جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 165 ) | ربيع الأول 1441 هـ / نوفمبر 2019 م .  

08/11/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(15)

 

– ملحمة حقاني في جاور عام (1986) قدمت للعرب أهم دروسهم القتالية في أفغانستان،

 فكانت سببًا في انتصارهم مع بن لادن في معركة جاجي (1987).

– نكسة السوفييت في عملية الكوماندوز كادت أن تفشل برنامجهم كله، لولا كارثتان أصابتا المجاهدين وهما: انهيار مغارات في جاور، وإصابة حقاني بقنبلة نابالم.

– أبوحفص المصري: أحصيت 84 طائرة سوخوي هاجمتنا في جاور خلال فترة وجيزة، ولم أشهد مثل ذلك القصف الجوي في أفغانستان من حيث القوة والدقة.

– تصورها السوفييت معركة خاطفة، ولكنهم احتاجوا إلى أكثر من 20 يوما للوصول إلى جاور، وبقوا فيها لساعات.

– فاصل من الفكاهة الجهادية: وجاءت المقاومة الشعبية من عرب بيشاور لتحرير جاور!!.

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

 

جاور مدرسة قتالية :

لم تكن مساهمة أبوحفص وأبوعبيدة مفيدة كما لم تكن من وجهة نظري حكيمة. ولكنها أفادت كثيراً في تشكيل فكرهما العسكري. فقد كانت (جاور) هي مدرستهما العسكرية الرئيسية، وما استفاداه من دروس حقاني في ملحمة جاور كان عدتهما الرئيسية في معركة (جاجي) التي دارت بعد ذلك بعام تقرياً، لتكون أول وأشهر معارك العرب في أفغانستان. ومنعطفاً في تاريخ التواجد الجهادي للعرب  في تلك القضية. وكلاهما كان فارس ميدان تلك المعركة وقائداها الحقيقيان. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً بعد ذلك في بحث ونقاش حول معركة جاور وأفادنا كثيراً التمعن في أحداثها. وقارنا بين ما أحدثه كمين واحد في المعركة أدى إلى تدمير كتيبة كوماندوز تقريباً.

وبين دفاع ثابت عن جاور أدى إلى إصابة قائد المعركة واستشهاد عدد من كبار قادة المجموعات في حادث المغارة، وعدد من أشجع أطقم المدفعية المضادة للطيران.

وكنا مقتنعين تماماً بأن ملحمة المدفعية المضادة لم يكن لها ما يبررها وأن خسائرها أكبر كثيراً من فوائدها.. وأن أسلوب الكمائن المتنقلة هو خير أسلوب في تلك الحالات. وكان ذلك الدرس هو مفتاح النجاح لهما في معركة جاجي.

انتصارات المجاهدين ضد الكوماندوز السوفييت في جاور 1986، أفادت العرب في انتصارهم على الكوماندز في جاجي 1987.

وكأن تلك النقاشات كانت تضع تصوراً مفيداً للغاية لمعارك (جاجي) التي قادها أبوحفص و أبوعبيدة وكان أروع ما فيها ذلك الكمين الذي أوقعوا فيه قوة للكوماندوزالسوفييت فأبادوها فوق إحدى القمم.(مستفيدين أيضا من تجربة كمين ناجح نفذه طلاب الشريعة في جاور).

كان الجيش الأحمر قادراً على الوصول إلى أي نقطة يريدها في البلاد، وهكذا أراد أن يثبت في معركة جاور ثم معركة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق قبائل زدران، وقد ساعدتهم أمريكا عبر باكستان، على إشباع حاجتهم إلى حفظ كرامتهم العسكرية. في مثل هذه الأوضاع ليس من الحكمة تبني شعار الدفاع عن كل شبر من الأرض أو الثبات حتى آخر رجل.

بل يجب أن نتبني شعاراً يقضي بإيقاع أقصى خسائر للعدو، حتى يصبح نصره نصرا  زائفا وشكليا، لأن فداحة خسائره أفقدت النصر معناه، ومع ذلك فقد حدث ذلك جزئياً في جاور وكانت خسائر العدو في الأفراد والمعدات أكثر من أن تكون مقبولة، وبشكل خاص أنه لم يمكث  في جاور إلا أقل من عشرين ساعة  فلم يتمكن من استثمار انتصاره.

باعتبار أن جاور كانت المنفذ لحوالي 20% من إمدادات المجاهدين”حسب أقوال محمد يوسف” كما أن تأثيراتها على القبائل على جانبي الحدود هي تأثيرات عظيمة لسهولة الاتصال بهم وتهريب الأسلحة والأموال وبالتالي نقل ولائهم من باكستان إلى (كابول) أو تحييد نشاطهم المعادي على أقل تقدير.

 

نكسة الكوماندوز : 

نعود إلى عملية الكوماندوز مرة أخرى  لنجد أنها تمت في الثالث من إبريل وكانت معارك جبل رغبلي ما زالت على أشدها، وشهدت قتالاً متلاحماً على القمة عدة مرات.

ولكن المجاهدين كانوا في قمة الحماس والنشاط. وخطوط إمدادهم سليمة ومتصلة فلم يكن القصف الجوي الذي بدأ منذ نهاية مارس قد أثر على سلامة تلك الخطوط أو سلامة الروح المعنوية. لهذا فإن عملية الكوماندوز (جنوب جاور) كانت مبكرة عن موعدها المناسب وكان ينبغي الانتظار أكثر حتى يظهر تأثير القصف الجوي على معنويات المجاهدين وخطوط إمدادهم.

والاحتمال الوارد لهذا الاستعجال إما أن يكون محاولة تخفيف الضغط على الكوماندوز السوفيتي فوق جبل رغبلي أو الاستعجال في إنهاء المعركة بطريقة خاطفة، ولم يكن مرّ عليها سوى عدة أيام وهذا ينطوي على استخفاف كبير بقدرات المجاهدين وغرور زائد بالقوة السوفيتية البرية التي تشارك بهذه الكثافة لأول مرة في باكتيا، وتحت حماية لم يسبق لها مثيل من سلاح الطيران السوفيتي. نكسة الكوماندوز زلزلت البرنامج السوفيتي. وكان يمكن أن ينهار البرنامج كله على إثر ذلك لولا الكارثتان اللتان لحقتا بالمجاهدين. الأولى حادثة انهيار المغارة ومقتل عدد من القياديين بداخلها، ثم أعقب ذلك إصابة حقاني والأثرالسيء لتلك الإصابة على معنويات المجاهدين، خاصة أن إذاعات العدو والمنشورات التي أسقطتها الطائرات عملت على تضخيم آثار حادثي المغارة وإصابة حقاني. وبلا شك فإن غياب حقاني ترك فجوة كبيرة في السيطرة والقيادة.

عملية الكوماندوز كانت دليلاً على أن السوفييت تصوروا معركة خاطفة تنتهي سريعاً. ولكنها استغرقت أكثر من عشرين يوماً حتى استطاعوا الوصول إلى جاور. ومن المستبعد أن يخطط السوفييت لحرب خاطفة على جاور القريبة من باكستان بدون أن يتلقوا ضوءً أخضر يضمن مساندة باكستانية. وهذا ما تثبته  شواهد عديدة.

رغم ادّعاءات (محمد يوسف) في كتابه بأنه هو صاحب فكرة تحويل جاور وجاجي إلى مراكز قوية للدفاع عن أمن باكستان من إختراق سوفيتي. والحقيقة هي أن جاور تحولت إلى (قلعة) صعبة الاختراق بسبب طبيعة (حقاني) كقائد عنيد صلب المراس، من الصعب جداً دفعه إلى الخلف، خاصة في مناطق ارتبطت به شخصياً.

لهذا قاتلت جاور بصلابة أمام  أعتى حملتين سوفيتيتين على باكتيا خلال نصف عام فقط. بينما جاجي كانت تستسلم حتى قبل أن تصل إليها قوات العدو ويقوم مقاتلوها بسلب القاعدة ونهب محتوياتها والفرار إلى باكستان. ولذلك أسباب أهمها ضعف عنصر القيادة المتمثل في سياف الذي كان رجاله يصفونه بأنه (مداري) أي ممثل أو نصاب!!. ولم تتحول جاجي إلى قلعة إلا عندما قاتل فيها العرب معركتهم عام 1987 (بقيادة بن لادن( فكانت هي المرة الوحيدة في الحرب الذي تظهر فيه منطقة جاجي كقلعة حصينة أمام العدو. .. وذكرنا أن باكستان تركت مجالها الجوي مفتوحاً أمام الطيران السوفيتي كي يقصف مواقع المجاهدين في جاور لأكثر من ثلاثة أسابيع متصلة ليلاً ونهاراً بدون اعتراض عملي أو حتى شفوي.

كما قصف الطيران مراكز للمهاجرين الأفغان داخل الحدود الباكستانية ومناطق أخرى في العمق يعتقد أنها مراكز مهاجرين. أما دفاعات جاور الجوية، فقد زودها (محمد يوسف) بمدفع أرلكان واحد من عيار(20 مليمتر) وليس ثلاثة مدافع كما فعل في جاجي إضافة إلى أربعة رشاشات زيكوياك عيار 14.5 مليمتر ومدفعي دوشيكا عيار 12.7 مليمتر . وهذا الأخير ليس له أي قيمة في مواجهة الطيران فيما عدا الهليكوبتر القريب.

والغريب أيضاً أن الدفاعات الأمامية قد تدخل (يوسف) لأخذ زمامها في يده. وكان يحدث ذلك كمقدمة ضرورية لكل كارثه تحل بالمجاهدين حين تتولى المخابرات الباكستانية العمل الحيوي في معركة عسكرية. فالمجموعات الأمامية لم يزودها (يوسف) بأي جهاز اتصال لاسلكي صغير لتسهيل الاتصال بين المجموعات المتناثرة.

لأجل ذلك كان على تلك المجموعات أن تعمل بإحدى طريقتين:

إما أن تتوزع في كمائن كما هو مفروض ولكنها في هذه الحالة سوف تفقد الاتصال فيما

بينها لعدم وجود أجهزة اتصال. وبذلك تنعدم السيطرة على القوات أو أنها تتجمع وتتكدس كلها في مكان واحد فيضعف تأثيرها على العدو وتتزايد نسبة خسائرها في الأفراد.

فالعدو ما أن يحدد مكان ذلك الجيش الصغيرحتى يصب عليه حمم المدفعية والصواريخ وفي ظرف دقائق  تكون الطائرات فوق رؤوسهم فتذيقهم الأمرين. وقد  أشار يوسف في كتابه إشارة غامضة إلى تلك المأساة حين قال بأن: (حقاني كان يتولى قيادة القوات كلها نظرياً أما عملياً فإن كل قائد سوف يخوض معركتة مستقلاً). إن المساحة الفعالة في جاور لاتتجاوز كيلومتراً مربعاً. ولنا نتخيل تأثير هذا القصف الجوي الذي لم يسبق له مثال على تلك الرقعة الضيقة من الأرض ولمدة ثلاثة أسابيع متصلة.

 

صمتت جاور .. والروس لايتقدمون !!.

الإسراف المبالغ فيه في استخدام القوة هو جزء من العقيدة القتالية للسوفييت (الروس). لقد سكتت أخيراً مدفعية جاور وأصبحت القاعدة شبه خالية ولكن السوفييت لا يتقدمون؟.. لأنهم يعلمون أن عملية التقدم في الممرات الجبلية الضيقة نحو جاور هو النقطة القاتلة في العملية كلها.

وكان من المفروض أن تكون خسائرهم الرئيسية هي خلال تنفيذ تلك الجزئية. وبدلاً عن ذلك إذ مجموعات المقدمة والأجناب التي يديرها جواسيس باكستان من رجال الاستخبارات تنسحب.. ولكن السوفييت أيضاً لا يتقدمون!! فيقوم مجهول.. بتوجيه الدعوة لهم بالتقدم عبر جهاز اللاسلكي فيتقدم الجيش الأحمر نحو القاعدة.. فيستولي على ما تبقى بها من حطام..

ويدمر ما يدمر من مغارات. ويبث الألغام على عجل هنا وهناك. ثم ينسحب فجأة قبل أن يكمل يوماً في القاعدة… وهنا أيضا لا يلاحقه أحد، ولا يبث الألغام في طريقه أحد، وكان من السهل قفل الباب خلفه وإفناء تلك القوة التي احتلت جاور.. ولو تحقق ذلك لخرج السوفييت من أفغانستان بهزيمة، بل بفضيحة عسكرية.

وهو ما بذلت أمريكا وعملائها قصارى جهدها لمنع حدوثه، حفاظاً على كرامة السوفييت حتى لا يتصرفوا بعصبية زائدة فتضطر أمريكا للتورط معهم في مواجهة لا يستطيعون عليها بغير الأسلحة النووية، أمام قوة برية متماسكة وقوية مثل الجيش الأحمر. كما أن أمريكا ساعدت السوفييت خوفاً من انبعاث مارد إسلامي من القمقم الأفغاني، ومايعنيه ذلك من انتهاء السيطرة “الصليبية اليهودية” على العالم.

ـ لقد كانت معركة (جاور) أول خيانة باكستانية (أمريكية) للمجاهدين استطعتُ أن أرصدها في أفغانستان وإن كنت لم أفهمها بوضوح كامل إلا في وقت متأخر. أما الخيانة الأخرى بعد ذلك بعشرين شهراً عندما فتحت باكستان الطريق إلى خوست خلال مناطق (زدران)الجبلية فكانت الخيانة واضحة تماما حتى أن بعض المتورطين فيها قالوها لنا صراحة (هذه أوامر باكستان).

فكانت صدمة لنا أن نعرف أن (أوامر باكستان) تقضي بتدمير المجاهدين بهذه الصراحة الوقحة.

– وأخيراً دخلت القوات الشيوعية إلى جاور مساء السبت(19/4/86). كانت صدمة قاسية على الجميع، خاصة حقاني الراقد فوق فراشه بحروق النابالم . والذي يأتي إليه طبيب عربي من مستشفى ميرانشاه كي يضمد له جراحه فی غرفة ضيقة مثل خلية النحل لا تخلو معظم النهار من الوفود.

في صباح الأحد تأكد الخبر لدى الجميع. (دخلت الحكومة إلى جاور) هكذا تناقل الناس الخبر في (بازار) المدينة، وهم بين مبتئس مصدوم أو شامت يخفي مشاعره بصعوبة. ذهبنا لزيارة حقاني لمعرفة الوضع الحالي وكان قد أخبرني قبل سقوط جاور بيوم واحد أن (الوضع سيء) فما عساه أن يقول الآن؟. أنهى حقاني اجتماعه مع حوالي عشرين من رجاله الأقوياء وقادة مجموعاته وكأنه كان يجهز للعمليات القادمة لما بعد سقوط جاور. بعد ساعة من الانتظار جلست معه على انفراد كان متماسكاً وصريحاً كعادته، قال لي مباشرة: (لقد دخل الروس إلى جاور.. إنها هزيمة)..لم أوافقه على ما قال، وقلت له بتأكيد:

( بل هم هزموا لأن خسائرهم كانت كبيرة جدا وأكبر بكثير من خسائر المجاهدين.  كما أن في استطاعتنا حصارهم وإبادتهم في جاور،هذا المكان سيكون بمثابة مصيدة الموت.. لن يستطيعوا إمداد قواتهم في جاور عن طريق الجبال، فالمجاهدون أقدر على القتال في تلك المناطق وإبادة أي قوة تتحرك فيها.. والإمداد بطائرات الهيلوكبتر يمكن منعه لأن الجبال عالية ويمكن ضرب الهيلوكبتر عند انخفاضها ومحاولتها الهبوط في جاور. إن حصار جاور و إبادتهم فيها أمر ممكن جداً، لقد أخذوا جاور بثمن باهظ جداً وهذا يكفينا كقوات عصابات تواجه جيش عسكري. ومعروف لدى الجميع أن من المستحيل لنا الاحتفاظ بمواقع إذا صمم الجيش على دخولها ولكن المطلوب من المجاهدين في هذه الحالة إيقاع أكبر خسائر في صفوف الجيش  المتقدم وقد فعلوا ذلك. أما بقاء العدو في جاور فسوف يكون كمن حفر قبره بيديه، فيمكننا إبادتهم هناك..)

واقترحت على حقاني كتابة بيان بهذا المعنى لطمأنة المسلمين حتى لاينتابهم اليأس مما حدث. فوافق حقاني واتفقنا أن أقوم بصياغة البيان وأن أعرضه عليه عصراً لمناقشته النهائية، وإقرار صياغته قبل أن أقوم بتوزيعه على الصحف وإرساله إلى صحيفة الاتحاد التي أعمل بها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

عرب يبشاور في الطريق إلى جاور :

لم يتصل بي حقاني في الوقت المتفق عليه وكان السبب هو وصول الدكتور عبد الله عزام وبصحبته 35 شاباً عربياً قدموا من بشاور لتحرير جاور!! .لقد شبهتهم وقتها بالمقاومة الشعبية التي نعرفها في مصر. وهي ذلك النوع من (القوات) التي تشكله الحكومة عندنا في مواكبة كل هزيمة في حروبها مع إسرائيل. وقوات المقاومة الشعبية تلك يتمثل أقصى مساهماتها في المجهود الحربي للدولة بتلك الصيحات المدوية والتي يطلقونها ليلاً في عبارة شهيرة تقول (طفي النور)!!.

كان الشباب العربي الذين قدموا، لا يعرفون المنطقة ومعظمهم لم يتدرب كلياً أو جزئياً، وليس لديهم أية فكرة عما يحدث هنا سوى أن جاور سقطت وأن الدكتورعبد الله عزام  قد استنفرهم للقتال وأحضرهم إلى هنا.

ولا أنكر أن تلك الطريقة في العمل كانت تفقدني رشدي . كنت أعتبرها (مظاهرات لتوريد القتلى وزيادة عدد الشهداء والمصابين). لذلك لم أذهب إليهم ولم أقابل الدكتور عبدالله بل ذهب إليه أبوعبيدة العراقي وأبوصهيب المصري الذي وصل مؤخرا .

وعرضوا على الدكتور عبد الله تكوين مجموعة لمهاجمة المطار بالصواريخ، وطالبوا بسيارة

(بيك آب) يضعون عليها راجمة، ولكن مساعدو الدكتور عبد الله طالبوا (بمعلومات وافية) عن ( مجموعة خوست)، وهو اللقب الذي أطلقوه على مجموعتنا- لكنهما رفضا ذلك الشرط.

وقررنا العمل منفردين وبطريقتنا الخاصة.  وفي يوم الاثنين ( 21/4/86 ) طلب الدكتور عبدالله أن يأخذ أفراد مجموعتنا ويتوجه بهم إلى جاورعلى أن يكون عبدالرحمن المصري وأبوعبيدة العراقي أمراء على مجموعتين للشباب العرب. عقدنا اجتماعاً لمجموعتنا في بيت للضيافة خصصه حقاني للعرب في ذلك الوقت. وخصصناه فقط للمجموعة العاملة في خوست. ناقشنا هناك ضرورة أن يكون عملنا ضد المطار فقط. أما الهجوم على جاور فإن هناك عشرات أو مئات من المجاهدين قادرون على أداء المهمة خير منا.. بينما المطار لا يتوجه إليه أحد رغم خطورته على سير العمليات.

كنا جاهزين للحركة ولكن لم نستطع العثور على سيارة كي تنقلنا إلى منطقة (باري) حيث مركزنا الرئيسي للعمل ضد المطار.عند العصر سمعنا انفجارا ضخما من مسافة بعيدة. صعدنا إلى سطح البيت فشاهدنا سحابة ضخمة من الدخان تتصاعد إلى السماء من اتجاه جاور.

تحيرنا في تفسير ما حدث وخمنت وقتها أن العدو قام بتدمير ذخائر عثر عليها في  جاور.. ولكن لماذا لم يسحبها خارج القاعدة؟.. أو يستخدمها للدفاع عن جاور إذا كان ينوي الاحتفاظ بها؟.. وشككت وقتها في أن العدو قد لا يمكث في جاور طويلاً. أسعدتني الفكرة ولكن أزعجني أن يفلت العدو، فقد كنت على قناعة تامة بأنها مصيدة الموت، وأن القوات الشيوعية في جاور ينبغي ألا تخرج سالمة.شاعت بين الناس أنباء متضاربة حول جاور. بعضهم قال أن المجاهدين ما زالوا هناك  وآخرون قالوا بأن العدو تركها.

في صباح الثلاثاء (22/4/86) أرسل الشيخ حقاني دورية استطلاع من خمسين رجلاً ومعهم جهاز لاسلكي كي يأتوا بالخبر من (جاور). اتصلت المجموعة وقالوا أنهم وصلوا إلى(جاور) وأن القوات الشيوعية قد انسحبت من هناك. وأن أفراد المجموعة خائفون من الألغام. فأمرهم حقاني باحتلال رؤوس الجبال وألا يدخلوا القاعدة حتى يتم تطهيرها من الألغام بواسطة مجموعة خاصة سوف يرسلها فيما بعد. وعلى الفور أصدر حزب إسلامي حكمتيار بياناً وزعه على وكالات الأنباء أنهم قد طردوا الجيش السوفيتي من قاعدة جاور وقاموا بتسليمها لحقاني!!. أثار الخبر حنق حقاني وثار رجاله لأن الخبر كاذب ويطعن في رجولتهم.. ولكن الأزمة مرت بسلام ولكنها أضافت نقطة سوداء أخرى لصحيفة العلاقات بين الطرفين التي بالكاد توجد فيها نقاط بيضاء.

 

 

صفحات من سجل العرب في جاور :

ـ ننقل الهوامش الثلاث التالية عن كتاب (صفحات من سجل الأنصار العرب في أفغانستان) الجزء الأول الإصدار الثاني، للأخ الزميل باسل محمد، وهو الكتاب الوحيد حسب علمي الذي حاول أن يضع تأريخاً للتواجد العربي المصاحب للجهاد الأفغاني. والكتاب طبعته لجنة البر الإسلامية السعودية عام 1991م ــ 1412هـ . وهذا بعض ما کتبه عن معرکة جاور:

(1) يقول أبو الحسن المدني ـ وائل جليدان ـ : كنت أول من شهد تلك المعركة من الإخوة العرب.. فبعد أن سمعت بالهجوم ذهبت إلى هناك فوجدت الأخوين أبا حنفي وأباعبيدة اللحام المصري في ميرانشاه فاصطحبتهما معي إلى هناك ومعنا د.عبدالقدوس الأفغاني على أمل أن ننقل الجرحى من المعركة إلى  المستشفيات. لحظة وصولنا وجدنا ثلاثة كهوف دمرت على من فيها من المجاهدين وكانت الساعة الخامسة عصراً، حاولنا حفر منفذ للمحاصرين تحت الركام… مضت نصف ساعة وإذا بأحد المجاهدين يصيح من أعلى الجبل .

جاءت الطائرات فسألنا: أين نذهب؟ قالوا ادخلوا هذا الكهف. فدخلنا . وكان الرابع الذي يلي الثلاثة المتهدمة، ومن هناك رأينا سلسلة طويلة متصلة على مد النظر من طائرات سوخوي25 .. كانت الطائرة التي ترمي حمولتها لا ترجع.. تأتي ثانية غيرها.. وهكذا… وبعد القذيفة الثالثة دُمّر نفس الكهف الذي دخلناه.. كانت الساعة الخامسة والنصف، وكنا داخل الكهف سبعة‌ ـ أنا وأبوعبيدة اللحام ود.عبدالقدوس الأفغاني والممرض سلطان الأفغاني، وثلاثة إخوة آخرين من المجاهدين الأفغان. كنا مع كل قذيفة ندفن تحت الأرض أكثر.

ولم أعرف معنى الظلام الدامس في حياتي إلا في هذا المكان. في الساعة السادسة وعشر دقائق، أي بعد أربعين دقيقة من الاحتجاز جاءت آخر طائرة وآخر قذيفة، لتفتح لنا في بوابة الكهف كوة.

فكانت لنا طريقاً إلى النور من جديد. ( ويتابع أبو الحسن ) كان أول ما فكرنا فيه بعد خروجنا هو الشيخ جلال الدين فقد كان معنا في الكهف الذي يلينا، ولكنه قبل القذيفة الثالثة التي دفنتنا، ذهب خلف جبل حجري صغير واحتمى هناك.. ذهبنا نبحث عنه فوجدناه محروقاً… والإخوة الذين معه محروقين أيضاَ. والضابط الذي معهم مصاب إصابة بليغة جداً، ظلوا أول نصف ساعة بعيداً جميعاً عن القصف. ولكن إحدى القنابل نزلت خلف هذا الجبل الصغير بالقرب منهم، فدفعت الشيخ جلال بقوتها دفعة عالية ليسقط وسط النيران، وسرعان ما رمى أحد المجاهدين نفسه داخل النار ليخرج الشيخ جلال بينما استشهد الضابط الذي كان معه.

 

صدمة السوخوى !!

(2) ويتابع أبو حفص المصرى (النائب الثاني لأسامة بن لادن فيما بعد ) :

.. في بداية المعركة كان القصف يستمر طوال اليوم ولكنه أصبح بعد ذلك طوال النهار وطوال الليل.. فإذا توقفت الطائرات تبدأ المدفعية. وكانوا راصدين المواقع كلها رصداً دقيقاً جداً جداً.. وكانت طائرات السوخوي والقنابل الباراشوتية تستخدم لأول مرة.. وكانت الحكومة مصممة على الوصول إلى جاور بشكل عجيب.. وفي بداية المعركة أصيب الشيخ جلال.. وردم الكهف على أبوالحسن فنزل فيما أظن إلى ميرانشاه. ونحن أتينا بعده بخمسة أيام. وأثناء المعركة جاء أسامة وشفيق رحمة الله.

– { أسامه ازمراى اختطفته امريكا من دولة أسيوية و اتهمته بالاشتراك فى عملية تفجير مبنى التجارة العالمي في عام 1993م ـ وهو سعودي الجنسية من أصل اوزبکي ـ شارك في معرکة جاجي 1987 و معرکة جلال آباد 1989.

شفيق المدني، سعودي من أصل باکستاني، استشهد في معارك جلال آباد ضمن مجموعة اسامه بن لادن}.

كان بعض الإخوة الأفغان على موقع (دوشيكا) فحصل عليهم قصف شديد تركوا المدفع بسببه. فطلع أسامة وشفيق واستلموه واشتبكوا مع الطيران.

لكن بقية الإخوة العرب الذين وجدوا لم تكن لهم مشاركة وظلوا داخل الأنفاق ومنهم أبوحنفي الونش والأخ عامر.. وكان الأفغان قد منعوا أحداً من الدخول لأن المعارك شديدة جداً.

ودمرت كل مواقع الأسلحة المضادة للطائرات تقريباً. وأصيب أبوعبيدة بعد عدة أيام من القتال إصابة لم تكن خطيرة.. فوقتها كان لدينا شبه خندق مفتوح الجانبين نختبئ فيه من الطيران والقصف.. وفي تلك المعركة كان الجيش الباكستاني يشارك مشاركة فعلية.. فأتى عقيد باكستاني ومعه نقيب مظلات وأربعة ضباط صف يريدون أن يجربوا صواريخ (بلوبايب) البريطانية لأول مرة.. فاختاروا موقعنا نفسه وجلسوا فيه.. وكانت أسوأ تجربة..ضربوا تسعة صواريخ تقريباً فما أصابوا أي طائرة, لكن الموقع قصف بسبب ذلك قصفاً مركزاً.. أصيب أبوعبيدة على إثره، فحملته وأنزلته إلى المستشفى بالأسفل، ثم صعدت مرة أخرى،  واشتد القصف.. وحقيقة أنا لم أشاهد في كل أفغانستان قصف طائرات مثل ما شهدته في جاور في الدقة والكثافة. ففي يوم من الأيام جلست أحصي الطائرات فبلغت في فترة وجيزة 84 طائرة كانت تأتي وراء بعضها.. تقصف وتعود. وكانت المشكلة التي تقابلنا في طائرات السوخوي التي كانت دقيقة جداً في الرمي وقادرة على الانخفاض إلى مسافة قريبة جداً دون أن تتأثر بالمضادات.. حتى أصيب المجاهدون بحالة من اليأس.. وعلى هذه الحال حتى قبل دخول القوات إلى جاور بيوم أو يومين، ولم يصب موقعنا طوال ذلك من فضل الله إلا في هذا اليوم. حينما كان النقيب الباكستاني يصور طائرات السوخوي وهي تتحرك فوقنا.. وفجأة سقطت قذيفة في وسطنا تماماً، كنت أقرب واحد منها فدخلت في الموجة الانفجارية، ولكنني كنت مرتفع قليلاً عنها، وأحسست كأن خناجر دخلت في ظهري حتى ظننت أنني قتلت حتماً.. ولكن وجدت نفسي بعد ذلك لا أزال أتنفس.. فتحاملت ونهضت وكان القصف لا يزال مستمراً، ذهبت أبحث عن أحد يحملني… دخلت الغرفة التي نحتمي فيها فوجدت كل من فيها قد أصيبوا إصابات أشد مني. واحداً قُطِعَتْ رجله وآخر مصاب في رقبته.. وكلهم في حالة إغماء.

الأفغان والباكستانيين الأربعة الرقباء، والنقيب الباكستاني أصيب أيضاً وطار مع بداية الانفجار في الهواء.. ولم يكن غيري من يستطيع أن يتحرك ولا كان أحد يستطيع الصعود إلينا أصلاً.. مشيت إلى  الخلف حيث كان لنا بغل نحمل عليه الذخائر فوجدته مقصوماً نصفين هو أيضاً.. فقلت لنفسي؟ أتوكل على الله وأعتمد على قوتي الجسمانية.. وكنت وقتها قد أصبت بحالة شديدة جداً من اللامبالاة.. فأثناء نزولي أتت بعض الطائرات وقصفت… وكنا قد أصبحنا نتيجة الخبرة في المعارك نستطيع أن نعرف مكان سقوط القذائف وهي في الجو.

فلما رأيت الطائرة تقصف أحسست أن القذائف ستأتي على نفس مكاني، وسبحان الله كانوا 6 قذائف.. فقلت لا داعي لأن أنبطح أو أتوارى فالموضوع انتهى خلاص. لكن القذيفتين اللتين نزلتا أمامي مباشرة لم تنفجرا، والأربعة الأخرى التي نزلت أعلى مني انفجرت كلها، ولكني لم أصب بأي شيء.. وتابعت النزول.. وكانت المشكلة أن تأتي سيارة لتأخذني، لكن أخاً أفغانياً لما علم أنني أصبت وكان من أعز أصدقائنا جازف بنفسه ودخل (جاور) بسيارته تحت هذا القصف ونقلني إلى مستشفى ميرانشاه..( إ هـ ) ص 176 من نفس المصدر السابق..

 (3) … وفي مقر الحزب الإسلامي في ميرانشاه بايع الجميع (العرب المستنفرون) الشيخ

 عبدالله عزام على القتال، فسمَّانا وقتذاك (كتيبة الغرباء…) … كانت معنويات الذين نفروا طيبة جداً، وكان الإخوة في شوق لدخول الجبهات، لكن الشيخ جلال لم يسمح لنا بذلك وكان يقول(الخطب جلل، لا تستطيعون تصور الحكاية..) هكذا يفتتح أبو هاجر أمير مكتب الخدمات وقتذاك سجل ذكرياته المرهفة عن هاتيك الأيام فيقول:

أبقونا ثلاثة أيام جالسين هناك استفدنا منها بتنظيم دروس للإخوة حتى نمتص انتظارهم. وفي ذلك اليوم سمانا الشيخ عبدالله (كتيبة الغرباء)، وقال: سميناكم كذلك لأنكم غرباء، وهذه أول مرة نخرج فيها بهذه الكثافة، وأول مرة يأتي العرب دفعة واحدة لمناصرة الأفغان. فكان للكلمة وقع في نفوس الإخوة، وأعطوا الشيخ عبدالله بيعة على الجهاد، ولكن بعض الناس فهمها على أنها بيعة على الموت فقلنا لهم:

(لا يا إخوة بيعة الموت معناها الاّ ترجعوا أبداً فإما أن يظهركم الله على عدوكم أو أن تقتلوا في سبيله…). وأخيراً قرابة العاشرة ليلاً وصلنا (جهاد وال) { معسكر تابع لجماعة حكمتيار ويقع خلف جاور على مسافة عدة كيلومترات} وابتدأ الليل فيها، وفي الصباح وصل حكمتيار وقال بأن القوات انسحبت من المنطقة وتراجعت إلى الخلف، وأن وجودكم هنا لم يعد له داع.. ( وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم.. فارجعوا).وبالفعل قرر الشيخ عبد الله عزام أن يرجع بنا وأعلن ذلك، لكننا تضايقنا، وتضايق أبوعبدالله (أسامة بن لادن) وأبو البراء وكل الشباب وقالوا:

المفروض حتى لو انسحبوا أن نطاردهم على الأقل أو أن نتقدم قليلاً..لكن الشيخ عبدالله قال لهم ( إن شاء الله تكونوا مأجورين..وقفلة كغزوة.. ثم نصب لنا علامات وقال لنا ارموا عليها.. فجعل كل منّا يتدرب على الرمي .. عدنا بعد ذلك تنفيذاً للأوامر، ووصلنا إلى ميرانشاه.. وانحلت كتيبة الغرباء.

 

فوضى في كتيبة الحُمُّصْ :

وهنا لا يفوت الأخ أبا هاجر أن يسجل بعضاً من مشاهداته المتميزة أيضا .. فيقول: بعد إصرار العرب على المشاركة تقسمت المجاميع، وحمل كل واحد ما يشتهي من الأسلحة.. وملأ الإخوة جيوبهم بالزبيب والحمص على أساس أننا مقبلون على معركة.. لكن الإخوة أكلوا ما في جيوبهم خلال الطريق حتى انتهى أكثره قبل أن نصل إلى العدو. فسماها البعض كتيبة الحمص. ولما صدر الأمر بالعودة، وما أن رجع الإخوة إلى ميرانشاه حتى انتهى الجهاد كفرض عين..وسارع كل منهم نحو أقرب فلاينكوتش (باص متوسط الحجم) متجه إلى بشاور بعد أن رمى سلاحه كيفما اتفق في مضافة الشيخ حقاني، الأمر الذي ضايق الأفغان جداً.

هل هذا السلاح للاتحاد أم للحزب أم للشيخ حقاني؟ تداخلت جميعاً، وضاعت بعض قطع منها، فاضطر حكمتيار إلى كتابة كتاب يتحمل فيه ما فُقِدْ ويعفينا من المسئولية!.

ويضيف أبوهاجر.. وهكذا، وللأفعال الظريفة التي فعلها إخواننا في تجربتهم الجماعية الأولى هذه سميناها بكتيبة الظرفاء!!..”إ هـ” نفس المصدر ( كتاب سجل الانصار العرب ) .

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 15 }

 




حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد

 




العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(12)

أسرار الحملة الكبرى على خوست وقاعدة جاور عام 1985
” من التقرير المكتوب وقتها لجريدة الاتحاد الإماراتية”.

 

– وزيرالداخلية الأفغاني يتحدى رئيس الأركان:  

(أتنازل لك عن زوجتي إن استطعت احتلال جاور).

ــ رئيس الأركان يتولى قيادة عملية الاستيلاء على جاور ويطلب من وزير الداخلية الاستيلاء على مناطق ( زدران) .

ــ  فقد الجنرال السيطرة على قواته وانتابه هياج عصبي حاد. ــ خلال الاجتماع الجنائزي في خوست طهر حقاني مناطق (ليجاة) و( باري) وأعاد الموقف إلى ما كان عليه قبل الهجوم.  

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

حقاني يفقد أركان حربه :

حققت دبابة حقاني المفاجأة للمرة الثانية باستخدام الطرق الجبلية التي شقها المجاهدون. المرة الأولى حققت مفاجأة هجومية والمرة الثانية مفاجأة دفاعية وفي الحالتين كسب المجاهدون الجولة. وإن كانت القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك إعادة احتلال جبال  ليجاه  والتقدم إلى نفس المسافة السابقة عن قاعدة  جاور،  وهي خمسة كيلومترات، وذلك نتيجة لاستشهاد القائد مولوى فتح الله حقاني  في ليجاه أيضاً، فتكرر ما حدث عند استشهاد  مولوى  أحمد جول. وكان فقدان القائدين أشد خسارة تكبدها المجاهدون في باكتيا منذ بداية الجهاد في الولاية في صيف عام 1978.

وفي معركة واحدة خسر جلال الدين حقاني اثنين من كبار أركان حربه. ولم تتزحزح القوات الحكومية عن مواقعها حتى وقعت مجزرة  الجنرالات  التي فقد فيها الجيش الأفغاني مجموعة من أفضل جنرالاته . بعدها اقتلع حقاني القوات الحكومية بواسطة هجوم مضاد كاسح ردهم إلى خوست.

 

الوزير يراهن على زوجته :

(حذفت صحيفة الاتحاد ما يتعلق بالرهان رغم دلالته على الحالة الأخلاقية والنفسية السائدة فى الجيش الأفغانى الأحمر) .

قررت حكومة كابول تعيين (شاه نواز تاناى) رئيس الأركان قائداً عاماً للعمليات في باكتيا وأعطته صلاحيات تامة ودعم غير محدود.

وظل شاه نواز ينتقل بشكل يومي تقريباً بين خوست وكابول بواسطة هيلوكبتر عسكرية. وفي كل زيارة كان يحصل على مزيد من القوات والأسلحة. وفي اجتماع استثنائي شمل قادة القوات المسلحة والوزراء تقرر إرسال جسر جوي من كابول إلى خوست بمقدار حمولة أربعمائة وخمسون طائرة، ذخائر ومهمات وجنود. ومعلوم أن خوست محاصرة منذ عدة سنوات وتحصل على إمداداتها عن طريق الجو. باستثناء مرات قليلة استطاعت القوات الحكومية التحرك من (جرديز) شرقاً على طريق (جاجي) ثم الانحراف جنوباً نحو خوست.

وهذا ما فعلته القوات الحكومية هذه المرة أيضاً بعد أن أصبح هذا المحور هو (البطن الرخو) لهذه المنطقة الصلبة. وذلك لأسباب نشرحها فيما بعد (أسباب تتعلق بفساد أحزاب بيشاور).

في اجتماع قيادي في كابول برئاسة شاة نواز رئيس الأركان و(جولاب زاي) وزير الداخلية وهو من قبائل زدران التي ينتمي إليها جلال الدين حقاني.

(وأسلم وطنجار) وهو بطل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان وهو من منطقة (زورمات) في باكتيا ، (وسليمان لايق) وزير شئون القبائل وهو من باكتيا.

وحضر هذا الاجتماع  عدد من المستشارين السوفييت. تعرض رئيس الأركان (شاه نواز) لانتقادات حاده من زملائه في تلك اللجنة وركز الأعضاء هجومهم على ضخامة القوات المحتشدة في باكتيا وكميات الأسلحة التي لم تحشد لأي معركة من قبل. وكان جميع أفراد الجانب الأفغاني ينتمون إلى ولاية باكتيا. وسألوا رئيس الأركان عن سبب تأخره في شن الهجوم حتى ذلك الوقت رغم القوة الهائلة  التي حشدها. فرد عليهم (شاه نواز) بهجوم معاكس من جانبه وطالبهم أن يحضروا هم أيضا إلى خوست ويتولى كل منهم مسئولية جانب من العمليات وقال (شاه نواز) إنه سيتولى شخصيا جانب الهجوم على قاعدة (جاور) الحصينة والاستيلاء عليها وطلب من وزير الداخلية “جولاب زاى” أن يقود قوة للاستيلاء على منطقة (زدران) التي أقام فيها جلال الدين حقاني عدة  قواعد جبلية. ولما كانت مهمة الاستيلاء على جبال منطقته (زدران) من المهمات العسيرة  فقبائل(زدران) أشد قبائل باكتيا مراسا وخبرة في القتال، ومناطقها الجبلية شديدة الوعورة.

شعر (جولاب زاى) بالتحدي … فواجه رئيس الأركان  قائلا:  أراهنك على زوجتي فهي هدية لك إن استطعت الاستيلاء على مركز (جاور). وإن لم تستطع دخول (جاور) فاعطني زوجتك هدية لي، وسوف أستولى أنا على جبال (زدران) وأدمر قواعد جلال الدين هناك. وتكهرب جو اللقاء واضطر السوفييت إلى التدخل وحسم الموقف.

وقرروا أن يتولى)شاه نواز) قيادة العمليات ويرأس مجلس عسكري من عدة جنرالات أفغان. على أن يرافقهم عدة جنرالات سوفييت (كمستشارين) !! . أما الوزراء(سليمان لايق) و(جولاب زاي) و(أسلم وطن جار) فسوف يتناوبون علي زيارة خوست من وقت إلى آخر لمساعدة (شاه نواز) والارتباط من جانبه مع كابول. وبدأ تنفيذ القرار السوفيتي على الفور.

 

تأمين مطار خوست :

نجح (شاه نواز) في تطهير المناطق المحيطة بمطار مدينة خوست الذي وضعه رجال جلال الدين وباقي الجماعات المتعاونة معه في التنظيمات الأخرى تحت رحمة هجماتهم بمختلف أنواع الأسلحة.

ثم تقدمت القوات لتوسع الطوق الدفاعي حول المطار حتى أصبح في غير مقدور أسلحة المجاهدين الوصول إلى مدرج المطار وتهديد الحركة عليه. كذلك حطموا أكثر مراكز المجاهدين في تلك المنطقة إن لم يكن جميعها. وكان الهجوم الحكومي من الكثافة والتركيز بحيث انكمشت فعاليات المجاهدين حتى باتت غير محسوسة. وانسابت موجات بشرية من قوات المشاة تطهر المواقع الجبلية تحت حماية عشرات من طائرات الهيلوكبتر والطائرات القاذفة والمقاتلة. بالإضافة إلى قوة نيران أرضية تنطلق من نفس مدينة خوست، شهد جميع المجاهدين أنهم لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل من حيث الغزارة ودقة التوجيه. وكانت هذه النيران تُدارمن قبل ضباط سوفييت. ثم هدأت المعارك قليلاً.

 

هجوم مباغت:

وبواسطة هجوم كاسح باغت شاه نواز قوات المجاهدين في الرابع من أيام عيد الأضحى حيث لم يتوقع أحد من المجاهدين أن تهاجم قوات الحكومة في ذلك الوقت. لأن تلك القوات تهاجم عادة في أيام الأعياد لعلمها أن أكثر المجاهدين يفضلون قضاء الأعياد في عائلاتهم في معسكرات المهاجرين في باكستان.وفي هذا العام لم يغادر المجاهدون مواقعهم طيلة أيام العيد الثلاثة خوفاً من هجوم الجيش على مواقعهم وفي نهاية اليوم الثالث بدأ كثير منهم في مغادرة مواقعهم لزيارة عائلاتهم في المعسكرات. ولكن في ظهر اليوم الرابع  ضرب (شاه نواز) ضربته واقتلع المجاهدين من(ليجاة) وتقدمت قواته عبر الجبال حتى أصبحت على بعد خمسة كيلومترات فقط من (جاور). وتقدمت الآليات عبر منطقة (باري) في محاولة لاستخدام الطرق التي صنعها المجاهدون ومباغتة (جاور) من جانبها (الشرقي). وبعد أن قطعت الآليات عدة كيلومترات على هذا الطريق قامت مجموعة القائد (منان) وهو قائد يعمل مع حقاني ويقود رجاله من البدو الذين يعيشون في تلك المناطق. قام (منان) بضرب هذه القوة وتدميرها وفرالجنود تاركين الآليات خلفهم واستطاع رجال منان قيادة مدرعة واحدة وثلاث شاحنات وأحرقوا باقي الآليات حتى لا يعود الجيش ويستولي عليها من جديد.

وانتشرت عدة مجموعات في كمائن قوية على طول هذا الطريق فتخلى (شاه نواز) مؤقتاً عن فكرة إستخدامه. وركز مجهوده في التقدم عبر الجبال إلى (جاور) من جهة الشمال. تمكن (أحمد جول) من رد القوة الحكومية إلى الخلف وأعاد إحتلال (ليجاة) ثم استشهد يوم الجمعة (10/9/85). وكان فتح الله حقاني قد عاد من أداء فريضة الحج وكان قد فقد الإبصار في إحدى عينيه أثناء عمله في تمديد بعض الطرق الجبلية بواسطة المتفجرات وذلك قبل المعركة بشهرين تقريباً.

وتمكن فتح الله باستخدام إحدى الدبابات أن يحطم القوة فوق جبال (ليجاه) وأعاد احتلال المنطقة مرة أخرى. ثم استشهد بواسطة قذيفة مدفع ميدان في يوم الجمعة (17/9/85). أي بعد أسبوع واحد من استشهاد (أحمد جول). وعلمت الحكومة بالخبر فأمرت بالهجوم مرة أخرى فتمكنت القوات الحكومية من العودة إلى ليجاة والاقتراب من (جاور)على نفس البعد السابق وأصبح الموقف في غاية الخطورة بالنسبة للمجاهدين.عاد جلال الدين حقاني من الحج بعد أن استشهد أركان حربه الأساسيين(أحمد جول) و (فتح الله) وكان جلال الدين قد قرر السفر فجأة لأداء الحج كمحاولة لطلب العون المادي من المسلمين في ذلك الموسم فقد اقتربت ديونه من رقم السبعة ملايين روبية باكستانية، وهي الحد الأقصى من التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها من تجار المنطقة الحدودية في شراءالطعام والوقود والذخائر. وبدأت تتوقف التسهيلات والقروض في أحرج أوقات المعركة.على أي حال عاد جلال الدين من موسم الحج بدون أن تنجح مهمته ووجد بدلاً من ذلك رفيقي جهاده وأركان حربه قد استشهدا وكانت تلك أقسى ضربة تلقاها منذ بداية الجهاد . كما وجد “شاه نواز” قد أطل برأسه على”جاور”وأصبح على مرمى حجر منها .

 

إيجابيات المعركة :

تحولت (جاور) إلى رمز للمقاومة الأفغانية. حشد حقاني قواته للدفاع عن جاور بعد أن عززها بتلك القوات التي انسحبت من ليجاة. وتدفق آلاف من معسکرات المهاجرين يحملون السلاح ويكونون فصائل تضع نفسها تحت إمرة جلال الدين.وإمتلأت الجبال والشعاب بمئات الكمائن وضرب حول (جاور) نطاق كثيف من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات. وجاء إلى جاور (حكمتيار) وبالتعاون مع جلال الدين أنشأ قوة للدفاع عن ميمنة (جاور) وزودها بعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، وكانت تلك بادرة لم تحدث منذ بداية الجهاد.

وإلى جاور وصل (مولوي يونس خالص) رئيس حزب إسلامي، وسلم جلال الدين كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة. كما أرسل سياف رئيس حزب (الاتحاد الاسلامي لتحرير أفغانستان) معونات مالية وأسلحة إلى حقاني للدفاع عن (جاور) وكانت تظاهرة تضامن حقيقية لم يشهد مثلها الجهاد الأفغاني من قبل. (علمنا فيما بعد دور المخابرات الباكستانية في إجبار وتهديد زعماء الأحزاب للتعاون في معركة خوست خشية أن يتمكن السوفييت من إغلاق منافذها الحدودية).

 

لحوم الأضاحي .. تصل الجبهة :

كان موقف المهاجرين في تلك المعركة ظاهرة لم تحدث قبلاً.. فقد انتفض المئات من حالة السلبية في المعسكرات وتحولوا إلى مقاتلين يتقدون حماساً. حتى زادهم القليل من الطعام حولوه إلى الجبهة واستأجروا سيارات على نفقتهم تحمل الخبز ولحوم الأضاحي التي تبرع بها حجاج بيت الله إلى المهاجرين. حولوها إلى الجبهات ولم يطعموها أبناءهم الذين نسوا اسم اللحم وليس طعمه فقط. وقد اضطر القادة إلى رجاء المهاجرين بأن يوقفوا إرسال الطعام لأن الكميات التي تصل أكبر بكثير من احتياجات المجاهدين ومن القدرة على النقل إلى  مراكز القتال فكان أكثر الأطعمة يتلف.

كما طلب قادة المواقع من كثير من المجاهدين العودة إلى أماكن قريبة من الحدود لحين الاحتياج إليهم .لأن كثافة المقاتلين أصبحت أكثر من المطلوب وقد يؤدي ذلك إلى ارتباك في الحركة وازدياد نسبة الإصابة من جراء الطيران الذي لا يكاد يهدأ طول اليوم ، والمدفعية السوفييتية التي تعمل على مدار اليوم بأكمله. وعلى وجه العموم كانت الإيجابيات التي أفرزتها المعركة أبعد أثراً من تلك السلبيات التي انكشفت. وكان يمكن تطويرها لكي تصبح مرتكزاً جديداً لإصلاح مسيرة الجهاد في أفغانستان.

 

كذبة تحولت إلى كارثة :

نعود إلى (شاه نواز) الذي وجد نفسه للمرة الثالثة في أقل من عشرة أيام يقترب من هدفه المنشود وتصبح (جاور) على بعد خمسة كيلومترات فقط. وفقد المجاهدون في أسبوع واحد إثنين من أفضل قادتهم الذين طالما تمنت كابول منذ سنوات أن تتخلص منهم بشتى السبل ولكن بلا جدوى. وها هو (شاه نواز) يتخلص من الرجلين في أسبوع واحد. وتصبح (جاور) على قاب قوسين أو أدنى. ما أن سمع (شاه نواز) باستشهاد فتح الله حقاني بعد أن استشهد (أحمد جول)، وعلم أن قواته تقدمت إلى هذا المدى، حتى أرسل برقية عاجلة إلى كابول يعلن سقوط قاعدة (جاور) وذهب إلى إذاعة خوست ليزف الخبر بنفسه ويعلن انتصاره على الملأ.

استلمت كابول إشارة (شاه نواز) واستمع سكان العاصمة إلى صوته يدوي من راديو خوست يعلن سقوط (جاور). كان ذلك في السابع عشر من سبتمبر  (1985). وطار على الفور فريق عسكري من المكلفين بقيادة عمليات خوست تحت إشراف (شاه نواز).

تكون الوفد من الجنرال (غلام رسول) والجنرال (حميد الله) وأحد كبار المستشارين السوفييت المسئولين عن العملية. استقل الوفد طائرة هيلوكبتر مقاتلة وتوجه إلى (جاور) على الفور.

طارت الهيلوكبتر فوق (ليجاة) وشاهدت الاستحكامات الحكومية والجنود بثيابهم العسكرية يملأون قمم الجبال، وواصلت الهيلوكبتر تقدمها نحو (جاور) وهي تتوقع أن تشاهد نفس المنظر ولكنها فوجئت بالسماء وقد تحولت إلى جحيم ومئات من طلقات الرشاشات الثقيلة تصطدم بجسم الطائرة، وأدرك ركاب الطائرة على الفور أن جاور لم تسقط واستدارت الطائرة نحو خوست في محاولة للفرار.. ولكنها انفجرت في الجو وتساقط حطامها.. ليجد المجاهدون في الحطام جثث الركاب.. وتعرفوا من بينها على جثتي الجنرالين الأفغانيين والمستشار الروسي.

وكان يعتقد في بادئ الأمر أن (شاه نواز) كان بداخل الطائرة. ولكن صوته جاء لينبعث مرة أخرى من إذاعة خوست ليعلن مصرع الجنرالين ويعلن أيضاً أن (جاور) لم تسقط بعد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الطائرات تلقي منشورات إسلامية :

لم يفلح رئيس الأركان في دفع جنوده لإقتحام الكيلومترات القليلة الباقية للوصول إلى قاعدة (جاور).فقد أصبح الطوق الدفاعي حول القاعدة رهيباً. وكان على القوات المهاجمة أن تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح مقابل كل بوصة تستولي عليها.

ولم تفلح غارات الطائرات في تكسير الطوق الدفاعي للمجاهدين رغم استخدامها للنابالم والقنابل العنقودية. وجوبهت بنيران كثيفة من الأسلحة المضادة للطائرات لدى المجاهدين. قرر (شاه نواز) بسرعة أن يغير تكتيكه في الهجوم. بدأ خطتة الجديدة بمحاولة لإضعاف معنويات المجاهدين. فأخذت طائرات الهيلوكبتر تلقى أطناناً من المنشورات تشيد بحكومة الرئيس “كارمل” وتدعي أنها حكومة إسلامية وتعمل لصالح الإسلام.

وتشيد بالسوفييت والجيش السوفييتي كصديق جاء يدافع عن الشعب الأفغاني.. وتهاجم المجاهدين وتدعي ضدهم شتى الإدعاءات. ووقف المجاهدون موقفاً عملياً من منشورات (شاه نواز) فكانوا يجمعونها ويستخدمونها كوقود يطبخون عليه طعامهم ويصنعون عليه الشاي الأخضر. أخذ (شاه نواز) يعيد توزيع قواته وركز قوات جديدة على ميمنة وميسرة (جاور) ليصبح الهجوم من ثلاث شعب بدلاً من شعبة واحدة. شعبة تنطلق من (باري) الواقعة على يمين جاور، وشعبة أخرى من دارجي الواقعة على يسارها،  بجانب الهجوم من المحور الأول من (ليجاة) في اتجاه (جاور)

 

انهيار الجنرال :

كانت معنويات الجنود في تدهور مستمر نظرا لطول فترة الاشتباكات و لعدم قدرتهم الاحتفاظ بمواقعهم الحساسة أمام الهجمات المضادة للمجاهدين. وفقد (شاه نواز) بريقه في أعين الجنود وصاروا يتثاقلون في تنفيذ الأوامر. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أوامر التقدم  واحتلال قمم الجبال. حتى الضباط بدأ ينتشر بينهم التذمر. وسجل المجاهدون محادثات لاسلكية بين الضباط وقياداتهم  في خوست.

 وبين العسكريين في خوست والقيادات في (كابول) تبادل فيها الجميع  أفحش السباب واتهامات الجبن والعمالة. في المقابل فقد رئيس الأركان ثقته بالضباط وصار يتنقل بواسطة سيارة مدرعة ليشرف بنفسه على  تنفيذ الأوامر من موقع إلى آخر.

وصار يقضي معظم ساعات الليل والنهار في الحركة الدائبة ليشرف على الأمورجميعها بنفسه. وصار الجنرال المشهور أكثر عصبية وانتابته حالة من الهياج الشديد. وأخذ يوزع السباب واللكمات على الضباط والجنود، وأدرك الجميع أن “شاه نواز” الشهير قد فقد الثقة بنفسه أيضاً، وبدأ ينهار.

 

نهاية شاه نواز:

في صباح العشرين من سبتمبر ركب (شاه نواز) سيارة مصفحة وبرفقته اثنين من المستشارين السوفييت الذين أصبح لا يثق إلا بهم بعد أن تقاعس ضباط الجيش وفترت همتهم. ركب في المدرعة أيضاً أربعة من الجنود لحراسة الجنرال والمستشارين وأمر (شاه نواز) سائق المصفحة أن يتحرك بهم من (دراجي) إلى (البتلون) جنوبي خوست. أسرع السائق يلبي الأمر، وسلك الطرق الفرعية الوعرة متفادياً الطريق الرئيسي .  فنهره الجنرال  وأمره باستخدام الطريق الرئيسي، ولكن السائق ارتبك وحاول أن يشرح للقائد أن الطريق قد يكون مزروعاً بالألغام.

فثارت ثائرة الجنرال وجن جنونه ورماه بالجبن وأسمعه سيلاً من الشتائم العسكرية البذيئة. انحرف السائق جهة اليسار ليستخدم الطريق الرئيسي وقد امتقع لونه هلعاً من الجنرال وخوفاً من احتمالات الموت المتربص تحت تراب الطريق. وبعد أمتار قليلة حدث ما كان يخشاه السائق وانفجر لغم مضاد للدبابات تحت السيارة المصفحة فقُتل الجنرال والمستشارين على الفور. وكذلك الحراس الأربعة بينما جُرح السائق جراحاً خطيرة.

 

كذبة واحدة أضاعت الهجوم:

لم يعلم المجاهدون بمصرع (شاه نواز) إلا من إذاعة خوست. وأُذيع النبأ من  إذاعة خوست ثلاث مرات ثم عادت لتنكره مرة أخرى. وفي اليوم التالي تأكد النبأ من راديو كابول كما أكده أيضاً العديد من الضباط والجنود الأفغان بل من بعض ضباط الإستخبارات الأفغانية الذين فروا أو سلموا أنفسهم للمجاهدين. كان الفارق بين حادثة سقوط الهيلوكبتر ومصرع ( شاه نواز) أربعة أيام فقط. وبسبب كذبة (شاه نواز) التي ادعى فيها سقوط (جاور) لقي إثنين من كبار الجنرالات الأفغان مصرعهم في الهيلوكبتر التي جاءت لتشهد سقوط جاور. وبعدها فقد الجنرال أعصابه وأمر سائق سيارته أن يسير في طريق ملغوم. فقتل هو أيضاً. وبهذا كانت كذبة الجنرال السبب الرئيسي في فشل كل البرنامج العسكري الضخم الذي أعده السوفييت وحكومة كابول من أجل إخضاع محافظة باكتيا.

 

اجتماع جنائزي:

هبطت في خوست طائرات هيلوكبتر تحمل كبار رجال الجيش والحكومة لبحث الكارثة التي حلت بأكبر عملية عسكرية شهدتها أفغانستان منذ الاحتلال الروسي للبلاد. حضر سليمان لايق وزير شئون القبائل وجولاب زاي وزير الداخلية الذي راهن على زوجته بأن (شاه نواز) لن يستطيع دخول قاعدة  (جاور).ولا شك أنه شعر بالسرور لأن زوجته قد خرجت سالمة من هذا الرهان الحرج. حضر أيضاً الجنرال (أسلم وطنجار) البطل القومي للشيوعيين في أفغانستان. وبعد مباحثات استمرت عدة  أيام قرر الجميع أنه لا فائدة من متابعة الهجوم.

 

حقاني يستعيد ليجاة:

لم يكد المجتمعون في خوست ينفضون حتى كان جلال الدين حقاني على رأس رجاله قد طهروا تماماً قمم الجبال في ليجاة. ودفع جنود الحكومة بلا هوادة حتى أدخلهم مرة أخرى إلى وادي خوست ورفع رجاله آلاف الألغام المضادة للأفراد كان الجيش الأفغاني زرعها فوق الجبال وفي الوديان. وأعادوا زراعتها في الطرق التي يمكن  أن يستخدمها جنود الجيش. اندفعت مجموعات كثيرة لتطهر المناطق الشرقية من جاورفي (باري)، والغربية في (دارجي) وفي غضون أيام قلائل عاد الوضع العسكري حول خوست لما كان عليه قبل بداية الحملة العسكرية. باستثناء أن جلال الدين لم يرسل رجاله إلى وسط، الوادي في (لاغوراي) نظراً لكثافة الألغام التي وضعتها الحكومة حول المنطقة.

 

 

مدرسة الحرب:

يقول حقاني: إن القوات الحكومية فقدت سبعة جنرالات في معارك خوست وهذه أكبرخسارة تقع بالجيش الأفغاني منذ بداية الجهاد. ونحن أيضاً خسرنا اثنين من أفضل قوادنا باستشهاد مولوي (أحمد جول) ومولوي فتح الله حقاني بالإضافة إلى استشهاد القائد الشجاع (داد مير) الذي استشهد في الأيام الأخيرة للمعركة وظل المجاهدون يقاتلون لمدة أربعة أيام لكي يستعيدوا جثته من منطقة تسيطر عليها القوات الحكومية. إن خسائر مثل هؤلاء القادة الكبار أمر محزن لجميع المجاهدين. ولكن الدروس التكتيكية التي استفدنا منها فى هذه المعركة لا تقدر بثمن وسوف تساهم في تطوير تنظيمنا القتالي بدرجة كبيرة.

 

تعليقات على المقال:

(1) .. حملة السوفييت هذه على باكتيا فازت بهذا اللقب، أشرس حملة عسكرية منذ التدخل السوفييتي. وفازت بنفس اللقب حملة عام 1986 ضد جاور. وقد كانت فعلاً أشرس من حملة 1985. ثم جاءت حملة شتاء (88/87) لتصبح أكبر حملة فازت بتغطية إعلامية دولية وسوفيتية رغم كونها مجرد تمثيلية ومؤامرة لتغطية السوفييت وحفظ شرفهم العسكري قبل الانسحاب. وحملة العرب في جاجي (بقيادة أسامة بن لادن) كانت أخطر وأهم عمل للعرب في أفغانستان وبداية مولدهم الجهادي. ومعركة خوست التي انتهت بفتح المدينة في مارس 1991، كانت الضربة القاصمة للنظام وأدت إلى إسقاطه. وهكذا كانت باكتيا في تاريخ تلك الحرب، هي الحلقة المحورية التي شكلت نهايتها المنتصرة.

(2) .. نجاحات حقاني العسكرية، وزيادة توافد العرب إلى جبهاته إلى حدٍ ما. زاد من قيمة التسهيلات الاقتصادية التي يحصل عليها من تجار منطقة القبائل. وقد كَبَّدَهُ فتح خوست وحدها ديوناً بلغت أكثر من خمسين مليون روبية باكستانية لم يستطع حقاني تسديدها فى وقتها نظراً لتوقف التبرعات الخارجية .

(3) .. ظل الاعتقاد سائداً لعدة أشهر أن شاه نواز قد قُتل فعلاً في ذلك الحادث. ولكنه أُصيب إصابات بليغة وفقد الوعي في الحادث حتى ظنوه في البداية قتيلاً خاصة وهوغائص في بحار من الدماء وسط أشلاء من جثث مرافقيه. وقد نُقل الجنرال إلى كابول واختفت أخباره لفترة طويلة، ثم عاد مرة أخرى على قمة الجهاز العسكري الأفغاني. وكانت مفاجأة غير سارة للمجاهدين في مارس 1990 حين قام بعملية انقلاب فاشلة وفرَّ من كابول إلى باكستان ليعلن تحالفه مع حكمتيار من أجل إقامة حكومة (ثورية إسلامية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 12




مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

– من البلاهة الاعتقاد أن أمريكا ترامب، يمكن أن تكون موضع ثقة.

– ترامب يرى في مفاوضات أفغانستان مجرد ورقة في حملته الانتخابية.

– الولايات المتحدة أعادت تموضعها على الأرض وحددت أماكن جديدة لإنتاج الهيروين وطرق نقله، وجزء من خطوط العمل الجديدة كانوا يتبعونها خلال حقبة الاحتلال السوفيتي.

– القوة القتالية الضاربة هي “بلاك ووتر” الجديدة التي تتقاسمها إسرائيل مع الإمارات.

– الخطط الأمريكية الجديدة لصناعة الهيروين قد تؤدي إلى تقسيم أفغانستان.

– على هامش صناعة المخدرات ضَرَبَ الفساد الجنرلات الأمريكيين خاصة مع اقتراب نهاية الحرب.

– قاعدة بجرام أضحت غير آمنة للأمريكيين، فاضطروا إلى إعادة نشر قواتهم في مناطق أخرى داخل وخارج أفغانستان!!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الانتخابات الرئاسية هدف ترامب الأول، والتجديد لولاية ثانية أهم عنده من كل العالم ومشاكله. ترامب، إلى جانب أنه غبي وعنصري قلبا وقالبا، ومع ذلك دأب على تركيز مفاتيح القوة بين يديه، خاصة الجيش والمخابرات، والسيطرة عليهما بأيدي أزلامه الخاضعين لنزواته المريضة. ويقول إنه في حاجة إلى أحد هؤلاء الأتباع للسيطرة على وكالات المخابرات بدعوى أنها “خرجت عن السيطرة ” وفي حاجة لمن “يكبح جماحها”. ويبدو أن ترامب يسير بأمريكا صوب نوع من الفاشية العالمية الحمقاء.

الجيش هو الآخر مستاء إذ يرى أن الرئيس يستخدمه كورقة في حملته الإنتخابية. وظهر تمرد القادة الكبار عندما رفضوا حضور استعراض عسكري دعاهم إليه الرئيس.

من خلال الدفع قدما بصفقة القرن يشتري ترامب الدعم اليهودي لإعادة انتخابه رئيسا. و”منامة” البحرين قدمت كل ما تستطيع لإنجاح وليمة التطبيع الاقتصادي والسياسي مع إسرائيل. والآن يركز ترامب على “الدوحة” لاقتناص مكسب انتخابي، بعقد اتفاق مع الإمارة الإسلامية يتيح له الحفاظ على مكاسب احتلاله لأفغانستان بدون تكبد مشقة الاحتلال. فرمى الكرة في ملعب الأفغان مظهرا نفسه بمظهر الوسيط الطيب فاعل الخير الذي جاء لإحلال السلام بين الأفغان عشاق الحرب.

ــ من البلاهة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ـ خاصة تحت قيادة ترامب ـ يمكن أن تكون موضع ثقة. فقد خاض ترامب سباقاً لتمزيق كل الاتفاقات الدولية مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء. بدأ بإتفاقية المناخ وانتهى بالخروج من اتفاقية الصواريخ  المتوسطة والقصيرة المدى، كما خرج من الاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي هدد بإشعال منطقة الخليج لتصبح أزمة ربما تؤدي إلى حرب عالمية.

ــ في غمرة صخب ترامب وهوسه بالاستمرار في الحكم وتجميع مصادر قوة الدولة الأمريكية بين يديه، وتحويله أفغانستان إلى مجرد ورقة انتخابية، والمفاوضات إلى مجرد مناورة مخادعة، من المفيد أن نتذكر الدافع الحقيقي للحرب وهو الأطماع الاقتصادية. فمازالت تلك الأطماع موجودة ومستمرة. قد تتغير صور السيطرة، وقد يقل استخدام القوة العسكرية أو يزداد، ولكن تلك المصالح مستمرة. ونتيجة للضربات الجهادية فإن الاحتلال مضطر للبحث عن أساليب أخرى للحفاظ على مكاسبه. خاصة بعد اعتراف الاحتلال في وثائقه الرسمية بأنه فقد السيطرة على 85% من الأراضي المزروعة بالخشخاش. وذلك يعني خسرانه للحرب بنفس النسبة تقريبا. مع العلم أن النسبة الباقية (أي15%) ليست آمنة ولا مضمونة في ظل الضربات المتواصلة التي تستهدفه أينما كان.

والموقف العسكري في الميدان هو الذي يملي على الاحتلال الأمريكي أشكال التحرك السياسي بما فيها التفاوض أو الانسحاب. وقد أنجزت الإمارة الإسلامية تقدما كبيرًا على الأرض خلال العام الأخير. وهنا نشير إلى أن الولايات المتحدة قد أتمت ـ تقريبًاـ إجراءات المرحلة الجديدة من التدخل في أفغانستان. فمن أجل الحفاظ على نصيبها في ثروة الأفيون أعادت تموضعها على الأرض وحددت أماكن جديدة لإنتاج الهيروين وطرق نقله، وجزء من الخطط الجديدة كانوا يتبعونها خلال حقبة الاحتلال السوفيتي.

المكسب الكامل تحققه أمريكا في أفغانستان في حال انخراط رجال الإمارة الإسلامية في نظام كابول الحالي. فمن المزايا الهامة التي يحصل عليها الاحتلال هي توقف القتال وحصوله سلميا على كل ما يريده من أفغانستان أو تريده حليفته إسرائيل التي وضعت بعض تواجدها العسكري والاستخباري والاقتصادي في أفغانستان تحت شيء من الأضواء، وإن كان معظمه مازال مخفيا بشدة.

فبالنسبة لصناعة الهيروين يمكن أن تستمر الآليات الحالية كما هي ( باستمرار قاعدة بجرام كعاصمة للهيرويين في العالم)، وأن الخطة البديلة التي اكتملت معظم حلقاتها الآن، قد تتحول إلى مسار ثانوي أو احتياطي للطوارئ، كما أنها تصلح كقاعدة لتقسيم أفغانستان بشكل غير معلن ولكنه مكتمل المواصفات. تكلم عملاء لأمريكا في مؤتمر الدوحة للمدنيين عن (أفغانستان الموحدة) وربما كانوا يهددون باحتمالية التقسيم إذا لم تنضم الإمارة الإسلامية إلى موكب الحكم الفاسد والعميل في كابل.

 

عودة مشروع “تابي” والمحرقة النووية :

يرى ترامب أن انخراط الإمارة الإسلامية ضمن نظام كابول، مع وقف القتال، سوف يسمح بالانطلاق الفوري والسريع لخط أنابيب (تابي) من آسيا الوسطى صوب الهند. وكذلك باقي كنوز النفط والغاز سوف تجد طريقها إلى بحر العرب عبر ميناء جوادر في باكستان. فالحرب الجهادية أصابت ذلك المشروع بالشلل وأضرت كثيرًا بمصالح شركات النفط الأمريكية وشركائها الخليجيين، وعلى الدوام كانت هناك جبهة كاملة تقاتل في الدوحة من أجل انبعاث  “تابي” من جديد.

– التوازن العسكري على أرض أفغانستان حاليا ليس في مصلحة الاحتلال، ويميل بشدة لصالح مجاهدي الإمارة الإسلامية بشكل متواصل نتيجة عجز الاحتلال عن إيجاد عناصر فعالة لإعادة التوازن لصالحة، باستثناء أحلام اليقظة التي عبر عنها ترامب من أنه رقيق القلب لدرجة إنه لا يريد قتل عشرة ملايين أفغاني لحسم الحرب في يومين أو ثلاثة. وقد انتابته نفس الحالة العاطفية عندما أسقطت إيران واحدة من أهم طائرات التجسس الأمريكية، فادَّعى أنه أوقف ردا صاعقاً خشية أن يقتل 150 من الحرس الثوري!!.

واضح أن ترامب يهدد باستخدام السلاح النووي ضد الشعب الأفغاني إذا استمرت الإمارة الإسلامية في نفس المسار الذي سيؤدي حتما إلى هزيمة واضحة لأمريكا في أطول حرب في تاريخها، وإلى إحباط أطماعها النفطية والأفيونية، وإلى سقوط النظام العميل واستيلاء الحركة على العاصمة إيذانا بعودتها إلى الحكم. فيلوح ترامب بسلاحة النووي لوقف انهيار أحلامه ومشاريعه في أفغانستان. وذلك ليس بالموقف الجديد فقد سبق وأن هدد السوفييت باستخدام السلاح النووي لمنع سقوط مدينة خوست في يد المجاهدين لأن ذلك سوف يتسبب في سقوط النظام الشيوعي. في ذلك الوقت رفض المولوي حقاني التهديد الذي حمله إليه “أصدقاء” ، وقال:(سنتوكل على الله ونفتح خوست)، وهذا ما حدث. وفُتِحَت خوست وسقط النظام الشيوعي. وما أشبه الليلة بالبارحة، فكابول الآن جاهزة للسقوط والجيش الأمريكي معظمه قد رحل بالفعل، ولم يتبق سوى مرتزقة اليهود وأشباه اليهود.

 – والجدير بالذكر أن أحدًا لايجرؤ على استخدام سلاحه النووي حتى ضد ضحية لاتمتلك ذلك السلاح. في بداية خمسينات القرن الماضي لم يدرك الجنرال ماك أرثر تلك الحقيقة وطالب الحكومة الأمريكية أن تسانده بضربة نووية ضد القوات الكورية والصينية، فعزلته القيادة الأمريكيية. والآن لا يجهل أحد حقيقة أن أي إطلاق نووي جديد بعد هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية سيكون إطلاقا جماعيا خارج السيطرة، ولن تتاح أبدا فرصة لأي طرف حتى يدرك مَنْ قصف مَنْ . وبعد تلك المحرقة النووية لن تتذكر البقايا البشرية أي شيء ولا حتى شكل العالم قبل المحرقة.

مصادر صحفية أمريكية قالت أن ترامب مستعد لتخفيف عدد قواته في أفغانستان من رقم14000 إلى رقم 9000 أو 8000 أي العودة إلى نفس الرقم القديم الذي ورثه عن سلفه اللدود (أوباما) . أي أنه لم يقدم شيئا للإمارة الإسلامية سوى فرصة لحصولهم على مناصب في حكومة جديدة من المفترض أن يتم تشكيلها بعد انتخابات سبتمبر.

لابد من ملاحظة أن الأمريكيين لن يسحبوا قواتهم إلا بضغط عسكري كبير، وبدون ذلك قد يبقون إلى الأبد. وما يفعلونه الآن في سوريا والعراق يؤكد ذلك. فكلما توقف الضغط العسكري زادوا من قواتهم وتدخلهم وتحكمهم في البلد المنكوب ، بل زادت صلافتهم وتجبرهم في التعامل مع الشعوب والحكومات.

حال الجيش الأمريكي في أفغانستان لا يعطي أملا كبيرا لترامب في الفوز بورقة انتخابية رابحة. وبالكاد تكفي القوات الأمريكية للدفاع عن نفسها في قواعدها الجوية. وبشكل متصاعد تصبح تلك القواعد مهددة من خارجها ومن داخلها بما في ذلك قاعدة(بجرام) قلب الاحتلال وعقله وعضلاته الضاربة. وأي مغامرة عسكرية والابتعاد عن القاعدة الجوية تعتبر مجازفة خطيرة. وبهذا يمكن اعتبار أن الدور القتالي الحقيقي لم يعد موكلا بالقوات الأمريكية. بل تحققت بالكامل نظرية تكليف القطاع الخاص بتلك الحرب حسب النظرية التي طرحها المستشار الإستراتيجي (ستيف بنون) على ترامب في بداية حكمه . وأصبحت شركة المرتزقة (بلاك ووتر) الجديدة، التي تتقاسمها إسرائيل مع الإمارات، هي الذراع المقاتل الحقيقي. ذلك النشاط القتالي يغلب عليه الطابع الاستخباري، ويعتمد على الاغتيالات الممنهجة ضد قيادات ذات أهمية، وعمليات المداهمة ضد القرى والأهداف المنعزلة. وهذه غالبا ما تتم بعد متابعات بالتجسس الجوي والأرضي.

اغتيال قيادات الإمارة الإسلامية في الداخل والخارج كان استراتيجية مقترحة عربيا عن أجل تحطيم صلابة الموقف التفاوضي للإمارة الإسلامية في الدوحة. وخلال الجولة الحالية من المفاوضات اغتال العدو حاكم ولاية فراه ومساعدوه، وقد نجحت قبل ذلك عدة عمليات من نفس الطراز.

ولكن عمليات المداهمة تواجه الآن إجراءات مضادة أكثر حسما على مستويات متعددة . سواء بالتصدي المباشر بحيث ينتهي العديد منها بكوارث، سواء بإبادة كاملة أو شبه كاملة للوحدات الخاصة المهاجمة، أو بإحراق المروحيات التي تنقلهم أو تحميهم، وهي في الجو أو عند هبوطها على الأرض. وانتقلت المواجهة الجهادية إلى المستوى الهجومي ضد القوات الخاصة والطائرات في القواعد الجوية نفسها، أو عند تحركهم خارج قواعدهم. وهناك أنباء عن اغتيال قادة من تلك المجموعات الخاصة وهم خارج عملهم القتالي. حتى أن طيارين حربيين اختُطِفوا وأعْدِموا بطريقة رادعة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

طالبان في حرب الاستخبارات :

–  أمريكا تخوض حربا استخبارية تقودها المخابرات الأمريكية، وتنفذها شركة مرتزقة من القتلة المزودين بأرقى وسائل التكنولوجيا ، فكان لزاما على مجاهدي الإمارة الإسلامية التركيز على العمل الاستخباري بشكل لم يحدث من قبل، لأنه طابع الحرب الجديدة التي لم تعد حربا للمواجهات العسكرية واسعة النطاق. وحتى عند الهجمات الكبرى مثل الاستيلاء على المدن الأساسية (العاصمة وما دونها) سيكون أساسها المعلومات الاستخبارية. وكما ظهر في الإستيلاء على مدينة غزني، وكيف أن أسلوب الاقتحام ، وحتى المعارك داخل المدينة كان قائما على عمل استخباري دقيق ومحكم .

–  حالة التحلل والفساد داخل النظام الحاكم وأجهزته العسكرية والأمنية أعطى ميزة كبرى للإمارة الإسلامية كي تبني شبكات استخبارية فعالة، وعلى مستويات متعددة داخل أجهزة الدولة  ومن حسن الحظ أن الفساد قد زحف إلى صفوف الجنرالات الأمريكيين. فالحرب بالنسبة لهم على وشك الانتهاء ، ومازالت أرقام حساباتهم البنكية لا تكفي للخطط المستقبلية التي حددوها لأنفسهم .

نتكلم عن الفساد الذي ضربهم على هامش نشاط الأفيون والهيروين، وهو الأوسع على نطاق العالم ، بل ويشكل محور الحياة الاستعمارية في أفغانستان، حتى طال الفساد صميم الحياة العسكرية نفسها ، وأصبح المنصب والمعدات والعلاقات مصادر محتملة لاكتساب الثروة .

أما الجنرالات الأفغان فقصص فسادهم أوشكت أن تصبح ضمن الأدب الشعبي يحكونها في الأغنيات وجلسات السمر. فليست المعلومات فقط هي السلعة بل السلاح والذخائر ، والمخدرات، والوظائف العسكرية، وحركة التنقلات والتعيينات.

ليس لدى الإمارة الإسلامية طائرات استطلاع أو أقمار صناعية، ولكن قدرتهم على المعرفة تفصيلية لكل ما هو فوق الأرض وما تحتها، وفي كافة دهاليز قوة العدو.

–  ليس سراً أن يكون الانكشاف الاستخباري قد دفع العدو إلى تغييرات جذرية في ترتيباته العسكرية والاستخبارية . نتكلم هنا عن CIA في أفغانستان بما تشمله من موساد إسرائيلي وإماراتي.

 قدرة الإمارة الإسلامية على إحداث الاختراقات الاستخبارية جعلت قاعدة بجرام غير آمنة أو كافية لكل ذلك النشاط العسكري/ الاستخباري الأمريكي، فاضطر العدو إلى إعادة انتشاره إلى خارج بجرام، بل وإلى خارج أفغانستان نفسها.  ويمكن اعتبار ذلك انسحابا فعليا وتأسيسا لمرحلة جديدة من التدخل وحفظ المصالح الاستعمارية فيما بعد الاحتلال المباشر.

–  تعترف التقارير الأمريكية أن الإمارة الإسلامية تسيطر هذا العام على مساحات من الأرض أكثر من أي وقت مضى. فلم يتبق أمام الأمريكيين لإحراز نجاحات سوى قتل المدنيين بالطائرات، ثم تأتي الأمم المتحدة لتُقَسِّم أعداد قتلى المدنيين بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية.

أما الجيش الأفغاني فليس لديه أي إنجاز عسكرى سوى بيانات عسكرية مكذوبة أفرزتها خيالات الجنرالات في غرف مليئة بدخان الأفيون. أما دخان المعارك فهو من نصيب الجنود الذين يعانون من أكبر نسبة من الخسائر في الأرواح. وتدنت معنوياتهم لدرجة الفرار من المعارك حتى قبل أن تبدأ.  أما مستوى تدريبهم فهو يقترب من الصفر وبعضهم لا يجيد حتى إستخدام سلاحه الشخصي. ولا ينطبق ذلك على جنود القوات الخاصة الذين يتمتعون بتدريب وتجهيز جيد ولكن بدون رغبة حقيقية في القتال رغم الرواتب المرتفعة والامتيازات المعيشية . ولكن مهامهم القتالية لم تعد مجرد نزهة آمنة بعد أن طور المجاهدون أساليبهم المضادة، فأصبح الموت يلاحقهم أينما كانوا ، سواء في الجو أو على الأرض، وحتى في تفاصيل حياتهم المدنية يلاحقهم شبح الانتقام .

– ومهما كانت أخطار ساحات المعارك فإن الخطر الحقيقي، يأتي دوما من فوق وتحت طاولات التفاوض .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

مناورة انتخابية .. وليست مفاوضات

 

 




سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 161) | ذو القعدة 1440 هـ / يوليو 2019 م .                  

19/07/2019

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون

– الحرب في أفغانستان أول تجربة طويلة وكاملة تقودها المخابرات الأمريكية .

– الحرب الجهادية هي حرب كل الشعب المسلم، المسلح منه وغير المسلح.

– لا الهيئات الدولية ولا طاولات التفاوض يمكنها الحفاظ على أرواح الشعب المدني.

– سحب الجيش الأمريكي من أفغانستان هو تحصيل حاصل، لأنها حرب استخبارات ومرتزقة. و يكتفي الجيش بحماية قواعده الأساسية مع أقرب حقول الأفيون إليها.

– أهداف حيوية واستخبارية يخفيها العدو بين الأحياء السكنية لحمايتها من هجمات المجاهدين .. فما هو الحل؟؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

استهداف المدنيين هو عماد الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في أفغانستان: وهو الوسيلة الوحيدة المتاحة لديهم لتحقيق بعض أهدافهم في ذلك البلد، ولديهم وسائل أخرى يأملون في أن تحقق لهم الكثير، اعتمادًا على حظ المقامرين. وليس ذلك بغريب على رئيسهم المقامر وكبار مستشاريه من المجازفين الحمقى.

الوظيفة الأساسية للقوات المحمولة جوًّا من المرتزقة والقوات الخاصة العميلة ـ ومنذ عدة سنوات كانت مهاجمة القرى والأماكن المعزولة، لارتكاب مجازرـ وأخذ أسرى، وسرقة محتويات البيوت، وإحراق مسجد القرية وقتل إمام المسجد وعدد من طلاب العلم. ثم الرحيل بالأسرى والغنائم للاحتفال “بالنصر” في قواعدهم العسكرية.

الطائرات المسيَّرة (درون) تعمل على مدار الساعة ضد الأهداف المدنية أساسًا. لقتل الزراعين في الحقول والمسافرين على الطرقات، وإحراق القرى. وما تبقى لديها من وقت وطاقة فتصرفه على برنامج اغتيالات منظم ـ أو عشوائي ـ تشرف عليه المخابرات الأمريكية التي تدير كل البرنامج الأمريكي في أفغانستان ـ العسكري منه والمدني. حتى أن حرب أفغانستان تعتبر وبجدارة أكبر تجربة عسكرية للمخابرات الأمريكية في تاريخها. لأنها حرب متكاملة طويلة الأمد، وليست عملية محدودة في الزمان والمكان مثل الكثير من تجاربهم الاستعمارية السابقة. والجيش الأمريكي العظيم منحصر داخل قواعده الكبيرة مكتفيا بمهام الحراسة لأقرب حقول الأفيون القريبة إليه، وذلك بمساعدة القوات المحلية، وكامل سلاح الجو.

– في الفترة الأخيرة زاد تركيز العمليات الاستخبارية / العسكرية على ضرب المراكز الصحية في أفغانستان ـ بوتيرة أعلى مما سبق.{فاستشهد وأصيب عدد كبير من خيرة الأطباء والممرضين، وأسر عدد آخر منهم} حسب بيان صادر عن اللجنة الصحية بالإمارة الإسلامية بيان آخر عن الإمارة كان موجزًا للغاية وبليغًا في تصوير الموقف بواقعية مريرة عندما قال: “استشهد طبيبين وطفلتين وإمام مسجد القرية على يد المحتلين في مركز ولاية غزنى”.

واضح التركيز الاستخباري العسكري على النوعيات البشرية التي يستهدفها الاحتلال: الأطباء ـ الأطفال، أئمة المساجد. ولا حاجة لتعليق أكثر.

وفي بيان صادر في نفس اليوم جاء فيه {إن جنود العدوّ والقوات المشتركة قتلوا مريضًا في زُرْمَت}. فالمريض مثل الطبيب كلاهما مستهدف والأطفال مثل أمة المساجد .. الجميع مستهدفون. زادت وتيرة استهداف المراكز الصحية نتيجة زيادة المأزق العسكري وعجز الأمريكيين عن فرض حل يناسبهم وتوافق عليه الإمارة الإسلامية. فالمفاوضات السياسية تدور حول نفسها ولا تسير إلى الأمام. والأفخاخ التفاوضية ـ والمؤمرات أحيانا ـ لم تحقق سوى القليل حتى الآن.

– تكثيف الضربات ضد المدنيين، وزيادة استهداف المراكز الصحية له علاقة بعملية التفاوض الدائرة من أجل ممارسة الضغط على الشعب فينتقل الضغط إلى المفاوضين، فيصبحون أكثر مرونة. فينتج اتفاق يوفر غطاءً لانسحاب أمريكي مريح بأقل قدر من التنازلات أو حتى بدون تنازلات إن أمكن.

 

رؤية ترامب للانسحاب :

في حديث صحفي للرئيس ترامب كرر أمنيته بالانسحاب من أفغانستان، حسب رؤيته الخاصة  التي وصفها بقوله:{ سنرحل ونترك تواجدًا استخباريًّا قويًّا جداً في أفغانستان !!}.

وذلك هو جوهر خطة ترامب، وما تبقى من تصورات هو لدعم ذلك التواجد الاستخباري القوي في أفغانستان.

فالمخابرات الأمريكية هي الجهة المسؤولة عن حرب أفغانستان وما يتفرع منها من قضايا اقتصادية (أفيون/ نفط / ثروات معدنية ..الخ) وقضايا جيوسياسية خاصة التأثير على التحرك الصيني الروسي الإيراني لإيجاد مركزية قيادية لآسيا منافسة أو موازية للنظام الدولي الأمريكي الأحادي.

وليس بغريب أن يكون وزير الخارجية الأمريكى (بومبيو) هو رئيس سابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكي، ويمثل سطوة المخابرات على وزارة الخارجية. وتناظرها سطوة شركات السلاح على البنتاجون ـ وفوق الجميع إيباك واللوبي الصهيوني المشرف على الدولة كلها، ويدير حروبها المالية والاقتصادية على العالم، نيابة عن اليهود، وتمهيدًا لظهورهم الأعظم من القدس كعاصمة دولية لهم.

– بشكل عام الجيش الأمريكي دوره ثانوي في حرب أفغانستان، ويأتي في المركز الثاني في الأهمية بعد المخابرات. وما تقوم به الجيوش من مهام قتالية تقوم به شركات المرتزقة (المتعاقدين)، وشركاتهم الكبرى التي تشرف عليها إسرائيل وبن زايد.

– يريد الجيش الأمريكي أن يتخلص من وصمة الهزيمة التي لحقت به في أفغانستان. واهتزاز هيبته وسمعته في العالم، بعجزه عن إخضاع شعب صغير محاصر، تداعت عليه الأمم. وينتظر الجيش الأمريكي أن يأتيه الفرج من الدوحة التي لا تنفك تبعث فيه الأمل بتسوية سياسية ترضى (الحليف الإستراتيجي). لهذا مازال بومبيو يبشر (باتفاق سلام مع طالبان قبل حلول شهر سبتمبر المقبل) .. كيف؟؟.. لا أحد يدري ولكن كل شيء ممكن الحدوث على شواطئ النفط. فصفقة القرن التي انطلقت من المنامة تبعث أمل الأمريكان في (صفقة العمر) من الدوحة .. التي وصلت صداقتها الاستراتيجية مع واشنطن على جميع الأصعدة إلى درجات غير مسبوقة حسب قول القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى قطر. وعلى هذا المنوال الأقوال أكثر وأعمق، ومن أعلى المستويات على الجانبين.

– إذًا لا معنى لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان لأنها ومنذ سنوات وهي تقوم بدور (الضيف عديم الشرف) الذي لا يفيد وجوده في تغيير مسار الحرب، ودوره منحصر في تكرار الجرائم التي يقوم بها المرتزقة بطريقة أكثر قسوة واحترافية.

سبتقى المخابرات المركزية تدير حرب أفغانستان بنفس الوسائل المتبعة حاليا. مع تعديلات في الترتيب السياسي الداخلي حسب”مخرجات” الدوحة التفاوضية التي تدور ـ حسب وكالات الأنباء ـ حول أربعة محاور هي:

مكافحة الإرهاب ـــ {وجود!!} القوات الأجنبية ــ الحوار بين الأفغان (أي بين طالبان وأعوان المستعمر!!) ــ التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار( !!).

 أما حسب قول المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري (لمكافحة الإرهاب !!) و(رفض المنازعات!!)، فالمفاوضات تشمل حقوق المرأة والأقليات ووقف إطلاق النار.. إلخ .

– سينسحب الجيش الأمريكي وتبقى المخابرات الأمريكية، ويستمر الاحتلال في ثوبه القديم / الجديد . وتبقى معاناة المدنيين وهي موضوعنا الآن .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

أمن المدنيين .. مسئولية من ؟؟ .

مناشدة الهيئات الدولية أن توقف عدوان الاحتلال على المدنيين هو مجهود لا جدوى منه . فتلك الهيئات في أفضل الحالات تلقي المسئولية بالتساوي على الاحتلال ومجاهدي طالبان.

ــ والمناشدة اللزجة الصادرة عن طاولات التفاوض هي الأخرى لا جدوى منها، بل العكس، لأن خسائر المدنيين ودماءهم تتحول إلى (بترول) يحترق لينتج طاقة تفاوضية، تدفع نحو حل أمريكي لمشكلة أفغانستان.

– يتبقى أن الحل الحقيقي والوحيد لمعاناة المدنيين في أفغانستان وهو استكمال المرحلة النهائية من الحسم العسكري حتى يضطر العدو الأمريكي إلى سحب جميع قواته العسكرية، وجميع تواجده الاستخباري وجميع شركات مرتزقته، وجميع الدواعش الذين استجلبهم من باكستان وتركيا وبلاد العرب، ليدافع عنهم بقواته وطائراته كلما تعرضوا لحصار أو هددتهم إبادة.

– معلوم أن القواعد الجوية للعدوّ ـ خاصة قاعدة بجرام ـ هي رأس الأفعى ومقر القوة المسلحة والاستخبارية للاحتلال. ولابد من تصميم برنامج خاص لحل تلك المعضلة ـ التي تستدعي سريعا ضرورة تطوير الأسلحة المستخدمة في ذلك، والحصول إلى إمكانات تكنولوجية حديثة أصبحت متاحة لحركات مقاومة تمر بظروف شبيهة لما يمر به مجاهدي أفغانستان.

– ومعلوم أن أسلحة الفقراء أصبحت تشمل الطائرات بدون طيار، والصواريخ المصنوعة بأبسط الوسائل. وقد أثبتت تلك المعدات قدرة تكتيكية كبيرة، أدت إلى تحولات استراتيجية في صراعات كبرى في المنطقة العربية تحديداً.

– تبقى مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن العدو يستخدم الأهالي في المدن كدروع بشرية، فينشئ مراكزه الهامة وسط الأحياء السكنية، معطيا إياها عناوين مضللة كمدارس أو نوادي رياضية أو معاهد تعليمية أو فروع لهيئات إغاثية .. إلخ ، وجميعها فروع استخبارية وعسكرية نشطة للغاية، وهناك مراكز رسمية هامة يراعون دفنها في عمق التواجد السكاني لردع المجاهدين من استهدافها.

وبالفعل نجح العدو في تحجيم العمل العسكري على هذه الأهداف أو حتى منعه، بينما مناقشات متفاوضي الدوحة ركزت على حماية المدنيين ـ ليس خوفا على المدنيين ـ بل حرصا على سلامة تلك الأهداف الاستخبارية المدسوسة في أوساط الأحياء السكانية.

يبقى على المدنيين الابتعاد عن المعروف من تلك الأهداف حتى يسهل للمجاهدين التعامل معها. أما الأهداف غير المعروفة ـ وهي الأكثر عددا ـ فالأفضل للمدنيين الابتعاد عن مكان الهيئات الأجنبية، أو الفروع المريبة لهيئات محلية أو أجنبية. وعلى وحدات المجاهدين المنتشرة في العاصمة والمدن الكبرى تنبيه السكان إلى (مواطن الشبهات) للابتعاد عنها.

فلا الهيئات الدولية، ولا طاولات التفاوض التي تتمخض كالجبال ثم لا تلد شيئا غير كائنات ضارة لا جدوى منها. كل ذلك لن يجدي في الحفاظ على سلامة المدنيين . فقط العمل الجهادي المدروس جيدا، والترابط الوثيق بين المجاهدين وقاعدتهم السكانية، هما فقط الوسائل المفيدة.

وسلامة المدنيين هي نفسها سلامة المجاهدين. الذين هم أبناء الشعب. وأي خسائر تحيق بالمجاهدين هي خسائر لجميع الشعب، وأي خسائر في صفوف المدنيين هي خسائر للمجاهدين، فالعدوّ يستهدف كلاهما، لأن الحرب الجهادية هي حرب الشعب المسلم، سواء المسلح منه أوالمدني غير المسلح.

 

ترامب وتسييس الجيش الأمريكي :

زاد انحدار الجيش ودوره في عهد ترامب أكثر مما كان في عهد من سبقوه .إذ استكمل ترامب

استبداله بشركات المرتزقة بقيادة استخبارية لجهاز CIA .

واستخدم الجيش داخليا كورقه انتخابية للترويج لإنتخابه لولاية ثانية. رغم فشله المشهود واعتراف الجميع بأنه الرئيس الأسوأ في تاريخ أمريكا المليء بالرؤساء الفاشلين، لأن المؤسسات الاقتصادية والمالية الكبرى هي التي تدير البلد، وليس تلك العرائس الخشبية التي تأتي بها مهزلة الانتخابات الديموقراطية.

رغم أن الجيش يحظى بنصيب الأسد في اعتمادات الميزانية {733 مليار دولار} إلا أن انحداره إلى مجرد ورقه انتخابية في الداخل ترافق انحدار سمعته الدولية كقوة ضخمة وحديثة لكن فاشلة وقليلة التأثير إلا على بلدان متهالكة فاشلة في الشرق الأوسط تحديدا.

فتحول الجيش إلى ورقة ابتزاز مالي للدول الغنية الفاشلة. ولكنه فشل في أفغانستان أمام شعب فقير معزول إقليميا ودوليا، حتى أن المخابرات المركزية هي التي تقود الحرب، الأطول في تاريخ أمريكا، ومعها جيش الدولة الأمريكية الذي فقد رغبته في القتال وقدرته على تحويل طاقته النارية إلى رادع معنوي أمام أي شعب مصمم على المقاومة مهما كانت درجة ضعفه.

الجيش الأمريكي مستودع بشري للفاشلين اجتماعيا والمهمشين والشواذ، أما الطموحين فالجيش بالنسبة لهم خطوة أولى نحو مستقبل مهني مزدهر في شركات المرتزقة الدوليين.

ترامب يحتقر جيشه ويعي قيمته المتدنية، وإنه مجرد فزاعة لإرعاب الشعوب المسحوقة، والأنظمة العميلة كثيرة الأموال معدومة الكرامة.

في احتفال عيد الاستقلال الأمريكي رفض كبار قادة الجيش الحضور، في خطوه اعتبرت ازدراء بالرئيس، الذي بدوره يزدري الجيش ويحوله إلى مجرد ملصق دعائي في حملته الانتخابية، وإلى فزاعة عالمية من ورق مقوَّى، رغم أسلحته النووية.

الرئيس لا يتمتع بأي احترام إلا من قاعدته العنصريه داخل أمريكا. وفي غمرة احتفال عيد الاستقلال رفع المزدرون بالونا يمثل (ترامب الرضيع) وهو بالون مهين يصور الرئيس كطفل رضيع يرتدي حفاضة. هذا غير لافتات تصف الرئيس بالخائن (!!)، بينما أحرق آخرون علماً أمريكيا أمام البيت الأبيض في أهم مناسبة “وطنية” في البلاد.

تعدى الأمر ادعاءات الديموقراطية، ودخل في مؤشرات التفسخ الداخلي والتمزق الاجتماعي ـ عرقي وديني ـ فكأس السم الذي جرعته أمريكا للعالم حان الوقت لأن تشربه كاملا .. إنها مسألة وقت ليس إلا.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلامة المدنيين يضمنها المجاهدون




جلال الدين حقاني

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 11

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 161) | ذو القعدة 1440 هـ / يوليو 2019 م .                  

19/07/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 11 )

في تقرير عن معركة خوست .. نشر  في صحيفة الاتحاد الإماراتية ( 1985 ) :       

– كيف بدأت الحملة العسكرية ضد باكتيا.. وكيف إنتهت؟ – تفاصيل وأسرار أضخم حملة يقوم بها السوفييت في أفغانستان؟ – قاعدة جاور الهدف الأول للحملة السوفييتية على خوست.

-الجنرال الدموي يعلن: سأشرب الشاي في (جاور) .

وحقاني يرد عليه : مكانين لن يدخلهما الشيوعيون (الجنة) و (جاور) .

– الشهيد فتح الله حقاني يقهر الجيش الأفغاني بواسطة دبابة صعد بها إلى  جبل(جاور) .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

عدو التكنولوجيا:

الجمعة 12 يوليو 1985:

وصلت أمس إلى ميرانشاه مع عبدالرحمن وأبوحفص.. استطعنا توفيرثلاث قطع مخابرات لاسلكية صغيرة من نوع عتيق جداً. وجهاز تفجير عن بعد جرى تصنيعه محلياً في بشاور… وسنكون أول من يجربه ميدانياً. علمنا أن الوضع متوتر في خوست. وجرت معارك عديدة بين المجاهدين والقوات الشيوعية. ركبنا أحد السيارات التابعة لحقاني ومعنا الشيخ (محمد طالب) وآخرون في طريقنا إلى (ليجاه) لمقابلة حقاني والاتفاق معه على برنامج عملنا، الذي من المفروض أن يستمر كما كان. عند أول نقطة تفتيش على الطريق نحو الحدود، كان يقف شخص في حجم الديناصور من المخابرات الباكستانية، ومعه عدد من الزبانية من جواسيس منطقة القبائل.. كان في  انتظار شيء معين… أوقف سيارتنا.. تحدث معنا فاكتشف أننا لسنا من البشتون أو الفرسوان (متكلمي الفارسية). والمشكلة الرئيسية كانت معي شخصياً بصفتي أشدهم جهلاً بتلك اللغات الحية.

أحد الزبانية نظر إلى السيارة فعرفني، وتذكرت وجهه.. أظنه كان مع المجاهدين في ليجاه منذ  ثلاث سنوات. صاح عندما رأى وجهي (قسم بخدا دا عربيان دى)…  أي أقسم بالله أن هذا عربي. سحبونا بعدها إلى مركز سري للاستخبارات داخل ميرانشاه فبقينا هناك لأكثر من ساعه وأصر مرافقونا الأفغان بأنني (تركماني) لا أعرف أي لغة في المنطقة هنا.. وأخيراً أطلقوا سراحي وواصلنا السير إلى ليجاه.. هناك كان حقاني مع بعثة تلفزيونية من كندا.

القوات الحكومية كانت محتشدة على أطراف الوادي . حقاني اشتبك معهم منذ يومين واستولى على أحد مراكزهم وأخذ منها أسيرا حكوميا. وفقد عشرشهداء وعشرين جريحاً.

اتفقنا معه على استئناف برنامجنا على المطار.

 

السبت 13 يوليو 1985:

نزلنا من ليجاه إلى جاور ثم إلى ميرانشاه وهناك كانت مفاجأة في انتظارنا.. طائرتان هيلوكبتر (مي/24) فرتا من خوست وهبطتا في مطار ميرانشاه. وكان يمكن رؤيتهما من الشارع المقابل لبيت حقاني حيث ينزل ضيوفه، وكانتا مغطتان بشباك تمويه وأغصان أشجار خوفاً من أن تأتي الطائرات الأفغانية لقصفها.

كنا في سرور لكون “عربات البطاطا” قد استسلمت أخيرا  كما كنا نتنبأ لها. سمعنا أن حكمتيار ادعى أن الطيارين كانوا على ارتباط بجماعته، وبالتالي يطالب باستلام الطائرات وأطقمها. حضر حقاني من ليجاه ورفض ما قاله حكمتيار وطالب باستلام الطائرتين لكن حكومة باكستان نقلت الطائرات وأطقمها إلى إسلام آباد، كي تجري المخابرات الأمريكية فحوصاتها وتستجوب الطيارين!!.

سمعنا أن الدكتورعبدالله عزام كان قد احتجز في أحد نقاط التفتيش وهو قادم من بشاورأمس ومعه عشرة من العرب وقضوا ليلة في الحجز.. ولكن حقاني أرسل مندوبيه للإفراج عنهم…

وصل الدكتورعبدالله ومعه عالم من اليمن لا أذكر اسمه ، وفي الليل جلسنا خارج بيت حقاني هرباً من الحرارة.. ودارت بعض الأحاديث الممتعة، أهمها معضله ( هل يمكن للكافر أن يكون شجاعاً؟ ). كانت إجابة الدكتور عبد الله: نعم، والعالم اليمنى:لا. استمر الجدال فترة حتى حسمه حقانى بنظرية (شجاعة الحمار) التي كانت حلاُ وسطاً مقبولاً.

الخميس – يوليوـ 1985 :

وهذه ملاحظات كتبتها في ذلك اليوم:

– قام العدوّ بعمل جسرجوي فوق العادة خلال ثلاثة أيام (20-21-23يوليو) وبمتوسط 15 طائرة نقل كبيرة كل يوم.

– يقوم العدو بعملية استطلاع جوي لمدة سبع ساعات يوميا من الثامنة صباجاً وحتى الثالثة عصراً.

الاستنتاج:

يجري الآن الإعداد لبرنامج موسع ضد المجاهدين في خوست بعد تحديد مواقعهم وأسلحتهم بواسطة الاستطلاع الجوي، وغارات جس نبض بواسطة طائرات الهيلوكبتر والنفاثات (الجت) وسيزداد المجهود الجوي للعدو في الفترة القادمة بغرض تحطيم مراكز المجاهدين وتأمين المطار.

القوات التي وصلت حديثاً وكذلك الأسلحة، سوف تستخدم في هجمات معاكسة على المجاهدين في عدة مناطق خاصة حول المطار لتوسيع نطاق الأمن. وأيضاً ضد المجاهدين في الوادي (رجال حقاني لا يزالون في منطقة لاغوري).

السبت 20 يوليو 85 :

تحركنا لمباشرة عملنا..هالنا ما شاهدناه من صواريخ الهيلوكبتر المغروزة في الجبال و في الأرض. كنت مع عبدالرحمن في الساحة خلف جبل منان حين داهمتنا طائرة هيلوكبتر.. قفزنا في إحدى الحفر ويظهر أنها لم ترنا..ولكنها أفرغت حمولتها من الصواريخ في تلك الساحة  بصلية واحدة.. ثم غادرت صوب المطار.. هل أصبحت منطقتنا مشبوهة إلى تلك الدرجة ؟؟.. أظنه كان  إجراءاً احتياطياً، فلم يكرروا هذا العمل عندنا مرة أخرى.. بلا شك أن السوفييت سوف يفلسون إذا ظلوا يعملون على هذا المنوال. كنت مغرماً بقراءة تاريخ إنتاج قذائف العدو ومن شظايا صواريخ الهيلوكبترعرفت أن بعضها من صناعة نفس العام  1985 أسعدني ذلك لأنه يعني أن المخزون السوفيتي من تلك الذخائرقد انتهى، وأن الانتاج يخرج من المصانع إلى الجبهة مباشرة!!. إنهم سوف يفلسون بلا شك.. ولكن هل نجد يوماً إحصاءاً منشوراً عن عدد أطنان المتفجرات التي فجّرها السوفييت في بلاد الأفغان.. الأمل في ذلك ضعيف.. وأظن أنها أرقام مذهلة وغير مسبوقة في أي حرب مضت.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الأربعاء أول أغسطس 1985 :

كنت فى الإمارات بينما جلال الدين حقانى و فتح الله حقاني كلاهما  في الحج  ولم أكن أعلم بذلك في وقتها،حتى تناقلت الوكالات أنباء الحمله السوفيتيه الواسعة على محافظة (باكتيا)  ثم قرأت نبأ استشهاد مولوى أحمد جول في برقيات وكالات الأنباء. وكنت وقتها فى زياره لجريدة الفجر . حاولت الاتصال بجلال الدين حقانى من خلال مندوبه في أبو ظبي مولوي غازي مرجان. وكنا في حيرة هل هو في الحج أم في المعركة ؟ ولم يلبث أن وصلنا نبأ استشهاد مولوي فتح الله حقاني الذي التبس علينا اسمه مع إسم جلال الدين .  فانتابنا هَمٌ شديد حتى كاد صديقى المنياوي أن ينهار من الحزن.

عدت بسرعة إلى إسلام آباد والمعركه تلملم أذيالها .. وتقابلت مع حقاني بعد انتهائها ثم زرت المنطقه وحصلت على التفاصيل ثم  كتبت لجريدة الاتحاد التقرير التالي عن المعركة.

خوست/ مقبرة الجنرالات

الاتحاد أول صحيفة في العالم تحصل على تفاصيل أضخم حملة عسكرية في تاريخ أفغانستان

رسالة أفغانستان: تحقيق، وتصوير:   مصطفى حامد

جلال الدين حقاني | معركة جاور 1985 م

كانت أغرب حملة عسكرية في تاريخ الحرب الأفغانية..كما أنها كانت الأضخم بشهادة الجميع إنها حملة خوست التي كان من المفروض أن تنتهي بسيطرة القوات السوفييتية على ولاية باكتيا ومنافذها الحدودية، ومسالكها الجبلية التي تمر فيها أكثر من80%  من إمدادات القتال في أفغانستان. والآن انتهت الحملة.. ولم تحقق شيء.. فكيف؟؟.. فما هي أسرار هذه الحملة التي وصفتها جميع مصادر المراقبين بأنها أشرس حملة قتال في تاريخ أفغانستان؟

لقد انفردت الاتحاد بنشر الخطوات الأولى التي مهدت لهذا الصدام.. وغطت جانباً من التطورات الأولية التي رسمت مسيرة هذا القتال.. ولكن جاء وقت لكي تكشف فيه بعض الأسرار التي لم يكن من المناسب أن تنشر في ذاك الوقت.. والآن توصلت (الاتحاد) إلى أدق تفاصيل وأسرار هذه الحملة. ونبدأ في نشر جانب من هذه الأسرار بقدر ما تسمح به ظروف المواجهة التي ما زالت قائمة رغم إنتهاء تلك الحملة التي بدأت في منتصف مايو وانتهت بنهاية شهر سبتمبر الماضي 1985 .

عام الحسم:

كان من المفروض أن يكون عام1984م,هو عام الحسم العسكري في أفغانستان. هكذا أعلن السوفييت بقوة على لسان الرئيس الأفغانى )بابراك كارمل(. وبدأ السوفييت يدفعون بفرقهم العسكرية  لكي تأخذ على عاتقها تدمير مراكز تجمع المقاتلين الأفغان وقواعدهم.  فقد السوفييت ثقتهم في الجيش الأفغاني رغم أن تعداده الذي تدنى إلى ثلاثين ألف جندي قد عاد وارتفع إلى ستين ألف. وتم تجديد الأسلحة القديمة واستبدالها بمعدات أحدث. ولكن الروح القتالية لدى الجنود كانت في تدهور مستمر. وحتى تنجح حملة واسعة كالتي يخطط لها السوفييت كان لا بد لهم من الاعتماد على قواتهم التي اكتفت منذ دخولها أفغانستان بحماية العاصمة كابول التي يخصص لها ثلث القوات السوفييتية تقريباً، وحماية طريق الإمدادات من الأراضي السوفييتية حتى كابول عبر ممر سالانج وهو طريق الإمداد الرئيسي لقواتهم. ثم حماية القواعد الرئيسية مثل قاعدة باجرام الجوية شمال كابول وقاعدة (شيندند) القريبة من هيرات، وغيرها. أما المشاركة في العمليات فقد احتفظ السوفييت لنفسهم بدور المستشارين العسكريين في كافة المستويات القيادية من قيادة الجيش إلى قيادة الفصائل الميدانية. هذا إلى جانب احتفاظهم بالدور الأساسي في السلاح الجوي العامل، مع اشتراك وحدات الكوماندوز السوفييتية في عمليات لها أهمية خاصة وعلى المناطق المجاورة للحدود السوفييتية.

 

حقاني في باكتيا :

في باكتيا تعيش عدد من أكثر القبائل الأفغانية شجاعة وبسالة في القتال ولكنها قبائل ترفض أي نوع من السيطرة غير القبلية، لهذا كانت وما تزال عملية تنظيمهاعسكرياً عملية شاقة. ولكن ظهور شخصية قائد عسكري فذ مثل جلال الدين حقاني هو في نفس الوقت من علماء الدين البارزين استحوذ على إعجاب تلك القبائل. فأصبح حقاني قادراً على تجميع معظم هذه القبائل في عمل عسكري واحد وعلى درجة من التنظيم لم تعهدها باكتيا من قبل. ولم تشهد باكتيا الصراعات الحزبية الدامية كما شهدتها مناطق أفغانية أخرى. لهذا توقف الإفساد الحزبي عند حده الأدنى في باكتيا. وبرز حول حقاني مجموعة من القادة العسكريين العلماء من خيرة قادة العمليات في البلاد من أمثال أحمد جول وفتح الله حقاني وبختر جان ومحمد حسن وغيرهم وقد استشهد أحمد جول وفتح الله في العمليات الأخيرة. كل هذا جعل الثقل المتجمع حول حقاني هو العقبة الرئيسية في إخضاع باكتيا ويضمن بقاء هذا الشريان مفتوحاً أمام قوافل المجاهدين. ولكن حقاني مثله كباقي القيادات الميدانية البارزة لم ينج من محاولات التحجيم أو (الإزاحة) من جانب زعامات(المهجر) في بشاور. لقد تعرض مسعود لعمليات قطع طرق الإمداد ليس فقط بواسطة القوات السوفييتية بل أيضاً بواسطة قوات حزبية مدعومة من بشاور. أما ذبيح الله ــ في مزارشريف فكانت طرق إمداده تمر عبر باكتيا بضمان جلال الدين حقاني الذي أنشأ مخازن تموينية خاصة بقوافل القائد (ذبيح الله) في مزار شريف. وكان الرجلان على معرفة وثيقة عبر تبادل الرسائل ولكنهما لم يتقابلا أبداً..  حتى اغتيل (ذبيح الله) على أيدي قوات حزبية.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

حصار اقتصادي:

لم يكن ممكناً لكي يتم تحجيم حقاني بأن تقطع خطوط إمداده بواسطة قوات حزبية. لأن حقاني هو الذي يمسك بين يديه بعصب الإمدادات لمعظم أنحاء البلاد. كما أن أي مغامرة لإزاحة حقاني بالطريقة التي أُزيح بها (ذبيح الله) ستهيج قبائل باكتيا ضد المعتدي ولن تجعله يطأ أرض أفغانستان مرة أخرى. لهذا كانت محاولات تحجيم حقاني تعتمد على سلاح الاقتصاد أو الحصار الاقتصادي.

فكانت تحبس عنه المساعدات بشتى السبل وكانت المساعدات القادمة من الخارج إلى بشاور لا تعرف طريقها إلى حقاني. فكان يلجأ لتمويل عملياته وإطعام رجاله إلى الاستدانة من تجار القبائل. ولكن إذا وصلت ديونه إلى رقم السبعة ملايين كانت تتوقف تلك التسهيلات (البنكية)، وبالتالي تخففت نشاطات حقاني تدريجياً إلى حدها الأدنى. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة أمام الحزبيين لتحجيم حقاني. وجاءت الحملة الأخيرة لتقلب ضمن أشياء كثيرة معادلة الحصار الاقتصادي، بل وضِعَتْ أحزاب بيشاور في دائرة الاتهام، وأصبح التخلص من تأثيراتها السلبية على الجهاد مطلباً دينياً وقومياً لدى المقاتلين الأفغان. ولا يكاد برنامج إصلاحي لتعديل الانحرافات الحادثة إلا ويحتوي على محاولات لتخطي الصيغة الحزبية الكريهة. ** القواعد والطرق إنجازين هامين لجلال الدين حقاني أكسبت المجاهدين في باكتيا مزايا استراتيجية على العدو..

وكان تدمير تلك الإنجازات على رأس أولويات الحملة الأخيرة، كما أفاد بذلك عضوين من كبار ضباط (خاد) جهاز الاستخبارات الأفغانية. وقعا أسيرين في عمليات المجاهدين على مدينة خوست.وأكد ذلك أيضاً ضباط عاملين في الجيش الأفغاني انضموا إلى المجاهدين أثناء تلك العمليات أيضاً. أول تلك القواعد المستهدفة كانت قاعدة (جاور) . وهي القاعدة التي زارتها صحيفة الاتحاد وتحدثت عنها في تاريخ (8/8/85) وبدون ذكر اسم القاعدة. ولم يقتصر الأمر على ضباط الاستخبارات أو  ضباط الجيش بل أن رئيس الأركان الجنرال(شاه نواز تاناني) أثناء تواجده في خوست لقيادة العمليات أعلن بنفسه من إذاعة المدينة أنه سيشرب الشاي في قاعدة (جاور). وكان للجنرال سمعة عسكرية عالية فهو يحمل أوسمة التقدير من حكومة كابول وله خبرة واسعة في العمليات الكبيرة في هيرات وبانشير وكونار . وهي أهم الحملات في الحرب الأفغانية وكان للجنرال باع طويل فيها كرجل كفؤ وشجاع  ودموي أيضاً. والغريب أنه من مواليد ولاية باكتيا التي جاء لكي يقهرها ويخضعها للسوفييت.

جاور و (الجنة) :

كان لتصريح (شاه نواز) في الإذاعة وقع سيء على نفوس القبائل وأدرك جلال الدين خطورة الحرب النفسية التي يشنها السوفييت والحكومة عبر إذاعتي خوست وكابول. لجلال الدين محطة إذاعة في (جاور) فأطلق رده المشهورعلى تصريحات رئيس الأركان. قال جلال الدين للمجاهدين إن الشيوعيين لن يدخلوا مكانين هما (جاور) و (الجنة)!!. أحبطت كلمات العالم البارز والقائد العسكري المشهور الحرب النفسية للجنرال شاه نواز وحكومة كابول. وذلك قبل أن تُحْسَم المعركة فوق جبال خوست. ولقاعدة (جاور) عدة نماذج نشرها حقاني في بكتيا واختيرت مواقعها بعناية , بحيث يصعب التأثيرعليها بالقصف الجوي حيث أنها عبارة عن كهوف ضخمة في الجبال.كذلك فإن اقتحامها عملية تستدعي قوات أرضية كثيفة ومعارك طويلة باهظة التكلفة في الأرواح والمعدات بالنسبة للمهاجمين.

وفي نفس الوقت فإن إغضاء الطرف عنها يكلف القوات الحكومية والسوفييتية الكثير. فهذه القواعد تختزن كميات كبيرة من المؤن والذخائر إلى جانب الخدمات الأساسية للمجاهدين مثل الخدمات الطبية والتدريب والتعليم والخدمات الإدارية. ويتفرع عن القاعدة نشاط عسكري يغطي مساحات واسعة حولها. وأحياناً تقدم خدماتها إلى محافظات مجاورة مثل لوجار وغازني وباكتيكا. إذن من غير المعقول أن تخضع باكتيا قبل تدمير هذه القواعد واحتلالها. وفي مقدمة هذه القواعد كانت قاعدة (جاور) القريبة من الحدود الباكستانية جنوب خوست وأيضاً لأنها تحتوي على محطة إذاعة  يصل مداها إلى عمق أفغانستان.

الطرق .. والمفاجأة :

الطرق التي شقها المجاهدون كان لها تأثير جذري على سير المعارك. فقد ركز حقاني طوال سنوات ليس فقط على إنشاء القواعد الجبلية بل أيضاً في مد طرق جديدة بين الشعاب وبين القمم الجبلية بحيث تصلح لمرور الآليات. وبهذا أصبح في إمكان المجاهدين استخدام السيارات لنقل المؤن والعتاد حتى خطوط القتال القريبة من العدو وحتى قمم جبلية لم يكن يصلها في السابق غير البغال وبشق الأنفس. بل استطاع جلال الدين أن يفاجيء قوات الحكومة في موقع (ليجا) بأن تقدم بالدبابات لتظهر فجأة على يمين القوة في الوادي وتفتح نيرانها عليها فسبب ذلك إرباكاً ضخماً وتجمعت أكثر القوات المخصصة للدفاع عن خوست لتدافع عن (ليجاة) فإلتف رجال الدين برجاله من يمين القوات المتمركزة أمامه ليحتل مواقع في منتصف وادي خوست عند (لاغوراى) وخلف القوات المتمركزة ودمر عدة تجمعات للميليشيا وجنود الحكومة. وظلت القوات الحكومية في  خوست تعاني من هذه الضربة حيث تمكن جلال الدين من عزل المراكز والحصون الحكومية في الطرف الغربي من الوادي وأصبح يضرب كل محاولة لتموينها. وظل الوضع هكذا حتى تقدمت القوات الحكومية من (جارديز) لتفك الحصار حول (خوست) التي وصلها أكثر من عشرة آلاف جندي إضافي فاضطر جلال الدين إلى سحب قواته مرة أخرى إلى المرتفعات حتى لا يتعرض للحصار والإبادة في الوادي المكشوف. { الانسحاب من الوادي المكشوف والعودة إلى الجبل تفاديًا للحصار مناورة عسكرية استخدها حقاني مرة أخرى أثناء هجومة على مدينة جرديز في عام 1991ـ كما سنرى ذلك فيما بعد}. وكان طول فترة بقائه في الوادي قد تحصن داخل مجاري السيل الجافة. والتي كان عمق بعضها يبلغ مترين أو أكثر وحولها بسرعة إلى تحصينات طبيعية وحَفَرَ في جدرانها المغارات وحولها المجاهدون إلى كمائن حصينة لم تؤثر فيها غارات الطيران أو القصف الصاروخي الشديد الذي انصب عليها.

دبابة فوق الجبل:

لقد ساهمت تلك الطرق في تحقيق مفاجأة تكتيكية أخرى كانت حاسمة في الدفاع عن قاعدة جاور. فقد اهتزت صفوف المجاهدين بعد استشهاد القائد المشهور مولوي أحمد جول بقذيفة هاون أثناء دفاعه عن جبال منطقة ليجاه التي حاولت الحكومة احتلالها والتقدم عبرها إلى حصن جاور. وكان زخم الهجوم السوفييتي والحكومي على أشده في ذلك الوقت. واعتمد السوفييت على كثافة نيران هائلة تصبها المدفعية من خوست فوق قمم الجبال. وبعد إسكات مصادر نيران المجاهدين تتقدم موجات كثيفة من المشاة لتحتل قمم الجبال وتظل هكذا تدريجياً حتى تصل إلى الهدف المنشود وهو قاعدة جاور في هذه الحالة. وبعد استشهاد مولوى  أحمد جول، وهو من كبار مساعدي جلال الدين حقانى ومن أبرز قواده ، انهارت خطوط الدفاع عن ليجاه وتقهقر المجاهدون حتى قرب  جاوربينما تقدم المشاة فوق قمم الجبال حتى صارت قوات الحكومة على بعد خمسة كيلومترات فقط من  جاور .

عندها بادر  فتح الله حقاني  المساعد الأول لجلال الدين حقاني فأمر أحد الدبابات الموجودة في قاعدة  جاور فصعدت فوق أحد القمم العالية حول القاعدة عبر طريق كان قد مهده المجاهدون. وفاجأت الدبابة القوات الحكومية بوابل من القذائف ففر الجنود الحكوميين تاركين قمم الجبال ولم يتوقف انسحابهم حتى وصلوا إلى قواعدهم في الوادي. وأسرع فتح الله حقاني ليطهر الجبال من الألغام التي بثتها الحكومة ويعيد تركيز رجاله وأسلحته عليها.

{ سوف نرى فيما يلي كيف سارت المعركة إلى نهايتها المحتومة}.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 11




ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

 

 

–  طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا من تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك .

–  أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها من دول المنطقة . كما تولت الإمارة عمليا أكثر مهام الحكم داخل بلادها.

–  نظام كابول يعيش درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته لصالح صفقات تسوية لأوضاع كبار مسئوليه مع الإمارة الإسلامية .

–  فى أيام العيد جنود الجيش يحصلون من حركة طالبان على تصاريح لزيارة أهليهم في قراهم المحررة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

( ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا ) :

يقف الرئيس الأمريكى المخنث كى يعلن منح إسرائيل ما يشاء من أراضى العرب ومقدسات المسلمين من القدس إلى الجولان المحتل . وهو ماض فى رسم خرائط دول العرب ، والسطو على ثرواتهم وتقرير حاضرهم ، وما تبقى لهم من مستقبل .

هو يفعل ما يشاء فى جغرافيا العرب وتاريخهم ، ويعيد تشكيل عقائدهم بما يخدم إمبراطورية يهودية فى طور التشكيل ، أوشكت على الإنتهاء فى بلاد العرب بمقدساتها الثلاث .  وتتكلم قيادات إسرائيل عن إمبراطورية عالمية تنطلق وترتكز على إمبراطوريتهم العربية. مجال تلك الإمبراطورية يطال أفغانستان ، لتهدد منها الصين وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى .

الجهاد فى سبيل الله كان حبل النجاه الذى عصم به الله شعب أفغانستان من الضياع والإندثار بفعل قوة الكافرين وأعوانهم .

–  فشلت مكائد عملية التفاوض التى كان من أهمها مكيدة وضع السلاح ، والخضوع لنظام الحكم الإستعمارى فى كابول تحت شرعية دستور كتبه المحتلون ليضمن مصالحهم ويضعف الإسلام ويستبعده تماما من مجالات العمل. ويترك ثروات أفغانستان فى أيدى أمريكا وشركاتها الكبرى وبعض عملائها الصغار . ويتبقى الفقر والجهل والمرض من نصيب شعب أفغانستان ، ويكفيه المئات من وسائل الإعلام التى تسحق دينه وتقاليده بهدف تحويله إلى شعب آخر، قابل للإستعمار فاقد للقيم الدينية والإجتماعية .

– النظر إلى ما يجرى فى فلسطين يرشدنا إلى طريقة عمل العدو فى أفغانستان . فالولايات المتحدة التى تقاتل الشعب الأفغانى هى إسرائيل الكبرى التى تحمى وتساند اليهود فى إحتلال فلسطين وتشريد شعبها، ثم تمارس إذلال العرب ونهب ثرواتهم وتعيد رسم حدود الفصل بين أمتهم الواحدة ، وتجزئتهم إلى أكبر عدد من الكيانات الهزيلة التى لا تصلح لشئ إلا لخوض الصراعات العقيمة فيما بينها .

–  وكما فى أفغانستان ، تطالب الولايات المتحدة الفلسطينيين بترك السلاح . على أن يتولى الجيش الإسرائيلى حماية الشعب الفلسطينى فى مقابل أموال تدفعها له الدول العربية النفطية. وأن يتفاوض العرب مع إسرائيل حول مقدار تلك الجزية .( تفاوض للإتفاق على مقدار الجزية المدفوعة لليهود ، وليس مفاوضات حول جلائهم عن فلسطين).

تفرض أمريكا فى مقترحاتها ـ صفقة قرن أو قرن الصفقات ــ  على المجاهدين الفلسطينين تسليم أسلحتهم للسلطات المصرية (التى تشارك اليهود فى حصار غزة منذ سنوات ). وبدلا عن الجهاد بالسلاح ، سوف يحصل المجاهدون (منزوعى السلاح) على رواتب شهرية من دول النفط العربية (!!) .

ترامب يطلب من العرب أن يدفعوا أموال للجيش الإسرائيلى ثمنا لحمايته للفلسطينيين . ويطلب من المجاهدين الفلسطينيين وضع السلاح فى مقابل رواتب شهرية يدفعها لهم إخوانهم العرب!!. التنظيمات الجهادية الفلسطينية التى ترفض العرض الأمريكى ، سوف يكون قادتها عرضة للإغتيال { وحسب قول الأمريكيين فسوف تدعم الولايات المتحدة إسرائيل فى إلحاق الأذى الشخصى بقادة تنظيمى حماس والجهاد الإسلامى } . وذلك يتطابق مع الموقف الأمريكى من حركة طالبان وقيادتها السياسية والعسكرية . فعندما رفضوا إلقاء السلاح فى مقابل رشاوى مالية ، أعطت الولايات المتحدة أوامرها لأصحاب شركات المرتزقة كى يطلقوا كلابهم المسعورة خلف قادة الجهاد لإغتيال من تستطيع منهم .على أمل أن يغير ذلك من موقفهم العقائدى إزاء الجهاد ، وأن يلين موقفهم التفاوضى ، أو أن تأتى قيادات جديدة تكون أكثر ليونة وإستجابة لمطالب المحتلين .

فى ذلك غباء مطلق ، لأنه خلال فترة الجهاد الماضية تم إستبدال معظم قيادات الإمارة الإسلامية فى كافة مستويات العمل الجهادى ، بسبب الإستشهاد فى غالب الحالات . فماذا كانت النتيجة ؟؟، لقد كانت إكتساب المزيد من القوة والتصميم على مواصلة الجهاد .

– والآن أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها كأمر واقع، ورغم أنها لم تتول بعد مقاليد الحكم بشكل رسمى ، إلا أنها تولت عمليا الكثير جدا من صلاحيات الحكم داخل بلادها، حتى أن الكثير من كبار قادة النظام الحالى وكوادره الفاعلة قد عقدوا صفقات تسوية لأوضاعهم  لما بعد رحيل جيوش الإحتلال الأمريكى . أى أن نظام كابل يعيش حاليا درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته.

فى أيام العيد ــ وبشكل غير معلن ــ يحصل جنود الجيش على تصاريح من حركة طالبان لزيارة أهاليهم فى القرى المحررة.

والنتيجة هى أن ولاء الجنود ينتقل تدريجيا إلى حركة طالبان ، والكثير منهم يفضلون التعاون مع الحركة من داخل وحداتهم العسكرية ، إلى حد القيام بهجمات من الداخل ضد الخبراء الأجانب أو الضباط الذين تمادوا فى التعاون مع الإحتلال .

هذا بينما الولايات المتحدة إعترفت “بعدم قدرتها على كسب حرب أفغانستان” . وتقول ذلك تفاديا لذكر كلمة (هزيمة عسكرية) التى هى واقع حالها فى ذلك البلد الذى تنفق فيه ميزانية حرب مقدارها 45 مليار دولار سنويا .

 

 

أفغانستان بداية الشرق الأوسط الجديد :

كانت حرب أفغانستان هى طلقة البداية لحملة صليبية على العالم العربى ، لبناء(الشرق الأوسط الكبير أو الجديد)، وهو كبير لأنه تخطى العالم العربى ليصل إلى الأطراف الإسلامية من حوله ، والتى تشمل إيران وأفغانستان . كما كان من المفروض أن تتحول تركيا إلى جمهورية عسكرية بإنقلاب يجعلها دولة جنرالات يخدمون إسرائيل بشكل عنيف ومباشر كما هو حادث فى عدة بلدان عربية . حرب أمريكا على أفغانستان كانت خطوة أولى وكبيرة لتحويل البلاد العربية إلى شرق أوسط جديد ، تقوده إسرائيل التى تحميها القوات الأمريكية .

فشل أمريكا فى إخضاع أفغانستان جعل “الشرق الأوسط” غير مستقر ، فأمريكا قفزت إلى مركز الأحداث فى العالم العربى بينما بشائر هزيمتها فى أفغانستان واضحة .

طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك ، وقابل للإنهيار فى أى وقت ، خاصة إذا تذكر أكثر العرب أنهم معنيون بفريضته الجهاد ، وأنها لم ترفع عنهم ، ولن ترفع حتى قيام الساعة.

منذ غزو أفغانستان ، وأكثر نشاط أمريكا السياسى والعسكرى فى العالم هو من أجل التمهيد لإمبراطورية عالمية لليهود يديرونها من”القدس” .

وبالمثل فإن النشاط الأمريكى فى كل الشرق الأوسط كان لإعادة صياغة ذلك الشرق العربى وتحويله إلى شرق خاضع ليهود إسرائيل .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الضمانات :

الضمانات مجال آخر للتشابه الكبير بين السلوك الأمريكى فى مفاوضات أفغانستان ، وبين سلوك إسرائيل مع ضحاياها من العرب .

فأمريكا تطالب فى مقابل قبولها بالإنسحاب من أفغانستان ، أن تقدم لها الإمارة الإسلامية ضمانات بألا تستخدم الأراضى الأفغانية منطلقاً لأعمال تهدد أمن أمريكا أو أصدقائها . أى أن المحتل الذى دمر أفغانستان وقتل مئات الألوف من شعبها ، يطالب بضمانات لأمنه إذا إنسحب بعد أطول حرب عدوانية خاضها فى تاريخة .

من جهتها ، إسرائيل فى شرقها الأوسط الجديد تطالب ضحاياها بضمانات تزيل مخاوف شعبها بأنه غير معرض للتهديد(!!) . أى أن ضحايا إسرائيل مطالبون بضمان أمنها ، وبطمأنة سكانها ، وازالة مخاوف جيشها الذى هو الأقوى من جميع دول الشرق الأوسط ، وحتى أقوى من كل الدول التى على محيط ذلك الشرق الأوسط الوسيع .

وكما فى أفغانستان عملاء يطالبون بطمأنة المحتل المعتدى . هناك بين العرب من يرى حقا لإسرائيل أن يقدم لها العرب فروض الطاعة والخضوع تحت مسمى ضمانات الأمن. ليفتح جميع المجالات أمامها من الأمن إلى الإقتصاد إلى الثقافة ، إلى المقدسات الإسلامية التى ستصبح متاحة أمام الإسرائيليين ـ كخطوة أولى ـ وبعدها تصبح ملكا خاصاً لإسرائيل ، تديرها كما تشاء وفق مصالحها السياسية وعقائدها ـ كما يحدث الآن فى المسجد الأقصى ، المرشح للإزالة والبناء فوق إنقاضه هيكل هو من أوهام نصوصهم “الدينية ” المزيفة.

ومكة المكرمة يدفعونها بالتدريج صوب الإستغلال السياسى لقيمتها الدينية والمعنوية ، لتكون منصة للدعوة إلى التطبيع مع المستعمرين اليهود وليس الجهاد لطردهم من أراضى المقدسات الإسلامية ، ومن جميع أراضى المسلمين التى يعيثون فيها فساداً .

–  بلادنا ومقدساتنا لن يحميها المستعمر ، من أن يقف رقيع مثل ترامب ليقول أنه (فقد عجيزته وهو يدافع عن الملك !!) . فيضحك ومن خلفه جمهور تزداد نشوته كلما تدفقت الإهانات من فم السفيه ترامب وهو يكيل التحقير لأذلاء يعتقدون أنهم يمثلون الإسلام الذى يكرهه ترامب ، خاصة عندما يقول فى ليونة رقيعة ( أنا أحب الملك !!) .

– ويقف وزير عربى يتمطى قائلا أن على الدول العربية أن تطمئن إسرائيل على مستقبلها ، وأن تبدد مخاوفها . ثم يسعى زملاؤه لإقناع الإمارة الإسلامية خلال معركة التفاوض أن تمنح المعتدى المحتل ما يحتاجه من ضمانات بعدم إعتدائها عليه مستقبلا . وكأن الإمارة هى التى إعتدت عليه فى البداية .

يطلبون ومن الإمارة الإسلامية العمل فى أفغانستان ، ليس وفقاً للشريعة الإسلامية ـ بل وفق الدستور الذى وضعه خبراء جيش الإحتلال ، فيما يشبه وضع العراق الذى يسير الحكم فيه وفق دستور جعل من العراق بلدا لا قرار سياسى له ، ولا إستقرار فيه ولا إجتماع حول أى شئ . وفى فلسطين نرى دستور الحكم الذى وضعة الإحتلال يجعل من العرب المقيمين هناك لا يتمتعون بحق المواطنة المنحصر فى اليهود فقط ، بإعتبار إسرائيل وطن قومى لهم دون غيرهم . تلك هى دساتيرهم لحكمنا ، فلا خير فيها عاجلا أو آجلا .

وفق صفقة أمريكا لهذا القرن فإنها تطلب من الشعب الفلسطيني بالتنازل عن أرضه ومقدساته  وكامل حقوقه ، فى مقابل مكافئات سخية يدفعها له أثرياء العرب”!!” لإنعاش إقتصاد الشعب الممزق والضائع . إنها صفقة لبيع أقدس البلاد فى مقابل أنجس الأموال .

–  فى أفغانستان فإن الضمانات الحقيقية المطلوبة هى ضمانات يقدمها المحتل الأمريكى بألا يكرر حماقته بالعدوان على أفغانستان مرة أخرى . وأن يقدم إلى جانب الإعتذار الرسمى تعويضات حرب عما لحق بالشعب الأفغانى من أضرار .

عندها  يمكن أن يحصل المحتل على ضمان من الإمارة الإسلامية بتركه ينسحب بأمان ، وفق جدول زمنى متفق عليه . فلا أحد يمكنه ضمان سلامة قوات الإحتلال أثناء فرارها من أفغانستان بدون إتفاق مسبق .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 10 )

– مولوى حقانى يرسلنا لإستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار .

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضا واستهتاراً .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات فى أفغانستان.

– بدلا من أجازة العيد حقانى يرسلنا فى داورية للتصدى لقوة عسكرية زاحفة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الإهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية إستطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار .

قال: تتحركون صباحاً مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكاناً مناسباَ نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضاً فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون إلتفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق ، فيما عدا حقاني الذي إهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، وإختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد إستغرقنا خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخاً تاريخياً) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان،وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب . فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة إنتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التى كانت قد تهاوت تقريبا ).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار) . كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقانى/ هو الذي إفتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين

 هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب فى مدرسة حقانى :

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين  أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان . وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقانى كان عملهم منتجا ومفيدا ، لأن حقانى وظفهم ضمن إستراتيجية عمله التى كانت دوما مدروسة وفعالة . وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا ، وقد تمكن حقانى بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل . وأفضل نتائج العرب فى جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقانى ضمن مشروعه العسكرى ، كما حدث معنا ، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردنى فيما يلى من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرا لثباتهم فى العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من(البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل ، مع الإنفعال الحماسى وفقدان الرؤية المتزنة .

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين كما حدث في بعض الحالات أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان كما حدث في معظم الحالات. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار هذا العمل. سواءفي المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام 1991 حين فتحت المدينة.

ذكرت فى تقرير صحفى ، نشَرَتْهُ صحيفة الإتحاد الظبيانية ، رحلتنا الإستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص . وكما ذكرت سابقا فكلاهما إستشهد فى أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتى والآخر فى الغزو الأمريكى. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات :

 لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا إستعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الإستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة إستطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الإستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيراً من مواقع العدو وإحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف ) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي إستطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاة)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف إستطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في إتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في إحتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة.إتخذوا قرارهم بالمناوشة والإنسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد إستدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديداً وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة.في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد إنتهت رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد إختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا إهتماماً كبيراً وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

 بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وإرتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بإرتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الإستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم و إحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما..إختفى القومندان بين شجيرات الجبل ، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشئ المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدا وتهورا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أى أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة : (لقد إستشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله ، ولا يبالى إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل . ولكن للأسف لم تكن الأحداث فى معظم الأحوال تترك لنا مجالا للإختيار} .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

البيان الأخير :  

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1- تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح

جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.  3- تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4- إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5- إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة. 6- إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها إرتفاعاً وتحصيناً. لهذا إرتبط جبل تورغار بسلامة المطار وإرتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي إتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان إستيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقانى بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتى تجلت فى حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

إلتحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم إسمه(عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته ، و كان لنا إستقلالية في العمل ولكن مع إرتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا إستلام شئ منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية .

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وإنضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للإستيلاء على جبل تورغار،حين إنفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فإنفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م :

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. إعتبرت ما حدث  هو عملية (إقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدرممكن من الرحلات الجوية.وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( إقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985 :

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث إحتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاءالجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لإقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمرحقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيده جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي إستمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الإنتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة إنتحارية مع القوات الشيوعية.ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا  مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست.خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسيرفي منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام وإحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثرمما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتى متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو فى نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة..إنشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءاً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الإستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة..إلتقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً إنسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار.لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فإضطررنا للمبيت في ميرانشاة. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الإبتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال أنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الإنتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الإتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى 10

 




فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها

والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى

 

– لماذا تحول “خليل زاد” من حمامة سلام إلى ذئب أجرب؟؟.

– مبدأ أمريكا فى جميع مفاوضاتها حول العالم : ” كل شئ لنا .. ولا شئ لكم” .

– مجموعات من المرتزقة الدوليين تتحرك لتنفيذ برنامج إغتيالات ، ضمن قائمة تضم من 20 إلى 30 إسما لقيادات فى جهاد أفغاستان .

– الصياد الأفريقى والقرد ، تجربة تتكرر فى أفغانستان .

– القوة التسليحية ، مع التفسخ الأخلاقى ، يجعلان من الجيش الأمريكى الخطر الأول على أمريكا والعالم .

– تغير المناخ السياسى ، الإقليمى والعالمى ، يوفر إمكانية لإنطلاق رحب للعمل السياسى لحركة طالبان ، بعيدا عن ذلك المُعْتَقل المُكَيَّفْ والمُهَدَد سياسيا وأمنيا .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

المفاوض الأمريكى زلماى خليل زاد ، فى مفاوضات الدوحة الأخيرة ، خلع ثوب الخروف وظهر على حقيقته كذئب أجرب من قطيع المحافظين الجدد و صهاينة أمريكا .

كشف المفاوض الأجرب عن أن هدفه الحقيقى ليس الإنسحاب من أفغانستان ، حين قال أنه يتفاوض فقط من أجل (إحلال السلام بين الأفغان!!) . وذلك ليس مستغربا من الرجل الذى كان مُحَرِّضاً ومهندسا لعملية غزو أفغانستان من أجل تمرير خطوط أنابيب الطاقة من آسيا الوسطى. والآن هو فى الدوحة مفاوضا لأجل السلام بين الأفغان وليس لإنهاء الحرب والإنسحاب بعد أطول حرب فاشلة ورط فيها أمريكا.

من الصعب العثور على توصيف لموقف المفاوض الأمريكى : فهل هو صفاقة أم وقاحة ، أم مقامرة جنونية ، أم دفاع أخير عن الوجود الأمريكى نفسه الذى يهدده الإنسحاب من أفغانستان بخسارة مواردها المالية الفلكية ؟؟ .

–  من ناحية المبدأ فإن التفاوض مع أمريكا هو مضيعة للوقت وإضعاف للهمم وتفريق للصفوف . فحتى لو تم التوصل إلى أفضل النتائج من تلك المفاوضات ، فالمعروف أن أمريكا لا تلتزم بأى إتفاق مهما كان مُوَثّقاً . فقد فسخ ترامب جميع المواثيق التى سبق وأن عقدها أسلافة ـ سواء المواثيق مع الحلفاء أو الأصدقاء أو الأعداء . وفرض ما شاء من عقوبات على من يشاء بدون التقيد بقوانين أو معايير دولية.

فما فائدة التفاوض مع ذلك البلد مهما كانت نتائج التفاوض ؟؟ . ألم يعلنوا خروجهم من العراق رغم إحتفاظهم بعشرات القواعد العسكرية؟ . ثم عادوا إليه مرة أخرى ، بحجة محاربة تنظيم داعش الذى تديره المخابرات الأمريكية ويعمل ضمن تشكيلات الجيش الأمريكى وضمن الإستراتيجية الدولية لذلك البلد؟. ثم بكل وقاحة يطالب وزير خارجية أمريكا الحكومة العراقية بضمان أمن القوات الأمريكية فى العراق !!.

إذاً ، حتى لو إنسحب الأمريكيون من أفغانستان ، فلا توجد ضمانة تمنع عودتهم مرة أخرى تحت أى ذريعة مفتعلة. ونراهم حاليا يحشدون الدواعش فى أفغانستان وينقلونهم من تركيا عبر عدة مسالك يشرفون عليها . حتى صار لداعش تواجدا يحسب حسابه فى محافظات كونر وننجرهار وبعض محافظات الشمال الأفغانى .

لقد تصور البعض أن أمريكا تحولت فى أفغانستان إلى حمامة سلام ، بعد أن أنفقت فى حربها هناك أكثر من ألفى مليار دولار . وقتلت أكثر من مليون أفغانى (رغم الإحصاءات الأمريكية المزورة) . وليس ما أوضحه خليل زاد شيئا مفاجئا لأن المبدأ الثابت فى المفاوضات الأمريكية مع جميع الأطراف الأخرى هو (كل شئ لنا .. ولا شئ لكم).

 فالعرض الأمريكى للمفاوض الأفغانى هو: التخلى عن سلاحه بشكل دائم ، والدخول فى تقاسم للسلطة مع حكومة العملاء فى كابول . فى مقابل بقاء أمريكا فى أفغانستان لتستنزف ثروات ذلك البلد حتى الرمق الأخير.

وكأن الشعب الأفغانى جاهد لمدة 18 عاما ضد جيوش الإحتلال الأمريكى و48 دولة أخرى ، فقط لأجل تقاسم السلطة مع العملاء ، وبقاء الإحتلال إلى الأبد !! .( أى أن ملخص الصفقة هو بيع الوطن .. فى مقابل رشوة مالية وسياسية).

ونظرة سريعة إلى أهم عمليات التفاوض التى تجريها أمريكا مع أطراف أخرى نجد :

مع إيران : يطلبون منها التخلص من برنامجها النووى والصاروخى ، ثم القبول التام بصفقة القرن وسيطرة إسرائيل على بلاد العرب ، وإنهاء كامل لقضية فلسطين ، بل وحتى لإسم فلسطين نفسه . والمقابل الذى ستحصل عليه إيران هو رفع العقوبات الإقتصادية التى فرضتها أمريكا عليها. (أى أن ملخص الصفقة هو الإستسلام التام .. فى مقابل الطعام).

مع الفلسطينيين : يطلبون منهم التنازل التام عن فلسطين ، وحقوق الفلسطينيين . والمقابل عدة مليارات من الدولارات تدفعها دول النفط العربية لبناء مشاريع إقتصادية يعمل فيها الفلسطينيون . أى يحصل اليهود على كل فلسطين فى مقابل أن يحصل الفلسطينيون على مشاريع تنمية يدفع تكلفتها عرب النفط ، وتلك هى صفقة القرن !!.

فيالها من صفقة وياله من قرن!! .. فلسطين كاملة لليهود بدون أن يدفعوا فلساً واحداً ثمناً للأرض المقدسة ، بل العرب يدفعون !! .(أى أن ملخص الصفقة هو بيع الوطن .. فى مقابل الطعام) .

مع كوريا الشمالية : يعرضون عليها تفكيك برنامجها النووى وتوقف تجاربها الصاروخية فى مقابل وعود إقتصادية غير ملزمة وتهدئة عسكرية ، مع بقاء العقوبات الإقتصادية كاملة،( أى إستسلام بدون قيد أو شرط .. فى مقابل لا شئ!!).

* لهذا ليس مفاجئا أن يظهر خليل زاد بجلده الحقيقى ، جلد الذئب الأجرب . ولكن هناك تخطيط سرى يراهن عليه “زلماى”، لهذا يبدو واثقا وهجوميا على عكس ما كان عليه حاله المذرى منذ البداية وحتى الجولة قبل الأخيرة .

 

ذلك التخطيط محصورة فى شيئين فقط هما :

1 ـ الرهان على نجاح برنامج إغتيالات مدروس بعناية .

2 ـ حدوث إنشقاق فى حركة طالبان . نتيجة لنجاح برنامج الإغتيالات ،الذى يسانده برنامج رشاوى كثيفة بإستخدام دولارات النفط العربى والهيروين الأمريكى .

وفى الوقت الراهن يبدو برنامج الإغتيالات هو الخطر الأكثر جدية والذى له دور كبير فى الموقف المتنمر والهجومى لزلماى خليل زاد .

– أخبار متواترة ، وشواهد عديدة ، تدل على أن الإحتلال الأمريكى طلب من إدارة شركات المرتزقة العاملة معه فى أفغانستان أن تتحرك فعليا لتنفيذ برنامج إغتيالات ضد حركة طالبان . وقد تحركت مجموعات التنفيذ بالفعل صوب أهدافها التى تغطى أسماء من 20 إلى 30 شخصا حددهم الإحتلال الأمريكى.

خمسة فئات يستهدفها برنامج الإغتيالات وهم :

1 ـ قيادات عليا فى الإمارة الإسلامية .

2  ـ قيادات عسكرية ميدانية مؤثرة .

3 ـ قيادات فى الجهاز السياسي والتفاوضي للإمارة .

4 ـ قيادات إعلامية فى الإمارة .

5 ـ متعاطفين ومتعاونين مع الإمارة وحركة طالبان ، فى أماكن متفرقة خارج أفغانستان .

يتوقع العدو الأمريكى أن نجاح ذلك البرنامج بقدر معقول سوف يضعف الموقف التفاوضى للإمارة الإسلامية . وقد يؤدى إلى حدوث إنشقاق فى الحركة ، أو ظهور تيار معارض لها بمساعدة أمريكية ، فتتحرك عملية التسوية “والسلام !!” حسب الرؤية الأمريكية ـ مع بقاء الإحتلال كقوة تحفظ السلام والتوازن بين الأفغان ، وتحمى البلد من إرهاب داعش (!!!) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

الصياد الأفغانى والقرد الأمريكى :

أمريكا لن تُفْلِت أفغانستان من يدها طواعية . يحدوها فى ذلك الطمع الغبى الذى يتعدى القدرات الفعلية للمعتدى ، فتكون عاقبته السقوط وضياع كل شئ حتى حياته نفسها . كما يحدث فى صيد القرود لدى بعض القبائل الأفريقية .

إذ يقذفون إلى القرد علبة معدنية بها قطع من الحلوى فيدخل القرد يده فى ثقب ضيق من العلبة حتى يقبض على قطعة حلوى . فيقوم الصياد بسحب العلبة بواسطة حبل مثبت فى قاعدتها . ولا يفكر القرد مطلقا فى ترك قطعة الحلوى لتحرير يده وينجو من المصيدة . فيقع القرد فى يد الصياد الأفريقى .

تتكرر القصة الآن أفغانستان بين الصياد الأفغانى والقرد الأمريكى .

فالقرد الأمريكى لن يترك قطع الحلوى الأفغانية ولو كلفه ذلك قطع يده أو فقدان حياته . والخيار الآن بيد الصياد الأفغانى ، فأوراق القوة التى فى يده أكثر وأبعد أثرا من الأوراق التى يمتلكها القرد الأمريكى ، أى الإحتلال .

يطول الحديث عن الإرتداد السلبى الذى عاد على الولايات المتحدة نتيجة سياساتها الرعناء والعدوانية على إمتداد العالم كله . فقد بدأ خسران يتوسع مداه وقد ينتهى بعزلة أمريكا دوليا وفقدان سطوتها المالية وهيمنة الدولارعلى عملات العالم، بما يمكنها من إستخدامه لتأديب العالم بعقوبات غاشمة .

تحت الضغوط الأمريكية لن تكسب أمريكا، بل سوف تخسر على المدى القريب والمتوسط . إذ بدأت تتشكل ملامح إقتصاد دولى جديد ، ونظام عالمى . وكلاهما يتركز على آسيا ، والصين تحديدا، ومعها روسيا والهند وإيران .

 

الجيش الأمريكى .. عدو بِلادِه :

العدو المباشر والأساسى الذى تصدى له الشعب الأفغانى ومجاهدو حركة طالبان هو الجيش الأمريكى . الذى أوضح علانية أنه عاجز عن الإنتصار عسكريا على حركة طالبان . بل وعاجز حتى عن وقف إندفاع الحركة وتمددها على الأرض الأفغانية ، أو منع تسللها إلى أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والإدارية ، حتى صارت الحركة هى السلطة الحاكمة فعليا فى أفغانستان وذلك بإعتراف الجميع . لقد شهدوا أن الحركة تمتلك مفاتيح الإستقرار والأمن فى أفغانستان ، وأنها المستقبل القادم لهذا البلد .

الجيش الأمريكى يعانى من الشيخوخه الناجمة من فرط النشاط الإستعمارى وتبعاته على التماسك الأخلاقى والنفسى للجيش . حتى صارت القدرات التدميرية الهائلة التى يمتلكها تمثل عبئا على الدولة بدلا من أن تكون ميزة لها .

فالتحقيقات دائرة فى البنتاجون حول تبديد ترليونات الدولارات غير المعروف وجهتها . ناهيك عن الإسراف فى الانفاق على المؤسسة العسكرية الذى ساههم فى تسريع الإنحدار نحو إفلاس الدولة . فميزانية البنتاجون تناهز740 مليار دولار سنويا، ومازال ينادى هل من مزيد.

والدولة تغرق فى الديون بسبب فساد المسئولين وتدنى كفاءتهم مع جشع المجمع الصناعى العسكرى . والجيش لا يكتفى بتبديد أموال الدولة على شراء وتطوير المعدات العسكرية ، بل ينفق على المشتريات غير العسكرية بجنون ينبئ عن فساد متبجح . وتقدم دراسة أعدتها منظمة أمريكية عن أرقام طريفة تقول أن الجيش أشترى كرسيا واحدا بقيمة 924 دولار، وطاقم خزفى للطعام بقيمة 53000 دولار ، وبعض الخمور بمبلغ 308000 دولار . وبعض مأكولات بحرية بقيمة 4,6 مليون دولار . وتخلص الدراسة إلى نتيجة تقول بأن الحكومة تنفق مبالغ أكثر بكثير من مواردها لذلك تضطر دوما إلى الإقتراض من الدول الأخرى . فتخطت ديونها الخارجية مبلغ 20 ترليون دولار لتكون أكبر دولة مدينة فى العالم وعبر التاريخ.

( إحصاء طريف آخر أجرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، جاء فيه أن ترامب أدلى بعشرة آلاف تصريح كاذب خلال 800 يوم له فى الحكم، فهو الآخر مسرف فى الأكاذيب ) .

ذلك الجيش الأمريكى البازخ هو أحد أسباب إنحطاط دولته وإنكسارها . وتجلى ذلك فى أفغانستان بعجزه عن هزيمة حركة جهادية شعبية تقاتل بقواها الذاتية ، فى ظروف الحصار الخانق معظم فترة 18 عاما الماضية . وتجلى إنحطاط ذلك الجيش أخلاقيا إلى جانب إنحطاطه العسكرى فى جرائم التنكيل بالمدنيين والبطش بالأسرى ، والترفيه عن الجنود بجرائم قتل غير مبررة . بما يكشف عن أمراص نفسية متأصلة بين أفراد وقيادات ذلك الجيش . ثم هناك الجرائم الأخلاقية داخل صفوف الجيش الأمريكى فى أفغانستان وخارجها . ومن أكبر شواهدها التعديات الجنسية التى زادت بنسبة 38% خلال العام الماضى . فأكثر من 20,000 من عناصر الجيش الأمريكى قالوا أنهم تعرضوا لإعتداء جنسى . وساهم فى زيادة الإعتداءات تنامى إدماج المرأة فى وحدات القتال البرية ، وأن النساء اللاتى تتراوح أعمارهن ما بين 17 ، 20 عاما كن الأكثر تعرضاً للإعتداءات الجنسية من زملائهن الرجال .

لن نتحدث هنا عن الإنهيار الأخلاقى لجيش جعل من  تصنيع الهيرويين وتوزيعه حول العالم ، أهم موارده الإقتصادية على الإطلاق ، والتى تصب فى النظام البنكى الأمريكى والشبكة الدولية المرتبطة به من البنوك والمصارف.

ذلك الجيش الأمريكى، بتسليحة المتقدم مع تحلله الأخلاقى، يشكل خطرا على دولته وينخر فى عظامها مهدداً بنيانها بالإنهيار، كما يجعله أكبر خطر على العالم وسلامته .

 

تغير المناخ السياسى ، لصالح طالبان :

وذلك من أكبر التطورات الإيجابية فى صالح الشعب الأفغانى وحركة طالبان الجهادية . دول الإقليم جميعها تشعر بخطورة وجود السرطان الأمريكى فى المنطقة. وجميعها تتعرض لعقوبات أمريكية مباشرة ، أوغير مباشرة فى حالة عدم إلتزامها بقوانين العقوبات الأمريكية الصادرة بحق دول أخرى . هذا إضافة إلى خطر صناعتة للهيروين وترويجه إقليميا ودوليا ، وهى الصناعة الأهم بالنسبة للإحتلال الأمريكى . يضاف إلى ذلك شكوك بتحويله قاعدة بجرام إلى قاعدة نووية للصواريخ قصيرة المدى ، إلى جانب دورها الدولى الرائد فى تصنيع الهيروين ومُرَكّباتِه المختلفة .

فى هذا المناخ المواتى إقليميا ودوليا جاء دور العمل السياسى لحركة طالبان كى ينطلق فى مجالات فسيحة متخلصاً من سجن ذلك المعتقل الذهبى المكيف ، والمُسْتَهْدَف بالمؤامرات السياسية و المخاطر الأمنية على كبار ساكنيه .

يجب تثبيت العلاقات المستقبلية مع دول الإقليم ، إقتصاديا وسياسيا ، وفقا لمصالح شعب أفغانستان ورفاهيته وسلامة واستقرار الأقليم كله .

والإنطلاق دوليا إلى ما هو ممكن حاليا ، بإعتبار أهمية الدور الإستراتيجى والسياسى الذى سوف تضطلع به أفغانستان بعد التحرير، لصالح آسيا والعالم .

– يجب إشراك الإقليم كله فى مجهود جماعى ، لإخراج الإحتلال الأمريكى من المجال الأفغانى . وعلى سياسة الإمارة أن تدفع دول الإقليم إلى خارج موقفهم السلبى الحالى . فذلك الموقف سيعرض تلك الدول لأشد الأخطار، إذ يستفيد منه الإحتلال لتمديد بقائه فى أفغانستان .

فجميع الحجج التافهة التى يسوقها العدو لتبرير إستمرار عدوانه ، يدرك الجميع أنها كاذبة ولاتنطلى على أحد . لذا يجب الخروج من السلبية الإقليمية إلى مجال العمل الجماعى لإخراج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان بشتى السبل الممكنة والمتاحة . لأن أفغانستان إن لم تتحرر بالكامل فلن تقوم لآسيا قائمة ، وستكون إنجازات دولها مجرد مكاسب عابرة ، لا تؤدى إلى تقدم حقيقى فى أوضاع القارة والعالم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فرق الإغتيالات تتحرك صوب أهدافها والقرد الأمريكى يقع فى الفخ الأفغانى