الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة  الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م .

31-12-2020

 

الإمارة الإسلامية :

لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟.

 

– الإمارة مطلب وجودي لشعب أفغانستان، وأهمية استراتيجية لدول الجوار، وضرورة إنقاذ للأمة الإسلامية.

– تضع الإمارة اقتصاد البلاد فى خدمة مواطنيها. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تفعل ما تشاء في أمورهم، بدون رضاهم ولا اختيارهم.

– بالإمكانات الاقتصادية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان واقتصاد قائم على زراعة قوية تحقق الاكتفاء الذاتي للمواطنين، وصناعة تلبي احتياجات البناء لدولة حديثة.

–  بالمشاريع المشتركة مع دول الجوار والمنطقة، وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية، فإن إجراءات الحصار والعقوبات لن تجدي نفعًا.

– الشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. والقادة العملاء المغامرون مصيرهم الفناء، مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

ضاقت صدور الأمريكان كثيراً باسم “الإمارة الإسلامية” وطالبوا بتغييره قبل البداية فى مفاوضات الجلاء، المعروفة خطأ “بمفاوضات السلام”، وطالبوا مع أصدقاء لهم أن تُغَيِّرالإمارة اسمها، بحجة أن ما يسمى بالمجتمع الدولي لا يروق له اسم”الإمارة الإسلامية”وأن لقب جمهورية ملائم أكثر، لأنه يجعل الاندماج بين مجاهدي الإمارة الإسلامية وبين مرتدي ومنافقي نظام كابول أكثر سلاسة، ضمن دولة عصرية يرضى عنها المجتمع الدولي، أي أمريكا. فتعيش أفغانستان بلا مقاطعة اقتصادية، أوعقوبات اقتصادية ومنع من السفر، أو مطالبات قضائية بتعويضات عن حوادث إرهابية لا دخل للإمارة بها، أو دواعش يضربون الاستقرار الداخلي.

– يمكن أن تسمح أمريكا بوجود كلمة الإسلام ضمن اسم الجمهورية ، كبديل عن تطبيق الشريعة . فهكذا فعلت مع العديد من الدول التي أصبحت إسلامية بأسهل السبل وبدون أن يغضب منها لا المجتمع الدولي ولا أمريكا ولا “ناتو”، ولا دول”إسلامية” صديقة أو شقيقة .

– المشكلة ليست في صفة ” إسلامي” بل فى حقيقة التطبيق الإسلامى، وإعادة الحياة إلى قوانين الإسلام في المجتمع بكافة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية . بمعنى أن تضع الإمارة اقتصاد البلاد في خدمة مواطنيها، وخدمة المؤسسات  التي تحمي المجتمع وتقوم بتطويره. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تغتصب المال وتستبد بالسلطة، تفعل ما تشاء في أمور المسلمين بدون رضاهم ولا اختيارهم.

ومعلوم أن الاقتصاد هو السلاح الأكثر فعالية في يد المستعمرين لإخضاع الدول والسيطرة عليها. حتى أن الحرب هي في الغالب مجرد وسيلة للسيطرة على اقتصاد الخصوم واستخدامه في كسر إرادتهم وفرض أي شيء عليهم، حتى ولو ضد معتقداتهم ومواريثهم الاجتماعية.

– بعد تجربة الاحتلال المريرة يدرك شعب أفغانستان معنى سيطرة العدو على اقتصاد البلد وثرواته. وشراء طبقة من الفاسدين يساندونه في إحكام قبضته على البلاد والعباد في مقابل رشاوى مالية ومناصب فارغة، حيث أن السلطة الحقيقية كلها في يد المحتلين.

 فيحتكر العدو ثروة البلاد، ويرمي بالفتات للخونة المتعاونين معه. ويتبقى للشعب العَوَز والفقر الذي هو توأم الكفر ومنشأ كل رذيلة. لهذا فإن إفقار الشعوب هو هدف يسعى إليه المحتل كما يسعى إليه الحاكم المستبد، لإفساد الشعب وتدمير الأخلاق لتسهل السيطرة عليه، وتحريك من يشاء كيفما يشاء، مستغلا حاجة الفقير إلى أبسط ضرورات الحياة. هذا بينما تحتكر قلة من الناس معظم الثروات، ويستأثرون بسلطة الحكم ومؤسساته الإدارية والمسلحة.

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لشعب أفغانستان :

   إن عودة الإسلام الحقيقي إلى الحكم في أفغانستان هو ضرورة حياة وضرورة بقاء لشعب أفغانستان حاضراً ومستقبلاً. لإنقاذه مما يعانيه على يد الاحتلال وأعوانه، وإنقاذ الأجيال القادمة من أهوال النشأة في ظلمات الحرب على الدين التي تشنها جيوش الكفر.

شعور الشعب الأفغاني بحاجته إلى الإمارة الإسلامية وحكمها العادل كان حافزًا للوقوف خلفها كقيادة للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي. وذلك هو العنصر المادي الحاسم في موضوع الانتصار، قبل أي عنصر آخر من مستلزمات الجهاد وتجهيزاته ووسائله. فالحرب عموما هي نشاط اجتماعي تكسبه الشعوب قبل أن تكسبه الجيوش. والمجتمع المنتصر هو الشعب صاحب العقيدة الذي يمتلك قيادة لها مميزات الإيمان والكفاءة والإخلاص.

– إعادة “الإمارة الإسلامية”، هو هدف لجهاد الشعب الأفغاني، وضرورة وجود لهذا الشعب . وهي جائزة الإخلاص لهذا الجهاد. ولن تتوقف على رضا أو موافقة أي طرف ـ خاصة الطرف المعتدي ـ الذي يريد أن يفرض على الأفغان الطريقة التي يستمر بها في السيطرة عليهم بعد رحيل جيوشه وبقاء عملائه في مواقعهم.

 

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لدول الجوار الإقليمي:

أعلنت الإمارة الإسلامية عن خطتها في السياسة الخارجية، سواء لدول الجوار أو دول العالم . وأنها ترغب في علاقات متكافئة وسلمية، وتبادل للمصالح بشكل عادل الجميع.

وتشكل العلاقة مع الدول المجاورة لأفغانستان أولوية خاصة، نظرًا للترابط الشديد في التركيبات العرقية والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة التي تحتاج إلى تعامل متوازن وعادل طبقا للمبادئ الشريعة الإسلامية، حيث جميع جيران أفغانستان هم من المسلمين. وحتى الصين الشعبية التي لا تدين بالإسلام فإن الجار الملاصق منها لأفغانستان هم المسلمين الإيغور الذين تقتضي مصالحهم ومستقبلهم تعاوناً مرناً وبعيد النظر بين البلدين. ينطبق نفس القول على مسلمي روسيا الاتحادية والهند فعلاقات أفغانستان مع تلك الدول إذا كانت قائمة على أسس صحيحة فإن مسلمي المنطقة جميعا سوف تعاد صياغة علاقاتهم بدولهم، ليعود المسلمون مرة أخرى ليمثلوا ضمير آسيا وأنشط عناصرها العلمية والثقافية والاقتصادية، بعد أن يتحرروا من الصورة البشعة الذي حصرهم فيها العدو الأمريكي الإسرائيلي بتصوير الإسلام على أنه خطر على الإنسانية وليس منقذا لها، ويصور المسلمين وكأنهم سفاكوا دماء وليسوا دعاة لرسالة دينية مقدسة جاءت لخير البشر جميعا وسعادتهم.

    وبقدر قوة الإمارة الإسلامية ونهضتها داخليا، ومع نشاط علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة في مجالات الاقتصاد، فسوف ينعكس ذلك إيجابيا على أوضاع مسلمي المنطقة، فيندمج الكثير منهم في العلاقات التي تربط الإمارة بأوطانهم، خاصة في مجالات التبادل الاقتصادي، بما يتيح لهم فرصة للحركة الواسعة والتفاعل الثقافي والديني مع الإمارة .

    علاقة الإمارة مع الجوار ستكون ضمانة لتنمية اقتصادية وإعادة الإعمارعلى أسس التكافؤ والتعامل الاقتصادي العادل، بعيدا عن الاستغلال والنهب الاستعماري الغربي، وطريقاً لخلق سوق إقليمي كبير يستغني عن عملة الدولار التي أذل الأمريكيون بها العالم، وبعيداً عن قنوات البنوك الدولية الربوية التي سيطر بها اليهود على شعوب العالم. سوق قائم على التعامل بالعملات المحلية، أو بعملة موحدة مستقبلا، مع اعتماد مبدأ مقايضة السلع بدون استخدام العملات، وهو نظام قائم حاليا بشكل جزئي بين بعض الدول الهامة في المنطقة.

بثرواتها الطبيعية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان من جديد، وتبني اقتصادا قائما على زراعة تحقق الاكتفاء الذاتي لاحتياجات المواطنين، وصناعة تلبي احتياجات بناء دولة حديثة ومتطورة. وبالمشاريع المشتركة مع دول المنطقة وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية فإن إجراءات الحصار والعقوبات ضد الإمارة لن تجدي نفعا.

إن علاقة أفغانستان مع دول الجوار لها أهمية استراتيجية لجميع شعوب المنطقة، لتنميتها واستقرارها بعيدًا عن النزاعات الداخلية أو التدخلات الاستعمارية الخارجية.

وفي المستقبل قد تتوصل دول المنطقة إلى إنشاء مؤسسات تشرف على الشؤون العامة المتعلقة بالاقتصاد والنزاعات والمشكلات المستجدة ، كبديل عن المؤسسات الدولية الحالية التي أثبتت فشلها على الدوام وتحوّلها إلى أداة في يد أمريكا بشكل خاص والدول الاستعمارية عامة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

” الإمارة الإسلامية” ضرورة للعالم الإسلامي:

لا يقل احتياج العالم الإسلامي عن احتياج شعب أفغانستان لقيام”الإمارة الإسلامية”. فحالة تراجع المسلمين شاملة، سواء الحالة الدينية أو الأحوال السياسية والمعيشية. وتقترب معنويات شباب المسلمين من اليأس الناتج عن حالة الانهيار.

عودة الإمارة وإعادة حكم الإسلام إلى أفغانستان يمثل انبعاثا حقيقيا للأمل في الشرايين المتيبسة للأمة الإسلامية. فعودة الإمارة لن تكون عادية، بل تأتي بعد حرب طاحنة ومتصلة، كانت هي الأقسى في الحروب الجهادية جميعا، والحرب الأطول في تاريخ المستعمر الأمريكي.

– { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  } ـ 16 سورة البقرة  ـ

لم يكن من السهل القتال ضد الاحتلال الأمريكي وحلف الناتو، بكل ما معهم من أسلحة لم يسبق استخدمها في أي حرب، وكانت مهيأة في الأصل لحرب عالمية ضد قوى عظمى وليس دولة صغيرة ضعيفة تداولت عليها حروب المستعمرين.

خسائر الحرب على الجانب الشعبي كانت مهولة وأضعاف ما كانت عليه خلال الحرب ضد السوفييت. ولكن المستعمر الأمريكي تكتم على جميع المعلومات المتعلقة بالحرب، وأطلق الأكاذيب، خاصة ما يتعلق بخسائره العسكرية، وأعداد الأهالي الذين قتلهم.

ولكن على الجانب الآخر كان في تلك الحرب خيرعظيم يصعب حصره، كما يستحيل الحصول عليه في غير تلك التجربة القاسية. فنيران الحرب صهرت معادن الرجال فصنعت جيلا من الشباب والرجال ـ يمكن القول بكل اطمئنان ـ أنه لا نظير لهم في عالم اليوم وليس العالم الإسلامى فقط . فمعظم هؤلاء ـ من جنود الله على الأرض ـ لا يعرف أكثر الناس أسماءهم ولا صورهم . فعلاقتهم مع الله مباشرة، من مواقعهم تحت ظلال السيوف، وسط نيران الحرب ضد أقوى جيوش الأرض التي لم يسبق للشيطان أن امتلك مثلها في أي زمان.

لهذا فهزيمة أمريكا وإسرائيل والناتو في أفغانستان هي بداية الانهيار الفعلي لمملكة الشيطان على الأرض. وبداية حقيقية ليقظة المسلمين، وانبعاث الأمل في النفوس المحطمة لكل البشر المستعبدين، أيا كانوا، في أي أرض ومن أي دين.

– مآزق صعبة لا يوجد غير الإمارة لديه القدرة على العبور بالأمة الإسلامية منها . أوِّلُها كما ذكرنا أزمة اليأس، وفقدان الثقة في النفس، وابتعاد الشباب عن الدين .

– الأزمة الثانية هى تمزيق الأمة في صراع الإبادة بين المذاهب الإسلامية، وتقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متصارعة. فيسارع بعضهم لتقديم الولاء للكافرين مستقويا بهم على باقي المسلمين، سعيًا منه للتشبث بأذيال السلطة مستعينًا بقوة الكافرين وسلطانهم.

من هذا المدخل استولى الأعداء على الكثير من أراضي الأمة وثرواتها . بل وسرقوا شبابها واستولوا على عقولهم وضمائرهم. واستفاد العدو من إمكانات المسلمين لتدمير المسلمين أنفسهم حاضراً ومستقبلاً .

– من أسباب نجاح الإمارة الإسلامية في جهادها ضد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي هو تفاديها محاولات توريطها في قتال داخلي، سواء مذهبي أو عرقي، فيحولها ذلك إلى واحدة من حركات الفتنة التي انتشرت في العالم الإسلامى لتدمير الأمة واستنزاف طاقتها داخليا، وتصرفها عن قتال العدو، فجَعْل هؤلاء المنحرفون من الفتنة منهجاً مقدساً وهدفاً لدين اخترعوه لأنفسهم . الدواعش من هؤلاء، إلى جانب أمثالهم من خريجي نفس المدرسة التخربية المنحرفة.

– بعد الاحتلال الأمريكي لم يتحارب السنة والشيعة في أفغانستان، بل قاتلوا جنباً إلى جنب تحت الراية المنتصرة للإمارة الإسلامية. إسرائيل وحلفاؤها اعتبروا ذلك عملا عدائيا يهدد احتلال اليهود لفلسطين ، فبقاء اليهود وتمدد سلطانهم على بلاد المسلين قائم على توسيع رقعة الفتنة الدامية بين السنة والشيعة، وإزكاء كل ما هو ممكن من الفتن العرقية والدينية والمذهبية.

– يرى البعض أن أفغانستان في ظل الاحتلال الأمريكي باتت مهددة بحركات انفصال عرقية ومذهبية يدعمها اليهود وأعضاء بارزون في حلف الناتو، بعضهم للأسف من المسلمين. ولكن تنامى قوة الإمارة على أرض أفغانستان، ورجاحة موقفها السياسي، جعل مشاريع الانفصال قائمة على غير أساس، ولا تحظى بدعم إقليمى سوى دعم متردد قادم من الهند يمكن وقفه بوسائل سياسية غالبا. ناهيك أن الأساسات العسكرية للانفصال  قائمة على قوات الاحتلال، وبالتالي سوف تنتهي تلك الأحلام بسرعة. فالشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. أما القادة العملاء المغامرون فمصيرهم الفناء مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال.

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.




جلال الدين حقاني مجلة الصمود الإسلامية || السنة الخامسة عشرة - العدد ١٧٨ | ربيع الثاني ١٤٤٢ ھ - نوفمبر ٢٠٢٠م

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 27

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( ١٧٨ ) | ربيع الثاني 1442ھ – نوفمبر 2020 م .

30-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (27)

– من ضمن أسرى تورغار ضابط سِكّير يكرهه الجميع . وجندى فصيح يقول أن الضباط لم يخبروه أن المجاهدين طيبون .

–  “على جول” الضخم الأسطورى لا يخشى فى الجبهة سوى من الألغام . أحبه العرب وكرهه ضباط العدو فى الخط الأول ، وأحدث إستشهاده صدمة.

–  البدو يتألقون ويستولون على جبل “ورا تورغار” يقودهم البطلان “جولاب” و”أورانج”.

–  حقانى يغادر مركز القيادة فى منتصف الليل. والغرفة الضيقة فوق الجبل إمتلأت بمجاهدين مترامين كيفما اتفق.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

الأحد 18 فبراير 90 :

يوم مُشرِق بدأت فيه غارات الطيران مبكراً فعمل الطيران بعنف بالغ، ولم تكد الطائرات تتوقف عن قصف تورغار بشكل مستمر.

فى مركز خليل عقد حقاني إجتماعاً مع قادة الميدان لمناقشة معارك تورغار والتخطيط لمعركه (ورا تورغار) القادمه.

ثم وصلت أفواج الأسري، وكانت دفعة كبيرة من الجنود وبعض الضباط تم أسرهم فوق الجبل، كان من بينهم ضابط في حوالي الثانية والعشرين، قوي البنية مثل بغل إسترالي، ذو ملامح غليظه بليدة.

وكان موضع إزدراء وكراهية الجنود، والضباط القليلون الذين أسروا معه. كان من منطقة جاجى ومن قبائل منجل، ويظهر أنه كان الحزبي الوحيد فى المجموعة. إشتكى الجنود أنه كان يحتسى الخمر كثيراً و يعاملهم بقسوة. وإعترف هو بأنه تلقى تدريبيه في الإتحاد السوفيتى، لم تكن الجلسة للمحاكمة ،لذا لم يقتل ذلك الضابط رغم الكراهية التى أحاطت به من كل جانب.

لكن جندياً أحمقاً أثار ضحك الجميع فخفف المخاطر عن الضابط الكريه. كان الجندي مشهوراً بين زملائه ببساطته المتناهية لذا كانوا يضحكون كلما بدأ الكلام.وكان يقف أمام حقاني مشدود القامة بأكثر مما ينبغي لدرجة أنه كان مقوساً إلي الخلف بشكل يدعو للسخرية، كانت يداه في خشونة لحاء شجرة معمرة.

ومن وقفته العسكرية المضحكة كان يجيب علي أسئلة حقاني الذى سأله متحبباً إليه:

أيهما أفضل المجاهدين أم حكومة كابل؟. فأجاب ذلك الفلاح الفصيح بعكس ما كان متوقعاً، أى الإجابة التى يجيب بها الجنود عادة عندما يقعون في الأسر بأن “المجاهدين أفضل بالطبع” وبدلاً عن ذلك أجاب الجندى المقوس: كلاهما جيد يا سيدي العالم.

فأجابه حقاني مندهشاً: كيف أن كلاهما جيد ؟.

فأجاب الجندى: لأنهم مسلمون ومن الأفغان ياسيدى!.

فضحك الجميع بما فيهم حقاني، الذي لقنه درساً طويلاً بدأه بقوله:

كيف تقول ذلك أيها الأحمق ألا تعلم أن حكومة كابل شيوعية.. إلخ.

كان الجندى مرتبكاً والجميع يضحكون من حوله حتى زملائه، وفى الأخير إعتذر عن غلطته وألقى باللائمة على ضباط وحدته الذين كانوا يلقنونه أشياء مخالفة لذلك.

لم يمكث هؤلاء الجنود في الأسر طويلاً وأخذ كل منهم مئتى روبية باكستانية لإعانته على العودة إلى قريته، أما الضباط فلم أسمع عنهم بعد ذلك.

كان هناك فارون من الجنود فى(ورا تورغار) وكان عددهم حوالى الأربعين، حملوا معهم

3 كلاشنكوف، وعدد 2 قاذف صاروخى RPG وعدد 2 جرينوف.

أجريت أحاديث مطولة مع الفارين والأسري، وكان أفضل من أفادني هو الضابط “ضياء محمد” ، 25 عاما ، من هيرات. وقد فرّ من موقع (ورا تورغار) وقت هجوم المجاهدين علي تورغار الكبير.

وقد درس ضياء حتي الصف الثاني عشر ، تدرب فى كابل سته أشهر وتخرج ضابطاً. قال أنه يعلم بوصول تعزيزات إلي خوست، وهى جزء من الكتيبة 33 التابعة للفرقة 17 في هيرات، وجزء من لواء (جاردخاص) من كابل ،وهو من قوات الصفوة وأعضاؤه حزبيون،و جزء من فرقه 18 المتواجدة في مزار شريف، هذا بالإضافه إلى فرقه 25 المتواجدة أصلا فى خوست، وقوات (داو طلب) أى المتطوعين. وعن قطع المدفعية التى إستطاع أن يحصيها من موقعه أثناء الخدمة،  قال أنه أحصى 4 راجمات صواريخ BM-41 وأربع مدافع DC عيار 122 مليمتر، وأربع مدافع جبلية عيار 76 مليمتر، وقال بأنه فى المدينة طائرتى هيلوكبتر طراز (مى ـ 24) إنفجرت إحداها وبقيت واحده فقط.

وأكد أن الحاله الغذائية فى المدينة متردية وكذلك الخدمة الطبية التى لا يلقي الجنود شيئا منها، وأن قائد المخابرات (خاد)فى المدينه ويدعي( رحمت شاه) هو المسئول عن عمليات التهريب من باكستان وأهم ما يركز عليه هو البترول والطعام.

وقال بأن القيادة العسكرية في المدينة منقسمة على نفسها بين (خلق) و(البارشام) وكل فريق يحاول دعم موقفه وتقوية نفسه فى مقابل الفريق الآخر، ولكنه أكد أن كلا الفريقين مصمم علي القتال حتي النهاية، رغم كلامهم الكثير عن الوفاق والصلح.

 

الاثنين 19 فبراير 90:

في وقت الضحي كان مركز خليل يضج بالنشاط، وعسكر من الفارين يقومون بكل همة بتنظيف صواريخ كاتيوشا من التراب والشحم تمهيداً لتوزيعها على  الخطوط الأولي.

وسيارات البيك آب تأتى لتحميل الذخائر من المغارات المحيطة بالمركز ثم تذهب مسرعة. وعلي بعد أمتار من المركز هناك دبابة  وصلت  بالأمس وهي مغطاه بغطاء من قماش عسكرى سميك، بينما دبابة أخرى يعمل بها طاقم الإصلاح الذين غطاهم الزيت الأسود والأتربة حتى صاروا كأشباح مخيفة ولايحاول أحد مصافحتهم. ومخبز المعسكر قد إزداد نشاطه وتعزز عدد العاملين فيه، فالجبهة كلها تأخذ خبزها من هنا ثلاث مرات يومياً. فهو إذن لايكاد يتوقف غير ساعة أو إثنين أثناء النهار، والعديد من المراكز يعتمد على مطبخ مركز خليل في كامل الوجبات ، مثل مركز الترصد مثلاً.

ورغم الأمطار والطين والبرد فى أيام الشتاء إلا أن الأعمال الإدارية كانت تسير بشكل جيد ، على الأقل كانت الشكاوى نادرة . وجزء من الفضل فى ذلك يعود إلى التوفيق فى العمليات الذي ينسى الناس الجوع والتعب، وحتى عدم توافر الأغطية فى ليل خوست القارس.

لكن اليوم مشرق وجميع الدلائل تشير إلى أن عملية ما على الأبواب. ولم يكن هناك أكثرأهمية من الجبل المتبقي أى (وراتورغار) الذى جعل الإنتصار الضخم يوم الجمعة الماضى معلقاً بين السماء والأرض.

كانت إحدى سيارات البيك آب فى طريقها لنقل طعام وذخائر إلي موقع دبابة خليل الشهيرة، فوجدت من المناسب زيارة تلك الدبابة الرائعة وموقعها العجيب. ورأى الصحفى البريطانى (تيم) أنها فرصة مناسبه أيضاً أن يقوم بزيارة إلى موقع فى الخطوط الأولى قبل مغادرته إلى ميرانشاه اليوم.

تحركت بنا السيارة المكدسة بالمجاهدين والصناديق والخبز وأوعية الطعام.  بعد حوالى ساعة كنا في”بورى خيل”حيث مركز” نصرت الله” قائد كتيبه سلمان الفارسى. وهو مركز ضخم ملئ بالمغارات وأمامه ساحة متسعة بين الجبال، وتفصله عن وادى خوست القريب عدد من التلال المنخفضة، وعلى مسافات غير بعيدة عدة مراكز مدفعية وراجمات صواريخ للمجاهدين، لكل منها مغارة أو أكثر تستخدم للمبيت وتخزين المهمات، أو للإحتماء من الطيران وبالفعل فإن مجموعات المدفعية التى تكاسلت عن حفر المغارات وإستعاضت عنها ببيوت طينية ،كما فعلت إحدى المجموعات، أو تلك التى بنت مغارة غير مناسبة، جميعها أصيبت بخسائر في الأرواح غير الجرحى.

 ــ بعد دقائق أصبحنا فى الوادى الفسيح بلا أى عائق جغرافى عن المدينة، هناك القلعه العتيدة على هضبه متون التى أصبحت لدينا رمزا لمدينة خوست، مثلماهو برج إيفل بالنسبه لباريس.

إنحرف السائق صوب الشرق ومضى بأقصى سرعة ممكنه، وقال بأن سيارة قد تحطمت هنا منذ أيام بقذيفة دبابة. لم يكن ذلك مطمئناً بطبيعة الحال. كانت سحابة الأتربة خلفنا تمتد لأكثر من كيلومتر وترتفع لعدة أمتار.

كان طبيعياً أن يرسل لنا العدو قذائف الترحيب، وهو ما حدث فعلاً ولكنه أرسلها إلى المركز لذى نقصده. كنت أحمل عدة قتال كاملة فسألنى تيم عن السبب فقلت له: “لأننى إذا وقعت في الأسر فسوف يقتلوننى فوراً، أما أنت فسوف يُطلق سراحك خلال إسبوع لأنك أوروبى”.

ذهبت إلى دبابة خليل أتفحص موقعها، كانت تحت جرف يحجبها عن أعين العدو فى الوادى، ولكنها ظاهرة تماماً للعدو فى تورغار وما خلفه. لم يكن يحيط بها أى تحصينات تذكر، كانت ببساطة.. واقفه تحت الجرف!!.

فى ظنى أنه كان يمكن عمل الكثير بالنسبة لدبابة مستهدفة من الجو ومن الهاون، كأكثر من أى هدف آخر في كل الجبهة. ولو أن ذلك قد حدث فلربما وفرنا فى عدد القتلى الذين تساقطوا حولها، سواء من الأطقم أو المساعدين.

وعلى أيه حال فإنه دبابة فى مثل ذلك الموقع لا يمكن أن يصمد فيها بشر عاديون، يكفى فقط عشرات الغارات الجوية التى هاجمتهم ومحاولات الهجوم الأرضية التى قام بها أفراد الميليشيات القبلية. أما الموقع نفسه وهو فى هضبه مقابله فكان أكثر من رائع فى تجهيزه الهندسى. شبكة كاملة من المغارات المتصلة الطويلة مع شبكة كبيرة من الخنادق شبه الدائرية حول الهضبة، وهى تكفى لمسير الأفراد بدون إنحناء، ولما كانت الهضبة غير مرتفعة فإن حفر المغارات كان متجهاً الى أسفل لتوفير إرتفاع كاف فوق المغارات. تذكرت السيول ولو أن أحدها تدفق إلى تلك المغارات لتحولت إلى نهر عميق. ولكنهم كانو قد إحتاطوا للأمر بشكل جيد،ولم يحدث لهم أن تعرضوا لتلك المحنة.

تجولت مع تيم فى شبكة الخنادق الخارجية، ولم يكن قد سبق لى ان رأيت تورغار من جانبه الخلفى ومن تلك المسافة القريبة. إلتقطنا عدداً من الصور، حتى إنهالت علينا فجأة سيول من قذائف المدفعية، جعلتنا نجري بسرعة إلى داخل المغارات خاصة وأن بعض القذائف سقطت إلى جانبنا على حافة الخندق .

رحلة العودة كانت أكثر إثارة، والسبب هو”على جول” ذلك الشخص الأسطورى، وكان أبو الحارث قد حدثنى عنه كثيراً لكننى أراه الآن لأول مرة. ولسؤ الحظ أنه جلس معنا فى المقعد الأمامى للسيارة، بينى وبين”تيم” الإنجليزى، وكان رابعنا هو السائق، أما أنا فقد سحقنى”على جول” بجسده الضخم ولصقنى تماماً فى باب السيار، أما تيم المسكين الذى لم يجد مكان للجلوس سوى ما بين كتف”على جول” وكتف سائق السيارة،وإلتصق باقى جسده النحيل فى سقفها. “على جول” طيب القلب الشجاع أمام أى شئ فى الكون سوى الألغام ، وهذا سبب شهرته بين العرب. جلس يكلمنى بلغته المهجنة التي تعلمها ، أو إخترعها ،أثناء عمله بالسعودية لعدة سنوات، عن مغامراته الأخيرة فى الإقتراب من الخط الأول للعدو، والكلام مع الجنود عبر مكبر الصوت . وفى الحقيقه أنه لم يكن فى حاجه الى ذلك الجهاز، لأن صوته “السوبر جهورى” كاد أن يصيبني بالصمم خاصة وأن أذنى اليمني،التى كمن علي جول، على بعد مليمترات منها، طبلتها مرهقه أصلاً

ــ  قال “علي” أنه إكتسب ود وصداقه الجنود الذين يسمعون له بإحترام وتأثير ولكن الضباط “الملاعين”يسبونه بأقبح السباب الذى يندى له الجبين، ويرغمون الجنود علي إطلاق النار عليه، و ضربه بالهاونات.

ولكن مجهوده أثمر، وهرب علي يديه عدد لابأس به من الجنود الذين إستمعوا إليه في النهار وهربوا فى الليل. كان كل ما قاله صحيحاً، إلا جزء واحد بسيط، عندما قال أنه كى يتقرب من خطوط العدو فإنه يرفع الالغام (بحرص شديد) فلما رآنى أنظر إلى وجهه،ولم أكن قد فعلت منذ بدأ يقصفنى بحديثه داخل طبله أذنى اليمنى ، فشعر بذكائه الحاد أن  شيئاً من الإشاعات  قد وصلنى .أقصد الإشاعات المغرضة التي تقول أنه يخاف(جداً)من الألغام ، فأضاف قائلاً:

ــ وأحياناً آخذ معى أحد الاخوة العرب ليساعدني في نزع الألغام. وفى الحقيقة فقد أحبه العرب فى مركز أبو الحارث كثيراً وأعجبوا بشجاعته وقوته وطيبة قلبه وكرمه .

كان دائماً يدعوهم الى بيته كي يذبح لهم حروف ( بدون نقطة على حرف الخاء). ولكن لم يذكر لى أحد أنه لبى الدعوه لأكل  لحم ذلك”الحروف”. ولكن العرب كانوا يمازحونه كثيراً بالنسبه لموضوع الألغام، وكان هو نفسه يضحك كثيراً من ذلك ويعترف فى النهاية بروح رياضية بأنه يخاف منها كثيراً.

كل من تعامل مع على جول كان يحبه لدرجه غير عادية ، لذا عندما إستشهد بعد ذلك بعدة أشهر بكى عليه الجميع.

حتى خليل أخو جلال الدين حقانى الذى يبدو بطبعه لامبالياً، بكى كطفل فقد أبواه ، حتى أن أبو الحارث كان يتعجب من ذلك، وكان واقفاً وقت دفن ذلك “البطل الضخم”. وقال بأن خليل إرتمى على القبر وبكى بحرقه لم يرى مثلها قبلاً. لم أكن لأصدق أن خليل فعل ذلك لو أن غير أبو الحارث هو الشاهد والراوي لما حدث.

ــ لاحظ علي جول أننى أحمل “كاميراتين” للتصوير واحدة كبيرة بعدسة مقربة، وأخرى صغيرة توضع فى الجيب. فطلب منى أعطيه الكاميرا الصغيرة ،فإعتذرت بأننى أستخدمها للتصوير لمجله حقانى. ظننت أنى أغلقت عليه الطريق، فقد كانت كاميرتى الخاصة. ولكنه فاجأنى بالقول: “إن حقانى قريبى، أنا وهو من نفس القبيلة، ثم إننى سأصور بها في الجبهة وأعطيك الصور لتنشرها فى المجلة، وأكون بذلك أحد العاملين معكم” .

إعتذرت مرة أخرى، لكنه أصر وتشبث مثل طفل صغير تعلق  بأحد الألعاب لدى طفل آخر. وصلنا الى المركز ونحن مختلفان،فعرضت الأمر على حقانى فجعلته حكماً بيننا، فضحك حقانى ووافق بأن أعطيه الكاميرا وأن يعمل علي جول معنا مصوراً ميدانيا. إضطررت  للإذعان، وكاد “علي جول” أن يطير فرحاً.

–   بعد إسبوعين تقريباً قابلته فى نفس المركز وكان أبو الحارث قد أخبرنى بأن”علي جول” يبحث عنى منذ أيام لأن معه صوراً  لى.

سرنى ذلك، ومنيت نفسى بصور نادرة من الخط الأول. جاء “علي جول” ومعه ثلاث صور كلها لأفراد داخل غرفة وفوقهم نافذة مفتوحة، فسألته أين الصور؟ . قال:هذه هى تجربتى الأولى فى التصوير وأردت أن أعرضها عليك حتى تعطينى رأيك.

كانت خيبه أمل بالنسبة لى فسألته عن باقى صور الفيلم.  فأجاب بأنها إحترقت جميعاً وهذه فقط التى نجحت. فشرحت له بأنها لم تنجح لأن النافذة يدخل منها ضوء شديد، وبالتالى فإن وجوه الأشخاص تحتها جاءت معتمه جداً حتى أنه يصعب تحديد هوية أصحابها. قال”علي جول”: إذن أنت لم تعرفنى؟ هذا هو أنا أجلس فى المنتصف وعلى يمينى إبن عمى وعلى يسارى إبن خالى.

فسألته بدهشة: وكيف أخذت الصورة إذن؟.

فرد على مصححاً خطئى:لا يابوى، أنا ما خذت هادى الصورة. هادى الصورة أخذها لى واحد صديقى.

فسألته: لكنك قلت أنك إلتقطت الصور.

فرد بأن الصور التى  إلتقطها لم تظهر فى التحميض وهو يجهل السبب، ويريد  فيلماً جديداً حتى يحاول ويجرب حظه مرة أخرى.

وبهدؤ وبدون جدال، وبكل مشاعر اليأس والإحباط مددت يدى إلى جيب حقيبتى العسكرية وأعطيته فيلماً. فأخذه وهو يشكرنى متهلل الوجه.

لم أشاركه السرور بل ذهبت بى الأفكار بعيداً، بحثاً عن السبب الحقيقى الذى لأجله يأمر ضباط العدو جنودهم بضرب “علي جول” بالهاونات!!.

طلب منى حقانى أن أرافق الصحفى الضيف فى سيارة المركز حتى ميرانشاه لأنه ربما إحتاج وساطتى  لدى الأطباء العرب للسماح له بالركوب فى أحدى سيارات الإسعاف التابعة لهم.

ـ   كانت علاقة حقانى وجماعته متدهورة مع الأطباء العرب العاملين فى الهلال الأحمر الكويتى، بل مع الهيئة الكويتية نفسها. فى هذه المرة لم يكن هناك وقت لبروتوكولات التكريم، فالسيارة مزدحمة والطائرات تقصف المنطقه، فقفزت مع الضيف فى الصندوق الخلفى لسيارة إسعاف كان بها جريحان.

السائق يحاول الطيران لينجو بنفسه وبمن معه من القنابل المتساقطة، وإضطر للتوقف مرة أو إثنين حينما  حاصرته الرمايات من الأمام ومن الخلف. تنهدت مستريحاً عندما عبرنا نقطة الحدود فى غلام خان، لقد إنتهت مطاردة الطائرات كما إنتهت مطبات الطريق الصخرى.

في مكتب حقانى الرئيسى كانت ثلاث سيارات إسعاف مهيئة للتحرك صوب بشاور ، وقبلوا أن يصحبوا “تيم” بدون صعوبة، ولكنه إعتبر أننى ساعدته كثيراً وكنت مجاملاً معه عندما حضرت وإصطحبته إلى ميرانشاه.  أفهمت الأفغان الذين فى القافلة أن هذا الصحفى هو  ضيف حقانى، فأسرعوا بتقديم كل مساعدة ممكنه له.

وهذا التقليد بإحترام الضيف، وكذلك إحترام ضيوف الآخرين هو واحد من أعرق وأنبل الأخلاق الأفغانية. عدت مسرعاً إلى “مركز خليل” فى أول سيارة صادفتها. ثم إنتقلت إلى جبل الترصد والقيادة فى سيارة مركز خليل التى كانت تنقل الماء والخبز إلى هناك. وصلت الي القمه فى حوالى الرابعة وكان حقانى هناك. وفوراً بدأت مدفعية المجاهدين فى العمل ضد “تورغار الصغير” وأخبرنى عبد العزيز أن القصف الجوى على تورغار لم يتوقف منذ الثانية ظهراً وحتى الآن ولكن  لم يبلغ أحد عن وقوع إصابات.

 مدفعية المجاهدين أصابت مخزن مواد غذائية وذخائر فوق تورغار الصغير وقتل هناك عدد من الجنود، أبلغنى عبد العزيز بذلك بعد أن إستمع الى مكالمات العدو اللاسلكية، وكانت سحب دخان تتصاعد من فوق تورغار الصغير.

الساعة 5.24: غارة أخرى على نفس الهدف، ولكنها أصابت خطوط العدو نفسه فى جبل “تورغار الصغير” وأحدثت خسائر، وقد هلل المجاهدون لذلك.

الساعة 5.37: دبابة خليل تضرب بعنف مراكز العدو في الجبل الصغير. الدبابة التي من المفروض أن تعمل من شرق الجبل لم تصل حتى الآن.

الساعة 5.55: جماعة الكوتشى المهاجمين يتصلون مع حقانى، ويقولون بأن العسكر يهربون من الجبل، وأنهم سيطاردونهم. حقانى يضحك ويصيح فيهم مشجعاً. وكانوا يتقدمون من شرق الجبل.

الساعة 6.00: مكالمه لحقانى من المهاجمين:” نحن نحاول الإقتراب بسرعة من دفاعات الخط الأول حتى نستفيد من الضوء الباقى لنتفادى الألغام”.

الساعة 6.06:  جماعة من الكوتشى بقيادة “أورانج” يصلون إلى الخط الأول للعدو فوق الجبل. حقانى يصدر أخطر قرارات اليوم. لقد أمر المدافعين عن تورغار الكبير بالنزول إلى تورغارالصغير ومساعدة زملائهم في تطهيره والدفاع عنه ضد أى هجوم معاكس.

لقد صار “تورغار العظيم” مجرد خط خلفى لإسناد خط الدفاع الأول الذى إنتقل إلى شقيقه الأصغر”ورا تورغار”. لقد كان حقاني متألقاً هذا اليوم. وكذلك فرق المهاجمين خاصه الكوتشى، جماعة الشهيد عبد المنان ، والذين يقودهم أخوه”جولاب”وقد إنضم إليه اليوم القائد الشهير أورانج، وهو من نفس الفريق.

لقد أثارت شجاعة ذلك الفريق الحماس والبهجة كما أثارت الإبتسامات والضحكات. ومن أشهر نكاتهم هو إسخدامهم موجه لاسلكية واحدة، منذ إستلامهم لتلك الأجهزة وحتى نهاية الحرب.

وهذا الرقم هو 4444، وكانت الحكومة تضعه بإستمرار تحت التصنت وكانت تعرف نواياهم ونوايا المجاهدين  من خلال هذا الرقم. وجماعة الكوتشى لا يكذبون أبداً، لذا فهم مصدر موثوق لدى الحكومة. أما عندما يلجأون إلى السرية، وهذا لا يحدث إلا بعد نجاح الإقتحام وبداية جمع الأسري والغنائم فأنهم يستخدمون شيفرة ليست كثيرة التعقيد. كما حدث هذه الليلة مثلاً، فعندما يأسرون جندياً فإنهم يقولون على المخابر :(لقد أمسكنا بقرة). أما إذا أسروا ضابطاً فالرسالة تكون: (لقد أمسكنا خنزيراً).

الساعة 6.09: وصلت الطائرات النفاثة فقصفت تورغار الكبير وما حوله، بعد الغارة قال المجاهدون أنه لم يُصَب أحد منهم.

الساعة 6.12: قائد العدو علي الجبل الصغير يطلب من قيادته فى المدينة إرسال مصفحة لنقله فاتصل حقانى بالمهاجمين وطالبهم بالبحث عن ذلك الضابط وإمساكه حياً.

الساعة 6.18:  راجمات الصواريخ لدى العدو تطلق قذائفها ضد تورغار. وعبد العزيز وجماعتة يشوشون على موجه اللإسلكى الخاصة بمدفعية العدو.

الساعة 6.20: عبد العزيز يخبر حقانى أن طائرات نفاثة قادمة للقصف، وحقانى يأمر المجاهدين بوقف الرمايات حتى تنتهى الغارة الجوية .وكان الوقت ليلاً ومن السهل على الطيار تحديد موقع رمايات المدفعية ومن ثم إصابه المدافع.

أقبلت الطائرات وأفرغت حمولات كبيرة من القذائف العنقودية فوق تورغار، ومخابرة من المجاهدين هناك تقول: لقد أصابوا جنودهم فى تلك الغارة، ويبدو أن بعض الأسرى قد أصيب بالقنابل العنقودية.

الساعة 6.27:  غارة جوية على تورغار إستخدمت فيها قنابل عنقودية ثم قنابل ثقيلة الوزن، ثم غارة جوية على قاعدة المجاهدين فى “بورى خيل” حيث  كتيبة  سلمان الفارسى.

الساعة 6.29: السيارات الحكومية وصلت لنقل الهاربين من الجبل الى المدينة.

الساعة 6.36: ثلاثة من المجاهدين الكوتشى عثروا على ستة من الجنود وأخذوهم أسرى، حقانى يضحك ويصيح بهم مشجعاً على جهاز اللاسلكى “زنده باد”.

الساعة 6.40: ضحكات النصر وممازحات مع الكوتشى من حقاني وباقى المجاهدين، فقد كانوا هم نجوم هذا اليوم.

هبط الظلام على المنطقه إلا ما تبقى من شفق ضعيف.

طائرات الأنتينوف القاذفة تشن عده غارات متوالية، ولكن بدون أن تحقق إصابات.

الساعة 9.25 : كنا داخل الغرفة نلتمس شيئاً من الدفء، سمعنا صوت إنفجار صاروخ سكود، وتبعه صاروخ آخر بعد ثوان، كانت رسائل تهنئة للمجاهدين قادمه من كابول.

الساعة 11.30: كنت مستغرقاً في النوم داخل الغرفة التى إمتلأت بالمجاهدين وكل فرد نام بطريقه عشوائية. أيقظنى حارس حقانى وقال بأن الشيخ سوف يغادر الي معسكر خليل ويسألنى إن كنت سأرجع معه أم أبقى حيث أنا، فأجبت بأننى سأبقى هنا.

سمعت صوت السيارات تغادر المركز، ومن وقت لآخر إستيقظ علي صوت إنفجارات كبيرة وأصوات الطائرات بأنواعها تروح وتجئ، ولكى لم أشعر بالقلق أو الإنزعاج، ولا أحد ممن حولى تزحزح من نومته، فالكل يعلم أن الطائرات ، كل الطائرات ، لن تعيد “عائلة تورغار” إلى قوات الحكومة مادامت تلك القوات قد فرت ولا تنوى العودة مرة أخرى .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 27 )

 




مجلة الصمود الاسلامية السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 26

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م .  

03-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (26)

جبل تورغار .. معركة الفتح

 

– بعد صلاة الظهر، نظَرْتُ إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال . ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.   

– تجمد المجاهدون أمام حقل الألغام وتساقطت عليهم القنابل اليدوية مثل المطر. أوشك الهجوم أن يفشل لولا ذلك البدوى العجوز قليل الكلام، الذى إندفع إلى خندق الشيوعيين فقتل قائدهم. فاشتعل حماس الشباب، فمرقوا مثل الشهب وسيطروا على الخندق ثم على الجبل كله.

– البَدَوِيَّان بَطَلا ذلك الإنتصار الكبير : “أكبر محمد” .. و”طالب جولاب ” الشهيد الوحيد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

الجمعة 16 فبراير90 :

كانت الشمس قد إرتفعت فى الشروق، وتهيأت السيارة كى تنقلنا إلى جبل الترصد. سأتحرك مع الصحفى البريطانى، ولكن حقانى سوف يتأخر لمتابعة بعض التفاصيل فى هجوم اليوم.

فأخبرنى بأنهم جاهزون لعملية اليوم ضد تورغار، ولكن المجموعة التى سوف تهاجم من الطرف الشرقى ليست كبيرة، أما فى الجنوب ، وهى الواجهة الطويلة من الجبل من جهة المجاهدين ، فلم ينجح المجاهدون فى فتح ثغرة في الألغام هناك، فقد أصيب أحدهم بإنفجار لغم فتوقف العمل . تحركت بنا السيارة صوب الجبل، ولم يكن ما سمعته من حقانى مشجعاً، وأيضاً فإن هذا الجو المشرق والسماء الزرقاء الصافية أصابتنى بالهم والغم، فالطيران سوف يكون قوياً، ورمايات العدو أكثر دقة، والمؤكد أن الخسائر فى الأرواح ستكون عالية .

والإضافة الوحيدة عند المجاهدين اليوم هى الهجوم من طرف الحافة الشرقية بمجموعة

صغيرة، فهل سيجدى ذلك كثيراً ؟.

كنت غارقاً فى هواجسى وما أن صعدنا فوق الجبل، ووضعنا إمتعتنا فى الغرفة الصغيرة، حتى بدأ الصحفى (تيم) يسأل عن معارك الفترة الماضية ويطالع المواقع بالمنظار من خلف الصخور فوق القمة، وتوليت توضيح الموقف العام له. ثم عدنا إلى الغرفة مرة أخرى فى إنتظار وصول حقانى وكنت أعلم أن العمليات لن تبدأ ألا بعد وصوله لمتابعتها من فوق هذه القمة.

بدأنا الحديث فى الوضع السياسى فى أفغانستان، فكلمته بصراحة عن دور أمريكا ودول الغرب فى الإضرار بالشعب الأفغانى، وأنهم كتموا عن العالم حقيقة أن الأفغان هم الذين حرروا شعوب شرق أوروبا بعد قضائهم على الإمبراطورية السوفيتية في أفغانستان، وأن شعوب روسيا وغرب أوروبا قد إستفادت من إنتصار الأفغان. فقال بأنهم في أوروبا يرون أن إنتصار الأفغان كان عاملاً مساعداً على إنهيار الإتحاد السوفيتى. فأجبته قائلاً: بل كان العامل الحاسم وإلا فإن النظام السوفيتى إذا كان قد تمكن من إخضاع الأفغان، لإستمر على قيد الحياه قرناً آخر ، وإلا فالسبعون عاماً التى قضاها ليست بالعمر الطويل فى حياة الدول.

من الثامنه صباحاً بدأ الطيران يعمل بنشاط، فى جو رائع وشمس مشرقة ورؤية غاية فى الصفاء. القاذفات المروحية الثقيلة رمت أطناناً من القنابل على المواقع المشتبه بأنها قد تساند هجوماً أو قد ينطلق منها هجوم، وركزت علي ليجاه وبارى، وإستمرت تؤدى دكها بإنتظام حتى الساعة الحادية عشر. فظهرت الطائرات النفاثة وباشرت هى المهمة وإستراحت الإنتينوف.

أخيراً وصل الشيخ حقانى وخلفه سيارتان للحرس، وبرفقته إثنان من الضيوف أظنهما من السعودية، أحدهما كأنه صحفى، والآخر ضخم الجثة قوى مثل المصارعين، ومن حديثه ظهر كأنه واعظ فى أحد المساجد مع إلتزامه بالسمت السلفى أكثر من زميله.

إثنان من المجاهدين من حرس حقانى ما أن شاهدانى أخرج من خندقى المفضل وعلى كتفى المنظار المقرب الخاص بى، حتى إستعاراه وجلسا فى مكانى ولم أتمكن من إسترداده إلا بصعوبة بعد أكثر من ساعة.

الساعة 11.38 :ظهر أول دخان فوق قمة تورغار نتيجة قصف المجاهدين، بدأ السحاب يتكاثر ببطء، ولكنه لم يصل إلى شئ مما كان عليه فى العملية السابقة إلا أنه قد يعرقل نسبياً عمل الطيران.

قال الشيخ أنه سيجعل وقت بدء المعركة مع وقت صلاة الجمعة حتى يستفيد المجاهدون من

دعوات المسلمين لهم. ثم صلى بنا الظهر فى ساحة صخرية صغيرة أعدها المجاهدون كمسجد للموقع وأحاطوه ببعض الصخور الصغيرة وجعلوا لها  تقوساً فى محل المحراب.

نظرت إلى السماء قبل البدء فى الصلاة، كانت شذرات السحب قليلة وربما إنقشعت فى أى وقت، فوقنا بقعة صغيرة من السحاب الأبيض ،الذى تبعثر هنا وهناك فى كتل باهته لا معنى لها.

قلت فى نفسى : (ياله من يوم صعب . كم من الرجال الذين يتحركون بحيوية فى مواقعهم سوف يسقطون شهداء اليوم. وكم من الذين أعرفهم سوف لا أراهم مرة ثانية؟ وماذا لو فاجأتنا الطائرات النفاثة وقصفتنا ونحن متجمعون من صلاة الظهر وإمامنا هو حقاني قائد عملية اليوم، والخطر الأكبر على النظام فى كابل؟ ألم تقصفنا تلك الطائرات فى نفس هذا المكان من قبل؟).

بعد إنتهاء الصلاة بدأ حقانى فى دعاء طويل ونحن نؤمن خلفه سأل الله النصر وألح فى الدعاء، وبكى أكثر الداعين، ثم قام وإتجه إلى جهاز اللاسلكى وخاطب الجميع، وطالبهم بالتوكل الله والإعتماد عليه وحده، ثم لقنهم هذا الدعاء وطالبهم أن يستمروا فى ترديده( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) وتذكرت أنه لقننى هذا الدعاء منذ ما يقارب عشرة أعوام، ومازلت أذكر أنه لقنني يومها درساً فى الشجاعة والثبات تحت قصف الطائرة، وأن أطلق عليها نيران البندقية بدلاً من الإختباء فى حفرة، فأنا عربى ولا يليق بى ذلك. لقد أخجلنى يومها، لكنه لم يقنعنى بجدوى إطلاق البندقية على طائرة نفاثة.الآن إدرك أنه على حق فلا جدوى من الإختباء من الطائرة فذلك نوع من العبث يطمئن به الإنسان نفسه فلا عاصم من تلك المصائب التى تتساقط فوق الرؤوس سوى الله سبحانه وتعالى. لكن الذى لفت نظرى حقيقة هو أنه أثناء الدعاء الجماعى بعد الصلاة كانت السماء تتلبد فوقنا بسرعة، كان الجميع وقت الدعاء مطأطأى الرؤوس ينظرون إلى أكفهم المنبسطة أمام وجوههم، وكنت الوحيد وربما شاركنى إثنان من حرس حقانى ننظر إلى السماء.

كنت أراقب السحب التى تتجمع بسرعة، ثم نظرت إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال، بل الجميع أصبحوا كذلك، ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.

إنشرح صدرى لتلك (الكرامة)، وتمنيت أن يكون ذلك بشرى بالنصر وبداية المدد الإلهى للمجاهدين عامة، والمهاجمين فوق الجبل خاصة.

الساعة 1.59: بعد الدعاء وجه الشيخ أمراً إلى (مارشال) ببدء القصف، ظننت أن الإسم هو شيفرة لمجموعة مدفعية لكن حاجى إبراهيم قال: (بل هو أسم شهرة لأحد المجاهدين).

بدأت دبابة خليل فى القصف، وأصابت مواقع العدو فوق القمة وحققت أول أصابة مباشرة. فتصاعد عمود من الدخان الأسود من الحصن الواقع على الحافة الغربية . رد العدو بقصف شديد على الجانب الغربى من الجبل حيث تسلل المجاهدون فى محاولاتهم السابقة . والظاهر أنهم لا يتوقعون تقدماً من جانب الحافة الشرقية للجبل، وهو مالم يفعله المجاهدون قبلاً. بعد خمسة دقائق لعلعت رشاشات العدو الثقيلة فوق الجبل.

الساعة 2.35: مدفعية المجاهدين تقصف مدفعيات العدو الخلفية، (بوستان) و(باتشا دينا)

 على المدفعية يعملان بشكل جيد ودقة ملحوظة.

دبابة خليل تتلقى قذائف كثيرة من مدفعيات العدو ، مجموعات الهجوم فوق الجبل بخير ولكنها لم تبدأ بعد فى التقدم.

الساعة 3: أشرقت الشمس لفترة قصيرة ثم أطبق السحاب كثيفاً مرة أخرى ، أجهزه اللاسلكى مزدحمة بالصيحات، ودعوة للمهاجمين بالعمل مع تشجيعهم .

التدخل اللاسلكى شديد، وحرب نفسية على أشدها على الأثير مليئة بالتهديد وأحياناً بالسباب بين المجاهدين والعدو.

حقانى يصيح مشجعاً المهاجمين وينقل إليهم أخبارالإصابات التى وقعت فى صفوف العدو نتيجة القصف ثم يهتف صائحاً(الله أكبر زنده باد إسلام) فيردد المجاهدون خلفه نفس الهتاف الساعة الثالثة والنصف: سقط سكود إلى الشرق من تورغار وبعد خمسة دقائق سقط صاروخ آخر فى نفس المنطقة.

الساعة 4.10 : قوات العدو فوق تورغار تفقد واحد من قادتها، إلتقط عبد العزيز الخبر، أما المجاهدون المهاجمون من جهة الشرق ، جماعة جولاب الكوتشى شقيق الشهيد منان ، فقـد أفادوا بأنهم يواصلون نزع الألغام من المسافة المتبقية ومقدارها (متران) ، على حسب تقديرهم ، وقالوا بأن العدو لم يطلق النار عليهم حتى الآن.

طائرات الهيلوكبتر تطلق نيرانها من بعيد على حواف الجبل لكن بلا تركيز ثم هبطت خلف الجبل من جهة المدينة ربما لحمل جَرْحى وقتلى أو لنقل بعض الذخائر إلى المدافعين رغم أن عندهم ما يكفى.

طائرات الأنتينوف القاذفة تحلق فوق السحب السوداء بدون أى أمل لها بالمشاركة وهى عمياء فى ظلام السحب، ولكنها ظلت فى السماء طوال الوقت ، ربما لبث الطمأنينة فى نفـــوس المدافعين ، إذا شعروا أن الطائرات قريبة منهم.

الساعة 4.42:  إجتاز المهاجمون من الحافة الشرقية حاجز الألغام، وتبادلوا مع خط الخنادق الأول للعدو الرماية بالقنابل اليدوية.

وبينما يقوم (جولاب) بإبلاغ حقانى الرسالة، إذ أحد المجاهدين يصيح فرحاً (تورغار ختم تورغار ختم) فنهره حقاني بشدة وقال إن ذلك غير صحيح، فقد رأى أن إذاعة خبر بسقوط تورغار والمعركة فى نقطتها الحرجة قد يسبب إضراباً فى سير العمل، فقد يطلق كثيرون النار فى الهواء إبتهاجاً، بينما العدو فى خنادقه صامداً، والدبابات قد تتوقف عن قصف المواقع الدفاعية والإدارية للعدو فوق الجبل ظناً منها أن المجاهدون قد وصلوا.

وسنعود مرة اخرى إلى قصة الجانب الشرقى ، وراوية المهاجمين لما حدث فى تلك اللحظة الحرجة، لحظة الهجوم على الخط الدفاعى الأول من خنادق العدو ، والذى قام به جماعة البدو (الكوتشى) بقيادة جولاب، صخرة الدفاع وسيف الهجوم.

الساعة 5.50:  ضغط الهجوم كله من جهة جولاب بينما جهة الغرب حيث الدكتور نصرت الله خامدة لدرجة كبيرة، وكان يساعد نصرت الله مجموعة من طلاب العلم في قندهار يقودهم القائد الشجاع (ملا شاه زاد) الشهير بإسم ملا قندهارى.  واضح أنه بعد تجربة الهجمات السابقه والتى كانت كلها ، على مر السنين ، تتم من الجناح الغربى أن العدو قد ركز معظم قواته على هذا الجناح. لذا يمكن توصيف ما حدث هذه المرة أن المهاجمين من جهة الغرب قد جمدوا معظم قوات العدو، حتى تمكنت قوة جولاب الأصغر حجماً من إقتحام دفاعات العدو الشرقية والتقدم فوق الجبل مثلما يفعل السكين فى قالب الزبد، حتى تضيف جماعة الكوتشى الشهيرة ، جماعة الشهيد منان ، أضافة أخرى إلى سجل لا يضاهى من الأمجاد القتالية .

أفاد رجال الكوتشى الذين إقتحموا الجانب الشرقى من تورغار أن هجومهم كاد أن يفشل، لأنهم عند إقترابهم من خط الألغام الذى يلى خنادق العدو مباشرة، وكانوا قد نزعوا معظم  ألغامه ليلاً ولكن ليس كلها، وعند تقدمهم للإقتحام الأخير كشفهم العدو وهم على حافة حقل الألغام فأصلاهم ناراً حامية من البنادق الآلية والرشاشات الخفيفة، ثم رمى قنابل يدوية بكثافة غير معهودة ، ولاحظ رجال الكوتشى أن القنابل إما أن تسقط في الوادى العميق أو تسقط إلى جانبهم ولكنها ترتد مثل كرة المطاط لتعود مرة أخرى إلى خنادق العدو لتنفجر هناك.

ومع ذلك ظلوا جامدين خلف الصخور، إلى أن قام منهم رجل عجوز أبيض الشعر واللحية، مشهوربينهم بالبساطة الشديدة وقلة الكلام، قام ذلك الرجل وضرب خنادق العدو بقذيفة RBG فقتل ضابط الموقع ويدعي(عبد الله خان)من قبيلة تاناي فهرب باقي العسكر. ثم عبر حزام الألغام بسلام وقفز داخل خنادق العدو، فإشتعل حماس الشباب ومرقوا خلفه مثل الشهب فى سماء مظلمة وقفزوا إلى الخنادق، وقتلوا من فيها، وتابعوا من هرب من الجنود، وكانوا 30 جندياً وواصلوا التقدم صوب باقى المواقع حتى تم فتح الجبل كله.

وفى نهاية المعركة سألوا الرجل العجوز عن السبب وراء إندفاعه العجيب المفاجئ، فقال لهم ببساطة: لما رأيت القنابل اليدوية تتساقط علينا مثل المطر، ولكنها ترتد على العدو مرة أخرى وتتفجر عنده أدركت أن الله قد أنزل الملائكة لنصرتنا فإندفعت نحو العدو وأنا موقن أنهــم مهزومين وأن شيئاً لن يضرنا، يدعي ذلك البدوي العجوز”أكبر محمد”.

الساعة 5.11: الطرف الشرقي من الجبل فى قبضة المجاهدين تماماً، ومن هناك يقصف المهاجمين بالرشاشات الثقيلة قصفاً عنيفاً للغاية على باقى المواقع المعادية فوق الجبل متجهين صوب الغرب.

الساعة 5.15:  تقرير لحقانى من المجموعات المهاجمة فوق الجبل ، كلها ، بأن مقاومة العدو فوق الجبل أصبحت ضعيفة جداً. بدأت عملية تطهير المواقع ممن تبقى بها ، وأكثر الأحياء لاذوا بالفرار إلى الشقيق التوأم لجبل تورغار والواقع إلى الشمال والمرتبط به بحبل سُرِّى ، أو ما يطلق عليه “سَرْج” ، وهذا التوأم الأصغر يدعى(ورا تورغار) أى تورغار الخلفى.

الساعة 5.50:  تقابل المهاجمون المتقدمون من الشرق مع المهاجمين من الغرب فوق ظَهْر الجبل، لقد وقع تورغار أخيراً فى أيدى المجاهدين بعد سنوات طويلة ومريرة منذ فقدوه آخرمرة.

لقد فتحوا تورغار ، وأصبحت المدينة نفسها قاب قوسين أو أدنى من الفتح، ولكن ذلك لم يحدث بالسرعة التى كنت أتوقعها.

سألنى الصحفى البريطانى (تيم) عما حدث، فقلت له: لقد إستولى المجاهدين على تورغار ، وإجتهدت أن أبحث فى وجهه عن أى إنفعال فلم أعثر على شئ فشعرت بالغيظ، ولكننى تماسكت أمام ذلك اللوح الجليدى القادم من بريطانيا العظمي ، التى ذاقت فى أوائل هذا القرن ما يذوقه السوفييت والشيوعيين فى أواخره على أيدى نفس هذا الشعب الخارق.

ثم سألنى ببرود: تقول أن تورغار هو مفتاح مدينة خوست فمتى تتوقع أن يتم إستيلاء المجاهدين على المدينة. فرددت عليه: من المفروض ألا يزيد ذلك عن شهر.

لقد أخطأت فى تحديد ذلك الموعد، لأن المدينة فتحت بعد ذلك بحوالى ثلاث عشر شهرا ونصف.

وقد قابلنى تيم بعد ذلك بعدة أشهر فى بشاور، وكان يتذكر بدقة ما قلته له من أن المدينة يمكن أن تفتح خلال شهر، وسألنى بشماتة لا تخفى: لقد قلت أن المدينة سوف تفتح بعد شهر، فماذا أخّر الفتح حتى الآن ؟.

فرددت عليه قائلاً: إن تدخل أمريكا وباكستان هو السبب. ثم ذكرت له بعض مجهوداتــهم لإفساد فتح خوست.

التقرير الأول عن خسائر المهاجمين هو شهيد واحد ولا جرحى، وبعد ساعة جاء تقرير آخر متضارب يقول الخسائر ثلاثة جرحى ولا شهداء . فى اليوم التالى كان التقرير النهائى هو شهيد واحد وثلاثة جرحى .وسبب التضارب هو أن التقرير الأول  كان لأحدى المجموعتين وهو شهيد واحد بلا جرحى والتقرير الثانى للمجموعة الثانية كان ثلاثة جرحى بدون قتلى.

كانت تلك الخسائر المتدنية مفاجأة كبرى ومدهشة إلى أقصى حد، أن يتم تحقيق هذا الإنجاز الفائق بهذا القدر الذى لا يكاد يذكر فى الخسائر.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن دقة الإعداد وتوفير الوسائل اللازمة للعمل وإكتساب الخـبرة الكافية فى إدائه هى من أعظم أسباب النصر ، وقبل كل ذلك هو ذلك التأييد الإلهى الذى لا يمكن تصويره بالقلم أو اللسان . فحالة الطقس مثلاً، من غيوم تحجب الرؤية فتمنع الطيران والمدافع المعادية، ثم تعود فتنكشف قليلاً فتساعد المهاجمين علي تبين الألغام وأسلاك الإعثار المنبثه فيما حولهم.

حتى فشلهم فى السنوات الماضية فى الهجوم من طرف واحد هو المنحدر الغربى، قد إستدرج العدو إلي الإطمئنان التام هذه المرة أن الهجوم قادم لامحالة من نفس الطريق فركز دفاعات كلها ، أو معظمها ، فى ذلك الإتجاه، فتمكن جولاب من شق طريق من جهة الشرق بسهولة لم تكن متوقعة، رغم أن الجميع كان يتوقع أن الشرق هو محور ثانوى للهجوم فجاء العكس.

الساعة 6.07:  طائرة أنتينوف تحلق وتقصف بعيداً. السماء إنقشعت وظهر ضوء النجوم واضحاً، كان ذلك عظيم النفع للمجاهدين فوق الجبل ومكنهم من معرفة طريقهم فوق الجبل وفى غابة الخنادق حوله وفى (الدُشَم) المحصنة والمسلحة خاصة من الطرف الغربى، ثم المخازن الإدارية فى الطرف الشمالى، وبها غرف مليئة بالطعام والذخائر، والأهم من ذلك مراقبة العدو الذى قد يحاول شن هجوم معاكس فى نفس الليلة قبل أن يستحكم المجاهدون فوق الجبل.

الساعة 7.00:  سقطت ثلاث صواريخ سكود متتالية حول جبل تورغار. ثم صاروخين آخرين فى تودة شنى ،جنوب تورغار.

خمسة صواريخ سكود دفعة واحدة، كانت حفلة إبتهاج بفتح تورغار ولكن إطلاق النار التقليدى فى مثل تلك المناسبات، قامت به الحكومة وليس المجاهدين . ولم تقع أية خسائر من جراء ذلك القصف.

ملاحظه: ثمن صاروخ سكود فى ذلك الوقت هو مليون دولار أمريكى، وقد أطلق العدو فى تلك المعركة سبعة صواريخ سكود ، بينما أطلق صاروخين فقط فى محاولة يناير الماضى التى لم تنجح.

– أخيراً غادرنا حقانى متجها إلى مركز خليل فإلى هناك سوف تأتى وفود العائدين من المعركة، مع الأسرى والغنائم، ثم مشاورات عن الخطوة التالية حيث من المفروض ، حسب قول حقانى ، الإستيلاء على(ورا تورغار)، فقد قال لى : لا فائدة فى تورغار إذا لم نمسك (ورا تورغار) ، لم أكن أدرك تلك الأهمية قبل ذلك وأن كانت منطقية تماماً، فالجبلان فى الحقيقة جسد واحد متصل.

وأى قوات قادمة من المدينة لشن هجوم مضاد لابد لها من الإرتكاز على (ورا تورغار)، إذن المعركه لم تنته بعد !!.

لم أغادر مع حقانى لأننى توقعت معركة فوق الجبل فى هذه الليلة. وفى الليل إتصل بنا حقانى تلفونياً وقال أنه منتظر وصول الأسرى للتحقيق معهم والبحث عن الشيوعيين من بينهـم. وأضاف إنه سيكون عندنا غداً ففهمت أن المعركة سوف تستأنف فى الغد. لم أستطع النوم إلا فى ساعة متأخرة، فرحاً بما حدث، هائماً مع التوقعات.

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

السبت 17 فبراير 90 :

لم أكد أستغرق فى النوم حتى صحوت فزعاً على صوت إطلاق نار كثيف وقذائف. كنت متأكداً أن مصدرها(تورغار)فقد كنت أتوقع هجوماً ليلياً من جانب قوات الحكومة، فتحركهم بالنهار نحو الجبل سيكون إنتحاراً، وليس أمامهم إلا الليل، بل هذه الليلة تحديداً قبل أن يستحكم المجاهدون فى خنادق الجبل ويحفرون مواضع جديدة فى مقابل المدينة. كانت الساعة الرابعة صباحاً.

إنقطعت الرمايات فجأة، وطمأنت نفسى بأنه لاشئ مهم، وأن عبد العزيز نائم الآن فلا أحد عنده خبر بما حدث، فنمت مرة أخرى.

فى الصباح سألت عبد العزيز عما حدث فى الليل فقال :(خير خيرت)، فأكدت عليه بالسؤال عن أحوال المجاهدين فوق الجبل فأجابنى بنفس الجملة.

فى السابعة سمعنا طلقتى RPG فوق الجبل (تورغار) ثم قصف مدفعى شديد من الوادى ضد الجبل وما حوله ثم زخات من الرشاشات الثقيلة والخفيفة، طائرات الهيلوكوبتر أطلقت الصواريخ بغزارة ضد (تورغار) فطمأننى ذلك لأن معناه أن المجاهدين متمسكون بقوة بالجبل.

الجو غائم، وتعليقات المجاهدين على أجهزة اللاسلكى مليئة بالمرح والسعادة. وفى الثامنة والنصف صباحاً إتصل بنا حقانى تلفونياً فقال بأن العدو حاول صباح اليوم الهجوم على تورغار وإستعادته، ولكن المجاهدين كانوا فى أتم الإستعداد، وكانت الذخائر والأطعمة  والمياه متوفرة لديهم وأن العدو جوبه بنيران قوية من الجانبين أدت الى سقوط الكثير من القتلى والجرحى(بالمئات حسب قوله) وفر كثيرون منهم نحو المدينة، وإعتصم بعضهم فى جبل تورغار الخلفى(ورا تورغار) وأن المجاهدين سوف يتقدمو للإستيلاء عليه.

الساعة 8.35: رغم الغيم الكثيف فإن طائرة انتيوف ألقت قنابلها من إرتفاع عال حول جبل تورغار ، ولكن بلا أي تأثير.

تزايد الغيم، والمطر خفيف وريح باردة جداً، عدد المتواجدين معنا على ظهر الجبل قل كثيراً.واضح أان اليوم لا يمكن شن هجوم جديد ضد (تورغار الصغير).

الساعة 10.10: هبطت فجأة فى المطار طائرة نقل عسكرية . كانت مفاجأة مذهلة فى وقت وظروف غير متوقعة، (باتشادينا) مشتبك فى رماية متبادلة مع راجمة صواريخ كبيرة من طراز BM-41 هبطت الطائرة من الطرف الغربى ثم مكثت فى النهاية الشرقية للمدرج أقل من دقيقة ثم إستدارت وأقلعت ، وكتبت فى مذكرتى وقتها: لا أدرى ما هى المهمة التى يمكن إنجازها فى هذا الوقت القليل؟.

الساعة 10.36:  كانت الدهشة أشد فى المرة التالية، إذ هبطت طائرة كالعادة من جهة الغرب وما أن وصلت إلى الطرف الشرقى حتى إستدارت وأقلعت، لم يستطع أحد أن يخبر جماعة المدفعية، سألت نفسى : ماذا يحدث ؟؟

ولابد هنا ، للحقيقة ، أن أشيد ببطولة وفدائية الطيارين الأفغان، وسيمر معنا مثل ذلك في معارك قادمة .ولقد رأيت بعض هؤلاء الطيارين بعد نهاية الحرب، ولا أظن أن هناك من هم أكثر إستهتاراً بالموت منهم، وهى سمة عامة فى معظم الشعب الأفغانى.

فيما بعد قال حقانى أنه يظن أن تلك الطائرات قد أحضرت شخصيات هامة من كابول ، وربما كان ظنه صحيحاً لأنه بعد قليل سيظهر على ساحة الأحداث فى خوست، الجنرال عجب مزارى الرجل الشرير والقائد السابق لجبل تورغار.

– لكن نسمة منعشة هبت علينا هذا الصباح حيث شاهدنا عددا من الأطفال يصعدون الجبل إلينا، كانت ملابسهم خفيفة وممزقة أو مرقعة أحياناً. وقفت مع حاجى إبراهيم نتأملهم ونتسائل كيف وصلوا إلى هنا، فلم تكن سيارات المجاهدين تتحرك هذا الصباح خاصة بالقرب منا.

وصلوا إلينا وصافحونا، وقالوا إنهم طلبة فى مدرسة العلوم الشرعية”منبع العلوم” فى ميرانشاه، وقد سمعوا بالأمس أن المجاهدين قد فتحوا جبل تورغار فجاءوا سيراً علي الأقدام (حوالى 30 كيلو متر) كي يتأكدوا من الخبر ويشاهدوا المواقع التى فتحها المجاهدون.

تأثرنا بما فعله هؤلاء الأطفال، ورحبت بهم وكذلك فعل إبراهيم وعبد العزيز وعدد آخر من رجال الموقع، وسمحوا لهم بإستخدام المناظير وشرحوا لهم المواقع التي يشاهدونها، وذكروا لهم أحداث الأمس فوق تورغار، ثم قدموا لهم الشاى والخبز.

جاء الصحفى (تيم) هو الآخر يستطلع أخبار هؤلاء الأطفال، فشرحت له قصتهم، وسألته عن دلالة أن يسير أطفال صغار فى هذا السن كل تلك المسافة وسط الجبال فى جو ممطر بارد، فقط من أجل الإطمئنان على أخبار المجاهدين، وفرحة بإنتصاراتهم؟.

لم تصدر منه كلمة أعجاب أو مجرد بسمة للأطفال ، أنه محايد جداً بلا شك ، محايد لدرجة جعلتنى أتمنى قذيفة عنقودية تريحنا منه ومن كل صحافة بريطانياً التى كانت ، ولن تعود ، عظمى.

الساعة 11.30: وصل الشيخ حقانى إلى مركزنا فوق الجبل، وإتصل بالمخابرة مع أخيه خليل قائد الدبابة الشهيرة ، وصاحب الدور البارز فى تحطيم مقاومة تورغار ، وأفاد خليل أن أوضاعهم ممتازة، وأوصى بالإهتمام بالإمدادات خاصة للمجاهدين فوق الجبل.

جلست أتحدث مع حقانى بالنسبة لمشكلة الإمدادات، فقلت له أن العدو لن يسلم بسهولة بضياع تورغار، لأن معنى ذلك أن المدينة قد أفلتت من بين يديه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن معركة تورغار قد يكون الفيصل فيها هو القدرة على إمداد الجبل بالمقاتلين والذخائر والطعام والمياة، وأن العدو مازال أقدر علي ذلك لأنه خلال السنوات الماضية قد مهد طريقاً للإمداد من خلف الجبل، بينما نحن لانمتلك سوي مدق ضيق وخطير يمر وسط ألغام كثيفة جداً، بحيث أن خطوة واحده خارج المدق قد تعنى الموت، أو بتر القدم على الأقل. وقلت له أن أهم ما يجب عمله الآن هو شق طريق للسيارة حتى قمة تورغار، وأن يبدأ الطريق من الطرف الغربى ويهبط من الجانب الشرقى، وبهذا يمكن لنا إمداد الجبل من قاعدتين قويتين للمجاهدين وهما بورى خيل ، إلى الغرب وتودة شنى ، إلى الشرق.

لم يكن حقانى فى حاجة لمن يذكره بأهمية الطرق فى الجبهات، وخاصه بالنسبة لهدف مثل تورغار. وبالفعل بدأ بعد أيام فى دفع كل قواة نحو شق طريق إلى القمه فى تورغار ، وتحت أقصى الظروف من الغارات الجوية التى لا تكاد تتوقف. وقد ساعده عدد من الفدائيين الحقيقيين من سائقى البلدوزرات، وعمال الحفر والتفجير. وخسر عدد من السيارات والجرحى ولكنه نجح فى النهاية فى شق طريق ممتاز، ولكنه لم يستطيع أن ينزل به إلى جهة الشرق لأن تضاريس الجبل لا تسمح بذلك بغير أن يتعرض الطرق لنيران العدو فى الوادى إذ لا بد أن يمر الطريق من خط الأفق فوق الجبل وليس فى السفح الجنوبى المخفى عن العدو.كان نجاحاً هندسياً وعسكرياً باهراً أكد سيطرة المجاهدين علي تورغار وما حوله.

الساعة 2.17:  بعد أن صلينا الظهر قرب قمة الجبل، جاء الخبر من ميرانشاه يقول بأن الأحزاب شاركت حقانى فى فتح الجبل، ولكنه دفع لهم مبلغ ثلاثة ملايين روبية حتى يتركوا له الجبل كى ينفرد هو إعلامياً بالإنتصار. كانت الكذبة واضحة لمن هو داخل الجبهة، أما فى الخارج فلا أحد يستطيع أن يجزم بما حدث. كانت طعنة خبيثة من أحزاب بشاور التى لا تقصر فى سكب أطنان من الدهان الأسود، فوق حقانى وجميع أعماله، حتى إنتصاراته الباهرة التى تستحق الإشادة والتمجيد.

كان التنسيق داخل جبهات باكتيا عامة وخوست خاصة يسير علي أفضل شكل ممكن فى مثل تلك الظروف ، وبأقل قدر من الإحتكاك حتى أنه لم يحدث صدام مسلح واحد طوال مدة الجهادعلي أساس حزبى. ولكن التنسيق فى المعارك كان يتم خارج نطاق الأحزاب وبتفاهم مباشربين المجاهدين فتسمى بعدئذ بالعمليات المشتركة ، بينما الأحزاب وقيادتها فى بشاور لم تكد تسمع قبلاً بوجود مثل ذلك التنسيق ،ولو علمت فالفشل قادم لا محالة إذ تبدأ الضغوط والرشاوى ومؤامرات توريط الأخرين خاصه قادة الميدان البارزين ، وبالذات حقاني وزملائه.

سألت حقانى عن عدم إشتراك أحد من الأحزاب الأخرى في معركة (تورغار) فرد قائلاً :

إن أحداً لا يتحمل معركة بهذا الطول، لقد إستمر الحصار ثلاثه أشهر متوالية. ومن جهتى يمكن أن أضيف أسباب أخرى منها: أن تجارب الهجوم على تورغار منذ عام 1984 قد فشلت، وأسفرت فقط عن قتلي وجرحى، مع إهدار المال والذخائر، ثم إتهامات متبادلة وخصومات بين المجموعات المشتركة في العملية .

السبب الثانى: أن تورغار إكتسب نتيجة لذلك هيبة فى النفوس وكان إسمه كفيلاً ببعـث القشعريرة فى أبدان المجاهدين.

السببب الثالث: هو أن الإستخبارات الباكستانية تجد الباب واسعاً للتدخل فى العمليات المشتركة وهى عادة عمليات كبيرة. وقد كانت هى السبب فى إفشال عدد من الهجمات على تورغار لأن إستيلاء المجاهدين عليه يعنى وضع رقبة المدينة فى قبضتهم، وهو ما يتعارض مع سياسة سادة باكستان، أى الولايات المتحدة.

كانت الخطوة التالية والضرورية لإسقاط خوست هو إغلاق مطارها بشكل نهائى مستفيدين من موقع تورغار وما يوفره من مزايا لهذا العمل ، ولكن سنرى كيف أن المخابرات الباكستانية بذلت جهدها لمنع ذلك.

كانت ما تريده باكستان هو عض أصابع نظام كابل فى خوست حتى تصل معه إلى شروط  تساومية أفضل.بينما كانت مصلحة المجاهدين هى ، إبتلاع خوست ، لينهار نظام كابــل فيفرض المجاهدون نظامهم الخاص.

وسوف يمر علينا لاحقاً كيف بذلت المخابرات الباكستانية كل وسعها لمنع إغلاق المطار ثم بذلت جهوداً جبارة لمنع فتح المدينة.

أخبرنى حقانى أنه قد إحتاط كثيراً فى إظهار الفرحة والإبتهاج بفتح تورغار، فقد قال عند

إعلان النبأ: لقد إستولينا على تورغار الكبير والمعركة مستمره علي تورغار الصغير. لقد أعجبنى كثيراً تصرفه هذا، فهو يدل على التواضع من جهة، وعلى الواقعية من جهة أخرى فمهما كانت معرفته بضعف العدو فى خوست، فإن خطورة ما حدث تجعل من المجازفة إفتراض أن العدو سيسلم بالأمر الواقع بسهولة. على الأقل يمكن توقع أن يحدث مثلما حدث فى دراجى منذ عدة أشهر بأن يتم تداول الموقع بين الجيش الحكومى والمجاهدين حتى يستقر الوضع لصالح المجاهدين فى نهاية الأمر.

قال حقانى: نحن مستعدون للهجوم بعد وقت قصير.لقد ناوش المجاهدون تورغار الصغير ودمروا بعض مواقعه الدفاعية ،” البوسطات” ، فطلب المدافعون إرسال دبابة إليهم لدعمهم.

ونحن بدورنا سنرسل دبابة إلي توده شني لندعم بها مجموعة جولاب كى تهاجم تورغار الصغير ، كذلك طالبنا مئتى مجاهد من كتيبتى سلمان الفارسى، والعمرى ولن نستخدم قواتنا فوق تورغار للهجوم حتى تبقى دفاعاتنا قوية فوقه تحسباً للطوارئ. كان حقانى يسير بحذر ولم يستخفه الإنتصار الكبير. قرب العصر حذرنا عبد العزيز من أن الطائرات النفاثة قادمة للقصف لكنه لا يعلم أين .

كان يتتبع محادثات خوست مع كابل. بعد دقائق ظهر صوت طائرة نفاثة، وعبد العزيز يتابع حديث الطيار مع القيادة الأرضية في خوست، قالت له القيادة: أنت الآن فوق الهدف، أرمى حمولتك. فرد الطيار فى براءة ، ولم تكن الحكومة قد إذاعت خبر فقدها لتورغار : ولكننى فوق جبل تورغار !!. فردت عليه القيادة: لم يعد هناك تورغار.. إقصف.

فإستفسر الطيار بعصبية: ماذا تعنى بقولك ؟ ، هل إنتهى تورغار؟؟ ، ثم أصابته نوبة من الهياج وأخذ يهذى ويصرخ: لقد بعتموه لهم..أنتم بعتم تورغار ضاعت خوست..ضاع كل شئ. ثم دار بطائرته دورة واسعة ثم عاد في إتجاه تورغار وأفرغ شحنة ضخمة من القنابل العنقودية، ولكن بعيداً عن أى هدف، ثم إختفى بطائرته وسط السحب الداكنة.

أثار الحادث الإبتهاج والفرحة بين صفوف المجاهدين، فالعدو يعيش أزمة عنيفة تطال ما تبقى لديه من روح معنوية.

ولكن لم نلبث أن أصبنا بصدمة وعمنا الحزن والوجوم حين وصلنا نبأ إستشهاد(بوستان) الكوتشى، الذى كان يعمل على مدفعه فى مبارزة مدفعية مع العدو، حين سقطت قذيفة على هضبة قريبة منه فأصابته شظية فى رأسه فقضى نحبه علي الفور، لقد عم الحزن جميع المراكز حتى نسى المجاهدون إنتصار تورغار ، ولو إلى حين.

ثم وصلنا إسم شهيد تورغار الوحيد يوم الفتح ، أنه الكوتشى(طالب جولاب)،فهل يهتم أحد من سكان الأرض بهذا الإسم؟  ولكن يكفيه أن الله أعلم به وبما فعل.

أسقطت الطائرة على المدينة بعض الإمدادات بالمظلات، وكان أهمها براميل البترول ، وقد أخذ الهواء عدد من تلك المظلات إلى مواقع المجاهدين، فأخذوها غنيمة إلى جانب غنائم جبل تورغار التي وصلنا إحصاء عنها كالتالى:

عدد 2 مدفع مضاد للطائرات (شلكا) عيار 23 مليمتر.

عدد 3 قاذف قنابل يدوية ( نارنجاك).

عدد 3 دبابة منها واحده فقط يمكن إصلاحها.

عدد 13 قاذف RPG .

عدد 3 رشاش ثقيل (جبلى) عيار 14.5 مليمتر(زيكوياك).

عدد 14 هاون من عيارات مختلفة.

عدد 60 بندقيه كلاشنكوف.

عدد 1 مدفع جبلى عيار 76 مليمتر  .

عدد 1 جرينوف 7.62 مليمتر.

عدد 1 قاذفة صواريخ سلكية مضادة للدروع.

عدد 2 رشاش خفيف.

عدد 1 رشاش وسط (دشكا).

– تحدثنا عن فتح جبل تورغار الذى هو مفتاح مدينة خوست، فلنتذكر بالدعاء وطلب الرحمة لأهم أبطال تلك المعجزة . وهما البدوى ـ العجوز الغامض ـ “أكبر محمد” ، الذى إقتحم منفردا خط دفاع العدو بعد أن أوشك المهاجمون على التراجع. ثم ذلك الشهيد الوحيد فى تلك الملحمة الكبرى التى شارك فيها الآلاف من الطرفين  وعدد لايحصى من الطائرات وصواريخ سكود الثقيلة . ذلك الشهيد ، البدوى الذى لا يكاد يعرفه أحد، “طالب جولاب”… رحمهما الله .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 26 )

 




الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 176 ) | صفر ١٤٤2ھ – أكتوبر ٢٠٢٠م .  

02-10-2020

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

– وفد الإمارة الإسلامية يوضح دور الإقتصاد فى إقامة الدولة ودعم تطبيق الشريعة .

– الإمارة إقتصادها إسلامى : يقيم العدالة ويحقق المساواة ويحارب الفقر وينمى الثروات.

– بالإقتصاد السليم نقيم أقوى مشروعات البناء والخدمات الإجتماعية والتعليم والصحة ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

– جميع الحقوق مرجعها الشريعة سواء للمرأة أو الرجل أو أى كائن عاقل أو غير عاقل.

–  لا جدوى من التفاوض مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

كان وفد الإمارة إلى مفاوضات الدوحة الأخيرة، قوياً فى تركيزه على النقاط الأكثر حيوية لأفغانستان . وذلك من أجل ضبط مسيرة التفاوض . لهذا ركز الوفد كأولوية على أن  معيار إسلامية الدولة هو تطبيق الشريعة وليس مجرد إسم الدولة.

فنظام الحكم القادم مع الإمارة الإسلامية هو حكم الإسلام . والذى يتحدد بشرط أساسى هو تطبيق أحكام الشريعة فى جميع مناحي الحياة الشخصية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدفاعية . فليس الإسلام مجرد كلمة توضع فى نهاية إسم الدولة فتصبح الدولة إسلامية ، سواء أطلقوا علها جمهورية أو مملكة أو أى شئ آخر . والنتيجة أنه لا مجال مطلقا للحديث عن تشكيل نظام حكم مشترك بين الإمارة وحكومة كابل. فبينما الإمارة ترى الإسلام تطبيقا شاملا متكاملا فى كافة مناحى الحياة ، يراه النظام العميل مجرد صفة يكفى إلصاقها بأى شئ ليصبح إسلاميا.

 

 

إقتصاد إسلامى :عدالة ــ مساواة ــ تنمية ــ محاربة الفقر .

وفد الإمارة الإسلامية ، كان رائداً فى توضيح العلاقة بين الدولة الإسلامية والإقتصاد ، ودور الإقتصاد الإسلامي فى إقامة الدولة وتقوية المجتمع والإسهام فى دعم تطبيق أحكام الشريعة.

فالإقتصاد الإسلامى يحقق أهداف الشريعة فى الأموال والثروات العامة :

–  بمنع إحتكار مصادر الثروة والمتمثلة فى : (مناجم /مياه / أرض/ نفط/ تجارة).

– وظيفة الإمارة الإسلامية الحفاظ على الثروات ومنع تبديدها أو التفريط فيها للغير.

تنمية الثروة وتحقيق العدالة الإجتماعية لصالح الجميع ، وضمان عدالة توزيع الثروة العامة ، والمساواة فى إتاحة فرص إكتساب الرزق للجميع .

 

 

الإمارة الإسلامية تحقق العدالة فى الإقتصاد :

الثروات العامة تتبع بيت المال الذى تديره الإمارة لصالح المسلمين ، ويضم :

ــ الثروات الإستراتيجية، مثل [ المناجم / النفط والغاز/ المياة/ الأرض]. 1

2 ــ البنية التحتية للإقتصاد [مثل الطرق والجسور وسدود المياه والكهرباء].

3 ــ وسائل الإتصال”تليفونات وشبكة إنترنت”، وشبكة النقل العام من قطارات و باصات عامة، وطائرات نقل ومطارات.

– فاحتكار منابع الثروة ، أو البنية التحتية للإقتصاد، محظور تماما ـ فالناس سواسية فى فرص الإستفادة من عوائدها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

الإمارة مسئولة عن تنمية الثروة العامة :

بواسطة النهوض بالزراعة وتوسيع الرقعة الزراعية وتنظيم الرى وتوفير مصادر المياه ، لتلبية مطالب الطعام الأساسية لجميع المواطنين . ثم توفير عائد من تصدير فائض الإنتاج الزراعى.

– الشروع فى بناء قاعدة صناعية فى أفغانستان بالإستفادة من المصادر الهائلة من الخامات اللازمة للصناعة مثل النفط والغاز والفحم ـ الحديد ـ النحاس .. وغيرها.

إستخراج وتصنيع وتسويق الخامات النادرة عالميا مثل اللثيوم والبلاديوم ، وغيرها. وهى مواد حساسة للغاية بالنسبة للصناعات المتقدمة. لذا فإنها ثروة كبيرة للغاية ماليا واسترتيجيا وسياسيا. وفى أفغانستان كميات هى الأعلى دوليا من بعض تلك المواد .

– إسترداد مناجم اليورانيوم من المحتلين الإنجليز، والإستفادة منها لصالح الشعب بعد تنقيته وتخصيبه إلى درجة مناسبة قبل تسويقه دوليا. وهى ثروة هائلة ماليا وسياسيا واستراتيجيا.

– إسترداد مناجم الماس والذهب والأحجار الكريمة الأخرى/ والتى تذهب إلى تجار يهود بأسعار شبه مجانية / وإعتبارها ضمن الثروة العامة وتدخل إلى بيت المال لتديرها الإمارة.

– تأسيس بنك على أسس إسلامية بعيدة عن الربا . يشرف على إصدار العملة المحلية ومراقبة سعرها فى السوق، والتدخل عند الضرورة . وتقديم قروض للمستثمرين الصغار، والمشاركة فى المشاريع الشعبية لتقويتها.

– تشرف الإمارة على جزء هام من التجارة الخارجية والداخلية، لمنع الإحتكار أو التلاعب بالأسعار.

– التعامل الخارجى مع الإقتصاد المحلى يتم فقط عبر قنوات تحددها الإمارة الإسلامية ، وإلا اُعْتُبِرَ تدخلا غير مشروع، ويتم التعامل معه على هذا الأساس.

 

 

 القضاء على الفقر :

بالسيطرة على الإقتصاد لصالح الشعب يمكن القضاء على الفقر الذى هو أخطر الآفات التى تفتك بأى مجتمع . وهو مانع من تطبيق العديد من الأحكام الشرعية. ويمكن بالإقتصاد القوى إقامة أكبر مشاريع الخدمات الإجتماعية فى كافة المجالات ، خاصة فى التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية والإعمار ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

بالإقتصاد القوى نصنع مجتمعا إسلاميا قويا. وإمارة إسلامية قوية يمكنها دعم المسلمين ونصرة الإسلام.

 

 

موقع المرأة من المفاوضات :

نجح وفد الإمارة فى تجنب الوقوع فى مجادلة فارغة حول ما يسميه الغرب “حقوق المرأة”. فتلك مسألة حددتها الشريعة التى يخضع لها الجميع ـ رجالاً ونساءً ـ وهى شريعة عادلة لا تحابى شخصا أو جنساً ، فالجميع سواسية رجالاً ونساءاً بعضهم من بعض. والإختلاف هو فى الوظائف التى إختصهم بها الخالق ، وهذا الإختلاف هو لتكامل وإستمرار النوع الإنسانى ، وليس لتفضيل صنف منهما على الآخر ، لأن الفضل عند الله هو للأكثر تقوى، سواء كان ذكراً أو أنثى . وهو نفس المعيار الذى تنظر به الإمارة إلى الموضوع .

فحقوق الرجل أو المرأة لا نبحث عنها خارج الشريعة المقدسة . وليس من حق أحد أن يضع لنا شريعة أخرى من إختراعه غير تلك التى فرضها الله علينا ، ونتعبد إليه سبحانه وتعالى بها .

أى نقاش حول الحقوق ــ للمرأة أو الرجل أو أى مخلوق كان عاقلا أو غير عاقل ــ مرجعه هو الشريعة . ونقبل إفتراض حدوث خطأ ، من حيث فهم النص الشرعى ، أو تطبيقه . ضمن هذا المجال يكون النقاش مقبولا، أما غير ذلك فهو مرفوض تماما ، بل ويعتبر من نواقض الدين . فليس هناك نقاش حول صحة الحكم الشرعى أو الطلب بتخطيه أو تعديله ، تحت أى تهديد أو إغراء ، لأن ذلك يعنى التخلى عن الدين بإجماله .

 

 

مفاوضات مع نظام ميت :

 بشكل عام أوضح وفد الإمارة أنه من أجل مفاوضات واقعية : فإن نظام كابل لا يعنيه الإسلام فى شئ ، ولا تعنيه حقوق المرأة إلا فى حدود مكاسب مادية معينة . وغير ذلك فهو نظام مصنوع من الفساد والظلم ، ويعانى من سكرات الموت تحت ضربات الإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان.

 لهذا ركز وفد الإمارة على أن تقتصر المفاوضات الحقيقة على مصيرالشخصيات الحكومية المشاركة. حيث لا مجال لإضاعة الوقت فى تفاوض زائف مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان




حرب البنوك اليهودية ضد افغانستان

خارج السيطرة (2)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 176 ) | صفر ١٤٤2ھ – أكتوبر ٢٠٢٠م .  

02-10-2020

خارج السيطرة (2)

“الجيش السري الأمريكي” يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

حرب البنوك على الجنس البشرى:

نظرة على دور الجيوش التقليدية فى الحروب الحديثة التي تشنها البنوك اليهودية على أفغانستان، والعالم الإسلامى والعالم بشكل عام، تكشف أنه قد إنتهى تقريبا نمط الحروب التقليدية بالشكل الذى كان معروفا حتى حرب أفغانستان عام 2001، حيث تجلت قدرة المجاهدين على ردع أى جيش تقليدى ودفعه إلى الفرار. وبالتالى كانت النتيجة أن ممارسة إحتلال الدول الأخرى بجيوش تقليدية أصبح عملا عفا عليه الزمن. واقترح خبراء البنوك أنماطا جديدة من الحروب، وأشكالا مبتكرة للإحتلال، تراجع فيها دور الجيوش التقليدية لصالح أدوات وطرق جديدة.

ـ فى حرب إسرائيل ضد حزب الله فى عام 2006: وامتلاك حزب الله لسلاح صاروخى رادع له قدره على إحداث دمارا لا يطاق لبنية إسرائيل الإقتصادية والسكانية فى حال الحرب التقليدية التي أستخدمتها إسرائيل فى السابق ضد الدول العربية. فكان الإقتراح بإدخال عناصر جديدة من الحرب تخفف الإعتماد على الجيش التقليدى إلى درجة أن تصبح بديلا عنه مع بقائه كمجرد قوة إحتياط فى خلفية الصراع.

– توصلت أمريكا وإسرائيل معاً إلى نفس النتيجة بعد هاتين الحربين، فنشأ بينهما تعاون فى أكبر حرب مشتركة لتطبيق مفاهيم الحرب الجديدة وبشكل مكتمل ضد أفغانستان.

 

حروب بلا جيوش نظامية:

إذن الجيش النظامى تراجع دوره وأصبح واحد من عناصر كثيرة، بعضها قد تفوق أهميته كثيرا أهمية الجيش النظامى، بعد أن تحولت الحروب إلى شئ آخر غير تقليدى.

– البنوك تمتلك مرونة كبيرة فى حروبها الجديدة. ويتم ذلك وفق أصول وقواعد علمية نتيجة للتجارب الكثيرة التي مرت بها الدول الضعيفة. فالبنوك اليهودية تمتلك القدرة على إستخدام أجهزة الدول الخاضعة لها، للعمل ضد شعوبها بشكل عنيف وآمن من العقاب، ومدعوم من أمريكا ودول أوروبا وحلف الناتو.

ولمزيد من المرونة تمتلك البنوك القدرة على النفاذ والسيطرة على أدوات كثيرة للعمل التخريبى، فتمتلك أحزاباً ومنظمات المجتمع المدنى. وتمتلك أحزابا دينية وعلمانية ووسائل أعلام حديثة ومؤثرة على الرأى العام.

وللبنوك عبر قوى خاضعة لها، قدرة على التحريك والسيطرة على مجموعات ضخمة من المرتزقة والصعاليك غير المنظمين، الذين لهم تسميات مختلفة من مكان إلى آخر. فيسمون فى مصر “بلطجية”، وفى سوريا “شبيحة”، وفى لبنان “زعران”، وفى السودان “جنجويد”.. وهكذا.

النتيجة النهائية المتوخاة هى تدمير وتجزئة الدول القائمة، وتحويل الثورة إلى دمار، بإحداث أكبر قدر من القتل والتخريب، وإحداث صدمة رعب وذهول لدى الشعوب تجعلها تتقبل أى شئ ترغب البنوك الدولية فى فرضه عليها، من القهر السياسى إلى النهب الإقتصادى والإذلال وضياع الحريات الشخصية والحقوق الإنسانية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

هكذا تدير البنوك اليهودية حربها على أفغانستان والعالم.

أولا ـ حرب البنوك على العالم:

أ – يقودها نخبة من مالكى البنوك اليهودية الكبري فى العالم.

ب – أهم الأجهزة التي يستخدمونها هى جهاز إستخبارات مركزى ذو قدرات عالية فى جمع وتحليل المعلومات. ورسم الخطط الضرورية للحرب فى مراحل زمنية متتابعة. أهم أقسامة هى ما تتعلق بالأمن والإقتصاد العالمى، وتطوير الأسلحة، وابتكار نظريات الحرب وتطوير الخبرات المكتسبة.

تعتمد الإستخبارات على التقنيات المتطورة والعناصر عالية التأهيل. تعاونهم شبكة واسعة من “المتعاقدين” فى مهام كثيرة ومتنوعة. ثم جزء أخير لايقل أهمية وهو التعاون الواسع مع أجهزة إستخبارية حول العالم مهما كانت درجة تطورها.

جهاز الإستخبارات البنكى، يشرف على تطبيق الحروب الحديثة لتدمير الدول والمجتمعات بأدوات دون الأسلحة النووية.

 

أنواع الحروب التي يشرف عليها جهاز الإستخبارات البنكى على العالم:

حروب جرثومية وبيولوجية. حروب إقتصادية مالية وتجارية بضرب العملات والحصار التجارى والعقوبات الإنتقامية. حروب توزيع المخدرات على مستوى العالم واستهداف شعوب بعينها ومجموعات عرقية ودينية. إشعال الثورات الملونة لتغيير المجتمعات وإسقاط الأنظمة غير المرغوب فيها. تصعيد الحروب الثقافية لفرض الحضارة الغربية على شعوب العالم، مع تركيز خاص على إنهاء تواجد الإسلام فى الميدان البشرى، وتحريفه إلى درجة القبول بالإستعمار الإسرائيلى، وبسيادة المُثُل المادية والإلحادية اليهودية، بل والتباهى بخدمتها، وإنشاء جماعات “إسلامية!!” وقيادات لامعة تروج لإسلام جديد يعمل مع اليهود ضد الإسلام الحقيقى وتشويه صورته ومبادئة والداعين إليه، وقتلهم ماديا ومعنويا.

 

ثانيا ـ حرب البنوك اليهودية على شعب أفغانستان:

قيادة حرب البنوك على أفغانستان:

تعتبرأفغانستان أهم ساحة حرب لليهود وبنوكهم العالمية. ويتولى القيادة الميدانية فيها:

– فى القيادة العليا للحرب: جنرالات من الإستخبارات والجيش.

– القادة الميدانية: من نصيب الجيش السرى المتمرد. وهو جهاز إستخبارى ميدانى، له إختصاصات شبيهة بجهاز الإستخبارات المركزى التابع للبنوك. يعمل حاليا خارج سيطرة الدولة الأمريكية.

 

القوات المقاتلة فى أفغانستان:

الجيش الرسمى لدولة الإحتلال تحول فى هذه الحرب إلى قوة إحتياط تستخدم فى حالات خاصة مثل حماية المرتزقة عند الطوارئ، وحماية المنشآت الإستراتيجية العسكرية والمدنية. والقيام بالعمليات العسكرية الصعبة التي لا تقدم عليها قوات المرتزقة لخطورتها العالية.

 

أنواع قوات المرتزقة فى أفغانستان:

المرتزقة هم القوة الأساسية فى حرب البنوك على أفغانستان. وأنواعهم فى أفغانستان هى:

1 ـ مرتزقة يعملون فى شركات دولية كبرى.

2 ـ مرتزقة محليون يحملون جنسيات مزدوجة، وأغلبهم تابعون لجهاز الإستخبارات.

3 ـ مرتزقة قبليون (الأربكية).

4 ـ مرتزقة أثبتوا قدرات إجرامية فى العمليات القذرة.

5 ـ خبراء فى حروب الصدمة. (حروب الصدمة ضد الشعوب تشمل: إغتيالات / الإرهاب ونشر الرعب والإنهيار المعنوى / حرب الإعلام والتحلل الأخلاقى / ترويج المخدرات بين الشباب والنساء/ ترويج الإشاعات وتشويه سمعة المجاهدين وأعداء الإحتلال / إحداث الفتن بين مكونات الشعب الدينية والعرقية / ترويج ثقافة الإحتلال والتقليل من حرمة الدين واحترام العلماء والشعائر الدينية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

القوة الناعمة المصاحبة لحرب البنوك اليهودية.

وتساهم بدور كبير فى تحقيق أهداف حروب الصدمة السابق ذكرها. خاصة فى مجال الشائعات والحرب على الدين والثقافة المحلية.

وإيقاع الفتن الداخلية بين مكونات الشعب. وتشغل الحرب الإعلامية المساحة الأوسع فى الحروب الحديثة وتضاعف من تأثيراتها. وتمتلك البنوك اليهودية عبر عملائها من هيئات ودول، سيطرة شبه مطلقة على المستويات الثلاثة للإعلام. وهى: الإعلام الدولى ـ الإعلام الإقليمى ـ الإعلام المحلى (الذى يعتمد على الإعلام الخارجى فى تزويدة بالمواد الإعلامية وبوجهات النظر التي يجب إعتناقها والدفاع عنها بإعتبارها التطور الأحدث والأصوب فى كل شئ).

 

القوى الأمريكية.. مناوئة لحروب البنوك اليهودية.

1- الجيش: وهو أهم المتضررين من سياسة البنوك اليهودية فى حروبها حول العالم، والتى جعلت أهمية الجيش ثانوية إلا فى الحروب النووية الشاملة التي لايريدها ولا يسعى إليها أحد، لأنها ببساطة تدمر منشآت وثروات الأمم التي يراها اليهود حقا لهم. أى أنها تضرب مصالح اليهود فى حقيقة الأمر. وبالتالى تراجعت مكانة المؤسسة العسكرية بين القوى الأخرى التي ترسم سياسات الدولة وتتخذ القرارات الحاسمة.

2- شركات التصنيع العسكرى: فلسفة الحروب الحالية تزيح من الصدارة معظم الصناعات العسكرية التقليدية الموجودة، وتخلق طلبا جديدا على صناعات نوعية متطورة للغاية، بما يعنى تقليل هائل فى أرباح تلك الشركات. كما أصبحت سياسية إفتعال الحروب التي تتبعها البنوك اليهودية فى العالم لا تلبى القدرة الجبارة للمصانع الأمريكية، لأنها حروب ذات طبيعة مختلفة أقل إعتمادا على عتاد الحروب التي تخصصت فيه المصانع الأمريكية.

3 – إحتكارات النفط: (فى بعض الحالات وصل سعر برميل النفط إلى صفر دولار). لأن تأثيرات حروب البنوك اليهودية ضربت مصالح شركات النفط فى الصميم. ومن الصعب تصور أرباحا لتلك الشركات مماثلة للمستويات القديمة، أيام حروب التقليدية السابقة.

من الفرص الذهبية القليلة والتى تترقبها تلك الشركات، هى الإستيلاء على شركة أرامكو السعودية بأسعار متدنية للغاية. كما تنتظر توقف حرب أفغانستان حتى تخرج نفط وغاز آسيا الوسطى إلى السوق العالمى عبر أفغانستان.

4 – قوى إجتماعية مستضعفة داخل الولايات المتحدة: وهؤلاء تضرروا بشدة منذ وصول ترامب إلى السلطة، فازداد إنحطاط أسلوب تعامل الدولة الأمريكية مع مواطنيها الملونين وأصحاب العرقيات المختلفة والديانات الأخرى حتى من المسيحيين غير البروتوستانت، ناهيك عن المسلمين. والقول الجامع المانع فى هذا الشأن هو للمرشح الرئاسى جو بايدن، وجاء فيه: (الرئيس الحالى أغرق أمريكا فى ظلام طويل جدا.. فى غضب شديد جدا.. فى خوف بالغ جدا.. فى إنقسام قوى جدا(.

 

حرب البنوك اليهودية على الدولة الأمريكية:

المرشح الرئاسى “جو بايدن” يُرْجِع كل السلبيات إلى الرئيس. ولكن ترامب لم يبتعد قيد أنملة عن السياسات التي تفرضها عليه البنوك اليهودية. ومن النادر أن يجرؤ أمريكى على ذكر تلك الحقيقة بوجهها الصريح. ولكنهم يعترضون على رئيس هو أتفه من أن يضع أى سياسة حتى لمكتبه فى البيت الأبيض.

فالبنوك اليهودية تريد أن تضع الولايات المتحدة بين منزلتين. حدهما الأعلى أن تكون دولة ترهب العالم بقوتها العسكرية والإقتصادية وتتحكم عملتها (الدولار) فى الوضع المالى لباقى الأمم. أى أن البنوك اليهودية ترى فى الولايات المتحدة العصا الغليظة التي ترهب بها العالم وتسوق الأمم أمامها كقطيع من الخراف. وفى نفس الوقت،

فإن هذه البنوك وصلت الحد الأقصى من القدرة والسيطرة العالمية على شئون العالم خاصة فى الإقتصاد ونظم الحكم، لدرجة أنها لن تسمح لأى دولة حتى ولو كانت الولايات المتحدة بأن تشاركها فى التخطيط لشئون العالم فى أى مجال كان. فمن ناحية مالية تسيطر تلك البنوك على أموال العالم بمنظومتها المصرفية التي تحيط بالعالم مثل أفعى الأناكوندا. وبواسطة الدولار الذى تتحكم فى طباعته كما تشاء تمتلك ثروات العالم الحقيقية بأوراق مزيفة ملونه إسمها الدولار.

فى نفس الوقت لن تسمح البنوك بإنهيار الولايات المتحدة تحت تأثير عوامل تآكلها فى الداخل والخارج. والسبب أنه ليس لدى البنوك بديل آخر، أو قوة خاصة بها تقوم بذلك الدور، وأوروبا غير جاهزة لتكون بديلا.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

حرب البنوك اليهودية ضد افغانستان

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

خارج السيطرة (1)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 175) | محرم ١٤٤2ھ – سبتمبر٢٠٢٠م .  

04-09-2020

 

 

خارج السيطرة (1)

أفغانستان..حرب خارج سيطرة الإدارة الأمريكية

الجيش السري الأمريكي يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 

– تشبعت أفغانستان بالأسلحة، فانخفض دعم شركات السلاح لتلك الحرب.

–  القوات الأمريكية تحترف مهنة “الدليفرى السريع” للمخدرات والأسلحة.

أين الصواريخ النووية التي كانت فى قاعدة بجرام؟؟

–  حرب أفغانستان كشفت أن الجيش الأمريكى هو الجيش الأكثر فسادا فى العالم. ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى كيان فاسد وخطيىر.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود.

–  التحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان، أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش / كممثل عن الدولة الأمريكية / من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

–  (الجيش السرى الأمريكى): تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يهدد الدولة الأمريكية نفسها، ويشبه ما واجهته فرنسا قبل الإنسحاب من الجزائر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

أطلقت الولايات المتحدة حربها الصليبية على أفغانستان عام 2001 بهدف السيطرة على أفيون أفغانستان كهدف أول، ثم السيطرة على باقى ثروات أفغانستان الطبيعية ـ وهى هائلة القيمة ـ ثم ثروات النفط والغاز فى آسيا الوسطى.

وبدأت فى تحويل أفيون أفغانستان ـ جيد النوعية ـ إلى هيروين تام النقاء. ودعمت شبكة لنقله وتوزيعه هى الأكبر والأقوى والأكثر حصانة فى العالم، يوفرها الجيش الأمريكى جواً وبحراً، ليصب شلال الأموال فى شبكة البنوك اليهودية العظمى التي تدير أموال وتجارة العالم، وتوفر الملاذات الأمنة والغسيل المضمون لدولارات المخدرات القذرة التي قد تعادل نصف حجم التجارة العالمية الشرعية (أى فى حدود 3 ترليون دولار). لذا لا يمكن أن تتنازل تلك البنوك عن غنيمة بهذا الحجم ذات تأثير جوهرى على كيانها المسيطر على الإقتصاد العالمى.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن للإدارة والأجهزة المسلحة (جيش ومخابرات) نصيب مجز من العملية، إضافة إلى أن الغطاء الحقيقى للدولار الأمريكى الآن هو تجارة الهيروين / أى فى الأصل أفيون أفغانستان / وليس دولار النفط. وقيمة دول النفط وإماراته إنتقلت مضاعفة إلى أفغانستان، التي تتمتع بأهمية مطلقة فى ظل التطورات الدولية الأخيرة ـ خاصة بعد تصاعد مكانة قارة آسيا والصين فى إقتصاد العالم، وتأثيرات إيران على إجمالى غرب آسيا، وانبعاث روسيا من جديد صوب مكانة المركز الثانى عالميا، عسكريا وسياسيا، والهند التي يقترب إقتصادها من المركز الثالث أو الرابع عالميا.

–  سريعا ما اكتشف الجيش الأمريكى ما سبق واكتشفه الجيش الأحمر السوفيتى من قبل من أن تلك الحرب ليست للجيوش. فأعطت الإدارة الأمريكية مكانة بارزة للإستخبارت الأمريكية CIA فى إدارتها. وفى البداية كان لمكتب التحقيقات الفيدرالى دور بارز في عمليات المطاردة والتعذيب والسجون السرية، بالتكامل مع المخابرات المركزية.

–  قفز ترامب قفزة ثورية فى إدارة الحرب الأفغانية حين إستوحى من صديقة ” إريك برنس” فكرة أن يكون المرتزقة هم عماد الحرب لصالح الولايات المتحدة، على غرار تجربة شركة الهند الشرقية البريطانية فى القرن الثامن عشر.

” أريك برنس” مع شركاء إسرائيليين أحيا مآثر شركته السابقة ” بلاك ووتر”، وتوسع فيها. ونشاط المرتزقة أصبح يديره إتحاد مؤسسى يجمع بين جهازى CIA والموساد الإسرائيلى أما دور الجيش الأمريكى فقد تحدد فى حماية المنشئات الحساسة والقواعد العسكرية وتخليص قوات المرتزقة من مآزقهم العسكرية مع طالبان.

–  شركات الصناعة العسكرية دعمت فى البداية بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان، رغم رغبته المبكرة فى الإنسحاب نتيجة عدم التخصص، مع خطورة أمثال تلك الحروب على تماسك الهياكل التنظيمية والروح المعنوية للجيوش، وناهيك عن التردى الأخلاقى الناتج من توافر الهيروين الجيد والرخيص، وكافة المخدرات الأخرى.

شركات السلاح الأمريكية شحنت أفغانستان بمعدات جنونية، لا حاجة لها فى حقيقة الأمر. الكميات مبالغ فيها كثيرا، وكذلك النوعيات التي لا مبرر لوجودها، وصولا إلى الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى، وهى لا تهدد مقاومة الشعب الأفغانى والامارة الاسلامية، بل تهدد روسيا والصين وإيران.

–  السلاح الأمريكى التقليدى المختزن فى أفغانستان يكفى لحرب تقليدية عظمى فى المنطقة، والصواريخ النووية تكفى لإشعال حرب نووية تحرق العالم كله.

إنخفض طلب المزيد من الأسلحة لأفغانستان من شركات صناعة السلاح، فإنخفض حماسها لتلك الحرب. وبالتالى لم تعد تضغط على الجيش من أجل البقاء هناك. فأتم الجيش الأمريكى إنسحابه القتالى من أفغانستان مبقياً على حراسات للقواعد العسكرية الأساسية، خاصة قاعدة بجرام الجوية، التي هى القلب النابض للمشروع الأمريكى فى أفغانستان، بل فى المنطقة كلها، بداية من مصانع الهيروين وصولا إلى مخازن الصواريخ النووية.

الجيش الأمريكى فى أفغانستان هو قوة من “خفَرْ القرى” المعروفين فى المشرق العربى. ولكنها قوة لديها، قطع مدفعية وطيران لمجرد تذكير الجنود بأنهم جزء من جيش (الدولة الأعظم)الذى كشفت حرب أفغانستان، بل وساهمت بشدة فى تحويله إلى الجيش الأكثر فسادا فى العالم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

قوات “الدليفرى السريع“ : أين صواريخ بجرام النووية؟؟

ما تبقى من قوة أمريكية فى أفغانستان تحولت إلى قوة (دليفرى) أى توصل الطلبات إلى منازل الزبائن. والطلبات هى مادة الهيروين، والأموال بأنواعها القذرة المغسولة، وفى النهاية تبيع أسلحتها فى المزاد، وتوصلها للزبائن فى بيوتهم.أو تؤجرها للمقتدرين داخل أفغانستان.

إلى جانب مهام أخرى مهينة للجيش وكرامته العسكرية، مثل تحوله إلى مجرد حارس لقواعد عسكرية تدير مصانع الهيروين. وتحرس مخزونات السلاح التي تفوق الخيال فى قاعدة “بجرام” والتى أصبحت تفكك وتعبأ فى صناديق لتباع كقطع غيار ـ أو إلى أسلحة يعاد تجميعها مرة أخرى خارج افغانستان ـ لأى دولة ولأعلى سعر. فى تجارة عظمى تعتبر من غرائب العالم الأمريكى. والمشترى يمكن أن يكون أى أحد. فليس من السهل ـ ولا يتكرر ذلك كل يوم ـ أن يبيع جيش معداته وهو مازال ـ رسميا على الأقل ـ يباشر تلك الحرب أو أنها تدار بإسمه، بينما يقاتل نيابة عنه فى ميادينها تشكيلة واسعة من المرتزقة، يقودها تحالف إستخبارى يجمع بين دولة عظمى (أمريكا) ودولة متطفلة عليها (إسرائيل).

من الطبيعى أن يضغط قادة الجيش على ترامب كى ينهى حرب أفغانستان، حتى لا يظل الجيش وسمعته مرهونتان بحرب لا يقودها، ولم يعد له فيها ناقه ولا جمل. بل ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى شئ آخر فاسد وخطير، ينشر فساده فى العالم، ويعبث بأسلحة تهدد الجميع. حتى صار الجيش الأمريكى هو الخطر الأكبر على العالم بما فيه أمريكا نفسها.

–  (التحالف الإستخبارى المتمرد فى أفغانستان) أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش كممثل عن الدولة الأمريكية ـ من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

 

حرب يديرها جنرالات مارقون بلا قيادة موحدة :

يمكن القول أن قاعدة بجرام الجوية قد أضيفت إليها ميزة جديدة وعجيبة، كونها أكبر سوق فى العالم للسلاح المستخدم ـ أو الجديد ـ وربما للصواريخ النووية التي تشكل لغزا يشكل تهديدا خطيرا لأمن العالم.

فهل مازالت الصواريخ فى بجرام؟؟ ـ أم أنها نقلت إلى منطقة جبلية وعرة أقرب إلى حدود الصين كما يشاع بين العاملين فى بجرام؟؟ وهل ذلك السلاح النووى مازال تحت سيطرة الجيش الأمريكى أم أنه تحت سيطرة التحالف الإستخبارى، الذى يزيد من خطورته كون الذين يديرونه هم جنرالات مارقون، وليسوا خاضعين بشكل كامل لأى حكومة على الإطلاق، لا خارج أفغانستان ولا داخلها. كما أنه تحالف مجهول غامض القيادة. كل ما فيه محاط بالسرية، كطبيعة العمل الإستخبارى.

–  فإذا خضع السلاح النووى لقوانين العرض والطلب فى السوق الدولى، فان المخاطر ستكون غير محدودة. والتحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان يمكن أن يدعى ـ حقا أو كذبا ـ أنه فقد شيئا من تلك الأسلحة ـ خاصة وأن قاعدة بجرام تحت ضغط عسكرى وإختراقات أمنية خطيرة، وتعانى من تسرب إلى الخارج فى كل شئ، ويمكن أن يكون هذا الشئ نوويا.

فماذا لو تسربت الصوايخ النووية إلى أعداء الولايات المتحدة؟؟ ـ والأخطرهو: ماذا لو تسربت إلى أعداء إسرائيل؟؟ ألن يشكل ذلك تهديدا لها، وقد تمتد خطورته إلى مشاريعها الإستثمارية العظمى، مثل سد النهضة فى الحبشة؟؟

–  يزيد المشكلة تعقدا أن من يتقدم لشراء الأسلحة الأمريكية فى أفغانستان هى شركات دولية عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات. وهذا يجعل المحطة النهائية لمسيرة السلاح غير محددة، وقابلة للتبديل.

ويتميز “بازار” قاعدة بجرام بنزعة ليبرالية، فالكلمة للمال، فمن يمتلكه يشترى أى شئ. حتى تمكنت حركة طالبان من الحصول على تسليح إستثنائى من قاعدة بجرام وغيرها ـ شمل الطلقة والقنبلة والصاروخ والشحنة المتفجرة. ولا قيمة لدى إدارة “بازار” بجرام الدولى لأرواح الجنود المقاتلين من المرتزقة، فتلك بضاعة رخيصة يسهل إستبدالها.

–  التحالف الإستخبارى (CIA / موساد) الذى يحكم أفغانستان ويتحكم فى إدارة الحرب هناك من أخطاره الكثيرة أنه لا يمتلك قيادة موحدة، لا على المستوى السياسى ولا على المستوى العملياتى، ولا على المستوى التجارى. ولكل واحد من عناصر الضياع القيادى فى تلك المستويات القيادية العليا مخاطر كثيرة. بعضها يهدد ذلك التحالف الإستخبارى وينزلق به صوب هزيمة تاريخية. وذلك ما تعمل عليه الإمارة الإسلامية.

فالتحالف المارق يفتقد إلى إستراتيجية للحرب، كما أنه عشوائى فى العمل التكتيكى، وتوقفت حاسة الإبداع عنده بعد ما إستنزفت التكنولوجيا نفسها ولم تصل إلى النتيجة المرجوة. مثل توقف تأثير الطائرات بدون طيار (درون) على معنويات الشعب والمجاهدين. وبالمثل هجمات الرعب الليلية ضد القرى، والتى زادت من إقبال الشعب على التطوع فى صفوف طالبان.

إفتضاح دور الهيروين كدافع وحافز على إستمرار الحرب، دفع الشعب إلى توسيع عمليات مقاطعة عملاء أمريكا وحجب وصولهم إلى محصول الأفيون. فلم يتمكن الأمريكيون من إصدار تقريرهم السنوى عن وضع الأفيون فى أفغانستان، متعللين بفيروس كورونا “!!”.

المساهمة الشعبية فى قطع اليد الأمريكية عن أفيون أفغانستان قلص أيضا من حصة التحالف الإستخبارى المارق من الأفيون، وبالتالى تقلصت قدرته على إنتاج الهيروين. وتقول نشرة الأخبار القادمة من قاعدة بجرام أن هناك إنتاج مكثف للمخدرات الكيماوية، وبكميات خرافية، لتوزيعها حول العالم لتعويض خسائرالأمريكيين فى مجال الهيروين.

–  فى السباق نحو المليارات ظهرت التناقضات بين مصالح أركان التحالف الإستخبارى الذى عانى من التشرزم. فمكوناته تسابقت نحو جذب أكبر قدر من أجهزة النظام الحاكم واستغلاها. فأصيب النظام بشروخ خطيرة تطورت إلى صدامات مستترة، وصدامات أخرى صريحة تتكلم عن نفسها. وبما أن الخلاف هو حول المليارات فإنه سريعاً ما يصبح مسلحاً. وإذا لم تكن العصبيات العائلية والقبيلة كافية، فإن المرتزقة يقدمون خدماتهم للسعرالأعلى. والقاتل المأجور قد يقتل من إستأجره فى المرة التالية. وشركات القتل ترى فى إزدياد نهر الدماء دليلا على الرواج وزيادة الأرصدة والأرباح، تحت غطاء الحرب غير المنتهية والتى توفر لهم أرضية لإتهام أطراف أخرى.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود ولا نهاية. والإتفاق السياسى مع هؤلاء المارقين مؤقت ومرتبط بالمصالح المالية، فهى الهدف والوسيلة إليها هى القتل بإستخدام الوسائل المتاحة.

قد يخضع الجنرالات المارقون للضغط ـ ولو بشكل مؤقت ـ لو توفرت الأدوات اللازمة. والإدارة الأمريكية فقدت القدرة على الضغط المؤثر لأن جيشها لم يعد هناك كجيش. وقادة المخابرات المتبقين فى الميدان وضعوا قوانينهم الخاصة، وليسوا مقيدين بغير الأهداف التي يحددونها لأنفسهم.

 

قوات الحثالة لحفظ ماء وجه ترامب :

يسعى ترامب إلى إمتلاك قوة ضاربة فى أفغانستان تمكنه من التأثير والضغط. ورغم ذلك فإنها لا تضعه فى موقع المتحكم أو حتى فى صدارة متخذى قرار الحرب والسلام فى أفغانستان. ولا تمكنه من إقرار إستراتيجية لإدارة وإستغلال كنوز الأفيون.

 

فى يد ترامب القوات العسكرية التالية :

ـ قوات من أزربيجان وأرمينيا، ورومانيا، ومن على هذه الشاكلة من الغثاء، من دول هامشية تتسول الدولارات والدعم السياسى الأمريكى.

 

ـ قوات استراليا ما زالت رغم قلة عددها تحتفظ بسمعتها كأكثر وحدات الإحتلال وحشية فى معاملة الأفغان. وهناك قوات ألمانية وبريطانية وكندية قليلة العدد.

قوات الحثالة تلك تتيح لترامب حصة من الأفيون ومادة الهيروين، مع المخدرات الكيماوية التي يشير تقرير UNODC إلى أنها إنتشرت كثيرا فى العالم بثمن رخيص وضرر صحى فادح.

ولكن تلك القوات لا تتيح له التحكم فى الحرب أو تمنحه القدرة على وقفها. ومن هنا يأتى الإحراج الدبلوماسى، إذ ربط ترامب نفسه بموعد للإنسحاب النهائى فى أبريل القادم.

ولكن الحرب لن تقف بأى حال، لأن ضباط الإستخبارات المارقين سوف يستمرون فى القتال. وساعتها ستكون أمريكا فى حرج إزاء تبرير ذلك، سوى إلقاء اللوم على أى طرف آخر.

 

إنقلاب (الجيش السرى) الأمريكى :

تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يشبه ما واجهته فرنسا فى بداية ستينات القرن الماضى، عندما تمرد جنرالات الإحتلال للإبقاء على الجزائر أرضاً فرنسية. رافضين ما وعد به الجنرال ديجول رئيس فرنسا بالإنسحاب من الجزائر. شكَّل الجنرالات المارقون منظمة عسكرية سرية تعمل على إبقاء الجزائر مستعمرة فرنسية وأسموها (الجيش السرى). وحاولوا ترتيب إنقلاب مسلح داخل فرنسا نفسها والإستيلاء على السلطة من أجل منع إستقلال الجزائر. وقام (الجيش السرى) بمجازر ضد سكان الجزائر المسلمين.

– جنرالات الإستخبارات الأمريكيون فى تمرد فعلي للإستقلال بأمر أفغاستان، رافضين تماما الإنسحاب منها، مستخدمين القوة المسلحة المتاحة لديهم للإبقاء على الوضع الحالى. فى عمل يهدد بوقوع إنقلاب عسكرى إستخبارى داخل الولايات المتحدة، سواء قام به الرئيس نفسه مستبقا جنرالات أفغانستان المارقين، أو إنقلاب يقوم به هؤلاء المارقون بدعم من مؤيديهم فى الوطن. وكل من الرئيس والمارقين مستند على قوة أساسية تقف عليها أمريكا (وفى ذلك إنقسام خطير يهدد الدولة حتى وإن لم يحدث الإنقلاب). فالمارقون تدعمهم البنوك اليهودية الكبرى التي تشكل لها أموال مخدرات فغانستان شريان الحياة. والرئيس تدعمه جبهة غير متناسقة تفتقر إلى الترابط، مكونة من بعض قيادات الجيش العليا، وقطاع من الإستخبارات والأمن الداخلى، ومن صناعات السلاح، وإحتكارات النفط التي ترى فى حرب أفغانستان عائقا أساسيا لمرور نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانسان إلى العالم.

ومن الواضح أن إحتمال الإنقلاب العسكرى غير مستبعد داخل الولايات المتحدة حاليا حتى أن الرئيس الأمريكى يُهدِّد به فى حال عدم فوزه بالإنتخابات.

وفى أكثر من مناسبة أظهر البنتاجون ـ وزارة الحرب الأمريكية ـ إحتقاره للرئيس وتجاهل أوامره، حتى كشف ترامب عن قوات عسكرية سرية خاصة به، ولا تحمل شارات مميزة، وقام بإستخدامها لقمع المتظاهرين فى أكثر من مدينة أمريكية. وهو أسلوب مقتبس من الأساليب النازية فى ثلاثينات القرن الماضى.

– من الملاحظ تقارب فوق العادة بين الرئيس الفرنسى والرئيس الأمريكى، خاصة فى المعضلة اللبنانية، ولكن لا يستبعد أن هناك خبرة فرنسية تنتقل الآن إلى الولايات المتحدة حول تجربة الجيش السرى الفرنسى فى حرب الجزائر.

فأفغانستان الآن يسيطر عليها ويديرها جنرالات منشقون عن الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، ولا يسيطر عليهم أحد. وسيقاتلون لآخر جندى مرتزق حتى تبقى أفغانستان مستعمرة للمرتزقة تنتج الهيروين، وتغسل أموال المخدرات. وتتاجر بأحدث الأسلحة الأمريكية التقليدية وربما النووية وصواريخها قصيرة ومتوسطة المدى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 175) | محرم ١٤٤2ھ – سبتمبر٢٠٢٠م .  

04-09-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (25)

جبل تورغار: الإعداد للضربة القاضية

– خوست كانت تترنح فعلياً ويترنح تبعًا لذلك مستقبل النظام في كابل ومستقبل المشروع الدولي الأمريكي، في أفغانستان.

– لقد كان حقاني هو المصدر الأساسي لذلك الخطر، لذا كان أمنه الشخصي في خطر. ومنذ أشهر قليلة اُحْبِطَت محاولة لتفجير سيارته، فقد لصق أحدهم بها قنبلة مغناطيسية.

– لم نكن ندري أن حقاني كان  يتعرض وقتها لمحاولة اغتيال جديدة، وأصيبت سيارته.

– كان المنظر مهيبًا، خرج حقاني ومعه أخواه خليل وإبراهيم، وعدد من أبنائه الصغار، وعلى باب البيت وقفت أمه العجوز وهي تمسك بيدها مسبحتها الطويلة وتتمتم بالدعاء وتَجْمَع الأطفال الصغار من بين السيارات وتدفعهم إلى داخل البيت وهي تؤنبهم بشدة،  بينما بعض الأطفال يحاولون التعلق بالسيارات والذهاب مع آبائهم إلى الجبهة.

–  حقاني الذي شجع أمريكا وروسيا علي تثبيت نجيب في الرئاسة هو توقف الجهاد في أكثر مناطق أفغانستان، مع وجود حكومة ضعيفة للمجاهدين في باكستان.

– زوجة جيلاني قالت لإذاعةبي بي سيلقد تعبنا من القتال والدماء، ونريد لشعبنا أن يستريح . والشيوعيون الذين خدموا الشيوعية لمدة عشرين سنة والضباط الذين حصلوا على الرتب  في مقابل قتل المسلمين، كل هؤلاء يقولون عنهم مسلمون طيبون حتى يشاركوا في الحكم القادم للبلاد.

– عندما أقسم حقاني أن يقاتل حكمتيار .

– رد الشيخ حقاني بهدوء وتأثر: الظروف الآن عادت كما كانت في بداية الجهاد، وكما كانت في صدر الإسلام، فتمايزت الصفوف ولم يبق في الجهاد سوى المخلصين.

– هؤلاء الجنود لم يفروا بل قاتلوا بعنف حتى يتركوا مواقعهم . فقتلوا رؤسائهم، كما قتلوا الميليشيات . وقتل من هؤلاء الجنود أربعة أفراد وجرح أربعة آخرون.فسحبوا معهم جثث زملائهم، حتى يدفنوها فى(مقابر المسلمين)باعتبارهم شهداء .

– الصحفي البريطاني يسأل حقاني عن رأيه فيما قاله مولوي (نسيم آخونزاده) القائد القوي في هلمند بأنه سيزرع المخدرات في مناطقه حتى يتمكن من الاستمرار في الجهاد بعد أن توقفت المساعدات الخارجية.

– ركز الصحفي على إمكانات حقاني، وهل تكفي لفتح خوست. وسأل عن استعداده لوقف القتال إذا تمت تسوية بين حكومة بيشاور المؤقتة وحكومة نجيب الشيوعية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

معلومات من الأسرى:

 عدت ليلاً إلى ميرانشاه مع عثمان وإبراهيم وأبو الحارث، وزكي وهو مجاهد باكسـتاني تخصص في تصوير المعارك وعاني في نهايات الحرب من شظية أصابت رأسه.

كان في مضافة حقاني عدد كبير من كومندانات المعارك كان الجميع يستمعون إلي إذاعة خوست التي أقامت مهرجان لما أسمته الانتصار الكبير في تورغار. وكان غريباً أن تذكر إذاعة خوست صديقي عبد الرحمن وتتباهى بأنهم قتلوه منذ سنتين فوق تورغار ووصفوه بأنه كان خبيراً مصرياً في الأسلحة.

 ولكن ماذا قال لنا الجنود الأربعة الذين التحقوا بالمجاهدين وقت معركه تورغار؟ .

كان الحديث معهم مفيدًا لكون معنوياتهم مرتفعة فرحاً بنجاح عمليه الفرار، والشيء المشترك لأمثال هؤلاء ممن قابلناهم في تلك المرحلة وحتى نهاية الحرب هو المعنويات المرتفعة والحماس للجهاد حتى أن ذلك الحماس انتقل إلى المجاهدين أنفسهم، فقد كانوا يبشرون بقرب انهيار الجيش.

كان الأسرى يعملون في معسكر تدريبي ملحق باللواء الثاني الحدودي وهم: “إمام مالي”، و”محمد دين”  من بدخشان، ثم “غلام سخي” من مزار شريف و”محمد هاشم” من ميمنة عاصمة فارياب. وصلوا جميعاً إلى خوست منذ شهرضمن فوج جاء من كابل للتدريب وعددهم 165 فردًا فرّ منهم حتى الآن 65 شخصًا.

وقد نزلت بهم الطائرة وسط قصف المجاهدين، وقفزوا منها بسرعة واستدارت فوراً عائدة من حيث أتت. عن “عجب خان مزاري” قالوا إنهم لايعرفونه ولكن سمعوا أنه ذهب إلى كابل، ولا يدرون إن كان جريحًا أو قتيلاً.

محمد دين قال إنه كان في المستشفي عندما وصلته 16 جثة من قتلي معركة تورغار وما حوله وأن الجرحي كثيرون، وأن المواد الغذائية في المدينة قليلة جداً.

وعن معركة ماشغور قال الجنود بأن 15 من كبار ضباط الحكومة قد قتلوا هناك منهم مديـر الاستخبارات(خاد)ومدير الأمن ومدير شئون القبائل. وحسب معلوماتهم فإن المواقع هناك مازلت في أيدي المجاهدين وأن الحكومة مازالت تقصفها.

وعن معركة إسماعيل خيل قالوا بأنه أثناء المعركة فرّ كل سكان المنطقة وما حولها والجنود والميليشيا ولم يبق هناك سوى المدفعية وأن المجاهدين لو استمروا في المعركة ساعتين أخريين لاستولوا على المدينة ذاتها.

وقالوا بأن قتلى الحكومة في تلك المعركة كانوا كثيرين، وأن ثلاث طائرات قد ملئت بالجثث ونقلتها إلى كابول وذلك بعد يومين من المعركة.

وعن تورغار قالوا بأن المجاهدين قد نجحوا قبل المعركتين الأخيرتين على تورغار من قطع طريق الأمداد الخلفي، خاصة بعد أن انفجرت الألغام في مصفحة وسيارة نقل الماء في أواخر ديسمبر الماضي، ومن يومها وإمداد الجبل يتمعلى الأقدام وتحت جنح الظلام.

   دار في رأسي شريط أحداث المعارك الأخيرة، فقد فشل هجومان متتاليان على تورغـار، إضافة إلى فشل في إسماعيل خيل غرب الوادي.

إنها بداية متعثرة للعمل العسكري هذا العام، أما المطار فرغم الخسائر الكبيرة للعدو في الطائرات  إلا أنه مازال ينجح في الهبوط. والمطار يبقى أياماً طويلة بدون أن يهتم به أحد.

 وفجأة يتذكر الجميع فيقع المطار في أزمة وتقع خسائر الطائرات. إنها حالة يمكن تسميتها (بملاريا المطار) أي موجات من الحرارة المرتفعة إلى حد الاشتعال تعقبها برودة إلى حد التجمد.

لكن خسائر العدو كبيرة وحالة الحصار قللت كميات الطعام والذخائر ومستشفى المدينة يئن من ازدحام حالات العسكريين حتى أن البقاء فيه يحتاج إلى واسطة.

 الضباط الحزبيون وحدهم لهم حق البقاء فوق الأسرة لاستكمال العلاج، أما غير الحزبيين أو الجنود فالعناية بهم ناقصة و ينتزعون من فوق أسرتهم ويلقون في عرض الطريق ويتهمون بالتمارض حتى ولو كانت أعضاؤهم ممزقة.

أما الأهالي والميليشيات المحلية فلا أمل لهم في تلقي العلاج الكافي غير أقراص ملونة يستلمونها على باب المستشفي بدون فحص.

رجعت إلى بشاور في الساعة الرابعة عصراً في اليوم الرابع من فبراير لقد عاد لي شيء من حماسي القديم الذي كان في تلك الأيام الخالية في باري والمطار.

 

 

محاولات متتابعة للاغتيال :

الأحد 11 فبراير 1990

وصلت ميرانشاه ومعي عدة نسخ من العدد الأول لمجلتنا منبع الجهاد.

جلست مع أبو الحارث في المكتب الثقافي، وقد أخبرني أن حقاني على وشك الوصول من منطقة خلدن الحدودية، داخل أفغانستان، حيث يعقد عدد من القادة من منظمات مختلفة اجتماعاً طارئاً لمعالجة مشكلة محافظة لوجر.

ولكن الحكومة المؤقتة والأحزاب في بشاور لم تتحرك، فكانت المبادرة من حقاني للبحث عن حل ذاتي من بين قيادات الداخل. وقد وصلت الأنباء بأن القادة المجتمعين قد قرروا إرسال 200 مجاهد لدعم مجاهدي لوجر، وكان حقاني يخشى أن تحاول القوات الحكومية أن تواصل تحركها من جرديز إلى خوست عن طريق (منجل) فيشتت ذلك مجهوده العسكري ضد خوست، ويتحول جزء كبير من قوته للدفاع عن ذلك الطريق الطويل، وهو أمر يحتاج إلى تخصيص جزء كبير من الإمكانات البشرية والمادية.

 ولابد أن يضعف ذلك مجهوده القادم في خوست التي كانت تترنح فعلياً ويترنح تبعاً لذلك مستقبل النظام في كابل بل ومستقبل المشروع الدولي، الأمريكي، في أفغانستان.

 لقد كان حقاني هو المصدر الأساسي لذلك الخطر، لذا كان أمنه الشخصي في خطر.

فقد تلقى حقاني مؤخراً تهديدات من بعض تجار منطقة القبائل الذين تضرروا من عمليات التضييق على تهريب البضائع إلى خوست.

ومنذ أشهر قليلة أحبطت محاولة لتفجير سيارته أثناء توقفها بين بنون وميرانشاه أمام حاجز مروري، فقد لصق أحدهم بها قنبلة مغناطيسية موقوتة.

وبينما كنا نتحدث عن تلك الموضوعات لم نكن ندري أنه في نفس الوقت تقريباً كان حقاني يتعرض لمحاولة اغتيال جديدة، وأصيبت سيارته بعدة طلقات،

وكان يمكن أن يصاب حقاني لو أنه احتفظ بمكانه التقليدي في المقعد خلف السائق، ولكنه كان قد بدل موقعه في السيارة بعد خروجهم من صلاة العصر من مسجد على الطريق.

لم يقص لنا أحد ذلك الخبر المزعج في نفس اليوم فقد تكتم حقاني ورجاله على الأمر، وبعد وصولهم أدخلوا السيارات فوراً في مرآب السيارات. علمنا بالموضوع في عصر اليوم التالي وشاهدت مع أبو الحارث ثقوب الطلقات في الجانب الأيمن للسيارة وعندما سألت حقاني بعدها عما حدث وهل هو حادث مدبر أم لا، قال إنها مجرد مصادفة لأن في نفس المنطقة قبيلتان في حالة عداوة واشتباكات، وأن السيارة الأمامية في موكبه قد توقفت صدفة عندما انفتح فجأة غطاء محركها أثناء المسير فنزل السائق لإغلاقه فانهمر علينا الرصاص لأن أفراد كامنون من القبيلة المعادية ظنوا إننا قوة مهاجمة، فطاردهم رجالي ولكنهم فروا في الجبال.

لم تهدأ شكوكي بطمأنة حقاني، بل ظننت أن سائق السيارة الأمامية قد يكون هو الآخر متآمراً ومن السهل عليه فتح غطاء السيارة أثناء تحركها والغريب أن اختار موقعاً فوق أحد الجسور على الطريق بحيث تصعب مناورة الاختباء على من خلفه وهي سيارة حقاني وحراسه.

قفز إلى ذهني قصف حقاني بالطائرات فوق مركز القيادة وأسفل منه، وبصواريخ سكود في مركز خليل وفي الطريق المؤدية إليه . حتى أنني سمعته بنفسي عندما اشتعل حولنا الجبل بالقذائف العنقودية واشتعلت حولنا الأعشاب الجافة والأشجار حتى أخذنا نسعل من الدخان، لقد صاح بأن هناك جاسوس يرصد حركتهم، وصرت لا أستبعد هذا الاحتمال بل أرجحه.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

الثلاثاء 13 فبراير 90 :

أخبَرَنا حقاني أن كل الترتيبات قد اتخذت لبدء العمليات في الجبهة وأننا سوف نغادر اليوم إلي باري. وغصت دار الضيافة بعشرات من الكومندانات، بينما جلس حقاني في غرفة داخلية صغيرة وكان يستدعي المنتظرين فرداً فرداً أو في مجموعات صغــيرة وينهي معهم الموضوعات المتعلقة بالعملية القادمة، كان حقاني يبدأ مثل تلك الاجتماعات بعد أن ينهي صلاة الضحى في السابعة صباحاً.

استمر ذلك النشاط حتى بعد صلاة الظهر، وتناول الجميع طعام الغداء قبل ذلك. في الثالثة والنصف بدأ تجهيزات الحركة، استعدت سيارة حقاني ومعها سيارتان للحرس مع قافلة كبيرة من سيارات(بيك آب) تحمل مجاهدين و كومندانات وذخائر. كان المنظر مهيباً، وخرج حقاني ومعه أخواه خليل وإبراهيم .عدد من أبنائه الصغار خرجوا لتوديعه، وعلى باب البيت وقفت أمه العجوز وهي تمسك بيدها مسبحتها الطويلة وتتمتم بالدعاء وتجمع الأطفال الصغار من بين السيارات وتدفعهم إلى داخل البيت وهي تؤنبهم بشدة، بينما بعض الأطفال  يحاولون التعلق بالسيارات والذهاب مع آبائهم إلى الجبهة، فاضطرت الجدة العجوز إلى الإمساك بعصا طويلة ومطاردة الصغار وساعدها بعض الحرس في إبعادهم عن عجلات السيارات.

وعندما بدأت السيارات في الحركة رفعت الجدة يديها إلى السماء واستغرقت بالدعاء وقد اغروقت عيناها بالدموع.(كان ذلك من أكثر المواقف الإنسانية تأثيراً والتي شاهدتها في أفغانستان . وقد كتبت عنه بشيء من بالتفصيل).

نقاط الميليشيا على الطريق لا توقف الموكب سوى لثوان معدودة، فالسيارة في المقدمة تتولى شرح الموقف وتقديم المستندات والتصاريح اللازمة، إلى جانب بعض الأموال بطبيعة الحال.

بعد أن عبرنا المركز الحدودي الأخير في غلام خان توقفنا إلى جانب جدول الماء للوضوءوالصلاة، ثم استأنفنا المسير في الوادي المتعرج بين الجبال.

 أوقفتنا غارات الطيران مرتين، مرة غارة بالطائرات النفاثة وأخرى بالقاذفات المروحية الثقيلة. استغرقنا في الطريق وقتاً أكثر من اللازم ولكن وصلنا، بحمد الله، سالمين ودخلنا إلى مسجد معسكر خليل لنلحق بالمصلين في صلاة المغرب خلف مولوي نظام الدين، نائب حقاني.

وبعد الصلاة اجتمعنا في المغارة العليا، وقدم نظام الدين تقريراً عن أحوال الجبهة لهذا اليوم المشمس. فلم يكن غير ضربات الطيران المستمرة منذ الصباح ولكن لاخسائر في الأرواح، ثم حدثه حقاني عن اجتماع خلدن وتحرك المجاهدين صوب لوجار.

صلينا العشاء في مسجد المعسكر، وهناك قضيت الليل البارد فوق الأرضية الأسمنتية، وفي أمثال تلك الأيام المزدحمة يكون الفوز بغطاء هو من علامات رضاء الوالدين ودعواتهما الصالحة. وقد فزت بغطاء، فحمدت الله كثيراً.

 

الأربعاء 14 فبراير 90 :

استيقظنا على أذان الفجر. في خارج المسجد كانت الأرض عبارة عن بساط من الثلج المتجمد من الصعب حفظ التوازن فوقه. ثم توضأنا بماء الجدول المثلج فاحمرت الوجوه والأطراف وانبعث فينا النشاط نتيجة الرجفات المتوالية التي اجتاحت أبداننا. بعد الصلاة صعدنا للقاء حقاني في المغارة العليا، فحملت أمتعتي وصعدت الطريق المتعرج الصاعد إلى المغارة.

كان الجليد مازال منبسطاً على الطريق الصخري الضيق وفجأة حصلت على ما أسميه (سقطة كاملة) وهي تحدث عندما يجد الإنسان قدمه التي وضعها فوق الأرض قد ارتفعت فجأة إلى أعلى من مستوى الرأس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى انبساط الظهر بالكامل فوق الأرض، وما يصحب ذلك من صوت الارتطام الذي قد و ربما، يصحبه صوت تأوه مع أصوات ضحكات ممن رأى المشهد المثير،  اعتدلت تم واصلت المسيرة عندما تأكدت أن أياً منعظامي لم يصبه العطب.

كان النهار مشرقاً وذلك في الجبهات نذير شؤم وشر مستطير من غارات الطيران. أفطرنا مع الشيخ حقاني شاياً بالحليب، مشروبنا القوِمي، وعسل نحل من جبال زدران المباركة. وصل خبر من عبد العزيز في مركز اللاسلكي والترصد والقيادة، فقال بأن صاروخي سكود سقطا على منطقة دير ملك ولكن أحداً من المجاهدين لم يصب بأذى. وكذلك استهدف الطيران نفس المنطقة بعدة غارات لم تسفر هي الأخرى عن خسائر.

كانت بداية ساخنة جداً لنهار مازال في ساعته الأولى. هناك ساحة مواجهة لغرفة مبيت حقاني التي هي مغارة صغيرة ملحق بها في نهايتها مخزن صغير ذو باب حديدي مثل أبواب الزنازين، وهذه الزنزانه تستخدم كمخزن للأشياء الهامة جداً، وهي متصلة بواسطة باب صغير بمغارة الضيوف.

في الساحة التي غمرتها أشعة الشمس، وجدت صديقي العزيز مولوي عبدالحليم جالساً مسنداً برأسه إلى الحائط الصخري خلفه، ماداً ساقه الخشبية أمامه، وعلى وجهه ابتسامته الطيبة التي لاتكاد تفارقه في كل الظروف. يذكرني ذلك الشيخ الطيب بجبل تورغار، ومآسيه، فهناك فقد ساقه اليمنى وهو يحاول انتشال شاب عربي يدعى(أبو الدراء) استشهد وسط الألغام بعد محاولة لم تكلل بالنجاح لاقتحام الجبل العنيد.

حاول الشيخ أن ينهض لمعانقتي، ولكنني منعته وعانقته وهو جالس وقبلته فوق رأسه. ولم يلبث أن اجتمع عدد كبير من قيادات الجبهة في الساحة الضيقة وقد توسطهم الشيخ حقاني وإلى جانبه مولوي نظام الدين، والشيخ عبد الحليم. كان الحديث عاماً عن المعارك مع التوصيات بالثبات والجهاد، ولم يتطرق الحديث إلى تفاصيل المعارك الوشيكة.  انصرف التجمع وبدأت لقاءات ثنائية بين حقاني وعـدد من الكومندانات الكبار.

وصلت طائرة استطلاع مروحية على ارتفاع شاهق فوق منطقتنا  وأعقبتها غارات جوية عنيفة على المنطقة من مركز خليل وحتى منطقة تورغار، واستمر ذلك الهم حتى غروب الشمس. تناولنا طعام العشاء في المسجد، وقد وصل ضيفان جديدان من العرب أحدهما أبو محمـدالسوري ، من جماعته أبو الحارث، وبرفقتهشاب سعودي أراه لأول مرة.

 

حقاني: تمايزت الصفوف

الخميس 15 فبراير 90 :

شعرت بسعادة بالغة وأنا أسمع صوت مؤذن المعسكر وهو ينادي لصلاة الفجر فذلك يعني بالنسبة لي انتهاء ليلة من المعاناة وانتظار انتهاء الليل. فالمكان يحاكي في برودته مغارة في القطب الشمالي.

اقترح أبو الحارث أن نصعد إلى مغارة الشيخ لإلقاء التحية، واحتساء كوب من الشاي بالحليب لرفع المعنويات. رافقنا في الرحلة أبو محمد السوري وضيفه السعودي، وعالم من سوهات في باكستان. علمنا من الشيخ حقاني أن المعارك وشيكة، وعلى ما يبدو أن العدو كان يعلم بذلك، وقد بدأ بضربات إجهاضية بالطيران والصواريخ منذ يومين، وقد تقرر أن يغادر أبو الحارث وأبو محمد السوري وضيفه السعودي إلى مركز الدكتور نصرت الله في بـوري خيل (مدخل وادي باري من جهة خوست).

أما الشيخ حقاني والعالم السوهاتي، والعبد الفقير إلى الله فوجهتهم ” جبـل الترصـد”، أي مركز حقاني وقت العمليات، وقبل أن نشرع في التحرك وجه لي حقاني حديثاً بشكل مفاجئ، وشعرت أنه يعاني من ضيق داخلي شديد وهو ينفجر قائلاً: خلال اليومين الماضيين قـالت الإذاعات أشياء كثيرة، منها أن القوة الحكومية قد وصلت إلى جرديز، أما راديو كابول وهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) فقد قالوا بأن روسيا وأمريكا قد اتفقتا على قطع المعونـات عن نجيب  والمجاهدين، بينما روسيا ترسل في الواقع مئتين وخمسين مليون دولار شهرياً لحكومة نجيب، واستطرد قائلاً بأن هدف الغرب هو إرغام المجاهدين على القبـول بنجـيب رئيساً للبلاد.

وأضاف حقاني قائلاً: لقد اتصل بي زعماء الأحزاب لاسلكياً طالبين مني الذهاب إلى بشاور للاجتماع بهم اليوم، فما هي الفائدة الآن من تلك الاجتماعات؟ وهل نوقف المعركة من أجل إجتماعات لا فائدة فيها

إن المصاريف التي أنفقوها على إنشاء مقارهم في بشاور تكفي الجهاد لمدة عامين، أما السلاح الذي في مخازنهم فيكفي لسنوات، إذا لم يستخدموه الآن، فمتى يستخدموه؟ ولماذا يخزنوه؟

فعند سياف مثلاً 45 ألف بندقية مازالت في الشحم،وفي ظني أنهم  سيستخدمون هـذا السلاح لرشوة القبائل في الانتخابات التي ينادون بها. لماذا لايحضر هؤلاء إلى خوست حتى نتفق على تصعيد القتال في كل أفغانستان؟

إن الذي شجع أمريكا وروسيا على تثبيت نجيب في الرئاسة هو توقف الجهاد في أكثر مناطق أفغانستان، مع وجود حكومه ضعيفة للمجاهدين في باكستان.

إن زوجة جيلاني قالت لإذاعة ( بي بي سي) لقد تعبنا من القتال والدماء، ونريد لشعبنا أن يستريح .أنظر الآن إلى الشيوعيين الذين خدموا الشيوعية لمدة عشرين سنة وإلى الضباط الذين حصلوا على الرتب ليس في مقابل العلم والتدريب ولكن في مقابل قتل المسلمين، وهتك كل الشرائع، كل هؤلاء يقولون عنهم  “مسلمون طيبون” حتى يشاركوا في الحكم القادم للبلاد.

وهنا سأله الشاب السعودي الجديد: ما قولك في اقتراح حكمتيار أن يحدث انقلاب في الجيش يساند حكمتيار في أن يكون رئيساً للبلاد؟

أجاب الشيخ بحده قائلاً: أقسم بالله أقاتله كما أقاتل الشيوعيين، طالما أنه رئيس وحوله هؤلاءالضباط الذين قتلوا المسلمين لمدة عشرين عاماً. إن هذا ليس إلا وصولاً للحكم بأي وسيلة ولو بمساعدة الشيوعيين، مثلما حدث مع داود الذي أحاط به الشيوعيون وعاونوه ثم قتلوه بعد ذلك قلت للشيخ حقاني: لاحل إلا استمرار المعركة مهما كان الأمر وبإذن الله سوف تفتح خوست وعندها سوف تتغير أمور كثيرة.

فرد الشيخ بهدوء وتأثر:هذا صحيح، والظروف الآن عادت كما كانت في بداية الجهاد، وكما كانت في صدر الإسلام، فتمايزت الصفوف ولم يبق في الجهاد سوى المخلصين.

ثم أخبرنا حقاني عن تزايد عمليات فرار الجنود في الأيام العشرة الأخيرة، وكان أعجبها فرار 15 جندياً إلى مركز (حنيف شاه) هؤلاء الجنود لم يفروا بل قاتلوا بعنف حتى يتركوا مواقعهم.

فقتلوا رؤسائهم من الضباط، كما قتلوا الميليشيات التي في المواقع، فقتل من هؤلاء الجنود أربعة أفراد وجرح أربعة آخرون، والعجيب أنهم سحبوا معهم جثث زملائهم، حتى يدفنوها في(مقابر المسلمين)باعتبارهم شهداء، كان حماسهم واندفاعهم للجهاد لايقل بحال عن حماس المجاهدين في الجبهات.

صعدنا إلى جبل الترصد تاركين حقاني في مركز خليل يواصل مقابلاته مع القادة، والإشراف على تموين المراكز المتقدمة بالطعام والذخيرة.

في الثالثه والنصف عصراً أصاب المجاهدون بقذائف المدفعية المخزن الرئيسي للبترول في المدينة فاشتعل وتصاعد منه عمود أسود من الدخان الكثيف واستمر ذلك لمدة ساعة.

غارات الطيران كثيرة جداً، ولكنها غير دقيقه فلم يُبَلِّغ أحد عن وقوع خسائر لديه، أكـثر الغارات تركزت حول جبل تورغار ومنطقة باري ثم ليجاه.

(باري منطقة إسناد للمهاجمين في تورغار. وليجاه تساند مجاهدي الغرب في إسماعيل خيل ودير ملك). بعد العصر هبطت طائرة نقل عسكرية في المطار ولم يكن أحد من رجال المدفعية في الانتظار، وصاح عبد العزيز منادياً(باتشا دينا) مسئول المدفعية في جماعة الكوتشي، ولكنه لم يرد، وبعد صياح وهرج ومرج ضرب أحدهم قذيفة على مدرج المطار فتحركت الطائرة بعد أن قضت 15 دقيقة أنهت فيها عملها. أزعجني الحادث كثيراً فقد كنت مهتماً بالمطار أكثر من أي شيء آخر، وهو اهتمام تاريخي كما ذكرت.

وتأكد لي من هذا الحادث وأشباهه ضرورة تخصيص قطع مدفعية للمطار، تكون جاهزة للعمل على مدار الساعة، ولاتشتبك مع أي هدف آخر حتي لا تترك(فجوة زمنية)ممكن أن يتسلل منها الطيران ويهبط إلى المطار،  وهذا ما فعلناه بعد ذلك بعدة أشهر.

في الليل وبينما كنت أجهز فراش النوم، وصلت سيارة من مركز خليل واستدعاني سائقها لأن حقاني يطلبني، فنزلت معه.هناك كان صحفي بريطاني على وشك إجراء مقابلة مع حقاني، ولم يكن هناك من يستطيع الترجمه غيري. كان الصحفي شاب نحيف يرتدي الثياب الأفغانية له وجهه جامد كأنه منحوت من الحجر الجيري، لايحمل أي تعابير أو مشاعر. كان اسمه(تيم) ويعمل للإذاعة البريطانية، ولإحدى المجلات الأمريكية.

المهم في اللقاء أن الأسئلة التي وجهها (تيم) كانت تعبيرا عن النظرة الجديدة في الغـرب إزاء أفغانستان.

فكان اهتمامه كبيراً بما يحدث في خوست وكونها، ومدينة جرديز، هما المكانان الوحيدان اللذان يشهدان حرباً حقيقة بينما هدأت باقي البلاد.

 

 هل تكفي إمكانات حقاني لفتح خوست؟

ثم يركز عن إمكانات حقاني وهل تكفي لفتح خوست، واستعداده لوقف القتال إذا تمت تسوية بين الحكومة المؤقتة وحكومة نجيب، وفي الأخير ركز بشدة على موضوع زراعة وتجارة المخدرات في أفغانستان، وهو باب فتحه الغرب واسعاً للتشنيع على المجاهدين ثم سأله عن رأيه فيما قاله مولوي (نسيم آخونزاده) القائد القوي في هلمند بأنه سيزرع المخدرات في مناطقه حتى يتمكن من الاستمرار في الجهاد بعد أن توقفت المساعدات الخارجية.

(وهي التصريحات التي أدت إلى اغتيال نسيم أخونزاده بأوامرمن الولايات المتحدة وبتواطؤ من باكستان بل ومن التنظيم التابع له أخوانزاده ).

كانوا في الغرب علي علم بأن معارك خوست، إذا كتب لها النجاح ، فإنها ستغير حتماً من مصير البلاد سياسياً، وأن حقاني هو مصدر خطر لتقرير المصير علي الأرض بقوة السلاح، لذا تعددت محاولات اغتياله في باكستان.

وفي ظني أن حاجة باكستان الأمنية لبقاء حقاني ،نظراً للخطورة الفائقة لولاية باكتيا على استقرار وأمن الأقليم الحدودي الباكستاني، تلك الحاجة الباكستانية كانت أكبر من الحاجة الأمريكية في التخلص من حقاني. لذا تعاونت باكستان بتردد في محاولات الإغتيال القليلة التي حدثت ضد حقاني ومنها تلك التي حدثت منذ أيام قليله قبل معركة تورغار .
قضيت الليلة في مركز خليل على أن نتحرك صباحاً نحو جبل الترصد والقياد، برفقة حقاني وأيضاً الصحفي البريطاني(تيم).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

 

 




حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 24

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (24)

معارك جبل تورغار
– تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة. لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر  مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية.

– ساد الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك جهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

– انفجر الصاروخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول حقاني إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد .

– هل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم

 منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الأحد : 14 يناير 1990 ــ  16 جماد الثاني 1410هـ .

في رحلتنا إلى باري رافقنا الصديق عثمان الصعيدي، وهو شاب شهم فارع الطــول قضى سنوات عديدة في جهاد أفغانستان.

كان مركز القيادة مزدحماً، فقد توجهنا إلى (جبل الترصد) وهو جبل مرتفع على الحافة الجنوبيه الغربية لوادي خوست، يتخذه حقاني كموقع للقيادة في بعض الأوقات . وأقام فيه  مركزاً ثابتاً للاتصالات اللاسلكية، ومنه يتم التصنت على مكالمات العدو اللاسلكية في المدينة، وعلى مكالمات الطيارين أيضاً. وكان ذلك عملاً عظيم النفع، استفدنا منه في عمليتنا ضــد المطار بعد ذلك بعدة أشهر. ومن ناحية صحفية أيضاً كان ذلك المركز مصدراً فريـداً  للمعلومات خاصة التفاصيل الدقيقة لمحادثات صانعي القرار. وكان مسئولا اللاسلكي في الموقع هما “عبد العزيز” وهو ضابط سابق قوي البنية، هادئ  ولامع الذكاء. والآخر “فضل” وهو شاب من المجاهدين يتمتع بنفس مزايا صاحبه فيما عدا قوته الجسمانية، ولكنه يعوض ذلك بسعة الحيلة والدهاء.

كلاهما قدم خدمات جليلة للمجاهدين ثم لنا أيضاً أثناء عملية المطار. وفي الواقع فإن زياراتي للجبهة واحتكاكي القريب بالعمل هناك خلال الأشهر السبعة الأولى  من هذا العام أفادني بشكل كبير جداً في فهم أسلوب عمل المجاهدين وتفكير قياداتهم، خاصة حقاني، والإمكانات المتوفره لديهم. وأن أفهم بشكل أدق أسلوب وإمكانات العدو.

وقد مكني ذلك من كتابة عدد من الدراسات العسكرية حول تلك الموضوعات، كما أفادني في ترتيب وقيادة عمليتنا الأولى ضد المطار، ثم عمليتنا التالية أثناء فتح المدينــة في العام التالي (1991).

قص علينا عبد العزيز أحداث جيدة حدثت ليلة الأمس (بعد نكسات تورغار وإسماعيل خيل). قصف أحد مدافع المجاهدين مدرج المطار فأصاب طائرة كانت قد هبطت للتو فاشتعلت بـها النيران. وكان في الجو طائرتي نقل تحاولان الهبوط وشاهدتا الحدث، فطلبت منهما القيـادة الأرضية في المدينة الهبوط لنقل طاقم الطائرة المحترقة إلى كابل. فرد أحد الطيارين بأنه لا يمتلك أوامر بالهبوط كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بلا حماية كافية. ولكن الطيار الآخــر هبط بطائرته ولم يكد يفعل حتى أصابته قذيفة هو الآخر، فاستنجدت القيادة الأرضية بالطيـارالثالث أن يهبط، فرد قائلاً: آسف لن أهبط . وكان آخر ما التقطه عبد العزيز هو قول القيادة الأرضية: سنحاول إصلاح الطائرة. في الرابعة عصراً جاءني حاجي إبراهيم راكضاً وهو يقول بلهفة إحضر فوراً هناك طائـرة سوف تهبط في المطار، كنت جالساً مع عثمان نراقب المدينة بالمنظار، ونتحدث في أمورشتي.

جرينا صوب عبد العزيز الذي كان يتابع المحادثات اللاسلكية بين الطيار والمدينة، بينما إبراهيم يترجم لنا. كانت طائرة عسكرية قد أصابها عطب وطلب الطيار إذناً بأن يقفز منـها بالمظلة، ولكن قيادة المدينة طلبت منه الهبوط في المطار. ويبدو أن تردد الطيار كان راجعاً إلي خوفه من مدفعية المجاهدين، ولكنه هبط أخيراً مستعيناً بمظلة خلفية لتهدئة سرعة الطائرة فوق المدرج. أخذ عبد العزيز يستنجد برامي المدفع “محمد بوستان الكوتشي” الذي أصاب طائرتين بالأمس فوق المدرج.ولكن ذلك استغرق وقتاً، وكم كان مثيراً عندما أخذت عده أجهزة لاسلكي تصيح بالرامي (بوستان) كي يقصف الطائرة الواقفة في منتصف المدرج تماماً.كانت شامخة قوية بعكس  طائرات النقل، التي تعود المجاهدين ضربها في المطار.كانت قاصفة مقاتلة مـن طراز(سوخوي ـ 7) وهو طراز قديم. بعد فترة انتظار مثيرة، وكان بوستان قد أغلق مخابرته فذهب إليه بعض المجاهدين لتنبيهه إلى ما يحدث على مدرج المطار، فبدأ العمل بينما عبد العزيز يصحح له الرمايات. وقد سقطـت عدة قذائف على مسافة غير بعيدة ولكن الطيار تحرك إلى أقصى الطرف الشرقي من المدرج ثم اتجه قليلاً إلى الشمال حتى صار آمناً من قذائف (بوستان). بعد ذلك سرت إشاعة بأن سبب إتلاف الطائرة هو يعود إلى صاروخان “ستنجر” أطلقا عليـها دفعة واحدة فأصابها أحدهما. ولكن آخرون نفوا ذلك وعزوا ما حدث للطائرة بأنه عطـل فني، وذلك ما تأكدت منه بعد أكثر من عام بعد فتح المدينة وقد شاهدت الطائرة بنفسي وتفحصـتها وركبت في مقعد السائق، وكان جسم الطائرة مصاب ببعض الشظايا الصغيرة ، في الغالب من نتائج رمايات بوستان التي سقطت قريبة منها.

– وبعد الفتح تسببت تلك الطائرة في مصرع واحد من مجاهدي الكوتشي (البدو)، فقد انحشر إثنان منهما في قمرة القيادة وأخذا يعبثان في كل ما تصل اليه أيديهم من أشياء وفجأة انطلق مقعد السائق عالياً في السماء ومعه المجاهدان الفضوليان، وعند ارتطامهما بالأرض مـرة أخرى قتل أحدهما فوراً وأصيب الآخر إصابات بليغة. أما صاحبنا الكوتشي البطل (محمد بوستان) فقد أجريت معه حديثاً لمجلتنــا “منبع الجهاد” واكتشفت أنه من جماعة صديقنا القديم، الشهيد عبد المنان، وكان بوستان شاباً ، برغم شاربه الكث، غاية في الحياء والتواضع بعكس ما يوحي به مظهره من خشونة وقوة بأس. وقد استشهد رحمه الله بعد ذلك بعدة أشهر نتيجة رمايات مدفعية العدو، وذلك قرب مدخــل (بوري خيل).

ومازلت مندهشاً لتلك البراعة الكبيرة من جانب البدو الأفغان في اتقان العمل على المدفعيـة وصواريخ ستنجر رغم عدم تلقيهم لأي تعليم كان.  أثناء الليل أيقظنا الحرس من غرفتنا فوق الجبل كي يسوقون لنا البشري بأن طائرة نقل للعدو حاولت الهبوط في المطار فأصيبت بنيران المدفعية واحترقت وقتل من فيها. وبذا يكون عدد الطائرات المصابة خلال 24 ساعة هو أربع طائرات منها واحدة سوخوي. وفي تلك الليالي المقمرة والصافية يكثف العدو محاولاته لإنزال طائرات النقل في المطار، وفي الواقع إنه لا يواجه نفس المقاومة العنيفة دائماً لذا فعنده احتمال للربح مع المجازفة. وقد ربح أحياناً كثيرة عندما كان يختار الوقت المناسب على حين غرة من المجاهدين وكان ذلك غالباً في الوقـت الواقع ما بين العاشرة ليلاً والصباح الباكر، وقد أفادتني تلك الملاحظات كثيراً فيما بعد.

 

 

الإثنين 15 يناير 1990 ـ17 جمادي الثاني 1410 هـ : 

وصل إلى معسكر القيادة في باري، والمسمى مركز خليل، وصل عدد من الجنود الفارين.

أحدهم كان فوق جبل تورغار، وأفاد بأن نتيجة قصف المجاهدين للجبل أمس قتل 9 أشخاص من بينهم 5 من الميليشيات وثلاثة من الضباط كما جرح تسعة آخرون. وهناك 6 جثث متناثرة على سفح الجبل لجنود الحكومة منهم فرد من الميليشيا ثيابه بيضاء لم تتمكن الحكومة من سحبهم.

– والذين يرتدون الثياب البيضاء من الميليشيات هم من سكان خوست والقبائل المحيطة بها ممن لهم عائلات بالمدنية. والثياب البيضاء تعني المباهاة والشجاعة والاستقرار في المنطقة، بعكس حالة الجندي الغريب القذر الخائف. ومن أخبار الأمس التي وصلتنا اليوم هو استشهاد أربعة مجاهدين في منطقة باري نتيجة لقنبلة طائرة سقطت فوق مغارتهم فانهارت عليهم.

– وقد مررت على تلك المغارة فيما بعد ولم تكن سوى حفرة واسعة في جرف ترابي غــير متماسك وقد سقطت القنبلة على سقفها مباشرة، وكان يمكن أن تنهار حتى بدون ذلك. و كنت مهتماً بالمغارات التي يحفرها المجاهدون من الناحية الهندسية ومن الناحية العسكرية، وقد  كان للمغارات دور رئيسي في عمليتنا ضد المطار، كما سنرى لاحقاً. وكما وفرت المغارات دفاعاً هاماً للغاية ضد غارات الطيران والقصف الصاروخي، فإن شبكة الطرق التي بناها المجاهدون في الجبال أكسبتهم مرونة كبيرة في الحركة ويسرت كثـيراًعمليات الإمداد والتموين لمقاتليهم.

في الصباح استطعنا الجلوس مع الشيخ حقاني، فقال إن المعارك قد بدأت منذ شهر ونصف (أي من ديسمبر الماضي) ولكنها اشتدت كثيراً في الأسبوع الأخير، وأنه من الأفضل لي أن أبقى حتى تنتهي المعارك. أما عن المجلة فسوف نطبعها في لاهور. ثم أخبرني أن اليوم سوف تبدأ معارك بهدف قطع الطريق بين خوست وجاجي ميدان في نقطتين لمنع عمليات التهريب القادم من باكستان. عدنا إلى نقطة الترصد، فشاهدنا نيراناً تنبعث من جبال جهة الشمال في مقابلنا، أخبرنــا عبد العزيز أن المجاهدين قد استولوا على عدة مراكز عسكرية “بوسـطات” في (ماشـغور) وأن الطيران تلقي أوامر بقصفها ولكنه اعتذر بأن هناك أمطار والرؤية غير واضحة. وأن الطيران تلقي أمراً بقصف الطريق بين لوجار وجرديز لتمهيد الطريـق لقوة عسكرية كي تمـر إلى جرديز. في الساعة الثانية والنصف ظهراً سقط إثنان من صواريخ سكود، واحدة خلف جبل تورغـار”حيث تتوقع الحكومة وجود تحشدات للمجاهدين هناك”، والأخرى طرف نـادر شـاه كوت، الأتربة والدخان المتصاعد من انفجار تلك الصواريخ يكون مهيباً ويرتفع في الجو مئات الأمتار في شكل عش الغراب كما يحدث في الانفجار النووي، كما أن فرقعات انفجارها هي الأضخم بين باقي القنابل والصواريخ. * أخبار أخرى من ماشغور، فالقتال الذي بدأ في السابعة صباحاً انتهى ظهراً بالاستيلاء على ثلاثة بوسطات، ومديرية (مركز إداري لمنطقة قروية) وأخذوا غنائم كثيرة جـداً من بينـها دبابتين، وقد أسروا جميع الجنود الذين فر منهم أربعة فقط. الحكومة قالت أنها خسرت كل الأسلحة التي في المواقع، وأنها استردت المواقع مرة أخـرى فيما بعد عدا المديرية، ولكن المجاهدين قالوا أنهم في كل المواقع التي أخذوها.

كانت قمة ماشغور هي الأعلى جهة الشمال كما هو جبل تورغار في الجنوب والمسافة بينهما من 30 إلى 35 كيلومتر في خط مستقيم يمر بمركز المدينة وسقوطه مع سقوط تورغار يعني كماشـة ضخمة من فكين في الشمال والجنوب، وهو مالم يحدت على أية حال حتى سقوط المدينة. وكتبت في مذكرتي وقتها إنه بسقوط ماشغور، وعند نجاح عمليات اليوم لقطع طريق التهريب من جاجي ميدان، وإذا سقُط تورغار يكون 70% من مهام فتح المدينة قد تم إنجازه .

لم أكن أعلم أن هناك عملية قريبة ضد تورغار بهدف الاستيلاء عليه، وكنا من وقت لآخـر نسمع صوت إطلاق نار كثيفة فوق تورغار وكنت أفسره بأنه نتيجة خوف الجنود وتوترهم، لكن الأغلب أنهم شاهدوا تحركات مريبة قريباً منهم فقد كان المجاهدون قبل كل هجوم يعملون خفية في نزع الألغام التي زرعتها قوات الحكومة وفتح طريق لهجماتهم القادمة. اليوم أيضاً التقط عبدالعزيز مخابرة من توغار إلى قيادة المدينة يهدّدهم فيها بالتسليم إذا لم تصله الإمدادات، فالأعصاب إذن متوترة، والإمدادات قليلة والإداريات مرتبكة، فهل حانـت ساعة السقوط؟. في الخامسة والنصف (عند الغروب) حدث اشتباك من مسافة قريبة فوق تورغار استخدمت فيه البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة وصواريخ RBG هل هو هجوم حقيقي، أم عملية جس نبض يقوم بها المجاهدون؟ أم هو تحرك سريع من جانبهم بعد أن التقطوا رسالة تورغار إلى المدينة ويهدد فيها بالتسليم؟ وقبل أن أحصل على الإجابة سقط صاروخ سكود فيما بين جبل تورغار وجبل زرمانكي الواقع إلى غربه، وهو منطقة تجمع فعلية للمجاهدين، وتكثر فيها المغارات، وهناك مركز صديقنا”أبو الحارث”. واستخدام الحكومة لصواريخ سكود يعني أنها تواجه أزمة حقيقية. ولكن الخوف وتوتر الأعصاب يجعل بعض الأحداث العادية تظهر كأنها خطر حقيقي. لذا كان بعض استخدامهم لتلك الصواريخ  حمقاً وسفهاً. ولكن في أحيان أخرى كانت دقــة تصويبهم تثير الإعجاب. فعلى سبيل المثال فقد أصابوا مركز خليل في مدخل الشعب الضيق المؤدي إليه ثلاث مرات على الأقل بفارق أمتار قليلة في كل مرة ، تصادف في معظمها أن كان حقاني قد دخل لتوه إلى المعسكر !! فوجدت في العسير أن أفترض أنها مصادفة، ومن العسير أيضاً التشكيك في قدرتهم على الإصابه الدقيقة للغاية بتلك الصواريخ.

وما زالت أشك في أنهم  استخدموا ، أحياناً ، صواريخ موجهة مثل صواريخ كروز الأمريكية  وأن الأقمار الصناعية قامت بدور ما في الرصد والتوجيه.

 

الثلاثاء 16 يناير 1990 :

الاستيقاظ لصلاة الفجر في هذا الشتاء البارد وفوق هذا الجبل المرتفع تجربة صعبة، ولكنها لاتخلوا من جمال، خاصة إذا كان الجو غائماً والسحاب منخفض بحيث يضع الجبل ومن فيـه وسط غلالة رقيقة ساحرة الجمال من الأبخره الباردة المبللة. وتزداد النشوة بإمكانية التحرك الحر فوق الجبل فالعدو لن يرانا وبالتالي لاقصف ولا يحزنون. كنا في غرفة ضيقة مزدحمة بالفرش والأشخاص مع بخاري متهالك للتدفئة. الغرفة كلها تقريباً غائصة في بطن الجبل قريباً من خط الأفق. قطع الخشب المخصصة للبخاري تشغل حيزاً ملموساً من الغرفة، وبينه وبين السقف تعيش مجموعة من الفئران الصغيرة المـرحة، التي تقضي معظم ليلها في كر وفر بين النائمين بالغرفة. الزملاء في الغرفة تفرقوا مبكراً، وبقيت مع حاجي إبراهيم وعثمان الصعيدي لتناول إفطارالصباح المكون من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وابتسم لنا الحظ بأن وجدنا بعض السكر عند عبد العزيز فتم لنا الاستمتاع بشاي الصباح الساخن في جو الصباح المتجمد.

صعدت مع عثمان لنلقي نظرة على المطار، كانت الطائرة السوخوي بلونها الفضي تقف قرب الأشجار في الطرف الشرقي في المطار، أما في الطرف الغربي فقد أحصيت سبعة طائرات مصابة ومحطمة، جميعها من طراز(AN-32) ذات المروحتين وبألوان عسكرية مبرقشه.

كتبت في مذكرتي بعدها: (بحيرة بجع بائس هذا هو مطار خوست بطائراته المحطمة). الجو مشرق أحياناً، والرمايات المدفعية متقطعة، حتى الحادية عشر صباحاً لم يظهر طيران العدو.

إذاعة كابول أذاعت اليوم بأن الإصلاح جاري في الطائرة السوخوي المعطلة في مطار خوست، وأنها مصابه بحوالي 23 شظية واحده منها في خزان الوقود. أبلغ عبد العزيز النبأ للمجاهد (محمد بوستان) الكوتشي الذي شرع في القصف مرة أخرى محاولاً إصابة الطائرة السوخوي. في نفس الوقت ظهر عمود من الدخان الأسود الكثيف تصاعد إلى الأعلى لمسافة كبيرة جداً، وكان ذلك من جهة الشرق، ربما بسبب عمليات إغلاق طريق جاجي ميدان. مرة أخرى تبادل إطلاق نار فوق ظهر تورغار في الساعة الثانية والنصف ظهراً ثم نقل إلينا عبد العزيز الخبر التالي: في الساعة الثالثة من صباح اليوم هاجم مجاهدي المنطقة الشمالية جبال ماشغور واستولوا على ثمان مواقع عسكرية ومواقع إدارية ومقر عسكري في ( باتشا زاده ) وأسروا عددا  كبيرا من الجنود وخمسة من أفراد الميليشيات، وتفاصيل الغنائم كثيرة جداً. وفقد المجاهدون سته شهداء واثني عشر جريحاً .وصلتنا صحيفة باكستانية، التي نقلت عن مصادر حكومية في كابل قولها :

{ أن رئيس الدائرة السياسية في وزارة الداخلية، الميجر جنرال أسد الله بيام يقوم بزيارة لمدينة خوست التي هي أسخن نقطه في البلاد الآن، وأنها تتعرض للهجوم الثاني عليها، فالهجوم الذي بدأ الخميس الماضي قد استؤنف يوم الإثنين وأن المجاهدين قد تكبدوا في تلك الهجمات 585 قتيلاً وجريحاً !! } .

ولم يتطرق المسئول الشيوعي إلى ذكر إصابة الطائرة السوخوي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

الأربعاء 17 يناير 1990م :

الجو غائم ممطر طول الليل، وهكذا استقبلنا الصباح، إضافة إلى مفاجأة أخرى وهي أن السيارة التي تحمل الطعام إلى المركز لن تحضر لكونها معطلة. وهكذا لن نفطر وربما لن نتناول طعام الغداء أيضاً. لم يمنعنا ذلك من الاستمتاع بهذا الصباح المنعش، وبمتعة التجول فوق الجبل بدون الخشية من أن يكتشفنا العدو فنحن وهم لانكاد نرى لأبعد من أمتار قليلة، نتيجة السحب التي تلف المنطقة كلها. وكأن الجبال هي التي أصبحت تمر بين السحاب المثقل بقطرات الماء.

ونحن مازلنا أمام البخاري طلباً للتدفئة جاءنا حاجي إبراهيم بخبر غريب لكنه سار ومجهول المصدر، يقول الخبر أن الحداد أعلن في خوست لمدة ثلاثة أيام لمصرع ميجر جنرال عجب خان مزاري قائد (لواء سرحدي) والذي ظل يقاتل في المنطقة منذ ست سنوات، وأن 15 شخصاً آخر قد قتلوا معه والتفاصيل غير معلومة. لقد أدهشني ليس خبر مقتل عجب مزاري بل أدهشني أنه مازال حياً ويعمل في خوست أيضاً، لقد كان قائداً للحامية الحكومية فوق تورغار في وقت أن كنا نعمل في باري في أيامنا القديمة وحتى إستشهاد عبد الرحمن.

 

 

تورغار.. المحاولة الثانية

الخميس 18 يناير 1990 م :

بدأ الصباح بارداً كثيف السحب، وهذه بدورها تثاقلت حتى صارت تجر نفسها جراً فوق الجبال فضعفت الرؤية كثيراً.  المطر يتساقط ضعيفاً منعشاً لكنه كاف لتكوين أوحال تعرقل الحركة في الأماكن الترابية، ولكن الأسوأ هو أن ترتوي الملابس من ذلك المطر وفي مثل ذلك الطقس البارد مع شيء من الهواء يمكن أن يسقط المرء صريع الرجفة. ليس ذلك لمن يجلس مثلنا في هذا الصباح داخل الغرفة إلى جوار البخاري الذي احمرت أوداجه بالأخشاب المشتعلة داخله، ولكن بالنسبة للرجال الذين يتحركون الآن في ذلك الصباح المبكر من أجل الاستيلاء على أهم موقع عسكري في معركة خوست كلها: جبل تورغار.

همس لنا عبد العزيز أن اليوم يبدأ الهجوم على تورغار، استبشرت بالخبر واعتبرت أن طقس اليوم مناسباً تماماً لذلك العمل.  فطائرات العدو الأكثر إزعاجاً لن نسمع اليوم صوتها القبيح، والمجاهدون يمكنهم التقرب إلى بعد أمتار قليلة من خطوط العدو فوق الجبل قبل أن يكتشف تواجدهم. في الثامنة صباحاً بدأ المجاهدون قصفهم المدفعي ضد تورغار، ومدفعيات العدو في الوادي تقصف مواقع المجاهدين على غير هدى. الساعة الثامنة والنصف صعد الشيخ حقاني إلينا في نقطة الترصد وأخذ موقعه إلى جانب عبد العزيز ومساعده فضل وقد نصبوا عدداً من أجهزة اللاسلكي الكبيرة، وقد غطوها وغطوا أنفسهم بأغطية بلاستيكية، فرذاذ المطر ينهمر باستمرار.  حقاني وعدد من مساعديه يستخدمون عدداً من أجهزة اللاسلكي الصغيرة للاتصـال بالوحدات المختلفة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة . لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية. وكانت ضد القلعة الحكومية في مدخل وادي ليجاه.

تسلحيه الشخصي يومها كان عبارة عن كلاكوف، وكان سلاحاً لا يحمله إلا الروس فقط ، وقد غنمه أثناء المعارك، وكان يحمل دوماً قاذف RBG، لمقاومة طائرات الهيلوكبتر.

ومازلت أذكره يوم دب الزعر والفوضى في معسكرنا بين شعاب ليجاه نتيجة ركوب الهيلوكبتر لموقعنا فقد صعد فوق الجبل القريب يتبعه حارسه الشخصي (علي جان) كي يطلق صواريخ RBG على الطائرات. كان الثبات تحت هجمات الهيلوكبتر أمراً عسير المنال وقتها، فقد كان لها تأثيراً كبيراً ورهبة، فلم يكن الناس قد تعودوا التعامل معها أو نجحوا في مقاومتها رغم وجود صواريخ (سام) بأعداد قليلة وقتها. لذا كان همّ حقاني وقتهــا بث الشجاعة والثبات في الرجال وتحطيم هيبة الهيلوكبتر ومقارعتها بالصواريخ  وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

في ذلك الوقت في ليجاه لم يكن في الموقع كله أي جهاز لاسلكي صغيراً كان أم كبيراً. وأيضاً معركة جاور كانت أحد أوجه ضعف المجاهدين فيها عدم وجود اتصالات لاسلكية بين المجموعات المختلفة.

ما أراها الآن شبكة اتصالات رائعة لها قدرة على ربط جميع الوحدات ببعضها وبالقيادة، وأيضاً القدرة على التصنت على اتصالات العدو الأرضية والجوية. كان الزحام شديداً في نقطه الترصد  والقيادة . فبالإضافة إلى الحرس الشخصي للشيخ حقاني ، هناك مجموعة أخرى مع سيارة خاصة لتنفيذ بعض المهام التي قد يكلفون بتنفيذها مثل متابعة أمر هام مفاجئ، أو إيصال بعض الأوامر بشكل مباشر بدون نشرها على الملأ في أجهزة المخابرة.

وزاد الزحام تطفل مجموعتنا (الصحفية) التي رافقني فيها عثمان الصعيدي وحاجي إبراهيم، وقد أخذنا نسجل معظم الاتصالات اللاسلكية. وكذلك فعلنا في عدد من المعارك التالية، ومازلت أحتفظ بتلك التسجيلات التي ربما صارت (تاريخية).

في فترة هدوء نسبي قال لي الشيخ: الرؤية غير جيدة بالنسبة للأسلحة الثقيلة والدبابات، ولكن الجو الممطر والضباب مفيد للمهاجمين فوق الجبل. كانت الملاحظة في محلها تماماً بل أن استمرار هذا الطقس قد حرم المهاجمين على الجبل من مساعدة الأسلحة الثقيلة، فكان عليهم أن يتعاملوا بمفردهم مع تحصينات قوية جداً لعدو مسلح حتى أذنيه، ومتفوق عددياً على المهاجمين، وتلك كانت مأساة ذلك اليوم الذي تمنيت أن يكون يوم الفتح.

الساعة 9.30 صباحاً الضباب يزداد كثافة والمطر مستمر، فهدأت الرمايات القليلة فوجدت فرصة لاستئناف الحديث مع حقاني، فسألته عن تأثير الاستيلاء على تورغار في مجرى معارك خوست فرد قائلاً:

هذا الجبل بالنسبة لهم مثل العين، يرصد تحركاتنا، ويوجه المدافع والطائرات ويضرب مواقعنا، فإذا أخذناه زال كل ذلك فيمكننا تقديم مدافعنا إلى الأمام وتحديد مواقعهم حول المطار وضربها، كما أن الرعب سوف يصبهم إذا استولينا على تورغار، فمن كثرة دعايتهم حوله وتبجحهم بإمكان صد المجاهدين عنه، جعل الناس عندهم من عسكريين ومدنيين يشعرون أن تواجدهم وحياتهم معلقة بهذا الجبل. ثم سألته عن سبب فشل عملية إسماعيل خيل الأسبوع الماضي  فذكر ثلاثة أسباب هي:

1ـ  عدم قيام الأحزاب المشاركة في العملية بالمهمام الموكلة لها.

2 ـ استشهاد وجرح قادة المجموعات الأربع التي تقوم بالهجوم. 

3 ـ انسحاب الدبابات (وكان عددها ثمانية) بدون أوامر، إثر إصابة قادة الهجوم.

وقال حقاني: إن الطائرات قد استخدمت مؤخراً قنابل ثقيلة جداً سقطت إحداها قرب دبابة فغطتها النيران.

وعن مصير عجب مزاري قال إن الأخبار غير مؤكدة ولكن مصادرنا في خوست تؤكد أنه قتل ولكن الحكومة تتكتم الأمر، كما أن مواقع ماشغور مازالت في أيدي المجاهدين.

قال حقاني بأن المجاهدين يتقدمون الآن في الطرف الغربي بجبل تورغار، بينما تقوم دبابة خليل في الوادي بقصف تحصينات العدو على تلك الحافة، ولكن العدو استفاد هو أيضاً من الظروف الجوية، ودفع بتعزيزات جديدة نحو الجبل، رغم كمائننا المتقدمة التي التفت  إلى خلف الجبل من جانبه الغربي وتقدمت إلى مسافة معينة، فلم تستطع تلك الكمائن أن تشاهد تعزيزات العدو أو تتصدى لها.

في الساعة العاشرة والخمسين دقيقه سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بعد عشر دقائق قرب جبل تورغار، ولكن لا إصابات، ولكن تكهرب الجو وساد التوتر عنـدما انقطعــت الاتصالات مع خليل (أخو حقاني) ودبابته في عمق الوادي الذي يقصـف بهـا من الخلف تحصينات تورغار، لذا كانت دبابة خليل تحت نيران كثيفة قاتلة.

الساعة 12.45: في غرفة عبد العزيز الضيقة شبه المظلمة جلسنا مع حقاني لتناول طعام الغداء، وكان قلقاً للغاية على أخيه خليل، لذا قطع تناول الطعام كي يتابع محاولة الاتصال.

الساعة 12.45 بدأت معركة بالرشاشات فوق سفح الجبل، الرمايات كثيـفة جـداً نسمعـها بوضوح. يقع مركزنا على بعد 4 كيلومتر غرب تورغار وإلى الجنوب قليلاً منه. للمجاهدين دبابه أخرى الآن تقصف، تحصينات الحافة الغربية بجبل تورغار ولكن من موقع على جبل زورمانكي الواقع غرب تورغار ومن إحدى هضابه منخفضة الارتفاع.

أثناء صعود المجاهدين نحو القمة يكون جزء من الطريق مكشوفاً لمدفعية العدو في الوادي، وقد ركز العدو رمايته على ذلك الجزء ولكن المجاهدين كانوا قد تجاوزوه والعدو غير منتبه نتيجة الغيوم والضباب الذي يلف الجبل وما حوله.

الزاحفون نحو القمة يشكون من رماية رشاش ثقيل لدى العدو ( زيكوياك) وأنه أوقف زحفهم ويطالبون من (فيروز) التدخل وإسكاته.

فأجابهم خليل بصوته، لقد بذلت غاية جهدي ورميت عليه كثيراً، فتقدموا أنتم وأسكتوه. كان المتكلم من فوق الجبل هو الدكتور نصرت الله قائد كتيبة سلمان الفارسي وهو يتحرك بساق واحدة منذ سنوات بعدما فقد الأخرى في أحد المعارك.

كان نصرت الله قد وصل إلى نقطة الذروة، فالباقي هو قفزة واحدة وأخيرة يكون بعدها مع  رجاله في خنادق الخط الأول للعدو والتي تحيط بقمة الجبل مثل السوار المحكم، وفي طرف الجبل تلك القمة المحصنة الرهيبة الشبيهة بغرفة ضخمة تخرج منها فوهات قاتلة لرشاشات ثقيلة، وقاذفات قنابل يدوية من النوع الشهير باسم (نارينجاك)، وهو سلاح غاية الفعالية في مثل تلك المواقف التي نشاهدها الآن، وكان ينقص المهاجمين امتلاك سلاح رائع من ذلك النوع.

تواصل الحوار لفترة بين نصرت الله (وفيروز) حتى بدأت رماية الرشاشات فوق الجبل تخفت فعمت الجميع مسحة من الحزن والألم. لقد وصل المهاجمون فوق الجبل إلى نهاية مغلق ولا يتسطيعون أداء قفزتهم الأخيرة التي لا تتعدى أمتار قليلة لا تزيد عن عشرة أمتار ولكنها تفصل بين النجاح والفشل، بين النصر والهزيمة ، بين فتح خوست في نهاية الأمر، أو البقاء في حلقة مفرغة قد تؤدي إلى هاوية لمسيرة جهاد استمر لأكثر من اثني عشر عاماً.

ساد نوع من الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك بجهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

وتكلم الشيخ بنبرة هادئة قوية فذكرهم بالله والاعتماد عليه وحده وعدم التعلق بالأسباب لأن النصر هو من عند الله وليس بالأسباب الظاهرية، وطالبهم بالإطمئنان إلى وعد الله والتوكل عليه.

وقال إنه لا بد من الاستمرار وإنهاء العمل هذا اليوم الذي قد لا نجد مثله فيما بعد فلا طائرات ولا مدافع تعمل ضدنا، ثم طلب من أفراد جميع المواقع أن يصلوا ركعتين لله ثم يدعــوه أن ينصر المجاهدين.

أنهى حقاني كلمته وتوجه إلى الصلاة وكذلك فعل كل من في الموقع ثم انهمـك الجميـع في الدعاء وأحياناً في البكاء.

الساعة 3.12 المجاهدون فوق الجبل يبدأون إطلاقاً شديداً للنيران الرشاشة مع قذائف مضادة للدروع . رشاش (زيكوياك) لدى العدو يصمت فجأة وأيضاً ينقطع الأتصال اللاسلكي مع المهاجمين تصورت وقتها أن الاقتحام قد تم وأنها الآن دقائق عصيبة فوق الجبل حيث لا وقت لأن يتحدث أحد مع أحد بغير زخات الرصاص.

المجاهدون يقصفون مراكز العدو في شيخ أمير لمنعه من التفكير في مهاجمة دبابة خليل من الخلف، وهو ما كان يخشاه حقاني ولأجل ذلك بث كمائن متقدمة للدفاع. حدث انفجار ضخم في مواقع العدو في شيخ أمير وحقاني يصيح مشجعاً المجاهدين ويبشرهم بالنصر.

عاد الاتصال اللاسلكي مع المهاجمين فوق الجبل وقالوا بأن عشرة من جنود العدو قد فروا إلى جانب المجاهدين فأمر حقاني بإرسالهم إلى الخلف. و فجأة تظهر طائرات الهيلوكبتر وتقصف وابلاً من الصواريخ على الحافة الغربيــة لجبـل تورغار حيث تتوقع وجود المجاهدين، فالرؤية مازلت متعذرة بسبب السحب والضبــاب ، هيلوكبتر آخر تأتي على ارتفاع منخفض من فوق مراكز العدو في شيخ أمير في أتجاه دبابة خليل، وتبدو أنها محاولة لتدمير الدبابة، لكن كمائن المجاهدين المتقدمة واجهتها بقذائف RPG فولت الطائرة بسرعة كبيرة وعلى ارتفاع منخفض للغاية، وهكذا تفعل طائرات الهيلوكبتر لتفادي الصواريخ المضادة للطائرات ولكنها بذلك تعرض نفسها لنيران الرشاشات والقذائف المضاده للدروع فيمكن إسقاطها إذا كان هناك أفراد يقظون وعلى استعداد للاشتباك. راجمات الصواريخ المعادية من طراز BM-41 تقصف مواقع المجاهدين حول تورغار.

– الساعة 3.56 رشاشات العدو الثقيلة والخفيفة فوق الجبل ترمي بلا انقطاع وجعلني ذلك متشككاً في أن الاقتحام لم يتم أو أنه فشل. كان الموقف غير واضح بالنسبة لي، فسألت الشيخ حقاني عن الموقف فوق الجبل فأخبرني بأن مقاومة العدو شديدة جداً.

سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بفاصل ثوانِي قليلة، وعادت الهيلوكبتر تقصف الحافة الغربية لتورغار بوحشية بالغة.

– الساعة 4.45: صاروخ سكود آخر تلته غارة عنيفة بالهيلوكبتر، كأنها تستغل حالة الاضطراب التي تعقب إنفجار صاروخ سكود كي تنفذ مهمتها بأمان أكثر. الرشاشات الثقيلة فوق الجبل مازالت تعمل باتصال، وكذلك بنادق الكلاشنكوف.

– الساعة 5: الهيلوكبتر تواصل غاراتها، وربما تهبط خلف الجبل من جهـة المدينـة كي تنـقل الجرحى والقتلى. أصبح الجو مظلماً وجاء الخبر بأن الهجوم قد توقف، وأن هناك شهداء لم يذكر عددهم.

– الساعة 5.25: فوق تورغار إطلاق نار متواصل بجميع الأسلحة في حفل ابتهاج بفشل الهجوم عليهم، ونجاحهم مرة أخرى في الصمود أمام هجمات المجاهدين. لاشك أن ذلك يرفع معنويات العدو في خوست وكابل ويؤكد لهم قدرة النظام على الإمساك بالمــدن الهامة، وبالتالي يدعم الطرح الدولي بإقامة حكومة (شيوعية إسلامية) في كابل كي تخدم السوفييت وأمريكا معاً.

كتبت في مذكرتي تلك الكلمات: (يبدو أن العملية تحتاج إلى يوم آخر على الأقل ) مع إجراء بعض التعديلات مثل إعادة توزيع الدبابات لقصف مراكز العدو المتحصنة فوق الجبل، والطقس عامل هام، واستمراره ليوم آخر، بنفس الحال، سيكون معجزة لصالح المجاهدين. سألت حقاني عن استئناف الهجوم في الغد فأجاب قائلاً:( لاأعلم هل نستأنف الهجوم غداً أم بعد أيام ولابد أن نغير في الطريقة ونهجم من أكثر من طريق بعد أن نرفع الألغام، وأن نستخدم هاونات عيار120مليمتر لضرب مرابض الرشاشات الثقيلة، سوف نعيد النظر في البرنامج ).

بعد الغروب جلس الشيخ حقاني معنا في غرفة عبد العزيز لبعض الوقت وطلب مني النزول إلى مركز خليل لأن الجو هنا بارد. وبالفعل تجمعنا هناك في مغارة الضيافة وكانت دافئة،  وبعد العشاء بدأ أفراد وقادة ممن شاركوا في الهجوم يتوافدون لمقابلة حقاني وتقديم التقارير إليه. كان منهم من أصحابنا القدماء مولوي (أليف جول) والكومندان (شيرين جمال) الذي ظهر عليه الإرهاق وقد علته الأتربة حتى تغيرت ملامحه وقد أحضر معه جثث الشهداء وعددهم ثلاثة، مع أربعة من الجرحى منهم عربي واحد.

قال شيرين جمال بأن بعض أفراد العدو ظلوا يطلقون على المجاهدين نيران الرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف RPG، فلم يستطع المجاهدين إتمام الاقتحام.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الجمعة 9 يناير 1990 م :

قضينا الليلة في غرفة أسفل الجبل، وفي الصباح صلينا الفجر خلف الشيخ نظام الدين. وجود البخاري في المسجد لم يفد في جعله دافئاً فالهواء المثلج يتسلل من الشقوق الواسعة في النوافذ التي أغلقت بكل ما تيسر من أقمشة وقطع بالاستيكية وأحجار.

ولإظهار نوع من الفخامة صنعت أرضية المسجد من الأسمنت، ولكنها في شتاء مثل هذا تصبح بارده مثل الجليد، حتي أن أكثرنا قد خلع رداءه (البتو) من فوق كتفيه ووضعه على الأرض تحت قدميه أثناء الصلاة حتى لا تتجمد أصابعه.

مصطفى اليمني وعدد من أفراد مجموعته التقوا بالشيخ حقاني صباحاً. ملامح البرنامج الجديد ذكرها لي حقاني عند لقائي معه فقال:

1ـ سنفتح طريق جديد للتقدم على تورغار وننظفها من الألغام.

2ـ ننوي مواصلة الضغط وعدم إعطاء العدو فرصة لالتقاط الأنفاس.

3ـ سنبدأ عمليات هجومية في ظروف يومين أو ثلاثه.

 قبل الظهر مرت طائرة فوق المركز ورمته بصاروخ جاء إلى الخلف قليلاً، ثم وصل (خليل الرحمن) ومعه أربعة أسرى من جنود الحكومة فجلست معهم وأخذت منهم بعض المعلومات عن أوضاع المدينة، سأذكر بعض ما ورد فيها بعد قليل.

جاء أبو الحارث وبعض الشباب من مجموعته فجلست معه حتى صلاة العصر نتحدث في معركة الأمس والبرامج المقبلة.

ثم صعدت على الجبل الذي يعلو المغارات ومشيت عليه منفرداً، أتذكر العالم القديم لأيامنا الذهبيه في تلك المنطقة. كان مركز خليل الذي هو الآن قلب المنطقة النابض، مجرد شعب مجهول ومهمل وقد تستخدمه إحدى المجموعات لأيام قليلة ثم تزهد فيه. وعلى بعد كيلومتر واحد جنوباً يوجد مركز منان الذي كان فيما مضى هو مركز الحيوية والقوة في كل جنوب خوست وجبالها. وعلى بعد عدة أمتار شمالاً كانت تقف فيما مضى إحدى الدبابات التي حطمها منان ورجاله في هجوم 1985 الذي وصلت فيه القوات الحكومية إلى مركز منان لأول وآخر مرة في طول مدة الحرب. وهذه الحفر البيضاء في سفح الجبـــل المواجه لنا شمالاً هي قنابل  مازلت أذكر متى ولماذا ضربتنا بها الطائرات عام 1987.

نظرت جهة مركز منان لأطالع الطريق المار بقربه قادماً من غلام خان، وأتذكر المشاهد الماضية وكنت غارقاً في تلك الذكريات الجميلة، ولا أعي كثيراً مما حولي. في تلك اللحظة، ظهرت أمام عيني كرة ضخمة من النيران الصفراء والحمراء، ثم دخان أسود يحيط بكرة اللهب، ثم يصعد ذلك كله بسرعة هائلة إلى الأعلى، بينما يتسع إلى الجانبين أيضاً بشكل كبير، كل ذلك وأنا لا أكاد أعي ماذا يحدث أمامي، وفجأة وصلني صوت انفجار رهيب ترددت أصداؤه بين الجبال والوديان، تحركت غريزياً وبلا وعي فجلست بسرعة خلف صخرة قريبة.

أفقت من تخيلاتي ومن دهشتي، وعادت حواسي إلى العمل، لقد كان ما رأيته هو صاروخ سكود لحظة ارتطامه بالأرض، وكان الصاروخ نزل على الطريق الذي تسلكه سيارات المجاهدين أو قريباً منه جداً.

وتذكرت أنني سمعت(علي جان) يتحدث على المخابرة وهو واقف إلى جانب سيارة حقاني المتأهب للرحيل ويخبر من على الطرف الآخر بأنهم على وشك الحركة، وأن شخصاً جاء راكضاً وتكلم عدة دقائق مع حقاني الجالس داخل سيارته، ثم انطلقت السيارة نحو ميرانشاه، وداخلني ما يشبه اليقين بأن تلك الدقائق كانت الفاصل بين الحياة والموت وأن حقاني كان هو المقصود بذلك الصارخ، إنه حادث طبق الأصل لما حدث في يوم الأحد 1/10/89 وقد سجلته في مذكرتي ورجعت إليه الآن وكان التطابق مدهشاً. إذن هما حادثان من نفس النوع وبنفس الطريقة، وهناك حادث ثالث عندما انفجر صاروخ سكود أيضاً في لحظة دخول حقاني إلى معسكر خليل عندما دخلت خلفه كرة من النيران والأحجار والدخان والأتربه لقد انفجر الصاوخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول الرجل إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث ، أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد أو متشابه.

وطرحت على نفسي عدة أسئلة محيرة ليس لها إلا إجابات لاتقل عجباً عن الحدث نفسه. فمثلاً:

كيف تتم مراقبه حقاني؟ هل يتم ذلك بمراقبة جهاز اللاسلكي الخاص به؟ أم هناك مركز تجسس في المنطقة يتابع حركة سيارته، أم هناك شخصاً في المجموعة القريبة منه يرســل معلومات مباشرة وفورية عن حركته؟..إلخ.

وأسئلة أخرى عن دقة إصابة صاروخ سكود. والمشهور عنه أنه غير دقيق ويستخدم فقط ضد الأهداف الكبيرة الثابتة. ولكن عدداً لا بأس به من الرمايات كانت في دقة غير عادية، وتم ذلك مرات متكررة بما ينفي عنصر المصادفة.

فهل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات، بل شاهدنا منذ وقت قريب قصفاً جوياً على موقع المجاهدين قرب (شيخ أمير) قال الطيار أنه إستخدم فيه صواريخ موجهة، وقد التقــط عبد العزيز المخابرة.

ومن الثابت أن السوفييت بعد انسحابهم أبقوا على نوع من المشاركة النوعية في الحـرب، بعضها من داخل أفغانستان نفسها بواسطة عدة آلاف من الخبراء خاصة في شئون الصواريخ والطيران. وأشركوا طائرات من أحدث الأنواع التي مازالت في طور التجربة. وقد أعلنوا عن ذلك عند عرض طائراتهم الحديثه في أحد معارض الطيران في دبي في التسعينات.

وأظن أن بعض الغارات بالقنابل العنقودية، والتي شاهدتها في وادي خوست عامي 1990،1991 عند فتح المدينة قامت بها قاذفات استراتيجية روسية نظراً للحمولة غير العادية التي رمتهـا تـلك الطائرات بحيث غطت الغارة الواحده أكثر من 15 كيلومتر متواصلة من القنابل العنقودية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)




مجلة الصمود الإسلامية | العدد ١٧٤ | ذو الحجة ١٤٤١ھ - أغسطس ٢٠٢٠م

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

– الجهاد هو إستفاء بالدم من أجل البقاء . ولا شراكة فى الحكم مع من خانوا وباعوا وقاتلوا إلى جانب المحتل وناصروه.

– بإقتراب الإنتصار وحسم المعركة، قفزت المصطلحات الملغومة ، ومناورات سياسية لتثبيت حكومة “التثليث” التى تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق ، ضمن نظام مظهره إسلامى ، ولكنه غربى يهودى فى حقيقة أعماله.

– إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخا من أى حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية.

فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة . كما أنه ليس من صلاحية أى مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

تمر بالشعوب فترات تخوض فيها صراعًا ضد تهديد خارجي يهدد البقاء المادي للشعب ويهدد معتقداته وممتلكاته وثقافته. فتكون لحظة قرار مصيري ـ نكون أو لا نكون ـ فإما أن يحافظ الشعب على كيانه المادي والمعنوي أو يستسلم لعبودية الأجنبي، يفرض عليه ما يشاء، ويقرر مصير الأجيال الحالية والمستقبلية.

تعَرَّضَ شعب أفغانستان أكثر من مرة عبر تاريخه لهذه المحنة . إذ هاجمته قوى عظمى للاستيلاء على بلاده ولاستعباده ومسخ ثقافته باستنساخ ثقافة المستعمر وإزاحة التراث الديني والأخلاقي.

النتيجة معروفة .. زالت الأمبراطوريات المعتدية، وبقي الأفغان أحرارًا في بلادهم أعزاء بدينهم حتى اكتسبت أفغانستان لقب مقبرة الغزاة . والآن في تجربة البقاء أمام الغزو الأمريكي الأوروبي، تواجه الولايات المتحدة أسوأ موقف في تاريخها سواء على المستوى الدولي أو المستوى الداخلي الممزق والموشك على الانفجار.

آن أوان ألا تبقى أفغانستان مجرد (مقبرة للغزاة) بل أن تصبح منارة للحضارة الإسلامية في آسيا والعالم . دولة متطورة وحديثة وقوية. وليست مجرد حاجز بين قوى استعمارية كبرى متصارعة ـ بل رابط اقتصادي وثقافي بين شعوب آسيا، وأملا للمسلمين في آسيا والعالم.

 

 الاستفتاء بالجهاد ..  استفتاء بقاء :

 عملية الصراع من أجل البقاء الذي تخوضها الشعوب، تحمل في طياتها عملية استفتاء على نظام الحكم الذي تريده والقيادات التي تختارها.

وعندما يتكلل الصراع بالنجاح، وينتصر الشعب بكفاحه على أعدائه تكون عملية الاختيار قد حُسِمَت لصالح خيار الشعب الذي قاتل تحت راية قيادة منتصرة، وشعارات تمثل أهدافًا عليا.

لهذا فإن الجهة التي تقود كفاح شعبها ضد المستعمر هي التي تتولي مسئولية الحكم، وتقيم على أرض الواقع النظام الذي نادى به الشعب في الحياة السياسية وبناء الدولة والاقتصاد. وقبل ذلك يقوي معتقدات الشعب ويرسخها ويطهر الحياة الثقافية من السموم التي بثها الاستعمار في مظاهرالحياة الاجتماعية والتعليم خلال فترة الاحتلال.

لم يحدث في تاريخ المعارك المفصلية الناجحة، أن استدعى الشعب أعداءه لمشاركته في الحكم، أو إملاء تصوراتهم على الدولة الجديدة، سواء في نظمها السياسية أو الاقتصادية، أو مجالها الاعتقادي والثقافي.

فتلك حماقة لا يتصورها عاقل. وهو أقرب إلى القول القرآني { كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا } . فبعد هزيمة المستعمر، يأتي أحمق لكي يستدعي أعوان الاحتلال للمشاركة في الحكم، ووضع تصوراتهم ومطالبهم ـ التي هي مطالب المستعمر ـ على قدم المساواة مع مطالب من جاهدوا وقدموا أغلى التضحيات في الأرواح والأموال.

فأثناء فترة الجهاد لا يضع المحتل”جميع” سكان البلد في كفة واحدة . فهناك فئة باعت نفسها ودينها واشترت مصالحها الدنيوية وعملت في خدمة المحتل، وهناك فئة أخرى قبضت على الجمر وجاهدت في سبيل الله، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من عاش الانتصار.

والجهة التي قادت شعبها نحو الانتصار (وهي الإمارة الإسلامية في حالة أفغانستان) لا تعامل “الجميع”على قدم المساواة، من جاهد منهم وضحى، في كفة واحدة مع من خان وباع كل شيء في مقابل المال والمنصب.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

المشاغبة .. باستفتاء الإلهاء :

بعد هزيمة الجيش السوفيتي الأحمر في أفغانستان، وترنح النظام الشيوعي في كابل ، سارعت الولايات المتحدة ومن خلفها المعسكر الغربي وأسراب من التوابع، بالمشاغبة على المجاهدين حتى لا يصلوا إلى حكم افغانستان منفردين، فتتاح لهم فرصة تطبيق شعاراتهم في فترة الجهاد، وخاصة بناء دولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة.

أمريكا وجبهة الأعداء طالبوا “باستفتاء عام” على نظام الحكم، الذي يريدونه مختلطاً بين “جميع المكونات الأفغانية “. أي بين المجاهدين و”الشيوعيين الطيبين” الذين لم يشاركوا في النظام الحاكم، ويضم أعوان الملك السابق، كما ويضم محايدين لا شأن لهم إلا أنفسهم. وهكذا يستوي الجميع ظاهريا ـ أي من جاهد مع من قاتل ضد الإسلام وضد الشعب. نظام حكم يستوي فيه من ضحى مع من هرب من ميدان المعركة وانشغل بأمور نفسه ومراكمة الأموال. يستوي فيه من قاتل في سبيل الله مع من قاتل في سبيل الكفر ولم يبالِ مع أي دين يمشي.

الغرب المنافق يعرض الظلم على هيئة إنصاف وعدل. إن تكريم المجرمين وإشراكهم في حكم البلاد والعباد هو ظلم كبير في حق المجاهدين وأبناء الشعب الذين صبروا وضحوا بكل شيء.

هذه ليست مساواة .. بل هي أشد أنواع الظلم.

 

التدخل الخارجي، وقطع الطريق علي المجاهدين :

في أعقاب الانتصار على الغزو السوفيتي، لم يتمكن المجاهدون من إقامة نظام الحكم الإسلامي الذي جاهدوا من أجله. ولذلك أسباب عديدة، أهمها التدخل الخارجي الذي فرَّق المجاهدين وجزأهم إلى أحزاب ضعيفة، وساند قادة فاسدين باعوا أنفسهم لقوى خارجية معادية للإسلام. لكن المجاهدين في الميدان رفضوا مبدأ تقاسم السلطة مع الشيوعيين، أو أطراف أخرى كانت خارج حلبة الجهاد ثم أقبلت عند الانتصار لانتهاز الفرصة وفي ظنهم أن النظام القادم سيصاحبه بناء طبقة جديدة من الأثرياء الناهبين لأقوات الشعب، والبائعين ضمائرهم لشيطان القوى الاستعمارية الغربية والشرقية.

وما أسماه الغرب “حكومة المجاهدين” التي دخلت كابول في أبريل 1992 لاستلام الحكم، قد شكلتها الأيدي الأجنبية، ورشاوي مالية كبيرة استلمها قادة الأحزاب، خاصة كبيرهم سياف، أمير الجهاد في أفغانستان حسب تصنيف أكبر الجماعات الإسلامية العربية.

الدول المعادية للإسلام تدخلت بأموالها ونفوذها السياسي، ورشاوي قدمتها لطبقة سياسية فاسدة تبيع نفسها مقابل أعلى سعر. وبهذه الوسائل تضيع نتائج الجهاد، وتذهب ثمار تضحيات المسلمين إلى أعدائهم، الذين إذا خرجوا من الباب، عادوا عبر مئات النوافذ التي فتحها المنافقون والمرتشون. فمن خان وباع وهرب من الميدان عاد شريكا في الحكم، ثم لم يلبث أن ينفرد به، بمعونة دول محتلة تدعمه، وتصفي منافسيه من المجاهدين .

تلك الطبقة السياسية الفاسدة التي دخلت إلى كابول في إبريل 1994 تحت اسم حكومة المجاهدين كانت في حقيقتها حكومة مشتركة على النمط التي أرادته الولايات المتحدة. ولم يلبث الشعب أن اكتشف الخدعة، فالحكومة الجديدة في كابول أخذت تمارس الفساد وتنشره في كامل البلد، وتشجع على اختلال الأمن وانتشار العصابات الكبيرة المسلحة، والتي ترفع كل منها علم أحد الأحزاب وترفع فوق مراكزها صور أحد الزعماء. فصار الفساد والإجرام والسلب والسرقة والعدوان على الأرواح والأعراض يتم تحت اسم نفس الأحزاب التي ادّعت أنها قادت الجهاد ضد السوفييت.

من الصعب تكرار نفس الأخطاء، لأن الظروف تغيّرت جذريا. وطول فترة جهاد امتدّت لحوالي 20 عامًا في ظل حصار للشعب والمجاهدين، وانقطاع أشكال الدعم جميعًا حتى ولو بالكلمة المنصفة.

الصمود والانتصار جاء بفضل الإيمان القوي بالله، والاعتماد الكامل على تضحيات الشعب ومساهماته بدماء شبابه وأموال الفقراء القليلة، ودعاء الضعفاء والمظلومين التي تفتح لها أبواب السماء . انتصر الجهاد إلى أن تصدعت الولايات المتحدة على أرض أفغانستان وفوق الأراضي الأمريكية نفسها. فقفزت إلى مقدمة الصفوف بنفس الخدع القديمة والمصطلحات الملغومة:

استفتاء ـ ديموقراطية ـ معونات غربية ـ حكم مشترك ـ حقوق المرأة ـ اعتراف دولي ـ شرعية دولية ـ منظمات دولية ـ قوائم سوداء ـ قوائم إرهاب ـ مقاطعة ـ عقوبات اقتصادية ـ تحالف استراتيجي مع دول الاحتلال ـ طلب العون والنفقة من المحتل السابق.

كل ذلك أنواع من المناورات لتمرير حكومة “التثليث” التي تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق. ضمن نظام حكم إسلامي المظهر /غربي يهودي / في حقيقة أعماله.

 

من يمتلك الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية

حقيقة الحكم هي الأساس وليس اسم النظام الحاكم . المهم أن يكون النظام إسلاميًا بالفعل، وليس فقط بالاسم . وأسوأ ما يمكن فعله هو تغيير طبيعة النظام الإسلامي مع الإبقاء على اسمه فقط . فإن في ذلك فتنة، وصد عن سبيل الله .

تغيير طبيعة النظام تأتي من رفع شعارات مخالفة لتطبيقات الحكم في الواقع. فالنظام الإسلامي يعني النظام العادل . فلا تمايز بالأعراق أو الألسنة، ولا استئثار بالثروة ، أو احتكار السلطة بتفاضل بين عناصر العصبيات الجاهلية للعرق أو اللغة أو المناطق . بينما الأفضلية في الحكم تكون للأعلم والأتقى والأسبق في التضحية والجهاد.

أهم واجبات النظام الإسلامي هي تطبيق العدالة بين الجميع، ومكافحة الفقر (لو كان الفقر رجلا لقتلته ــ من أقوال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه). وبالتالي من واجب الدولة الإسلامية قتل الفقر، لا قتل الحريات المشروعة، أو كبت التعبير عن الرأي الأصيل إذا كان مخالفاً للسلطة.

وتطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس ولو عند الحد الأدنى . وإلا فلا معنى لتطبيق أكثر الحدود الإسلامية في ظل الفقر المدقع أو المجاعات التي تشكل عذرًا مخففًا للعقوبات والحدود أو حتى مانعا لتنفيذها.

إذن تنمية الاقتصاد هي العمود الفقري لإقامة شرع الله بل هي جزء متلازم معه . فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر، ومكافحة احتكار الثروات، أو منع الزكاة، أو التواطؤ مع الكافرين لسرقة ثروات المسلمين تحت دعاوي كاذبة، مثل القول بأن المسلمين فقراء وفي حاجة لأن يعولهم الكافرين بمعوناتهم، في حين أن ثروات البلاد تصب في خزائن الكافرين أموالا طائلة لا حصر لها .

– نعود إلى من صاحب الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية، أو إلغائه كما يتمنى الأمريكيون ومعهم سماسرة الاحتلال الأجنبي .

يمتلك ذلك الحق حصرًا القوى التي أقامته في البداية، وهي القوى التي جاهدت لإزاحة نظام البغي والفساد في كابول. جاهدت تحت قيادة الإمارة الإسلامية منذ عام 1994 إلى عام 1996 حتى أعيد فتح كابول وطرد المنافقين وبقايا المرتدين الذين عملوا داخل النظام .

يشاغب البعض بالتساؤل عن النظام القادم بعد هزيمة المحتل الأمريكي والأجنبي . وليس  ذلك التساؤل بريئًا ، لأن الإمارة الإسلامية هي من سيتولي سلطة الحكم، وشرعيتها قائمة على استفتاء شعبي بالدم استمر عقدين من الزمن مؤيدا لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الاستفتاء الحقيقي من أجل بقاء الأمة. وليس واحدًا من استفتاءات النفاق الغربي، للبيع والشراء وتسويق الفساد والفاسدين بقوة المال وأجهزة الدعاية والتأييد السياسي الدولي. أو ما يمكن تسميته باستفتاء الإلهاء أو مهرجان اللغو.

– القوى الجهادية التي أنشأت الإمارة الإسلامية ، وبعد 20عامًا من الجهاد، استشهد الكثير من قادتها، ومؤسس الإمارة الملا محمد عمر قد توفاه الله . ولكن انضم إلى ركب الجهاد ، تحت راية الإمارة بقيادتها المتجددة الآلاف من الشباب والخبراء والعلماء وطلاب العلم، ورؤساء القبائل والقوميات. هؤلاء يتشكل منهم النظام الإسلامي، وهم أصحاب الحق في إدخال أي تعديلات أو تطوير عليه، بحيث يصبح أكثر قدرة على تحقيق أهدافه في ظل واقع داخلي وخارجي جديد. الواقع تغير فيستلزم ذلك تغييرات في أساليب القيادة وفي تشكيل أجهزة الحكم ثم هناك تجربة الإمارة الإسلامية التي استمرت في الحكم خمس سنوات ، وظهر فيها العديد من نقاط القوة والعديد من الأخطاء ونقاط الضعف ـ فيلزم إدخال تطوير في عمل الإمارة بما يناسب النتائج المستخلصة من تجربة حكمها الماضية .

تلك القوى التي ستشكل نظام الإمارة ـ وتطويره بما يلزم، هي القوى التي جاهدت طوال عقدين من الزمن وانتصرت ـ بتأييد من الله ـ وبدعم من الشعب الذي قدم لها كل مايملك . وذلك هو الاستفتاء الحقيقي الذي يعقب الجهاد الصحيح .

أما تدليس أعداء الإسلام باستفتاء “الجميع” ، ويقصدون جميع العملاء والجواسيس والسماسرة، فذلك خداع غير مقبول. فالاستفتاء قد تم بالفعل خلال عشرين عامًا من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فهو خارج عن النظام القادم، ودوره هو البقاء تحت قوانين النظام الإسلامي، أو اللحاق بقوات الاحتلال ليقيم هناك مع الكفار والمنافقين، إن أراد ذلك.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

مؤسسوا الإمارة ..  ومجددوها :

تم إعلان الإمارة الإسلامية بعد فتح كابول في أكتوبر 1996 حين اجتمع أربعة آلاف من القادة الميدانيين والعلماء وشيوخ القبائل . لإعلان نظام الإمارة الإسلامية وتكليف الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان وقائدها بأن يتولى قيادة الإمارة تحت مسمى أمير المؤمنين .{ يومها قال رحمه الله، ما معناه ، إن اخترتوني فاعلموا أنني سأحكم بشريعة الإسلام على نفسي وعليكم . فإن لم يوافقكم ذلك خرجت من مجلسكم هذا وعلى كتفي الرداء ” الباتو” الذي دخلت به}.

   بعد تحرير كابول، وخروج الاحتلال الأمريكي وأعوانه، يحين الوقت لعقد تجمع مشابه لمجلس شورى عام، مثل ذلك الذي أسس لقيام الإمارة، يجتمع في مدينة أفغانية وليس أي مكان خارج أفغانستان، لتجديد البيعة لنظام الإمارة، ولزعيمها أمير المؤمنين. ويكون دخول الجميع إلى المؤتمر بمثل “الباتو” المتواضع الذي دخل به الملا محمد عمر إلى المؤتمر (وخرج به من الدنيا)، وليس بأرصدة بنكية أو دفاتر شيكات بالعملة الصعبة.

–   وإذا كانت هناك فكرة لإدخال تطويرات في نظام الإمارة، فإن لجان مختصة تقوم بتحديدها ثم إقرارها من مؤتمر الشورى العام ، الذي أقر نظام الإمارة واختار أمير المؤمنين .

أما في الوقت الحالي فذلك غير ممكن طالما الاحتلال العسكري مازال قائمًا، والنظام العميل مازال يحكم كابول . والمعركة لم تحسم بعد ولكنها على وشك الحسم. وطرح مشكلات في غير أوان حلها هي مشاغبات يقوم بها العدو وأعوانة لحرف المسيرة واستغفال الشعب ومجاهديه، ومنع الجهاد من الوصول إلي غاياته.

 

التفاوض مع ظل الشيطان :

حكومة كابول الحالية هي ظل لشيطان الاحتلال . ذلك الاحتلال تَعَهَد بالخروج من أفغانستان، وما عهدنا عليه إلا كذبا ـ ويشهد العالم كله عليه بمثل ما شهدنا.

–  وفكرة التفاوض مع ظل الشيطان القابع في القصر الجمهوري هي فكرة غير صائبة من أساسها. والسبب هو حقيقة أن “ظل الاحتلال” يرحل تلقائيا مع الاحتلال، ولا يحتاج إلي إعادة مفاوضات، بل إلى مجرد عملية تنظيف، مثل تلك التي قام بها المجاهدون لنظام كابل الشيوعي بعد رحيل الجيش الأحمر.

–  وخطأ آخر .. ليس مجرد القبول بتفاوض لا ضرورة له ، بل أن ضرره مؤكد، إذ يتم في ظل اختلال الموازين لصالح الحكومة العميلة.

فالتفاوض معركة مثل باقي معارك القتال، لموازين القوى فيها دور كبير. وبمفاوضة ظل الشيطان بينما الشيطان نفسه لم يرحل بعد ، تكون موازين القوى مختلة في صالح النظام العميل. فهو يمتلك الأجهزة المسلحة ومليارات الدولارات، وقوات كثيرة محلية وأجنبية تعمل لصالحة . فلا بد من استكمال طرد شيطان الاحتلال، وبعد ذلك لن يتبقى له ظل في كابول أو في كل أفغانستان.

–  كما أن الإعلان عن قبول فكرة الاستفتاء على نوع النظام الذي سيحكم أفغانستان يعتبر في هذه الظروف تنازلاً جوهريا لصالح نظام كابل “العميل”. فالأخطاء إذا تتابعت أوحت بأنها خطة قيد التنفيذ . فالعدو كان يرحل ولا يستدعي الأمر مفاوضته أو تقديم أي شيء له. ثم لم يكن مقبولا مفاوضة النظام على أي شيء ، من واقع أنه مجرد ظل للاحتلال وهي حقيقة أكدتها الإمارة على الدوام . ولكن الآن نسمع أن هناك من يتلهف على مفاوضة النظام بينما العدو مازال متواجدا ويسانده بكامل قواه، وكأن التفاوض الحقيقي حول نوعية النظام القادم يدور مع المحتل نفسه.

إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخًا من أي حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية، وبالتالي فهي مسألة تخص الشعب الأفغاني ومجاهديه وعلمائه، وليست موضوعا للتفاض أو التصرف من أي جهة كانت، سوى الجهة التي أسست الإمارة وهي الشعب الأفغاني وعلمائه ومجاهديه  حصرًا وتحديدًا. فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة  كما أنه ليس من صلاحية أي مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

إن التفاض وقت الحروب يكون “تفاوض بقاء” .. ومن الخطورة أن يكون مجرد “تفاوض إلهاء”.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء




داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

داعش فى أفغانستان .. جزء من الحرب الجديدة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

 

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

الولايات المتحدة لا تمنح سلاما لأحد، بل تصنع حروبا جديدة

 

الولايات المتحدة لا تمنح سلاماً لأحد، بل تمنح أنواعاً مستجدة من الحروب. إنها لا توقف حرباً أبدا، بل تستبدل حرباً بحرب ـ وغايتها من كل أنواع الحروب هو أخضاع الآخرين لأهدافها، بسرقة الثروات، ومحوالثقافات وتفريغ الدين من محتواه ـ وطمس هوية الشعوب، وإنهاء أى نزعة للإستقلال أو المقاومة.

وفى النهاية تريد أمريكا من عدوها الإستسلام التام لمشيئتها. فإن لم تخضعة بنوع من الحروب إستبدلته بأنواع أخرى إلى أن تحقق أهدافها.

ومنذ الإحتلال السوفيتى لأفغانستان، شنت الولايات المتحدة حروبها على الشعب الأفغانى، وتنقلت من أسلوب قتالى إلى أسلوب آخر.

1 ـ خلال الإحتلال السوفيتى كانت الإستراتيجية الأمريكية هى إخراج السوفييت من أفغانستان، مع مراعاة ألا ينتصر المجاهدون.

2 ـ فى فترة حكم مجددى وربانى كانت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية تناسب كثيرا مصالح الولايات المتحدة ـ فتركت الفوضى على سجيتها وأخذت تقوى مصالحها فى أفغانستان (تدفق كثيف ورخيص للأفيون، التمهيد للشركات النفطية فى أفغانستان، خاصة خط انابيب تابى لنقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى الهند لتجهيزها بأقتصاد أقوى ينافس الصين).

3 ـ ظهرت حركة طالبان فأربكت المشهد الأفغانى فى وجه الأمريكان. فى أهم ثلاث نقاط:

أ ـ تمكنت الإمارة من تحجيم الحرب الأهلية والسيطرة على معظم البلد.

ب ـ رفضت تمرير خط أنابيب تابى وفق الشروط الأمريكية التى تهضم حقوق الشعب الأفغانى، ورفض أمريكا تطبيق الشروط المعمول بها فى المشاريع المشابهة حول العالم.

ج ـ حظر زراعة الأفيون فى أفغانستان، وما يعنيه ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات كانت تصب فى بنوك الولايات المتحدة.

د ـ فشل “تحالف الشمال” فى تحدى الإمارة الإسلامية حتى أوشك على الإنتهاء عام 2001 حين تداركته الجيوش الأمريكية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

فلم يعد أمام أمريكا أى حل آخر سوى أن تتولى إخضاع أفغانستان بقواتها المسلحة

4 ـ فى بداية حكم أوباما عام2009 تأكد الجيش الأمريكى من إستحالة الإنتصار فى حرب أفغانستان، خاصة بعد عملية “الخنجر” ضد ولاية هلمند، والتى لم تحقق أهدافها، وقد كانت السهم الأخير فى الجعبة العسكرية ألأمريكية.

خلال فترتي حكم أوباما كان بلاده ممزقة بين عجز عن الإنتصار، وبين عدم القدرة على التخلى عن موارد أفيون أفغانستان. ومشكلة أخرى واجهته ولا تقل خطورة وهى إحتياج إسرائيل إلى بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان،

لأن إنسحابه منها قبل إستكمال سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية (الشرق الأوسط !!) سوف يؤدى حتما إلى سقوط مشروعها، ويشجع شعوب المنطقة على التمرد على السيادة الإسرائيلية. فبدأت إسرائيل تتدخل بشدة فى أفغانستان، وتقاتل إلى جانب الجيش الأمريكى. وتحديدا فى مجالات الحرب الجوية والإستخبارية، وخبرات إسرائيل فى مقاومة حروب التحرير فى فلسطين ولبنان والمنطقة العربية، وفرق الموت والقوات الخاصة.

5 ـ مع بداية حكمه جاء ترامب مشبعاً بفكرة خصخصة الحرب، أى جعلها من أعمال الشركات القتالية (المرتزقة).

ومقتنعا بالفكرة الإستعمارية ” لشركة الهند الشرقية ” فى القرن الثامن عشر، والتى أخضعت الهند وأداراتها لصالح بريطانيا، وحولتها إلى مزرعة عظمى للأفيون وصدرت المحصول إلى الصين. وفى حربين عنيفتين أجبرت الإمبراطور على فتح بلاده للأفيون البريطانى القادم من الهند، واستولت على موانئ وجزر صينية لصالح بريطانيا وصالح عصابات التهريب الدوليين.

تلك التجربة الإستعمارية لبريطانيا فى الهند كانت متطاقة مع تصور ترامب لدور بلاده فى أفغانستان. ومنذ ذلك الوقت تم إعتمادها كاستراتيجية أمريكية فى أفغانستان ـ فكان معناها عسكريا هى أن حرب أمريكا فى أفغانستان هى حرب جيوش المرتزقة.

وتعتبر ” داعش” أحد العناصر الرئيسية فى (حرب المرتزقة) المطبقة حاليا فى أفغانستان ـ ولكنها ليست الوحيدة فى ذلك المجال الواسع والخطير.

 

 

داعش جزء من سياسة “عرقنة” أفغانستان:

العراق هى نموذج للتخريب الذى يعمل الإحتلال الأمريكى على تطبيقه فى أفغانستان.

فبعد حرب جهادية ناجحة، تحولت العراق إلى مستنقع للفتن من الصعب الخروج منه. ليست فقط على أساس (سنى ـ شيعى)، بل وحتى (سنى /سنى) وعلى أسس عرقية (عرب ـ أكراد ـ تركمان…). والآن يجلس الإحتلال الأمريكى بقوات محدودة من قواته وقوات الحلفاء، فى وضع مريح فى العراق، ومنها يعيث فسادا فى كامل المنطقة، بينما يتقاتل العراقيون فيما بينهم. وقيادات محلية وسياسية معظمهم يؤيد بقاء الإحتلال لخشيتة من المنافسين الآخرين، حفاظا على مكاسبه المالية التى يجنيها من التعاون مع الإحتلال ومشاريعه الإقتصادية. وتلك صورة طبق الأصل لما يسعى إليه الأمريكيون فى أفغانسستان.

ومن أسباب نجاح أمريكا فى إدارة فتنة داعش فى العراق:

أ ـ أمراض أصابت القيادة الإسلامية: فهى إما غير موجوده أصلا. أو أنها ضعيفة لا وزن لها ـ أو أنها فاسدة أتلفها المال والانخراط فى اللعبة السياسية التى أتلفت معظم القيادات الإسلامية وغير الإسلامية، فتحولت إلى التنافس على المناصب والمكاسب، وتقبيل أحذية المستعمر.

ب ـ أمراض أصابت التنظيمات الجهادية نفسها: مع ضعف القيادة ـ وغياب تأثيرها ـ تفكك التنظيم وفقد تأثيره على الشعب. وتكاثرت فيه مراكز القوى حول قيادات صغيرة طامحة إلى المال والسلطة.

– يمكن القول أن الإستراتيجية الأمريكية هى”عرقنة” أفغانستان، أى تحويلها إلى عراق أخرى، بإستخدام أهم أدواتها فى العراق وهُمْ الدواعش.

 

 

حرب الإغتيالات وفرق الموت:

وهى امتداد طبيعى، وعميق الإرتباط بحرب الدرونز وحرب داعش، وحرب المرتزقة من شركات دولية ومحلية.
وتلك سياسة إستعمارية قديمة لإخضاع الشعوب، عن طريق إغتيال قياداتها.

صادفت تلك السياسة درجات متفاوته من النجاح والفشل، وهى مؤثرة فى جميع الحالات، ليس على النتائج النهائية للحرب، ولكن ربما تسببت فى إطالة أمدها وتأخير إنتصار المجاهدين فترة من الزمن.

ــ تقوم الطائرات بدون طيار ـ فى أفغانستان ـ بدور جوهرى فى حرب الإغتيالات ضد قادة المجاهدين وكوادر المتعاونين معهم.

ـ ويقوم المرتزقة ـ غالبا بدعم من طائرات “الدرونز” بعمليات إغتيال ضد القيادات، والكوادر الجهادية.

ـ للدواعش دورهم فى حرب الإغتيالات. وإن كانت معظم أعمالهم أقرب إلى نشاطات فرق الموت التى تبث الرعب الشديد فى نفوس المدنيين. كما تستهدف إشعال فتنة مذهبية أو عرقية لحرف مسيرة الجهاد فى إتجاه الحرب الأهلية. وهو ما نجحوا فيه كثيرا فى عدد من الدول العربية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

الحرب الإقتصادية:

حروب أمريكا تخدم إقتصادها فى نهاية الأمر. وبشكل أدق تخدم إقتصاد بنوك اليهود فى أمريكا، المصب النهائى لتدفق أموال تجارة المخدرات التى عمودها الفقرى أفيون أفغانستان.

ولأن الأفيون هدف إقتصادى أول. ونفط آسيا الوسطى (وأفغانستان) هدف إقتصادى ثان.

فإن مافيا المخدرات (الإسرائيلية / الأمريكية) وشركات النفط الكبرى هما الضاغط والممول للحرب الدائرة فى أفغانستان. وفى فترات الهدؤ العسكرى تتحرك خزائن المال العملاقة لتلك المؤسسات لدفع الرشاوى فى كل إتجاه لتأمين فترة إستقرار قادمة تتيح إزدهارا لأعمالها فى الأفيون والنفط.

– أما إذا تمكنت الإمارة الإسلامية من العودة منفرده لحكم أفغانستان ـ بدون شراكة مع المافيات الأمريكية السياسية ـ فإن الولايات المتحدة قد جهزت لها حقولا من الألغام الإقتصادية، تشل حركتها وتضمن عودتها مرغمة إلى السيطرة الأمريكية.

 

 

وكما فعلت أمريكا مع العديد من دول العالم ـ وحتى دول كبرى ـ

فإن أهم أسلحتها للدمار الإقتصادى الشامل هى:

أ ـ تحطيم العملة المحلية: عملة أفغانستان تحت تغطية الدولار الأمريكى، والدولار مستند فى قوته على تجارة الهيروين دوليا، وعلى تجارة النفط عالميا بالعملة الأمريكية. إذا سحبت أمريكا تغطيتها للعملة الأفغانية فسوف تنهار تلك العملة فى الحال. وقد تُغْرِق أمريكا السوق الأفغانى بمليارات من العملة المزيفة التى ستطيح بقدرة الشعب على الشراء نتيجة تضخم الأسعار.

ب ـ حصار إقتصادى: بمنع التعامل مع الدولة المستهدفة، وتهديد من يكسر ذلك الحظر بفرض حظر أمريكى عليه. وهذا ما تعانى منه دول فى الجوار الأفغانى مثل إيران. ودول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان. ودول بعيدة مثل فنزويلا وكوبا. والقائمة طويلة، وتلك مجرد أمثلة.

ج ـ إسقاط البنوك المحلية الأفغانية: (ومعظم نشاطها قائم على غسل أموال المخدرات) ومصادرة ممتلكاتها وأرصدتها فى الخارج.

د ـ حظر وعقوبات: ضد الإمارة ومسئوليها. ومطالبتها بتعويضات عن حادث 11 سبتمبر.

وهناك إجراءات آخرى. لاداعى لذكرها طلباً للإختصار.

 

 

حرب ثقافية ودينية:

وهى أخطر التحديات أمام الإمارة الإسلامية، فى حال نجاح وصولها إلى السلطة بشكل مستقل عن شركاء المستعمر ـ والحديث عن تلك الحرب يطول ومعظم تفاصيلها واضح تماما للإمارة وللمثقفين وجمهور الشعب الأفغانى. غايتها النهائية إستبدال فرائض الإسلام وترك الجهاد ضد تسلط الكافرين على المسلمين وبلادهم، والتحول إلى ثقافة جديدة متصالحة مع المستعمر وخاضعة له ومرحبة بإعتناق كافة ما يأتى به من قيم ومبادئ وقوانين مخالفة للدين.

 

 

خلاصة ما سبق:

1 ـ داعش جزء أساسى من حروب المرتزقة التى تشنها أمريكا عبر القارات، هذا رغم أن داعش مصمم خصيصاً للمنطقة الإسلامية.

2 ـ لداعش قدرة خاصة على حرف مسيرة جهاد وثورات المسلمين.

3 ـ دور داعش فى أفغانستان أكثر أهمية فى الوقت الحالى، حيث تعمل أمريكا على حرف مسار الجهاد إلى وضع يشابه وضع العراق من حيث الفتن الدينية والعرقية، وتحول القيادات الشعبية ـ فى معظمها ـ إلى التعاون مع المحتل.

– وحيث أن داعش جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، فإن داعش تديرها القيادة العليا لتلك الحرب وهى الإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلى، مع جهاز خاص مرتبط بحكومة كابول يرأسه حنيف أتمر، وحكمتيار، أضافة إلى عدد محدود من الأسماء.

ونظرا لأن داعش كيان دخيل وبلا جذور إجتماعية أو مذهبية فإنه غير قادر على التمدد فى التربة الإجتماعية لأفغانستان ولا يمكنه التواجد بغير إسناد الإحتلال الأمريكى.

– خطورة داعش حاليا هى أن أفغانستان تعيش المرحلة النهائية من جهاد منتصر، حيث تتكاتف جهود الأعداء مع ضعاف النفوس وأصحاب الهمم الخائرة، لإنهاء مسيرة الجهاد قبل أن يحقق حسما لا لبث فيه، بتحطيم الأصنام كافة ثم رفع الأذان فى سماء كابل.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة