مجلة الصمود الإسلامية | العدد ١٧٤ | ذو الحجة ١٤٤١ھ - أغسطس ٢٠٢٠م

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

– الجهاد هو إستفاء بالدم من أجل البقاء . ولا شراكة فى الحكم مع من خانوا وباعوا وقاتلوا إلى جانب المحتل وناصروه.

– بإقتراب الإنتصار وحسم المعركة، قفزت المصطلحات الملغومة ، ومناورات سياسية لتثبيت حكومة “التثليث” التى تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق ، ضمن نظام مظهره إسلامى ، ولكنه غربى يهودى فى حقيقة أعماله.

– إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخا من أى حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية.

فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة . كما أنه ليس من صلاحية أى مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

تمر بالشعوب فترات تخوض فيها صراعًا ضد تهديد خارجي يهدد البقاء المادي للشعب ويهدد معتقداته وممتلكاته وثقافته. فتكون لحظة قرار مصيري ـ نكون أو لا نكون ـ فإما أن يحافظ الشعب على كيانه المادي والمعنوي أو يستسلم لعبودية الأجنبي، يفرض عليه ما يشاء، ويقرر مصير الأجيال الحالية والمستقبلية.

تعَرَّضَ شعب أفغانستان أكثر من مرة عبر تاريخه لهذه المحنة . إذ هاجمته قوى عظمى للاستيلاء على بلاده ولاستعباده ومسخ ثقافته باستنساخ ثقافة المستعمر وإزاحة التراث الديني والأخلاقي.

النتيجة معروفة .. زالت الأمبراطوريات المعتدية، وبقي الأفغان أحرارًا في بلادهم أعزاء بدينهم حتى اكتسبت أفغانستان لقب مقبرة الغزاة . والآن في تجربة البقاء أمام الغزو الأمريكي الأوروبي، تواجه الولايات المتحدة أسوأ موقف في تاريخها سواء على المستوى الدولي أو المستوى الداخلي الممزق والموشك على الانفجار.

آن أوان ألا تبقى أفغانستان مجرد (مقبرة للغزاة) بل أن تصبح منارة للحضارة الإسلامية في آسيا والعالم . دولة متطورة وحديثة وقوية. وليست مجرد حاجز بين قوى استعمارية كبرى متصارعة ـ بل رابط اقتصادي وثقافي بين شعوب آسيا، وأملا للمسلمين في آسيا والعالم.

 

 الاستفتاء بالجهاد ..  استفتاء بقاء :

 عملية الصراع من أجل البقاء الذي تخوضها الشعوب، تحمل في طياتها عملية استفتاء على نظام الحكم الذي تريده والقيادات التي تختارها.

وعندما يتكلل الصراع بالنجاح، وينتصر الشعب بكفاحه على أعدائه تكون عملية الاختيار قد حُسِمَت لصالح خيار الشعب الذي قاتل تحت راية قيادة منتصرة، وشعارات تمثل أهدافًا عليا.

لهذا فإن الجهة التي تقود كفاح شعبها ضد المستعمر هي التي تتولي مسئولية الحكم، وتقيم على أرض الواقع النظام الذي نادى به الشعب في الحياة السياسية وبناء الدولة والاقتصاد. وقبل ذلك يقوي معتقدات الشعب ويرسخها ويطهر الحياة الثقافية من السموم التي بثها الاستعمار في مظاهرالحياة الاجتماعية والتعليم خلال فترة الاحتلال.

لم يحدث في تاريخ المعارك المفصلية الناجحة، أن استدعى الشعب أعداءه لمشاركته في الحكم، أو إملاء تصوراتهم على الدولة الجديدة، سواء في نظمها السياسية أو الاقتصادية، أو مجالها الاعتقادي والثقافي.

فتلك حماقة لا يتصورها عاقل. وهو أقرب إلى القول القرآني { كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا } . فبعد هزيمة المستعمر، يأتي أحمق لكي يستدعي أعوان الاحتلال للمشاركة في الحكم، ووضع تصوراتهم ومطالبهم ـ التي هي مطالب المستعمر ـ على قدم المساواة مع مطالب من جاهدوا وقدموا أغلى التضحيات في الأرواح والأموال.

فأثناء فترة الجهاد لا يضع المحتل”جميع” سكان البلد في كفة واحدة . فهناك فئة باعت نفسها ودينها واشترت مصالحها الدنيوية وعملت في خدمة المحتل، وهناك فئة أخرى قبضت على الجمر وجاهدت في سبيل الله، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من عاش الانتصار.

والجهة التي قادت شعبها نحو الانتصار (وهي الإمارة الإسلامية في حالة أفغانستان) لا تعامل “الجميع”على قدم المساواة، من جاهد منهم وضحى، في كفة واحدة مع من خان وباع كل شيء في مقابل المال والمنصب.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

المشاغبة .. باستفتاء الإلهاء :

بعد هزيمة الجيش السوفيتي الأحمر في أفغانستان، وترنح النظام الشيوعي في كابل ، سارعت الولايات المتحدة ومن خلفها المعسكر الغربي وأسراب من التوابع، بالمشاغبة على المجاهدين حتى لا يصلوا إلى حكم افغانستان منفردين، فتتاح لهم فرصة تطبيق شعاراتهم في فترة الجهاد، وخاصة بناء دولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة.

أمريكا وجبهة الأعداء طالبوا “باستفتاء عام” على نظام الحكم، الذي يريدونه مختلطاً بين “جميع المكونات الأفغانية “. أي بين المجاهدين و”الشيوعيين الطيبين” الذين لم يشاركوا في النظام الحاكم، ويضم أعوان الملك السابق، كما ويضم محايدين لا شأن لهم إلا أنفسهم. وهكذا يستوي الجميع ظاهريا ـ أي من جاهد مع من قاتل ضد الإسلام وضد الشعب. نظام حكم يستوي فيه من ضحى مع من هرب من ميدان المعركة وانشغل بأمور نفسه ومراكمة الأموال. يستوي فيه من قاتل في سبيل الله مع من قاتل في سبيل الكفر ولم يبالِ مع أي دين يمشي.

الغرب المنافق يعرض الظلم على هيئة إنصاف وعدل. إن تكريم المجرمين وإشراكهم في حكم البلاد والعباد هو ظلم كبير في حق المجاهدين وأبناء الشعب الذين صبروا وضحوا بكل شيء.

هذه ليست مساواة .. بل هي أشد أنواع الظلم.

 

التدخل الخارجي، وقطع الطريق علي المجاهدين :

في أعقاب الانتصار على الغزو السوفيتي، لم يتمكن المجاهدون من إقامة نظام الحكم الإسلامي الذي جاهدوا من أجله. ولذلك أسباب عديدة، أهمها التدخل الخارجي الذي فرَّق المجاهدين وجزأهم إلى أحزاب ضعيفة، وساند قادة فاسدين باعوا أنفسهم لقوى خارجية معادية للإسلام. لكن المجاهدين في الميدان رفضوا مبدأ تقاسم السلطة مع الشيوعيين، أو أطراف أخرى كانت خارج حلبة الجهاد ثم أقبلت عند الانتصار لانتهاز الفرصة وفي ظنهم أن النظام القادم سيصاحبه بناء طبقة جديدة من الأثرياء الناهبين لأقوات الشعب، والبائعين ضمائرهم لشيطان القوى الاستعمارية الغربية والشرقية.

وما أسماه الغرب “حكومة المجاهدين” التي دخلت كابول في أبريل 1992 لاستلام الحكم، قد شكلتها الأيدي الأجنبية، ورشاوي مالية كبيرة استلمها قادة الأحزاب، خاصة كبيرهم سياف، أمير الجهاد في أفغانستان حسب تصنيف أكبر الجماعات الإسلامية العربية.

الدول المعادية للإسلام تدخلت بأموالها ونفوذها السياسي، ورشاوي قدمتها لطبقة سياسية فاسدة تبيع نفسها مقابل أعلى سعر. وبهذه الوسائل تضيع نتائج الجهاد، وتذهب ثمار تضحيات المسلمين إلى أعدائهم، الذين إذا خرجوا من الباب، عادوا عبر مئات النوافذ التي فتحها المنافقون والمرتشون. فمن خان وباع وهرب من الميدان عاد شريكا في الحكم، ثم لم يلبث أن ينفرد به، بمعونة دول محتلة تدعمه، وتصفي منافسيه من المجاهدين .

تلك الطبقة السياسية الفاسدة التي دخلت إلى كابول في إبريل 1994 تحت اسم حكومة المجاهدين كانت في حقيقتها حكومة مشتركة على النمط التي أرادته الولايات المتحدة. ولم يلبث الشعب أن اكتشف الخدعة، فالحكومة الجديدة في كابول أخذت تمارس الفساد وتنشره في كامل البلد، وتشجع على اختلال الأمن وانتشار العصابات الكبيرة المسلحة، والتي ترفع كل منها علم أحد الأحزاب وترفع فوق مراكزها صور أحد الزعماء. فصار الفساد والإجرام والسلب والسرقة والعدوان على الأرواح والأعراض يتم تحت اسم نفس الأحزاب التي ادّعت أنها قادت الجهاد ضد السوفييت.

من الصعب تكرار نفس الأخطاء، لأن الظروف تغيّرت جذريا. وطول فترة جهاد امتدّت لحوالي 20 عامًا في ظل حصار للشعب والمجاهدين، وانقطاع أشكال الدعم جميعًا حتى ولو بالكلمة المنصفة.

الصمود والانتصار جاء بفضل الإيمان القوي بالله، والاعتماد الكامل على تضحيات الشعب ومساهماته بدماء شبابه وأموال الفقراء القليلة، ودعاء الضعفاء والمظلومين التي تفتح لها أبواب السماء . انتصر الجهاد إلى أن تصدعت الولايات المتحدة على أرض أفغانستان وفوق الأراضي الأمريكية نفسها. فقفزت إلى مقدمة الصفوف بنفس الخدع القديمة والمصطلحات الملغومة:

استفتاء ـ ديموقراطية ـ معونات غربية ـ حكم مشترك ـ حقوق المرأة ـ اعتراف دولي ـ شرعية دولية ـ منظمات دولية ـ قوائم سوداء ـ قوائم إرهاب ـ مقاطعة ـ عقوبات اقتصادية ـ تحالف استراتيجي مع دول الاحتلال ـ طلب العون والنفقة من المحتل السابق.

كل ذلك أنواع من المناورات لتمرير حكومة “التثليث” التي تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق. ضمن نظام حكم إسلامي المظهر /غربي يهودي / في حقيقة أعماله.

 

من يمتلك الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية

حقيقة الحكم هي الأساس وليس اسم النظام الحاكم . المهم أن يكون النظام إسلاميًا بالفعل، وليس فقط بالاسم . وأسوأ ما يمكن فعله هو تغيير طبيعة النظام الإسلامي مع الإبقاء على اسمه فقط . فإن في ذلك فتنة، وصد عن سبيل الله .

تغيير طبيعة النظام تأتي من رفع شعارات مخالفة لتطبيقات الحكم في الواقع. فالنظام الإسلامي يعني النظام العادل . فلا تمايز بالأعراق أو الألسنة، ولا استئثار بالثروة ، أو احتكار السلطة بتفاضل بين عناصر العصبيات الجاهلية للعرق أو اللغة أو المناطق . بينما الأفضلية في الحكم تكون للأعلم والأتقى والأسبق في التضحية والجهاد.

أهم واجبات النظام الإسلامي هي تطبيق العدالة بين الجميع، ومكافحة الفقر (لو كان الفقر رجلا لقتلته ــ من أقوال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه). وبالتالي من واجب الدولة الإسلامية قتل الفقر، لا قتل الحريات المشروعة، أو كبت التعبير عن الرأي الأصيل إذا كان مخالفاً للسلطة.

وتطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس ولو عند الحد الأدنى . وإلا فلا معنى لتطبيق أكثر الحدود الإسلامية في ظل الفقر المدقع أو المجاعات التي تشكل عذرًا مخففًا للعقوبات والحدود أو حتى مانعا لتنفيذها.

إذن تنمية الاقتصاد هي العمود الفقري لإقامة شرع الله بل هي جزء متلازم معه . فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر، ومكافحة احتكار الثروات، أو منع الزكاة، أو التواطؤ مع الكافرين لسرقة ثروات المسلمين تحت دعاوي كاذبة، مثل القول بأن المسلمين فقراء وفي حاجة لأن يعولهم الكافرين بمعوناتهم، في حين أن ثروات البلاد تصب في خزائن الكافرين أموالا طائلة لا حصر لها .

– نعود إلى من صاحب الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية، أو إلغائه كما يتمنى الأمريكيون ومعهم سماسرة الاحتلال الأجنبي .

يمتلك ذلك الحق حصرًا القوى التي أقامته في البداية، وهي القوى التي جاهدت لإزاحة نظام البغي والفساد في كابول. جاهدت تحت قيادة الإمارة الإسلامية منذ عام 1994 إلى عام 1996 حتى أعيد فتح كابول وطرد المنافقين وبقايا المرتدين الذين عملوا داخل النظام .

يشاغب البعض بالتساؤل عن النظام القادم بعد هزيمة المحتل الأمريكي والأجنبي . وليس  ذلك التساؤل بريئًا ، لأن الإمارة الإسلامية هي من سيتولي سلطة الحكم، وشرعيتها قائمة على استفتاء شعبي بالدم استمر عقدين من الزمن مؤيدا لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الاستفتاء الحقيقي من أجل بقاء الأمة. وليس واحدًا من استفتاءات النفاق الغربي، للبيع والشراء وتسويق الفساد والفاسدين بقوة المال وأجهزة الدعاية والتأييد السياسي الدولي. أو ما يمكن تسميته باستفتاء الإلهاء أو مهرجان اللغو.

– القوى الجهادية التي أنشأت الإمارة الإسلامية ، وبعد 20عامًا من الجهاد، استشهد الكثير من قادتها، ومؤسس الإمارة الملا محمد عمر قد توفاه الله . ولكن انضم إلى ركب الجهاد ، تحت راية الإمارة بقيادتها المتجددة الآلاف من الشباب والخبراء والعلماء وطلاب العلم، ورؤساء القبائل والقوميات. هؤلاء يتشكل منهم النظام الإسلامي، وهم أصحاب الحق في إدخال أي تعديلات أو تطوير عليه، بحيث يصبح أكثر قدرة على تحقيق أهدافه في ظل واقع داخلي وخارجي جديد. الواقع تغير فيستلزم ذلك تغييرات في أساليب القيادة وفي تشكيل أجهزة الحكم ثم هناك تجربة الإمارة الإسلامية التي استمرت في الحكم خمس سنوات ، وظهر فيها العديد من نقاط القوة والعديد من الأخطاء ونقاط الضعف ـ فيلزم إدخال تطوير في عمل الإمارة بما يناسب النتائج المستخلصة من تجربة حكمها الماضية .

تلك القوى التي ستشكل نظام الإمارة ـ وتطويره بما يلزم، هي القوى التي جاهدت طوال عقدين من الزمن وانتصرت ـ بتأييد من الله ـ وبدعم من الشعب الذي قدم لها كل مايملك . وذلك هو الاستفتاء الحقيقي الذي يعقب الجهاد الصحيح .

أما تدليس أعداء الإسلام باستفتاء “الجميع” ، ويقصدون جميع العملاء والجواسيس والسماسرة، فذلك خداع غير مقبول. فالاستفتاء قد تم بالفعل خلال عشرين عامًا من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فهو خارج عن النظام القادم، ودوره هو البقاء تحت قوانين النظام الإسلامي، أو اللحاق بقوات الاحتلال ليقيم هناك مع الكفار والمنافقين، إن أراد ذلك.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

مؤسسوا الإمارة ..  ومجددوها :

تم إعلان الإمارة الإسلامية بعد فتح كابول في أكتوبر 1996 حين اجتمع أربعة آلاف من القادة الميدانيين والعلماء وشيوخ القبائل . لإعلان نظام الإمارة الإسلامية وتكليف الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان وقائدها بأن يتولى قيادة الإمارة تحت مسمى أمير المؤمنين .{ يومها قال رحمه الله، ما معناه ، إن اخترتوني فاعلموا أنني سأحكم بشريعة الإسلام على نفسي وعليكم . فإن لم يوافقكم ذلك خرجت من مجلسكم هذا وعلى كتفي الرداء ” الباتو” الذي دخلت به}.

   بعد تحرير كابول، وخروج الاحتلال الأمريكي وأعوانه، يحين الوقت لعقد تجمع مشابه لمجلس شورى عام، مثل ذلك الذي أسس لقيام الإمارة، يجتمع في مدينة أفغانية وليس أي مكان خارج أفغانستان، لتجديد البيعة لنظام الإمارة، ولزعيمها أمير المؤمنين. ويكون دخول الجميع إلى المؤتمر بمثل “الباتو” المتواضع الذي دخل به الملا محمد عمر إلى المؤتمر (وخرج به من الدنيا)، وليس بأرصدة بنكية أو دفاتر شيكات بالعملة الصعبة.

–   وإذا كانت هناك فكرة لإدخال تطويرات في نظام الإمارة، فإن لجان مختصة تقوم بتحديدها ثم إقرارها من مؤتمر الشورى العام ، الذي أقر نظام الإمارة واختار أمير المؤمنين .

أما في الوقت الحالي فذلك غير ممكن طالما الاحتلال العسكري مازال قائمًا، والنظام العميل مازال يحكم كابول . والمعركة لم تحسم بعد ولكنها على وشك الحسم. وطرح مشكلات في غير أوان حلها هي مشاغبات يقوم بها العدو وأعوانة لحرف المسيرة واستغفال الشعب ومجاهديه، ومنع الجهاد من الوصول إلي غاياته.

 

التفاوض مع ظل الشيطان :

حكومة كابول الحالية هي ظل لشيطان الاحتلال . ذلك الاحتلال تَعَهَد بالخروج من أفغانستان، وما عهدنا عليه إلا كذبا ـ ويشهد العالم كله عليه بمثل ما شهدنا.

–  وفكرة التفاوض مع ظل الشيطان القابع في القصر الجمهوري هي فكرة غير صائبة من أساسها. والسبب هو حقيقة أن “ظل الاحتلال” يرحل تلقائيا مع الاحتلال، ولا يحتاج إلي إعادة مفاوضات، بل إلى مجرد عملية تنظيف، مثل تلك التي قام بها المجاهدون لنظام كابل الشيوعي بعد رحيل الجيش الأحمر.

–  وخطأ آخر .. ليس مجرد القبول بتفاوض لا ضرورة له ، بل أن ضرره مؤكد، إذ يتم في ظل اختلال الموازين لصالح الحكومة العميلة.

فالتفاوض معركة مثل باقي معارك القتال، لموازين القوى فيها دور كبير. وبمفاوضة ظل الشيطان بينما الشيطان نفسه لم يرحل بعد ، تكون موازين القوى مختلة في صالح النظام العميل. فهو يمتلك الأجهزة المسلحة ومليارات الدولارات، وقوات كثيرة محلية وأجنبية تعمل لصالحة . فلا بد من استكمال طرد شيطان الاحتلال، وبعد ذلك لن يتبقى له ظل في كابول أو في كل أفغانستان.

–  كما أن الإعلان عن قبول فكرة الاستفتاء على نوع النظام الذي سيحكم أفغانستان يعتبر في هذه الظروف تنازلاً جوهريا لصالح نظام كابل “العميل”. فالأخطاء إذا تتابعت أوحت بأنها خطة قيد التنفيذ . فالعدو كان يرحل ولا يستدعي الأمر مفاوضته أو تقديم أي شيء له. ثم لم يكن مقبولا مفاوضة النظام على أي شيء ، من واقع أنه مجرد ظل للاحتلال وهي حقيقة أكدتها الإمارة على الدوام . ولكن الآن نسمع أن هناك من يتلهف على مفاوضة النظام بينما العدو مازال متواجدا ويسانده بكامل قواه، وكأن التفاوض الحقيقي حول نوعية النظام القادم يدور مع المحتل نفسه.

إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخًا من أي حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية، وبالتالي فهي مسألة تخص الشعب الأفغاني ومجاهديه وعلمائه، وليست موضوعا للتفاض أو التصرف من أي جهة كانت، سوى الجهة التي أسست الإمارة وهي الشعب الأفغاني وعلمائه ومجاهديه  حصرًا وتحديدًا. فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة  كما أنه ليس من صلاحية أي مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

إن التفاض وقت الحروب يكون “تفاوض بقاء” .. ومن الخطورة أن يكون مجرد “تفاوض إلهاء”.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء




داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

داعش فى أفغانستان .. جزء من الحرب الجديدة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

 

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

الولايات المتحدة لا تمنح سلاما لأحد، بل تصنع حروبا جديدة

 

الولايات المتحدة لا تمنح سلاماً لأحد، بل تمنح أنواعاً مستجدة من الحروب. إنها لا توقف حرباً أبدا، بل تستبدل حرباً بحرب ـ وغايتها من كل أنواع الحروب هو أخضاع الآخرين لأهدافها، بسرقة الثروات، ومحوالثقافات وتفريغ الدين من محتواه ـ وطمس هوية الشعوب، وإنهاء أى نزعة للإستقلال أو المقاومة.

وفى النهاية تريد أمريكا من عدوها الإستسلام التام لمشيئتها. فإن لم تخضعة بنوع من الحروب إستبدلته بأنواع أخرى إلى أن تحقق أهدافها.

ومنذ الإحتلال السوفيتى لأفغانستان، شنت الولايات المتحدة حروبها على الشعب الأفغانى، وتنقلت من أسلوب قتالى إلى أسلوب آخر.

1 ـ خلال الإحتلال السوفيتى كانت الإستراتيجية الأمريكية هى إخراج السوفييت من أفغانستان، مع مراعاة ألا ينتصر المجاهدون.

2 ـ فى فترة حكم مجددى وربانى كانت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية تناسب كثيرا مصالح الولايات المتحدة ـ فتركت الفوضى على سجيتها وأخذت تقوى مصالحها فى أفغانستان (تدفق كثيف ورخيص للأفيون، التمهيد للشركات النفطية فى أفغانستان، خاصة خط انابيب تابى لنقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى الهند لتجهيزها بأقتصاد أقوى ينافس الصين).

3 ـ ظهرت حركة طالبان فأربكت المشهد الأفغانى فى وجه الأمريكان. فى أهم ثلاث نقاط:

أ ـ تمكنت الإمارة من تحجيم الحرب الأهلية والسيطرة على معظم البلد.

ب ـ رفضت تمرير خط أنابيب تابى وفق الشروط الأمريكية التى تهضم حقوق الشعب الأفغانى، ورفض أمريكا تطبيق الشروط المعمول بها فى المشاريع المشابهة حول العالم.

ج ـ حظر زراعة الأفيون فى أفغانستان، وما يعنيه ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات كانت تصب فى بنوك الولايات المتحدة.

د ـ فشل “تحالف الشمال” فى تحدى الإمارة الإسلامية حتى أوشك على الإنتهاء عام 2001 حين تداركته الجيوش الأمريكية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

فلم يعد أمام أمريكا أى حل آخر سوى أن تتولى إخضاع أفغانستان بقواتها المسلحة

4 ـ فى بداية حكم أوباما عام2009 تأكد الجيش الأمريكى من إستحالة الإنتصار فى حرب أفغانستان، خاصة بعد عملية “الخنجر” ضد ولاية هلمند، والتى لم تحقق أهدافها، وقد كانت السهم الأخير فى الجعبة العسكرية ألأمريكية.

خلال فترتي حكم أوباما كان بلاده ممزقة بين عجز عن الإنتصار، وبين عدم القدرة على التخلى عن موارد أفيون أفغانستان. ومشكلة أخرى واجهته ولا تقل خطورة وهى إحتياج إسرائيل إلى بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان،

لأن إنسحابه منها قبل إستكمال سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية (الشرق الأوسط !!) سوف يؤدى حتما إلى سقوط مشروعها، ويشجع شعوب المنطقة على التمرد على السيادة الإسرائيلية. فبدأت إسرائيل تتدخل بشدة فى أفغانستان، وتقاتل إلى جانب الجيش الأمريكى. وتحديدا فى مجالات الحرب الجوية والإستخبارية، وخبرات إسرائيل فى مقاومة حروب التحرير فى فلسطين ولبنان والمنطقة العربية، وفرق الموت والقوات الخاصة.

5 ـ مع بداية حكمه جاء ترامب مشبعاً بفكرة خصخصة الحرب، أى جعلها من أعمال الشركات القتالية (المرتزقة).

ومقتنعا بالفكرة الإستعمارية ” لشركة الهند الشرقية ” فى القرن الثامن عشر، والتى أخضعت الهند وأداراتها لصالح بريطانيا، وحولتها إلى مزرعة عظمى للأفيون وصدرت المحصول إلى الصين. وفى حربين عنيفتين أجبرت الإمبراطور على فتح بلاده للأفيون البريطانى القادم من الهند، واستولت على موانئ وجزر صينية لصالح بريطانيا وصالح عصابات التهريب الدوليين.

تلك التجربة الإستعمارية لبريطانيا فى الهند كانت متطاقة مع تصور ترامب لدور بلاده فى أفغانستان. ومنذ ذلك الوقت تم إعتمادها كاستراتيجية أمريكية فى أفغانستان ـ فكان معناها عسكريا هى أن حرب أمريكا فى أفغانستان هى حرب جيوش المرتزقة.

وتعتبر ” داعش” أحد العناصر الرئيسية فى (حرب المرتزقة) المطبقة حاليا فى أفغانستان ـ ولكنها ليست الوحيدة فى ذلك المجال الواسع والخطير.

 

 

داعش جزء من سياسة “عرقنة” أفغانستان:

العراق هى نموذج للتخريب الذى يعمل الإحتلال الأمريكى على تطبيقه فى أفغانستان.

فبعد حرب جهادية ناجحة، تحولت العراق إلى مستنقع للفتن من الصعب الخروج منه. ليست فقط على أساس (سنى ـ شيعى)، بل وحتى (سنى /سنى) وعلى أسس عرقية (عرب ـ أكراد ـ تركمان…). والآن يجلس الإحتلال الأمريكى بقوات محدودة من قواته وقوات الحلفاء، فى وضع مريح فى العراق، ومنها يعيث فسادا فى كامل المنطقة، بينما يتقاتل العراقيون فيما بينهم. وقيادات محلية وسياسية معظمهم يؤيد بقاء الإحتلال لخشيتة من المنافسين الآخرين، حفاظا على مكاسبه المالية التى يجنيها من التعاون مع الإحتلال ومشاريعه الإقتصادية. وتلك صورة طبق الأصل لما يسعى إليه الأمريكيون فى أفغانسستان.

ومن أسباب نجاح أمريكا فى إدارة فتنة داعش فى العراق:

أ ـ أمراض أصابت القيادة الإسلامية: فهى إما غير موجوده أصلا. أو أنها ضعيفة لا وزن لها ـ أو أنها فاسدة أتلفها المال والانخراط فى اللعبة السياسية التى أتلفت معظم القيادات الإسلامية وغير الإسلامية، فتحولت إلى التنافس على المناصب والمكاسب، وتقبيل أحذية المستعمر.

ب ـ أمراض أصابت التنظيمات الجهادية نفسها: مع ضعف القيادة ـ وغياب تأثيرها ـ تفكك التنظيم وفقد تأثيره على الشعب. وتكاثرت فيه مراكز القوى حول قيادات صغيرة طامحة إلى المال والسلطة.

– يمكن القول أن الإستراتيجية الأمريكية هى”عرقنة” أفغانستان، أى تحويلها إلى عراق أخرى، بإستخدام أهم أدواتها فى العراق وهُمْ الدواعش.

 

 

حرب الإغتيالات وفرق الموت:

وهى امتداد طبيعى، وعميق الإرتباط بحرب الدرونز وحرب داعش، وحرب المرتزقة من شركات دولية ومحلية.
وتلك سياسة إستعمارية قديمة لإخضاع الشعوب، عن طريق إغتيال قياداتها.

صادفت تلك السياسة درجات متفاوته من النجاح والفشل، وهى مؤثرة فى جميع الحالات، ليس على النتائج النهائية للحرب، ولكن ربما تسببت فى إطالة أمدها وتأخير إنتصار المجاهدين فترة من الزمن.

ــ تقوم الطائرات بدون طيار ـ فى أفغانستان ـ بدور جوهرى فى حرب الإغتيالات ضد قادة المجاهدين وكوادر المتعاونين معهم.

ـ ويقوم المرتزقة ـ غالبا بدعم من طائرات “الدرونز” بعمليات إغتيال ضد القيادات، والكوادر الجهادية.

ـ للدواعش دورهم فى حرب الإغتيالات. وإن كانت معظم أعمالهم أقرب إلى نشاطات فرق الموت التى تبث الرعب الشديد فى نفوس المدنيين. كما تستهدف إشعال فتنة مذهبية أو عرقية لحرف مسيرة الجهاد فى إتجاه الحرب الأهلية. وهو ما نجحوا فيه كثيرا فى عدد من الدول العربية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

الحرب الإقتصادية:

حروب أمريكا تخدم إقتصادها فى نهاية الأمر. وبشكل أدق تخدم إقتصاد بنوك اليهود فى أمريكا، المصب النهائى لتدفق أموال تجارة المخدرات التى عمودها الفقرى أفيون أفغانستان.

ولأن الأفيون هدف إقتصادى أول. ونفط آسيا الوسطى (وأفغانستان) هدف إقتصادى ثان.

فإن مافيا المخدرات (الإسرائيلية / الأمريكية) وشركات النفط الكبرى هما الضاغط والممول للحرب الدائرة فى أفغانستان. وفى فترات الهدؤ العسكرى تتحرك خزائن المال العملاقة لتلك المؤسسات لدفع الرشاوى فى كل إتجاه لتأمين فترة إستقرار قادمة تتيح إزدهارا لأعمالها فى الأفيون والنفط.

– أما إذا تمكنت الإمارة الإسلامية من العودة منفرده لحكم أفغانستان ـ بدون شراكة مع المافيات الأمريكية السياسية ـ فإن الولايات المتحدة قد جهزت لها حقولا من الألغام الإقتصادية، تشل حركتها وتضمن عودتها مرغمة إلى السيطرة الأمريكية.

 

 

وكما فعلت أمريكا مع العديد من دول العالم ـ وحتى دول كبرى ـ

فإن أهم أسلحتها للدمار الإقتصادى الشامل هى:

أ ـ تحطيم العملة المحلية: عملة أفغانستان تحت تغطية الدولار الأمريكى، والدولار مستند فى قوته على تجارة الهيروين دوليا، وعلى تجارة النفط عالميا بالعملة الأمريكية. إذا سحبت أمريكا تغطيتها للعملة الأفغانية فسوف تنهار تلك العملة فى الحال. وقد تُغْرِق أمريكا السوق الأفغانى بمليارات من العملة المزيفة التى ستطيح بقدرة الشعب على الشراء نتيجة تضخم الأسعار.

ب ـ حصار إقتصادى: بمنع التعامل مع الدولة المستهدفة، وتهديد من يكسر ذلك الحظر بفرض حظر أمريكى عليه. وهذا ما تعانى منه دول فى الجوار الأفغانى مثل إيران. ودول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان. ودول بعيدة مثل فنزويلا وكوبا. والقائمة طويلة، وتلك مجرد أمثلة.

ج ـ إسقاط البنوك المحلية الأفغانية: (ومعظم نشاطها قائم على غسل أموال المخدرات) ومصادرة ممتلكاتها وأرصدتها فى الخارج.

د ـ حظر وعقوبات: ضد الإمارة ومسئوليها. ومطالبتها بتعويضات عن حادث 11 سبتمبر.

وهناك إجراءات آخرى. لاداعى لذكرها طلباً للإختصار.

 

 

حرب ثقافية ودينية:

وهى أخطر التحديات أمام الإمارة الإسلامية، فى حال نجاح وصولها إلى السلطة بشكل مستقل عن شركاء المستعمر ـ والحديث عن تلك الحرب يطول ومعظم تفاصيلها واضح تماما للإمارة وللمثقفين وجمهور الشعب الأفغانى. غايتها النهائية إستبدال فرائض الإسلام وترك الجهاد ضد تسلط الكافرين على المسلمين وبلادهم، والتحول إلى ثقافة جديدة متصالحة مع المستعمر وخاضعة له ومرحبة بإعتناق كافة ما يأتى به من قيم ومبادئ وقوانين مخالفة للدين.

 

 

خلاصة ما سبق:

1 ـ داعش جزء أساسى من حروب المرتزقة التى تشنها أمريكا عبر القارات، هذا رغم أن داعش مصمم خصيصاً للمنطقة الإسلامية.

2 ـ لداعش قدرة خاصة على حرف مسيرة جهاد وثورات المسلمين.

3 ـ دور داعش فى أفغانستان أكثر أهمية فى الوقت الحالى، حيث تعمل أمريكا على حرف مسار الجهاد إلى وضع يشابه وضع العراق من حيث الفتن الدينية والعرقية، وتحول القيادات الشعبية ـ فى معظمها ـ إلى التعاون مع المحتل.

– وحيث أن داعش جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، فإن داعش تديرها القيادة العليا لتلك الحرب وهى الإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلى، مع جهاز خاص مرتبط بحكومة كابول يرأسه حنيف أتمر، وحكمتيار، أضافة إلى عدد محدود من الأسماء.

ونظرا لأن داعش كيان دخيل وبلا جذور إجتماعية أو مذهبية فإنه غير قادر على التمدد فى التربة الإجتماعية لأفغانستان ولا يمكنه التواجد بغير إسناد الإحتلال الأمريكى.

– خطورة داعش حاليا هى أن أفغانستان تعيش المرحلة النهائية من جهاد منتصر، حيث تتكاتف جهود الأعداء مع ضعاف النفوس وأصحاب الهمم الخائرة، لإنهاء مسيرة الجهاد قبل أن يحقق حسما لا لبث فيه، بتحطيم الأصنام كافة ثم رفع الأذان فى سماء كابل.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (23)

حقاني يروي أسرارًا و تفاصيل

عن معارك غرب وادي خوست

 

– هاجم المجاهدون (قلعة نادرشاه كوت ) بدبابتين. وضربوا الباب والبرج بالقذائف، فخرج الجنود مستسلمين.

– جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل “دوامندو” وافقوا على الاستسلام ، وعلى أن ينْزِلوا كافة الأسلحة والذخائر من فوق الجبل الشاهق .

– أصبح لدى المجاهدىن 6 دبابات، هاجموا بها موقع “دراجي” وسيطروا عليه بسهولة، فبدأ تساقط مجنون لصواريخ سكود، وغارات طيران بالقنابل العنقودية.

– إبراهيم ـ شقيق حقاني ـ على رأس قوة من 34 مجاهد، يقعون في كمين . وخليل يصاب بعشر طلقات فشعر أن عظامه تحطمت، ولكنها لم تخترق جسمه !!.

 – أخبار سربها حقاني تسببت في إلغاء العدو لفكرة هجوم معاكس كبير .

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

مقدمــــــة

بدأ مولوي جلال الدين حقاني في تنشيط العمليات العسكرية غربي وادي خوست، وحقق نجاحات كبيرة جدا أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأرض بحيث اتصلت مناطق المجاهدين فزادت قوة، وقلت المسافات اللازمة لنقل وتموين المجموعات، والأهم أن الاتصال بين مجاهدي خوست ومجاهدي جرديز صار سهلا للغاية عبر الطريق الأسفلتي الذي دارت عليه أعنف معارك الحرب، وأخذت سيارات المجاهدين تعبره من الاتجاهين بسهولة، بدلاً عن أيام كانوا يقضونها سيراً في الجبال للانتقال من مكان إلى آخر.

معارك جلال آباد التي بدأت في مارس 1989 مع ضجة إعلامية عالمية ضخمة ، أسفرت عن خسائر فادحة للمجاهدين. وتقدموا أكثر في صحارى واسعة جعلتهم مكشوفين للطيران وضربات صواريخ سكود. وبحلول خريف نفس عام ساد اليأس بين عموم مجاهدي أفغانستان بعد شحن إعلامي دولي بأنهم سيصلون كابول بعد معركة سريعة في جلال آباد.

لهذا فإن انتصارات حقاني في خوست في خريف عام1989 كان تأثيرها المعنوي كبيرا، بانتصاراتها وغنائمها وبطولاتها، وكان ذلك مدعاة لاستمرار الجهاد ليس في خوست فقط بل ومناطق أخرى كثيرة. وغطى ذلك على نكسة جلال آباد.

الدول الغربية والإعلام الدولي سحبوا تأييدهم للمجاهدين الأفغان وبدأوا يبشرون بوقف القتال، وإحلال السلام، وحكومة مشتركة في كابول، وقتال عرقي بين البشتون والطاجيك، بدلا من الجهاد ضد الحكم الشيوعي.

فبعد معارك غرب الوادي بأشهر قليلة سيطر حقاني على جبل تورغار الاستراتيجي جنوب خوست. صحفي أوروبي كان في خوست وقتها سألني متعجبًا لقد هدأت أفغانستان .. فلماذا يقاتل حقاني إلى الآن؟

قلت له: إنّ النظام الشيوعي مازال قائمًا، وأن حقاني لن يتوقف إلا بعد إسقاط ذلك النظام، ووصول المجاهدين إلى السلطة في كابول.

 

تمرد وفرار من حصن نادر شاه كوت :

بعد سنوات أضاف لي حقاني المعلومات التالية: كانت مجموعه قد خانوا المجاهدين وتعاونوا مع الروس في حملة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق زدران، في شتاء (87 ـ 1988م).

وكان الروس وحكومة كابول قد وعدوا هؤلاء بأن يجعلوهم (ملوكاً)على المنطقة. وكان العدو أعجز من أن يحقق لهم أحلامهم، بل إنه عجز حتى عن سيطرة الطريق أو تأمين المدينة.

وبقي هؤلاء وعائلاتهم يعيشون في خوف وقلق في الطرف الغربي من الوادي قريباً من حصن دوامندو. وأرادوا أن يُكّفِروا عن ذنبهم ويحسنوا علاقاتهم مع حقاني، فسارعـوا إلى ربــط علاقات بينه وبين الضابط المسئول عن حامية (نادر شاه كوت). وهو ضابط ذو ميول إسلامية ومن قبائل وزير التي يعيش معظمها في باكستان. لم يكن من المستطاع أن يتقابل حقاني مباشرة مع ذلك الضابط، الذي أرسل رسائله عن طريق هؤلاء المنفيين من قبيلة زدران، الذين لم يحوزوا على ثقة حقاني. وربما لأجل ذلك أهمل رسائل ذلك الضابط الذي طالب حقاني مراراً بأن يهاجم (حصن دوامندوا) وأنه سوف ينسحب مع قواته من الحصن وينضم إلى المجاهدين تحت غطاء ذلك الهجوم.

حقاني لم يأخذ الأمر بجدية حتى اضطر ذلك الضابط في النهايه إلى القيام بتمرد، عاونه فيه (40) من الجنود المخلصين معه وقتل عدداً من الضباط الشيوعيين، وأحرق المخازن التابعة له في المنطقه ثم فرّ مع جنوده إلى أقرب مراكز المجاهدين إليه وهو مركز مولوي حنيف شاه. كان ذلك في شهر مارس من عام 1989م.

أي قبل سته أشهر تقريباً من الهجوم الكبير النهائي على حصن (نادرشاه كوت). واصلت جماعة زدران في المنطقه نقل التطورات إلى حقاني وتحريضه على الهجوم على المنطقه، وأخبروه  أن عدد الجنود في الحصن لا يزيد عن 30 جندياً وأن باقي القوة قد توزعت على طول الشريط الجنوبي المهدّد بدءً من دراجي وحتى ماليزي في الشرق. هذا عن خلفية الهجوم.

 

هجوم كاسح متعدد الاتجاهات :

وفي يوم الهجوم هاجمت دبابتان للمجاهدين الحصن وضربت الباب الرئيسي والبرج القائم إلى جانبه بقذيفتين، فخرج الجنود مستسلمين رافعين أيديهم في الهواء.  جبل (توراغري) إلى الغرب من الحصن، على بعد حوالي كيلومتر والأكثر ارتفاعًا من جبل تورغار العتيد ويمتاز بأشجار الصنوبر الكثيفة التي تتوج قمته وتمتد تلك الغابات الصنوبرية إلى عمق مناطق زدران إلى أن تطل على وادي جرديز إلى الشمال. هذا الجبل الهائل ظل يقاوم حتى الغروب، وكان مضيق دوامندوا قد سقط قبل الظهر، فلما أدرك المقاومون ذلك استسلموا أيضًا بدون معارك شديدة لأن المجاهدين لم يروا ضرورة لهجمات حادة على جبل منعزل تمامًا. غنم المجاهدون دبابة صالحة للعمل من حصن نادرشاه كوت، فتوجهوا بقيادة مطيع الله صوب المضيق الغربي لوادي خوست عند دوامندو متحركين على الطريق الأسفلتي القادم من المدينة.

يقول حقاني: إن أحد دبابات المجاهدين ضربت الحصن الرئيسي للقوة الواقع على يسار الطريق فإخترقت القذيفة المبنى من الطرفين. فخرجت القوة التي بداخله رافعين أيديهم في الهواء كما حدث في الحصن في نادرشاه كوت، وكان إلى جانب حصن دوامندو دبابة لم تشارك في الدفاع لكونها قد أصيبت سابقاً بعد غارة للمجاهدين على الحصن.

دارت مفاوضات من أجل التسليم بين المجاهدين أسفل جبل دوامندو وبين جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل، ولكن محاصرة إلى درجة اليأس، أسفرت عن موافقة الجنود على عدم المقاومة والنزول من فوق الجبل. واشترط عليهم المجاهدون أن يحضروا معهم كافة الأسلحه والذخائر التي في مواقعهم، وافق الجنود، مع أن ذلك ليس بالأمر الهيّن إذا استدعى صعودًا وهبوطًا متكررًا ومرهقًا للغاية. وقد وصف حقاني حالتهم بأنهم عملوا كالحمير في ذلك العمل الشاق.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

تسريب متعمد للمعلومات:

وبعد أن نجح المجاهدون في فتح دراجي فكرت الحكومة في استعاده توازنها في ذلك القطاع الغربي الذي أثر بخطورة على التوازن الاستراتيجي في كل منطقة خوست. فعزمت قيادة الجيش على إعاده احتلال المواقع الضائعة بواسطه عملية إبرار جوي أي بقوات تحملها طائرات الهيلوكبتر يكون هدفها الأول القمم الشامخة في دوامندوا على المضيق الغربي ثم توراغري إلى الغرب من حصن نادر شاه كوت وحتى الحصن نفسه كان ضمن البرنامج. وصلت الخطة إلى حقاني فأمر المجاهدين بتخريب المواقع الحكومية فوق تلك الجبال وتفجير الخنادق ومرابض الأسلحة، وقد شاهدت القوات في خوست تلك التفجيرات فوق الجبال وتعمد حقاني تسريب خبر استعداداته إلى العدو، فتراجع عن برنامجه.  وعن استشهاد مطيع الله يقول حقاني: إن مطيع الله خرج بسيارته لإنقاذ مجموعة من الرجال انفجر لغم في سيارتهم، وبينما مطيع الله ورجاله منهمكون في ربط السيارة المعطوبة بسيارتهم لجرها بعيدًا، داس أحد الرجال، ويدعى وزيرجول، على لغم مضاد للأفراد كان متصل بلغم آخر مضاد للدبابات فانفجر اللغمان.

فاستشهد وزيرجول ومطيع الله وثلاثة أو أربعة آخرين من رجاله، كما جرح في الانفجار القائد حكيم خان (الذي استشهد بعد ذلك بعدة أشهر في معارك منطقة إسماعيل خيل ).

 

حقاني يروي عن  معركة دراجي:  ( شهر صفر 1409هـ ــ سبتمبر 1989م )

يقول حقاني قائد تلك المعركة: إن السيطرة على دراجي تمت في محاولتين. المحاوله الأولى: بدأت قبل طلوع الفجر. حين تقرب المجاهدون إلى خطوط العدو ليلاً وعند الفجر هاجموا “البوسطات” “المواقع العسكرية” مع أول ضوء وكانت تدعمهم ثلاث دبابات اثنتان في الهجوم والثالثة تضرب من الخلف لحماية مؤخرة الهجوم من أي محاوله التفاف من العدو  في نفس الوقت كان المجاهدون يهاجمون موقعين هامين في نظام الدفاع عن درجي وهما موقع (سيدجي) و( موسى خان) ومع المجاهدين ثلاث دبابات أيضاً.

ولكن ذلك الهجوم لم ينجح واستطاع العدوّ أن يدمّر إحدى الدبابات المهاجمة واستشهد وجرح من فيها، فتراجع المجاهدون عن الموقعين، فانكشفت بذلك مجنبات المجاهدين المشتبكين في (دراجي) وزاد ذلك من سوء موقفهم الذي كان غاية الصعوبة. فبعد نجاح أوّلي ضد دفاعات الخط الأول للعدو، حيث عبرت الدبابات فوق ثلاث خنادق للعدو في الخط الأول وسحقت من فيها من الجنود بواسطة (الجنازير).

وبمشقة كبيرة سيطر المجاهدون على (مدينة) دراجي، وكان للعدو مواقع قريبة منها ظلت تطلق على المجاهدين نيران حامية وكذلك مواقع العدو في( سيدجي) و (موسى خان)، إضافة إلى المدفعيات من عمق دفاعات العدو كانت أقسى الأوقات هي ساعة الشروق عندما اكتشف  المجاهدون تحت أشعة الشمس أنهم مكشوفون تماماً لنيران تأتي من ثلاث جهات في أرض شبه مكشوفة وقد تحطمت كل الأبنية، ودمرت المواقع ولاشيء يحميهم من رمايات العدو، وفي ساعة واحدة سقط منهم بفعل نيران العدو 25 شهيداً وثمانون جريحاً .. وقرب نهاية اليوم وصل عدد الجرحى إلى 130 جريحاً.

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 

نكسة مؤلمة بعد انتصار كبير :

يقول حقاني: لقد كانت نكسة مؤلمة لنا بعد انتصار نادرشاه كوت. تمكن أكثر المجاهدين من الانسجاب من دراجي قبل الغروب ساحبين معهم جثث الشهداء وحاملين معهم الجرحى. بينما ظل في القرية 30مجاهداً فقط والدبابتان، وكان يقود إحداها خليل الرحمن (شقيق حقاني)، والأخرى يقودها إسماعيل التركستاني. تشاور القائدان في الموقف الصعب الذي يكابدانه، كانت الدبابتان في خطر جسيم من رمايات العدو التي لم تكد تهدأ طول اليوم. بينما كل القوة التي بجوزتهما لا تتجاوز30مجاهداً فقط أصبحوا في غاية الإرهاق وكادت ذخائرهم أن تنفذ، كانت ضخامة الخسائر التي دفعها المجاهدون حتى يستولوا على دراجي عائقاً يمنعهم من التفكير في الانسحاب ولكن لم يكن هناك أي حل آخر سوى الإبادة. فرضخوا للأمر وقرروا الانسحاب وبدون أن يتحدثوا بذلك على المخابرة حتى لاينشط العدو في شن هجوم معاكس عليهم قد لاينجو منه أحد. فحادثوا حقاني والآخرين أنهم باقون في دراجي وأن موقفهم جيد، فخدعوا بذلك العدو بل خدعوا حقاني نفسه الذي لم يكتشف حقيقة الانسحاب إلا في ضحى الغد، عندما شاهد بمنظاره المقرب جنود الحكومة يتجولون في أنحاء دراجي المدمرة.

 فاتصل مع إبراهيم وإسماعيل يستوضح الأمر فأخبراه أنهما انسحبا تحت جنح الظلام وأنهم الآن في ليجاه. وكان إسماعيل أول من غادر الموقع في دبابته قبل أن يكتمل ظلام المكان عند الغروب. كانت خسائر الطرفين عالية، فالعدوّ فقد الكثير من جنوده ليس فقط بضربات المجاهدين بل أيضاً لدخولهم حقول الألغام أثناء فرارهم. أعلنت إذاعه كابول استعادة (دراجي) وتوقف الطيران عن قصفها، وارتفعت معنويات العدو كثيراً. بينما قضى المجاهدون ثلاثه أيام عصيبة  تبادلوا فيها الاتهامات بالتقصير. وتلاوم رجال التنظيمات كل منهم يتهم الآخرين ويدفع عن نفسه تهمة التقصير. فقرر حقاني معاودة الهجوم قبل أن يتمكن العدو من إعاده بناء استحكاماته مرة أخرى.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

المحاوله الثانية:

هاجمنا هذه المرة بدباتين يقود إسماعيل التركستاني واحدة، ويقود خليل الرحمن الدبابة الثانية. وكان إبراهيم “شقيق حقاني” على رأس هجوم المشاة. كالمرة السابقة كانت دبابة تحمي المؤخرة، ودبابتان في الهجوم على “سيد جي” “وموسى خان”.

وصل إسماعيل وخليل بالدبابتين إلى مواقعهم المحددة تحت جنح الظلام. أما إبراهيم مع 34من المجاهدين فقد وصل إلى موضعه المحدد مع طلوع الفجر ثم شرع في التقدم مع ازدياد الضوء صوب خط الدفاع الأول للعدو، ولكنه فوجئ بنيران رشاشات العدو تنهمر عليه هو ورجاله فيسقط منهم 4 شهداء على الفور، ويصاب هو بحوالي عشر طلقات في جسده شعر بأنها حطمت عظامه تحطيماً.. ولكنها لم تخترق الجسد. اكتشف إبراهيم أنه وقع في كمين متقدم للعدو وأن أحد المرابض الجديدة قد أوقعه تحت جحيم من النيران جعله لايستطيع الحركة في أي اتجاه، فاتّصل بأخيه جلال الدين حقاني بالمخابرة قائلاً: لقد وقعت في حصار. فسأله شقيقه ـ أين أنت؟.. وماذا نستطيع أن نفعل لك؟ فأجاب إبراهيم وأصوات الرشاشات تلعلع من حوله: أنا في مقابل بوسطات العدو أسفل من “دراجي” أرسل لي خليل وإسماعيل بالدبابات، فبدونها لا يمكن أن نخرج من هنا. وبالفعل تحركت إليه الدبابات بسرعة ودمرت كمين العدو بنيرانها فتقدم إبراهيم ومعه 30 مجاهداً وعبروا خط الدفاع الأول ووصلوا إلى القرية وسيطروا عليها بسهولة لم يكونوا يتوقعونها. ولم تقع بهم خسائر غير تلك التي حدثت في الكمين الأول. كان المجاهدون في نفس الوقت تقريباً قد نجحوا في اقتحام موقعي (سيدجي) و(موسى خان) والذي قاد المجاهدين فيه مولوي حنيف شاه، ومعه شقيق الشهيد مطيع الله، فغنموا دبابة للعدو ضموها إلى قوة الدبابات التي ترافقهم واستخدموها جميعها ضد قوات العدو في دراجي وحولها، فبلغ عدد الدبابات مع المجاهدين 6دبابات حتى استقرت المنطقة نهائياً في يد المجاهدين. وبدأ تهاطل مجنون لصواريخ سكود، وغارات الطيران بالقنابل العنقودية. ولم يؤثر ذلك بشيء على المجاهدين.

 

 

أزمة في المستشفى .. ومجلة على خط الجبهة:

يوم الجمعة 12يناير1990  / 14 جمادى الثانية 1410هـ .

ركبت في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف متوجهة نحو ميرانشاه، مع عدد من الأطباء الأفغان التابعين للحكومة المؤقتة “حكومة مجددي” كي يديروا مستشفى ميرانشاه الذي بقي معطلاً بعد أن تركه الهلال الأحمر الكويتي إثر خلافات حادة مع المجاهدين.

وكانت الخلافات مبعثها التشدد الســلفي لأطباء تلك الهيئة وتعاملهم المتعالي مع الأفغان. صاحبني في الرحلة الضابط الشاب(أعلي داد) وهو ضابط اتصالات يعمل مع حقاني ومن نفس قبيلته.

عندما وصلنا إلى بداية المنطقة القبلية في نهاية مدينة “بنون” وجدنا سيارة بيــك آب مليئـة بالحرس قد أرسلهم حقاني لاصطحاب الأطباء إلى مدينة ميرانشاه، على بعد ساعة من بنون.  أمطرت السماء بشدة فانتقل الحراس إلى الركوب معنا داخل سيارة الإسعاف التي صارت مثل علبة السردين المسلحة بأشواك من بنادق الكلاشنكوف.

توقفت السيارة أمام المستشفى وكان البرد والمطر قد فرض حظراً للتجول في الساحة المقابلة والطرق المحيطة، فلم أتبيّن، كما هي العادة، شدة المعارك من حجم ازدحام الناس والسيارات أمام بوابة المستشفى.

توجهت بسرعة إلى بيت العرب، وهي مضافة من طابقين تحتوي الكثير من الغرف، سألتهم بلهفة عما لديهم من أخبار الجبهة، فأكدوا لي فشل الهجوم على تورغار وأن تفاصيل بــاقي المعارك مازالت مشوشة.

توجهت بعدها إلى”المكتب الثقافي” وهو غير بعيد عن بيت العرب ويفصل بينهما ساحة متسعة نسبياً وحولها أكداس من البيوت المتراكمة في قبح معماري نادر المثال. وقد ملئت الطرقـات بالأوحال وبرك من مياه الأمطار، وهو ما يجعل السير في الطرقات الضيقة، والمسقوفة أحيانا، عملية عسيرة. ولكن الميزة الوحيدة لتلك الأوحال والبرك أنها تخفي الصفوف الممتدة على مجنبات تلك الطرق مع ما يحط عليها من أسراب الذباب السـمين والكسول، الذي لا يتحرك إلا تحت وطأة التهديد الجدي.

من المفروض أن تكون لمجلتنا الجديدة غرفة خاصة في الطابق الأرضي من ذلك البيت الواسع والذي تشاركنا فيه الإذاعة ومكاتبها، وغرفة ضيافة واسعة في الطابق الأعلى تحتوي على”متحف” من مخلفات معركة جاور فيه قطع من معدات وملابس وأوراق رسمـــية لجنود سوفييت وكوماندوز أفغان قتلوا في تلك الحملة.

إضافة إلى خريطة كبيرة مجسمة للقطــاع الجنوبي من الجبهة يظهر فيه جبل تورغار. لم يكن أحد من أفراد طاقم المجلة موجـوداً في المبنى، بل إنّ أكثر الناس كانوا فعلاً داخل الجبهات. نمت وحيداً في إحدى الغرف البـاردة، ولكنها كانت مليئة بالأغطية، فوضعت فوقي كومة منها، وما أن شعرت بالدفء حتى رحت في نوم عميق.

 

 

حقاني يودع الشهداء في مقبرة ميرانشاه:

(السبت 13 يناير 1990 / 15 جماد الثانية 1410)

منذ الصباح الباكر بدأت في تحري أخبار الجبهات فعلمت أن الهجوم على تورغار قد فشـل، وأيضاً الهجوم على إسماعيل خيل الذي جرح فيه 65 من المجاهدين. ومن قادة الهجوم جرح حنيف شاه، صديقي القديم، واستشهد زميله حكم خان. كانت الأخبار سيئة والوجوه متجهمة. ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتي للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل حاجي إبراهيم مساعدي في العمل  بالمجلة. وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة “زورمات” في قرية “شاهي كوت”. وعمله الرسمي معي في المجلة مترجماً، وكان شاباً دمث الخلق ذكياً وشجاعاً محبوباً من جميع الأفغان، لذا فقد ساعدني كثيراً سواء في شؤون المجلة أو في العمليات التي اشتركنا فيها معاً، كما سنرى.

حضر حاجي إبراهيم صباحاً، وكان كل منا سعيداً بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه خبراً جديداً عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذي غمر الجمــيع.  فخرجنا سوياً إلى السوق لنشتري بعض احتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة.

اشتريــت عشرة أفلام ملوّنة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبي دوماً كاميرا صغيرة من طراز حديث، وفي أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهي أيضاً من نوع حديث ولكنها كانت أمانة عندي من صديق.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقاني سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديداً حول المقبرة، التي ازدانت مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عدداً منهم من أفضل أصدقائي القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصري، ومولوي أحمد جول ومولوي فتح الله ومولوي شاكرين وغيرهم كثير. أما ابني خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة “ماتشز” حيث يسكن صديقي حاجي إبراهيم.

حضر مولوي حقاني وألقى كلمة مطولة في جموع المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تماماً لتعبئة الناس نفسياً، ورفع معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوي الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة، وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسي. قليل منهم يبكي أثناء تلك المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسي كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات متعمداً، بل أفضل أن أراقبها وحيداً من على بعد حتى أدع عواطفي تنساب على سجيتها بدون اعتبار لتواجد الآخرين، فمن المخجل للرجل أن يراه أحد حين يبكي.

ذهبت مع إبراهيم قبل العصر إلى مضافة حقاني الملاصقة لمنزله، وكانت عبارة عن صالــة

كبيره للضيوف، أحد أطرافها يمكن فصله بواسطة ستارة سمكية فيصبح غرفة صغيرة منعزلة تحف جدرانها المقاعد وتتوسطها طاولة صغيرة عليها تلفزيون وفيديو، فهي إذن صـالــة عرض الأفلام التي التقطها عدد من المصورين التابعين لحقاني أثناء المعارك. في الطرف الآخر من البهو المتسع هناك باب يفضي إلى غرفة صغيرة بها سريرين وعدد من المقاعد وهي مخصصة لكبار الزوار ومرفق بها حمام خاص.

وللمضافة حديقة متوسطة الحجم، معتني بها، ومحاطة بحاجز من الأسلاك لحمايتها من أطفال  العائلة، الذين يتسللون إليها دوماً فيتعرضون إلى زجر الحراس والأقارب، ولكن زهور الحديقة تدفع الثمن غالياً بوصول هؤلاء الأطفال إلى المضافة.

قابلنا الشيخ في المضافة الكبيرة الخاصة بالضيوف، وكان برفقته أخواه إسماعيل، وخليــل الرحمن الذي كان مصاباً في كفه على أثر المعارك الأخيرة. لم أتمكن من الحديث مع حقاني الذي تجهز للتحرك إلى “باري” وطلب مني أن ألقاه هناك.

غادر حقاني المضافة وكذلك معظم الحاضرين، وبقيت مع إبراهيم لاستكمال الحديث مع بعض من حضروا المعارك الأخيرة. وكان منهم مصطفى اليمني الذي كان مع مجموعته اليمنية في طرف إسماعيل خيل، وكان منهم أبو محمد السوري أحد أفراد المجموعة القيادية في جماعة أبوالحارث. ( وكان في مركز أبو الحارث في الطرف الغربي لسلسة جبل تورغار).

ذلك المركز عبارة عن عدد من المغارات ضيقة المدخل وبعضها متصل من الدخل بقنوات ارتباط، وفتحات المغارات مواجهة للغرب، وذكر أبو محمد أن صاروخ من راجمة BM41 قد أصاب موقعهم فقتل رامي الهاون وزميله.

أما مصطفى اليمني وكان يقود مجموعة مدعومة من بعض شيوخ اليمن من بينهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني، فقال بأنه ومجموعته قد شاركوا في الهجوم الذي بدأ في السادسة صباحاً على قرية إسماعيل خيل وبدون تمهيد مدفعي حتى تتحقق المفاجأة للعدو.

وقال بأنه مع ارتفاع الشمس كان المجاهدون قد حوصروا بالميليشيات، وفي البداية هرب الرجال من القرية، وبقيت النساء تدافعن بشراسة حتى أن بعضهن كنّ يستخدمن مدافع الهاون من داخل أسوار البيوت.

كما أن طائرات الهيلوكبتر هاجمت المجاهدين بشجاعة كبيرة، وقال إن مدفعيات المجاهدين تدخلت وقصفت المراكز الخلفية لمدفعية العدوّ. وذكر أيضاً أن عدد الشهداء كان خمسة فقط والجرحى كانوا 75 جريحاً. ولم يكن لديه تفاصيل أكثر من ذلك.

ولكن جريدة “المسلم” الباكستانية ذكرت في عددها اليوم أن هجوماً للمجاهدين بهدف الاستيلاء على مدينة خوست قد فشل، وأن جرحاهم في ذلك الهجوم الفاشل كان156 شخصاً، أي ضعف العدد الأصلي تقريباً. في الواقع لقد انحسر كثيرًا تأييد الإعلام الباكستاني للمجاهدين، وبعض الصحف أظهرت عداءً صريحاً. لقد كانت رئيسة الوزراء “بي نظير بوتو” تكشر عن أنيابها ناصعة البياض المتلألئة خلف شفاه مصبوغة بلون الدم، وربما كان دم عبدالله عزام. من بين شهداء الأمس سائق دبابة كان يعمل مع خليل في قصف جبل تورغار من الخلف (جهة الوادي) وأثناء خروجه من الدبابة سقطت قذيفه هاون “120 مليمتر” فوق البرج فقتل السائق في الحال وأصيب خليل الرحمن في كف يده.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 




المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

لسان حال الإمارة الإسلامية يقول :

 دعهم ينسحبون بهدؤ ، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

– للاحتلال ثلاث مناطق استراتيجية في أفغانستان، تخَلِّيه عنها يعتبر اعلاناً للهزيمة الكاملة.

– تسيطر قوات الإمارة الإسلامية على ولايتي كابل وبروان، وهذا يعني حصار العاصمة وحصار قاعدة بجرام الجوية.

– بعد توقيع اتفاق الدوحة بساعات توجهت أول ضربة جوية أمريكية ضد الإمارة الإسلامية في ولاية هلمند .. لماذا؟.

–  فرق الموت في أفغانستان: التكوين .. والمهام .

–  الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها، وهي أداة الاغتيال رقم واحد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

منذ توقيع اتفاق الدوحة سارت الأمور على أرض أفغانستان على عكس ما أراده من أحكموا مصيدة سياسية، تكون القاضية على جهاد شعب أفغانستان. والإجهاز الهادئ على الإمارة الإسلامية، التي نظمت ذلك الجهاد وجمعت الشعب في بوتقة واحدة وبرنامج موحد لإعادة حكم الشريعة ونيل الحرية.

توقع ( بومبيو وخليل) أن المجاهدين وقياداتهم سوف يركضون صوب مواقع السلطة السياسية، ويتقاتلون ويسفكون دماء بعضهم بعضًا. ويتشرذم الشعب إلى قبائل وأعراق ومذاهب، في سباق محموم صوب غنائم متوقعة. ويلتفّون حول سقط المتاع من قيادات دموية تعبد ذواتها، وتعبد الذهب الذي يتدفق بغير حساب، من خارج أفغانستان إلى داخلها، لإطفاء نور الجهاد بنيران حرب الأطماع والأحقاد.

– التشابه التاريخي كبير بين ما يحدث في أفغانستان على يد المحتل الأمريكي وما حدث على يد المحتل السوفيتي، مع فوارق لابد منها. وشرح ذلك يطول جدًا. لكن أهم فارق يعمل لصالح الشعب الأفغاني هو قيادة الإمارة الإسلامية لجهاده وتوحيد صفوفه والمحافظة علي المثل الإسلامية في القتال كما في التعامل السياسي والإنساني في الداخل والخارج .

لا يمكن مقارنة ذلك بالفوضى والارتهان للقوى المعادية، ذلك الفساد الذي تسببت فيه الأحزاب المستقرة في بيشاور .

– وقَّع السوفييت مع الأمريكيين اتفاقا لانسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان (130ألف جندي) خلال ستة أشهر ، في مقابل تقاسم السلطة في كابول بين أعوان الطرفين: الشيوعيين في طرف السوفييت، وأحزاب بيشاور وأنصار الملك السابق في الطرف الأمريكي.

– انسحب الجيش الأحمر من المدن، وقلص الجيش الحكومي خطوط دفاعاته عنها تاركا مساحات كبيرة حولها كان يتخذها مراكز عسكرية واستخبارية .

تَعَثَّر الجيش الحكومي أثناء تلك المناورة . وإختلت الدفاعات عن معظم المدن الهامة لأن الجيش الروسي كان كثيف العدد وله قوات أرضية كبيرة. بعكس الأمريكيين الذين وفَّروا جنودهم واعتمدو على المرتزقة (محليين ودوليين) وعلى سلاح الطيران حتى صارت الطائرات بدون طيار(درونز) هي نجم الحرب بلا منازع . كما كانت طائرات الهليكوبتر الروسية (مي 24) . مع فارق كبير في التأثير لصالح “الدرونز” التي مازالت متفوقة على الأسلحة المضادة لها. إضافة إلى ندرة هذه الأسلحة وصعوبة الحصول عليها وإحجام القوى المعادية لأمريكا عن تحديها صراحة في الساحة الأفغانية، كما تحدى الأمريكيون السوفييت في ثمانينات القرن الماضي.

– نتج عن الانسحاب السوفيتي توسع مناطق المجاهدين وتمددهم في الأرياف. ولم تكن الميليشيات كافية لمنع تقدمهم في المناطق التي يعمل فيها قادة مجاهدين أقوياء. ولم تكن هي المناطق الأوسع، لأن الفساد الحزبي كان مستشريًا فضاعت فرصًا نادرة من أيدي المجاهدين للاستيلاء على العديد من المدن الكبرى.

– والآن ثغرة الفساد الحزبي لم تعد موجودة لتفعل فعلها المدمر. وارتد سهم التآمر إلى صدور المحتلين الأمريكيين وأعوانهم داخل أفغانستان وخارجها. فقد أعلن الأمريكيون عن نيتهم في الانسحاب وقدموا جدولا زمنيا لذلك. ورغم تنوع وجهات النظر لم يحدث صراع داخلي في صفوف الإمارة الإسلامية، ولا شقاق بين مجاهديها، ولا انفصال بين الشعب والإمارة ـ وكل ذلك كان من أحلام الأمريكيين الكبرى. والعكس تمامًا حدث بتقدم غير المسبوق على الأرض والسيطرة عليها وتحرير سكانها.

كما حدث إقبال غير مسبوق للشباب بالتطوع في صفوف المجاهدين، وتسابقوا على التطوع في “القوات الخاصة” التي نمت بشكل كبير جدا من حيث النوع والكم. وتنافسوا على الالتحاق بفرق الاستشهاديين التي صارت عملياتها أكثر براعة وارتباطا بالأعمال التكتيكية الكبرى واستراتيجية الإمارة في كل قطاع .

كل ذلك برهن على ارتفاع المعنويات، وثقة شعبية متصاعدة في الإمارة الإسلامية ومجاهديها.

–  في مقابل ذلك كان مشهودًا انهيار الدولة وجهازها العسكري والأمني وجهازها الإداري وصولا إلى أعلى مستوياته في كابول. فتواجدت الإمارة، في كل وحدة عسكرية أمنية وإدارية للنظام . تواجُد عناصر الإمارة الإسلامية في كابول يبدأ من القصر الجمهوري وصولا إلى آخر زقاق فقير في العاصمة، مرورا بقيادات الجيش والاستخبارات.

–  يقول المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية . وحتى جهاز أمن العاصمة لا يمكنه فعل شيء إلا بعد استئذان المكتب العسكري للإمارة الإسلامية، أو إخطارهم مسبقاً على الأقل، هذا وإلا تحمل عواقب ثقيلة. وقد نشرت الإمارة الإسلامية على سكان العاصمة أرقام هواتفها الخلوية للاتصال بها عند احتياجهم إلى مساعدة . وأذاعت اللجنة العسكرية البيان التالي بين سكان العاصمة وتم تطبيقه: { إن كنت من سكان العاصمة كابول وتواجه أي مشكلة أمنية أو حقوقية أو اجتماعية، فما عليك إلا أن تتصل هاتفيا بأحد أرقام اللجنة العسكرية للإمارة الإسلامية في العاصمة. كما نرجو الإبلاغ عن أي شخص يدَّعي أنه من أفراد الإمارة الإسلامية ويقوم بمضايقة الأهالي أو يطلب منهم أموالاً }.

 

أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة:

هذا الخطاب لا يسري على “فرق الموت”، التي سنتكلم عنها لاحقا، والتي أسستها المخابرات الإسرائيلية بالتعاون من CIA لتكون هي القوة الضاربة للاحتلال المشترك الإسرائيلي /الأمريكي لأفغانستان. خاصة بعد الاكتساح السياسي والعسكري الذي حققته الإمارة داخليا وكسرها للكثير من أطواق العزلة مع الخارج، خاصة مع القوى الإقليمية الأساسية والقوى الدولية التي تريد لنفسها مكاناً مستقبلياً في أفغانستان يحترم رؤية وسيادة الإمارة الإسلامية.

–  للاحتلال الأمريكي/ الإسرائيلي ثلاث مناطق استراتيجية في غاية الحيوية

بحيث أن تخليه عنها يعتبر إعلانا نهائيا للهزيمة الكاملة.. وهي:

1 ـ ولاية  كابول .. وتمثل النطاق السياسي والإداري ومركز الدولة الأفغانية المحتلة.

2 ـ ولاية بروان .. و تحتوي على قاعدة بجرام الجوية الأضخم في أفغانستان وفيها أهم قوات الاحتلال الجوية، وأخطرالمشاريع الاستراتيجية. منها ما هو شبه معلن مثل مصانع الهيروين الحديثة. ومنها ما هو سري للغاية مثل معامل الحرب البيولوجية، والصواريخ النووية قصيرة المدى ـ والقيادة المركزية للعمل الاستخباري المشترك في أفغانستان والمنطقة.

3 ـ منطقة الأفيون .. في ولايات الحزام الجنوبي. ومركزها ولاية هلمند. وتمتد المنطقة لتشمل قندهار وأرزجان ويمكن اعتبار ولايتي زابل وفراه ضمن هذا التجمع ليصبح خماسي الأضلاع.

الوضع الحالي في تلك المناطق هو كالتالي :

1 ـ ولاية كابول: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية. وتبقى مدينة كابول العاصمة تحت الحصار من جميع الجهات ـ مع تواجد قوي جدا للمجاهدين بداخلها لمراقبة العدو وتوجيه ضربات نوعية عند الضرورة. إلى جانب رعاية المواطنين . باعتبار الإمارة الإسلامية سلطة شرعية تسيطر على العاصمة ولو بشكل جزئي.

2 ـ ولاية بروان: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية، وتبقى مدينة بروان، وفيها القاعدة الجوية الأمريكية، وهي تحت الحصار والمراقبة الشديدة من داخل القاعدة وخارجها. ونتيجة لعدم ثقة المجاهدين في نوايا الأمريكيين وقدرتهم على الإيفاء بالعهود، فإن المجاهدين يراقبون جدية انسحابهم من أفغانستان من خلال مراقبتهم الداخلية لقاعدة بجرام، ومحيطها الخارجي ورصد تحركاتها الجوية والأرضية .

فمن الوارد جدا أن يغدر الأمريكيون . وهُمْ على أي حال سوف يستأنفون الحرب بشكل آخر وطرق جديدة. وسيظهر ذلك جليا بعد محطات أهمها الانتخابات الأمريكية في خريف هذا العام . ونظرًا لأزمتها المالية المتفاقمة فمن المستبعد أن تنسحب الولايات المتحدة بهدوء من أفغانستان، تاركة كنوز الهيروين.

3 ـ منطقة الأفيون: وهي أول منطقة انتهك الأمريكيون فيها ما أسموه (اتفاقية السلام) مع الإمارة الإسلامية. والسبب كان هجومًا للمجاهدين على موقع عسكري للجيش المحلي وهو أمر لا يتعارض مع اتفاقية الدوحة، وكانت الضربة الجوية الأمريكية تحمل رسالة معناها: ” نتهاون في كل شيء ما عدا أفيون أفغانستان”. فكان رد الإمارة الثابت دومًا، من خلال ضرباتها العسكرية المتنوعة: ” لن نترك لكم حبة رمل في أفغانستان”.

– الآن يلتزم الأمريكيون بالهدوء، وخمد نشاط طيرانهم التقليدي غير المسيَّر. والموعد النهائي لانسحابهم معلوم طبقا لاتفاقية الدوحة. والجبهات التي مازالت نشطة ضد العملاء والمرتزقة وفرق الموت. ولسان حال الإمارة الإسلامية يقول: دع الأمريكيين ينسحبون بهدوء، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

فرق الموت: لماذا .. وكيف ؟؟

استخدمت الولايات المتحدة ما أسمته (فرق الموت ) بإدارة مخابراتها المركزية ، لقهر شعوب أمريكا الجنوبية والوسطى، وإرغامها على قبول السطو الأمريكي على الثروات والاستبداد بالقرار السياسي بواسطة حكومات عميلة وجيوش إجرامية مدعومة بعصابات من القتلة. تكونت (فرق الموت) من مجموعات منتقاة من الجيش الوطني، ومن مجرمين محترفين. وتخصصت تلك الفرق في مجال يشمل اختطاف واغتيال المعارضين والقادة الاجتماعيين والدينيين والمثقفين من كتاب وصحفيين أحرار.

كما يشمل إحراق القرى وتدمير ممتلكات المعارضين. وبثّ الرعب الجنوني في نفوس السكان، لإخماد قابليتهم للمقاومة، وإصابتهم بصدمة مذهلة تتيح للشركات الأمريكية أن تنفذ ما تريد، بدون أي معارضة. (فرق الموت) تعمل بشكل غير رسمي، يمكن أن تتبرأ منه الحكومة العميلة.

–  في بداية احتلالها لأفغانستان استخدمت أمريكا قواتها النظامية كفرق موت عظمى للقتل الجماعي والإرهاب المذهل حتى يرتدع الشعب الأفغاني العنيد عن مجرد التفكير في المقاومة. فضربوا بشكل منهجي القرى الآهلة، وهاجم الطيران الأمريكي حفلات الزفاف والمآتم.

ودمر وسائل النقل العام والخاص على الطرق الرئيسية والفرعية. وهاجمت قواتهم الخاصة القرى ليلا، وأقاموا فيها حفلات من الرعب والقتل والتعذيب باستخدام الكلاب المتوحشة. وأعطوا أولوية لقتل علماء الدين وطلاب المدارس الدينية، وتفجير المدارس الدينية وإحراق كتبها بما فيها القرآن الكريم. وقتلوا الأطقم الطبية ودمروا مخازن التجار ومحلاتهم، وأتلفوا المحاصيل في الحقول ـ وأخفوا قسريًا عددًا كبيرًا من السكان، وزجوا بهم في سجون مجهولة  ثم باعوا أعضاءهم ضمن تجارة دولية مربحة، إلى جانب اتجارهم في المخدرات.

 

تكوين فرق الموت:

في أفغانستان  تشكلت فرق الموت في بدايتها من القوات الأمريكية الخاصة وقوات الحلفاء، واشتهر من بينهم البريطانيون والكنديون والأستراليون، مع عناصر إسرائيلية منتشرة بين تلك القوات، ولم تظهر بهويتها الصريحة تفاديا لاستفزاز الشعب الأفغاني الغيور. ولاحقا انضمّت عناصر محلية إلى تلك الفرق، ومن مختلف دول العالم.

– عصابات داعش تمارس تلك الأعمال منذ لحظتها الأولى، كوظيفة أساسية. ولكن تضاعف خطرها وصارت أكثر تنظيماً في أفغانستان منذ تولي أمرها حكمتيار بالمشاركة مع “حنيف أتمر” عندما كان مستشارًا رئاسيا لشؤون الأمن القومي، ومازال يمارس نفس المهمة مع داعش وهو في وظيفة “وزير خارجية” جامعاً بين وظيفة الاستخبارت والمهام السرية والإرهابية في الداخل والخارج ، متشابها في ذلك مع “بومبيو” وزير خارجية أمريكا . حتى أسماه البعض “بومبيو” أفغانستان .

في بدايتها نشأت داعش كقوة مرتزقة ذات تخصص طائفي. وما زالت ثابتة على ذلك التخصص، وأضافت إليه في أفغانستان الفتن العرقية تحت إشراف قائديها (حنيف وحكمت).

– أنشأ الإسرائيليون في أفغانستان مجموعات حديثة من”فرق الموت”، مارست عدداً من العمليات التي تعتبر تجديداً نوعيا في بشاعة الاستهداف غير المسبوق. فهذه المرة ليس المطلوب فقط بث الرعب في الشعب ــ فقد انقضت تلك المرحلة بعد الإقبال الحالي على التطوع الجهادي والتدريب المتطورــ فالمطلوب الآن بث الفرقة بين الشعب والإمارة الإسلامية، وإفقاد الشعب ثقته في قدرة المجاهدين على حمايته. وتوقعوا أن يتحقق ذلك بعد ظهور اللمسات الإسرائيلية في التنكيل بأضعف فئات المواطنين بما يتجاوز أعراف الحيوانات.

– وأنشأت المخابرات الأمريكية فرقاً أفغانية خاصة منتسبة إلى الأمن وتحت مسميات تليق بأفلام المغامرات، مثل صفر واحد، صفر اثنين وهكذا، أصفار تعقبها أرقام، لماذا ؟؟. لأنها العقلية الأمريكية المريضة والمسطحة والمتوهمة.

إجمالا تخصص الدواعش في تفجير المساجد والمواكب الدينية والجنائز والاحتفالات. وتخصص الباقون في تفجير المستشفيات والمدارس والمهرجانات والمواصلات.

ومؤخراً انخرط الطرفان في (النشاط الخاص) خارج الخطة المحددة رسميا. مثل انشغال جزء من فرق الموت في عمل إضافي لزيادة الدخل، بالقتل لصالح أطراف داخلية تدفع أكثر. فاغتالوا ونسفوا لصالح مسئولين كبار، ضمن تصفية حسابات، أو لحسم منافسات مالية أو سياسية. أو لسرقة بعض ما سرقه آخرون، أو لاعتراض أموالهم المنقولة والمهربة أو حتى أموالهم في البنوك .. إلخ.

– حالة الفوضى العارمة التي تجتاح الطبقة المسيطرة في أفغانستان جعلت سوق المرتزقة بجميع أنواعهم معروضة للاستخدام الشخصي لمن يدفع أكثر . فأصبح المشهد مأساويا ومربكا لأي متابع .. فمن يقتل من ؟ .. ومن يعمل ماذا ؟ ولماذا ؟. إنها أجواء السقوط لا أكثر .

ومن الطبيعي أن تستفيد الإمارة الإسلامية من تلك الفوضى التي أغرق فيها العدو نفسه، بسياساته التي ظن أنها سَتُكسِبَهُ الحرب. وإذا بالمكر السيء يحيط بأهله ويبتلعهم في ظلماته.

الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها.

من أهم مساهمات إسرائيل كان الطيران المُسَيَّر(بدون طيار ــ درونز) الذي معظمه من صناعتها. وتعتبر حرب أفغانستان أكبر ميدان استخدمت فيه تلك الطائرات بكثافة نادرة، وحققت أعلى خسائر في صفوف المدنيين بما لم يسبق أن حققت مثله في أي مكان.

وكان لها دور كبير في تنفيذ عمليات اغتيال نوعية لقادة ميدانيين، بهدف إحداث خلل في سلسلة القيادة لدى المجاهدين، ودفعهم إلى التنازل سياسيًا ـ حسب نصائح قدمها نفطيون من أصحاب شركات المرتزقة ــ ولكن شيئًا من تلك الأهداف لم يتحقق. وتظل الدرونز الإسرائيلية هي أداة الاغتيال رقم واحد في أفغانستان.

ويعتقد البعض أن تلك الطائرات لا تنقطع عن التحليق في جميع الأماكن والأوقات ـ وأن أنواعها كثيرة وذات قدرات متنوعة. بعضها يستطيع التحليق لساعات طويلة وعلى ارتفاعات شاهقة يصعب رصدها، وتنتظر فريستها بصبر لأوقات طويلة قبل أن تضرب ضربتها القاتلة. اختصارا تجربة الدرونز في أفغانستان تجربة نادرة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب . تماما كما كانت تجربة الذخائر الحديثة والمحرمة دوليا والتي تحتوي على اليورانيوم المخصّب والمنضب . وكذلك استخدام ترسانة كبيرة ومنوعة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية.

لم يسبق أن شاهد العالم شيئا من ذلك. وهذا واحد من الأسباب التي دفعت الاحتلال الأمريكي كي يمنع كافة المعلومات التي تخرج من أفغانستان عن غير قنواته العسكرية والاستخبارية.

 

القفز من السفينة الغارقة

بسبب تلك الفوضى التي وقع فيها الاحتلال ونظامه العميل، توسعت سلطة الإمارة الإسلامية على أرض أفغانستان، وفي صفوف الأجهزة الحاكمة، وبين الطبقات الميسورة التي استفادت من الحرب ولكن لا تنوي الرحيل، أو تنوي الرحيل ولكن بدون إحراق الجسور من خلفها. أصحاب رتب عليا ومتوسطة في النظام الحاكم قدموا عمليا براهين الولاء للإمارة الإسلامية. ورغم أن نظام كابل يمتلك رئيسان للجمهورية في وقت واحد بل في قصر جمهوري واحد، فإن ذلك لم يعد كافيا . فرغم أن رئيس واحد منهما يستطيع إغراق النظام، فإن وجود رئيسين يغرقه أسرع . وفي نهاية الشارع الذي يقع فيه القصر الجمهوري مازال عمود الإضاءة الذي شنق علية الرئيس الشيوعي نجيب الله قائما، وبجانبه عمود آخر، بل وأعمدة كثيرة بطول شارع العملاء.

– جهاز”الدعوة والإرشاد” أصبح من أكثر أجهزة الإمارة انشغالا. إذ يتهافت عليه المئات من جنود الجيش والشرطة والميليشيات، وموظفي الدولة، معلنين ولاءهم للإمارة متبرئين من الاحتلال ونظامه الحاكم في كابول. فالسياسة العسكرية الخرقاء التي مارسها جيش الاحتلال الأمريكي، ساعدت على حشد الشعب خلف إمارته الإسلامية وخلف مجاهدي طالبان .

وتزدحم ملفات جهاز “الدعوة والإرشاد” بقوائم المستسلمين للإمارة والمبايعين الجدد لها . أما في الأرياف فلا يحتاج الأمر إلى تجديد بيعة، فالسكان منذ البداية هم مع الإمارة سراً أوجهراً. وعندما فُتِحَت المزيد من الأراضي أمام الإمارة فإن كل ما يفعله السكان هو الترحيب بقوات طالبان، وبأجهزة الإمارة المدنية والعسكرية . ومساعدتها على السيطرة وبسط الأمن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة




جلال الدين حقانى-22

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 22

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (22)

– “أبو الدرداء” الشهيد الغريب .. من الحجاز إلى جبل تورغار.

– حقاني يرتب مع مطيع الله، أكبر تقدّم عسكري يشهده وادي خوست حتى ذلك الوقت.

–  خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرّحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح45 شخصاً من بينهم مولوي عبد الحــليم، من وزيرستان.

 –  حكومة مجددي لم تحدث فارقاً، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال، اللهم إلا مزيد من التخبط.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

مقدمة :

أوشك مؤتمر بندي على الفشل، وأن تتوقف محاولة تشكيل حكومة انتقالية تمثل جميع الأحزاب بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي.

صدام كبير وقع بين مولوي حقاني وبين حكمتيار الذي حاول سحب أي صلاحية من العلماء والقادة الميدانين في اتخاذ أي قرار مصيري يمس أفغانستان، مدعياً أن قادة الأحزاب السبعة هم فقط أصحاب الحل والعقد، وأن مجلس الشورى عليه تنفيذ أوامرهم.

حقاني هدّد بأن يتولى المجاهدين أمرهم بأنفسهم، وأن يشكلوا حكومتهم داخل أفغانستان، بل ويقاتلوا قادة الأحزاب إن هم حاولوا إحداث فتنة داخل أفغانستان.

الحل جاء بتشكيل لجنة أسموها “الشورى القيادية” مكونة من 70عضوا / من بين مجالس شورى الأحزاب / مهمتها تشكيل حكومة، وتعهد الزعماء بتنفيذ قرارات تلك اللجنة.

اختيرت اللجنة برئاسة مولوي حقاني رغم أنه لم ينتظر منها الكثير. اتفقت اللجنة على منح المناصب الوزارية العليا لقادة الأحزاب السبعة حسب نتائج التصويت، حتى لا يحدث نزاع.

 

التصويت وتوزيع الحقائب الوزارية :

كانت هناك مشكلتان أمام اللجنة، الأولى هي كيفية الإدلاء بالأصوات لأن كل مجموعة سوف تصوت لزعيمها، وكان الحل هو أن يكون لكل عضو صوتان الأول لقائد حزبه والثاني لأي قائد آخر. والمشكلة الثانية هي توزيع المناصب بين المنظمات، فتم الاتفاق على تقسيم الحقائب الوزارية إلى سبعة “أكوام” متدرجة الأهمية. وتوزيع الأكوام حسب الأصوات التي فاز بها كل زعيم.

فالفائز الأول يأخذ الكوم رقم واحد الذي يشمل رئاسة الدولة مع حقيبة وزاره الصحة. والفائز الثاني يأخذ الكوم الثاني الذى يحتوي على رئاسة الوزراء مع حقيبة وزارة المواصلات… وهكذا إلى الكوم السابع. وهكذا حافظت اللجنة على ما أكد عليه حكمتيار بأن يكون الزعماء السبعة هم محور العمل كله فكانوا هم زعماء المنظمات وهم أهم الوزراء في الحكومه. وقد عين بعضهم من ينوب عنه في المنصب الهام الذي فاز به. وقد فعل ذلك حكمتيار وجيلاني. ولكن حكمتيار عاد وتولى منصب وزير الخارجية بنفسه. وقد أدى جيلاني دوراً استشهادياً لصالح محور المعتدلين عندما أعلن أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، أي أن أعضاء كتلته سوف يصوّتون لواحد من المعتدلين الآخرين الذي كان هو مجددي، لأن جماعة جيلاني قد سربوا أخباراً عن رشوة ضخمة دفعتها السعودية “لمحمدي” حتى ينضم إلى تيار المتشددين وقالوا إن هذه الرشوة تقدربملغ 200 مليون روبية باكستانية .

( وإن كنت شخصياً أرى أن المبلغ كبير والأنسب أن يكون20 مليون ). وتسعير الرشاوي كانت كالتالي حسب مصادر جيلاني :

للفرد العادي عضو الشورى (مليون روبية) للقائد الميداني وعضو الشورى ( 4 مليون روبية)، أحد قيادات الحزب البارزين وعضو في الشورى (10 مليون روبية). وأخيراً تم التصويت وأعلنت الحكومة” يوم الجمعة 24  فبراير89″ وفاز مجددي بالمنصب الأول (174 صوتاً)، ثم سياف بالمنصب الثاني (173صوتاً) أي بفارق صوت واحد، وبذلك فشلت الأموال السعودية في تنصيب سياف رئيساً للدولة كما كان هدفها آنذاك. وكان ترتيب الفائزين كالتالي: محمدي ـ حكمتيار ـ خالص ـ رباني ـ جيلاني .

أي أن الترتب سار هكذا: معتدل ـ متشدد ـ معتدل ـ متشدد … إلخ. وهذا يعكس قوة التيار المعتدل الذي حقق تلك المزاحمة الشديدة رغم الرشاوي الواسعة والكريمة من السفارة السعودية ورغم تطفيش الشيعة، وحتى بعض الغائبين عن التصويت كانوا محسوبين على الجناح المعتدل في المجلس، أو بالأحرى المضاد للأحزاب الأصولية في بشاور.

وقد كان أكثر من فوجئ بتلك النتيجة… هو مجددي نفسه، وكما هو متوقع أطلق مجددي تصريحات رنانة ومجاملات دبلوماسية، ووعد بأن تنتقل حكومته إلى داخل أفغانستان خلال شهر و أن تباشر عملها من الآن .

وبالطبع لم يحدث شيء من ذلك، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال،اللهم إلا مزيداً من التخبط. ولم يكن واضحاً بشكل مؤكد برنامج هذه الحكومة، ولا مدة بقائها. وما صّرح به مجددي بعد الانتخابات كان مخالفاً لما أتفق عليه. أو العكس كأن يكون قد صرح بما اتفق عليه ثم كذبه باقي الزعماء. فقد قال بأن مدة حكومته عام واحد… فتصدى له حكمتيارعلى صفحات الجرائد قائلا : ( بل ستة أشهر فقط ). وفي داخل المؤتمر في مدينة الحجاج كان مفهوماً أن من مهام تلك الحكومة التجهيز لوضع سياسي دائم قائم على مجلس شورى وحكومة منتخبة. ولم يكن معروفاً كيف سيتم اختيار أعضاء الشورى والوزراء، وهل هي انتخابات عامة شاملة على نظام صوت لكل مواطن، وهو ما أيده البعض ومنهم حكمتيار، أم على أساس جركا قبلية “مجلس من زعماء القبائل”، وهو ما يؤيده أنصار الملكية الذين يعرفون أن زعماء القبائل يريدون الملك الذي ضاع نفوذهم بعد ضياع ملكه.

أم أن حرية الاختيار سوف تقصر على المجاهدين والعلماء وأنصار الجهاد مع استبعاد المعسكر المضاد بأكمله. لم يستقر الرأي على شيء من ذلك. وبذلك لم يتقدم الموقف السياسي للمجاهدين خطوة واحدة مع تشكيل تلك الحكومة، بينما الأحداث تتسارع بحدة، والنتيجة هي تقهقر شامل سريع ينذر بأوخم العواقب، ولم تلبث أن بدأت معارك جلال آباد في 6 مارس 1989، كي تؤكد أن حكومة مجددي قد ولدت ميتة كما ولدت حكومة أحمد شاه من قبل.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بداية متوترة :

كانت اللحظة تاريخية، وأجواء الترقب تثير الأعصاب. والجميع يتوقع انهيارا سريعا للنظام في كابل، والآن جاء قادة المنظمات الجهادية لتشكيل حكومتهم التي ستتولى قيادة البلاد في تلك الظروف. الإعلام الدولي كان يتحدث بلهجة مثيرة عن تلك الموضوعات ويؤكد على سقوط قريب لكابل، وتجاهل كل الإشارات والدلائل على أن ذلك ليس صحيحاً، والأغلب أنه تعمد ذلك. لذا توافد على مدينة الحجاج في روالبندي حوالي50 صحفيا أجنبيا لتغطية أحداث المؤتمر.

في يوم الافتتاح… تأخرت الجلسة الأولى عدة ساعات بسبب الخلافات، والضغط الزائد على منظمي الحفل وأعصاب الحضور. كان الإشراف الكامل على كل ذلك هو للمخابرات الباكستانية ISI التي تكفلت بالأمن والإدارة السياسية للمؤتمر وتوجيه الأحداث داخله. افتتحت الجلسة وبدأت كالعادة بتلاوة من القرآن الكريم ثم سمح للمراسلين الأجانب بالبقاء عشر دقائق فقط لتبدأ بعدها جلسة سرية، وقد تم إخراجهم بغلظة. فغضبوا وقرروا مقاطعة المؤتمر.

– كانت الأجواء متوترة أكثر من اللزوم، وليس أدل على ذلك مما حدث لأحمد شاه رئيس الوزراء (في الحكومة المؤقتة السابقة). لقد وصل أحمد شاه في سيارته الفخمة من طراز “رانج روفر” وأراد أن يصل بها إلى البوابة الرئيسيه لقاعة المؤتمر ، على عادة الكبار . ولكن رئيس الحرس الأفغاني أوقفه، وطلب منه ترك سيارته في الموقف العام والقدوم مشياً حتى الباب الرئيسي. لكن أحمد شاه استنكر ذلك وصاح به: ألا تعرفني؟ … أنا أحمد شاه رئيس الحكومة. {حكومة مؤقتة سابقة تشكلت قبل الانسحاب السوفيتي}. فأجابه رئيس الحرس بغلظة: بل أنت فرد عادي، إنما عقد هذا المؤتمرلاختيار رئيس حكومة. فأجابه أحمد شاه بالسباب، فأجابه رئيس الحرس بتجهيز بندقيته للإطلاق وهو يطلق الشتائم السريعة . فتدخل الناس وفضوا الاشتباك قبل أن تسيل الدماء. وخضع أحمد شاه للقانون. لكن دماءً أخرى  سالت على أعتاب قاعة المؤتمر ففي أحد الأيام فوجئ الناس بطلقات سريعة في الساحة وجثة تسقط ودماء تسيل، وارتباك وفوضى وحالة طوارئ وذعر يسود الجميع. في اليوم التالى أعلنت حكومة باكستان في بيان مقتضب أن جندياً  قَتَلَ ضابطاً من الحرس وأن الدافع كان ثأراً عائلياً، ولم يهتم أحد  بالحادث وتوقفت الصحف عن المتابعة.

” ولأن حقاني كان يدرك عقم كل مايحدث في بندي، وأن لا حكومة قادمة، بل شكل جديد من تلاعب أحزاب بيشاور بمصير أفغانستان وشعبها. قبل عدة أيام من إعلان تشكيل الحكومة أعطى حقاني أوامره باستئناف العمليات في خوست حسب البرنامج المقرر سلفا ” .

 

 

“أبو الدرداء” الشهيد الغريب ..

من الحجاز إلى جبل تورغار .

في يوم الثلاثاء21 فبراير كنت في زيارة لبيت جماعة حقاني في روالبندي وهو لا يبعد كثيراً عن مدينة الحجاج،  حيث جاءتنا أخبار أشاعت فينا البهجة والسرور، فقد هاجم المجاهدون جبل تورغار في خوست واستولوا عليه. ولكن في اليوم التالي ضاعت الفرحة حين وصلت أخبار أن الحكومة استردت  الجبل.

شعرت  أن خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح 45 شخصاً من بينهم صديقي القديــم مولوى عبد الحليم، من وزيرستان، وقالوا إن ساقه قد بترت بانفجار لغم وأنه يعالج الآن في بيشاور. وقالوا أيضاً إن قتالا داخلياً بين جماعة حكمتيار قد حدث في باري. بعد ذلك بأشهر علمت أن محاولة الاستيلاء على تورغار قد فشلت في وقتها، ودبّت الفوضى في صفوف المهاجمين، وكان بعضهم قد صعد إلى قرب مواقع العدو فوق سطح الجبل. ثم صدرت إليهم أوامر بالعودة، وكانت تلك الجماعة تحت قيادة مولوي عبد الحليم، ومعهم عربي من السعودية يدعى أبو الدرداء، رفض أن ينسحب قبل أن يطلق على العدو قذيفة آر بي جي، ولكى يتمكن من ذلك كان عليه أن يخطوه إلى اليمين قليلاً خارج المدق الصغير جداً الذي استخدمه في الصعود. وما كاد  يفعل حتى انفجر لغم تحت قدمه أطار ساقه وقذفه بعيداً وسط منطقـة ملغومــة ومكشوفة للعدو، وكان الوقت قريباً من المغرب، فتقدم مولوى عبد الحليم كي يحمله ويعود به فانفجر به هوالآخر لغم أطار ساقه. قتل أبو الدرداء بعد قليل، وكان معه بعض زملائه من العرب فدفنوه على موقع ليس ببعيد من تورغار في اتجاه الطريق الضيّق الواصل إلى بوري خيل. ومازال قبر أبو الدرداء واضحـاًعلى جانب مائل من الطريق الذي شقته بعد ذلك البولدزرات بعد فتح تورغار “بعد عام تقريباً”.

وقد ركز المجاهدون العديد من الأعواد الخشبية وعليها رايات بيض فوق القبر للتعريف بأن مجاهداً قد دفن هناك، في منطقة لم يدفن بها أحد من المجاهدين قبل أو بعد ذلك.  قبر ذلك الشباب يطبع في النفس الحزن والوحشة، وسط تلك الجبال والوديان ذات الأشجار البرية وحقول الألغام المجهولة. وقد تناثرت الآن عدد من البيوت حول مجرى الماء الصغير في المنطقة، وربما وصل بعض الأطفال أو الرعـاة إلى قرب القبر، الذي تمر إلى جانبه سيارات تنقل القرويين وخلفها ساحبات كثيفة من الأتربة الناعمة تنثرها فوق القبـــر وراياته المشرعة، لكن أحداً منهم لم ير أبو الدرداء أو سمع عنه. وكان هو العربي الثاني والأخير الذى يقتل بواسطة لغم فوق جبل تورغار. بعد عام تقريباً من استشهاد صديقي عبد الرحمن فوق نفس الجبل بواسطه لغم أيضاً.

 

 

عام  (1989):

تقدم في قطاع خوست الغربي

أولاً/ مسيرة حذرة تسلطت الأضواء دوماً على المكان الخاطئ، والأشخاص الخاطئين. تلك كانت (ميزة) آثمه للإعلام الذي رافق المسيرة الأفغانية خاصة الإعلام العربي، الذي لم يكن هو الآخر بعيداً عن التأثيرات الحزبية، والنزعات الشخصية وروح الإقليمية… إلخ. كانت خوست في الظل أو شبه الظل، لذا انصرف عنها العرب الأقوياء وبقي فيها ضعـفاء العرب أو منبوذيهم،  لكن بقيت فيها معسكرات تدريب تابعة للأقوياء خاصة جماعة أسامة بن لادن (القاعدة). وجماعة عربية ناشئة ظهرت هناك، ونمت بالتدريج واكتسبت أهمية بمرور الوقت، وهي جماعة (أبو الحارث الأردني)، التي كان لها دور هام في العمليات الأخيرة والحاسمة خاصة فتح جبل تورغار ثم فتح مدينة خوست. جماعة يمنية تمركزت في ليجاه (مجموعة مصطفى اليمني)، تواجدهم لم يكن ثابتاً ولكنهم ساهموا بقوة في عـدة معارك دارت قريباً من ليجاه.لذا كان دورهم محدوداً في المعارك النهائية التي دارت إلى الشرق من مواقعهم.

وكانت تلك الجماعة تابعة للشيخ الزنداني في صنعاء. كان المجاهدون يتلمسون طريقهم بحذر وهم يتقدمون في الوادي بعيداً عن جبالهم الحصينة، فتقدّموا من باري، منطقتهم الأساسية من الآن فصاعداً، واتّجهوا نحو حصون (جنـداد) و(مالانج) وفشلوا في ذلك عدة مرات، فاستولوا على الحصون ثم تركـوها تحـت ضغط الهجمات المعاكسة. وكان آخر محاولاتهم التي بدأت ناجحة ثم فشلت بعد ذلك، هو هجوم يوم الإثنين 23/5/89 الذي وصفه مراسل مجلة الجهاد بأنه كان مباغتاً، وفي الحقيقة أنني كنت أول من باغته الهجوم لأنني بعد أن قضيت فترة في انتظار للمشاركة في ذلك الهجوم، ثم تركت المنطقة في صباح ذلك اليوم بعد أن تأكدت أن معظم قادة المنطقة قد صرفوا النظر عنه، بل سربوا أخبار خطط الهجوم وموعده لحكومة كابل التي نشرته في إذاعاتها، فكانت مهزلة مهينة. لذا لم تتوقع تلك الحكومة أن يقوم أحد بمثل ذلك الهجوم، وكان ذلك هو استنتاجي أيضاً. لكن إخوة جلال الدين حقاني (إبراهيم وخليل) بالاتفاق مع قيادات ميدانية من التابعين لسياف وحكمتيار قاموا بهجوم جاء وصفه في مجلة (الجهاد) كما يلي:

[خوست ، من مراسلنا أبي معاذ المغربي:  شنّ المجاهدون صباح يوم الإثنين 23/5/89 هجوماً مشتركاً على مواقع ومراكز العدو في المنطقة المحيطة بخوست مباغتين العدو في ساعة لم يكن يتوقعها، مما أسفر عن سقوط بعض هذه المراكز وهي، مالانج، جنداد، باتالون، الواقعة جنوب خوست، وحاجى جول، ومركزين آخرين شمال غرب المدينة، ومركز “واليم” جنوب مدينة خوست.

وقد قام المجاهدون فجراً بالتوجه إلى هضبه تطل على السهول المنبسطة للمدنية، وقامت مجموعات أخرى بالتحرّك يمينا بموازاة جبل تورغار، وبدأ المجاهدون قصفاً مدفعياً مركزاً مباغتين العدو حيث لم يتركوا له فرصة  للرد على هجومهـم مما أثـر على معنويات العدو حيث بقي المجاهدون يقصفون مراكزه مدة ساعتين متواصلتين، أو يزيد، وبعد 4 ساعات من المعارك تم فتح مركز مالانج وبعده مركزجنداد كما قام المجاهدون بقصف مواقع العدو داخل المدينة مما حدا بطائرات العدو إلى القيام بقصف لمواقع المجاهدين فأطلقت عليهم ما يزيد عن 40 قذيفة، وقد أطلق العدو 10 صواريخ سكود في محاولة منه لإيقاف المجاهدين نحو المدينة. وقد استشهد في هذه المعارك ثمانية عشر مجاهداً وجرح سبع عشر آخرين. وفي حوار مع القائد الميداني خليل (شقيق جلال الدين حقاني) قال إنّ مراكز المجاهدين تستقبل يومياً أعداداً من الجنود والميليشيا الحكومية الذين يستسلمون للمجاهدين. وقدر أعداد الشيوعيين اثني عشر ألف في مدينة خوست وأضاف إن معارك جلال آباد تستنزف كمية هائله من الذخيرة.

وأثناء لقاءنا حاولت طائرات النظام إسقاط بعض المؤن والذخيرة داخل مدينة خوست للقوات الحكومية المحاصرة. وقال لنا القائد خليل إن الطائرات نادراً ما تحط في مطار خوست لأنه يقع تحت رماية المجاهدين(العدد 56، يونيو 89)] .

ومن مكتب حقاني في بشاور علمت أن العدو استطاع استعادة حصن مالانج بعد أن مكث تحت سيطرة المجاهدين لمدة يوم كامل وقد عزّز العدوّ قوات الحصن بدبابتين. وقد سقط على منطقة ليجاه صاروخين من طراز سكود ولكن أحداً لم يصيب منها. ولكن شاب يمني استشهد. وقالوا أيضاً بأن هناك نقصاً شديداً في ذخائر الهاونات.

ثانياً ـ تقدم في القطاع الغربي:

يوم وقفة عيد الأضحى من ذلك العام، كان يوم حافلاً، فبينما العرب مستغرقون في معارك باسلة حول جبل سمر خيل في جلال آباد التي تسلطت عليها أضواء العالم كله، شهدت خوست واحدة من أجمل العمليات العسكرية للمجاهدين في مدة الحرب كلها. كانت الفكرة مبتكرة، والتنفيذ دقيق ومتقن، وتوافرت المفاجأة عدة مرات في المعركة لصالح المجاهدين، ومع ضخامة الانتصار فقد كانت المعركة سريعة جداً، بحيث لم يكن لدى العدو خيار آخر  غير التسليم بالأمر الواقع، الذي هو ضياع حصن نادر شاه كوت التاريخي، ومواقع جبال (دوامندو) الحصينة والتي كان اقتحامها في هجوم جبهوي عملاً جنونياً وغير ممكن التنفيذ. الخطة في شكلها المكتمل تتمثل في فقرتين منفصلتين:

 

الفقرة الأولى:

أـ الاستيلاء على حصن نادر شاه كوت (وهي قلعة بناها الملك نادر شاة “929ـ1933″ والد الملك ظاهر شاه”1933ـ1973”).

ب ـ مهاجمة حصن دوامندو من الخلف.

أي من طرف الطريق الرئيسى القادم إليه من مدينة خوست.

 

الفقرة الثانية:

مهاجمة حصن دراجي والاستيلاء عليه بشكل دائم.

وهذا الحصن هو القاعدة العسكرية الرئيسية للطرف الغربي من الوادي. ودراجي هي قرية شهيرة في المنطقة ومسقط رأس وزير الدفاع شاه نواز تاناي.  والفقرتان معاً كان من نتيجتهما فقدان القوات الحكومية جزء واسع جداً من غرب الوادى بما في ذلك المضيق الإستراتيجى عند (دوامندو) الذي ينتهي عنده طريق زدران) خوست، جرديز، كابل ( ليبدأ وادي خوست الذي يخترقه من طرفه الشمالي الغربي الطريق إلى مركز المدينة. لقد أصبحت مواصلات المجاهدين إلى جارديز أقصر وأسهل، كذلك إمكانية تموين مراكزهم في المواقع في الجبال شمال خوست في منطقة منجل أي أن طوق الحصار صار أضيـق وأقوى. كان البرنامج كله من ترتيب جلال الدين حقاني والقائد مطيع الله (من باكتيكا) والأخير هو صاحب الفكرة المبدعة في الهجوم على نادر شاه كوت وتطويره في هجوم آخر سريع على (دوامندو)، واحتوى البرنامج على استقدام دبابتين من الأورجون بشكل سري، مع تمهيد طريق لها في الجبال ثم استخدامها في هجوم مباغت على الحصن الضخم في (نادر شاه كوت)، وقطعت الدبابة مسافة تستغرق أكثر من يوم في حالة اكتمال الطريق. وبغير هذه الطريقة كان من المستحيل وصول أية دبابات للمجاهدين إلى ذلك الحصن، كما أن ظهور الدبابات المهاجمة دمّر معنويات المدافعين، وكان مفاجأة مذهلة وبالمثل كانت فكرة مهاجمة ( دوامندو) من اتجاه خط الإمدادات القادم إليها من خوست وهو أمر مستحيل أن يتوقعه أحد حتى من المجاهدين أنفسهم وكان ذلك أحد المفاجأت المذهلة للقائد الفذ مطيع الله. أما توقيت الهجوم فى وقت وقفة عيد الأضحى وبعد الإعلان الواسع عن سفر جلال الدين حقاني إلى الحج فقد كان مفاجأة أخرى. فلا هجوم يحدث عادة من طرف المجاهدين في وقت الأعياد، كما أن سفر حقاني، وهوالمحرّك الأساسي للعمليات الكبيرة في المنطقة، أشاع جواً من الراحة والأمن في صفوف القيادات العسكرية في خوست. في وقفه عيد الأضحى يوم الجمعة 12يوليو 1989، أكمل مطيع الله الجزء الخاص به من العمل على أكمل وجه، منجزاً واحدة من أفضل اللوحات الفنية في التكتيك العسكري في تلك المنطقه. ومن المؤسف أنه قتل بعد أسبوع واحد بانفجار لغم في سيارته على مسافة ليست بعيدة من الحصن الذي شهد أفضل إبداعاته العسكرية.

 

الفقرة الثالثة :

كانت من نصيب حقاني الذي عاد من الحج مسرعاً ليجد صديقه وشريكه في البرنامج قد استشهد. وكانت تلك الفقرة متناسبة تماماً مع طبيعـة الإسلوب العسكري لجلال الدين. فهي تحتاج إلى الشجاعة والثبات والتصميم. ولما كانت طبيعتها أقرب إلى اشتباك في حرب تقليدية فكانت تقتضي درجة عالية من النظم والسيطرة على القوات. ولابد لذلك من قائد قوي ذو هيبة.

لأن المطلوب ليس مجرد غارة على موقع قوي جداً ذو خطوط إمداد قصيرة وآمنة، بل المطلوب الثبات فيه، بينما طبيعته المفتوحة لاتوفر غطاءً ضد قصف الطيران والمدفعية وصواريخ سكود ناهيك عن الجنود النظاميين، والأدهى هم أفراد الميليشيا من أهل المنطقة، الموالية تقليدياً للحكومة الشيوعية في خوست. فالمنطقة واقعة في أرض قبيلة تاناي المنتمي إليها وزير الدفاع شاه نواز تاناي. قبل الاستيلاء على دراجي كان لابد من الاستيلاء على عدد من المواقع المتقدمة التي تحميه، ثم التقدم بالمشاة والدبابات في أرض مفتوحة في أول مجابهة من نوعهـا بهذا الشـكل في خوست أو باكتيا كلها. وكانت جلال آباد ومآسيها ماثلة في أذهان المجاهدين وفي ذهن حقاني الذي بات يفهم جيداً معنى أن يقاتل المجاهدون في أرض مفتوحة، وسماء مفتوحة لطيران قوي للغاية وصواريخ سكود المدمرة. لقد نجحت المحاولة الأولى في الاستيلاء على الحصن (24/8/89) ولكن الهجوم المعاكس للعدو خلعهم منه بقسوة(28/8/89)، ولكن حقاني أعاد الكرة مرة أخرى (5/9/89) واستولى على دراجي للمرة الثانية والأخيرة، حيث فقدها العدو إلى الأبد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

 

معركة ناىر شاه كوت

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجددّ (22)




حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 21

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (21)

في مباحثات “راولبندي” مواجهة حادة بين حكمتيار وحقاني، حول الشورى وصلاحيات العلماء والمجاهدين في اختيار الأمير ورسم السياسات.

العناوين :

– السياسيون أم العلماء وقادة المجاهدين: من هم أصحاب الحلّ والعقد؟ ومن لهم الحق في تشكيل الحكومة؟ وتعيين الأمير؟ وتحديد سياسات الدولة؟

– حكمتيار هدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، قائلا: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) .

– حقاني يرد: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة.. فمن يكون؟ بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدين هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميرًا شرعيًا للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) .

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

مقدمة:

(نحن الآن في شهر فبراير من عام 1989)

كانت معركة طريق زدران هي بوابة لانسحاب السوفييت من أفغانستان انسحابًا “مشرفًا ” بعد تحقيق نصر متوهم بعبور الجيش الأحمر لذلك الطريق الاستراتيجي، الذي لم يتمكن خلال سنوات من الاحتلال من مجرد السير عليه.

كانت المعركة مؤامرة دولية، شاركت فيها أحزاب بيشاور ولكن المتضرر الأكبر كان مولوي حقاني الذي فقد أكثر من مئة مجاهد، وكاد أن يستشهد في تلك المعركة. وقبيلة زدران نفسها ـ التي ينتمي إليها ـ هاجرت بشكل واسع جدًا لأول مرة في تلك الحرب.

بدأ انسحاب السوفييت بعد إشهر قليلة من المعركة، وأتموا الانسحاب في فبراير 1989.

وبعد الانسحاب بحوالي شهر بدأت معركة جلال آباد التي كانت مؤامرة دولية أخرى شاركت فيها أحزاب بيشاور كما هي العادة. والهدف كان فرض هزيمة عسكرية كبرى على المجاهدين ، تكون مبرراً لقيادات بيشاور كي ينخرطوا في حل سياسي ينتهي بتشكيل حكومة مشتركة لا ينفرد فيها المجاهدون بحكم أفغانستان، ويبقي الشيوعيون في الحكم ومعهم عناصر موالية للولايات المتحدة.

في بداية عام 1989 بدأت في باكستان ـ مدينة راولبندي ـ مشاورات لتشكيل حكومة مؤقتة لأحزاب المجاهدين تكون طرفًا في الحل السياسي القادم. الذي تصوره المجاهدون الحقيقيون مواصلة للجهاد حتى إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول. وكان مولوي حقاني علي رأس ذلك التيار. أما التيار الآخر والذي يمثله قادة أحزاب بيشاور فكان جاهزاً لأي حل دولي تتفق عليه أمريكا مع السوفييت.

مشاورات تشكيل تلك الحكومة لم يحضرها الإعلام الدولي وكانت مشحونة بالتدخلات الخارجية ـ خاصة من السعودية وباكستان ـ كي تأتي حكومة موافقة لمتطلبات أمريكا والحل السياسي الذي اتفقت عليه مع السوفييت.

كنت علي اتصال يومي مع مولوي حقاني لمعرفة مجريات مباحثات راولبندي ـ وكانت صحف باكستان زاخرة بتفاصيل كانت مفيدة لاستكمال صورة ما يحدث في تلك المباحثات الباعثة علي اليأس.

مولوي حقاني ضغط بشدة علي زعماء الأحزاب، يسانده عدد كبير من القادة الميدانيين المخلصين الأعضاء في شوري المؤتمر، يحدوهم الأمل بتوحيد جهود الأحزاب في عمل عسكري كبير يستكمل فتح أفغانستان ـ ولكن أسفرت اجتماعات راولبندي عن تشكيل حكومة يرأسها سيّاف رئيسًا للوزراء ـ ويشغل فيها مجددي رئاسة الدولة. أول أعمال الحكومة كانت إشعال حماسة كبري، بدعم من الإعلام الدولي، لمعركة في جلال آباد. المعركة شهدت أكبر خسائر بشرية في معركة واحدة خلال الحرب كلها. وكاد يتوقف الجهاد في كل أفغانستان كما توقعت الجهات الدولية التي ضغطت لتشكيل حكومة بهذا الشكل الهزيل. لكن حقاني واصل عملياته العسكرية المذهلة ـ ولولا فضل الله علي المجاهدين، وفتح مدينة خوست لظل الشيوعيون مكوناً رئيسيًا في حكم أفغانستان إلي اليوم.

– أهم حوارت مؤتمر راولبندي هو ما دار بين قادة الأحزاب السبعة بقيادة حكمتيار، وبين أعضاء الشوري في المجلس من علماء وقادة ميدانيين ويقودهم مولوي حقاني. لقد تبارزا بحدة حول عدد من أهم التحديات الفكرية والحركية التي مازلت تواجه العمل الإسلامي، ألا وهي:

1ـ من هم أصحاب الحل والعقد؟

2ــ من الذي يختار رئيس الدولة؟

3 ــ من يرسم سياسات الدولة؟

4 ـ أزمة الثقة واختلاف الرؤي بين السياسيين المحترفين وبين العلماء والمجاهدين.

 

الحكومة المؤقتة الثانية (حكومة راولبندي) :

– أصيب الجهاد الأفغاني بلعنة (الاحزاب السبعة) ، ورغم الانقسامات العديدة ومحاولات التوحيد الكثيرة… لم يزد العدد أويقل عن سبعة، البعض يتفاءلون بهذا الرقم، لا ندري من هو المتفاءل، هل هي الحكومة الأمريكية أو باكستان والسعودية، أم القادة السبعة أنفسهم. الحكومة المؤقتة الأولي، حكومة أحمد شاه، لم تنجح في توحيدهم، بل ولدت ميتة وعاشت الأحزاب السبعة لا هي حرة ولا هي مستقلة. يطلقون عليها اسم حزب أو تنظيم، ولكنه اسم علي غير مسمي، تماماً كاسم حكومة التي أطلقوه علي حكومة أحمد شاه ثم مجددي من بعده. الفرد هنا هو الأساس، وحوله عدد من الأقارب والأصدقاء والمتملقين يسميهم مجلس شوري.

وهو أيضاً اسم علي غير مسمي، والأفضل تسميته مجلس (الثرثرة) ، أما القرار فهو لزعيم الحزب. وحتى هذا الزعيم الأوحد له مستوى متدني للغاية في قراراته، أما مستوى القرارات الخاصة (بالسيادة) فهي لأصحاب السيادة، أي المخابرات الباكستانية التي ترسم الإطار العام وأكثر ملامح العمل التنفيذي، ومن فوقها تأتي المخابرات الأمريكية التي تتحكم في دولة باكستان بالضغط الاقتصادي (والإملاء) السياسي والتهديد الأمني، حتى لأمن رئيس الدولة.

فقرار تنصيب رئيس دولة باكستان، أو عزله، وربما قتله، هو قرار أمريكي من صميم اختصاصات السيادة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي. فقد قتل ضياء الحق نسفًا، كما عينت (بي نظير بوتو) انتخابًا، بقرار أمريكي. وأمريكا أرادت حكومة (جهادية) جديدة أكثر حيوية من حكومة أحمد شاه المتوفاة. ولكن لا تريدها حكومة حقيقية، بل تريد حكومة لا تترك المجال خاليًا أمام حكومة كابل التابعة لمنافسها وغريمها القديم، الاتحاد السوفيتي. تريدها حكومة تكون ستاراً أفغانيًا للنفوذ الأمريكي، ومشجبًا لتعليق الهزيمة والخسائر والضعف حتى ينسب كل ذلك للجهاد وللشعب الأفغاني وحلفائه من المسلمين المجاهدين. كانت أمريكا تنادي بحكومة (ذات قاعدة عريضة) لا لشيء إلا لتمييع الطابع الإسلامي للمجتمع والدولة، ولاستعباد المجاهدين والرموز الإسلامية النشطة. كانت تريد حكومة من عملاء أمريكا والسوفييت، ومن أصحاب العقائد المعادية للإسلام أو المنكرة له. ومن اللطيف أن نذكر ذلك المأزق الذي وقعت فيه أمريكا بسبب ذلك الشعار الذي بمقتضاه لابد أن يشارك الشيعة في الحكومة، خاصة وأن لهم ثمان منظمات جهادية مستقرة في إيران، وهم معتبرون كقوة جهادية مسلحة، مع اختلاف في وزنهم العسكري وفعاليتهم، ولكنهم بلا جدال أفضل بكثير من قوي أفغانية هاجرت إلي الغرب وحملت جنسياته وجوزات سفره، أو هؤلاء الذين سوف يأتون من كابل لتمثيل (الشيوعيين الطيبين) ، أي الذين لم يشاركوا في قتل المسلمين وقد قررت منح هؤلاء “الطيبين” 19 مقعداً في مجلس الشوري الذي سوف يختار الحكومة المؤقته الجديدة. ولكن الخلاف حدث بالنسبة لتمثيل المنظمات الشيعية، وكانت أول أزمة كبيرة تواجه تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقرر أن تعقد الجلسات من أجل تشكيلها في مدينة الحجاج الواقعة على الطرف الشمالي لمدينة راولبندي. كانت الخطة الأمريكية للخروج من ذلك المأزق تعتمد على تكتيك بسيط وفعال، وهو أسلوب “التطفيش”، أي إثارة أعصاب الخصم فيضطر إلى ترك الساحة غاضباً، وعندها يمكن تحميله ذنب ما حدث وأنه هو الذي رفض وترك. وذلك ما حدث فعلاً. لكن بما أن هناك أطرافاً أفغانية هي التي ستقوم بواجب التطفيش، وأن ذلك يستدعي دفع أتعاب معينة. فكان لابد أن تكون الخزينة الأمريكية بالنيابة “أي السعوديه”، جاهزة وقريبة جداً.

وقامت السفارة السعودية في إسلام آباد بالواجب المطلوب منها. فتابعت ما يحدث عن كثب ووزعت الأموال على كثيرين كي تحصل علي النتائج المطلوبة. وكان أهم مطلب هو استبعاد الشيعة الذين ينظر إليهم سياسياً كقوة موالية لطهران، وذلك سيشكل عقبة كبيرة لحكومة المجاهدين المحسوبة واقعياً ضمن النفوذ الأمريكي، وبالتالي السعودي والباكستاني. الخطوة الأولى: استدعاء الخصم “الشيعة” ،والخطوة الثانية: إثارة أعصابه لإجباره على ترك الساحة، الخطوة الثالثة: تحميله مسئوليه ما حدث. من أجل استدعاء الشيعة تم عرض مشاركتهم في تشكيل الحكومة وعرض عليهم مئة مقعد مجلس الشوري الذي سيشكل الحكومة. كان لكل حزب في بشاور 60 مقعد في مجلس الشورى، وبعد مساومات طويله ومباحثات بين باكستان وإيران، شارك فيها وزيرا الخارجية في البلدين نجحت الجهود ووافق قادة أحزاب بيشاور على منح الأحزب الشيعية الثمانية مئة مقعد في المجلس.

صبغة الله مجددي رئيس اتحاد المجاهدين في بشاور، الذي يتناوب الزعماء رئاسته في دورة مدتها ثلاثة أشهر لكل زعيم ذهب إلى طهران حاملاً النبأ السعيد إلى المنظمات الثمانية هناك وتم الاتفاق على حضورهم جلسات مدينة الحجاج في بندي لتشكيل الحكومة الجديدة. وما أن وصل المئة مندوب من طهران حتى بدأ فوراً تكتيك “التطفيش”. فقد استنكر زعماء بشاور ما حدث وادعوا أنهم لم يوافقوا عليه وأن مجددي تصرف من تلقاء نفسه، وأن الشيعة لايجوز أن يشغلوا كل تلك المقاعد. فكانت أول أزمة كبيرة واستعدّ الوفد الشيعي بقيادة “خليل الله خليلي” لمغادرة المؤتمر عائدًا إلى طهران. مجددي غضب بشدة من خيانة زملائه الذين وافقوا ثم أنكروا، مع أن ذلك كثيرًا ما حدث من أجل توريط بعضهم بعضًا، فيتفقون مع قائدهم سرًّا ثم يخذلونه علنًا مدعين أنهم لم يوافقوا.

حدث ذلك عندما قرّروا حل اتحادهم في بشاور وبناءً على طلب أمريكي أيضًا، وعندما ذهب ربّاني ثم خالص لمقابلة ريجان، وعندما…. الخ. بعض القادة الآخرين وأعضاء الشورى الذين لم تطالهم أموال السعودية احتجوا على نقض العهد بهذه الصورة المفضوحة. وكان لابد من تخطي تلك الأزمة وإقناع الوفد الشيعي بالبقاء، ثم تطفيشه في وقت لاحق، خاصة وأن الصحف الباكستانية انتقدت موقف أحزاب بشاور، ولمحت إلى النفوذ السعودي والأمريكي وراء ذلك التصرف. تشكلت هيئة “إطفائية” لمجلس الشوري لأن الأزمات توالت. وأن كانت البداية مع الشيعة، ولكن النّيران امتدّت إلى داخل مجلس الشورى، وبين أعضاء الشورى والزعماء السبعة. قاد هيئة الإطفائية جلال الدين حقاني، عضو مجلس الشورى ضمن وفد تنظيم يونس خالص.

وبعد مجهود كان حل المشكلة هو أن يأخذ الشيعة سبعين مقعدًا، ستون مقعدًا علنية حسب ما طالب به، وأصرّ عليه بعض زعماء أحزاب بشاور، ثم عشرة مقاعد ـ سرية ـ خمسه ضمن وفد مجددي في الشورى، وخمسة تبرعت بها منظمات أخرى، ومرت الأزمة الأولى. ولكن محورالمعتدلين (مجددي/ جيلاني/ محمدي) شعر بالخطر من التدخل السعودي وشعر أنه سيكون الضحية، فالأموال السعودية سوف تقلب موازين الشورى التي كانت في صالح المعتدلين.

وساعد على ذلك أن مجددي أثناء فترة رئاسته للاتّحاد، وكانت آخر فترة قبل مؤتمر راولبندي، كان قد ضمن أصوات الأحزاب الشيعية، لكونه هو الذي حمل إليهم النبأ السعيد بتخصيص مئة مقعد في الشورى مع وعد بسبعة حقائب وزارية. والجناح المعتدل لايعادي الشيعة بعنف مبالغ فيه كما يفعل الجناح الأصولي وبالتالي فإن تصويت الشيعة سوف يكون في صالح المعتدلين. كذلك فإن مجددي في فترة رئاسته منح 19مقعدًا في الشورى، “للشيوعين الطيبين في كابل”، وبموافقة جميع الزعماء الكبار، ولكن أحدًا لم يعترض كما حدث مع الشيعة، حتى أن كل الناس تقريبًا لم تشعر بأن حكومة كابول كان لها ممثليها، غير الرسميين، في مؤتمر راولبندي.

كذلك فإن كتلة ” المهاجرين الأفغان في الدول الغربية” وهي كتله تهتم بها أمريكا كثيرًا، وتراهن على أن تمسك في المستقبل (المتوسط) القيادة المطلقة لدولة أفغانستان، تلك الفئة حضرت المؤتمر وشاركت في المناصب الحكومية الهامة، فيما دون منصب الوزير. تم ذلك بدون ضجة أو إعلان، حتى أن العمل العسكري لتلك الحكومة رغم هزاله كان في يد واحد من هؤلاء يحمل الجنسية الاسترالية. {تلك الفئة من (الأفغان الغربيين) تولوا حكم أفغانستان بعد احتلال أمريكا لها عام2001 ويرأسهم حامد كرزاي، معظم الوزراء يحملون جنسيات أمريكية وغربية. وكثير منهم تنصر سرًا واحتفظ باسمه القديم كما هو}.

كتله صغيرة أخرى كانت ستقف إلى جانب المعتدلين وهم كتلة المستقلين، والتي تضم مولوي نصر الله منصور، وقاضي محمد أمين وقاد ورفيع الله مؤذن، ولهم جميعاً عشرون مقعداً فقط.

وكان توازن القوى في المجلس، قبل التدخل السعودي هو كالتالي:

عدد الأعضاء المعتدلين:

(محمدي) 60 عضواً + (جيلاني) 60 عضوا + (مجددي) 60عضوا + (الشيعة) 70عضوا (الطيبون) 19 عضوا = 289 عضوا.

الأصوليون:

(سياف) 60 عضوا + (حكمتيار) 60 عضوا + (رباني) 60عضوا + (خالص) 60عضوا =240 عضواً.

وقبل التصويت نجحت الأموال السعودية في تطفيش الشيعة، كما نجحت أيضاً في سحب “محمد نبي محمدي” ومندوبوه في الشوري إلى جانب (المتشددين) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن توازن الأصوات داخل المجلس أصبح كالتالي:

المعتدلون 159 عضواً.

المتشددون 300 عضواً.

بهذا الشكل ضمنت السعودية أن يكون مجلس الشورى رهن مشيئتها وأن تشكل هي الحكومة التي تريد. (وقد فعلت ذلك عندما فتحت كابل ولم يكن للمنظمات حكومة يدخلون بها العاصمة كقيادة شرعية. فتولى مدير المخابرات السعودية تركي الفيصل تشكيل تلك الحكومة التي كلفته 150 مليون دولار فقط توزعت بين سياف ومجددي “مئة لسياف، خمسين لمجددي”.

وقد كلف تركي الزعيم سياف بتشكيل الحكومة، فاختار مجددي رئيساً مؤقتاً للدولة ووزع المناصب على الزعماء الكبار أو من ينوب عنهم كما هي العادة في كل مرة) .

لكن حادثان عرقلا نسبياً ذلك التخطيط، الأول كان سوء تفاهم خطير بين مجلس الشورى والزعماء السبعة هدد بانهيار المسرح على رؤوس من فيه من الممثلين في مدينه الحجاج. الثاني هو نظام توزيع المناصب الوزارية ونظام التصويت والذي ابتكره جلال الدين حقاني (رئيس فريق الإطفائية) والذي أنقذ العملية برمتها من الانهيار عدة مرات حتى خرجت بنتيجتها النهائية، وذلك خير من انهيار المؤتمر وفشله في مهمته المعلنة.

وذلك إذا حدث سيعتبر فضيحة كبيرة.

جرف الحماس أعضاء مجلس الشورى في بداية جلساتهم. فقد طرح في البداية اقتراح بتجديد المدة لحكومة أحمد شاه، الذي قدم تطويرًا هامًا لحكومته تمثل في استحداث وزارة لشئون المرأة (!!) وبالطبع كان من المفروض أن تشغله امرأة، أثار ذلك استهجان أعضاء مجلس الشورى وأسقطوا حكومة أحمد شاه، من الجولة الأولى وبالضربه القاضية. وفتح ذلك شهية الأعضاء كي يمارسوا مهامهم بجدية فأثار ذلك ذعر القادة السبعة.

فمجلس الشورى يريد أن يحاسب الزعماء وأن يكون شريكاً حقيقياً في اتّخاذ القرار بشأن مستقبل البلاد بما في ذلك الحكومة الجديدة. إذًا فقواعد اللعبة على وشك أن تتغير، وهناك من يناقش أولياء الأمر ويحاسبهم، ويريد أن يشارك في صنع القرار.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

كان لابد للقادة أن يدافعوا عن كيانهم ضد “تعديات” الشورى، التي اختاروا رجالها، فتقدم حكمتيار وهدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، فقال لهم: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) . وهكذا اتحد المعتدلون والمتشددون في جهة واحدة من سبعة أشخاص، ضد (نواب الشعب!!)

الذين اختارهم القادة السبعة أنفسهم. وكانت لحظة مليئة بالمعاني العميقة ليس للأفغان فقط بل للمسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة. لحظات عبّرت عن نظرية الذات، أو الذوات المقدسة لأولياء الأمور حكامًا كانوا أم زعماء لمنظمات جهادية أو دعوية أو.. والخلاف الأبدي حول أصحاب الحل والعقد من هم ومن يختارهم وما هي صلاحيتهم ؟ ومن يحميهم من ولي الأمر من أن يقتلهم أو يسجنهم أو يشتريهم بالذهب والفضة والمناصب اللامعة؟.

لقد هاج المجلس وماج، وتصدى كثيرون للرد على وقاحات حكمتيار الذي يتكلم ذلك الكلام الجارح أمام مجلس فيه نسبه لا بأس بها من العلماء والمجاهدين ذوي الاحترام والهيبة. الوقت المخصص لكل عضو للتعبير عن رأيه هو خمس دقائق فقط. لذا لم يتمكن أحدهم من الاستفاضة أو إكمال التعبير عن وجهة نظره، حتى يجد أن الميكروفن قد أغلق، وأن هناك عددًا من الأصحاء من حراس المجلس يدفعونه بلطف وإصرار بعيدًا عن المنصة.

لكن حقاني كان الوحيد الذي استطاع في الوقت المحدد أن يرسل برقية حادة حملت كل نذر الخطر والجدية. قال حقاني: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة فمن يكون؟. بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدون هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه، هؤلاء الذين ضحوا في الجهاد هم أصحاب الحل والعقد بحكم الشرع وبأي حكم آخر. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميراً شرعياً للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) . كان التهديد أكثر من خطير، وساد الصمت أرجاء القاعة، ولم يزد القادة سوى أن طأطأوا رؤوسهم وتمتموا:” نعم… نعم”. ثم تحول المسار.

لقد أتقن الزعماء السبعة فن اللعبة وكم امتصوا مثل تلك الأزمة التي أثارها أمثال حقاني. إن حقاني يهدد بثورة هو محركها وقد يصبح قائدها.. وليس أفضل لامتصاص الثورة أو قتلها من تشكيل لجنة. فليكن حقاني زعيم لجنة لا زعيم الثورة، وليكن أفراد اللجنة من أخلص أتباع القادة.

كل زعيم يرسل عشرة من أتباعة المخلصين فتتشكل لجنة من سبعين عضواً يرأسها حقاني تكون مهمتها اقتراح الحلول الملزمة للخروج بشيء من ذلك المؤتمر الذي طالت أيام انعقاده في جلسات سرية أقصيت عنها الصحافه عمداً… والكل ينتظر ولادة متعثرة داخل مدينة الحجاج.

حقاني هو الآخر يعرف هؤلاء الزعماء جيداً وأنهم أسرع من ينقض العهد وينكر ماتعهد به، لذا طالبهم بتفويض مكتوب فوقعوا تعهداً يقول: { لإقرار الأمن والنظام في أفغانستان وإقامة حكم إسلامي فيها فقد فوضنا هذه اللجنه يتشكل الحكومة وأن هؤلاء السبعين يعتبرون “الشورى القيادية” وأن يقيموا حكومة انتقالية. وإذا أصدر هؤلاء السبعون أي قرار فإننا نقبلها ونحن مكلفون بالتنفيذ، وأن يباشر هؤلاء السبعون عملهم هذا ويتابعوا تنفيذة}.

التوقـيع: “رباني، سياف، حكمتيار، خالص، مجددي، محمدي، جيلاني”.

“وكان ذلك يوم الاثنين 20 فبراير1989 أي بعد 16 يوم من بدء العمل. لم يكن ممكناً فعل الكثير بمثل تلك اللجنة التي هي ملكية أكثر من الملك”.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 20

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)                     

معركة طريق زدران كما يرويها حقاني

 

العناوين: 

– رد حقاني قائلاً:  لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن.

  انهار الوضع بطريقة مأساوية لأن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

– خسر الروس 300 قتيل والجيش الأفغاني 200 قتيل، وعدد شهدائنا كان 100.

– استخدم العدوّ المساجين كدروع بشرية لفتح ثغرات في حقول الألغام.

– أحضر الروس قوات من سيبيريا للقتال في مناطقنا الثلجية. قوات العدو كانت غزيرة جدًّا وتملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة.

نصحني حقاني بعدم الكتابة عن تفاصيل موقف الأحزاب من المعركة .. لماذا ؟؟

– ادّعى السوفييت أنها أول حملة يشاركون فيها، والتلفزيون السوفيتي يتابعها لأول مرة.

– الإذاعة البريطانية تدعي وجود 50 خبيرًا أمريكيًا مع المجاهدين، من بينهم صديقنا عثمان الصعيدي.

 

  تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجمعة 8/يناير/88 :

عاد إلى ميرانشاه الدكتور “محمد حسن” الذي كان يعمل في نقطة الإسعاف العربية في “نكا” وأخبرنا بأنه قابل في الطريق كل من أبوخالد وأبوحفص وأبوجهاد والآخرين. بعد صلاة العشاء ذهبت مع عبدالرحمن وآخرين لمقابلة حقاني، وكان هناك تميم العدنانى الذي يحرص على ملازمة الشيخ، ومساعدته في مقابلة العرب وجمع التبرعات له. وأخيرًا وصل الشيخ حقاني والضمادات تحيط بركبته ولكنه يستطيع المسير بصعوبة نسبية، كتبت فى مفكرتي عن حقاني في ذلك اللقاء : 

سلمنا عليه، كان مرهقًا… ويبدو محطمًا بشكل لم أشاهده من قبل… لكنه كان نشط الذهن متجلدًا…بدأنا في حديث مطول حول ما دار في تلك المعركة، أخذت أسجل كتابيا ما يقول حقاني، بينما اعتنى عبدالرحمن بتسجيل الحديث في شريط كاسيت مازلت أحتفظ به إلى الآن. يقول حقاني عن تلك المعركة: جمع الشيوعيون قوات ضخمة روسية وأفغانية بهدف فك الحصار المضروب حول خوست منذ ثمانية سنوات ونصف السنة، ومنذ ثمانية أشهر قبل الحملة الأخيرة، كان مطار خوست يقصف بواسطة المدفعية والصواريخ فاشتد الحصار على المدينة. بدأت المعركة في جبال “ستي كندو”، ولكن القصف الجوي والمدفعي طال كل قرى المنطقة، والتي كانت آمنة من القصف منذ مدة طويلة، فقتل عدد كبير من النساء والأطفال، وانشغل المجاهدون بنقل عائلاتهم إلى خارج المنطقة في ظل ظروف الشتاء القاسية والثلوج المتراكمة.

وكان أمرًا صعبًا أدّى إلى نقص كبير في عدد المدافعين عن المنطقة. ويواصل حقاني: لقد وصلت إلى أرض المعركة بعدما كانت القوات الشيوعية قد صعدت جبل “ستي كندو” ورغم كثافة تلك القوات وضعف المجاهدين إلا أن العدو لم  يستطع التقدم لمسافة تذكر، وبات مصير الحملة مهددًا، إلى أن قام العدو باستعمال طريق فرعي داخل الجبال يبدأ من منطقة سيد كرم في جرديز وينتهي في منطقة تدعى” ميرجان دكان” على الطريق الرئيسي خلف منطقة سرانا. وبهذا تخطى العدو نقاط مقاومتنا القوية وأصبحنا نحن مطوقين أو مهددين من جهتين، وبدأ موقفنا يضعف وهاجمنا العدو أرضيا من جهتين وضغط علينا إلى داخل سرانا وأبعدنا عن الطريق الرئيسي فاستطاع أن يستخدمه. وأثناء مروره من الطريق الفرعي المذكور دفع أمامه مجموعات من المساجين السابقين الذين اسخدمهم دروعًا بشرية تمر أمامه في الطريق خوفًا من الألغام أو كمائن المجاهدين، ذلك بالرغم أن الطائرات قد قصفت المنطقة بكثافة كبيرة حتى أن السكان هجروها بالكامل. وكان هناك عدد من الجواسيس وعملاء العدو سهلوا له العملية كلها، وأرشدوه الى الطريق وأعلموا الروس بعدم تواجد قوات للمجاهدين يمكنها تهديد القوات المتقدمة. بالنسبة لخسائر العدو في تلك المعارك فهي ليست معلومة لنا بدقة حتى الآن، فالجنود الأسرى لايعلمون سوى بخسائر وحداتهم، بينما ساحة المعركة واسعة جدًا ومدة المعركة كانت طويلة. أكثر الخسائر البشرية، كما شاهدنا، كانت في الجنود الروس لأنهم جاهلين بالمنطقة، ولم يتعرفوا على تكتيكات المجاهدين في القتال ومواقع حقول الألغام التي زرعناها. ونحن في انتظار أخبار تأتينا من كابول حول خسائر العدو من المتعاونين معنا هناك، والآن يمكنني تخمين أن الروس خسروا 300 قتيلًا والجيش الأفغاني خسر 200 قتيلًا. وكنا قد حصلنا على قائمة بحوزة ضابط روسي قتيل تحتوي على أسماء من قتلوا من وحدته وكانوا 85 شخصًا.أما عدد الشهداء عندنا فلا يزيد عن مئة شخص.

– لقد أسقطنا للسوفييت خمسة طائرات من بينها 3طائرات ميج، وطائرة هيلوكبتر واحدة، وطائرة نقل واحدة ، كما دمرنا لهم مابين 70 / 75 آلية مابين سيارة ودبابة، وحطمنا له مابين 25 /30 مدفعاً نتيجة هجمتين لنا على معسكر المدفعية في جارديز (قرب قرية غلجاى). عن القوات الشيوعية التي شاركت في الحملة، قال حقاني:

إنّ الفكرة عنها ليست كاملة ولكن ماهو معروف أن القوة تشكلت من فرق أفغانية مختلفة، مع قوات روسية كانت هي الأغلبية من قوات الحملة. وقد شاركت قوات روسية قدمت خصيصاً من منطقة “سيبريا” حتى تكون قادرة على العمل في منطقتنا الباردة والجليدية في ذلك الفصل الشتوي.

أما الفرق الأفغانية التي شاركت بعض قطاعاتها في الحملة فهي:

فرقة غزني”فرقة 14″، فرقة جرديز”فرقة12، “و الفرقة السابعة، و فرقة قارغاه “فرقة 8” ، مع قوات روسية من كابول وغزني وجرديز. ويمكن القول بأن القوات كانت كثيفة جدًا بشكل غير عادي وكانت تملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة. بالنسبة للموقف الآن فإن المجاهدين من أهل المنطقة مازالوا يواصلون عملياتهم ونأمل أن يتمكنوا من تنظيم صفوفهم، والعدو لم ينشئ مواضع دفاعية “بوسطات” على الطريق ولكن فقط نقاط حراسة. ولا ندري المدى التي ينوون الاحتفاظ فيه بالطريق لأنه مشكلة كبيرة عليهم، ويكفي أن تعلم أنهم خلال 37 يومًا من القتال لم يستطيعوا أن يخترقوا الطريق. ولكنهم عندما هاجموا مراكزنا “سرانا” شغلونا وفتحوا نصف الطريق في يومين.

وللأسف فإن مجاهدي المنظمات الأخرى قد هربوا وتركوا المنطقة خالية وهذا هو السبب الرئيسي لفتح الطريق.

عن كمية الإمدادات التي وصلت إلى خوست فهي غير معلومة لأن العدو يسير بها ليلاً  في قوافل من السيارات  مطفأة الأنوار حتى لا نعلم حجمها. وتوقع حقاني أن يكون من أهداف القوة الشيوعية طرد المجاهدين من مراكزهم حول خوست لتأمين المدينة، ثم الوصول إلى القواعد الرئيسية خاصة جاور كما يمكنهم قصف ميرانشاه للضغط على باكستان حتى تتدخل لتقييد نشاط المجاهدين كما يحدث في منطقة “طورخم” الحدودية على طريق بشاورـ جلال آباد. قلت لحقاني أنه في الظروف الحالية يبدو أنه غير ممكن عمل شيء كثير ضد القوة بسبب الشتاء، واضطراب المجاهدين وبالتالي فإن القتال الرئيسي سوف يكون في الربيع والصيف، فما هي فكرته حول المعارك القادمة؟

رد حقاني قائلاً:” لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن، لأنهم مازلوا يجهلون المنطقة بينما نعرفها نحن وإذا تركناهم فسوف يتعرفون على المنطقة جيداً وعلى حقيقة أوضاع المجاهدين، وسوف يقيمون نقاطًا منيعة لحماية الطريق، بينما حراساتهم على الطريق الآن مازالت ضعيفة“.

وفي الأمس ضرب مجاهدونا قوافل العدو على الطريق، وقد ظل العدو يقصفهم بالمدفعية طوال الليل. وسألت حقاني:” لكن لماذا لم يحاول المجاهدون مهاجمة خوست والاستيلاء عليها قبل تلك الحملة ؟”. أجاب قائلاً: “كانت دفاعاتها ما تزال قوية، وبها قوات روسية وأفغانية وأرضها منبسطة لا تناسبنا في ضعفنا الراهن”.

– ثم سألت حقاني:  هل لهذه المعركة صلة بالوضع السياسي لأفغانستان؟ فأجاب قائلا:

بالطبع لقد اهتمّ السوفييت بهذه الحملة أكثر من أي حملة أخرى في حرب أفغانستان حتى أن وزير خارجيتهم كان  يدلي بتصريحات حولها. وكانت أول معركة يتابعها التلفزيون السوفيتي بالصورة والخبر. وأدعوا أن هذه أول معركة يشاركون فيها!

 وأعلن السوفييت أن خمسين مستشارًا أجنبيًا كانوا يقاتلون إلى جانب المجاهدين. ويبدو أنهم نقلوا ذلك عن الإذاعة البريطانية التي ذكرت أن خمسين خبيرًا أمريكيًا كانوا مع المجاهدين، وأن واحد من هؤلاء المستشارين قد أسر، ويدعى عثمان، واثنان آخران قد قتلا. “ملحوظة”: (عثمان المذكور هو صديقنا عثمان الصعيدي وقد تعرفت عليه بعد المعركة بعدة أشهر، والذي حدث هو أنه كان ضمن مجموعة من العرب في سرانا، وقد ضل طريقه مع اثنين آخرين من العرب. وأبلغ المجاهدون بالمخابرة أن الثلاثة قد فقدوا وأنهم عثروا على جثة اثنين منهما وأن عثمان ربما يكون قد أسر.

ولكن صديقنا عثمان، الشاب الصعيدي الظريف لم يأسر أو يقتل قط طوال حرب أفغانستان. كما أنه ليس أمريكيًا ولم يشاهد أمريكا طوال حياته، وكان يفخر دائمًا بقوله بأنه مسلم من “صعيد ستان”. وكان أول من اخترع ذلك الإصطلاح. أما مراسل الإذاعة البريطانية في ميرانشاه، وهو أفغاني، وكان على صلة ممتازة بعمال أجهزة اللاسلكي لدى مكاتب المجاهدين، وكانوا أهم مصادرة الخبرية، وذلك مقابل مبالغ نقدية جيدة، المراسل النشيط سمع بالخبر فأضاف إليه التوابل المناسبة مثل وجود خمسين مستشارًا أمريكيًا وربما كان يقصد العرب في منطقه “ساتي كندو” و”سرانا”.

وقال أيضًا بأنّ عثمان كان يدرب المجاهدين على استخدام صواريخ “ستنجر”، وهذا غير صحيح قطعًا لأن صديقنا عثمان لم يلمس في حياته ذلك الصاروخ ناهيك عن استخدامه).

 

– عن ملاحظاته حول الأسلحة التي استخدمتها القوات الشيوعية في حملتها تلك قال حقاني:

” لقد استخدم السوفيت حوالي ألف قطعة مدفعية وقد استخدموا في بعضها ذخائر انشطارية، وكذلك قنابل طائرات عنقودية، بعض أنواع المدافع كان جديدًا ويستخدم لأول مرة ومن عيارات كبيرة طويلة المدى مثل عيارات 150مليمتر، 170 مليمتر”. فسألته: ولكن لماذا انهار الوضع بهذه الطريقة غير المتوقعة؟ فأجابني قائلاً: السبب الأساسي في ظني هو أن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

في اليوم التالي وضعت نفسي داخل أحد الباصات العامة في طريقي إلى إسلام آباد. كنت في حالة نفسية كمن وجد نفسه في غياهب “بحر الظلمات”. سحبت أوراقًا من جيبى كتبت فيها الملاحظتين التاليتين تعبيرًا عن مشاعري وقتها. قلت في الملاحظة الأولى:

– “أكثر الرجال نبلاً وشجاعة هم هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم القدرة على خوض حرب

عادلة تمامًا، ولكنها يائسة”. أما في الملاحظه الثانيه فقد جاء فيها :  “أجد نفسي في موقف يشبه موقف جلال الدين حقاني، مع الفارق، فكلانا هزمه أصحابه”.

 

الانسحاب المفاجئ :

فجأة انسحبت القوات الشيوعية، وتركوا حتى مرتفعات “ستي كندو” الاستراتيجية وتم ذلك الانسحاب في 24 يناير 1988. أتعجب من حماقة هؤلاء الروس، يقدمون أثماناً باهظة وخسائر جسيمة فى مقابل مكاسب تافهة هاهم الآن قاتلوا “37” يوماً في مقابل استخدام الطريق لمدة 24 يوما فقط، أي أنهم قاتلوا يومًا ونصف في مقابل كل يوم استخدموا فيه الطريق!!. وفي معركة “جاور” عام 86 قاتلوا لمدة شهر تقريبًا كي يمكثوا في القاعدة يومًا ونصف أي أنهم قاتلوا عشرين ساعة في مقابل كل ساعة مكثوها في جاور! لماذا ؟؟ كم أهدروا في هذه المعارك وأمثالها من أرواح الجنود وآلاف الأطنان من العتاد والمهمات في مقابل لاشيء تقريباً. لاعجب إذن أنهم خسروا الحرب . فالحرب لايكسبها من يفكر بحذائه بدلاً من عقله. ولننظر إلى الرابح الحقيقي في تلك الحرب، وهم “أصدقاؤنا” الأمريكان. لقد كسبوا الحرب ولكنها لم تكلفهم سنتاً واحداً.

لأن “المملكة” دفعت كل الفواتير. كما لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة، لأن الأفغان و”المتطرفون” العرب أراقوا ما يكفي وزيادة.

بينما ربح الأمريكان الأذكياء ليس حرب أفغانستان فقط ولكن نفط الخليج، واحتلوا جزيرة العرب، مهبط الوحي، ومن ثم سيطروا على العالم أجمع كقوة قاهرة فوق كل الخلائق!!. لقد خسر الروس لأنهم فكروا بأحذيتهم بينما نحن سحقتنا تلك الحرب لأننا لم نفكر أصلاً. فكما  قال بعض إخواننا من حكماء الحركة الإسلامية “إن التفكير يناقض الإيمان!!”. ولله في خلقه شؤون، فلا عجب فيما يحدث لنا الآن.

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

31 يناير 1988 : 

في الثامنة والنصف صباحًا في اليوم الأخير من يناير قابلت حقاني في غرفته المخصصة لاستقبال ضيوفه المرتبطين معه بأعمال. قال حقاني: إن سلسلة من الاجتماعات تبدأ اليوم بين قادة المجاهدين في خوست، وبين قادة الأحزاب أيضًا ، وذلك لمدة يومين. والموضوع الرئيسي فى الاجتماعات المنتظرة هو تشديد الحصار حول خوست. أما بالنسبة “لجرديز” فإن الثلوج تمنع حاليًا تصعيد العمليات حولها. المفاجأة التي لم أتوقعها هو ما قاله حقاني من أن أوضاع خوست سيئة، فلم يتم تعزيز القوة المدافعة عنها بأفراد أو معدات جديدة!!. أما كمية الإمدادات التي وصلت فهي غير معلومة، ولكن المعنويات هناك منخفضة وتوترت العلاقه بين العسكريين وبين المدنين. فالأهالي بدأوا يهاجرون بعد أن سخطوا على الحكومة التي لم تطهر نطاق المدينة الخارجي من مجموعات المجاهدين التي مازالت تقصفهم بالقنابل. وقد كانوا يتوقعون من القوة التي وصلت أن تحل تلك المشكله نهائيًا ولكنها جاءت وغادرت فجأة بدون أن تفعل شيئاً.

كان واضحاً أن الروس يريدون فقط تسجيل أنهم إستطاعوا الوصول إلى خوست، والاستفادة من ذلك سياسياً، ولكنهم لم ينفذوا أي برنامج عسكري لتحسين أوضاعهم في المنطقة. فلم يطهروا ماحول خوست من مراكز للمجاهدين، وقواعد قوية مثل جاور، كما لم يحاولوا إغلاق المنافذ الحدودية التي هى قريبة نسبياً مثل “صدقي” و”غلام خان”.

– من المفجآت الجديدة التي أوردها حقاني، وصول أنواع جديدة من الأسلحة للمجاهدين،  سوف يتم “تجربتها”ضد خوست، حيث أن الطريق المؤدية إلى داخل أفغانستان مغطاة بالثلوج. ومن الأسلحة الجديدة التي وصلت كانت مدافع ميدان صينية من عيار 85 مليمتر.

وذخائركثيرة لمدافع الميدان الروسية التي بحوزة المجاهدين، من عيار 122 مليمتر. كذلك صواريخ من نفس العيار ذات مدى 20كيلومتر، 30كيلومتر. وهي صواريخ كان لها دور كبير وبارز منذ ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. واضح من الأسلحة الجديدة أنها تجهيزات لحصار المدن، وقصفها من خارج نطاقها الدفاعي الذي يصل في بعض الحالات إلى 30 كيلومتر كما هو الحال في كابل. والصواريخ الجديدة هو صواريخ “صقر” مصرية الصنع. مع أعداد محدودة من قواذف رباعية لتلك الصواريخ من صناعة الصين. وكما ذكرنا فقد كان سلاحاً فعالاً اعتمد عليه المجاهدون كثيراً لدرجة طمست عندهم الرغبة في اقتحام المدن.

ناهيك عن أوامر الاستخبارات الباكستانية، التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقضي بعدم محاولة الاقتحام، مع الضغط على المدن بالقصف الصاروخي والمدفعي، طبقاً لبرنامج تحدده الاستخبارات الباكستانية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحالة الضغط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. – وقد وصل إلى المجاهدين أيضاً كميات محدودة من صواريخ ميلان الفرنسية المضادة للدبابات. – كما وصلتهم “الأفعى المتفجرة” لفتح ثغرات في حقول الألغام، ولكن بعدد محدود جداً كما أنها لم تكن عملية. عن الوضع المالي المترتب على المعركة قال حقاني بأنه مازال مديناً. فقد كلفته المعركة كثيراً خاصة النقليات، فالمسافات بعيدة، والبرد والثلوج تضاعف المشاكل أما خطورة القصف وأحوال الحرب فقد جعلت أصحاب السيارات يبالغون كثيراً في أسعار النقل. فعلى سبيل المثال كان إيجار سيارة بيك آب من نقطة الحدود عند “بغر” وحتى “نكا” تكلف أربعة آلاف روبية باكستانية.

هذا لنقل الأشخاص، أما نقل الذخائر، فإن  صاروخ كاتيوشا واحد كان يكلف نقله من بغر إلى نكا ألفي روبية باكستانية. (كان سعر الصاروخ وقتها في سوق السلاح خمسمائة روبية فقط! أما بعد نهاية الحرب فقد كان التجار يجمعونه من” المجاهدين” بسعر خمسين روبية!! وهو سعر الحديد الذي يحويه الصاروخ!! ولاعجب!!).

قال حقاني إن مساعدات وصلته من رابطة العالم الإسلامي والهلال الأحمر السعودي، وكذلك تميم العدناني الذي بذل جهداً كبيراً في جمع التبرعات من الداخل والخارج، أما أبوعبدالله (اسامة بن لادن) فلم يقدم مساعدات له.

– أخبرني حقاني أيضًا أنه فور وصوله إلى ميرانشاه، بعد إصابته طلب الرئيس ضياء الحق مقابلته. فقال لهم حقاني إنه سيفعل لو أن فترة بقائه في باكستان زادت عن أسبوعين، لأنه ينوي العودة إلى زدران مرة أخرى، ولما ظهر له الآن أن فترة بقائه سوف تطول فقد طلب منهم تحديد موعد المقابلة.

– في نهاية الحديث أخبرت حقاني عن استعدادي للعمل في مجلته المنشودة على أن تكون صوتًا للمجاهدين في مواجهة الكاذبين في بشاور، أسعده ذلك. ولكني قلت له إنني لن أكتب في المجلة لأن كتاباتي سوف تسبب لكم المشاكل، فضحك من ذلك. ثم استشرت حقاني حول كتابة ونشر قصة وتفاصيل المعركة الأخيرة، وموقف الأحزاب منها، فقال إن الضرر الذي سينتج من ذلك العمل هو أضعاف الفوائد الناتجة عنه، لعدة أسباب: أولاً: إنّ العدو سوف يستفيد من ذلك كثيرًا لأنه يعرف أنك تكتب من داخلنا. والسبب الثاني: هو أن زعماء الأحزاب سوف ينسون معركتهم مع الروس وسوف يتوجهون بالحرب ضدك مباشرة لأنك فضحتهم وسوف يصورون المسألة للناس على أنك عميل للروس، وقد جئت إلى هنا كي تكذب على قادة الجهاد وتوقع بينهم. وافقته على ماذهب إليه، فقد كان رصيد تجاربي السابقة يؤيد ما يقول.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

 




الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 19

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 169 ) | رجب 1441 هـ / مارس 2020 م . 

12/03/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 19 )

خيوط المؤامرة تتكشف على طريق زدران

 

 

– كان حقاني قد جرح منذ عدة أيام بقذيفة دبابة قتلت مرافقه .

– سياف يقول للمتطوعين العرب { لقد نصرتم حقاني أكثر من اللازم}.

ويقول للمتطوعين الأفغان { لقد انتهت المعركة .. ارجعوا}.

– لم يتأثر التجمّع العربي بدروس المعركة وظل يعمل بنفس الأساليب.

– تنظيم الجهاد المصري: لا يجوز شرعا القتال في أفغانستان لأنه لن يؤدي إلى قيام دولة إسلامية.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

ولكن أتيحت لى الفرصة كاملة للتعبيرعن مشاعري وآرائي عندما وصل ضابطي الإستخبارات. أمدني بالشجاعة شعوري بالإحباط الناتج عن موقفي الخاص والموقف العام، فبينما يوقفني هؤلاء “الأوباش” أثناء عودتي من الجبهة، يتقدم السوفييت إلى خوست وقد تصبح ميرانشاه هدفا تالياً.

وإن لم تُحْتَل فإنها قد تتعرض للتدمير بالقصف المدفعي والجوي.ألقى ضابط الاستخبارات نظرة على محتويات الصندوق، وفهموا ماذا تعني، فسألوني عن اسمي وعملي وكيف حصلت على هذه الأشياء ولماذا ؟.. إلخ.

قدمت نفسي باسم “عزالدين حميد” صحفي مصري.. قادم من باري من أحد مراكز حقاني وهو مركز “عيد جول”ــ كانوا يعلمون أسماء الجميع في باري وغيرها ـ وأن هذا الصندوق لهم أوصوني بإيصاله إلى مكتبهم في ميرانشاه.

ثم تحول الحديث إلى الأحداث الدائرة في خوست فوضعتهم تحت نيران النقد العنيف والاتهام المباشر.قلت لهما في البداية أنى رأيتهما في جاور أثناء معركة1986 .

فقال أكبرهما أنه كان هناك فعلاً، وعندما سألني عن محل إقامتي، فظهر أنه يسكن في شارع مجاور لبيتي في إسلام آباد، وأن أخوه يمتلك مطعماً هناك باسم  “المطعم الباكستاني الأفغاني”.. ثم سألني عن الأوضاع في خوست وباري وتحديداً في المطار، هل هبطت طائرات هناك، وهل صعدت قوات روسية فوق جبل تورغار؟.أخبرته بما أعلم ثم سألته بشيء من الحدة، لماذا تركتم السوفييت يدخلون خوست؟

فأجاب: لم نتركهم يدخلون، ولكن المجاهدين لم يستطيعوا منعهم.

فقلت له بل أنتم تركتموهم يدخلون، ولو أردتم منعهم لكانت هناك إجراءات أخرى.

فأجاب: لا يمكننا القتال بدلا عن الأفغان، فهذه هي حربهم.

فقلت له، إن وصول السوفييت إلى خوست يجعل مكاننا هذا وميرانشاه كلها في مرمى مدافعهم وصواريخهم، وهكذا تجد نفسك معنياً بالأمر!!. كان يمكنكم منع السوفييت من عبور ذلك الطريق فأنا أعرفه جيداً.. مئة أو مئتي مجاهد مدرب يمكنهم ان  يمنعوا أي جيش في العالم  من استخدام الطريق، إن حماية هذا الطريق مسأله تمس أمن بلادكم، حتى لو لم يرغب الأفغان في القتال دفاعاً عن أرضهم  وذلك شيء مستحيل  فكان من الممكن إرسال عدة مئات من رجال قبائل البشتون في باكستان للقتال هناك، ولايمكن للسوفييت تمييزهم عن البشتون الأفغان فهم من نفس القبائل التي تعيش وتتنقل على جانبي الحدود.

ولكن تركتم بدلاً من ذلك قادة شيوعيون من أمثال “نظر محمد” الذي يعمل مع سياف  كي يضع فى يد قواته المفتاح الاستراتيجي للطريق فوق جبال”ساتي كندو”ـ وقد سلمها فوراً إلى السوفييت مع كامل الأسلحة والذخائر التي بحوزته.

ظهر الاهتمام على وجه الضابط وسألني بحدة: أين “نظر محمد” الآن؟

ولم أدرِ سبب هذا الاهتمام، وهل هو حقيقي أم مصطنع، وهل هو حقا لايعلم أم أنه فوجئ بمعرفتي بأمر داخلي لايعرفه “الأجانب” عادة ؟

فأجبته قائلاً: كيف لي أن أعرف أين هو الآن؟ ربما عاد إلى كابل كي يحصل على أوسمة جديدة، وربما كان في ميرانشاه أو بشاور أو إسلام آباد¬ أو في “بابي” عند زعيمه سياف، ولكن ذلك لن يغير الأمر الواقع في شيء، فالجيش الأحمر في خوست الآن، ولابد أنه سيحاول إغلاق المنافذ الحدودية على الأقل، هذا إذا لم يفكر في اختراقها بقواته أو قصف مناطقكم الحدودية الآهلة بالسكان.

قال الضابط بهدوء وثقة صدمتي، وألقت على رأسي الملتهب “سطلاً” من الماء البارد:

لاتقلق من وجود السوفييت في داخل خوست، هذا أمر عادي وطبيعي. لن يغلقوا منافذ الحدود أو يقصفوا مناطقنا الحدودية، فقط سوف يعملون على تموين المدينة وتقوية دفاعاتها ثم يغادرونها، إنهم يفعلون ذلك دائماً.

أذهلني أنه لايتكلم كأنه يتوقع مجريات الحدث ولكن يخبرني عن شيء يعرفه بالتأكيد. وقفز إلى ذهني على الفور ماذكره لي “أبوأنيس” عما سمعه في السعودية عن هدف الحملة، وهو ما ينطبق تماماً مع مايذكره لي ضابط الاستخبارات الآن!!.

جزمت وقتها بصحة معلومة أبوأنس، وفهمت سر هدوء ذلك الضابط وثقته في نفسه في ظل ذلك الخطر الداهم على بلاده والرابض على مسافة قريبة من الحدود. إن مايجري الآن هو عمل عسكري في ظل صفقة سياسية كبرى، أو هو هزيمة مفروضة على المجاهدين، ونصر مصطنع للسوفييت. شعرت بقسوة وسفالة تلك الصفقات، والتي تهدر فيها أرواح المئات أو الآلاف، لا لشيء إلا لأنهم يعارضونها أو لايفهمونها. لقد باعتنا باكستان للسوفييت، وبأوامر من أمريكا، وسوف تنقلب علينا، نحن العرب بعد نهاية الحرب بأوامر من أمريكا أيضاً، فأين إدعاءات ضياء الحق والساسة في باكستان عن الجهاد في سبيل الله، والأخوَّة بين المسلمين؟؟.

لقد ركن المجاهدون إلى طواغيت السياسة، فذاقوا وبال أمرهم.

تهيأ الضابط للانصراف وهو يقول: لقد انتهت المعركة بدخول السوفييت إلى خوست، وأن على حقاني أن يعود إلى جاور للدفاع عنها تحسباً للأمر.

شعرت بالغيظ من عنجهيته في تقرير مصير المعارك ومحاولة إلقاء الأوامر بهذا الاستهتار إلى قادة كبار من وزن حقاني.

فأجبته بحنق محاولاً التشفي منه: أنت لاتعرف من هو حقاني، إنه سوف يستمر في القتال على الطريق وحول مركزه في سرانا حتى يدفع السوفييت إلى الخلف أو أن يُقتل هناك. لن يترك حقاني مكانه في المعركة طالما هو واقف على قدميه. إنه مثل فارس الجبال الذي يرفض الهزيمة ويقاتل حتى النفس الأخير مهما كانت المعركة تسير في غير صالحه.

توجه الضابطان إلى سيارتهما، بدون أن يتكلما عن موضوع احتجازي، فعلمت أن أمري لا يهمّهما في شيء، وربما ضاقا صدراً بما أقول، وأن قرار احتجازي هو من مسؤولية جهات حكومية أخرى في ميرانشاه.

بعد حوالى ساعة وصلت سيارة فخمة وضخمة في حراسة سيارتين من الحرس نزل منها ضابط ذو رتبة كبيرة من حرس الحدود، علمت أنه حاكم ميرانشاه.

تبادل حديث قصير مع جنود الميليشيا وأمر بوضع الصندوق في أحد السيارات التابعة له، ثم حدثني بالإنجليزية طالبا مني الركوب في أحد السيارات ثم توجهنا إلى قلعة ميرانشاه. وهي مقر الحكومة وفيها السجن الرئيسي. لم يضعوني في السجن لحسن الحظ ولكن أجلسوني على كرسى خشبى وسط الحديقة، وجلس القائد الكبير على كرسي آخر وألقى عدداً من الأسئلة ثم تركني ومضى، وجاء شخص بملابس مدنية ذو جسم سمين، عرفني بنفسه أنه ضابط بالجيش. وبدأ يسألني في أشياء كثيرة ولما علم بأني صحفي أزور أفغانستان من وقت إلى آخر سألنى بتعجب وسذاجة شعرت أنها طبيعية: وهل تستطيع المشي في الجبال؟

وزنه الضخم جعل السؤال طبيعيا ولا يدعو إلى الدهشة. تركني هو الآخر وبقيت وسط الحديقة الخضراء منزرعاً فيها فوق كرسي خشبي. حاولت أن أتسلى بجمال الأشجار والخضرة، ولكني لم أشعر بغير التقزز من المكان وكل من فيه، من بشر وشجر، وتمنيت أن أغادره في أقرب فرصة.

فى الواحدة والنصف جاء الفرج مجسداً في شخصين الأول” حاجى دين محمد “صديقي القديم والمحرك الحقيقي”لحزب إسلامي” التابع لمولوي خالص، وبرفقته صديقي “عبدالله خان” الذي استأجرنا بيته لجماعة أبوعبدالله (اسامة بن لادن)، وكان شاباً مهذباً رقيقاً مجاملا مضيافاً.لكنه مليء بالألغاز أيضاً، على الأقل بالنسبة لي.

لم يتعرف ” حاجي دين محمد” عليّ، فكلانا قد تغير وزاد الشعرالأبيض الذى يتلألأ فوق وجهه ورأسه، فلما عرفني زال تحفظه، وانطلق في سجيته المرحة، يلقى بالنكات والتعليقات الساخرة، فقال لي ضاحكاً: أنا لم أعرفك، لقد تغيرت كثيراً وزاد الشيب في لحيتك ورأسك!! هل تحب أن نتركك هنا في سجن القلعة ؟!! أنت لا تعرف سوى حقاني فقط ؟؟ هل نسيت أصدقاءك القدماء ؟

كان عتاباً ضاحكاً لا يخلو من تقريع، وقبل أن يغرقني الخجل تحول دين محمد بنيرانه الساخرة على قائد المنطقة نفسه.

وأدهشني تلك الصداقة التي بينهما والتي لا تستدعي شيئاً من التكلف حتى أن دين محمد قال للضابط : إن قبيلتكم “أفريدي”، مشهورة بسرقة الأسلحة والمتاجرة بها. ورد الضابط الكبير:إن أحزابكم تختلس الأسلحة وتبيعها، وبعضكم يلعب في تجارة المخدرات لم يكن حاجى دين محمد في حاجة لأن يقول للضابط الكبير غير:” هذا الأخ صديق قديم هل تريدون منه شيء ؟ “.

ضحك الضابط قائلاً: يمكنك أن تأخذه معك، وأيضاً الصندوق. والتقطت للضابط صورة فوتوغرافية شرط ألا أبتزه بها في المستقبل كما قال لي ضاحكاً. إنتهت إذن المشكلة، وبدون أية مشكلة !!.

ولا داعي للتذكير بما تعنيه” أمانات الصندوق الخشبي” وأنها كانت كفيلة الآن بأن تجعلني أشهر مشنوق بأمر محاكم أمن الدولة في بلدان كثيرة.

ظل كلام ضابط الاستخبارات العسكرية يطن في رأسي مثل خليه من النحل. فإذا صح ذلك الكلام، وهو غالباً صحيح حسب ما أصبحت أعتقد وقتها¬ فمعنى ذلك أنه لا معركة لنا في “باري”، وأننا يجب أن نعيد حساباتنا، وأن ننظر مع من نتعامل؟ فمن هو المجاهد؟ ومن هو عميل أجهزة المخابرات على أنواعها؟ وما هو موقعنا¬ كمتطوعين عرب في وسط هذه الأمواج والتطورات العنيفة التي لا تعرف الرحمة ؟ هل يطردوننا؟ أم يقتلوننا؟ أم يضعوننا في السجون؟ هل نتعرض نحن أيضاً إلى “إيلول أسود” من نوع إسلامي؟

هل امتطتنا القوى الدولية إلى غايتها القصوى بينما عجزنا نحن عن تحقيق شيء لإسلامنا؟! هل نحن بشر تعقل أم دواب تمشي بلا عقل وحتى بلا أعين؟

لأول مرة أرى خيانات هائلة الحجم مثل هذه، فإلى أي مدى تصل تلك الموجه؟ هل تطوى القضية الأفغانية كلها وتطوينا معها أيضاً؟

في بيت أبوعبدالله الجديد ـ مقر قيادته ومقر ضيافة جماعته، أخذت الصورة تكتمل بالتدريج. وعندما اتّضحت لم نصل جميعاً إلى نفس النتائج بدليل أن التجمع العربي لم يتأثر كثيراً في فكرة وحركته بدروس تلك المعركة الرهيبة، وظل كما هو تقريباً يتحرك بنفس الأساليب السابقة.

لقد عادت المجموعة التي أرسلها أبو عبدالله إلى منطقة ” دومندو ” التي تضم المضيق الاستراتيجي الممتد عدة كيلومترات والذي يدخل منه طريق ” زدران ” إلى وادي خوست الفسيح . في تلك المنطقة عدد من المراكز القوية.. للمجاهدين، وكان يمكنها فعل الكثير تجاه قوة عسكرية تسير أمامها في طريق ضيق متعرج بين الجبال، ولكن ماحدث كان شيئاً آخر. وصل الشباب إلى هناك، حيث كان متواجداً في نفس المنطقة “مطيع الله” القائد الشهير لدى جماعة خالص ، فطلبوا مقابلته ولكنه رفض!! ويمكن تفسير ذلك الرفض بتبريرات مختلفة، ولكن الشباب طلبوا مقابلة قائد آخر هو “خان سردار” وذهبوا إليه في بيته .. ولكنه لم يقابلهم بل أرسل لهم رسالة يشكرهم فيها على الحضور، ويخبرهم بأن أهل المنطقة قد باعوها للحكومة ولايسمحون للمجاهدين للعمل فيها!! وفي نهاية رسالته إليهم قال:” أرجو أن تكون هذه هي آخر ليلة لكم هنا”.

وبالفعل قضى شباب العرب ليلتهم في بيت “خان سردار” فلم يكن لديهم بديل آخر في ليالي الصقيع الشتوي. وغادروا صباحاً ليشاهدوا آثار الهزيمة أو الخيانة في الطريق، فالمجاهدون ينسحبون إلى الخلف نحو منطقة قبيلة “تاناى” ساحبين معهم أربعة راجمات صواريخ “B.M.12” لم يطلقوا منها طلقة واحدة.

فمن باع منطقة “دوامندو” الاستراتيجية؟ هل هم الأهالي؟ أم مجموعات المجاهدين؟. لاشك عندي أن “خان سردار” كان كاذباً.وأنه كان ينسحب طبقاً لأوامر قيادته الحقيقية أي المخابرات الباكستانية. وذلك لايمنع أن أهالي المنطقة أو من تبقى منهم قد تلقوا بعض الهدايا من القوات الغازية كما تفعل عادة فى مثل تلك الحالات، التي يلتزم فيها الأهالي بقواعد السلوك الحسن.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

إصابة حقاني:

الذين عادوا من عند جلال الدين حقاني قالوا أنه قد جرح منذ خمسة أيام تقريباً، بينما كان يستطلع القوة المتقدمة مع أحد مرافقيه، فاجأتهما قذيفة دبابة قتلت المرافق وجرحت حقاني. قالوا أيضاً أن حقاني ينوي التوجهه إلى النقطة الحدودية “بغر” من أجل العلاج، وأن القوة السوفيتية تطارده في العمق بعد سرانا وعلى بُعد سبع  ساعات من الطريق العام.لم يكن ذلك صحيحا فلم تتعمق القوة السوفيتية أبعد من سرانا لعدم جدوى  ذلك وخطورته، وربما أيضاً لأنه خارج برنامج الخيانة المتفق عليه، فهناك أماكن لاتبعد كثيراً عن “سرانا” مثل منطقه “نكا” التي كانت مكتظة بالسكان والمجاهدين والإمدادات وهيئات الأغاثة بشكل غير عادي ولكنها لم تُقصَف بالطيران وكان ذلك مثيراً للدهشه والتساؤل!

ثم نقلوا عن حقاني رسالة إلى المتطوعين العرب تقول لهم بعدم ضرورة حضورهم نتيجة لبدء تهاطل الثلوج، ولعدم معرفتهم بمسالك المنطقة وعدم توافر الطعام والمأوى. ثم طلب منهم الدفاع عن جاور فقد يحاول العدو الوصول إليها، مستفيداً من عدم تواجد حقاني، مع حالة الانهيار والإحباط السائد بين المجاهدين مع ارتفاع معنويات العدوّ وقوات خوست والميليشيات الشيوعية بها.

– عقدنا ليلاً اجتماع في بيت أبو عبدالله، عَرَضَت فيه كل مجموعه تقارير عن منطقتها، وكان القرار في النهاية اتخاذ إجراءات للدفاع عن جاور على أن تبدأ تلك الإجراءات من جبل رغبلي الشهير والذي كان ركيزة الحملة الشيوعية الماضية، وقررنا إرسال دورية لدراسة المنطقة هناك لوضع خطة عمل.

– قبل المغرب وصل أبوحفص وأبوجهاد مع أبوخالد، والجميع أصبحوا الآن في تنظيم الجهاد المصري، وكان أبو حفص يحمل لي رسالة من الأهل في إسلام آباد، أخبروني فيها أنهم استلموا بعض الأموال من أصدقاء في أبوظبي.

أما أبو الحسن المدني فقد أفاد أن هناك ضغوطاً كبيرة على القادة السبعة الأفغان، قادة المنظمات كي يلقوا بثقلهم في المعركة، وأن أحدهم سوف يتم تعيينه قائداً عاماً لها.

ولاداعي للقول بأن شيئا من ذلك لم يحدث، وأنه ربما كان جزءاً من خطة تعمية على حقيقة مايحدث ودور باكستان وقادة الأحزاب الأفغانية فيه.

قال أبو الحسن أيضاً أن شباب كثيرون في طريقهم إلى هنا قادمون من السعودية من أجل المشاركة في المعركة!!.

– أخبار أخرى عن سياف في اجتماعه مع العرب في بشاور، وشبه مناوشة بين الطرفين إذ صرخ العرب في سياف، أمير الجهاد في أفغانستان كما يعتقدون، بأن يتحرك لنجدة حقاني فصاح فيهم كالعادة، أنتم نصرتم حقاني أكثر من اللازم وأعطيتموه أكثر من حجمه!!.

تأثر العرب وكان بعضهم قد زار حقاني وشاهده وهو جريح فقالوا له: لا وقت لمثل هذا الكلام، فحقاني يقاتل وحيداً وهو جريح وليس حوله أحد.

لم يتأثر سياف بتلك الصورة المؤثرة التي نقلوها، وفي اليوم التالي شاهد مجموعة من الأفغان المهاجرين في منطقته”بابي”وكانوا متوجهين نحو المعركة ولكنه أعادهم قائلاً: انتهت المعركة، لقد دخلت القوة إلى خوست … ارجعوا..

 

 

الثلاثاء 5/يناير/88 :

في الثامنة والنصف صباحاً عقد اجتماع آخر مع أبو عبدالله حضره من تنظيم الجهاد كل من أبوخالد وأبو حفص، لأبداء المشورة حول الموضوع.

كانت هذه أول مرة يزورنا فيها أبوحفص وأبوجهاد وهما من أفراد مجموعتنا القديمة، ولكنهم هذه المرة تحت إمرة أبوخالد وضمن تنظيم الجهاد، وقد أحاطا نفسيهما بغلاف سميك من السرية والغموض أثناء حديثهم معنا. ورغم أنهما أخذا بوجهه نظر”تنظيم الجهاد” في أحداث أفغانستان، وهي وجهة نظر كنت أراها غبية وقاصرة، وهى تقول بأن أفغانستان قد أنتهت، وأن القيادات قد باعت القضية، وأن هذا الجهاد لن ينجح، وأنه حتى لونجح فلن يؤدى إلى قيام دولة إسلامية ، وبالتالي لايجوز شرعاً القتال في أفغانستان، والأولى هو استغلال الفرصة في التدريب للقتال في مصر حيث القيادة الإسلامية الصحيحة التي تفهم الإسلام، وأن دولة الإسلام لن تقوم في” بلاد العجم” الذين ينقصهم فهم الإسلام، وتنتشر فيهم الصوفية والعقائد المنحرفة..

لقد إلتزم ذلك التنظيم بوجهة نظرة تلك بإستثناء أنه رمى بثقله العسكري في جلال آباد”1989م

بدعوى شرعية المعركة، وتناسوا أو غيروا وجهة نظر سمعتها منهم سابقاً بعدم شرعيتها لعدم جدواها وانحراف عقائد الأفغان وقياداتهم. وسبب هذا التغير في ظني هو أن أبوعبدالله قد رمى ثقله كاملا في معركة جلال آباد، فقفز خلفه كثيرون، وماكان تنظيم الجهاد ليتخلف عن القافلة! اعتقدت يومها أن الثقل المالي يسحب خلفه الثقل الأيدولوجي والبشري.

– تحركت مع قافله عربية يقودها أبو عبدالله إلى”جهاد وال”،  المركز الرئيسي لجماعة حكمتيار، وهو قريب من منفذ صدقي الحدودي وإلى الخلف من جاور بعدة كيلومترات. صعدنا إلى أحد جبال المنطقة ننظر إلى خوست بالمناظير المقربة، لم نشاهد شيئاً يذكر فكل شيء هادئ تماماً، باستثناء دبابات ثلاث تتحرك قريباً من حصن “جنداد”.

في خيمة تحت الجبل عقد أبوعبدالله إجتماعاً مع المجموعة التي أرسلها إلى جبل “مانى كاندو”، وهى على بعد ساعة ونصف من جاور.نقلت المجموعة إلى أبوعبدالله النقاط التالية:

1ـ جماعة حكمتيار في “مانى كاندو” صرحوا بأن الحكومة الباكستانية قد طلبت منهم إخلاء طريق “جرديز-خوست” بلا قتال، طبقاً لإتفاقية سياسية بين باكستان وحكومة كابل!.

2ـ طلبت باكستان أيضاً عدم إزعاج القوة وتركها في حالها طالما أنها  لم تتعرض لهم.

3ـ طلبت منهم باكستان عمل استحكامات على الشريط الحدودي للدفاع إذا تجاوزت القوة حدودها. لقد تم تنفيذ النقطتين الأولى والثانية حرفياً كما أمرت باكستان. انسحب المجاهدون من مواقعهم المتحكمة في الطريق بلا قتال، تاركين حقاني “يأكلها منفرداً” وأيضاً لم يتعرضوا للقوة بأي شكل في أي وقت. ولكن البند الثالث لم يتحقق وهو عمل استحكامات على الشريط الحدودي.

 

 

الخميس 7/يناير/88 :

اجتماع في العاشرة صباحاً مع أبوعبدالله وآخرين. طرحوا فكرة تواجد عربي صغير في باري، طلبوا مني المشاركة، فقلت بأني أريد رؤية حقاني أولاً ويمكنهم الاعتماد على عبدالرحمن في المساعدة. ذهبنا إلى غرفة المخابرة التابعة لمكتب حقاني كي نسأل عن أخباره فقالوا بأنه قد غادر “بغر” إلى جهة غير معلومة قد تكون أفغانستان وقد تكون باكستان. بعد العصر وصل أبو أسامة المصري”عبدالعزيز علي”، وكان موضوعه الرئيسي الذي وصل لأجله هو بحث إنشاء معسكر تدريب للشباب العربي القادم إلى الجهاد في أفغانستان. وكان أبوعبدالله بالتنسيق مع الدكتور عزام، قد استدعياه لذلك الغرض. وقبل أن يدخل في بحث موضوعه الأساسي مع أبوعبدالله أخبرنا بما يدور في بشاور وأصداء معركة الطريق هناك.

فقال بأن الشيخ الصواف قد اجتمع مع سياف يستحدثه على مساعدة جلال الدين في محنته الصعبة، فرد سياف بكذبة كبيرة حين قال، بأنه عرض على حقاني ـ باللاسلكي ـ أن يرسل له قوة كبيرة لمساعدته، ولكن حقاني رفض ذلك مشترطاً أن تكون القوة من أبناء المنطقة. ومن سوء حظ سياف أن تميم العدنانى الذي عاد لتوه من عند حقاني كان جالساً ، ورغم هيامه الشديد بسياف إلا أنه لم يطق صبراً على ما يسمع من أكاذيب، فانفجر قائلاً:

” أنا كنت عند جلال الدين ولم يصله شيء منك أو من أي أحد آخر، وقد أوصانى باستنفار العرب والعجم لنجدته”.

– علمنا أن الشيخ حقاني قد وصل إلى بيته في ميرانشاه، ذهبنا إلى هناك بعد العشاء، وتركنا له رسالة بأننا نرغب في جلسة مطولة معه في مساء الغد.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

….

في الحلقة القادمة: حقاني يروي ما حدث في معركة طريق زدران.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)

 

 




الإمارة الإسلامية والاقتصاد

الإمارة الإسلامية والاقتصاد

الإمارة الإسلامية والاقتصاد

– أمريكا خسرت حرب أفغانستان، ولكنها عاجزة عن الانسحاب بدون حدوث انهيار لاقتصادها ولهيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط.

– القوة الاقتصادية تضمن تطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي الصحيح.

– الظروف الداخلية والدولية تضع (المكتب الاقتصادي) في طليعة الأدوات لانطلاق الإمارة الإسلامية  نحو بناء أفغانستان كمجتمع ودولة .. قوية وفعالة في كافة المجالات.

 

 

لا يرتبط الانسحاب الأمريكي في أفغانستان بالموقف العسكري للقوات الأمريكية في هذا البلد، ولو كان ذلك هو المعيار الوحيد لانسحبت أمريكا من أفغانستان قبل وصول أوباما إلى الرئاسة في عام 2009م . ولكن الورطة الأمريكية في أفغانستان امتدت لأنها متشابكة مع عدة معضلات إقليمية وعالمية. بداية من الوضع الدولي المعقد الذي تجد نفسها فيه، ومحاولتها إدارة شئون عالم تعاظمت مشاكله وتداخلت، في وقت يفتقد فيه إلى أي مرجعيات قانونية أو مؤسسات دولية تدير الصراعات أو تلجمها تحت مستوى الحرب.

– فأمريكا بنفسها دمرت النظام الدولي وعجزت عن إقامة نظام فردي تدير به العالم. ومشاكل اقتصادها أجبرتها على الانسحاب من مبدأ العولمة إلى شعار(أمريكا أولا)، بسياسات حمائية، وجمارك تحرس منتجاتها من المنافسة الخارجية.

اتخذ صراع أمريكا ضد العالم منحى اقتصاديًا في الأساس، مدعوم أحيانا بسباق التسليح، أو الحروب المباشرة التي لا مندوحة عنها كما حدث في أفغانستان و العراق. أو حروب بالوكالة وبالمرتزقة كما في (سوريا ـ واليمن ـ وليبيا).

 إن مكانة أمريكا في العالم يحددها الاقتصاد متمثلا في:

1 ـ قوة الدولار كعملة عالمية.

2ـ نظام بنكي ومصرفي عالمي مسيطر على حركة التجارة الدولية.

والآن يواجه الدولار والنظام البنكي الأمريكي تحديات أكثرها ناتج من السياسات الأمريكية نفسها، والتي جلبت لها كراهية كل العالم، وعداوة الكثيرين، وسعيًا متعدد الأطراف للابتعاد عن الدولار، والابتعاد عن النظام البنكي الأمريكي، واعتماد نظام المقايضة، واستخدام العملات المحلية وليس الدولار، أو العودة إلى التعامل بالذهب. مع  حلول بديلة تقلل من الأهمية الاقتصادية لأمريكا، وبالتالي دورها السياسي، لصالح كتلة عالمية جديدة على رأسها الصين وروسيا الاتحادية. وقد يعود العالم إلى النظام الدولي ثنائي القطبية، في ظل علاقات تعاون أو تنافس وربما صراع حسب المزاج الأمريكي العدواني بطبيعته.

وكثير من الدول الراغبة في الابتعاد عن التوحش الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والابتزاز العسكري سوف تنضم إلى ذلك المحور الصاعد. وأهم تجلياته الاقتصادية  الآن هو المشروع الصيني (حزام واحد ـ طريق واحد ) وهو النسخة العصرية من طريق الحرير القديم.

ورغم أن أمريكا متورطة في مواجهات اقتصادية مع أقرب الحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي، وحتى مع كندا والمكسيك جارتيها في الشمال والجنوب، إلا أن مصير أمريكا (والعالم) سيتحدد في مواجهتها مع الصين : تفاهما .. أو تقاسما للنفوذ والمصالح .. أو الحرب!! .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

أفغانستان في حروب الاقتصاد القادمة:

فما هو دور أفغانستان في هذه المعمعة الاقتصادية، التي تطحن عالم اليوم، وتتسارع وتيرتها في رسم صورة لعالم الغد القريب؟.

أولا : تعتبر أفغانستان من الدول الغنية جدا بمواردها الطبيعية، في المناجم والطاقة (نفط وغاز)، وستجد أفغانستان نفسها من كبار منتجي الطاقة، وهناك مصادر المياه (نهر جيحون) والمعادن النادرة والأحجار الكريمة . إضافة إلى موقعها المتوسط بين الأسواق الكبرى في قارة آسيا (بما يعطيها مناعة خاصة تجاه أي محاولات للحصار الاقتصادي الذي من المرجح أن تفرضه أمريكا عليها بعد التحرير) .

ثانيًا ــ علينا البحث في موضع أفغانستان في حرب الطاقة بين القوى الكبرى: حول منابع الطاقة (غاز ـ بترول) خاصة في آسيا الوسطى وحتى في أفغانستان نفسها.  وحول خطوط أنابيب نقل الطاقة عبر الدول ومنها أفغانستان. وفي الناقلات البحرية، عبر ممرات استراتيجية مثل: مضيق هرمز ـ مضيق باب المندب ـ قناة السويس ـ مضيق جبل طارق ـ بحر الصين الجنوبي(وهو مشكلة عالمية تتصدر الصراع بين الصين وأمريكا، وأحد المشاكل المزمنة المتبقية من حروب الأفيون التي شنها الغرب على الصين).

– لقد كان خط أنابيب “تابى” سبب ظاهر لشن الحرب على أفغانستان بسبب تأثيره على توازن القوى بين الهند والصين . وأيضا لعزل إيران وروسيا عن خطوط نقل الطاقة من آسيا الوسطى ، وتقليل نصيب الصين من تلك الطاقة .

– لهذه الدوافع الاستراتيجية عملت أمريكا على تمرير خط أنابيب تابى عبر أفغانستان وباكستان وصولا إلى الهند . وعندما لم تتمكن من خداع الإمارة الإسلامية بعروض واتفاقات جائرة ، قررت شن الحرب على أفغانستان لاستبدال نظام الحكم فيها بنظام آخر يستجيب لأطماعها، وخططها في المنطقة والدول المحيطة بها .

– مشاكل أمريكا مع الإمارة لم تكن محصورة في “أنابيب تابى”، بل الأساس كان منع الإمارة زراعة الأفيون، الأمر الذي تسبب في خسارة سنوية لأمريكا مقدارها 60 مليار دولار في أضعف التقديرات، وتتخطى 600 مليار في تقديرات أقرب إلى الصواب .

ولم تكن تلك بالخسارة التي يمكن أن تتحملها الولايات المتحدة ونظامها المالي الذي يسيطر على العالم. وأكبر من أن تتحمله عملتها ــ الدولار ــ الذي يستمد قوته من تقييم أسعار النفط ، فما بالك بتقييم أسعار المخدرات (أكثر من 3 ترليون دولار)، وهي أهم مورد مالي لدى أمريكا والغرب منذ اكتشاف القدرة المالية للأفيون ومشتقاته أيام الاستعمار البريطاني للهند في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويومها قررت بريطانيا تحويل الهند إلى مزرعة أفيون وتحويل الصين إلى سوق مستهلك له .

ولما كانت أمريكا تستمد عظمتها المالية من عائدات أفيون أفغانستان . فإن فقدان هذه الثروة الآن يعني ضياع مركزها الدولي المهيمن، وهبوط اقتصادها وعملتها، لصالح الصين و روسيا، إضافة إلى أن تصدع الإمبراطورية الإسرائيلية في الشرق الأوسط الإسلامي. ولهذا تقاتل إسرائيل [مباشرة] معركتها الكبرى على أرض أفغانستان.

و بإيجاز شديد وغير مخل : فإن  أمريكا مازالت باقية في أفغانستان رغم خسارتها للحرب، لأنها عاجزة عن الانسحاب بدون انهيار مراكزها المالي والاقتصادي، وانحسار مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط الإسلامي.

لقد انتهت أمريكا من ترتيب نظام جديد للتدخل في أفغانستان، يحافظ على أكبر قدر من مكاسبها من الأفيون ومشتقاته . ولكنه نظام لم يختبر بعد بشكل كاف، وربما تكتشف فشله بعد فوات الأوان، فتتورط في موقف يصعب علاجه، ومن أخطر تبعاته انهيار اقتصادي عالمي، قد  يتطور إلى فوضى دولية.

 أمريكا منفردة ممكن أن تقود العالم إلى الهاوية نتيجة لتناقضات جوهرية في تركيبتها الاقتصادية. فهي تجمع بين الثروة الفاحشة كأكبر إقتصاد في العالم ، وبين كونها أكبر دولة مدينة في تاريخ البشر، بدين يبلغ حاليا 23 ترليون دولار، وبلغت فوائده الربوية المستحقة 376 مليار دولار في العام الماضي 2019 . و العالم كله مدين إلى درجة يستحيل معها سداد ديونه البالغة 253 ترليون دولار .

ــ أكبر الكتل الصناعية /مثل الصين/ تعتمد على السوق الأمريكية الضخمة في تسويق منتجاتها وبهذا ترتبط مصائر اقتصاديات العالم الكبرى بالاقتصاد الأمريكي.

حتى أن الحكومة الأمريكية تبتز تلك الدول وتهددها بفرض رسوم جمركية إن هي لم تنصاع لإملاءاتها السياسية. ونادرا ما يخيب ذلك السلاح . ومؤخرا رأينا دولا أوروبية كبرى تستسلم للموقف الأمريكي بمجرد التلويح بفرض رسوم جمركية عالية (25% ) على صادرتها من السيارات إلى السوق الأمريكية ـ وهذا الموقف المخزى رأيناه في مواقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في أزمة العقوبات الأمريكية على إيران .

ومع ذلك تتسابق الدول على استثمار أموالها في السوق الأمريكية طمعا في مكاسب مضمونة. فدول العالم تستثمر في سندات الخزينة الأمريكية بمبلغ 674 مليار دولار . منها 275 مليار لدول النفط العربية .

يقول أحد خبراء الاقتصاد: إنه لا يمكن تصور ما يمكن أن يحدث للعالم إذا توقفت الولايات المتحده عن سداد ديونها الخارجية .

إن الاقتصاد هو السلاح الأول في حملات العدوان الأمريكي على الشعوب . وهو في صدارة أسلحة الهجوم في حروبها سواء منها ” الباردة” أو” المشتعلة”.

وبالحصار الاقتصادي قتلت أمريكا نصف مليون طفل عراقي بدعوى عقاب نظام صدام . حتى أضعفت العراق إلى الحد الأقصى قبل الهجوم عليه في عام 2003 . وهي تمارس نفس السياسة ضد إيران حاليا ـ ولكن في ظروف و ردود فعل مختلفة .

– الولايات المتحدة تهدد العراق / إن حاولت حكومته إخراج قوات الاحتلال الأمريكي/ بفرض عقوبات لم يسبق لها مثيل في التاريخ . وهناك 35 مليار دولار للعراق في البنوك الأمريكية تهدد بمصادرتها ، إضافة إلى عائدات نفط العراق التي تذهب إلى البنوك الأمريكية مباشرة . لهذا فقد يتعرض شعب العراق لمجاعة ، ودولته للإفلاس ، إن حاول نيل حريته وطرد المحتلين من بلاده .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

(مكتب اقتصادي) لتحديات المستقبل :

وهنا يأتي موضع العبرة للإمارة الإسلامية في أفغانستان لاستخلاص أهم الدروس المتعلقة بمكانة الاقتصاد في معارك اليوم . وفي حياة الشعوب من حيث رفاهية المعيشة وإستقلال القرار السياسي الداخلي والخارجي، وقوة التماسك الاجتماعي داخل الدولة .

وهذا يستدعي التفكير جديا بأن تبدأ الإمارة الإسلامية في إعداد رؤية لاقتصاد أفغانستان في المرحلة القادمة بعد زوال الاحتلال .

وأن يتولى(مكتب اقتصادي) إعداد دراسات للبناء الاقتصادي القادم ، بما يحقق أهداف الإمارة، ومراعاة القواعد الإسلامية ، مثل تجنب الربا، ومراعاة العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الثروات العامة التي هي ملك لجميع رعايا الإمارة على قدم المساواة . وعدم حصر ملكية ومنافع تلك الثروات لصالح فئات داخلية قوية ومسيطرة سياسيا ، أو شركات دولية “عابرة للقارات” مهمتها إفقار الشعوب والسطو على ثرواتها والتدخل في أمورها الداخلية إلى درجة تعيين الحكومات أو تغييرها . أو شن الحروب والغزوات للاحتلال والسيطرة مباشرة على منابع الثروة .

– المعلومات والدراسات التي يعدها المكتب الاقتصادي للإمارة ستكون دليلا لحكومتها القادمه في تأسيس اقتصاد إسلامي قوي ومنتج . يحفظ حقوق وكرامة المواطنين ، ويبسط العدالة بينهم ، ويحفظ الإمارة من الاحتياج إلى معونات خارجية قد تطيح باستقلالها ، وحتى بقدرتها على تطبيق القوانين الإسلامية تحت ضغط المقرضيين ، كما يحدث في أكثر الدول “الإسلامية” ، التي لا إسلام طبقت ولا استقلال نالت .

ومن هذه الناحية يمكن اعتبار أن القوة الاقتصادية هي ضامن للقدرة على تطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي الصحيح .

“المكتب الاقتصادي” للإمارة سيجد في مقدمة مهامة دراسة الاقتصاد الأفغاني بشكل دقيق، وعلاقاته باقتصاديات الدول المجاورة ، والدول الإقليمية بشكل عام ، والإقتصاد العالمي، حتى يمكن مستقبلا اختيار المسار الاقتصادي والسياسي الصحيح الذي ينبغي أن تسلكه الإمارة.

من المهام العاجلة للمكتب الاقتصادي تكوين كوادر بشرية من الخبراء والفنيين لقيادة اقتصاد المستقبل. وسيحتاج بالتالي اتباع نظام للبعثات الدراسية الخاصة بالاقتصاد والتجارة . ويلزم أيضا تنظيم بعثات تعليمية في أفرع : البترول والمناجم، والعلوم النووية ، والري والسدود والطرق والغابات ، والطب ، والإلكترونيات .

( المكتب الاقتصادي) سيجد نفسه مسئولا عن تقديم المشورة للإمارة فيما يختص بالهجمات الاقتصادية التي ستوجهها الولايات المتحدة الى اقتصاد الإمارة . مثل ضرب العملة الأفغانية وتهديم قيمتها . وإغراق الأسواق بالتضخم المالي، وزيادة المعروض من العملة التي لا غطاء لها من ذهب ، أو قوة اقتصادية أو إسناد الدولار الذي تتمتع به حاليا .

ــ والمكتب الاقتصادي يقدم توصيات (أو برامج) لتسهيل اتخاذ القرارات والسياسات الاقتصادية أمام الإمارة . إذ من المرجح ان تتعرض الإمارة لحرب اقتصادية من جانب الولايات المتحدة . التي ترغم حلفائها وباقي دول العالم على اتباع خطواتها العدوانية ضد ضحاياها .

ــ فماذا لو تعرضت الإمارة لعقوبات اقتصادية وتوقفت المعونات المالية الأمريكية، وهي حتما لن تستمر؟. وبالمثل المعونات المقدمة للجيش العميل وقوات الأمن الحكومية سواء في التمويل أو التسليح ؟؟ .

ــ  وما هو شكل الاقتصاد الأفغاني القادم ومرتكزاته في التصنيع والزراعة والمناجم وموارد الطاقة والمياه؟؟ . وكيفية توفير الاستثمارات المالية لبناء الاقتصاد بدون التورط في قروض ربوية تطيح بالأساس الإسلامي للاقتصاد وبالركيزة الإسلامية للاستقلال السياسي بعيدا عن القوى المالية المتحكمة في العالم ، خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ــ تقديم مقترحات لعملية إعادة إعمار افغانستان بعد الدمار الهائل الذي حاق بها من جراء حروب طويلة ضد القوى الاستعمارية العظمى في العالم، من السوفييت إلى الولايات المتحدة وقبلهما بريطانيا “العظمى” .

ــ  ما هي أهم مجالات إعادة الإعمار(والبنية التحتية الصناعية والزراعية ، والبنية التعليمية والصحية ، والبنية الاجتماعية والأخلاقية والثقافية .. الخ )؟؟.

ــ  لدى الإمارة الآن ركيزة كافية لانطلاق كبير في مؤسسات هامة مثل الدفاع والأمن ، والعمل السياسي الذي اكتسب خبرة كبيرة خلال السنوات الماضية من عمليات التفاوض الطويلة والخطيرة . وخبرات في مجالات الإعلام  الجهادي، وفي اقتصاد الحرب الجهادية ودعم العمل المدني في المناطق المحررة .

إن تحديات الاقتصاد في بناء المستقبل ستكون هائلة وأكثر خطورة . وطبيعة الظروف الداخلية والدولية بعد تحرير افغانستان تجعل من (المكتب الاقتصادي) طليعة لإنطلاق الإمارة الإسلامية  في بناء أفغانستان كمجتمع ودولة .. قوية وفعالة في كافة المجالات .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

2020-02-03

الإمارة الإسلامية والاقتصاد