط سهوا من بياناتهم وفتاويهم وجود آلاف من جنود الإحتلال الأمريكى ومن دول تابعة لتلك الدولة الكافرة بلغت حوالى الخمسين دولة ، غير آلاف أخرى من مرتزقة الشركات الدولية التى تتعاطى تجارة الحروب والهلاك . إضافة إلى عدة آلاف أخرى من سقط متاع المجتمع الأفغانى سلحتهم أمريكا ودربتهم ليكونوا رأس حربة فى خراب البلاد وهلاك العباد . ومن بين تلك الجيوش الغازية كانت ثلاث جيوش (إسلامية !!) هى تركيا والإمارات والأردن ، ناهيك عن باكستان التى وضعت كافة إمكاناتها وطاقاتها ومعلوماتها فى خدمة حملة بوش الصليبية على شعب أفغانستان .

بلغت جيوش الحملة الصليبية أكثر من 150 ألف جندى ، مزودين بأشد أسلحة العالم فتكا ، وسلاح طيران لا نظير له فى دول اليوم . وذخائر لا حصر لها ما بين ذكى وإشعاعى ، ومن جميع الأوزان والأحجام وصولا إلى (أم القنابل) التى تزن 11 طنا من أنقى أنواع المتفجرات، لتكون أقوى القنابل خارج الترسانة النووية الأمريكية .

ألم يسمع السادة العملاء بذلك ؟؟. أم أن بريق الذهب يعشى الأبصار ورنينه يصم الآذان ؟؟. أم أن الإرتشاء فضيلة لمنعدمى الفضيلة ؟؟.

إن العمامة وحدها لا تصنع عالما .. والتواجد فى البلد الحرام لا يجعل من الفاسق ناسكا .. وإلا لما حفظ لنا القرآن إسم أبا لهب ، وحفظ التاريخ إسم أبا جهل ضمن أسماء فطاحل الكفر .. فالكفر ملة واحدة منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير فى حياة البشرية.

“وبلعام بن باعوراء” له أحفاد مستنسخون ، تجدهم فى شتى الأماكن من أندونيسيا إلى كابول إلى البلد الحرام ـ ولاحول ولا قوة إلا بالله .

وكذلك هو أبا رغال وأبا جهل ومسيلمة الكذاب . كلها شخصيات تختفى حينا وتظهر أحيانا لتؤدى نفس الأدوار فى عصور مختلفة وبأسماء مستعارة ـ قد يتمسح بعضها نفاقا بالإسلام وشخصياته النورانية .

هلك فرعون وأخزاه الله فى الدنيا والآخرة . لكن أحفاده المستنسخون ، والمنبثون فى أرجاء المعمورة ، مازالو يتناوبون على حكم البشر . يسومونهم سؤ العذاب ويرشدونهم سبل الضلال ، ثم يلاقى فرعون وجنوده ـ نفس المصير ، ولا من معتبر . فأكثر الناس ينسون ولا يتذكرون ، بل يستخفهم الباطل بدعايته المبهرجة التى يطرب لها ضعاف العقول ، بأنهم كانوا قوما فاسقين .

– إن المشكلة فى أفغانستان والتى تعامى عنها من طمس الله قلوبهم هى الإحتلال الأمريكى للبلاد . وشعب أفغانستان / وإن كان من أكرم الشعوب وأنبلها / إلا أن به من أصناف البشر مثل ما فى كل شعوب العالم . فهناك ضعاف النفوس وفيه من تعاون مع المحتل وعمل إلى جانبه وقاتل من صفوفه طمعا فى متاع الحياة الدنيا . كما تميز الشعب الأفغانى بكثرة علمائه ومجاهديه الذين يبذلون الأرواح من أجل دينهم ، فقاتلوا أعداء الدين من الغزاة والمتعاونين معهم من أهل البلاد مهما كانت قبائلهم أومكانتهم الإجتماعية ـ عملا بقوله تعالى:

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } المجادلة ـ 22 ـ

ـ فلدى الأفغان أيضا (أبا رغال) و(بلعام بن باعوراء ) ومسيلمة الكذاب ، تماما كما أن لدى العرب خائنين للأمة ودينها من الذين أدخلوا الكفار أعداء الدين إلى البلاد المقدسة والأراضى التى طردهم منها رسول الإسلام . بل ويتباهون بصداقتهم ، ويهبونهم أراضى جزيرة العرب التى طردهم منها رسول الإسلام بقوله (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) ، يبتغون عندهم العزة .  فأنشأوا فيها أكبر الكنائس وأكبر القواعد العسكرية وأعظم الموانئ لأساطيل دول الكفر . بل وأدخلوا اليهود لحماية قصورهم ، وتثبيت أركان حكم وهمى زائل وبلا كرامة فى الدنيا ولا ثواب فى الآخرة . وتنازلوا لهم ومنحوهم الحق فى إحتلال أراضى الإسلام فى فلسطين وكأن تلك الأرض ومقدساتها هى من أملاكهم الخاصة . فوصل بهم الأمر إلى التنازل لهم عن القدس ومسجدها الأقصى .

   يقول بعض الضالين المضلين ، بضرورة التطبيع مع قتلة الأنبياء مغتصبى أرض الإسراء والمعراج ، وأن تفتح لهم السفارات فى بلاد جزيرة العرب . بل وقنصليات فى مكة  والمدينة !! ، إلى جوار بيت الله الحرام ، ومسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).

ــ إلى هذا الحد بلغ الفجور فلا تختبئوا تحت العمائم فهى ليست لكم ، بل هى للرجال العلماء المجاهدين ، ولأطفال العلوم الشرعية الذى يقتلهم الجيش الأمريكى يوميا فى أفغانستان ، فما توقفوا عن الذهاب إلى مدارسهم لتلقى علوم القرآن والشريعة رغم قصف الطائرات وغارات القوات الأمريكية الخاصة ورغم رحيل الشهداء قوافل تلو القوافل ، من أطفال مدارس الشريعة وشيوخها وطلابها من الشباب المجاهدين المنافحين حقا وصدقا عن الإسلام .

ــ يا من جسدوا العار فى جيبن المسلمين ، هل سمعتم فرعون العصر وهو يقول :{ إن للإسرائيلين الحق فى العيش بسلام على أرضهم (فلسطين!) ولا مشكلة لنا مع اليهود ، وتجمعنا مصالح مشتركة مع تل أبيب }.

فيتبارى السلطان وكلابه  فى التمسح بأحذية اليهود ، ولعق أحذية الأمريكان . كتبت عليهم الذلة والمسكنة ، وعليكم يا آكلى السحت وشهود الزور . أعجزتم أن تقولوا كما يقول بعض المنصفين فى بلاد الأعداء؟؟ .

قال الموقع الأليكترونى الأمريكى (آنتى وور) ، فى تقرير مطول ، أن الجيش الأمريكى قتل فى العراق 2,5 مليون إنسان . (فكم قتل من الأفغان خلال 17 عاما من القصف الجوى والبرى على المدنيين؟؟ ). يقول الموقع المذكور فى تقريره { إقتنع الجمهور بالصفات شبه السحرية “للأسلحة الدقيقة” فكان سهلا على القادة العسكريين والمدنيين الأمريكان تبرير إستخدامها لتدمير قرى وبلدات بأكملها ومدن فى بلد بعد آخر ، كما فى الفلوجة والرمادى والموصل فى العراق ، أو فى سانجين وموسى قلعة فى أفغانستان . ومدينة سرت فى ليبيا ، ومدن كوبانى والرقة فى سوريا } .

–  يا كلاب أهل النار .. هل أصابكم الصمم عن أن تسمعوا قول باحث أكاديمى من سادتكم اليهود وهو يقول عن مضيفكم ـ وبصريح العبارة ـ أن بلاده بدون عون إسرائيل لا تستطيع أن تحمى {{مؤخرتها!}} حتى فى العاصمة . ناهيك عن طلبها للعون الإسرائيلى فى حروبها فى بلاد عربية متنوعة . فإذا كان هذا رأى ذلك الخبير فى “مؤخرة” مولاكم . فماذا عنكم أنتم ؟؟ هل تستطيعون حماية أى شئ؟ ، أم أنكم كما قال حكيم : لا تأخذون حقا .. ولا تدفعون باطلا.  وكيف تدفعون باطلا وأنتم الباطل نفسه ، وعنه تدافعون بشرفكم وكرامتكم ، وتشترون به الدنيا وتبيعون من أجله الآخرة ؟ .

– { فى أفغانستان (خلاف) بين (إخوة فى الدين) يجب أن يتصالحوا فيما بينهم ليعم السلام والوئام } . وهكذا كانت بداية قصيدتكم كفرا .. ونهايتها أيضا كانت كفرا .. فبهذه المقدمة لمؤتمر الشياطين ، لابد أن تكون التوصيات هادية إلى النار .

فى أفغانستان معركة بين الكفر والإسلام . بين كافر غزى بلاد المسلمين وبين شعب مسلم يدافع عن دينه وعرضه وأرضه وماله . فكيف يكون التصالح ؟؟. فليس هناك إلا طريق واحد للحل ، هو أن يخرج المعتدى ويسحب كل قواته معه . { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ـ النساء 76 ـ

أما من ساندوا الغزاة الكافرين من أهل البلاد ، فإنهم فسخوا العهد مع الله والدين والأمه وتلزمهم التوبة ، أو العقوبه المناظرة لجناياتهم التى إرتكبوها . فالخيانة جريمة عظمى ، وليست وجهة نظر تُقدَّر حسب المبلغ المدفوع .

وطبقا لتلك القاعدة الشيطانية التى يرسيها كلاب أهل النار ، بمؤتمراتهم ومؤامراتهم وفتاويهم جاهزة الإعداد ومدفوعة الأجر ، سوف يكون على المسلمين جميعا أن يتنازلوا عن دينهم ، ويتصالحوا مع اليهود المحتلين لفلسطين ، بل ويتعاونوا معهم ويتحالفون سويا للقتال ضد أى مسلم يعترض على(السلام!!) الذى يموهون به على المسلمين ، بتسميه الأشياء بغير مسمياتها. فالخيانة والردة لن تكون أبدا سلاما واستقرارا ، بل أن الجهاد سوف يستمر ، إلى أن يأتى الله بالنصر أو بأمرٍ من عنده .

فقد أنبأنا رسولنا الكريم قائلا : { لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة } ــ رواه مسلم ــ فمن أعظم من الأفغان صبرا أو أقوى منهم شكيمة أو أشد منهم بأسا ؟؟. هم الطائفة الراسخة على الحق ، وبهم يلحق الصادق من المسلمين .

 ــ يا عملاء الزور !! .. لقد حذر الله فى كتابه الكريم بشرا من أمثالكم بقوله تعالى :

{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } ـ الأحزاب 60 ـ

وفى هذا تحذير لأمثالكم من المنافقين ، بأن هناك قصاص لابد منه ، ومؤمنون فى بطن الغيب قادمون لإقامة الدين وإتمامه ولوكره الكافرون .

ذلك وعد الله .. فأين لكم منه المفر ؟؟ إلا بالتوبة قبل القصاص العادل .

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

علماء البنتاجون و بغال الإفتاء :

شاع مصطلح علماء البنتاجون بعد هزيمة السوفييت فى أفغانستان وظهور دور المتطوعين المسلمين من أنحاء العالم ، بعد فتاوى بلا حصر تؤكد فرضية الجهاد فى أفغانستان ضد الإحتلال السوفيتى .

وبعد إنتهاء الحرب وإنقلاب الموقف الأمريكى والغربى ضد المتطوعين المسلمين ـ خاصة العرب منهم ـ أفتى نفس العلماء بأن هؤلاء المتطوعين هم من المتطرفين والإرهابيين . ولكن ما لبثوا أن أخرجوا فتاوى أخرى تدعو الشباب للتطوع للقتال ضد الروس فى الشيشان ، وفى البوسنة والهرسك ضد الصرب والكروات ـ فكانت بوصلة فتاوى هؤلاء “العلماء” متجهة إلى حيث المصالح الأمريكية الحيوية ومتطلباتها العسكرية . فإذا كان الجهاد لغير صالح الولايات المتحدة كأن يكون ضد اسرائيل أو ضد الجيش الأمريكى وحلفائه/ كما حدث فى غزو أفغانستان / فإن الآيه تنقلب تماما ، ويصبح الجهاد فى فتاويهم جريمة نكراء والمجاهد ينقلب إلى إرهابى يهدد الأمن والإستقرار . فيعقد علماء البنتاجون وعبيد الدولار حلقات الفتوى ومؤتمرات الضرار ، يتجولون بها من بلد إلى آخر ومن محطة فضائية إلى أخرى ، يحذرون من (جريمة الجهاد) ، وفوق ظهورهم يحملون فتاويهم جاهزة التزوير حسب طلب الكافرين. فصدق فيهم وصف (بغال الإفتاء) .. ولا كرامة لفاسق .

ومع ذلك فإن وجود بغال الإفتاء لم يمنع وجود علماء البنتاجون بل وحتى علماء الكنيست . فكلهم مشغولون الآن فى الإفتاء لصالح مولاهم الأمريكى ، ورفع راية إسرائيل وتثبيت أركانها إمبراطوريتها فى بلاد المسلمين والعرب . ومصادقة من يصادقها ، ومعاداة من يعاديها، والجهاد دونها بالكلمة والمال والسلاح ـ أولئك هم أولياء الشيطان .

 بغال الإفتاء لن يستطيعوا إحراز النصر لمن عجزت جيوشهم عن تحقيقه فى أرض المعركة. إنهم جزء من محاولة الجيش الكافر اليائس الذى يرغب فى الفرار السريع قبل أن يسقط على أرض أفغانستان مُحَطّماً ساقط الهيبة والكرامة ، فيسقط على مستوى العالم كله.

 ـــ  فى الوقت الراهن يريد الأمريكى أن يحارب بجيشه ـ أو أن يهدد به فقط ـ كى يرسى قواعد دولة اليهود فى بلاد العرب ، ويضع تحت يدها (جميع) مقدسات المسلمين ، وجميع جزيرة العرب من الشام إلى اليمن ـ وجميع بلاد العرب من المحيط إلى الخليج . ولكن المجاهدين الأفغان يعرقلون كل ذلك وربما أسقطوا معبد الكفر فوق رؤوس الأوثان وعبيد الشيطان . فتنتهى على أيديهم ردة واسعة النطاق وإنهيار شامل لا أمل فى وقفه إلا بعناية من الله وجهاد عباد الرحمن من أبطال الأفغان . ولهم فليدع كل مسلم ، وليعترف بما لهم من فضل يطوق رقاب الأمة جميعا . ولهم النصر المبين بإذن الله .

{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز } ﴿٢١﴾ المجادلة

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/7/2018

www.mafa.world




كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (148) | شوال 1439 هـ / يونيو 2018 م.      

كيف تروج أمريكا لداعش فى أفغانستان ؟؟

– أمريكا تستخدم داعش لتكرر تجربتها فى السلفادور مع فرق الموت ، التى دربتها ومولتها لإرتكاب مجازر ضد الشعب  وإلصاق المسئولية بالثوار  لتشويه سمعتهم .

– القنبلة العملاقة (أم القنابل) كانت إشارة البدء ” لإذاعة صوت الخلافة” الداعشية ، لتعمل من داخل قاعدة جوية أمريكية فى جلال آباد .

– عملية لداعش فى كابل ضد وزارة الداخلية تستعمل بها سيارات لا يمتلكها إلا الجيش الأمريكى ، وأسئلة محرجة ومتشككة ، أثيرت فى البرلمان الأفغانى .

– كمين وزارة الداخلية ، رتبه الأمريكيون للدواعش بعد أن جهزوهم بالسيارات والأسلحة وملابس عسكرية للقوات الخاصة الأمريكية .

– عمليات ترتبها المخابرات الأمريكية لتضخيم خطر داعش . وتستهلك فيها الدواعش كما تستهلك أوراق مسح الأيدى القذرة ، و لمجرد الدعاية وتصنيع “خطر إرهابى” .

– أمريكا تحاول حشد دول المنطقة والعالم لتأييد إحتلالها لأفغانستان ، بدعوى مكافحة إرهاب داعش . والروس يلتقطون الخيط ويخوفون دول آسيا الوسطى ، على أمل قبولهم بتقديم الحماية الروسية لهم .

– مؤتمرات “عبيد الدولار” للفتاوى مدفوعة الأجر ، فشلت سابقا فى أفغانستان ، وسوف تفشل حاليا ، وسيخرج الإحتلال مهزوما مدحورا .

– “المؤتمرات سيئة السمعة” ، تستهدف الشعوب الإسلامية لتمرير تحالفا أمنيا وعسكريا مع إسرائيل فى الحرب على الإسلام والمجاهدين ، والتنازل عن فلسطين والمقدسات الإسلامية . كل ذلك تحت شعار مضلل هو الحرب على إرهاب داعش والتطرف الإسلامي .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

أتقنت الولايات المتحدة خدعة صناعة الأخطار ، ثم تسويق نفسها كحامى ومدافع عن الآخرين فى مقابل أغلى الأثمان .

كانت أبرز تجاربها فى هذا المجال هى تجربة ” فرق الموت” ألتى أنشأتها فى السلفادور دفاعا عن الحكومة العميلة التى كانت تحكم البلاد ، وتهددها مجموعات الثوار . مهمة فرق الموت التى دربها الأمريكيون وأدارها خبراؤهم العسكريون ، كانت إرتكاب كل الجرائم الفظيعة ضد أفراد الشعب وإلصاق التهمة بالثوار ، لتشويه سمعتهم وصرف الشعب عن مسانتهم ، بل والإستنجاد بالحكومة العميلة كى تحميهم من الثوار .

وآخر صور( فرق الموت) التى إخترعتها الولايات المتحدة كان تنظيم داعش . وبواسطته إستطاعت حرف مسار جهاد عدة شعوب عربية ، وتحويله من مقاومة الإحتلال الأجنبى إلى مسار القتال الطائفى والمذهبى .

وعلى إتساع البلاد العربية فإن الولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا داعش ـ ومثيلاتها ـ لتأكيد وجود عدو بديل عن إسرائيل ، وأشد خطورة منها ، بل ويبرر الإتحاد معها فى تحالف ضد عدومشترك . ذلك العدو أسموه ( الإرهاب والتطرف الإسلامى ). الإرهاب هو داعش ـ وجميع الشعوب توافق على ذلك ، والأصولية الاسلامية هى أى مسلم يرفع السلاح ضد الإحتلال الإسرائيلى أو الأمريكى ـ وتلك هى الخدعة فى الشعار المطروح ، أى المساواة بين الإرهاب الإجرامى وبين الجهاد الإسلامى . فى أفغانستان ، عندما فشلت أمريكا فى محاولتها قهر الشعب الأفغانى وهزيمة مجاهديه ، إستوردت تنظيم داعش كى يكمل معها ما فشلت فى تحقيقه مع تحالف يضم خمسين دولة . وحاول داعش أن يعرض على شعب أفغانستان إسلاماً جديداً ، خارج عن كل أحكام الإسلام ، وجهادا جديدا لا يلتزم بأحكام الجهاد فى الإسلام ، إذ كان قتلا وإفسادا فى الأرض بغير الحق ، وتعاونا مؤكدا مع الكافرين ضد المسلمين المجاهدين. وفى كل ساعة يكتشف الشعب الأفغانى لتلك الحقيقة ، وتزداد داعش وحشية وعزلة .

ومع تزايد المأزق الأمريكى فى أفغانستان ، وفقدان الطريق لأى إنسحاب يحفظ ماء الوجه ، ويضمن “المصالح” الإستعمارية فى أفغانستان ـ تزايد الإعتماد على تنظيم داعش ، والترويج الكاذب لقوته وخطورته ، ثم وضعه فى ميزان واحد مع حركة طالبان التى تقود جهاد شعبها منذ سبعة عشر عاما متوالية . ثم مطالبة ذلك الشعب بنبذ كل ذلك(الإرهاب) الداعشى منه والطالبانى ، والدخول فى سلام مع النظام العميل الذى أقامه الإحتلال ورسم دستوره وقوانينة وأرسى أسسه القائمة على دعائم الفساد والطغيان والتعدى على الشريعة . ولكن تلك الحيلة لم تنطل على أى كائن حى فى أفغانستان ، سوى أشباه البشر الذين ربطوا حياتهم بحياة المستعمرين والكافرين .

كان من هؤلاء زعماء مزيفون ، وتجار دماء وقادة مافيات تتاجر بكل شئ ، وسياسيون بلا ضمير ولا مبدأ سوى مصالحهم المالية . وكان من بينهم أشباه علماء يحاولون تجريم الجهاد ويصرفون الأنظار عن جيوش الإحتلال التى تجاوزت على الدين والعرض والأرض وأرزاق المسلمين .

هؤلاء أشباه البشر ، من علماء السؤ يعقد لهم الاحتلال مؤتمرات الفتنة المتنقلة فى بلاد المسلمين . بالأمس فى إندونسيا وبعدها فى كابول ، وغدا ستكون هناك أماكن أخرى، إلى أن تختلط الرؤية فى أعين المسلمين وضمائرهم ، ويصبح منكر الإحتلال معروفا ، ومعروف الجهاد والشريعة منكرا وإرهاباً . ذلك المزيج المشترك بين إرهاب داعش من جهة ، وعلماء السؤ من جهة أخرى ضمن موكب الشيطان الأمريكى ، وإبليس الإسرائيلى .

وكما تروج أمريكا لإجرام داعش ، تروج أيضا لضلالات علماء السؤ . فكلاهما يستهدف الدين ، ويستهدف نتزع سلاح الجهاد من أيدى المسلمين ليضيع الدين وتضيع البلاد ويهلك العباد .

 

(أم القنابل) لإفتتاح (صوت الخلافة) :

إبتدع الإحتلال الأمريكى أساليب إجرامية لترويج إرهاب داعش فى أفغانستان . فيوم أن إستخدموا قنبلتهم العملاقة (أم القنابل) وهى الأضخم فى الترسانة التقليدية عندهم . قالوا إنهم ألقوها على مواقع مجاهدى طالبان فى جلال آباد . وبعد يوم واحد بدأ راديو داعش فى البث بإسم (صوت الخلافة) من داخل القاعدة الجوية الأمريكية فى مطار جلال آباد !! . لم يظل الأمر سراً لفترة طويلة وذاع إلى درجة أن تكلم به أحد أعضاء مجلس النواب فى كابول ، وهو “ظاهر” ابن حاجى قدير “والى” جلال آباد السابق .

 

كمين وزارة الداخلية ، أحجيه دامية .. كيف نفسرها ؟

فى الثلاثين من شهر مايو الماضى تحركت سيارتان عسكريتان تحمل كل منهما خمسة مسلحين دواعش مزودين بأحدث الأسلحة الأمريكية ويرتدون ملابس القوات الأمريكية الخاصة . عبرت السيارتان عشرات من نقاط التفتيش دون أن يستوقفهما أحد ، إلى أن توقفتا أمام المبنى الجديد لوزارة الداخلية .

ترجل المسلحون العشرة من السيارتين ، ليجدوا قوات الأمن التى تحرس المكان فى تمام الجهوزية لإستقبالهم ، وفتحت عليهم النيران وأردتهم قتلى جميعا . وبقيت السيارتان سالمتان غنيمة لقوات الأمن .التى إدعت أن أحد عناصرها قتل وأصيب خمسة آخرين بجروح خفيفة .

إنتهت العملية وبقيت ألغازها بدون حل . فكيف تعبر سيارتان كل نقاط الأمن الكثيرة بلا إعتراض ؟؟ وكيف كان الأمن جاهزا ومتحفزا أمام ساحة المبنى الحكومى الذى تحولت إلى منطقة قتل أبيد فيها المهاجمون؟؟. فهل كان ذهابهم لأجل إجتماع ما ، ثم وقعوا فى خيانة وكمين غير متوقع؟؟. والدليل على ذلك عدم تفخيخ السيارتين لتفجيرهما خلال العملية كما هو متبع فى مثل تلك العمليات، أى لم تكن هناك عملية هجومية فى الأصل ، وأنه مجرد كمين للدعاية والإعلان ، أعده الأمريكيون . فلا بأس فى قتل عشرة من الدواعش أو حتى ألفا ، فقد ظهر أن الأمريكيين يستهلكونهم فى مآربهم مثلما يستخدمون أوراق مسح الأيدى القذرة ، ثم يتخلصون من جثثهم بإزدراء .

هناك شك فى أرقام الإصابات فى صفوف الأمن . أو كما قال (عبد الله باركزاى) نائب البرلمان عن ولاية أرزجان فى حوار له مع قناة (طلوع) التلفزيونيه المحلية :

 1 ـ  كيف حصلت داعش على هذه السيارات ؟ ومن أين ؟ فالسيارات الأمريكيه المستخدمة لا يمتلك مثلها (أشرف غنى) رئيس الحكومة ، ولا أى من الوزراء أو النواب ، بل هى ملك حصرى للقوات الأمريكية .

2 ـ  كيف وصلت السيارات إلى وزارة الداخلية بدون التعرض للتفتيش على طول الطريق؟ .

3 ـ  وماذا فعل الدواعش فى هذا الهجوم ؟ .. هل هاجموا الوزارة كى يقتلوا أنفسهم فقط ؟ .

السؤال الأخير يثار فى العديد من العمليات الداعشية . وكأن المطلوب فقط هو النسف والحرائق وقتل أكبر قدر من البشر ، بما فيهم المهاجمين ، حتى لو كانوا هم القتلى الوحيدون . ولكن الإعلام المحلى الذى يديره الإحتلال ، ويظاهره الإعلام الدولى يلتقط الخيط من بين الأشلاء ، والمعارك المشبوهة ثم يضخم من خطورة داعش ، وفظاعة عملياتها .

فيشيع فى أفغانستان والمنطقة والعالم تلك الصورة المغلوطة عن الغول الداعشى الذى يهدد الجميع ، وأن الإحتلال الأمريكى هو الحل ، ليس هذا فقط بل على دول المنطقة أن تمد له العون ، وأن يتبرع الآخرون بدفع تكاليف ذلك الإحتلال المفيد والمنقذ !! .

–  ذلك الترويج لأسطورة داعش ، والمواصلة فى نفخ ذلك البالون الدامى ، هو من صلب حرب أمريكا على الإسلام على إمتداد العالم ، وفى أفغانستان على وجه الخصوص ، التى برهنت على إستعصائها على التطويع ، بل وقدرتها على تحقيق النصر على أرض الجهاد ، بحيث تورط المحتل فى إيجاد طريق للفرار . ويجرب كافة الوسائل من الإجرام الداعشى ـ إلى علماء السؤ ومؤتمراتهم الخبيثة ـ إلى الإستهداف المباشر للمدنيين بكافة الوسائل العسكرية المتاحة بحيث لا تكاد تنقطع المجازر المتعمدة ضد المدينين من الجو ومن الأرض .

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

 

مسرحية ” قرغا” :

عملية ترويجية آخرى ، مع ألغازها الخاصة المستعصية على أى تفسير .

فالمعروف أن القوات المسلحة المحلية ، بداية من الجيش المحلى الذى كلف الأمريكيين ما يقارب عشرة مليار دولار حتى الآن . وصولا إلى المليشيات من مطاريد المجتمع والقبائل التى يسلحها ويمولها الإحتلال . جميعها ذات هدف رئيسى هو الدفاع عن قوات الاحتلال أولا ، ثم مقراته الإدارية ومعسكراته . فكيف فى معسكر “قرغا” تدافع القوات الأمريكية عن القوات الأفغانية . هل إنعكست الآية ، أم أن هناك سرا وراء عملية معسكر قرغا ؟ .

قوات الإحتلال الأمريكى تفرض رقابة عسكرية على كل ما يتصل بأفغانستان خاصة العمليات العسكرية . وعملية قرغا مصدر المعلومات الوحيد عنها هم الأمريكيون . ثم يأتى الإعلام العسكرى الحكومى ومن بعده الإعلام المحلى المدار أمريكيا . والجميع تناول الحادث بكل إمكانات التهويل ، وانبرى ( الخبراء العسكريون والاستراتيجيون ) فى التحليل والتأويل والطبل والزمر حول قوة داعش وخطورتها .

لهذا أبرز الجيش الأمريكى دورة فى التصدى للهجوم الذى يفتقر إلى شهود . حيث أنه فى داخل معسكر كبير ذو أهمية ، ويدار تحت إشراف الإحتلال .

قال الإحتلال على لسان الناطق العسكرى الأفغانى أن 11 جنديا أفغانيا قتلوا وأصيب 16 آخرون ، وأن 3 من مقاتلى داعش قتلوا كما أسر منهم واحد .

ــ الرئيس أشرف غنى أظهر إهتماما نادرا لم يظهر مثله فى أى من العمليات الأكبر والأخطر التى قامت بها حركة طالبان ، وقال أنه شكل لجنة تحقيق فى الحادث ، وبنفسه أعفى من الخدمة سبعة من القادة من بينم 2 من جنرالات الفرقة 111 التى تشغل المعسكر المذكور.

 

مراكز تدريب لداعش فى كابول !!

فى الحملة الإعلانية للترويج لخطر داعش ، وضرورة الإحتلال من أجل التصدى له . جاءت الكثير من العمليات الإصطناعية . مثل العثور على (أكبر) معسكر تدريب لداعش فى كابول . وهو الحدث الذى خاصت فيه ـ بأوامر وتوجيه من سلطات الإحتلال ـ وسائل الإعلام المتواجدة فى العاصمة الأفغانية ، المحلى منها والدولى .

القوات الأمريكية أعلنت أنها ، مع القوات المحلية العميلة ، قد إكتشفوا أكبر معسكر لتدريب الدواعش فى قلب العاصمة . وسائل الإعلام صورت فى ذلك “المركزالمفترض” رايات داعشية ، مع أدوات عسكرية بسيطة ، وعدد قليل من قذائف(آر بى جى) .

ولم يكن هناك معتقلون أو حتى مشتبه فيهم ، فى قضية مركز التدريب(الأكبر) فى العاصمة والتابع (لأكبر) تنظيم إرهابى فى أفغانستان .

–  كل صغيرة من نشاطات داعش تتحول إلى ” كبيرة” إعلامية ، فيعاد رسمها ووصفها وترويجها على أوسع نطاق . حتى قائد القوات الأمريكية فى أفغانستان لا يتوقف عن تضخيم نشاطات داعش فى جميع جلساته الإعلامية . وبأمر من قوات الإحتلال ـ واللجنة الإعلامية لذلك الإحتلال ـ تكون الصحف والقنوات الإعلامية المحلية مطالبة بوضع أخبار داعش فى مقدمة تغطياتها الإخبارية ، مع والتركيز على الصور المروعة لتقطيع الرؤوس . وقد نشرت قناة كابول نيوز تقريرا مفصلا حول توصيات القيادة العسكرية حول التركيز على أخبار داعش وتضخيمها وإعطائها الأولوية على ما سواها من أخبار .

–  (حنيف أتمر) مؤسس داعش فى أفغانستان ـ والمستشار الأمنى لرئيس الدولة ـ  أعلن عن وجود(أبوبكر البغدادى) زعيم داعش فى جبال تورابورا ـ شرق أفغانستان .

لم يقدم المستشار أى دليل ، ولم تخرج أى إشارة من المنطقة المذكورة على أن البغدادى يقيم هناك . حيث أن المنطقة الجبلية كلها خاضعة لحصار حركة طالبان .

وفى الخريف الماضى حاولت داعش إختراق مناطق طالبان فى جلال آباد للوصول الى منطقة خوجيانى ثم التسلل منها إلى ولاية لوجر وتحديدا فى منطقة (أزره) التى قدمها حكمتيار ـ الزعيم الأصولى المتحول ـ هدية لداعش بالتواطؤ من حنيف أتمر ، والرئيس غنى ، والقوات الأمريكية ، وعون عسكرى ولوجستى من باكستان ، ليكون الدواعش على مشارف العاصمة .

لكن مجاهدى طالبان كانوا دوما بالمرصاد ، وأفشلوا المحاولة الداعشية ، فتعرضوا لإنتقام سلاح الطيران الأمريكى الذى قصف مواضعهم بعنف فى سبع غارات خلال شهر واحد .

– ولكن الجيش الأمريكى منح داعش موطئ قدم فى أماكن جبلية شبه خالية فى شرق أفغانستان وفى شمالها خاصة فى مديرية درزاب الجبلية من محافظة جوزجان . وبذلك أتيحت الفرصة أمام قائد المنطقة العسكرية الروسية الوسطى ، الفريق “ألكسندر لابين”  ، كى يبالغ هو الآخر ـ ولأهداف روسية هذه المرة ـ فيقول أن فى أفغانستان حوالى عشرة آلاف مقاتل معظمهم دواعش ، ونصفهم يتمركزون فى شمال أفغانستان ، وهم يعملون على إقامة خلافة فى دول آسيا الوسطى . إن “الفريق” الروسى يريد القول بأن جهاد الأفغان هو مجرد إرهاب داعشى، وهذا هو المطلوب تعميمه أمريكيا . ويريد الروس تحويل دفة الأحداث إلى مصلحتهم وعرض أنفسهم كحامى لدول آسيا الوسطى من خطر الإرهاب الداعشى .

 

علماء الدولار :

“علماء” الدولار وخدم الإحتلال الصليبى ، ليسوا علماء بل عملاء . فالعلماء تعرفهم أفغانستان منذ فجر الإسلام . وهم قادة الشعب وحراس الشريعة ، الذين تصدوا لجيوش الطواغيت شرقا وغربا. ومازالت أصداء الجهاد ضد السوفييت قائمة ، وقد أفتى به وحمل رايته العلماء المخلصون . ودفعوا ضريبة الدم والمعاناه بشتى أنواعها ، إلى أن أنعم الله على شعبهم بالنصر والتمكين .

والآن يقود العلماء وطلاب الشريعة جهاد شعبهم ضد الإحتلال الأمريكى الذى جاء ليكمل رسالة المعتدين البريطانيين والسوفييت لإخراج شعب أفغانستان من الإسلام وإدخاله فى قيود التبعية والذل للصليبية والصهيونية الدولية .

المؤتمر الدينى الذى عقد فى خيمة(العار) فى العاصمة تحت حراسة جنود الإحتلال وطائراته ، لتنفيذ أوامره ، بتحريم الجهاد وتجريم المجاهدين ، وتصوير الحرب الدائرة على أنها حربا بين طرفين مسلمين(!!!). أحدهما طالبان والطرف الآخر هو حكومة كابول ـ وكأن تلك الحكومة قائمة بذاتها بعيدا عن جيش الإحتلال الذى عينها ويديرها علنا وليس من وراء حجاب.

ليست تلك هى المرة الأولى التى يحاول فيها المحتل إستخدام علماء السؤ وعبيد الدولار ضد جهاد شعوبهم . فبعد رحيل الجيش السوفييتى من أفغانستان عام 1989 ، نشطت دعاية المصالحة بين “المجاهدين” والحكومة الشيوعية فى كابول وهو الأمر الذى رفضه المجاهدون ، رغم المؤامرات وتدبير الهزائم (جلال آباد مثالا) وفتاوى محلية وأخرى عربية ، وموفدين دينيين من جزيرة العرب تحض على الصلح ونبذ العنف ووقف(الفتنة) بين الإخوة “!!” فى أفغانستان . رغم أن الجهاد كان قد بدأ أصلا ضد الشيوعيين المحليين ، فإفتاء العلماء الأفغان ، وتأييد معظم علماء المسلمين خاصة فى بلاد العرب .

رفض العلماء المخلصون فى أفغانستان ، كما رفض المجاهدون البواسل المصالحة مع الحكومة الشيوعية العميلة ، وواصلوا قتالهم المرير وسط أمواج المؤامرات المحلية والدولية ، حتى كتب الله لهم النصر ، وسقطت الحكومة الشيوعية التى جلبت الإحتلال الأحمر إلى البلاد. وما أشبه الليلة بالبارحة ، نفس المؤامرة وإن إختلفت الأسماء والوجوه .

وسوف ينهار الإحتلال الأمريكى ويخرج ذليلا مدحورا ساحبا فى أذياله الحكومة العميلة ، فهى ليست سوى ظل للإحتلال فوق الأرضى الأفغانية . ” قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ” ـ 81  الإسراء ـ

إن شعب أفغانستان قد جرب هذه المؤتمرات (الدينية) لعلماء باعوا دينهم بدنيا الكافرين .

ولكن المقصود الأساسى بتلك المؤتمرات هو أماكن وشعوب أخرى غير أفغانستان وشعبها ، فهؤلاء قد حصنهم الله بعلم علمائهم وجهاد شبابهم ، ولكن المقصود هم الشعوب الإسلامية عامة ، وشعوب العرب بشكل خاص .

فى وقت ما ،  سوف يتحول مسار تلك المؤتمرات ، وتتوسع فى العدد والإمكانات لتبشر بتحالف إسلامى/يهودى/ صليبى ، ضد الإسلام والمجاهدين ، تحت دعاوى التعاون فى الحرب على الإرهاب الإسلامى والأصولية الإسلامية .

وبهذه الخديعة تدخل إسرائيل والصهيونية العالمية وتسيطرعلى جميع بلاد المسلمين ، وتقدم إليهم دينا جديدا ليس فيه من الإسلام إلا إسمه . وتأخذ كل شئ من بين أيديهم  وتضيع منهم فلسطين والمقدسات الإسلامية ، فلا يبقى لهم غير الخسران فى الدنيا والآخرة .

إن شعب أفغانستان يحارب نيابة عن الأمة الإسلامية جمعاء أخطر معارك الإسلام ضد أعداء الإسلام والإنسانية . وسوف ينتصر الأفغان حتما طبقا للوعد الإلهى الصادق: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلى أن الله قوى عزيز } ـ21 المجادلة.

تحميل مجلة الصمود عدد 148 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world