1

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة - العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ - مارس 2021 م

 

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ – مارس 2021 م .

29-03-2021

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، ينفذ الأمريكيون برنامجاً، لكسب دول فى المنطقة لتنفيذ مشاريع: تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

– تشهد ولاية بدخشان عدة مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل /وتتلاعب بالحدود الدولية/ بما يشكل تهديدا خطيرا على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

– إسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة في إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بمياه نهر جيحون، رغما عن حقوق باقي الدول.

– أي مشروع إنفصالي هو إستمرار للعدوان العسكري وسوف يستمر الجهاد العسكري لإحباطه. ولا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان، وحدة أراضيها، وكامل سيادتها على كامل أراضيها، وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هي ملك لجميع شعب أفغانستان، ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأي إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

– إرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمي هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

 

مشروع تقاسم أفغانستان:

ذلك هو جوهر التحرك السياسى الأمريكى الراهن. ومضت أمريكا بأقصى قوة فى ذلك البرنامج خلال الفترة التى تلت توقيع إتفاقية الدوحة.

والهدف هو(شراء) مواقف الدول الأساسية والمؤثرة فى مشكلة أفغانستان بتوزيع قدر من غنائم افغانستان على حسب أهمية الدور المطلوب من كل دولة. ويلاحظ أن جزءاً هاماً من الغنائم عبارة عن رشاوى إقتصادية، أو مشاريع استراتيجية عملاقة تتعلق بأطماع إسرائيل فى أفغانستان والمنطقة لتضعها تحت شبكة النفوذ اليهودى الإقتصادى والسياسى، وإنهاء أى دور إيجابى كان يمكن أن تقوم به أفغانستان بعد التحرير.

المشروعات المطروحة تركزعلى ربط وسطوجنوب آسيا مع تركيا، ثم إسرائيل عبرأفغانستان.

– وبشكل خاص خط السكة الحديد من نيودلهى إلى إسلام آباد، ثم كابل وصولا إلى تركيا. وهو يشكل إنقلابا عميقا فى الموازين الجيوسياسية للمنطقة، خاصة العلاقة بين الهند وباكستان، وبالتالى العلاقة بين الصين وباكستان.

– مشروع آخر لا يقل أهمية وهو سطو إسرائيل على مياه آسيا الوسطى، لإحياء (خط أنابيب السلام) الذى تكلم عنه بيريز منذ أكثر من ثلاثة عقود، لنقل المياه من أنهار سيحون وجيحون إلى إسرائيل عبر تركيا.

والمشروع يستدعى إنقلاباً آخر فى الموازين الجيوسياسية فى المنطقة. وهو إحتمال تغيير طاجيكستان للحدود مع أفغانستان لإغتصاب نصيبها من مياه نهر جيحون. والتلاعب بمشاريع رى مخادعة فى بدخشان تؤدى إلى خدمة نفس الهدف. أى تحويل أكبر قدر من مياه أفغانستان إلى طاجيكستان. وسيترب على المشروع الإسرائيلى أزمات خطيرة بين دول آسيا الوسطى. فإسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة فى إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بالمياه رغما عن حقوق باقى الدول، بما يهدد بحرب إقليمية، تصب لمصلحة إسرائيل وشركات السلاح والأمن والمرتزقة فى إسرائيل والولايات المتحدة. وتشهد ولاية بدخشان مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل/تتلاعب بالحدود الدولية/بما يشكل خطراً على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

وعلى طول الحدود الباكستانية شهدت الحدود الأفغانية عمليات ضم جائرة للأراضى وأسوار عازلة منيعة تتنافى مع النوايا الطيبة وعلاقات حسن الجوار. وهى تعديلات لا يمكن النظر إليها الآن بمعزل عن المشروع الأمريكى/الإسرائيلى لتغيير التوازنات الجيوسياسية فى المنطقة، لمحو دور أفغانستان لصالح تواجد إمبراطورى لإسرائيل يربط المنطقة كلها بمشاريع عظمى تصب مكاسبها المالية فى إسرائيل والبنوك اليهودية.

الأزمة ستطال الصين التى تحاول أمريكا وإسرائيل حرمانها من منفذها البرى مع أفغانستان فى ممر واخان. وهو المنفذ المرشح ليكون طريقاً دولياً يستكمل طريق الحرير نحو شواطئ البحرالمتوسط عبر إيران والعراق والشام. إيران أيضا مرشحة للعزل برياً عن أفغانستان (المنقطعة بريا عن الصين)، وبالتالى ستحرم إيران أيضاً من فرصة الإتصال البرى مع الصين أى أن إيران ستكون فى قائمة ضحايا المشروع الأمريكى/ الإسرائيلى.وهى قائمة لاتضم حتى الآن سوى الصين والإمارة الإسلامية وإيران، وربما روسيا أيضا التى مازالت تراجع كشوفات المكسب والخسارة، فى حال شملت معها حسابات حديقتها الخلفية فى طاجيكستان.

فقد تفضل موسكو أن تكون مياه “خط أنابيب السلام” فى متناول يدهها عند التفاوض مع إسرائيل، التى ستخنقها إقتصاديا بورقة غاز البحر المتوسط والخليج.

إيران مرشحة لخسارة فى مكانتها الجيوسياسية. بهبوط مكانة مشروع ميناء تشبهارلعدة أسباب منها تحول تجارة أفغانستان البحرية لتعود إلى ميناء كراتشى فى باكستان، وفى ذلك توثيق لربط أفغانستان مع المحور الجديد الذى يربط باكستان والهند مع تركيا وإسرائيل فى طرق للسكة الحديد.

وفى الغالب ستبذل أمريكا وإسرائيل غاية الجهد لتمرير خطوط الطاقة (تابى) المتوقف عند الحدود الأفغانية التركمانية. لأن وصول ذلك الخط إلى باكستان والهند سيكون جائزة كبيرة لهما لقاء تعاونهما مع مشروع التغيير الجيوسياسى فى آسيا. لأن فى مشروع “تابى” أضرارا غير مباشرة ستصيب إيران والصين، وكلاهما خارج الخريطة الجديدة التى ترسمها واشنطن مع تل أبيب. كما أن “تابى” سيضع أفغانستان الضعيفة سياسيا وإداريا تحت وصاية لاترحم من شركات الطاقة المشرفة عليه، كما هو الحال فى الأماكن التى تعمل فيها إحتكارات النفط، حيث تشكل حكومة حقيقة بعيدا عن الأضواء.

الصين لا بد أن تكون فى حالة غليان من مشروع أمريكى/إسرائيلى/تركى، يجرى إعداده بالحديد والنار لحصار الصين بزرع كيان مسخ على حدودها فى (بدخشان)، التى قد تكون كياناً مستقلاً أو مرتبطاً بسلسلة ولايات شمال أفغانستان، فى دولة إنفصالية واحدة، وظيفتها عزل أفغانستان عن دول وسط آسيا ـ وعزل الصين برياً عن أفغانستان (وربما عن باكستان والهند أيضا)، بتمديد حدود بدخشان لترتكز حافتها الشرقية على حدود الهند فى مرتفعات سياتشين الجبلية / الجليدية. (وجليد يعنى ماء متجمد وهو ما تسعى إليه إسرائيل دوما حسب قانونها الإستعمارى: نحن فى الحالة الحرب نحتل المواقع الإستراتيجة، وفى وقت السلام نحتل مصادر المياه).وإسرائيل الآن فى حالة سلام وإستقرار فى مركز إمبراطوريتها فى الشرق الأوسط. لهذا تبحث عن المياه، من الحبشة إلى طاجيكستان وبدخشان والهند.

ليس من المستبعد أن يتم الإتفاق مع الهند كى تتنازل عن منطقة التماس مع الصين لصالح بدخشان والمشروع الإنفصالى خلفها. فتتخلص الهند من منطقة خطر وإزعاج دائم، وتتولى المشاكل الحدوية مع الصين دولة مسخ إنفصالية تدعمها إسرائيل وأمريكا. مع ملاحظة أن بدخشان لها تاريخ مع الدواعش، وبذلك قد تتحول حدود أفغانستان مع الصين إلى مسرح لحرب داعشية تنقل تجارب الشرق الأوسط وتجتذب مجموعات داعشية مسلحة تعانى من البطالة. إذا تحقق ذلك الحلم الإسرائيلى فلا روسيا ولا دول آسيا الوسطى، ولا أفغانستان، ستحظى بأمن أو سلام. وذلك يوفر أفضل الظروف لنجاح المشاريع الإسرائيلية. ولعلنا نتذكر هنا وعد أحد الصهاينة الأمريكيين فى الكونجرس الذى قال “سنحول أفغانستان إلى إسرائيل فى المنطقة.

 

 

حرب لإلغاء دور أفغانستان كدولة إسلامية :

أمريكا وإسرائيل تدفعان حرب أفغانستان فى إتجاه إلغاء أفغانستان كدولة إسلامية لها دورفى أى مجال آخر سوى زراعة المخدرات، واستخراج المعادن والخامات النادرة لصالح شركات الغرب وبنوك اليهود.

الصين هى المتضرر الأكبر من ذلك البرنامج. ومن المفروض أن تكون روسيا ضمن قائمة المتضررين. وكل ذلك يشير إلى أن العمل السياسي للإمارة فى حاجة إلى المزيد من المبادرات، لإيضاح أرضية تفاهم سياسية وإقتصادية واستراتيجية للتعامل مع الدول المحيطة.

بعد مجهد صعب، وضغوط من كل جانب، تمكنت الإمارة من التفاوض بقوة وإستقلالية. ويظل العمل السياسى للإمارة فى حاجة إلى تدعيم، وعقد تفاهمات إقليمية واضحة وقائمة على المصالح المتبادلة للعمل الثنائى، والإقليمى الجماعى. حتى لا تلجأ بعض تلك الدول إلى التعامل مع المشاريع الواضحة والمغرية التى يقدمها أعداء أفغانستان. فإرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمى هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها. والحصار الإقتصادى هو أول الأسلحة الأمريكية ويصاحبة العمل الإرهابى والإخلال بالأمن وإثارة الفتن وتحركات الإنفصال.

وفى تلك الحالات الحرجة ولمواجهة سياسة التجويع، والأعمال التخريبية، ستكون الإمارة فى حاجة إلى علاقات ثابتة، وخريطة واضحة للمصالح المتبادلة مع دول الجوار والدول الكبرى فى الإقليم.

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

أمريكا تمارس الفجور السياسى :

أى ضعف فى الأداء السياسى للإمارة قد يتيح للعدو فرصاً للنجاح فى مجالات خطيرة مثل :

– تحويل وضعه من محتل لأفغانستان إلى وسيط سلام بين المتحاربين الأفغان. هذا بينما قواته وقوات حلفائه ما زالت تحتل أفغانستان.

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، طرح الأمريكيون برنامجا ضخماً للرشاوى، لكسب الدول الأساسية فى المنطقة لتنفيذ مشاريع:تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

تناسى العدو الأمريكى موضوع الإنسحاب المقرر له أول مايو2021، ودفعنا/على حين غفلة/ إلى دوامة من المبادرات والمؤتمرات والوساطات، والضغوط فى كل جانب من أجل:

– فرض”السلام” كما يفهمه المحتلون.. أى وقف الجهاد ضد الإحتلال والحكومة العميلة.

– تشكيل حكومة مشتركة مع نظام كابول. أو بمعنى أصح المشاركة فى النظام القائم، مع تغيير فى الوجوه، سواء وجوه عملاء كابل، أو إضافة وجوه يرتضيها المحتل، ثم يدعى أنها تمثل الإمارة.

ذلك الفجور السياسى الأمريكى يستدعى المزيد من الوضوح فى خريطة العلاقات والمصالح المتبادلة بين الإمارة الإسلامية والدول الأساسية فى الإقليم، بما يحفظ مصالح أفغانستان ويحقق الأمن والإزدهار والعدالة فى العلاقات داخل الإقليم، والإبتعاد به عن التدخلات الخارجيية من القوى المعتدية، أى أمريكا وحلف الناتو.

عدم إكتمال إستراتيجية سياسية شاملة، مع العدو والصديق، أتاح لأمريكا أخذ زمام المبادرة، فطرحت علناً المقترحات الفاجرة الآتية:

1 ـ وقف العمل الجهادى بدعوى إفساح المجال “للسلام”، أى لحكومة مشتركة تحت إشراف الإحتلال.

2 ـ إغلاق مكاتب الإمارة فى الخارج التى لم تأذن بها واشنطن، والمقامة بشكل غير رسمى فى دول لا تحظى برضى أمريكا.

 

خطة للنجاة سياسيا :

مازال الوقت متاحاً لتدارك تلك الأخطار قبل أن تخرج عن السيطرة، فتصبح الإمارة أسيرة لردود الأفعال مثل الريشة فى مهب الريح. وتضيع من بين أيديها أضخم إنجازات عسكرية فى تاريخ أفغانستان. وهناك مجموعة إجراءات ضرورية ينبغى إتخاذها.. ومنها:

– الاصرار على الإنسحاب الكامل لجميع القوات المحتلة لأفغانستان فى الموعد المحدد.

– الإعلان بأن العدو المحتل، والدول المشاركة فى العدوان، ليست دولا صديقة ولا وسيطة.

فالدول المشاركة فى الغزو: لا يمكن أن تكون وسيطا ـ ولا شريكا مستقبلياً إلا بعد فترة زمنية طويلة تثبت خلالها أن سلوكها العدوانى الغادر قد تغير ـ وقبل ذلك لا يمكن أن تكون مركزاً لمؤتمرات أو لمفاوضات من أى نوع، ويكون وفد الإمارة مشاركاً فيها.

– أى تعديل للحدود الدولية لأفغانستان هو عمل عدائى مرفوض ويهدد الأمن والإستقرار فى المنطقة، وسيتم التعامل معه وفق ما تقرره الإمارة.

– أى مشروع إنفصالى هو إستمرار للعدوان العسكرى وسوف يستمر الجهاد العسكرى لإحباطه. فلا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان ــ وحدة أراضيها ــ وكامل سيادتها على كامل أراضيها ــ وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هى ملك لجميع شعب أفغانستان ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأى إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

يشير العرض السابق بكل وضوح إلى أهمية زيادة عنصر المبادرة والإقتحام الشجاع للجهاز السياسى من أجل التقدم بقضية الإسلام فى أفغانستان، وحماية الإمارة الإسلامية. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو تحرير العمل السياسى من أى ضغوط خارجية، وتوفير كامل الإستقلالية لعمله في اي مكان.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 31

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة - العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ - مارس 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ – مارس 2021 م .

29-03-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (31)

– العدو أنزل عددا من طائراته في المطار الجديد في الطرف الشمالي الشرقي من صحراء المدينة .

–  المطار جديد قلب موازين العمل، ونقل ثقل العمليات جهة الشرق.

– قال حقاني: إن هناك أقاويل عن انقلاب جديد يجري تدبيره في كابل بإشراف دولي 

 ويشارك فيه حكمتيار بقوات يحشدها حول العاصمة، تكون نتيجته حكومة مشتركة

  بين قادة جهاديين وجنرالات شيوعيين.

– قال حقاني: إنه يحاول شراء دبابات جديدة، معروضة بسعر يتراوح بين 

خمسمائة إلى ثمانمائة ألف روبية باكستانية.

– سألت حقاني إن كان يوافق على أن يبيع دبابة أو أثنين من عنده للعرب، فضحك قائلا:

 (أنا لا أبيع بل أشتري).

–  عن المنطقة الشرقية قال حقاني: إنه سيرسل مجاهدين ومدافع إلى هناك

 وكذلك دبابة لضرب موقع المطار الجديد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

انتهت  معالم  نكسة معركة شيخ أمير، التي وقعت بسبب خيانة الأحزاب في اللحظة الحرجة من المعركة. واستغرق الأمر عدة أشهرحتى يعود العمل الجهادي في خوست إلى عافيتة القديمة. ومع تلك العودة عدتُ مرة أخرى ـ وبعد غيبة طويلة ـ إلى العمل ضد مطار خوست، عدوي القديم، المرافق لأحلى ذكرياتي في العمل القتالي في أفغانستان، وذكرى صديقي الشهيد عبد الرحمن، وصديقنا أبو حفص الذي شاركنا في تلك العمليات عام 85 ، ثم غادرنا عام 86 مغادرة نهائية، لينضم فيما بعد إلى تنظيم القاعدة ، بل ويشارك في تأسيسه. وعند مناقشتي إياه حول إحياء العمل ضد مطار خوست بهدف إغلاقه لفتح الطرق أمام المجاهدين لإسقاط المدينة بعد شهر من إغلاق المطار، حسب تقدير مولوي حقاني، وعدني أبو حفص بدعم مشروع المطار بالذخائر وعدد من الكوادرالقاعدة.

 

 

نحو مشروع لإغلاق مطار خوست

بدأت مع بعض الكوادر الجُدُدْ في مشروع إغلاق المطار استطلاعا ميدانيا للموقف، و برامج المجموعات الأخرى التي قد تتعاون معنا أو تعمل حولنا في نفس المناطق التي نختارها.

لم نجد شخصاً يمكننا الحديث معه في مركز خليل، ثم سألنا عن”د. نصرت الله” فلم نجده. سألنا عن القائد الكوتشي”جولاب”، في مركز منان فلم نجده. الجميع في ميرانشاه لتقديم التعازي إلى حقاني في  وفاة والدته.

فكرنا أن نستغل ذلك التجمع  في العثور عن حل ناجع لمشكلة المطار الجديد. فجميع المسؤولين هناك. بعد العصر ذهبنا لتقديم التعازي إلى الشيخ حقاني في مسجد المهاجرين في منطقة سكنه المقابلة للقلعة “مقر حكومة ميرانشاه”.

كان برفقته صديقنا الشيخ نصر الله منصور الذي استقبلني بحرارة .أخبرت حقاني أننا نريده في حديث هام، فوعدنا بلقاء بعد العشاء. صلينا المغرب في مضافة حقاني التي غصت بالمعزين، ثم بدأ تقديم طعام العشاء للجميع، وكانت مأدبة كريمة بما يتناسب مع مكانة صاحب البيت ومكانة ضيوفه.  جلست إلى جانب مولوي نصر الله منصور وإلى جانبي أبو الحارث وأبو الشهيد القطري أمام السفرة الممتدة على طول الغرفة المتسعة وقد تراص الرجال على جانبيها.

ولم نكد نبدأ حتى جاء “علي جان” يستدعيني لمقابلة حقاني، فذهبت إليه مع زملائي في غرفته الخاصة باستقبال الضيوف الخاصين، وقابلنا مبتسماً ممازحاً وقال:

هل أتيتم للأكل أم للحديث؟ فقلت له إننا قد تركنا الأكل رغم أنه شهي.  بدأت الحديث مباشرة عن موضوع المطارالجديد وضرورة التصدي له بسرعة وتدمير المعدات بالمدفعية أو الدبابات، ثم انتقلت إلى الحديث عن “مشروع جولاب” على أساس أنه الحل النهائي لمشكلة المطارات، وعرضت عليه مشاركة العرب مع جولاب (شقيق الشهيد منان). وكان المشروع يقضي بأن يقوم مع رجاله من البدو بالاستيلاء على خط الدفاع الجبلي الأخير عن المدينة، عندها تصبح المدينة متاحة واستخدام المطار القديم أو الجديد شبه مستحيل). عرضت على حقاني أن يقوم العرب بضرب دبابة العدو المقابلة لنا على خط التحصينات، وفتح ثغرات في حقل الألغام. ورد حقاني بالتالي:

– أن له ارتباط قوي بالداخل “أي عيون داخل المدينة” أفادوا بأن معدات دك المدرج غير موجودة في خوست، لذا لن يصلح المطار لطائرات النقل. فقط الطائرات الشراعية يمكنها استخدامه.

– إن هناك اتصالات سرية قائمة لتسليم خط الدفاع المواجه لنا وكذلك المطار، وقد تم دفع خمسة عشر مليون روبية باكستانية لمسئولين عسكريين في خوست لإتمام الصفقه. والمدفوع إليهم محل ثقه وقد تم تجربتهم سابقاً.

– بالنسبه لمشاركة العرب في مشروع جولاب، فهو موافق عليها ، في حال الحاجة إلى المشروع، أي عند فشل اتفاق تسليم خط الدفاع والمطار. ولكنه لا يوافق على مشاركتهم في إزالة الألغام خوفاً على سلامتهم. أما تزويدهم بالدبابات، دبابة أو أكثر حسب طلبهم، فقد وافق حتى على إعطائهم الدبابات الخمسة التي لديه، وقال بأن السائقين عنده إما أنهم قتلوا أو جرحوا أو يهربون من المعارك. وأنه يسعى لإحضار المزيد من الدبابات، فعنده إثنتان في “سرانا” وقد أرسل بلدوزر إلى هناك كي يفتح لهما طريق. ويحاول شراء دبابات جديدة، فهناك عدد من الدبابات في قندهار، لا يدري كم عددها،  معروضة بسعر يتراوح بين خمسمئة إلى ثمانمئة ألف روبية باكستانية.

وعندما سألته إن كان يوافق على أن يبيع دبابة أو أثنين من عنده للعرب، ضحك قائلا:

(أنا لا أبيع بل أشتري) . وعن المنطقة الشرقية قال إنه سيرسل مجاهدين ومدافع إلى هناك وكذلك دبابة لضرب موقع المطار الجديد.

 

كانت تلك  ردود حقاني وهي تحتاج الآن إلى تعليق: 

بالنسبه للمطار الجديد أعتقد أن حقاني قد وقع ضحية لخدعة من عميل مزدوج. فمعلومة أن المعدات اللازمة لدك المدرج غير موجودة في المدينة كانت كذباً متعمداً، أفاد كثيرا القوات الحكومية، فقد تراخى حقاني والمجاهدون في إبداء رده الفعل والتصدي فوراً لعمليات تجهيز المدرج.

وقد كسب العدو عدة أيام غاية الحساسية أضاعها المجاهدون في تراخي مطمئن، وقضاها العدو في عمل نشط دؤوب لأكثر من خمسة عشر ساعة يومياً تكدح فيها آلياته ذات اللون الأصفر التي كنا نراها بمناظير المراقبة وهي تروح وتجيء فوق المدرج الجديد وقد لفَّتْها سحب من الأتربة الكثيفة. ولم يتصد لها أحد، على أمل أن المدرج لن يصلح إلا للطائرات الشراعية !!!. ولقد كَلَفَت تلك الغلطة حقاني والمجاهدين أكثر من ستة أشهر من القتال الإضافي حتى اقتحموا المدينة. وكان من المتوقع حسب تقديرات حقاني أنها سوف تستسلم إذا أغلق المطار”القديم” لمدة شهر. وهذا هو السبب في قيامنا بمشروع المطار. لقد كان تقدير حقاني صحيحاً ولكن العدو نجح في خداعه فأطال أمد القتال نصف عام آخر.

–  أما عملية شراء خط الدفاع الأول للعدو، فقد كانت جدية، ولكن أخبارها تسربت إلى العدو، فأحبطها بتدخل عسكري عنيف استخدمت فيه المدفعية والطائرات. وحدثت معركة قتل فيها عدد من الجنود والضباط. حدث ذلك بعد انتهاء مشروعنا وتفكيك مراكزنا. أما عن مشاركة العرب، فإن مشروع جولاب فقد أُلغي بحكم التطورات المذكورة، وحتى لو أنه استمر فإن تصرفات العرب أوضحت أنهم لم يكونوا جادين في عروض المشاركة. وحتى تاريخ انتهاء مشروعنا في الحادي عشر من سبتمبر 1990 لم يتخذ العرب أي خطوة عملية أو حتى قرار نهائي بالنسبة لمشاركتهم في معارك خوست. أقصد بالعرب تنظيم القاعدة والجماعات الأخرى، سوى جماعة أبو الحارث.

 

ليالي مع المطار: 

 نعود إلى المذكرات التي كنت أدوِّنُها. وفيما يلي الحديث عن ليلة إغلاق المطار”القديم” في أحد ليالي الأسبوع الأخير من المشروع . حيث يمتنع العدو عن استخدام المطار نهارا خوفا من مدفعية وصواريخ المجاهدين. كنت أبدأ الكتابة بتلخيص نتائج عملنا في الليل، ثم أذكر تفاصيل أحداث النهار التالي. في الملاحظات نجد اصطلاح “ليلة الإغلاق” وهي الليلة التي لم يتمكن فيها العدو من استخدام المطار بسبب الرمايات الصاروخية من طرف راجماتنا وراجمات منضمة معنا في نفس البرامج . أو أن الظروف الجوية، خاصة الأمطار، لم تسمع للعدو باستخدام المطار. مع العلم أن المدرج كان ترابيا. وفي الملاحظات اصطلاح “ليلة اشتباك” هي الليلة التي تدَخَلنا فيها بالرمايات لمنع العدو من استخدام المطارعندما سمحت له الأحوال الجوية بذلك. لهذا يظهر عدد “ليالي الإغلاق” أكبر من رقم “ليالي الاشتباك”.أما الملاحظة المكتوبة عن “نتائج عمليات الهبوط” فهي تبين مدى نجاح أو فشل عملنا في تلك الليلة ، إذ المفروض ألا نجعل العدو يفرغ طائراته.

الملاحظات عن ليلة(6 سبتمبر 1990) كانت أسوأ نتائج حصلنا عليها في المشروع . بسبب نفاذ لذخائر لدينا أثناء الاشتباك.  كانت عملية إمداد مشروعنا بالذخائر هي أكبر نقاط ضعفنا. فالعمل الإداري للعرب كان متدني الكفاءة. وظهرت لي دلائل على أن بعض القيادات الإدارية كانت متواطئة مع دولة خليجية للإضرار بعملنا في الجبهة.أما عدد الإصابات في طائرات العدو فكنا نجمعها من عدة مصادر إلى جانب رصدنا الخاص .أهم رصد في المنطقة كان الرصد اللاسلكي الذي يقوم به مركز قيادة حقاني بقيادة الضابط الكفؤ”عبد العزيز” يعاونه الشاب العبقري “فضل”. وكان ترصد جبل تورغار قادر على الرصد الجيد وتقديم معلومات موثوقة لنا.

الخميس 6 سبتمر 1990 ـ18 صفر 1411 هـ .

ملخص:

ليلة الإغلاق: الثانيه والعشرون.

ليلة الاشتباك: التاسعة.

عدد محاولات الهبوط: سبعة. 

نتائج عمليات الهبوط: تفريغ ست طائرات.

إصابات العدو: احتراق طائرة، وإصابة أخرى إصابة خفيفة لم تمنعها من العودة إلى كابل. إصابات عندنا: لاتوجد.

{ ملاحظات: لم أحضر تلك المعركة بل قادها أبو زيد التونسي، وهي أسوأ نتيجة حصلنا عليها في كل الاشتباكات، بل اعتبرناها هزيمتنا الأولى أمام العدو.

في تقريره عن المعركة. قال أبو زيد إن قلة الذخائر كانت سبباً رئيسياً فيما حدث. فقد خرجت الراجمات بسرعة من المعركة. والسبب الآخر هو نجاح العدو في التشويش على الاتصالات خاصة مع الترصد اللاسلكي}.

في الثامنة والنصف صباحاً تحركنا بسيارة المعسكر إلى ميرانشاه. كان أبو حفص يقود السيارة، وإلى جانبه أبو أسامة المصري. وفي المقعد الخلفي عدد من الشباب المجازين بسبب المرض وفي الصندوق الخلفي للسيارة ركبت مع أبو حامد الليبي وعثمان الصعيدي الذي سيغادرنا نهائياً كي يحضر دورة في جلال آباد على الطوبوغرافيا، كان في انتظارها منذ فترة، وسوف يحل محله ” المقداد” الأردني.

كان ما فعله عثمان صورة طبق الأصل من غرائب التصرفات العربية في أفغانستان، فتَلَقِّي الدورات بلا حساب ولاضرورة أصبح هدفاً في حد ذاته، أما المعركة مهما كانت أهميتها فتأتي في مرتبة متدنية.

وهذا ما أعنيه بالحديث عن الانتهازية الجهادية لدي التنظيمات العربية التي عملت في أفغانستان، فهي تسعى إلى “الاستفادة” من الساحة الأفغانية، بأضيق مفهوم لتلك الاستفادة وبدون اهتمام بنتائج الحرب، بل مع تسليم تام بفشلها.  في ميرانشاه حاولنا مقابلة حقاني ظهراً، ولكنه طلب أن يكون اللقاء بعد المغرب، عزمت على العودة إلى أفغانستان لكن أبوحفص كان يريد وساطتي مع حقاني حتى يسمح لهيئة الإغاثة الإسلامية، بتولي مسؤلية المستشفي الكبير التابع لحقاني، وهي مشكلة مزمنة.

كذلك أبو أسامة المصري الذي طالبني بكتابة تقرير بوجهة نظري التي أوضحتها له في مركز أبو العباس. وهكذا كان لابد لي من قضاء الليلة في ميرانشاه، ولما كنت مرهقاً من السهر المتواصل فقد نمت في البيت إلى قرب المغرب. في اجتماعنا ليلاً مع حقاني تحدثنا طويلاً حول الوضع في الجبهة واجتماع الكومندانات الذي سيعقد في الغد. عن البرنامج العسكري القريب الذي قال حقاني إنه سيكون في المناطق الجنوبية والشرقية من خوست، وأنه سيطالب جولاب بالتحرك شرقاً مع مجموعته لضرب المطارالجديد، أما خط دفاع العدو المواجه لنا فلم يذكره على اعتبار ما أخبرني به سابقاً من أنه سوف يستسلم. فقلت له إننا قد نضرب دبابتين للعدو في ذلك الخط، فوافق، وطالب أن نضرب منطقة ” فارم باغ” وتوجد خلف الخط الجبلي المواجه لنا وعلى طرفه الشرقي. وقال إن بها أحد عشر دبابة جديدة.

وعن كابل قال حقاني إن هناك أقاويل متداولة بأن هناك انقلاباً جديداً يجري تدبيره في كابل بإشراف دولي ويشارك فيه حكمتيار بقوات يحشدها حول العاصمة، تكون نتيجته حكومة مشتركة بين قادة جهاديين وجنرالات شيوعيين.

عن قرارات مؤتمر القادة الميدانين(على مستوى أفغانستان) قال إنها تأخذ مجرى التنفيذ، وإن هناك تطبيقاً جيداً لها في مجال الأمن أما التنسيق في العمليات فما زال بطيئاً. وأن لجنة لمتابعة تطبيق القرارات تجتمع من أماكن مختلفة في الداخل، ومن أعضائها مولوي أرسلان رحماني وأختر محمد (كلاهما يعمل مع حزب سياف، لهذا  يصل القادة الميدانيون إلى نتائج عملية مؤثرة).

لم أعلم بما حدث في اشتباكات هذه الليلة إلا في اليوم التالي ، بعضها وصل عن طريق المخابرة والآخر علمته مشافهة من أبي زيد والآخرين. لقد نزلت بنا أول هزيمة منذ بدأنا” مشروع المطار” فقد هبطت ست طائرات إلى المطار وأفرغت حمولتها. ولكن إحداها أصيبت واحترقت، حسب قول الترصد اللاسلكي، وأخرى أصيبت إصابة خفيفة وتمكنت من الإقلاع في الثامنة صباحا.

وهي خدعة ممتازة من جانب العدو لأن أحداً لايتوقع أن تقلع طائرة من هناك في وضح النهار وقد استسلمنا جميعاً لهذا الوهم . وسوف نرى أن العدو قد حاول استخدام نفس الخدعه معنا  في معارك فتح خوست وكانت آخر طائرة له هبطت في المدينة حتى سقوط النظام. لكننا منعناه من الإقلاع وتم أسر قائدها وهو جنرال طيار. قال فضل أيضاً، وهو نائب عبد العزيز، إن رمايات الراجمات كانت ضعيفة وغير منسقة. على كل حال فقد اعتبرت نفسي مسئولاً تماماً عما حدث من هزيمة في تلك الليلة.

 فتركي الموقع والذهاب إلى ميرانشاه لم يكن له مبرر قوي، وقد راهنت أكثر مما يجب على استمرار المطر والأحوال الجوية السيئة.

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

مطار جديد قلب موازين العمل، ونقل ثقل العمليات جهة الشرق.

بدأ يتأكد لدي مواقع الترصد أن العدو أنزل عددا من طائراته في المطار الجديد في الطرف الشمالي الشرقي من صحراء المدينة . وكان بعيدا تماما عن مدى راجماتنا، ولا يصله إلا عدد محدود من قطع المدفعية المتوفرة عند المجاهدين. لذا توجب انتقال راجمات  إلى الطرف الشرقي من الجبهة حتى تتمكن من العمل على المطار الجديد. وهو ما فعلناه ولكن بعد عدة أشهر !!. نعود إلى اليوميات المسجلة بعد ما اكتشفنا أن هناك مطارا جديدا يعمل، وأن مطارنا العتيد قد تحول اسمه بسرعة وبساطة تامة إلى”المطار القديم” . وبشكل ما شعرنا بالإهانة من ذلك رغم نجاحنا في إغلاق المطارالتاريخي للمدينة الذي أصبح الآن “المطار القديم”، بل وتكبيد العدو خسائر تاريخية في طائرات النقل خلال مشروعنا المكثف.

 

الأربعاء12 ـ 9 ـ  1990 :

هل يمكن أن يعود العدو إلى استخدام المطار هذه الليله؟ ألا يمكن أن تكون صحيحة المعلومة التي وصلت حقاني من أن المعدات في المدينة لا تكفي لدك المدرج بحيث يتحمل الطائرات الثقيلة. فإذا كانت الطائرات التي هبطت تلك الليلة قد أتلفت المدرج الهش، فلا شك أن العدو سيهبط في مطارنا “القديم” في الليلة القادمة.

كانت الفكرة معقولة، فأخذت الاحتياطات العادية للاشتباكات القوية التي تعودنا عليها.

ـ قال حاجي إبراهيم إنه أحصى اثني عشر طائرة هبطت ليلة أمس (في المطار الجديد)، بينما قالت باقي نقاط الترصد إنها أحصت ما بين سبعة إلى ثمانية طائرات فقط .على كل حال فإن متانة المدرج مازالت  بالنسبه لي، موضع تساؤل.  توجهت إلى المركزالرئيسي “أبو العباس” واجتمعت مع الشباب هناك وشرحت لهم أن معيار النجاح والفشل بالنسبة لأي مهمة عسكرية هو مدى تحقيقها للهدف الذي تحركت العملية من أجله.

ونحن في مشروع المطار تحركنا بهدف إغلاق المطار، وهو ما تم تحقيقه حرفياً وبهذا تكون عمليتنا قد نجحت  بنسبة مائة بالمائة ـ وأهم من ذلك هو فضل الله علينا بأن خرجت كل مجموعاتنا سالمة من المعركة، وبدون شهيد أو جريح واحد، وهو ما لم نكن نتصوره .

تحسنت معنويات الشباب قليلاً. فحدثتهم عن احتمال حدوث اشتباك ليلي عنيف، يجب أن نتجهز له. ثم غادرت المركز صوب مركز خليل محاولاً أن أكلم حقاني حول إجراءات مواجهة “المطار الجديد” والعمليات الأرضية الأخرى ودور العرب فيها. كان حقاني في ميرانشاه، ولكن قابلنا سيارة جماعة الشهيد منان “الكوتشي” وكان بها ابن أخته “باتشا دينا” الذي نزل من سيارته مسرعاً كي يصافحني بحرارة، وكذلك فعل باقي أفراد المجموعة، ومعظمهم من الأفراد القدماء الذين عملنا معهم في عهد عبدالرحمن الشهيد. كان “باتشا دينا” سعيداً خفيف الحركة، عرفت السبب عندما سحبني نحو سيارته وأشار إلى صندوقها الخلفي حيث يرقد صاروخ ستنجر في وعائه الضخم، وقال إنه سيطلقه الليلة على الطائرات الهابطة في المطار الجديد، أسعدني سماع ذلك وقلت له إنني سوف ألغي سفري إلى ميرانشاه وأرابط فوق جبل الترصد منتظراً عمله ذاك، وسوف نكون على اتصال لاسلكي معه، وكان الاتصال اللاسلكي مع مجموعة منان يسيراً للغاية فقد كان العدو والصديق يعرف أن عليه أن يملأ شاشة الجهاز بالرقم “4” ثم ينادي عليهم فيجدهم في الانتظار دوماً. تم الاتفاق بينه وبين حاجي إبراهيم على مسألة الاتصال.

كان واضحا أن ثقل العمليات في الجبهة في طريقه للتحول جهة الشرق، حيث مفجأة المطار الجديد، الذي منح العدو أملا في البقاء لفترة أطول في خوست. توجهنا بسيارتنا نحو مركز الترصد اللاسلكي فوجدنا “فضل” و”خليل” شقيق حقاني عائدين من هناك، وقد ازدحمت السيارة بالمجاهدين فسألت خليل عدة أسئلة متتابعة مثل: هل أرسلتم مدفعية أو دبابات لضرب المطار الجديد؟. هل لديك مدفعية أو دبابات لضرب المطار الجديد؟. هل لديك مدفعية أو دبابة جاهزه للعمل؟. هل لديك صواريخ “صقر 30” مع راجمة؟. هل هناك برنامج للعمل ضد المطار هذه الليلة؟. هذه الأسئلة أجاب عنها جميعاً بكلمة “نشته”وتعني “لا”. ولم يزد عليها حرفاً، كاد ذلك أن يفقدني صوابي فتركناهم ينصرفون وأخذ حاجي إبراهيم يضحك من غضبي ومن إجابات خليل اللامبالية.

 

الجمعة 14 سبتمر 1990 :

حاجي إبراهيم، شقيق حقاني، أبلغني رسالة تلفونية صادرة من حقاني يطالبني فيها بنقل الراجمات والأفراد إلى منطقة المطار الجديد. وأبلغني إبراهيم أيضاً أن مجبور سينقل راجمته إلى المنطقة الشرقية. شعرت بالامتعاض لتفريغ المنطقة من قوة الراجمات المخصصه للمطار ـ أي تفكيك قوة نيران مشروع المطار”القديم” ـ لأن العدو سرعان مايعاود استخدام “المطار القديم” كنت أرى تثبيت قوة نيران كافية لحراسة المطار القديم ـ ثم إنشاء قوة جديدة خاصة بالمطار الجديد. ورغم الصعوبة والتكاليف فإن ذلك كان الحل الوحيد كما أظن حتى لا يتلاعب بنا العدو، ونظل نركض يوماً هنا ويوماً هناك. لم أجد فائدة في شرح ذلك لغير حقاني شخصياً، وكان جولاب قد أخطرنا بأنه سوف يسحب راجمته من عندنا كي يستخدمها ضد المطار الجديد. قضيت وقتاً طويلاً هذا اليوم للبحث عن دعائم حديدية مناسبة لبناء “وكرالشلكا” وهو الحصن الذي أسعى لوضع ذلك المدفع بداخله. كنت أتصور الحصن عبارة عن حفرة ذات ثلاث جوانب من الصخر، وسطح ذو دعائم حديدية مضاعفة وأمتار من الرمال والأحجار من فوقه، مع فوهة رماية محدودة الاتساع ومموهة.

لم يكن الحديد المتوافر في ميرانشاه مناسباً وكان لابد من اللحام لضم كل عدة قطع سوياً حتى تكتسب قوة ملائمة. زارني الدكتور خالد وزميل له من مستشفى ميرانشاه، ومعهما يوسف حمدان مدير هيئة الإغاثة الإسلامية الذي جاء ليشرف على المفاوضات مع حقاني بشأن المستشفى المذكور، وكانوا يطلبون وساطتي في الموضوع.

 

السبت 15 سبتمبر 1990 : 

وصلنا صباحاً مولوي “سيف الرحمن” مسئول المشتريات العسكرية لدى حقاني، كي يبلغنا أن حقاني قد عاد إلى بيته. ويقول حقاني إن هناك كميات كبيرة من الذخائر معروضة للبيع في “جاجي” وبأسعار جيدة. وتشمل الصفقة صواريخ كاتيوشا وهاونات وقذائف مدفع82 مليمتر عديم الارتداد. فقلت له إنني سوف أتشاور في ذلك مع العرب في بشاور. ذهبت إلى لقاء حقاني في بيته حيث طلب تأجيل بحث موضوع المستشفى حتى يتشاور فيه مع نائبه مولوي نظام الدين في مساء هذا اليوم. وكان مولوي نظام الدين في زيارة للسعودية ضمن وفد أفغاني ضخم حيث حضروا مؤتمراً إسلامياً برعاية حكومة “المملكة”هدفه إعطاء موافقة إسلامية عامة على احتلال إمريكا لجزيرة العرب لحمايتها من تهديدات صدام حسين الذي احتل الكويت الشهر الماضي.

– وافق حقاني على إعطائنا مدفع الشلكا، وطلب منا أن نرتب نيران المجاهدين ضد “المطار الجديد” وقال: (إننا لا نفرح بأخذنا المطار القديم ثم نترك العدو في المطار الجديد).

ثم طلب أن تكون راجمات جولاب وغيرها تحت تصرفنا وأنه ـ أي حقاني ـ  سوف يمدنا بالذخائر اللازمة، وطلب أن نذهب إلى باري لنجتمع مع” د. نصرت الله” وباقي الكومندانات لبحث الموضوع والترتيبات اللازمة لتنفيذ تلك التوجيهات. بالفعل توجهنا على الفور إلى مركز خليل في باري كي نعلم أن الاجتماع لم يعقد لأنه من بين 18 كوموندان حضر خمسة فقط . قررنا العودة في سيارة بالأجرة، لأن سيارتنا سوف تبقى في مركز “أبو العباس”. وكان ترصدنا مازال يعمل، والعدو متوقف عن استخدام المطار القديم، ويستخدم يومياً “مطاره الجديد”. في سيارة الأجرة ، من نوع البيك آب طبعاً ، جلس حاجي إبراهيم إلى جوار السائق، كي “يتسلي” معه بالحديث أثناء الطريق، وكان الحديث عبارة عن تفاصيل مافعلناه في مشروع المطار!!!  كدت أنفجر غيظاً لولا علمي أن العملية قد مضت وانتهت، وأن ما يقوم به حاجي إبراهيم هو عادة شعبية أصيلة لاغنى عنها لأولاد البلد.

 

الأحد 16 سبتمر 1990 :

كان الجفاء مكتوماً بيننا، جماعة المجلة العربية ـ وهي نفسها  جماعة مشروع المطارـ وبين جماعة المكتب الثقافي “الفرهنجي” الذي مازلنا نشكل أحد أجزائه المنفصلة. شواهد عديدة أكدت أن الشخص الذي تهجم ظهراً على بيتي في ميرانشاه وكاد أن يخنق ابني الصغيرعبدالله الذي تصدى له بشجاعة، هذا الشخص شوهد مرات عديدة في مكتب “الفرهنجي”.

منذ الأمس وضيوف أوروبيون في الطابق العلوي ، رجالاً ونساء ، يشاهدون أفلام فيديو عن معارك المجاهدين في المنطقة. لم يخبرنا أحد عن هؤلاء، ولكن منظرهم أثار استيائي.

على الأقل لكون هذه المخلوقات البيضاء أصبحت معادية لنا بشكل مكشوف، ويعملون بلا هوادة لإجهاض مسيرة الجهاد في أفغانسان، قبل خطوات قليلة من بلوغها الهدف. كانت المخلوقات البيضاء تتصرف بلا تكلف وكأنهم في بيوتهم. وحتى صباح اليوم مازالوا متواجدين بالطابق العلوي، والنساء يتشمسن في الساحة الضيقة المواجهة لصف الغرف العلوية والمطلة على حديقة البيت السفلية، لم يخبرنا أحد: من هؤلاء؟ أو الهدف في زيارتهم؟. بل بذلوا جهوداً للتعتيم والتمويه علينا.

اصطحبت حاجي إبراهيم إلى بيت حقاني وفي الطريق قابلنا “مجبور” جارنا وشريكنا في عمليات المطار، وقال إنه سينقل مدفعه الهاون عيار 120 مليمتر إلى منطقة “شين كاي” الشرقية لضرب المطار الجديد من هناك. وطلب بعض المساعدات فيما يختص بحفريات جديدة هناك مع جهاز لاسلكي صغير وميكروفون يدوي. وعدته بمساعدته في الحفريات عن طريق العرب، أما المطالب الأخرى، فنحن نعاني من نقص في أجهزة اللاسلكي الصغيرة.

– قبل وصولنا إلى بيت حقاني رأينا الزوار يتوافدون لتحية الشيخ نظام الدين الذي عاد مؤخراً من السعودية، فتوجهت مع حاجي إبراهيم لإلقاء السلام عليه. وكنت شغوفاً بمعرفة رأيه فيما جرى في السعودية من استجلاب القوات الأمريكية لحمايتها من العراق على حد زعم الدعايات الصادرة من هناك وقتها. كان “نظام الدين” معروفاً بصرامته الفقهية لذا توقعت سماع آراء تسعدني.

قدم لنا الشيخ بعضاً من ماء زمزم وتمر المدينة المنورة.  امتلأت الغرفة الصغيرة بالزوار، ثم جلست إلى جواره وسألته عن رأيه فيما حدث في السعودية والخليج، فكانت إجابته صدمة غير متوقعة بالنسبة لي. فقد قال: إن قدوم الأمريكان والأوروبيين إلى السعودية جائز بشروط ـ لم تتوفرـ ولكن بما أن صدام يعمل مع روسيا فلا بد من وجود أمريكا !!! ولكنها ستخرج !!! ثم أضاف إن كل العلماء من مختلف بلاد المسلمين قد أفتوا بجواز ما حدث من استعانة بجيوش أمريكا والغرب !!! حاولت مجادلته بالقول أن أمريكا لم تحضر إلى أفغانستان لمقاومة الاتحاد السوفيتي الذي هو أقوى من صدام حسين فلماذا ذهبت إلى السعوديه؟. ولماذا لم يطالب شعب أفغانستان قوات أمريكية، بينما طالبت السعودية بذلك؟. فأجاب أن حكومة السعودية مقصرة، ولكن هذا ما حدث، والأمريكان سوف يخرجون قريباً. ودَّعته وخرجت وأنا مصدوم ومتعجب .

– في مضافة حقاني قابلت القادة البارزين وفي جعبتهم أخبار سيئة عن المطار الجديد، فقد هبطت به ليلة أمس ثمان طائرات معظمها يحمل جنود . قال حقاني إن المعلومات التي لديه تقول إن الحكومة عززت قواتها بألف جندي جديد خلال الأيام القليلة من استخدام المطار، بما يعني احتمال قيامهم بهجوم. وقامت الحكومة بقصف رؤوس الجبال في باري بالمدفعية الثقيلة وهو ما لم يحدث منذ أربعة أشهر. ومع ذلك كانت ردود الفعل تجاه المطار الجديد متفاوتة جداً حتى كدت أشعر باليأس.

كانت ظروف حقاني الخاصة ساحقة، فاستشهاد أخيه إسماعيل كانت كارثة على النطاق الشخصي والعملي لكون إسماعيل واحد من ثلاث محركات فعالة يطلقها حقاني في مختلف جبهات القتال وهم إخوته الثلاثة إبراهيم وخليل وإسماعيل، لقد فقد ثلث قوته الضاربة بموت إسماعيل.

ثم هذه أمه التي تضبط جبهة لا تقل خطورة عن جبهة القتال وهي الجبهه الداخلية المكونة من اُسَرْ المجاهدين والشهداء، إلى جانب التحريض الفعال على الجهاد وضبط ومعاقبة أي حالة تخاذل أو ضجر أياً كان مصدرها، فعصاها وكلماتها، وثقلها المعنوي أسلحة ردع جاهزة دوما ًوتعمل بلا كلل. هذه المرأة العظيمة ماتت هي الأخرى في أعقاب موت إسماعيل.

ليس هذا فقط، فالآن إبراهيم يتعرض لنكسة صحية خطيرة. فقد خرج من المستشفى قبل استكمال علاجه كي يحضر جنازة والدته، ثم لم يعد إلى المستشفى بل تحرك صوب الجبهة للإشراف على عمليات إمداد، فداهمته النكسة، وبدأ يسعل دماً فنقلوه جواً إلى المستشفى العسكري في روالبندي. كل هذه أسباب لحالة الضياع التي شاهدت حقاني يعيشها اليوم فكان تائهاً يفتقد التركيز والإشعاع القيادي الجذاب الذي تميز به دوما وحَمَلَهُ إلى الصدارة. سألته عن البرنامج العسكري القادم فأجاب: (لا أدري! يقولون إنه قريب! ومفروض أن يكون من جميع الجهات). إجاباته وحالته الشاردة زادتا حالة الضياع عندي. شعرت بالحاجة إلى أخذ قسط من الراحة والبقاء مع أسرتي لبعض الوقت. تمنيت أن أجد شخصاً آخر أسلمه تلك التركة التي أزهد فيها. وزاد الطين بلة أن “جماعتنا” في بشاور من قيادات القاعدة مازال قرارهم ضائعاً وموافقتهم غير محددة. في المساء فشلت وساطتي في موضوع المستشفى، وأمر مولوي نظام الدين  أن تكون لهم كامل السلطات الإدارية عليه.

أرسلت رسالة إلى أبو حفص في بشاور أقول له فيها: (  تم إنجاز المهمة، أعني إغلاق المطارالقديم، أرجو إرسال أمير جديد لمركز أبو العباس من  طرفكم. سأكون في بشاور خلال هذا الأسبوع لمناقشة تطورات الوضع معكم).. ثم نمت مبكراً من شدة الغم!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 31

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 30

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد ١٨١ | رجب ١٤٤٢ ھ – فبراير ٢٠٢١م . 

02-03-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

حقاني يقول: الخونة من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الليل وفي الصباح اعتذروا.

سياف / حكمتيار / الجنرال تاناي، وراء الخيانة الجديدة وإفشال الهجوم على”شيخ أمير”

 

– فشلت مفاوضات (حكمتيار/ شاه نواز)، ورفضت إدارة خوست الاستسلام. وحقاني رفض وقف القتال أثناء المفاوضات حتى لا تماطل الحكومة.

– بدأ حقاني يصلي صلاة الحاجة ثم صلاة العصر، ثم غاب في دعاء طويل، فتأكدتُ أن الهجوم سيكون الليلة.

– جماعة حكمتيار وجماعة سياف رفضتا التقدم لمتابعة الهجوم، وحقاني يرجوهم المتابعة ويقسم لهم بأن دباباته قد دخلت شيخ أمير، ومجاهديه متمسكون بمواقعهم التي احتلوها.

–  في الصباح قال لي حقاني: أخبار الأمس غير جيدة فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الأمس.. واليوم صباحاً اعتذروا.

–  انقضت ليلة (حكمتيار وشاه نواز) بمأساة دامية وانتكاسة للعمل العسكري في خوست.

–  الجنرال عجب مزاري للمجاهدين:  إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

   أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

– لم نستطع النوم من شدة البرد، فكان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة ، وبدأت الغارات الجوية في منتصف الليل .

– القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

الخميس 8 مارس 90 :

بدأت الغارات الجوية مع أول ضوء وبكثافة، كأن الحرب قد نشبت. كانت ضربة وقائية، فحكومة كابل تعلم ما يدور في خوست، وبأن المشاورات جارية بين شاه نواز وقيادة المدينة من أجل التسليم.

ومهمة تلك الغارات إظهار القوة، وتثبيت قيادة الحامية في خوست وتهديدهم في نفس الوقت إن هم استسلموا، فالعقاب الجوي سوف يكون سريعاً ورادعاً ليس فقط بالطائرات بل أيضاً بصواريخ سكود.

جلسنا أمام المغارة نحتس أكواب الشاي، وجلس إلى جانبي الشيخ نظام الدين، ثم جاء حقاني وآخرون. وكانت فرصة للحديث قبل أن يستأنف برنامج المقابلات “الجماهيرية”مع أصحاب السيارات التي مازالت محتشدة، ومن المتوقع أن تتزايد هذا اليوم فقد ذهب بعضهم لاستجلاب المزيد من “النهابين”.

بدأت الحديث الذي قطعناه عدة مرات بسبب الغارات الجوية القريبة للغاية من مركزنا، ومع ذلك لم يفكر أحد من “المشايخ” أن يترك موضعه ليأوي إلى المغارة القريبة، وكنت مرغماً على مسايرتهم، خاصة وأن حقاني موجود .

قال حقاني إن أحد أعوان” شاه نواز” سيذهب لمقابلة قيادة خوست كي يطلب منهم التسليم، وقد اتصل بنا “نظر محمد” قائد جماعة جلب الدين في خوست، وطلب منا إيقاف المعارك إلى حين انتهاء المفاوضات.

فقلنا لهم: إن العمليات دائرة فعلاً وإيقافها فيه ضرر شديد ونحن غير مستعدين لإيقاف العمليات إلا لفتره محدودة جداً. فطلبوا مهلة حتى غروب الشمس، فوافقناهم على ذلك وشرحنا لهم أن ذلك أفيد لهم في المفاوضات حتى لا تعمد حكومة خوست إلى المماطلة.

فذكرت له ما كتبته صحف باكستان على لسان مولوي عبيد الله مندوبه في بشاور أول أمس وأنه صرح لهم بأن المجاهدين قد حفروا خندقاً للتقرب من المواقع الحكومية في شيخ أمير وأن العمل في ذلك الخندق قد اكتمل الآن وأن الهجوم سيبدأ بعد يوم أو أكثر. فاندهش حقاني وقال ضاحكاً: كيف يقول ذلك؟ إن كل ذلك صحيح لقد كشف أسرارنا.

فرددت قائلاً: ربما لأجل ما قاله مولوي عبيد الله، فإن شاه نواز تعجل في القيام بالانقلاب. فضج الجالسون بالضحك.

في الساعة الخامسه قابلت الضابط عمر الذي أخبرني بأن طلبة الكلية العسكرية التابعة لحقاني قد حضروا حتى يقوموا بدور حفظ الأمن في حال استلام المدينة، وكان الطلبة في كامل زينتهم العسكرية وزيهم العسكري الموحد.

وقد استقرت مجموعة منهم في أحد المغارات على طرف معسكر خليل قرب مركز المدفعية التابع للكوتشي.

ثم أنباء متداولة تقول: إن المجاهدين قد أسقطوا طائرة نفاثة صباح اليوم بواسطة مدفع الشلكا وبعضهم يقول طائرتين.

قضينا ليله باردة في المسجد، الأغطية غير كافية، كان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة. أكثرنا لم يستطيع النوم لأجل البرد . بدأت الغارات الجوية منذ منتصف الليل.

 

 

الجمعة 9 مارس 90 :

على منطقتنا بدأت غارات الطيران قبل السابعة صباحاً، معظم القذائف المستخدمة كانت عنقودية. قبل التاسعة كنا فوق مركز الترصد لمتابعة عمليات اليوم بعد أن انتهت المهلة المحددة لوقف العمليات، فقد فشلت مفاوضات “شاه نواز حكمتيار”، ورفض قادة المدينة الاستسلام لوزير الدفاع.

فوق الجبل أحضروا منظار روسي ضخم لم أشاهد مثله قبلاً، وهو مخصص للتوجيه المدفعي كما يظهر من كثرة التدريجات الدقيقة لتحديد الزوايا.

لقد جهزوا للمنظار الجديد موقعاً تحت أجمة من الأشجار الشوكية على الجانب المواجه للعدو ولكنها قريبة من خط القمة، كان من الخطر جداً التحرك في ذلك المكان، خاصة وأن حقاني سيكون خلف المنظار لمتابعة العمليات وإعطاء التعليمات.

شعرت بالقلق لمعرفتي أن ضبط الحركة في المكان سوف يكون صعباً جداً. وقد تنشأ عن ذلك عواقب قد تكون غاية الخطورة.

نبهت عبد العزيز، وهو رابض خلف الصخور السوداء القريبه من الأشجار، فقال: إنه أصدر تعليماته وسوف يبذل جهده مع المجاهدين وحرس حقاني لضبط حركتهم فوق القمة وحول الأشجار التي فيها المنظار وسيجلس فيها حقاني نفسه.

أول الأخبار كان غير سار، فطائرات النقل العسكرية تهبط في المطار بحرية، السبب أن مدفع المجاهدين معطل، والشلكا فوق تورغار لاتصل إلى الطائرات.

ليس هناك تركيز في العمل ضد المطار، وكأن المسألة موسمية، كنت أتوقع أن يكون وقف الملاحة الجوية في المطار مسألة حتمية بعد سقوط تورغار ولكن اتضح أن الأمر ليس كذلك، فليس أمام الحكومة حل آخر سوى استخدام المطار وتحمل أي خسائر تنجم عن ذلك. أما المجاهدون فليس لديهم قدرة على التركيز لفترة طويلة على عمل ما، والمدفعيه دائماً مشتتة بين مهام متنوعة مع العمليات على أرض الجبهة  وليس للمطار نصيب خاص، كنت أتصوّر تخصيص عدد من قطع المدفعية للمطار فقط لمنع استخدامه .

ومنيت نفسي أن عمليات اليوم قد تسفر عن تقديم جديد على الأرض يؤدي إلى إغلاق المطار نهائياً. الساعة 3 عصراً: (سقط صاروخي سكود في وقت واحد تقريباً، أحدهم في منطقه باري قرب المدخل من طرف خوست، والآخر عند وادي ليجاه من نفس الطرف).

كان التكدس رهيباً في تلك المراكز، فقد ازدحمت إلى جانب المجاهدين بعدة مئات من حاملي البنادق المنتظرين سقوط المدينة واستسلامها.

ومئات أخرى خاصموا الجبهات عدة سنوات ثم عادوا فجأة بأسلحة ثقيلة وخفيفة. تساءلت هل لفتح المدينة أم للصراع على النهب؟ لم يتوقف الطيران طول اليوم عن قصف كل مكان تقريباً. ولم أدر لحظة سقوط صارخ سكود في باري بأنني فقدت اثنين من أصدقائي القدماء، أحدهما عبد الرحمن طالب العلم في قبيلة جُرْبُز، وزميله محمد أمين وكانا يعملان مع مجموعتهما على راجمة صواريخ. وكانت الإصابة مباشرة قضت على المجموعة كلها وعددهم ثمانية.

وأدت غارات الطائرات إلى سقوط إحدى المغارات على مجموعة من طلبة الكلية العسكرية فقتل منهم أربعة ، رغم أن القنابل لم تصب المغارة بشكل مباشر، لكن الارتجاجات الناجمة على الانفجار أدت إلى سقوط كتل صخرية من سقف المغارة.

من مفاجئات هذا اليوم العجيب هو ظهور الجنرال عجب مزاري على جهاز المخابرة في اتصال مباشر مع المجاهدين حيث دارت ملاسنات شديدة وتهديدات متبادلة لا تخلو من الطرافة. ولأول مرة ألمس عن هكذا قرب حاله ذلك الجنرال الرهيب، الذي لاأشك في شجاعته ولكن أشك تماماً في توازنه العقلي والنفسي.

وهذه صورة للحوار مع ذلك الجنرال المخبول ، كما كتبتها في جزء من مقال لمجلة منبع الجهاد تحت عنوان “وعاد عجب”.

( اختفى الجنرال عجب عن مسرح الأحداث عدة أشهر حتى سرت إشاعة بأنه قتل، حتى جاء يوم الجمعة التاسع من مارس، ليلتقط المجاهدون مخابرة لاسلكية بين “عجب مزاري” في خوست وقيادة كابول كان تداخل المجاهدين في سياق المخابرة وأصبح الحديث مباشراً بينهم وبين “الجنرال عجب” فدعوه إلى التسليم للمجاهدين قبل أن يمسكوه أسيراً أو أن يقتلوه وهو في صفوف الشيوعيين .

فأجاب عجب بعصبية:

“أنتم تحلمون، لن نستسلم، سنقاتل وننتصر عليكم. سأستولي على تورغار قريباً، فلا تغتروا بما حققتموه، انظروا ماذا حدث لكم في “جلال آباد” ثم إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

ظل عجب يرغي ويزبد في سياق غير مترابط كمريض عقلي أصابته هستريا. قطع المجاهدون حوارهم مع الجنرال المخبول ولكنهم تابعوا التصنت على اتصالاته اللاسلكية مع كابل التي كانت هي الأخرى هستيرية مخبولة، طوال اليوم وهو يصرخ على جهاز اللاسلكي: هالو… هالو… سأعطيكم الأحداثيات إني أراهم من هنا، كل الجبال تعج بالأشرار.. أين صواريخ سكود؟ أرسلوا الطيران فوراً… أقول فوراً … هناك هجوم وشيك.

وجاء رد كابل: لانستطيع أن نلبي طلباتك بالنسبة لصواريخ سكود، فهذا الأمر ليس بيدنا(!!). فرد عليهم الجنرال عجب: أنتم تجلسون خلف مكاتبكم وبين نسائكم وأنا هنا في الخط الأول وسط الجحيم… قلت أطلقوا سكود… أريد الطيران فوراً.

فردت كابل: سنحاول… سنحاول.

وفي المساء سقط صاروخاً سكود فوق الجبال كترضية للجنرال الهائج.. أما الطيران فلم يكد يتوقف عن العمل. ولكن حركة المجاهدين فوق الجبل وفي عمق الوادي لم تتوقف هي أيضاً مما يزيد الجنرال هياجاً ويجعله يصرخ أكثر وأكثر على جهازاللاسلكي وهو يلعن قادته في كابل ويصبح كالمجنون:

ــ إنهم في كل مكان… فوق كل الجبال… أريد سكود… اضرب سكود وفقاً للأحداثيات التي أعطيتها لك…

ارسل الطيران فوراً… أكرر… فورا.

ومازال الجنرال يصرخ… وكابل تحاول تهدئته وهي متيقنة أن زمام الموقف قد أفلت من يدها ـ إهـ

ولكن عندما علم حقاني أن عجب مزاري في الخط الأول توقع هجوماً مفاجئاً لذا أرسل محذراً جميع الوحدات من هذا الاحتمال. ثم أخبرني بأن هدف العمليات القادمة هو تحقيق اتصال على الأرض بين المجاهدين في شرق وغرب تورغار وذلك سيؤدي إلى وقف استخدام المطار ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عام تقريباً عندما فتحت المدينة. ومضى يوم الجمعة بدون هجمات أرضية للمجاهدين.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

 

السبت 10 مارس 90 (13 شعبان 1410) :

استمر المطر طوال الليل .. ريح شديدة عند صلاة الفجر من  جهة الغرب، القمر مكتمل ويوشك على الغروب.

في السابعة صباحا تكومنا في غرفتنا الضيقة نحتسي الشاي بالحليب مع بعض التمر السعودي.

انقشعت الغيوم أمام الرياح الباردة.  بدأت الغارات الجوية الساخنة في السابعة والنصف وكانت “نادر شاه كوت” أول الضحايا.

مازال عجب مزاري يواصل نداءاته الهستيرية من الخط الأول الذي يكسبه مناعة في وقاحته مع رؤسائه في كابل. مازال يطلب صواريخ سكود التي يظهر أن الموافقة عليها هي في أيدي “الخبراء السوفييت” الذين مازال عدة آلاف منهم يعملون مع النظام.

في التاسعة والنصف أخبرني زميلي حاجي إبراهيم أنه علم من المجاهدين أن اليوم ستكون عملية كبيرة ضد المدينة بهدف فتحها، كنت أستبعد ذلك وأتوقع فقط أهداف مرحلية محدودة كما هي عادة حقاني، وكما أخبرني بالأمس عن فكرة خط دفاعي للمجاهدين أمام تورغار من الشرق الي الغرب.

وقال إبراهيم أيضاً حكومة خوست على علم بأن موعد العملية هو اليوم، ليس ذلك أيضاً بالشيء الغريب، فقط عليهم الاستماع إلى الموجة رقم 4444 حيث إذاعة الكوتشي التي لاتكذب أبداً.

الساعة 10.37 : سقط سكود فيما بين شيخ أمير وباري، أعقبه غارة بالطائرات النفاثة على نفس الموقع، وبعد دقائق غارة على وادي ليجاه. إنهم يقصفون كل مراكز الخطر المتوقع. في الثانية عشر ظهراً وصلت إلى مركزنا قرب القمة سيارة “رانج روفر” ذات ألوان فاقعة أحمر وأبيض كانت تحمل الطعام للمركز، طلبنا من السائق أن يغطيها بشيء حتى لا تجذب الطائرات إلى الموقع، ولكنه تكاسل وقال إنه سيعود في الحال.

فقمت مع حاجي إبراهيم بتغطيتها ببعض الأقمشة، وبعد حوالي ساعة عاد السائق بعد أن أنهى جلسته مع رجال الموقع، فعاتبته مع إبراهيم وأوضحنا له خطورة المكان لكونه مقر للقيادة، فقدم لنا تبريره القاطع قائلاً: لكن العدو حدد هذا الموقع بالأمس وطلب ضربه بصواريخ سكود!!.  ثم أخذ سيارته وانصرف بها.

آخر إحصائيات ضحايا الأمس 16 شهيداً… بدون أي عمليات… والسبب شدة الزحام في المواقع والفوضى التي ضربت أطنابها في كل مكان نتيجة لذلك.

ومن مظاهر الفوضى كان عدم الاهتمام بالمطار فهبطت فيه ليلة أمس أربعة طائرات نقل عسكرية !!.

الساعة 4.30: وصل حقاني إلى موقعنا ومعه الضابط عمر وضابط” كبير خان”وهما من رجاله القدماء، بدأ حقاني بأداء صلاة الحاجة، ثم صلاة العصر التي أعقبتها بدعاء طويل، أكد لي ذلك أن اليوم هو يوم العمل وأن المعركة ستكون هذا المساء وربما ليلاً لكون القمر بدراً.

الساعة 5.13:   ضربات الطيران تؤكد ما أخبرني به حاجي إبراهيم من أن العدو يعرف بأن الهجوم موعده اليوم، فالطائرات تقصف منطقة باري بقنابل النابالم، ثم ضربت دبابة خليل مرتين بالقذائف العنقودية ثم قصفت منطقة”ديرملك” بقذائف الألف رطل ثم ضربتان بالعنقودي على منطقة باري، كل ذلك خلال دقائق معدودة.

الساعة 6.00 : طائرات الهيلوكبتر تقصف بالصواريخ مواقع المجاهدين القريبة من قرية شيخ أمير.

الساعة 6.11:   بدأت الشمس تميل خلف الجبل وانحسر الضوء عن غرب الوادي. وآخر أشعة تودع المدينة، الأنتينوف تقصف مكاناً ما، ودخان يتصاعد من جبل “جاني خيل” اليوم لا يبدوا حاسماً ولابد من التأجيل إلى الغد. ( أتوقع سكود ليلاً… وحالة الطقس غداً لها تأثير كبير، أرجو أن يكون الجو غائماً بالغد)  هكذا كتبت في مذكرتي في ذلك الوقت.

الليلة هي ليلة الرابع عشر من شهر شعبان. في التاسعة ليلاً قرروا فجأة المضي في العملية، التي ظننت أول الليل أنها قد تأجلت إلى الغد.

وفي خلال سبعين دقيقة فتح المجاهدون موقع الشلكا، إلى الشرق من دبابة خليل، ثم اقتحموا شيخ أمير وسيطروا على حوالي خمسة مواقع للعدو هناك.

الساعة 10.20: في الليل فقط يمكن مشاهدة ذلك المنظر، خيط من النيران الحمراء تظهر من جهة الشمال صاعدة إلى أعلى .. وتستمر عدة ثواني ثم تختفي.

إنها صواريخ سكود انطلقت من كابل في طريقها إلينا، واحد… ثم الثاني… ثم الثالث… ثم الرابع..وصاح حقاني محذراً رجاله “ستر وإخفاء… سكود قادم” وبعد ثوان طويلة جداً سقطوا الواحد تلو الأخر… وكنت أتوقع واحدا علينا، حسب معلومة سائق السيارة الحمراء التي زارتنا اليوم… لكن الله سلم… سقطت الصواريخ بين شيخ أمير وباري حيث لا أحد هناك.

أما الصاروخ الخامس والأخير فقد سقط قرب منتصف الليل. لقد استجابت كابل لتوسلات الجنرال عجب… ولكن هذا كله لم يفد بشيء، بينما جنت القوات الحكومية مكاسب لم تكن لتحلم بها لولا الفوضى العارمة التي ضربت المنطقة. وإلا فإن خوست كان يمكن أن تسقط خلال شهر على الأكثر، ولننظر ماذا حدث.

الجو بارد جداً بسبب ريح نشطة. استمر حقاني إلى ما بعد الثالثة صباحاً محاولاً دفع المهاجمين لاستكمال مهمتهم. لقد توقفت جماعة حكمتيار بقيادة “فايز محمد” وجماعة سياف بقيادة “بير محمد” ورفضا التقدم والمشاركه في الهجوم. وظل حقاني يرجوهما التقدم ويقسم لهما أن الدبابات قد دخلت “شيخ أمير” وأن جماعته بقيادة “شيرين جمال” مازلوا متمسكين بالمواقع التي احتلوها لكن هؤلاء رفضوا كل أمر وخيبوا كل رجاء وتوسل قدمه حقاني إليهما، وقد اضطر شيرين جمال إلى ترك مواقعه صباحاً بسبب الإرهاق وشدة قصف العدو وعدم تقدم المجموعات الأخرى لاستلام ما تحت يده من مواقع فاسترد العدو شيخ أمير في الصباح الباكر. أما في موقع الشلكا فقد اجتاحه مجاهدو حقاني تدعمهم الدبابات وما كادوا يدخلون الموقع حتى لحق بهم مئات من صيادي الغنائم وفرق النهب المسلح التي جاءت من ميرانشاه وراحوا ينهبون كل شيء وتبعثروا في المنطقة، ولما تقدمت جماعة حقاني لمتابعة الهجوم لتحقيق اتصال مع مجاهدي شرق تورغار، سبقتهم جماعات النهب المسلح ظانين أنهم في الطريق إلى المدينة التي قد استسلمت وراحوا يتسابقون نحوها بجنون، وهنا راح العدو يحصدهم بكل أنواع الأسلحة، وفي ضوء القمر تساقط قتلى وجرحى وآخرون بترت أقدامهم بالألغام. وحتى الصباح كان هَمْ الجميع هو نقل الجثث والجرحى والبحث عن المفقودين ما أن طلع الصباح حتى كان الجميع قد عادوا من حيث انطلقوا مساء الأمس، ولم يتبق في يدهم شبر واحد من مكاسب الأمس، ولا شيء، من الغنائم المنهوبة.

وهكذا انقضت ليلة “شاه نواز حكمتيار” بمأساة دامية وانتكاسة كبيرة للعمل العسكري للمجاهدين في خوست ظلوا يعانون من نتائجها السلبية لعدة أشهر بعد ذلك.

بعد انتصاف الليل أصابني الإرهاق الشديد وكنت قريباً من موقع حقاني الذي يواصل الاتصال مع مجموعاته التي تعاني من أشد المآزق. ذهبت إلى غرفة عبد العزيز الضيقة فوجدتها أكثر من مزدحمة، وقد ارتمى المجاهدون فيها كيفما اتفق وقد أشعلوا بخاري للتدفئة وراحوا في نوم عميق وهم ملقون أحدهم فوق الآخرين وكأنهم في مقبرة جماعية. بصعوبة شديدة وجدت لي موقعاً في تلك المقبرة، وقد وضعت قدماي فوق بعض الرؤوس والصدور وتقبلت مرغماً عدة أقدام في صدري ورأسي وأحذية فوق البطن والفم… ومع ذلك غطست في الشخيرضمن السيفونية الجماعية التي صاحبتها أصوات الغازات المنطلقة من بطون النائمين نتيجة الطعام السيء في المراكز.

شعرت بفرحة كبيرة وأنا أسمع أذان الفجر. وأيقظ النائمون بعضهم البعض، فكل شخص لابد أن يوقظ خمسة أو ستة آخرين بينما هو يرفع قدم هذا من فوق رأسه ويد ذاك من فمه، ويجر قدميه ويديه من تحت وفوق الآخرين أو أكداس الذخيرة وصناديق الطعام العفن.

 

الأحد 11 مارس 90:

ضباب كثيف بين الجبال في الصباح الباكر، ومع ذلك بدأ الطيران في قصف بوري خيل قبل السابعة بعشرين دقيقة.سألت حقاني عن أخبار الأمس، وكان غاضباً فقال:

“أظن أنها غير جيدة… فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا أمس في المعركة… واليوم صباحاً اعتذروا” .

ثم غادر حقاني الموقع… فذهبنا إلى عبد العزيز عند المخابرة حتى نعرف منه الموقف الأخير. فقال بأن المجاهدين مازالوا في مواقعهم التي دخلوها بالأمس في شيخ أمير ، ولكن بعضهم ينسحب الآن بسبب الإرهاق وشدة القصف عليهم.

الساعة 7.55:   كان الضباب الكثيف يلف كل شيء، وتوقعت أن يساعد ذلك المجاهدين في تعزيز مواقعهم بالأمس وعدم الأنسحاب منها لكن ذلك لم يحدث.

فقد أخبرني حاجي إبراهيم أن شيرين جمال بدأ يخلي مواقعه في “شيخ أمير” وهو آخر من يغادرها الآن وليس معه إلا عدد قليل من المجاهدين.

كانت دبابة دخلت في العمق والسائق لا يدري أين هو بسبب الظلام… وعندما عاد قال لقد عرفت أنني أخطأت الطريق عندما وجدت أكثر من أثني عشر RPG يقذفون دبابتي فاستدرت بسرعة وعدت إلى شيخ أمير، وكان خلف دبابتي عدد من المجاهدين يحتمون بها في تقدمهم.

وحتى تكتمل المصائب فإن طائرات النقل العسكرية إستخدمت المطار أمس بكثرة، فليس أقل من سبع طائرات هبطت وأقلعت بدون أن يضايقها أحد.

 

 

كتابات في الضباب

كان صباح ذلك اليوم (الأحد 11 مارس 90)  ضبابياً بارداً، وليلة الأمس شهدت نكسة كبيرة لعمل كان متقدماً بشكل مذهل، وتلك النكسة قدمت من بشاور بفعل مؤامرة حقيرة.. حقيرة في ذاتها، حقيرة بمن فيها من السفلة… وإن كان أحدههما زعيم حزب جهادي كبير…والآخر كان زعيم جيش شيوعي كبير… ولكن كلاهما التقى وتحالف مع الآخر من أجل تخريب الجهاد في أفغانستان… وكانت البداية لهما في خوست، فدبت الفوضى، بين المجاهدين، وظهر ما خفي من فتن. فهؤلاء قادة حكمتيار وسياف يتركان زملائهم وسط نيران العدو ـ وقد انتصروا وسيطروا ـ على شيخ أمير، ولكنهم يرفضان التقدم للقيام بالمشاركة المتفق عليها.

ولا أذكر أن خوست شهدت مثل هذه الخيانات المكشوفة من رجال الأحزاب منذ عامين ، أي منذ خيانة الأحزاب الذين أمروا رجالهم بترك الطريق مفتوحاً أمام القوات الروسية المتقدمة على طريق زدران نحو خوست، بينما حقاني يقاتل في مقدمة الطريق عند جبال”ساتي كندو”. وقد تركوا قبل ذلك ، في عام 86، القوات الشيوعية تلتف حول قواته المدافعة عن جاور وفتحوا لها الطريق بلا قتال أيضاً.

أقول: في ذلك الجو الضبابي كتبت ملاحظتين متعلقتين بأحداث الأمس ، الأولى عن الهجوم المضاد ـ والثانية عن القيادة جاء فيهما:

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

أولاً ـ الهجوم المضاد :

يقول العسكريون: إن أنسب وقت للهجوم المعاكس هو عندما يفقد هجوم العدو زخمه، وهذا صحيح تماماً. فهي مرحلة حرجة للغاية تكون القوات فيها منهكة. تماسكها وانضباطها فيأضعف حالاته، ولم تستحكم في الأرض بعد، ويضاعف من حالتهم المذرية مقدار صلابة الدفاع الذي جابهته لمنع تقدمها.

وعلينا أن نلاحظ أن الهجوم المعاكس الذي يشنه المُدافع في تلك اللحظة لابد أن يراعي البدء بالهجوم وإنهائه قبل وصول قوات احتياط العدو، التي لا تعاني من السلبيات السابق ذكرها لكونها لم تخض المعركه بعد.

نذكر هذه الملاحظه تعليقاً على معركة الأمس . فخلال ساعة احتل المجاهدون الأهداف التي حددوها، ونتيجة الإرهاق والبرد والرماية المعاكسة  ترك معظمهم أو كلهم مكتسبات ليلة الأمس بدون حتى أن يشن العدو هجوماً برياً مضاداً.

وذلك يبين حالة المهاجم حتى ولو كان منتصراً، فهو مرهق وقابل غالباً، للكسر إذا جوبه بهجوم مضاد ذو قوة مناسبة. ونضيف سبباً أخر وهو أن عدم وصول التعزيزات إلى المهاجمين في الوقت المناسب، أضعف كثيراً قدرتهم على الصمود، لقد خانهم زملاؤهم.

 

 

ثانياً ـ القيادة:

مرة أخرى، وكل مرة، القيادة هي أول عناصر الإعداد المادي أهمية، ويركز العدو أن يبدأ بالسيطرة عليها فيسهل عليه توجيه العمل كله وقطف ثماره.

فالعمل العسكري لا يمكن أن يؤتي ثماره كاملة إذا كان لدينا قائد عسكري جيد وجنود شجعان ولكن لدينا قيادة سياسية متخاذلة أو خائنة، وهذا ما تثبته خوست الآن. القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمه، حتى تسير القضية في مسار التخاذل أو الخيانة.

وانقسام القيادة السياسية يتبعه تشرذم العمل العسكري وتفشي الصراعات فيه، وفي حالة كهذه فإن أقصي ما يمكن أن تفعله قيادة عسكرية مخلصة وذات كفاءة هو تجميع الشراذم العسكرية في برنامج مشترك لتحقيق الحد الأدنى من الأهداف.

ومع ذلك يتعرض البرنامج المذكور إلى فشل متكرربفعل تحريضات القيادات السياسية في المنفى، وراء الحدود، والتي تحرص على إضعاف الشعب سياسياً حرصها على إفشال العمل العسكري وإبقائه تحت الحد الأدنى بما يكفل لها حرية العمل في اتجاه مضاد لرغبات شعبها بحجة أن الحلول العسكرية غير ممكنة.

هذا المجهود المدمر الذي تقوم به تلك القيادات يتم تحت إشراف القوى الممولة لها، الدول الكبرى، ثم إشراف الدولة المضيفة التي تعمل بالتزام تام بأوامر الدول الكبرى، ولكنها تطمح في قيام نظام سياسي ضعيف وتابع لها في دولة الجوار التي تدور الحرب على أرضها.

 

 

ملاحظة : الانتصار ممكن.

الانتصار في خوست ممكن رغم عدم تحول المجاهدين إلى نمط الحرب النظامية . لقد أثبتوا شيئاً جديداً، وهو إمكان قوة مقاتلة في حرب العصابات في المرحله الثانية من تطورها، حيث تمزج بين أساليب حرب العصابات وأساليب الحرب النظامية، أن تنتصر على جيش حكومي متحصن في المدن، معتمدة على عوامل هي:

فارق المعنويات ـ الشجاعة الفردية ـ الابتكار التكتيكي ـ وفوق ذلك كله إحكام الحصار حول المدينة.

ونلاحظ أن عمليات التخريب الداخلي في المدينة يمكن أن يكون مؤثرة بشدة، وقد استخدمه المجاهدون في خوست إلى حد ما.

توقفت في ذلك اليوم عند تلك الخواطر الضبابية وكنا في العاشرة والنصف صباحاً ومازال من غير الممكن مشاهدة الجبال التي حولنا ـ ضباب في ضباب ـ فكانت النفسيات منقبضة، ولكن تمكن المنسحبون من العودة بسلام بدون الوقوع تحت مطاردة العدو فكان ذلك نعمة عظمى. غادرنا حقاني وغاب وسط الضباب بدون تعليق.

أخبار أخرى عن إلغاءالبرامج، لتؤكد أن حالة الإضراب والتشويش مازلت قائمة، بينما العدو يواصل ضرباته الجوية والصاروخية، كان نصيبنا منها غارة بالقنابل العنقوديه جاءت في مقدمة الجبل جهة المدينة، أما بوري خيل حيث قاعدة كتيبة سلمان الفارسي فقد ضربت بصواريخ سكود في الرابعة والنصف عصراً ثم قذائف ثقيلة في نفس المنطقه رمتها الطائرات لكنها انفجرت  بصوت مكتوم وخرج منها غاز أبيض كثيف. قدرت وقتها أنها قنابل غازات سامة أو جرثومية، وقد رموا بعضها في مدخل وادي ليجاه، لقد تكرر استخدام تلك القنابل بشكل ملحوظ في هذه الأيام.

موجة الإحباط هذه ساهم فيها تورغار الرهيب، أو الذي كان رهيباً وقت أن كان مع القوات الحكومية، أما عندما أصبح معنا فإنه أصبح حملاً أسوداً وديعاً. هكذا كنت أفكر بغيظ من هذا الخمول والسلبية التي أصبحت تلف هذا الجبل فكتبت الملاحظة التالية، فما أكثر الملاحظات الضبابية التي سطرتها اليوم.وهذه ملاحظة عن تورغار كتبتها ساعة الأصيل علي صوت صاروخ سكود المدوي، والأصوات المشبوهة للقنابل المكتومة ذات السحب البيضاء.

 

ملاحظات حول تورغار:

هذا الجبل مع المجاهدين منذ شهر الآن، ومع ذلك لايؤدي دوره فقد كانت الحكومة تستخدمه بفاعليه أكثر. وهو يحتاج إلى:

1ـ طريق دائري يصل قمة الجبل مع توده شني شرقاً وبوري خيل غرباً.

2ـ إصلاح الدبابات التي غنمها المجاهدون فوق الجبل واستخدامها في المساندة النيرانية لبرامج الهجوم التي يقوم بها المجاهدون  مثل برامج الأمس. كما يمكنها من أعلى تدمير أي هدف في المدينة، خاصة مناطق المدفعية والمخازن.

3ـ لابد أن يلعب الجبل دوراً بارزاً في إغلاق المطار، حتى بدون الانتظار لفتح المناطق أمام الجبل أوعلى الشريط المقابل له.

4ــ لابد من تسليم تورغار لهيئة عمليات تجعله جاهزاً لتحقيق هذه الأهداف. لقد حاولت بعد ذلك أن تقوم جماعة أبو الحارث بهذا الدور النشط فوق تورغار. ثم حاولت أن تقوم جماعة القاعدة بهذا الدور، ولكن فشلت تلك المحاولات. وقبل فتح خوست بفترة وجيزة هيأنا الجبل لاستخدام الدبابة من فوقه بشكل نشط، وتمت التجهيزات لكن العمل نفسه، أي استخدام الدبابة ، لم يتم بسبب انشغال جميع الدبابات في أعمال أخرى، ولم يخصص حقاني أولوية لتلك الفقرة. أما استخدام تورغار في إغلاق المطار فقد استخدمناه نحن في تلك المهمة ولكن بشكل غير مباشر كما سيتضح في حينه .

استخدم العدو هذا اليوم قذائف موجهة تطلقها الطائرات، أطلقوا منها خمسة قذائف ضد المجاهدين حول شيخ أمير وقد إلتقطت جماعة عبد العزيز أحاديث الطيارين مع بعضهم البعض ومع القيادة العسكرية في المدينة بخصوص استخدام هذا النوع المتطورمن القذائف.

وقد صاح جنرالات المدينة فرحاً في أجهزه اللاسلكي. وجاءنا تقرير المجاهدين الذين استخدمت ضدهم هذه القذائف بأن أحوالهم “خير خيريت” لاجرحى عندهم ولا شهداء. هكذا تضيع أموال موسكوا هباءً ، وتتبخرت هيبة التكنولوجيا العسكرية في أفغانستان. فلا صواريخ سكود ـ ولا القنابل العنقودية ـ ولا القذائف الكيماوية ـ ولا تلك الموجهة والذكية، حققت اليوم أية خسائر في صفوف المجاهدين. بينما حققت فوضى الأمس في” يوم الفوضى العالمي” حققت أعلى نسبة خسائر تشهدها المنطقة منذ فترة طويلة، سته عشر قتيلا في ليلة واحدة بدون تحقيق أي إنجاز . بينما تم فتح تورغار الرهيب بخسارة شهيد واحد وثلاثة جرحى .

فهل يمكن إذن أن نستنتج بأن الفوضى وعدم الإنضباط هي أشد فتكاً بالمجاهدين من أي تكنولوجيا عسكرية متطورة ؟ أظن أن هذا جائز جداً، وعليه تبرهن أحداث عديدة.

صديقنا الجديد سيد جمال مستخدماً قاذفه الصاروخي الرباعي عدل كفه الميزان ليلاً عندما أحرق طائره نقل عسكرية في المطار كانت محملة بالذخائر. وقد تفجرت الطائرة( رقم 2131)  وكانت طائرة أخرى في الطريق إلى المطار، فشاهد الطيار عرض النيران المخيف هذا فوق المدرج، فسأل قيادة التوجيه الأرضي: ما هذا؟ ماذا يحدث في المطار؟. فأجابته القيادة:( لا تسأل عن ذلك). فاستدار الطيار وعاد إلى كابل.

 

 

الاثنين 14 مارس 90 :

بعض السحب الثقيلة في سماء المنطقة ولكنها لم تمنع الطائرات من أن تبدأ في السابعة والنصف بعدد من القذائف المكتومة ذات السحب البيضاء والرمادية ، وقذائف موجهة من الطائرات حسب ما جاء في أحاديث الطيارين.

كان في زيارة موقعنا اليوم طبيب باكستاني متدين ودمث الخلق فذكرت له شكوكي من تلك القذائف المكتومة الصوت ذات الدخان الكثيف. وطلبت منه أن يلاحظ الحالات المرضية التي تعرض عليه هذه الأيام من بين المجاهدين، فربما كنا نتعرض لحرب بيولوجية أو كيماوية، فذكر بأن تخصصه الطبي لا يساعده في تتبع ذلك الموضوع.

ولم أقابل ذلك الدكتور بعد ذلك، وأيضاً لم أسمع بأي إصابة مرضية غير عادية بين المجاهدين، ولكني مازلت أعتقد أن تلك القنابل كانت غير عادية، ولكن رعاية الله للمجاهدين كانت هي الأخرى غير عادية . وقد شاهدنا بعد ذلك الكثير من الضربات الكيماوي بغاز الخردل، ولكن ذلك لم يسفر عن أية أعراض غير عادية بين المجاهدين.

وجد العدو جثة لأحد المجاهدين أثناء إعادة احتلاله للمناطق التي فقدها في الحملة الأخيرة، ولم يكن أحد من المجاهدين قد انتبه لفقدان ذلك الشهيد .

ـ دبابة خليل أصابتها عدة شظايا وقد سحبت إلى الخلف لإعادة إصلاحها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)




الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية |  السنة الخامسة عشرة – العدد 180 |  جمادى الآخرة 1442 ھ – يناير 2021 م . 

31-01-2021

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس إنحرافاً عابراً

الإفساد هدف وغاية الاحتلال.. والسلاح الحقيقي لإستعباد الدول

 

 

– معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ بل تعتمد أيضا على الجوانب التشريعية والقضائية، والبناء الإداري والرقابي. فيجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعاً له.

– قوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالاً للأجهزة الأفغانية.

– بعد انتهاء المعركة مع (الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع (الاحتلال بالفساد)، والذي يحقق أهداف الاحتلال العسكري.. بدون حرب.

– لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتى تمضي أحكامه على أصحاب المراكز العالية، والانتماءات القبلية التي قد يحتمون بها ضد أحكام القضاء.

– ليس هناك معونات اقتصادية أو إغاثية، تقبلها الإمارة، قبل أن تبحثها الأجهزة المختصة ومجلس الشورى، للتأكد من مناسبتها من النواحي الأمنية والسياسية.

– الاستثمارات المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مدمر للقيم المعنوية للإمارة وروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا محور اهتمامها، ودعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات، بأفضل صورة ممكنة.

– يُحْظَر تشغيل مشروعات خارجية بغير مشاركة ورقابة الإمارة، وإلا فإن أمنها واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح. وقد يتحول مسئولوها إلى وكلاء علنيين أو مخفيين لشركات كبرى، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغنى دول العالم بالخامات الاستراتيجية.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

الفساد.. هو العنوان الكبير الذي يصف الحالة الراهنة لأفغانستان في ظل الاحتلال. بل إن أول وأكبر التحديات التي سوف تواجهها الإمارة الإسلامية بعد طرد الاحتلال هومكافحة الفساد، لتأسيس حياة جديدة لأفغانستان وشعبها.

يدَّعي النظام الحاكم أنه يحاول مكافحة الفساد. وأحيانا يُلقي بتهم بالفساد على بعض الموظفين الكبار، وذلك في إطار الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم. وإلا فإن الفساد هي المادة الخام التي بنيَّ منها النظام. فجيش الاحتلال الأمريكي وهو أكبر مؤسسة للإفساد على سطح الأرض، جاء لتأسيس الفساد بمعناه الشامل في جميع مرافق الدولة والمجتمع.

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس انحرافاً عابراً، بل برنامج شامل متكامل ترعاه قوة عظمى وتنفذه بكافة قدراتها الجبارة بما فيها الجيوش، وقوة شركاتها العظمى العابرة للقارات التي هي أغنى وأقوى من معظم حكومات العالم. وترعاه بقواها “الناعمة” من إعلام مرأي ومسموع ووسائل التواصل الاجتماعي. وترعاه بقوة المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة بلجانها ودعواتها المنافقة عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل، بينما هدفها إفساد كل هؤلاء.

فما كان لمن يرسل الجيوش لقتل الملايين وإهلاك الحرث والنسل أن يتكلم عن أي نوع من الحقوق. في ظل الاحتلال تصبح جميع أجهزة الدولة فاسدة، بل قائمة على الفساد. فأداة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وغيرها من المستعمرات المحتلة ليس هو الجيوش بل الفساد. فيمكن تسميته بدقة متناهية أنه (احتلال بالفساد). بل أن النفوذ الدولي للقوة الأمريكية قائم على قدرتها على نشر وتثبيت وتشريع الفساد في حياة البشر جميعا. فإذا استحكم الفساد من الدولة المستهدفة، قد يصبح الاحتلال بالقوات العسكرية غير ضروري، فإما أن تنسحب بالكامل أو أن يبقى منها أعداد قليلة. فالإفساد هو الهدف والغاية والسلاح الحقيقي لاستعباد الدول.

– لهذا يكون الفساد أكبر من مجرد انحراف أخلاقي، بل هندسة لبناء الدولة والمجتمع بحيث يقود نفسه بنفسه على طريق الانحراف، بدون الحاجة إلى جيوش ترغمه على الخضوع والاستسلام، فالمجتمع قد خضع ذاتيا للاحتلال بالفساد وانطلق في الإنحرافات بكل جموح.

– الفساد الاقتصادي هو الأكثر وضوحا في الدول (المحتلة بالفساد)،لأنه يظهر في معظم المعاملات اليومية بين الناس والأجهزة الرسمية للدولة، التي تم تركيبها بحيث لا تعمل بغير المعاملات الفاسدة، من رشاوي واستغلال.

وفي ذلك يعتبر نظام كابول هو الأكثر فسادا على مستوى العالم كله. وليس ذلك غريبا بعد كل هذا المجهود الخرافي الذي بذله الأمريكيون في بناء الفساد وتشييده بواسطة حرب دامت ما يقرب من 20عاما.

للمفتش العام ـ الأمريكي ـ لإعادة إعمار أفغانستان أقوال كثيرة تكشف عمق الفساد في البنيان الاحتلالي لأفغانستان. فيقول (الفساد لا رادع له في أفغانستان وقد راعينا نحن ذلك الفساد ).. فيالها من صراحة يحسد علها !!.

ومن المعلومات التي كشفها قوله: (الأموال التي أنفقت على الإعمار في أفغانستان تجاوزت 132 مليار دولار، وهذا أكثر مما أنفقته أمريكا على خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية). فأين ذهبت كل تلك الأموال ؟؟ إنها ببساطة ذهبت في صناعة الفساد.

فقوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية هي مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالا يحتذى للأجهزة الأفغانية الجديدة.

فالرشاوي وتجارة المخدرات والانغماس في النشاط الإجرامي لأهداف شخصية، واتخاذ الربح غاية من كل مغامرة الغزو والاحتلال. حتى إن الفئات المتنافسة والمتصارعة داخل النظام، تلجأ إلى الأجهزة الأمريكية العسكرية والاستخبارية للبحث عن العون والحماية.

– في الجهاز الإداري المحلي تباع الوظائف في مقابل المال. وبالمثل في أجهزة الشرطة والأمن. يعترف رئيس الدولة (أشرف غني) أن بيع الوظائف موجود في وزارة الداخلية. ومقاعد البرلمان لها بورصة للبيع والشراء. والمجلس التشريعي تديرة من قَصْرِها ” السيدة الأولى”. أما الوزارة التي تمثل الجهاز التنفيذي فإن إقرار تشكيلها يستلزم دفع مبالغ خيالية من الدولارات لأعضاء البرلمان، الذين عليهم تعويض ما خسروه من مال في شراء مقاعدهم.

وجميعهم ـ تقريباـ (نواب الشعب والوزراء) منخرطون في تجارة المخدرات وغسيل الأموال. ويستخدمون عصابات إجرامية للحماية الشخصية وتهديد الخصوم، وتسهيل بعض النشاطات المخالفة لقوانين الدولة التي وضعها البرلمان نفسه.

حتى المؤسسة التعليمية التي تربي أجيال المستقبل فهي على نهج الفساد ذاته، وفيها تباع الوظائف. والدفع إلزامي مهما كانت نتيجة اختيارات التوظيف. وفي ذلك إفساد للمستقبل يضاف إلى إفساد الحاضر بكافة جوانبه.

– أموال “إعادة الإعمار” والمشاريع”الإغاثية” مجال رحب جدا للفساد والإفساد. فالهيئات الاحتلالية والأجنبية التي تحمل الأموال هي ذات طبيعة فاسدة. والأجهزة المحلية وقنوات الإنفاق هي على نفس المنوال من الفساد، وغالبا ما تتحد مسارات الفساد الخارجية والمحلية ليصبحا مسارا أعظم للإفساد، تحت العناوين البراقة للإعمار والإغاثة الإنسانية.

يقول المفتش الأمريكي العام لشئون إعادة إعمار أفغانستان أن الوكالات الفيدرالية الأمريكية، ومنذ بدء حرب أفغانستان رصدت نحو 137 مليار دولار لإعادة بناء وتأهيل مرافق عامة داخل أفغانستان. وأن إهدار تلك الأموال يبدأ بدفع الرشاوي والإتاوات، وصولا إلى إقرار عقود لمشاريع كبيرة تحصل عليها الشركات الأجنبية (!!) ثم تتولى تنفيذها شركات محلية بأسعار أرخص بكثير، وبالتالي تنهار المشاريع بعد وقت قصير من إنجازها.

– أما الإفساد الأخلاقي والفكري فيتم بوحشية عبر أجهزة الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي وجيوش المرتزقة من الإعلاميين و(الذباب) الإعلامي.

وهناك نشر شبكات الدعارة، والشبكات الكَنَسيَّة، وجماعات”المجتمع المدني”، ومؤسسات استخبارية لا حصر لها تحت عناوين تَدَّعي العمل التعليمي أو الإعلامي أو الخيري. برعاية الاحتلال صار الفساد نمط حياة ومؤسسات دولة، وتيارات إجتماعية ناشطة ومدعومة بقوة من الإحتلال ودول الغرب.

– كل ذلك الركام العفن من الفساد هو ما تسميه أمريكا وكلاب الناتو المفترسة بالإنجازات. ويهددون بعدم الإنسحاب مالم تتعهد طالبان بالحفاظ عليها. إنهم يريدون استمرار الاحتلال تحت مسمى السلام، أي وقف الحرب وإدامة “الإحتلال بالفساد” في أفغانستان.

 

الإمارة الإسلامية هي الحل:

لا مخرج من تلك الطامة الكبرى إلا بعون من الله، وحكم الإمارة الإسلامية بمنهجها الواضح في تحقيق العدل الذي يفتقده شعب أفغانستان وصار حلما للبشرية جميعا. كانت غاية الإمارة في فترة حكمها الأولى كما سيكون في قادم الأيام هو إتباع الآية الكريمة: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ـ 82 القصص.

بداية التحدي ستكون مع أجهزة الدولة القائمة كلها وفق هندسة الفساد. حتى يكاد إصلاحها يكون مستحيلا. ولا نستبعد وجود أقلية من غير الفاسدين داخل تلك الأجهزة.

ولكن لابد من تغيير طريقة عمل الجهاز الحكومي، واستبدال القائمين عليه بقيادات جديدة تُمَثِّل المُثُل الأخلاقية للإمارة الإسلامية، خاصة من بين هؤلاء الذين خاضوا الحرب ضد الإحتلال. فبعد انتهاء المعركة مع(الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع(الاحتلال بالفساد)الذي يحقق أهداف الإحتلال العسكري ولكن بدون حرب.

– القيادات الجهادية في معركتهم الجديدة ضد الإحتلال بالفساد سيواجهون مشاكل وتحديات أشد صعوبة، وقد لا ينجح فيها البعض. لهذا ينبغي أن تدعمهم الإمارة بالإرشاد والتأهيل الفني إضافة إلي المتابعة والرقابة المنظمة الدائمة حتي لا تجتذبهم آله الفساد القديمة وتطحنهم بين تروسها. فالمعركة ضد الفساد لها صعوباتها وضحاياها حتى من بين القادة والكوادر الذين نجحوا في معركة السلاح ضد جيوش الإحتلال.

– لاستكمال أدوات المواجهة مع الفساد لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتي تمضي أحكامة على أصحاب المراكز العالية أو الإنتماءات القبلية التي قد يحتمون خلفها ضد أحكام القضاء.

– أما عن الفساد المصاحب لتدفق المعونات الخارجية، والهيئات الأجنبية العاملة في النشاط الإغاثي والإنساني، فإنه تحدٍ كبير لابد أن تتصدى الإمارة له بشكل حاسم ولا تترك له المجال كي ينشر المزيد من الفساد أينما ذهب وكيفما شاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

مراقبة العمل الإغاثي والمعونات الخارجية:

المعونات الخارجية والمشروعات الإغاثية لابد أن توافق عليها الإمارة ومجلس الشورى لبحث مطابقتها للشروط الموضوعة، وأنها لا تمس أمن أو سيادة الإمارة. فليس هناك موافقة تلقائية على أي معونات قادمة من الخارج سواء من مصادر حكومية أو أهلية. فغالبا ما يأتي السم في عسل المعونات الخارجية. كما ليس هناك ضمانة لإستمرارية أي مشاريع إغاثية كانت قائمة مالم يعاد فحصها أمنيا وسياسيا، فإن تمت الموافقة عليها وإلا تُوقَف فورا. ويمنع تشغيل أي مشروعات خارجية بغير وجود رقابة من الإمارة أو مشاركة فعلية في الإدارة والتشغيل، وإلا فإن أمن الإمارة واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح، وقد تتحول الإمارة إلي مجرد كيان إفتراضي، ويتحول مسئولوها إلي وكلاء علنيين أومخفيين لشركات كبري، فتتولي الشركات والهيئات الخارجية التحكم في الإقتصاد وبناء شبكات تجسس وجماعات ضغط داخل الإمارة لصالح إحتكارات إقتصادية خارجية، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغني دول العالم بالخامات الإستراتيجية، ومن أجل ذلك تحركت الولايات المتحدة لإحتلال أفغانستان لضمان إبتلاع شركاتها الجزء الأعظم من تلك الثروات.

– مشاريع الاستثمار الخاص، المحلي أو الخارجي، يشترط لقبولها ألا تتعارض مع خطط التنمية التي تقرها الإمارة كما لا يسمح بعمل برامج مخالفة للنظرة السياسية للإمارة، مثل إدخال مدارس أجنبية مغايرة للبرنامج الرسمي للإمارة. أو تشييد مرافق صحية باهظة التكلفة بحيث لا يتمكن من العلاج فيها إلا القلة من الأثرياء. أو بناء أحياء للصفوة، ومجمعات سكنية باهظة لا تتماشى مع متوسط حياة المواطن العادي.

فذلك الاتجاه لخدمة القلة التي تمكنت من تكوين ثروات طائلة في ظروف مشبوهة، إذا أطلق له العنان فإنه سيضر بالعلاقة بين الشعب والإمارة، ويشيع مناخ من انعدام الثقة في شعارات العدالة وتكافؤ الفرص، وأن الإمارة هي إمارة للأغنياء فقط.

إن الاستثمارات الباهظة المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مُدَمِّر للقيم المعنوية للإمارة، ولروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا هم محور اهتمامها، وتدعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات بأفضل صورة ممكنة، حسب طاقة الإمارة التي ستنمو باستمرار ببَرَكِة الإيمان، وبدعم ومحبة الشعب، والثروات الكامنة في الأرض الأفغانية.

 

الانحراف.. ومواجهة الانحراف:

من الطبيعي ظهور الإنحراف فذلك من طبيعة البشر. ولكن العبرة بالتصدي الحاسم له، من أي مستوى جاء، ثم حماية الجميع قدرالمستطاع من الوقوع فيه، وذلك بالتوجيه والمراقبة والمحاسبة العادلة والحاسمة على الجميع، مهما كانت مراكزهم أو تاريخهم أو قبائلهم. فذلك هو الفارق بين نظام الحكم في الإمارة، القائم علي شرائع الدين التي تتصدي للفساد وتتوقي منه، وبين أنظمة قائمة علي الفساد وتبذل كافة طاقتها لنشره واستشرائه بين شرائح المجتمع.

– أهم واجبات الإمارة هو تأهيل كوادرها الإدارية بالمعارف الحديثة اللازمة، ثم مراقبتهم بإستمرار، أثناء قيامهم بواجباتهم. وكبح أي إنحراف منذ بدايته المبكرة، وعدم إستثناء أي أحد مهما كانت عظمة سابقته في الجهاد.

– كتب أنس حقاني واصفا الأيام الأخيرة في حياة والده، العالم والمجاهد العظيم، مولوي جلال الدين حقاني، وكان جالساً يبكي، فسأله أولاده عمَّ يبكيه فأجابهم: {أنا أبكي لأني لا أعرف خاتمتي. وعندما أرى رفاقي السابقين في الجهاد كيف باعوا ضمائرهم وغيرتهم ووقفوا بجانب الكفار، أخاف أن تسوء عاقبة أعمالي. ياليت رفاقي يفقهون الآن ويتركون موالاة الكفار} ـ (مجلة الصمود عدد 177) ـ مولوي حقاني كان يقصد قادة من الصف الأول في الأحزاب الجهادية السابقة، الذين احترفوا العمل السياسي، ومن لحق بهم من قادة الجبهات الذين اجتذبهم قادة بيشاور لتدعيم أحزابهم، فابتلعتهم دوامة الفساد والسعي وراء المال. وعندما شاركوا في السلطة بعد سقوط النظام الشيوعي في كابول أضافوا لأنفسهم مكانة سياسية إلى جانب الثروات المالية. حتى أن أحدهم / وقد شارك في حكم العملاء لخدمة الاحتلال الأمريكي/ قال ممازحاً رفاقه: {أنا الآن أكثر غنىً من قارون، وأكثر عِلماً من إبليس} “!!”.

على حالته تلك قُتِل الرجل في معارك دارت في كابول. فمن يأمن مكر الله ؟؟.

– فليكن حرص الإمارة على استقامة من تولِّيهِم مسئوليات الإدارة أشد من حرصها عليهم في أوقات القتال ضد جيوش الكافرين. فمن المأثورات عن الصديق أبو بكر رضي الله عنه، أنه قال: ( لو أن لي قدم في القبر وأخرى خارجة، ما أمِنتُ مَكرَ الله ).

 

بالجهاد.. الأفغان في المقدمة:

يسير العالم صوب مصير غامض يشبه العَدْو في الظلام. ربما يقود إلى فوضى شاملة ودمار مجتمعات وتشريد ملايين البشر. فهل يكون ذلك سببا لرجوع الناس إلى رب الناس؟؟.

كان الشعب الأفغاني أسبق الجميع في السعي إلى الله، كسبيل وحيد للخلاص من الطغاة الذين أرسلوا جيوشهم لإستعباده، كما فعلوا بمعظم شعوب الأرض.

جاهد الأفغان في سبيل الله فرارا من عبودية العباد، ولإخلاص العبودية لله وحده لا شريك له.

– جهاد شعب أفغانستان ضد الطاغوت الأمريكي كانت هي التجربة الأكبر والأخطر في كل التاريخ الجهادي لذلك الشعب، الذي بدمائه إفتدى حريته وافتدى دينه، وأبقى على الإسلام الذي كاد أن يندثر بفعل الهجمات الطاغوتية على المسلمين وانحسار حقيقة الإسلام عن معظم بلادهم.

دافع شعب أفغانستان وحفظ الإسلام للبشرية جمعاء، ورسم بدماء أبنائه طريق الخلاص أمام البشرية التي قد تدخل نفق الفوضي الشاملة. ولكن الأفغان بجهادهم يرفعون مشعل الهداية في نهاية النفق المظلم.

إن طرد جيوش العدوان والحصول على الحرية والاستقلال هي بداية الطريق. ورغم صعوبة الوصول إلى تلك البداية بعد سنوات طويلة من الجهاد والتضحية وملايين الشهداء وأضْعَافِهم من المصابين. فإن طريق الخلاص الحقيقي هو طريق بناء الإنسان والمجتمع والدولة على ضوء من هدي الشريعة.

فالإنسانية في انتظار نموذج إسلامي حقيقي، يرشدها إلى سواء السبيل. فالعدالة هي السلعة المفقودة من حياة البشر منذ قرون، وذلك منبع جميع الرزايا.

فالعدالة تأتي إذا كانت شريعة الخالق هي مصدر الأحكام وليس طبقة متسلطة ولا عائلة طاغية تستأثر بالمال والسلطة، ثم تتصرف وكأنها خالق الخلق والمتحكم في مصير العباد لا راد لحكمها ولا دافع لقضائها ولا حدود لسلطانها. فذلك هو الطاغوت الذي حكم لقرون متطاولة فوق أرض الله طولا وعرضاً. حتى تأصل الفساد في البر والبحر.. وهو ينطق بلسان الحال: (أنا ربكم الأعلى).

الدولة الإسلامية مجرد وسيلة لبناء الإنسان، وتسهيل مسيرته في طريق يرضاه الخالق. فالإنسان لم يُخْلَق ليكون خادما للأشياء التي سخرها الله لخدمته.

فهو سيد الكائنات، وجُعِلَت الأشياء لخدمة مسيرته إلى الحق. فالدولة وسيلة لخدمة الناس. وهم ليسوا عبيدا لها، فالدولة ليست هي الغاية، بل هي وسيلة.

أما الغاية فهي تعبيد الناس للخالق بإقامة العدل والإحسان والمساواة في واقع حياتهم وليس فقط في الأحلام والأساطير.

 

الدولة.. وسيلة لخدمة الناس وليس لإستعبادهم أو إرهابهم:

بناء دولة للإسلام تكون في خدمة المسلمين ولحماية الدين، هي أصعب المعارك علي الإطلاق لأنها ليست معركة ضد معسكرين متمايزين فيسهل وقتها إتخاذ المواقف والقرارات، ولكن المعركة ستكون داخل كل إنسان وتضعه أمام حقيقة نفسه التي غالبا ما يجهلها. فالدنيا تتجاذب كل نفس. والنجاح في المعركة ضدها هو الأصعب، ولا يكون الفرد ناجحا علي طول الخط ولا يسير علي وتيره واحدة. والذي ينجح في معارك السلاح، قد ينجح أو لا ينجح في المعركة التالية عندما تخضع له الدنيا وتقبل عليه ـ أو يقبل هو عليها ـ إقبال المشتاق الجاهل بعواقب التنافس عليها. وقد كان وقت القتال يجهل أن الدنيا مغرية إلي هذا الحد. أو كما جاء في الحديث الشريف: {والله ما الفقرُ أخشي عليكم، ولكن أخشي عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت علي من كان قبلِكُم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلِكَكُم كما كما أهلَكَتهم}.

– في معركة الجهاد ضد السوفييت وما أعقبها من إنتصار(وحُكْم) تغير الكثير من الأبطال واندفعوا لحيازة الدنيا بكل الطرق، حتي بمخالفة بمبادئ الدين الذي حاربوا من أجله. ومضي بعضهم في سبيل الإبقاء علي مكاسبه من أموال أو سلطة سياسية ونفوذ إجتماعي إلي الإستعانة بأعداء الدين. بل عمل إلي جانب إحتلال جديد وجيوش كفر أخري، مادامت تحافظ له علي ما هو فيه من نعيم الدنيا وزخارفها !!!.

معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ علي أهميته المطلقة ـ بل تعتمد أيضا علي الجوانب التشريعية والقضائية والبناء الإداري والبناء الرقابي. فليست مقاومة الإمارة للفساد مجرد مجهود وعظي وتثقيفي، بل يجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعا له. والقدوة التي تمثلها القيادة لها دور كبير جدا على نتائج تلك المعركة الأكبر من كل ما سبقها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 29

حقاني.. العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 29(

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية |  السنة الخامسة عشرة – العدد 180 |  جمادى الآخرة 1442 ھ – يناير 2021 م . 

31-01-2021

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (29)

وفشل الانقلاب المنتظر!!

 

– حقاني يقول لإذاعة غربية: إنها ليست حرباً قومية بل هي حرب إسلام وكفر.

– كانت جلال آباد أسوأ موطن “لتجارة الجهاد” التي مارسها عدد من العرب الذين سبحوا بمهارة فوق برك الدماء العربية.

– قبل الانقلاب “المنتظر” بفترة وجيزة كان قد قُتِل خمسة من العرب اغتيالاً في جلال آباد، ثم طُلِب من زملائهم القصاص لقتلاهم ففعلوا، فبدأت الدورة الشيطانية بطلب الثأر.

– العجزعن حسم أي موقف عسكري حَوْلَ المدن المحاصرة ليس عجزاً واقعياً بل هو عجز مصطنع تُسْأل عنه القيادات الأفغانية قبل غيرها.

– كان حسم معركة خوست عسكرياً يعني سقوط النظام بالقوة، ويعني فشل الخطة الأمريكية السوفيتية لعلمنة أفغانستان.

– حكمتيار يطلب من حقاني وقف العمليات الهجومية على خوست لأن المدينة سوف تستسلم لرئيس الأركان المنقلب شاه نواز.

– حكمتيار يعرض على حقاني اقتسام المدينة سويا بعد استسلامها، وحقاني يرفض.

– حقاني يحذر حكمتيار بأنه لن يقبل بأي مشاركة للشيوعيين في حكم خوست، وأنه سيعامل من يتحالف معهم على أنه واحد منهم.

– المجاهد “الشهيد” سيد جمال الدين، كان لديه القدرة على أن يصيب بصواريخه الثقيلة أي هدف في خوست بدون الاستعانة بخرائط أو معدات توجيه.

– المئات قدموا من ميرانشاه بالسيارات لنقل الغنائم، وتكدسوا أمام مركز خليل فلم نستطع مقابلة حقاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

في يوم الثلاثاء 6 مارس 90، وقع وفشل الانقلاب المنتظر في كابل. ولا أعلم انقلاباً قبل ذلك كان الجميع يتحدث عنه، وعن التداعيات المتوقعة للأحداث المترتبة عليه، وكأنه في الحقيقة كان مَخْرَجاً للأزمة.

أزمة وقع فيها الحل الدولي القاضي بتكوين حكومة مشتركة مزدوجة الولاء للكتلتين الدوليتين معاً. كان نجيب الله في كابل مرحباً بالفكرة التي تضمن له البقاء والاستمرار، وأحزاب بشاور “الجهادية” مرحبة بالفكرة (سراً) لكونها ستحقق أملاً طال انتظاره وهو لعب دور عمالة سياسية من فوق كراسي الحكم في عاصمة بلادهم، وليس مجرد عمالة لاجئين سياسيين واقعين تحت الإذلال حكومة من الدرجة العاشرة هي نفسها تحت الإذلال الأمريكي.

وكانت المشكلة هي صعوبة قبول نجيب الله على المستوى الشعبي سواء من المهاجرين أو المجاهدين، فالرجل كأي رئيس لجهاز جاسوسية في العالم الثالث، ثم تحول إلى رئيس دولة، حَوَّل الدولة كلها إلى كابوس من الجاسوسية، فالذي لايعمل جاسوساً سوف يتعرض للتجسس عليه. والأكثرية تفضل أن تبيت ظالمة ولا تبيت مظلومة، والمجازر العسكرية زادت وتيرتها هي الأخرى وليس القمع البوليسي فقط.

ويبدو أن اللقاءات المتتالية بين جورباتشوف رئيس الاتحاد السوفيتي وريجان رئيس أمريكا أعطت جورباتشوف ترضيات ضئيلة في مقابل انحسار بلاده المريع في المجال الدولي، بعد انسحابها من أفغانستان. ومن أهم تلك الترضيات هي عدم إراقة ماء الوجه السوفيتي في أفغانستان نفسها، والحفاظ علي الرموز الشيوعية هناك ضمن أي تسوية قادمة.

وقد حصل جورباتشوف على ترضية مماثلة في اليمن، حيث طبقت نفس القاعدة هناك، وتم تزاوج غير شرعي بين يمن الشمال “القبلي” ويمن الجنوب ” الشيوعي” واستمرّ عدة سنوات إلى أن أفشله الشباب المسلم في اليمن عام 1994 وقضى على الشيوعية هناك وأبعدها عن السلطة السياسية في البلاد.

الأفغان استمروا في القتال حتى أفشل المجاهدون مشروع المشاركة في الحكم مع الشيوعيين. كانت أحد وظائف الانقلاب المنتظر ـ وكنتيجة لاقتسام السلطة ـ هو تمييع الأساس العقائدي للصراع في أفغانستان وكونه صراع إسلام مع كفر، هكذا بكل وضوح وبلا أدنى شبهة. كان ذلك منذ الأيام الأولى لحمل السلاح ضد حكومة حزب خلق الشيوعي. واستمر ذلك واشتد مع التدخل العسكري للسوفييت. وكانت الولايات المتحدة كعادة الغرب دائماً تخشى أن تضع الشعوب الإسلامية خاصة، علاقة الصراع بينها وبين الغرب في ذلك الإطار الواضح الصريح الذي هو في صالح الطرف الإسلامي وحده لأنه يستنفر فيه أسمى طاقات الدفاع عن الذات. وترغب أن تضع الصراع في صورة صراع حضاري أو اقتصادي أو ثقافي ولكن ليس عقائديا.

ولأجل تمييع الطابع العقائدي للمسلمين عامة، والذي تأثر بالطرح العقائدي للصراع في أفغانستان، كان لابد من التخلص من المجاهدين العرب الذين هم التجسيد العملي لطابع المواجهة العقائدية بين أمة الإسلام وأمم الكفر.

لذا بدأ برنامج أمريكي غاية في القسوة والهمجية والمكر في سبيل التخلص من هؤلاء المتطوعين العرب.

وقد رأينا مجهوداتهم عام 89 والتي كان أبرزها ترتيب مجزرة جلال آباد ثم اغتيال عبد الله عزام، رمز هذا التواجد ومُنَظِّره الديني. ذكرنا أن مجزرة جلال آباد التي بدأت عام89 قد استمرت تحرق الشباب العربي حتى نهاية الحرب عام 92. كان هناك تشجيع سعودي خفي بتوجيه الشباب نحو تلك المحرقة وتسهيل وصولهم إليها. وكان عملاء وجواسيس السعودية في المضافات المنتشرة في بشاور يرتبون “رحلات الموت” من بشاور إلى جلال آباد وتمول “معسكرات الجزارة”. وميليشيات عربية حقيرة من عملاء السعودية يقودون الشباب الجدد عديمو الخبرة إلى أقصر الطرق نحو القتل الذين أسموه شهادة رغم أنه مجرد جريمه قتل عَمْد مكتملة الأركان.

عدد من الشباب الانتهازي في جلال آباد تحولوا إلى أمراء، وصار لهم سيارات وأسلحة وذخائر، ومصادر تمويل، وسفراء يطوفون بالسعودية والخليج لجمع تبرعات من المحبين والمشجعين، وسفريات للحج والعمرة. ومثل كبار العملاء المحترمين، يستقبلهم عملاء السلطة وكبار موظفيها حتى صار لهؤلاء التافهين كينونة أدارت رؤوسهم فتمسكوا بها حتى الثمالة.

كانت جلال آباد أسوأ موطن “لتجارة الجهاد” التي مارسها عدد من العرب الذين سبحوا بمهارة فوق برك الدماء العربية.

ومنذ عام 90 بدأت حوادث ـ كانت قليلة إلا أنها تكررت ـ وهي حوادث اغتيال العرب داخل أفغانستان. وبعضها كانت جرائم مركبة، بمعنى أن مدبري الحادث الحقيقيون يلقون القبض على بعض المنفذين، ثم يطالبون من العرب القصاص لقتلاهم، وهذا يسعد العرب بالطبع.

ولكنهم لا يدركون خبث العملية، إذ أنهم بتنفيذ القصاص قد أصبحوا مطلوبين قبلياً للثأر. والقبلية لا تنظر إلى أن العملية كانت قصاص بل ترى أن عربياً قد قتل أحد أبناءها. فتوسعت دائرة قتل العرب، ورفضهم شعبياً وبعنف من جانب القبائل الموتورة.

وقد اضطر بعض العرب البارزين إلىمغادرة الساحة الأفغانية عندما اكتشفوا أنهم تورطوا بطيب خاطر في ثأر قبلي لايمكن تسويته، بينما كان يظن أنه ينفذ حداً شرعياً في قاتل أوشيوعي مرتد.. إلخ.

مؤامرات دبرها بعض الخبثاء العاملين في مخطط طرد العرب أو تصفيتهم. قبل الانقلاب “المنتظر” بفترة وجيزة كان قد قُتِل خمسة من العرب إغتيالاً في جلال آباد، ثم طلب من زملائهم القصاص لقتلاهم ففعلوا فبدأت الدورة الشيطانيه بطلب الثأر.

إذن فضرب المرتكز العقائدي للجهاد في أفغانستان كان ـ في نظري ـ الهدف الأساسي لذلك الإنقلاب المنتظر. ولكن من يجرؤ على عبور تلك الفجوة المخيفة التي تفصل ماهوعقائدي وأساسي وبين ماهو مخالف للدين والعقيدة ومصالح الشعب؟

مثل ذلك الدور، الذي وصفه الحقيقي هو الخيانة، تقوم به عادة زعامات صنعتها قوى خارجية وأكسبتها نجومية مزورة وأضفت عليها هالات من الجسارة والعبقرية، بحيث تجتذب قلوب شعبها.

فإذا حدث ذلك فإنها تقفز فوق الفجوة المخيفة، وتنتقل من البطولة المزيفة إلى الخيانة الحقيقية، وبحيث يبدو ذلك إنجازاً وبطولة جديدة من جانب معظم الغوغاء. أمّا من يعترض على سحر البطولة المزيفة فيبقى معزولاً بحيث يسهل القضاء عليه من جانب “بطل الحرب والسلام” الذي صنعته دعاية الأعداء كي يقوم بالقفزة البهلوانية الخطرة.

هكذا فعل أتاتورك في تركيا، البطل المزور في ميادين الحرب الاستعراضية ضد الإنجليز، فسجد له الشعب التركي كبطل حرب مستحيلة، فقفز أتاتورك وأدي دوره الأساسي، فضرب الإسلام في مهد الخلافة العثمانية، وأعلن علمانية أشد كفراً من صليبية أوروبا.

وهكذ فعل السادات ـ بطل حرب أكتوبر ـ الذي كان في الحقيقة خائنها الأول. فبعد إضفاء هلات البطولة المزورة قفز هو الآخر وأدى حركته الخطيرة والأخيرة، وعبر بمصر والعرب من خانة العداء لإسرائيل، إلى خانة الانبطاح بجدارة تحت أحذية إسرائيل وأمريكا.

أما أفغانستان، فكان أتاتورك والسادات معاً هو البطل الشاب “الأصولي المتطرف” إلى آخر هالات الزيف التي حرص الغرب على لصقها بالنجم الشاب، وبيعه للشعب الأفغاني ومسلمي العالم على أنه بطل أفغانستان الذي لايباري في حدته وجديته.

قام البهلوان الأفغاني بقفزته الأساسية ولكنها جاءت في فراغ وفشل الإنقلاب ولكن اللاعب العنيد والمسلم الأصولي كرر لعبته عدة مرات بعد ذلك، ولكنه لسوء حظه ظل يفشل في كل مرة حتى طُرِد من كابل هو ومن شابهه من لاعبين فاشلين مثل رباني وسياف من قادة “الجهاد الافغاني” الذين طبل لهم “الإعلام الإسلامي” الإخواني، مندوب أمريكا في العمل الحركي الإسلامي. وفي النهاية تحالفوا جميعاً بعد أن طردهم طلاب العلوم الشرعية في أفغانستان (جنود الإمارة الإسلامية)، فتحالف هؤلاء القاده المجاهدون مع روسيا!!

ولم يجدوا غضاضة في العمل مع عبد الرشيد دوستم أبشع زعيم ميليشيات شيوعية في تاريخ البلاد!! فما هي حقيقه هؤلاء الزعماء؟ وكيف وصلوا إلى الزعامة؟؟. وما صلة الإخوان المسلمين بكل ذلك القيح السياسي ؟؟

نعود مره أخرى إلى تلك النقطة الهامة وهي تفريغ الصراع في أفغانستان من طابعة العقائدي، وإيجاد مزالق (جاهلية) يستمر تحت غطائها ذلك الصراع.

فقد ظهرت منذ عام 89 دعاوى عرقية، والصدامات على أساس عرقي، وكان حادث فرخار أول حادث اشتهر من ذلك النوع، وإن كان مسعود في شمال البلاد قد بذل كل طاقته، متعاوناً مع السوفييت ونظام كابل في إجراء تطهير عرقي للشمال.

وخطوته الأولى كانت تصفية قوة البشتون هناك. وبدأ بالقادة الكبار أصحاب الشوكة. وأعترف أنني لم أنتبه إلى تلك الحقيقه إلا متأخراً جداً، وبعد فتح كابول حين دخلها مسعود متحالفاً مع دوستم، وبدأ القتال بينه وبين حكمتيار في معسكرين متمايزين واحد للطاجيك المتحالفين مع الأوزبك(مسعود ودوستم)، والآخر للبشتون(حكمتيار).

وقد نفخ الإعلام الغربي في تلك الجمرات كثيراً حتىاشتعلت وتأججت ولم يكن الإعلام وحده في الساحة، فقد كانت باقي أجهزة الغرب الإستخبارية تدفع الأفغان في نفس المسار.

 

حقاني: إنها حرب إسلام وكفر :

وقد سُئل حقاني في نهايه 89 من قبل إذاعة غربية هذا السؤال: (بعد إحكام حصاركم على مدينه خوست فهل تلجأون إلى حل القضية معهم سلمياً علىاعتبار أنهم بشتون مثلكم؟).

فأجاب حقاني بإسهاب موضحاً أنها ليست حرب قومية بل حرب إسلام وكفر. وفتح الغرب مسارب أخرى للقتال في أفغانستان، لطمس سمتها العقائدية الأساسية.

واحد من تلك المسارب هو الحرب المذهبية، وقد بدأها أيضاً حكمتيار،ممثلاً لسياسة باكستان، في مقابلة جميل الرحمن زعيم كونار السلفي (ممثلا لسياسة السعودية). بدا ذلك بوضوح عام 90 ثم تدخلت الأحزاب جميعها في الحرب خلف حكمتيار مشكلين تحالفاً “حنفياً” في مقابلة وهابية جميل الرحمن، ودارت مجازر في كونار.

كان من أهدافها أن تشمل العرب في أفغانستان علىاعتبار أنهم جميعاً مع الوهابية. ولكن الاستجابة خارج كونار كانت ضعفية وفشلت باكستان والسعودية في جعلها حرب شاملة تطال المتطوعين العرب. وقد بذلت السعودية غاية جهدها في توسيع نطاق المعركة وإقحام العرب فيها. فأرسلت عدداً من جواسيسها إلى أفغانستان، وافتعلوا صدامات مذهبية مع المجاهدين وأعلنوها حراباً على “شركيات” الأفغان “وقبورية” المجاهدين، وعبثوا ببعض القبور ونزعوا تمائم من على صدور المجاهدين وأطفال الأفغان بكل الغلظة المعروفة عنهم، حتى أن أحدهم أخرج سكيناً ووضعها على رقبة طفل لقطع حبل التميمة المربوطة حول عنقه.

لولا أن بعض زملائه منعوه حتى لا يحدث قتال مع الأفغان وهم يرون”عربي” يضع السكين على رقبة أحد الأطفال كي ينزع آيات من القرآن من حول عنقه.

الحرب المذهبية في كونار عندما لم تنجح في الامتداد إلى باقي الولايات لتطال العرب المجاهدين هناك كان لابد من إدخال العرب وتوريطهم مباشرة في حرب كونار.

وقد تم ذلك عندما أقنعت جماعة حكمتيار وعناصر من الإستخبارت السعودية أقنعت شاباً عربياً متحمساً بأن يتولى قتل جميل الرحمن الذي صوروه له عقبة كأداء ضد توحيد المجاهدين وإيقاف الحرب بينهم.

تولي ذلك الشاب قتل جميل الرحمن. وقتله فى الحال حراس القتيل، فاختفى معه سر الجريمة.

ولكن مخابرات باكستان والسعودية تولوا إكمال العمل فحذروا جميع القادة الميدانين المشهورين في أفغانستان، والذين يعمل في جبهاتهم متطوعون عرب، بأن هناك “شبكة إرهابية”بين هؤلاء العرب تهدف إلى قتل القادة الأفغان المشهورين. تركت تلك الوشاية أثارها وساد نوع من الحذر والتوجس لكنه لم يصل إلى درجة القطيعة أو القتال، على عكس ما تمنت باكستان والسعودية.

نعود مرة أخرى إلى “الإنقلاب المنتظر”، وهذا ما كتبته عنه في وقتها في مقال تحت عنوان: (شاه نواز: هل كسر الحاجز النفسي). وقد نشر في مجلة أفغانستان (العدد 19/20).

 

شاه نواز: هل كسر الحاجز النفسي؟

في غياب التطور العسكري للمجاهدين الأفغان منذ نكسة جلال آباد في العام الماضي،صارت أشد الأحداث تفاهة على المستوى الداخلي تمثل تغييرا مثيراً يشغل مساحة اهتمام أكبر بكثير من حجمه الحقيقي. وهكذا كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها وزير الدفاع الأفغاني شاه نواز تاناي، في مارس 1990.

ورغم فشل الانقلاب إلا أنه غني بدلالات التي ترسم صورة واضحة لتوازن القوى لأطراف الصراع: المجاهدون من ناحية وحكومة نجيب في كابل من ناحية أخرى.

 

الانقلاب المنتظر:

فالانقلاب كان يفتقد أهم عناصر العمل الانقلابي وهو المباغتة. فمنذ ما يقرب من عام وهناك أكثر من زعيم من زعماء المجاهدين يبشر بإنقلاب قادم من داخل الجيش يحمل في طياته بدايات الحل للمشكلة الأفغانية. وتم رسم سيناريو لذلك الحل بأن تتشكل حكومة انتقالية يشارك فيها الانقلابيون مع قاده المجاهدين “حول كابل” وتشرف تلك الحكومة علىانتخابات يختار فيها ممثلين، يقررون بدورهم شكل النظام القادم في أفغانستان.

والحل المطروح، على ما يحتويه من غموض وخطورة، ليس هو الغريب بقدر غرابة التلويح العلني بعمل من المفروض أن يتم في الخفاء، ألا وهو الانقلاب العسكري المنشود. فقد أعلن البعض، زيادة في التأكيد، عن وجود ارتباطات قوية مع ضباط الجيش يرتبون لانقلاب قادم في كابل.

ولما كان نجيب الله ليس استثناء من رجال الحكم في كل مكان، فما كان له أن ينظر بتساهل إزاء تلك التصريحات. ورجل في مثل خبرته في إدارة أجهزة التجسس السرية لم يكن منتظراً منه بأي شكل أن ينظر لتلك التصريحات بروح رياضية.

وقام بما يجب على من كان في مثل موضعه أن يقوم به، فأجرى عمليات”غربلة” و”تمشيط” للقوات المسلحة خاصة المستويات القيادية، وأولى عناية خاصة لوزير دفاعه “شاه نواز” وباقي الطاقم (الخلقي) الذي مازال يتمتع بنفوذ كبير داخل الجيش في دولة (برشمية).

فتم اعتقال وزير الدفاع واستبعاده، كما ألقي القبض على عشرات من كبار الضباط. وحسب بعض المصادر فإن وساطة سوفيتية كانت وراء عودة وزير الدفاع إلى منصبه حرصاً على “وحده الصف” و”توحيد الجهود” و”لقاء الأشقاء”.. إلخ

كان ذلك في ديسمبر العام الماضي وهو في حد ذاته كفيل بإلقاء بعض الشكوك على أن السوفييت كانوا على تعاطف مع نواز وجماعته، بل ربما أرادوا إعطائهم فرصة لإزاحة نجيب الذي أصبح، بشكل شخصي، عقبة أمام تمرير التسوية، خاصة وأن موضوع المشاركة في حكم “موسع” يضم القوى العاملة فوق الساحة الأفغانية أو الأطراف الإقليمية في منطقة النزاع، بل والأطراف الدولية الشغوفة بالتورط في المنطقة.

إن نجيب بالنسبة للسوفييت الآن، على مايبدو،يتمتع بمركز استثنائي كالذي تمتع به سالف الذكر “تشاوشيسكو” في رومانيا، حيث أغمض السوفييت أعينهم عنه وهو يقف أمام بنادق فرقة الإعدام، لكي يفتح موته الباب لرومانيا لتلحق بالعهد الجديد الذي دشنه جورباتشوف للإمبراطورية الروسية وتوابعها.

إن بقاء نجيب على رأس الحكم في كابل يمنع أفغانستان من اللحاق “بالبروسترويكا” الروسية تحت مظلة حكومة موسعة ترضي جميع الأطراف وتجعل كل فريق يحصل على جزء من الكعكة الأفغانية التي ستبقى طبقاً لذلك الحل فوق المائدة السوفييتية.

ولكن ذلك يناقض ما يدعيه وزير الدفاع الانقلابي “نواز” من أن السوفييت هم العقبة التي صادفته وأن طائراتهم المنطلقة من داخل الأراضي السوفيتية هي التي دمرت مقر قيادته وطائراته المقاتلة في مطار “بجرام” قرب كابل، وهو إدعاء يصعب إثبات صحته. ولكن الأحداث التي شهدتها كابل في ذلك الوقت تبرهن علي أن العملية الانقلابية لم تكن مُحْكَمَة، وأن إخمادها من جانب نجيب وأعوانه كان سهلا نسبياً رغم الخسائر الكبيرة التي صاحبت المحاولة.

وكون الانقلاب منتظراً منذ ما يقرب من عام، وتم الإعلام عنه وعن الاتصالات بين قادة من المجاهدين وضباط الجيش بهذا الخصوص. كل ذلك يجعل استعدادات نجيب وأعوانه في قمتها ويوقظ لديهم كل حواسهم التجسسية، وإمكانات جهازهم الخاص بأمن الدولة “واد”. “نواز” نفسه كوزير دفاع كانت تحت المجهر طول الوقت ويمكن التكهن أيضاً بأن كل المتصلين به كانوا كذلك. وليس هناك أيسر من إحباط انقلاب منتظر من وزير دفاع مشتبه فيه إلى جانب كونه خصم سياسي لرئيس الدولة.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

إيجابيات الانقلاب:

لقد أعطت المحاولة الانقلابية الفاشلة بعض المردود لصالح المجاهدين. مثل إظهار التفكك الحاصل في جبهة التحالف الشيوعي الهش في كابل، وإبراز الصراع “الخلقي/ البرشمي” كعامل مدمر مازال يعمل منذ سنوات طويلة حتى قبل التدخل الروسي في أفغانستان.

كما أن المحاولة المذكورة أضعفت المركز السياسي لنجيب الذي يحاول احتواء جميع أطراف المجتمع الأفغاني تحت عباءته. وأظهرت عجزه حتى عن احتواء زملائه الشيوعييون، فكيف بباقي الأطراف الأخرى؟

كما أبرزت المحاولة ضرورة تغيير نجيب تحت كل الظروف وأيا كان الحل القادم. ويمكن القول بأن المحاولة الانقلابية وأن كانت قد فشلت في الإطاحة بنجيب، إلا أنها قضت على مستقبله السياسي. وبالنسبة للمؤسسة العسكرية، التي هي الركيزة الرئيسية لنظام نجيب، فقد تأثرت سلبا بالمحاولة الإنقلابية التي سبقتها عمليات “تطهير” داخل المناصب القيادية في الجيش.

لحقتها عمليات “أشد تطهيراً” بعد فشل المحاولة. كل ذلك سيضعف قوة الجيش تنظيمياً إلى جانب الانهيار المعنوي في صفوف القيادات الصغرى بين الضباط، ناهيك عن الجنود الذين تجاوزت روحهم المعنوية حد الإنهيار.

 

سلبيات الإنقلاب:

أما النتائج السلبية للمحاولة الانقلابية فلها عدة جوانب:

الجانب الأول: أنها أظهرت بشكل سريع ومباشر تفكك الجبهة السياسية للأحزاب في بشاور.

وكالعادة لم يكن هناك موقف موحد،أو حتى منسق، بين تلك الأحزاب تجاه المحاولة الانقلابية والقائمين عليها.

فبينما اندفع طرف إلى درجة بعيدة في تأييد المحاولة إلى درجة تقترب من التحالف السياسي مع “شاه نواز” وطاقمه “الخَلْقِي” في إطار برنامج مشترك لإسقاط النظام في كابل وتشكيل ملامح نظام بديل يتم الوصول إليه بمجهود مشترك.

وقد دافع نواز عن ذلك التحالف مع الجماعة التياحتضنته من المجاهدين بأنه تحالف تكتيكي بينما أنكرت الجماعة المذكورة وجود أي تحالف. وذلك في حد ذاته تكتيك قديم حول المسميات الخاصة بحقائق ثابتة.

والتحالف التكتيكي لا تتغير طبيعته إذا أطلقنا عليه مسميات أكثر لطفاً مثل “تعاون مؤقت” أو”إستفادة من الظروف” إلخ.

والتحالفات، مؤقته كانت أو دائمة، لا مأخذ عليها في حد ذاتها لكونها ضرورة سياسية لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن المعيار في الأخذ بها أو رفضها هو مدى الفائدة المرجوة منها. والفائدة المعنوية قد تعطي أولوية عن الفائدة المادية،خاصة في صراع عقائدي كذلك الدائر على أرض افغانستان. وعلى ذلك فالتحالف بين حزب جهادي في أفغانستان وبين مجموعة شيوعية منشقة عن حكم كابل يسبب إضعافاً في منطلقات العمل الجهادي، ويحوله من صراع قائم على أساس العقيدة إلى صراع سياسي بحت هدفه السلطة وبأي وسيلة كانت.

والفارق كبير في الحالتين، وقد مرت قضايا إسلامية في هذا القرن بذلك المنزلق الخطر. وكانت نتيجة التحالفات السياسية “التكتيكية” هي تحول إستراتيجي في منطلق الصراع نفسه، وتحويله من مجال العقائد إلى مجال المنافع السياسية الوقتية.

يعتقد بعض المحللين أن من النتائج الجوهرية للمحاولة الانقلابية الفاشلة لشاه نواز،هي بوادر تحول جذري في المنطلق العقائدي للقتال الدائر في أفغانستان،كي ينتقل من المجال الأيديولوجي الذي ظل دائراً في فلكه لأكثر من عقد من الزمان، ليدخل مجال الصراع السياسي القائم على أسس نفعية.

لقد اتخذت خطوات متوازية في هذا المجال، واحدة من جانب شاه نواز وأخرى من جانب مضيفه الجرئ. في تحول جذري بهذا الشكل، وتفادياً لقوة الرأي العام،الذي مازال في إجماله يتبع المنطلق العقائدي الإسلامي في الصراع ضد الشيوعية داخل أفغانستان.

فإن التحول يبدأه طرف أكثر جرأة ليحطم ” الحاجز النفسي” بينما يلجأ الزملاء إلى المعارضة اللفظية العنيفة، وبعد أن يكتمل انهيار الحاجز النفسي لدى الجمهور الأفغاني، تكتمل مسيرة “المصالحة الوطنيه” ويتم الهجران الجماعي للمنطلق الأيديولوجي الذي كان مناسباً في مرحلة القتال كنوع من التعبئه المعنوية للمحاربين، والذي لابد من هجرانه في مرحلة التسوية السياسية المبنية على واقع الحقائق الباردة للوضع الإقليمي والدولي، الذي تتحكم فيه مصالح قوى أعظم كانت تُسَعِّر القتال طوال سنوات تحت ستار أيديولوجي وأعينها على تسوية سياسية في نهاية المطاف تراعي المصالح وليس العقائد.

 

تنازلات عقائدية:

“شاه نواز” قدم تنازلات عقائدية أعمق وأسرع، وإن كان لم يخرج كثيراً عن الإطار الذي رسمه عدوة اللدود في كابل “نجيب الله” فكلاهما أعلن تخليه عن الشيوعية وأكد بأنه “مسلم أصيل” كما أكد كلاهما بأن حزبه بحاجة إلى عملية “ترميم” ليصبح أكثر قبولاً من جانب الشعب الأفغاني. وبينما يردد نجيب تلك الأقاويل، منذ أشهر طويلة ومن تحت حراب البنادق في كابل، فإن “شاه نواز” وجد الفرصة لكي يردد نفس الأقوال من خنادق المجاهدين وهو يحمل هالات “البطوله الوطنية” في مكافحة نظام يرفضه الشعب.

لاشك أن كهوف لوجار،حيث قالوا أن نواز متواجد فيها مع جماعة حكمتيار، أكسبت دعاوى نواز مصداقيه أكثر من أقوال نجيب التي تكذبها حملاته العسكرية ضد الشعب الأفغاني. وتلك خدعة إعلامية، بقصد أو بدون قصد، قدمها مجاهدون أكثر جرأة لتكسير الحاجز النفسي الذي بَنَتْهُ الدعاوى الأيدولوجية السابقة. وتمهيداً لا شك فيه لكي يقبل الشعب الأفغاني فكرة “توبة” الشيوعيين الأفغان ومنحهم صكوك الغفران التي تغسل الدماء التي تخضبت بها أيديهم لأكثر من عقد من الزمان.

إن الصورة التي ساهمت تجربة شاه نواز في تأكيدها لدى الرأي العام الأفغاني والدولي هي أن الحرب في أفغانستان إنما هي حرب أهلية بين أفغاني مسلم وأفغاني مسلم، وإن اختلفت درجة الجودة هنا أو هناك.

 

 

وماذا بعد؟

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة كيف ستسير الأمور داخل أفغانستان؟

سنكتفي برصد بعض المظاهر دون الدخول في مجازفة التنبؤ بالغيب. فممّا لاشك فيه أن مرحلة جديدة في مسار القضية الأفغانية تتمخض عنها الأحداث الجارية.

تنبئ الظواهر أن القوى العظمى تمسك بأكثر خيوط اللعبة، وذلك لا يعني حتمية أن تسير الأمور على هوى تلك القوى بشكل كامل، فأي طرف مهما كان حجمه صغيراً يمكنه إحراز مفاجآت في الوضع تؤدي بدورها إلى شيء من التعديلات.

والخوف من الركود العسكري الذي تعيشه المقاومة الأفغانية قد يؤدي إلى إفلات كثير من الأوراق من بين يديها لكي تطير إلى أيدي أحد اللاعبين الكبار. وليس سراً أن أوراقاً هامة طارت من يد الأحزاب الأفغانية إلى يد اللاعب الأمريكي. وذلك إهدار لاشك فيه لحقوق الشعب الأفغاني الذي عانى وضحى بأرواح مئات الألوف من زهرة شباب أولاده.

والعجز عن حسم أي موقف عسكري حول المدن المحاصرة ليس عجزاً واقعياً بل هوعجز مصطنع تُسْأل عنه القيادات الأفغانية قبل غيرها.

كذلك الشرخ الحادث في الموقف المبدئي العقائدي الذي لف موقف المنظمات في حاجة إلى إعاده تأكيد بواسطة برامج عمل وليس بمجرد بيانات مصاغة بلغة (عربية) بليغة وفصيحة، فتلك السلعة التي كانت رائجة في سنوات ماضية، في بوار تدريجي.

فالشعب الأفغاني هو الذي يحتاج هذا التأكيد قبل أي طرف عربي فيما وراء البحار. فالدماء الأفغانية هي التي أريقت، والديار الأفغانية هي التي خُرِّبَت، والشعب الأفغاني هو الأكثر حاجة لأن يعرف وجهة المسير، وأن يعرف بوضوح أكثر، وبطريقة عملية أين الإسلام من كل ذلك الذي حدث في الماضي وما يحدث حالياً وما سيحدث مستقبلا على أرض أفغانستان.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

خوست… زحف النهابين :

أول تأثير سلبي على المجاهدين من ظهور شاه نواز المتحالف مع جلب الدين حكمتيار، كان في خوست.

كان الجميع يتوقعون أنه بعد سقوط تورغار في يد المجاهدين فإن المدينة لن تبقى طويلاً، ربما أسابيع وتصبح هي الأخرى في أيدي المجاهدين، وبمعنى أدق بين يدي حقاني. وتلك بلا شك كارثة.. كارثة على أحزاب بشاور الذين ارتبطوا منذ وقت طويل بالخارجوينتظرون أن يحملهم ذلك الخارج إلى كراسي الحكم في كابل بأي صيغة كانت.

كان حسم معركة خوست عسكرياً يعني سقوط النظام بالقوة، يعني فشل الخطة الأمريكيةالسوفيتية لعلمنة أفغانستان.

في ظني أن فتح تورغار عجل بولادة الانقلاب المنتظر الذي كان متعسر الولادة، بل كانخطيراً على القائمين عليه بسبب أنه فقد عنصر المفاجأة الحيوية لكل انقلاب.

والذي يثير الشك في أن أحداث خوست كانت محركاً أساسياً في التعجيل بالانقلاب، الذي تأخر كثيراً، هو أن أول تحرك جدي وسريع للثنائي الحليف (حكمتيار/ نواز) كان إلى خوست. في البداية أعلنت دوائر حكمتيار أنه تحرك مع حليفه إلى جاجي ثم إلى لوجار. ولكن الحقيقة أنهما جاءا إلى معسكر “جهاد وال” التابع لحكمتيار والمجاور لمعسكر جاور التابع لحقاني. ومن “جهاد وال” بدأت الثنائي الثوري في إتلاف العمل العسكري في خوست. لقد طلب حكمتيار من حقاني إيقاف العمليات الهجومية الوشيكة والتي كانت على وشك البدء بها بدعوى أن المدينة سوف تستسلم لشاه نواز الذي له أتباع كثيرون وأصدقاء في حامية خوست وأنه يتصل بهم لأجل التسليم بدون قتال.

عندما شاع نبأ المفاوضات واحتمال استسلام المدينة عمّت الفوضى وعم التراخي، فالمقاتلون في معظمهم يفضلون الغنائم الباردة عن الحرب الساخنة ومآسيها وذلك طبيعي. وانتشر الخبر على الجانب الآخر من الحدود، فاستنفرت القبائل ومعسكرات المهاجرين، وتدفق الناس إلى مراكز قياده حقاني في مركز خليل حتى ضاقت بهم الشعاب والوديان.

والطريف أن الجميع يطالب بالمشاركة في الفتح!! وجميعهم مسلحون بالبنادق الآلية وكان مشهداً غريباً، ومأساويا بقدر ماهو هزلي. وقد انتهى بهم ذلك الجشع على الغنائم الباردة إلى مصيبة مغلظة، فلم أستطع كبح نفسي عن الشماتة بهم.

ويحاول حكمتيار رشوة حقاني فيعرض عليه اقتسام المدينة سويا بعد استسلامها، ولكن حقاني ينتبه للفخ. فإلى جانب لا أخلاقية العمل فإنه أيضاً سوف يتسبب في مذبحة رهيبة بين المجاهدين، فهناك من وقفوا في المعركة لأكثر من عشر سنوات، وهناك مجاهدي المنطقة على نطاق الوادي الفسيح، ثم هناك الهمج والسارقين الذين حضروا بأسلحتهم لأخذ حصتهم من الغنائم، لأنهم ساعدوا المجاهدين يوماً ما. بل أنهم ادعوا أنهم مجاهدون فعلاً طوال الوقت، رغم وجوههم الكالحة التي لم ينعم أحد برؤيتها في الجبهات قبل ذلك.

ثم اشترط حقاني وحذر حكمتيار بأنه لن يقبل أي مشاركة للشيوعيين في حكم خوست أو في أي عمل آخر، وأنه سيعامل من يتحالف مع الشيوعيين نفس معاملته للشيوعيين أنفسهم، وأن الذي يستسلم منهم ليس له إلا الأمان على نفسه وماله وعائلته، وليس أكثر من ذلك.

وفي النهاية فشل مشروع (حكمتيار/ نواز) في خوست، كما فشل قبل ذلك في كابل. ولم تتوقف مسيره الفشل لحكمتيار حتى كتابة هذه السطور. أما شاه نواز فيقال أنه يعمل الآن في خدمة الاستخبارات الباكستانية.

 

الثلاثاء 6 مارس 90:

كنا في جبل الترصد إلى جانب عبد العزيز وهو منهمك في أعماله اللاسلكية عندما جاء إلى ذلك المركز مجاهد شاب يدعى “سيد جمال الدين”، وهو من إحدى القرى في غرب خوست. وكنت قد تعرفت عليه حديثاً وهو يعمل على قاذف صواريخ صقر رباعي المواسير. وكان الغريب عند سيد جمال الدين هو قدرته على الرماية على أي هدف داخل خوست، بدقة متناهية، وبدون استخدام أي معدات توجيه.

كنت أعجب مما يفعل فكان يضحك ويقول: إن خوست كلها مرسومة في خريطة داخل رأسي. كان ذلك أمراً مشهوداً به، ولا أنسى قذيفته الشهيرة التي أصاب بها، من أول صاروخ، غرفة اجتماع كبار ضباط خوست في مقر قيادة الفرقه 25 (حيث أسكن حالياً على بعد خطوات منها لذا فمازلت أرى أثار تلك القذيفة العجيبة التي أخرقت سقف الغرفة تماماً)، ولكن الاجتماعات كانت تعقد في غرفة تحتية واسعة ذات تحصينات وأسقف أسمنتية، لذا لم تتأثر قاعة الاجتماعات العسكرية ولكن العديد قتلو وجرحوا من جراء ذلك الصاروخ.

سيد جمال جاءنا بعد الغروب ليخبرنا عن نبأ وقوع محاولة انقلاب عسكري في كابل بقيادة وزير الدفاع شاه نواز تناي وأن القتال مازال دائراً في مطار بجرام وأماكن أخرى. كانت علائم الفشل واضحة منذ البداية فالذي يحرك للإنقلاب هو عدد من الطائرات، ولا أثر في الأنباء لجنود مشاة تحركوا للسيطرة على العاصمة. أما المعارك المستمرة فليست من علائم النجاح في الانقلابات بل غالباً تكون من علائم الفشل، فالمفروض في الإنقلاب السرعة وليس الاستنزاف البطيء.

 

الأربعاء 7 مارس 90:

أنباء متداولة بين المجاهدين أن حكومة خوست تتفاوض سراً مع حقاني من أجل التسليم. في الواقع أن شاه نواز قد هرب من كابل أمس مع أسرته في طائرة هليوكبتر إلى باكستان، ومنها مباشرة إلى خوست!!، وليس إلى الأماكن الأخرى التي وردت في الأنباء مثل لوجر أو جاجي، وهذا ما يؤكد وجود صلة قوية بين فرار شاه نواز وبين معركة خوست، ووصول المدينة إلى حافة السقوط.

راديو كابل مازال يذيع بيانات ضد (وزير الدفاع الخائن) الذي أسموه (شاه نواز جلب الدين)، ولكن جلب الدين حكمتيار صرح منذ الأمس أن لاعلاقة له بالانقلاب ولكنه أصدر أوامره بالاستفادة منه!

نزلنا لرؤيه حقاني في مركز خليل ولكن ذلك كان صعباً للغاية فهناك عشرات السيارات ومئات البشر قدموا من ميرانشاه وأماكن أخرى لرؤية حقاني، لقد بدأت الذئاب تشم رائحه الدم. كان حقاني في اجتماع موسع وبرفقته مولوي نظام الدين والدكتور نصرت الله، كان الإرهاق ظاهراً عليه، فلم أستطع الحديث معه لأن المئات يتدافعون في الخارج للحديث معه حول (افتراس خوست)!

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني.. العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 29(




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 28

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (28 )

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م  .

01-01-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (28)

رمت الطائرات قذائف نابالم أنتجت سحبًا من الدخان الأسود اللزج على طول كيلومترات، ثم قنابل ثقيلة أمام موقعنا، ثم قصف على مناطق المدفعية والمناطق الإدارية.

– قبل أن يهبط حقاني وضيوفه شاهد الجميع عرضًا ناريًا هائلاً في السماء. صوت انفجار كبير وكرة ضخمة من النيران، ثم انفجار آخر وتفتت الكرة إلى ثلاثة أجزاء تهوي مشتعلة.

– اليوم هو “اليوم العنقودي”، من كثرة عناقيد النارالتي هبطت علينا من السماء.

– ما أن بدأ السائق  في الحركة حتى ظهرت في السماء ست طائرات فضية متجهة نحونا.

– فالذي يرى تلك الغارات عن بُعد يستطيع أن يجزم  أنه لم يتبق أحياء فوق الجبل.

– كنت في حالة من الدهشة والذهول ولا أكاد أن أصدق أنني فعلاً فوق ظهر جبل تورغار الرهيب، وأنه أصبح جبلاً صديقًا وليس كابوسًا قاتلاً.

– لا أزعم أنني أحببت هذا الجبل يوماً ما، ولكنني احترمه بكل تأكيد، ولا تبارح مخيلتي صورة عبد الرحمن وهو مدرج بدمه قريبًا من قمته.

– كنت معجبًا دومًا بالحاسة الهندسية لحقاني، وأنه لن يضيع وقتًا في مد طريق إلى رأس تورغار، ليصبح “الطريق الدائري” حقيقة واقعة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

الثلاثاء 20 فبراير90:

صباح مشرق جميل، ولكنه عند المجاهدين نذير ليوم صعب مع الطيران، وهذا ما كان.

لقد أرسلت الدولة كل سلاحها الجوي، ولا أستبعد أن الروس هم أيضًا شاركوا. كان الطيران مصابًا بداء الكلب، هائجًا يضرب في كل مكان، لاتشعر له بهدف محدد، ولم يكد يتوقف طوال اليوم.

الساعة 8.33: 

أول غارة اليوم على مركز خليل ـ حيث حقاني متواجد ـ  ألقوا هناك ثلاثة قنابل من عيار ألف رطل، ثم قنبلتان على توده شني، وإثنتين تحت تورغار الكبير.

الساعة 8.43 : 

فاصل من الجنون، طائرات كثيرة تقصف في أماكن متباعدة وفي كل مكان، وعلى أي هدف. تصاعد دخان  كثير في معظم المناطق: خلف تورغار الكبير، وفي منطقة دروازجي ،شرق تورغار، ومنطقه ليجاه.

الساعة 8.50:

كأن قطار بخاري يسير خلف موقعنا، لقد رمت الطائرات قذائف نابالم كثيرة خلفنا فأنتجت سحبًا من الدخان الأسود اللزج على طول كيلومترات، ثم قنابل ثقيلة أمام موقعنا ثم قصف على مناطق المدفعية والمناطق الإدارية في بوري خيل.

إلى جانب النابالم والعنقودي ظهرت القنابل الفسفوري بدخانها الأبيض الجميل الذي يتصاعد في أعمد رشيقة على غير العادة. شجرة الحور العتيقة القريبة من بوري خيل أمسكت بها نيران الفسفور وبدأت تحترق، فشعرت بالحزن. قريبًا منها راجمة صواريخ وموقع مدفعي للمجاهدين ولكنها مزودة بمغارات جيدة وحفر للخنادق.

الساعة 8.55: في جنوب تورغار الكبير غابة كثيفة من الدخان. المنطقة هناك مليئة بالشجيرات، ومع النابالم لابد أن تكون المنطقة قطعة من لهب.

الساعة 10.20: غارة جوية ضد دبابة خليل تحت الجرف، وغارات مباشرة  ضد تورغار الكبير والصغيرة.

الساعة 10.30 إلي 10.50:  غارات متصلة لاتتوقف على أماكن متفرقة .

 

الساعة 11.20 الي  11.35 :

القنابل العنقودية لا تتوقف فرقعاتها في الأرض ولا في السماء. وخيوط الدخان  ترسم مسارها، الهابط من الجو نحو الأرض. بعد انفجارها الأول في الفضاء والذي تعقبه انفجارات كثيرة في الفضاء أيضًا ثم عناقيد من اللهب الأحمر الهابط إلى الأرض حيث يتفجر وينشطر في فرقعات لاحصر لها من القنابل الصغيرة على سطح الأرض.

انفجارات لا تنقطع في الجو، ثم شلال من النيران الحمراء يجر خلفه دخان أبيض هابط نحو الأرض، ثم انفجارات بلا عدد فوق سطح الأرض. تلك هي القنابل العنقودية التي لايكاد يتوقف سيلها النازل من السماء.

 

الساعة 12 :

ظهرت الأنتينوف لأول مره وبدأت ترمي قذائفها الثقيلة في خط طويل منتظم، كما هي عادتها. الجو صحو تمامًا، حتى أننا نشعر بالحرارة. لا أدري أكان ذلك من الانفعال، أم من نيران الحرائق حولنا في كل اتجاه، أم أن الشمس حارة فعلاً في ذلك اليوم من فبراير ؟ من أخبار عبد العزيز: أمسك المجاهدون دبابة سليمة بالأمس في منطق تورغار الصغير وهم ينظفون لها طريقًا من الألغام حتى ينقلوها إلى مواقعهم.

ـ حصلنا أخيرًا على ساعتين راحة، ثم استأنف الطيران عمله كالمعتاد. عند الظهر وصل الشيخ حقاني ومعه عدد من قادة العمليات مثل مولوي حنيف شاه ومولوي أليف جول وغيرهم، وبقوا مجتمعين حتى حل الظلام وانصرفوا بدون أن أتمكن من الحديث مع حقاني.

اكتشفت أنهم أحضروا حقيبتي وبها الكاميرات. كان الوقت متأخرًا جدًا بعد أن ضاعت فرص تصوير الجنون الجوي الذي حدت اليوم.

ومع هذا فإن الطيران استمر يعمل طوال الليل ولكن بكثافة أقل مما حدث في النهار. حاولت الحكومه عند العشاء التمهيد لإنزال إحدى طائراتها العسكرية في المطار، فقام بغارات شديده ضد “جبال” تورغار لتغطية هبوط الطائرات، ولكن تورغار الكبير استخدم أحد مضاداته الجوية الثقيله “23 مليمتر” ضد الطائرة وهي في الجو، ولكنه لم يحقق إصابات.

ولم تنجح تلك الطريقه فيما بعد لإيقاف محاولات الهبوط في المطار. أرسلت اليهم اقتراحًا فيما بعد بأن يستخدموا ذلك المدفع ضد مدرج المطار عندما تهبط الطائرة لأنها تكون في حالة سكون ويمكن إصابتها. لكن الاقتراح وصل متأخرًا لأن دبابات العدو عطلت أحد المدفعين وأصابت الآخر بشظايا فقرروا تفكيكه وإنزاله من فوق الجبل حتى لا تدمره القذائف المعادية. في نفس الليلة، وقبل أن يهبط حقاني وضيوفه شاهد الجميع عرضًا ناريًا هائلاً في السماء.

فوق الوادي من جهه الغرب صوت انفجار كبير وكرة ضخمة من النيران في السماء ثم انفجار آخر وتفتت الكرة إلى ثلاثة أجزاء أو أكثر تهوي مشتعلة. لم أفهم مغزى ما أراه لكونها المرة الأولى الذي أرى فيها مثل ذلك المشهد. لكن عبد العزيز العجيب أتى لنا بالخبر، فقد اتصل به المجاهدون في الجبال الشمالية المواجهه لنا، بأن المجاهدين في “جاني خيل” كانوا في كمين فوق الجبال ومعهم صاروخ ستنجر، فأصابوا به طائرة نقل حكومية.

وجاء الرد من كابل عصبيًا وعديم الجدوى كالعادة. فقد ضربوا منطقه باري بصاروخ سكود، ووصلنا التقرير التقليدي : لم يصب أحد.

ومن الطريف أننا شاهدنا صاروخ سكود وهو ينطلق من كابل وخلفه خيط أحمر طويل استمر لثوان ثم اختفى لفترة إلى أن سقط في باري. وكان الوقت كافي كي يبلغ عبد العزيز جميع المواقع بأن “سكود” قادم، ويأمرهم بالإنذار التقليدي: “ستر وإخفاء”.

ـ تأكد اليوم أن المجاهدين في عمليتهم ضد تورغار الصغير لم يتكبدوا أية خسائر في الأرواح ولا حتى جرحى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

الأربعاء 21 فبراير 90:

غارات اليوم لاتقل عنفًا عن غارات الأمس لكنها أكثر تركيزًا ومنهجية. وحتى الحادية عشر ظهرًا كانوا قد غطوا كل المناطق الهامة بغارات مركزة. ولكن لم يبلغ أحد بوقوع خسائر حتى الساعة الواحده ظهرًا. لاشك مع كل هذا العنف الجوي أن الحكومه توجه ضربة إجهاضية لهجوم متوقع على المدينة.

ولها أن تتوقع ذلك بعد استيلاء المجاهدين على “عائلة تورغار” وبالتالي هناك ثغرة واسعة في الخط الدفاعي خاصة من طرف تورغار والجبال المواجهة للمطار. فالمواقع فيها ثانوية وليست متينه بالشكل الكافي وكانت كلها متكئة على تورغار. والحكومة في حاجة إلى عدة أسابيع لتقوية خط دفاعي جديد، ليس فيه تورغار، وهي نقطة ضعف أكيدة.

الطائرات غير متأكدة تمامًا من موقعنا، أو أنها أخذت أحداثيات خاطئة من المراقبه الأرضية. قذائف عنقودية كثيرة حولنا أمام وخلف ويمين ويسار. تورغار أصابه نصيب وافر منها الطائرات المشاركة كثيرة بشكل غير عادي. يبدو كأنه طيران “دولي” وليس أفغاني فقط.

إذا أردت أن أطلق اسما على هذا اليوم فسوف أسميه “اليوم العنقودي”، من كثرة عناقيد النارالتي هبطت علينا من السماء، لكن الله حفظ الجميع بمعجزة لا لبس فيها، فنصف القنابل التي ألقيت في فتره الصباح فقط كافية لقتل جميع المجاهدين عدة مرات .

اليوم التقطت من الصور للقصف الجوي ماعوضني عن عدم التصوير بالأمس.

وصل خبر من مجاهدي”جاني خيل” بأنهم فتشوا حطام الطائرة التي أسقطت بالأمس فوجدوا بها عشرين جثة لضباط، وحصلوا على بعض أوراق هوية مازالت سليمة، كما كانت الطائرة تحمل  ذخائر.

حصلنا على قائمه بالغنائم من عمليه “ورا تورغار”وهي كالتالي:

18 أسير، 19 كلاشنكوف، 1 دبابة سليمة، 2 شاحنة عسكرية، 1 هاون غرناي، 2 زيكوياك ، رشاش ثقيل 14.5 مليمتر،1 شلكا 23 مليمتر، 12 جرينوف خفيف، 1جرينوف ثقيل، 2 مولد كهرباء، مخابرة كبيرة، ذخائر كثيرة جداً لمختلف أصناف الأسلحة في المخازن الرئيسية، وكانت هناك مسجلات وتلفزيونات .

ــ توقف القصف لمدة ساعتين لهذا اليوم أيضًا. فانتهزت الفرصة ونزلت مع حاجي إبراهيم لمقابلة حقاني في مركز القيادة “مركز خليل”، وكان اتفاقنا معه أن أذهب مع حاجي إبراهيم لزيارة تورغار. عند المركز قابلنا صديقنا القديم، المجاهد سابقا والمصور التلفزيوني حاليًا “زكي”، وكان قد زار تورغار وعاد لتوه من هناك. لقد سبقنا إلى هناك كما سبقنا أيضاً صالح إلهامي.. وهو شاب أردني مجاهد ويعمل صحفيًا في مجلة الجهاد في بشاور، وعلمنا أنه زار الجبل بعد فتحه بقليل ولكنه في رحلته خرج قليلاً عن ثغرة الألغام فانفجر به لغم أطار قدمه وأصابه في وجهه ، وقد نقل إلى بشاور للعلاج.

أخذتنا إحدى السيارات المتوجهة إلى مركز” د.نصرت الله” في بوري خيل، كان علينا قطع الرحلة على طريقه “الأوتوستوب” لعدم إمكان توفر سيارة خاصة.

وصلنا مركز” د.نصرت الله” وكانت المنطقة قد قصفت بوحشية خلال اليومين الماضيين. جزء من الرجال فوق تورغار هم من مجاهدي ذلك المركز، فوجدنا سيارة تحمل إليهم إمدادات عبارة عن كيس من الحمص وثلاثه صفائح بترول. ركبت مع إبراهيم في صندوق السيارة ومعنا راكب آخر، وفي المقدمة السائق ومعه رجلان. كان الجميع في عجلة غير عادية قبل أن تدهمنا الطائرات. وما أن بدأ السائق  في الحركه حتى ظهرت في السماء ست طائرات فضية دفعة واحدة، وجميعها متجة نحونا، فيما ظهر لنا.

صاح إبراهيم يعاونه الراكب الآخر بالسائق أن يتوقف على جانب الطريق لأن الطائرات النفاثة قادمة نحونا، لم يسمع السائق ولكن مع الصياح المتواصل والدق العنيف فوق كابينة القيادة توقف السائق وأخرج يده وهو يصرخ بغضب: ماذا تريدون ؟.

وقبل أن يسمع الرد رأي الطائرات فأدخل رأسه وضغط بكل قوته على دواسة البنزين بينما اختلفت آراء السادة الركاب: جزء يصرخ طالبًا التوقف، وجزء آخر يصرخ طالب بالعجلة في الرحيل بأقصي ما يمكن من قوة.

لكن السائق كان قد قرر ـ بوعي أو بدون وعي ـ فقد استمات بقدمه على دواسه البنزين، وتيبست أذراعه على عجلة القيادة مقتحما أهوال الطرق، أولها جدول الماء الرقراق، التي تحول إلى  نافورة ضخمة تلف سيارتنا وخرج منها كتل الحصي المستديرة الكبيرة وصخور مختلفة الأحجام فكان يقتحمها بلا تمييز. ثم سمعنا فرقعة العنقودي فوق رؤوسنا، فأيقنا بالهلاك فانبطحنا ـ المجموعة الخلفيةـ في صندوق السيارة.

وكنا نضحك من شدة اليأس فما معنى أن ينبطح الإنسان في صندوق سيارة مكشوفة بينما أطنان من القنابل العنقودية الصغيرة تهبط نحوه من السماء؟ نطقنا بالشهادتين وقلصنا عضلات أجساما بشده تحسباً لتناثر الأعضاء من جراء الإنفجار، وأغمضنا العيون نصف إغماضة مع الضغط الشديد على الأسنان ـ التي لم ترتعش لحسن الحظ ـ ثم دوت انفجارات العنقودي حولنا، ويا لدهشتنا أن وجدناها تنفجر على الهضاب المرتفعة يمينًا وشمالاً، أما وادينا الضيق المتلوي فلم تسقط فيه واحدة منها!!

وكأن الأمر لم يعجب واحدًا من الطيارين الأشرار فانقض علينا بطائراته، التي خلعت قلوبنا وسيارتنا، وهي تمرق من فوقنا، وتلقي قنبلة ضخمة على هضبة مواجهة لنا. لم نكن قد متنا بعد، ولكن كنا في نصف إغماءة عندما سمعنا انفجارات من كل الأنواع تحيط بنا وبالمراكز حولنا.

ولما تبين لنا أنها ذهبت ـ أي الطائرات ـ بدأت أصواتنا تخرج، فهذا يضحك بهستيريا وذلك يصيح إعجابًا بمهارة السائق ـ الذي هو بطل رغم أنفه ـ حتى وصلنا إلى مركز المدفعية المقابل وكان به قاذف صاروخي كبير وراجمة صواريخ. سألناهم عن الأحوال، فكانت:

” خير خيريّت” فلا إصابات، فحمدنا الله وواصلنا المسير ونحن نضحك على تصرفاتنا العاجزة والحمقاء وقت الغارة، أي وقت مصافحة الموت عن قرب. انحرفنا مع الطريق جهة الشرق ومررنا من أمام قلعه بوري خيل المدمرة ـ والتي دمرها المجاهدون بعد فتحها عام 1980 تقريبًا.

في الطريق أقام المجاهدون مركزاً لصناعة الخبز لتزويد مجاهدي تورغار وما حوله. وكان المركز على المدق الضيق من طرف جبل زرمانكي المجاور لتورغار وأمامه ساحة واسعة بها شجيرات برية وقد بثت الألغام في تلك الساحة، خاصة تحت الشجيرات التي يمكن الاحتماء تحتها من حرارة الشمس، وهي ألغام وضعتها القوات الحكومية للحد من حرية حركة المجاهدين في المنطقة المواجهة لتورغار، والتي يصعب مراقبة معظمها من فوق الجبل بسبب الشجيرات الكثيرة وبسبب زوايا الرؤية التي لا تتيح المرقبة الجيدة من فوق الجبل.

على يمين المدق في منحدر صغير هناك قبر الشهيد السعودي أبو الدرداء. نرلنا من السيارة التي إنتهت مهمتها عند ذلك الموضع. وواصلت سيري مع حاجي إبراهيم وبرفقتنا شابين صغيري السن في طريقهما إلى مركز للمجاهدين في طرف تورغار من جهة الغرب.

كان المغرب قد اقترب ومن الأفضل لنا الإسراع بالوصول إلى مراكز المجاهدين حتى لا نضل الطريق في الليل فتضربنا الألغام، أو نقع فريسة الغارات الجوية المفاجئة. وصلنا مركز المجاهدين وكان على نفس استقامة مركز أبو الحارث الذي يبعد عنه حوالي مئتي متر من جهة الشمال القريبة من مدخل الوادي الكبير. كان الجو باردًا والمغارة مزدحمة فجلسنا في طرفها وكان علينا أن نقضي الليل هنا فلا أحد يصعد الجبل ليلاً. أحد المجاهدين عندما علم أنني عربي، غضب بشدة وقال: لماذا لا يذهب إلى مركز العرب؟ لا تقدموا له شيء بروبية واحدة.

لم يترجم لي حاجي إبراهيم ما يقوله الرجل، ولم أخبره أنني فهمت ما يعنيه، وسكت كلانا على مضض. ولكن باقي المجاهدين كانوا أكثر كرمًا فقدموا لنا الطعام والمأوى حتى الصباح.

لم تكن تلك هي المرة الأولي التي أجد فيها ناقمين على العرب من بين المجاهدين، فقد لمست تلك الظاهرة منذ عام 1986. وكان المسئول عنها هو العرب أنفسهم خاصة الشباب السلفي الوهابي من السعودية ومصر وغيرها. وكان ذلك الطابع الأغلب للشباب في الجبهات فحدثت بينهم وبين الأفغان “صدامات عقائدية” الذين لم يكونواغير شعب من “القبوريين الأحناف المشركين” في نظر هؤلاء الشباب، فهم لايرون صورة للإسلام السمح و “العقيدة الصحيحة” إلا في أنفسهم وفي الطريقة السلفية الوهابية.

نمنا في الثامنة والنصف واستيقظنا في الخامسة والنصف لصلاة الفجر. ومع الشروق بدأت الطائرات تدك بعنف. وكنا في المغارة لا ندري أين تضرب، ولكن هناك غارات فوق الجبل، وهذا لا يمكن الخطأ فيه لأننا في نفس الجبل لكن عند التحامه بالأرض من جهة الغرب.

وتواجهنا بداية جبل زمانكي الذي كان حتى العام الماضي يشكل جناحاً غربياً لمساندة تورغار حتي إقتحمه المجاهدون بالقوة. قال زملاؤنا في الغار بأن خمسة جنود وصلوا عند الفجر، ومعهم RPG ومسلحين وقد قتلوا ضابطهم وفروا إلى المجاهدين.

وقالوا بأن المجاهدين طلبوا أن ننتظر حتى تأتي البغال لتحميلها بالمواد إلى تورغار ونذهب معها. خشينا التأخير خاصة وأن موضوع البغال غير مؤكد حيث أنها لم تحضر بعد من مكان بعيد كي تمارس عملها الجديد لأول مرة. لذا فضلنا أن نتحرك مع مجموعة من الشباب الذاهبين إلى ظَهر الجبل. تحرك بنا ركب من عشرة شباب أقوياء في حركة سريعة نحو الجبل كنت مع إبراهيم قرب المقدمة وبعد دقائق صرنا في وسط الركب ثم خمس دقائق أخرى صرنا في آخر المجموعة، ثم خمس دقائق ثالثه وجدنا أنفسنا منفردين وقد اختفى الركب النشيط.

لقد اكتشف إبراهيم أنه مصاب بنزلة برد واكتشفت أن جسدي كله يؤلمني، و قدمي في حذائها الجديد الذي ضغط علي أحد أعصاب القدم اليمني صار كأنه مسمار مغروز في رأسي فكنت أعرج في المسير.

كنا حريصين على السير في المدق الظاهر لنا، وقادنا إلى ساحة واسعة كثيفة الشجر نوعًا ما وتقع أسفل القمة العليا في الجبل التي هي أقوى النقاط سابقاً عند العدو والتي إلى شرقها الدبابة الشهيرة، والتي استشهد صديقي عبد الرحمن تحتها بعدة أمتار.

إلى هنا ضاعت معالم الطريق، استطعنا أن نشاهد عدة حفر هائلة أحدثتها صواريخ سكود، وحفر كثيرة من قنابل الطائرات، وآثار حرائق في الأشجار التي تغطي سفوح الجبل والوادي البري المواجه له والذي يشبه مناطق السافانا الفقيرة في أفريقيا.ولا تنقصه إلا بعض الأسود

والنمور والبقر الوحشي. ولكن الألغام منعت كل صور الحياة في المنطقة، ويمكن ملاحظة هياكل عظمية لحيوانات إنفجرت بها ألغام هنا وهناك. إنها ساحة مخيفة للموت الرابض تحت التراب، قليلون جداً هم من يعرفون مسالكها المأمونة التي هي نادرة جداً على أية حال.

ولو كنت أعلم الغيب لعلمت أنه بعد عام تقريبًا سأقوم مع أبو الحارث وعدد من شباب معسكره بشق طريق في وسط تلك الأحراش لنربط به منطقه بوري خيل بمنطقه “دروازجي” ليصبح مرور السيارات ممكناً لأول مرة في تاريخ تلك المنطقه، وقد انعكس تأثير ذلك على مجرى المعارك النهائية لفتح خوست كما لم نكن نتصور حدوثه نحن ولا غيرنا ممن أعجبه إنجاز تلك المجازفة المُلَغَّمَة.

كنت وحاجي إبراهيم في ورطة خطيرة، وحلها الوحيد هو أن نعود أدراجنا. وحتى ذلك ليس بالحل الأمثل والطائرات تقصف كل مكان بما فيه المركز الذي جثنا منه منذ قليل، وهي إذاً لاحظت تحركنا علة المدق فسوف تقصفنا وتقصفه كما تفعل دوماً مع طرق المجاهدين. كنا نرى عدد من المجاهدين يتحركون على سفح الجبل صعوداً نحو القمة. اقترحت عليه أن ينادي عليهم كي يرشدونا إلى المدخل الصحيح  للمدق الصاعد إلى الجبل، أو أن ننتظر حتى يمر بنا فوج آخر، الله أعلم متى يمر، وكيف نجلس والمنطقه على رأس مهام طائرات العدو وصواريخه؟

شاهدنا مواقع لهاونات ومدافع عديمة الارتداد وصواريخ كاتيوشا وحتى أن بعض القذائف جاهزة للاستخدام ثم تركت كما هي. يظهر أننا قريبون من موقع تم استخدمه مؤخراً لضرب العدو فوق الجبل. تقدمنا نحوه وتفحصناه ونحن نحاول إحصاء نوع وعدد الأسلحة التي كانت موجودة والأهداف التي كانت تتعامل معها.

جازفنا بالتقدم أكثر مع أخذ ما يمكن من الاحتياطات حتى عثرنا على ما يمكن تخيل أنه المدق المطلوب. واصلنا السير البطيء وبحذر شديد وما أن صعدنا قليلاً في الجبل حتى كان الطريق كله صخوراً صلدة لا تصلح إلا لنصب الألغام السلكية للإعثار. أراحنا ذلك نسبياً فالرؤية جيدة، والحاج إبراهيم نظره حاد، وإن كنت أنا لست كذلك ولكن ثقتي به كافية بما يجعلني أتبع أقدامه بإطمئنان وبعد التدقيق الممكن.

في أكثر من منطقة كان الصعود شبه رأسي بحيث يتحتم استخدام الأيدي مع الأرجل في التسلق، تقطعت أنفاسنا عدة مرات فجلسنا للاستراحة، كما اعترضتنا عدة غارات كانت تقصف الجبل سواء السفح أو القمة، فجلسنا أو تمددنا للإستراحة.

سقطت قنابل قريباً منا فأردنا الانبطاح فما كان علينا سوى أن نميل فقط عدة درجات فنلتصق تماماً بالأرض التي هي جدار صخري في الجبل القائم بتحدي. وصلنا بصعوبة إلى أعلى النتوء الأسود البارز على سطح الجبل ..أخيراً.. هذا هو تورغارالذي كنا نحلم به منذ سنوات طويلة!! كم سهرنا لأجله الليالي الطوال، ووضعنا الخطط ، وبنينا الأحلام. واستشهد عبد الرحمن وهو يسعى لتحقيق واحد من أكثر أحلامنا طموحاً.

ولكنه فُتِحَ أخيراً بدوننا، لقد افتتحه حقاني ورجاله منفردين، مع بعض العرب كأفراد عاديين في الهجوم، ولم يكن لهم دورهم الخاص أو مهامهم المحددة المنوطة بهم. كنت أشعر بالأسف لذلك، وأشعر بالتقصير أنني لم أشارك شخصيًا ولو على ذلك المستوي المحدود. لم أشارك أنا ولا أي من أصدقاء عبد الرحمن المقربين. لا شك أن كثيرًا من الإحساس بالمسئولية ينقصنا.

صعدنا إلي مسئول الموقع وهو جاكران “رائد” فهيم، وهو عسكري سابق فيه سمات الصلابة والإستقامة، ويبدو أنه من النوع الذي ينفذ بحزم الأوامر التي يتلقاها من قيادته العليا. في حديث قصير معه حول الأوضاع في الجبل ونتائج قصف الطائرات عليهم قال إنهم في وضع قوي وأن كل تلك الغارات لم تصب واحداً من رجاله بجرح، وفي ظني أنه لايمكن لمن لم يعايش الحرب الأفغانية أن يصدق هذا الكلام، فالذي يرى تلك الغارات من بُعد يستطيع أن يجزم بإطمئنان أنه لم يتبق أحياء فوق ذلك الجبل.

من الطريف أنني وحاجي أبراهيم وإخواننا في العمليات ضد المطار تعرضنا بعد ذلك لمثل ذلك الموقف في جبل قريب وكان إخواننا من عرب وأفغان يجزمون أن الطيران قد قضى علينا، وكان يصيبهم من الدهشه لبقائنا أحياء ما يصيبنا الآن أمام “جاكران فهيم” وهو  يقول أنه لاخسائر لديه في الأفراد، حتى ولا جريح واحد.

التقطت بعض الصور لقائد الموقع وهو يمسك بيده جهاز اللاسلكي الصغير. وأخذت صوراً كثيرة لخوست ومناطق المجاهدين كما تظهر من فوق تورغار، وكنت في حالة من الدهشة والذهول ولا أكاد أن أصدق أنني فعلاً فوق ظهر تورغار الرهيب، أو أنه أصبح جبلاً صديقاً وليس كابوساً قاتلاً.

جلسنا مع فهيم حتى توقفت الغارات الجوية على الجبل، فلم أكن أرغب أن أكون وزميلي حاجي ابراهيم أول شهداء القصف الجوي على جبل تورغار. وأعطانا الرجل بكل ترحاب إذناً بالتجول فوق الجبل كما نشاء مع الاحتراس عند عبور مناطق إجبارية ولكنها مكشوفة للعدو في الوادي وقد سلط عليها عدد من فوهات الدبابات ونصحنا إما بالزحف أو بالعدو السريع أو كليهما.

قابلنا مجموعات المجاهدين المتناثرة هنا وهناك. وكان قريباً منا مجموعة من جماعة أبو الحارث قد تمركزت فوق النتؤ الأعلي بالقمة، كما تمركز آخرون منهم في تورغار الصغير.

من الآن فلاحقاً وحتى الفتح كان لتلك الجماعة ارتباط حميم مع ذلك الجبل وأدوا دوراً لا ينكر في المحافظة عليه وفي استخدام بعض الأسلحة من فوقه بما سبب خسائر ملموسة للعدو.

ومازال أبو الحارث حتى الآن لا يعشق مكاناً على ظهر المعمورة مثلما يخفق قلبه لهذا الجبل، ولم أر مثل تلك الحالة في حياتي أن يعشق رجلاً جبلاً ويحبه كأنهما توأمان.

ورغم أنني لحظة كتابة هذا الجزء أستطيع أن أرى تورغار من منزلي في خوست تحت هضبة متون المجيدة، إلا أنني لا أزعم أنني أحببت هذا الجبل يوماً ما، ولكنني احترمه بكل تأكيد، ولا تبارح مخيلتي صورة عبد الرحمن وهو مدرج بدمه قريباً من قمته.

ومع الدور الهام الذي قام به أبو الحارث ومجموعته فوق الجبل إلا أنه كان أقل كثيراً مما كنت أتصور . دخلت مع إبراهيم الحصن الأكبر الذي أنشأه العدو على الحافة العليا جهة الغرب، وهو عبارة عن دشمة بدائية لكنها قوية جداً، مسقوفة بجذوع أشجار ضخمة وفوقها صخور وتراب تجعلها تصد أي قذائف ثقيلة لدى المجاهدين. كان يمكن لتلك التحصينات أن تظل عقبة دائمة لولا دبابة خليل الرائعة وخليل نفسه، الذي كنا نقول عنه أنا وأبو الحارث: “لايفل الحديد إلا خليل”، وإن كان علي صعيد التعاون في عمل الجبهة كنا نعتقد أن خليل يتعمد ألا يجيب لنا طلباً، ولم نقصده مرة في مركزه “مركز خليل” لطلب شيء عندما يكون أخيه الأكبر”الشيخ حقاني”غير موجود ، إلا جابهنا بالرفض قائلاً : “نشته”. حتى أطلقنا تلك الكلمة على المركز نفسه، وذلك كان بيني وبين أبو الحارث فقط.

ورغم قوة تلك التحصينات إلا أنها غير مريحة بالمرة، وأي إنسان عادي لا يطيق الجلوس بها أكثر من دقائق . ويبدو أنه من شدة حصار المجاهدين فإن العدو اتخذ نفس التحصينات كدورات مياه لقضاء حاجة الجنود، فكانت جانبي التحصين من الداخل وهو مفتوح من طرفين عبارة عن صورة من حواري ميرانشاه حيث تراصت، بلا فواصل تقريباً  أكداس الغائط المنتن، أما البول فقد جعل الأرض رطبة ذات رائحة كريهة نفاذه .وأما الذباب اللزج فقد غطى كل شيء.

لم نطق البقاء طويلاً وغادرنا المكان بسرعة. وبشكل عام فإن كل مواقع الشيوعيين سواء العسكرية أو المدنية كان ذات رائحة منتنة ومنظر قبيح يقبض الصدر، وغير صالحة للمعيشة أو الاستخدام، وكان ذلك أشد في المواقع الجبلية من خنادق وتحصينات حيث لا يمكن لأي حشرة أن تطيق البقاء فيها لدقائق. ولم يستخدم المجاهدون أيا من تحصينات العدو أو خنادقه واستحدثوا لأنفسهم ملاجئ جديدة في زوايا مختلفة.

سرنا في الخنادق الإرتباطية المواجهة للمجاهدين في الجنوب، وكنا نراقبها باهتمام في السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى موقع الدبابة العتيدة التي استشهد عبد الرحمن أسفل منها بعدة أمتار، كان المجاهدون قد استطاعوا إتلافها قبل عملية الهجوم، ولكنهم يعملون الآن على إصلاحها.

في الخندق الإرتباطي أثناء عودتنا حبستنا عدة مرات غارات قوية بالطيران ولكن كل القنابل سقطت أمامنا أو خلفنا. ومع العمق الكبير للجبل المتعامد كان التأثير منعدماً لتلك القنابل، لكننا إضطررنا للجلوس داخل الخندق الإرتباطي الضيق ، فلاحظت على جداره في مقابلتي قطع صغيرة جداً من ثياب متفحمة وكان الجدار كله أسود فاحم، والثياب ملونة وليست عسكرية فسألت عن هويتها، فقالوا إنها بقايا مجاهد سقطت عليه في الخندق قذيفة مباشرة من قنابل الدبابات، فلم يتبقى منه شيء غير هذا الذي تراه.

من الأكيد أن ما نجلس فوقه وأمامه الآن في ذلك الخندق الضيق هي بقايا مجاهد تبخر بفعل قذيفه مباشرة. أما الذي لا أستوعبه أنها قذيفة دبابة كما يقولون فذلك غير ممكن بالنسبة لزواية رماية الدبابة والأرجح أنها قذيفة هاون، فهو الوحيد الذي يمكنه إسقاط قذيفتة بمثل تلك الزاوية الحادة، ولاشك أنه هاون ثقيل”غرناني”، الموجود بكثره عند العدو.

كان حاجي إبراهيم متعجلاً في العودة، والطائرات لا تكاد تتوقف عن القصف.التقطت أكثر من مئه صورة فوق الجبل، وفي طريق العودة ودعتنا الطائرات بمثل ما استقبلتنا من حفاوة وتكريم.

في العودة عثرنا على بعض عظام بشرية منها جمجمة اخترقتها رصاصة من الخلف، تصورت أنها عملية إعدام تمت فوق الجبل لأحد الجنود عندما حاول الفرار، ثم رموا جثته من فوق الجرف، وتولت السباع تمزيق الجثة وتوزيعها هنا وهناك. ما أتعس أن يساق إنسان تحت تهديد السلاح كي يقاتل عكس قناعاته ضد شعبه ودينه.

أحد الأماكن التي جلسنا فيها للاستراحة على المدق أثناء الصعود أصيب بقذيفة مباشرة من الطائرة. لاشك أن التوقيت شيء مهم في الحرب، لقد وصلت القذيفة إلى المكان الصحيح لكن في وقت متأخر قليلاً عن موعد تواجدنا فيه. في الطريق كان هناك فريق من المجاهدين والجنود منهمكين بهمة في إصلاح الطريق وتمهيدها لتسهيل حركة سيارات المجاهدين.

كنت معجباً دوماً بالحاسة الهندسية لحقاني، ولاشك عندي أنه لن يضيع وقتا في مد طريق إلى رأس تورغار، وأن يصبح “الطريق الدائري” حقيقة واقعة، وهو طريق تخيلت أنه يصعد من غرب تورغار ويهبط في جانبه الشرقي، رابطاً بذلك دروازجي مع بوري خيل، ورابطاً كلاهما مع تورغار فيكون الثلاثة حلقة دفاعية لايمكن للجيش الحكومي اختراقها، بل يكونون قاعدة اندفاعية لعمل هجومي كبير يحمل المجاهدين إلى هضبه متون.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (28 )

 




الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة  الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م .

31-12-2020

 

الإمارة الإسلامية :

لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟.

 

– الإمارة مطلب وجودي لشعب أفغانستان، وأهمية استراتيجية لدول الجوار، وضرورة إنقاذ للأمة الإسلامية.

– تضع الإمارة اقتصاد البلاد فى خدمة مواطنيها. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تفعل ما تشاء في أمورهم، بدون رضاهم ولا اختيارهم.

– بالإمكانات الاقتصادية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان واقتصاد قائم على زراعة قوية تحقق الاكتفاء الذاتي للمواطنين، وصناعة تلبي احتياجات البناء لدولة حديثة.

–  بالمشاريع المشتركة مع دول الجوار والمنطقة، وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية، فإن إجراءات الحصار والعقوبات لن تجدي نفعًا.

– الشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. والقادة العملاء المغامرون مصيرهم الفناء، مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

ضاقت صدور الأمريكان كثيراً باسم “الإمارة الإسلامية” وطالبوا بتغييره قبل البداية فى مفاوضات الجلاء، المعروفة خطأ “بمفاوضات السلام”، وطالبوا مع أصدقاء لهم أن تُغَيِّرالإمارة اسمها، بحجة أن ما يسمى بالمجتمع الدولي لا يروق له اسم”الإمارة الإسلامية”وأن لقب جمهورية ملائم أكثر، لأنه يجعل الاندماج بين مجاهدي الإمارة الإسلامية وبين مرتدي ومنافقي نظام كابول أكثر سلاسة، ضمن دولة عصرية يرضى عنها المجتمع الدولي، أي أمريكا. فتعيش أفغانستان بلا مقاطعة اقتصادية، أوعقوبات اقتصادية ومنع من السفر، أو مطالبات قضائية بتعويضات عن حوادث إرهابية لا دخل للإمارة بها، أو دواعش يضربون الاستقرار الداخلي.

– يمكن أن تسمح أمريكا بوجود كلمة الإسلام ضمن اسم الجمهورية ، كبديل عن تطبيق الشريعة . فهكذا فعلت مع العديد من الدول التي أصبحت إسلامية بأسهل السبل وبدون أن يغضب منها لا المجتمع الدولي ولا أمريكا ولا “ناتو”، ولا دول”إسلامية” صديقة أو شقيقة .

– المشكلة ليست في صفة ” إسلامي” بل فى حقيقة التطبيق الإسلامى، وإعادة الحياة إلى قوانين الإسلام في المجتمع بكافة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية . بمعنى أن تضع الإمارة اقتصاد البلاد في خدمة مواطنيها، وخدمة المؤسسات  التي تحمي المجتمع وتقوم بتطويره. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تغتصب المال وتستبد بالسلطة، تفعل ما تشاء في أمور المسلمين بدون رضاهم ولا اختيارهم.

ومعلوم أن الاقتصاد هو السلاح الأكثر فعالية في يد المستعمرين لإخضاع الدول والسيطرة عليها. حتى أن الحرب هي في الغالب مجرد وسيلة للسيطرة على اقتصاد الخصوم واستخدامه في كسر إرادتهم وفرض أي شيء عليهم، حتى ولو ضد معتقداتهم ومواريثهم الاجتماعية.

– بعد تجربة الاحتلال المريرة يدرك شعب أفغانستان معنى سيطرة العدو على اقتصاد البلد وثرواته. وشراء طبقة من الفاسدين يساندونه في إحكام قبضته على البلاد والعباد في مقابل رشاوى مالية ومناصب فارغة، حيث أن السلطة الحقيقية كلها في يد المحتلين.

 فيحتكر العدو ثروة البلاد، ويرمي بالفتات للخونة المتعاونين معه. ويتبقى للشعب العَوَز والفقر الذي هو توأم الكفر ومنشأ كل رذيلة. لهذا فإن إفقار الشعوب هو هدف يسعى إليه المحتل كما يسعى إليه الحاكم المستبد، لإفساد الشعب وتدمير الأخلاق لتسهل السيطرة عليه، وتحريك من يشاء كيفما يشاء، مستغلا حاجة الفقير إلى أبسط ضرورات الحياة. هذا بينما تحتكر قلة من الناس معظم الثروات، ويستأثرون بسلطة الحكم ومؤسساته الإدارية والمسلحة.

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لشعب أفغانستان :

   إن عودة الإسلام الحقيقي إلى الحكم في أفغانستان هو ضرورة حياة وضرورة بقاء لشعب أفغانستان حاضراً ومستقبلاً. لإنقاذه مما يعانيه على يد الاحتلال وأعوانه، وإنقاذ الأجيال القادمة من أهوال النشأة في ظلمات الحرب على الدين التي تشنها جيوش الكفر.

شعور الشعب الأفغاني بحاجته إلى الإمارة الإسلامية وحكمها العادل كان حافزًا للوقوف خلفها كقيادة للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي. وذلك هو العنصر المادي الحاسم في موضوع الانتصار، قبل أي عنصر آخر من مستلزمات الجهاد وتجهيزاته ووسائله. فالحرب عموما هي نشاط اجتماعي تكسبه الشعوب قبل أن تكسبه الجيوش. والمجتمع المنتصر هو الشعب صاحب العقيدة الذي يمتلك قيادة لها مميزات الإيمان والكفاءة والإخلاص.

– إعادة “الإمارة الإسلامية”، هو هدف لجهاد الشعب الأفغاني، وضرورة وجود لهذا الشعب . وهي جائزة الإخلاص لهذا الجهاد. ولن تتوقف على رضا أو موافقة أي طرف ـ خاصة الطرف المعتدي ـ الذي يريد أن يفرض على الأفغان الطريقة التي يستمر بها في السيطرة عليهم بعد رحيل جيوشه وبقاء عملائه في مواقعهم.

 

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لدول الجوار الإقليمي:

أعلنت الإمارة الإسلامية عن خطتها في السياسة الخارجية، سواء لدول الجوار أو دول العالم . وأنها ترغب في علاقات متكافئة وسلمية، وتبادل للمصالح بشكل عادل الجميع.

وتشكل العلاقة مع الدول المجاورة لأفغانستان أولوية خاصة، نظرًا للترابط الشديد في التركيبات العرقية والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة التي تحتاج إلى تعامل متوازن وعادل طبقا للمبادئ الشريعة الإسلامية، حيث جميع جيران أفغانستان هم من المسلمين. وحتى الصين الشعبية التي لا تدين بالإسلام فإن الجار الملاصق منها لأفغانستان هم المسلمين الإيغور الذين تقتضي مصالحهم ومستقبلهم تعاوناً مرناً وبعيد النظر بين البلدين. ينطبق نفس القول على مسلمي روسيا الاتحادية والهند فعلاقات أفغانستان مع تلك الدول إذا كانت قائمة على أسس صحيحة فإن مسلمي المنطقة جميعا سوف تعاد صياغة علاقاتهم بدولهم، ليعود المسلمون مرة أخرى ليمثلوا ضمير آسيا وأنشط عناصرها العلمية والثقافية والاقتصادية، بعد أن يتحرروا من الصورة البشعة الذي حصرهم فيها العدو الأمريكي الإسرائيلي بتصوير الإسلام على أنه خطر على الإنسانية وليس منقذا لها، ويصور المسلمين وكأنهم سفاكوا دماء وليسوا دعاة لرسالة دينية مقدسة جاءت لخير البشر جميعا وسعادتهم.

    وبقدر قوة الإمارة الإسلامية ونهضتها داخليا، ومع نشاط علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة في مجالات الاقتصاد، فسوف ينعكس ذلك إيجابيا على أوضاع مسلمي المنطقة، فيندمج الكثير منهم في العلاقات التي تربط الإمارة بأوطانهم، خاصة في مجالات التبادل الاقتصادي، بما يتيح لهم فرصة للحركة الواسعة والتفاعل الثقافي والديني مع الإمارة .

    علاقة الإمارة مع الجوار ستكون ضمانة لتنمية اقتصادية وإعادة الإعمارعلى أسس التكافؤ والتعامل الاقتصادي العادل، بعيدا عن الاستغلال والنهب الاستعماري الغربي، وطريقاً لخلق سوق إقليمي كبير يستغني عن عملة الدولار التي أذل الأمريكيون بها العالم، وبعيداً عن قنوات البنوك الدولية الربوية التي سيطر بها اليهود على شعوب العالم. سوق قائم على التعامل بالعملات المحلية، أو بعملة موحدة مستقبلا، مع اعتماد مبدأ مقايضة السلع بدون استخدام العملات، وهو نظام قائم حاليا بشكل جزئي بين بعض الدول الهامة في المنطقة.

بثرواتها الطبيعية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان من جديد، وتبني اقتصادا قائما على زراعة تحقق الاكتفاء الذاتي لاحتياجات المواطنين، وصناعة تلبي احتياجات بناء دولة حديثة ومتطورة. وبالمشاريع المشتركة مع دول المنطقة وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية فإن إجراءات الحصار والعقوبات ضد الإمارة لن تجدي نفعا.

إن علاقة أفغانستان مع دول الجوار لها أهمية استراتيجية لجميع شعوب المنطقة، لتنميتها واستقرارها بعيدًا عن النزاعات الداخلية أو التدخلات الاستعمارية الخارجية.

وفي المستقبل قد تتوصل دول المنطقة إلى إنشاء مؤسسات تشرف على الشؤون العامة المتعلقة بالاقتصاد والنزاعات والمشكلات المستجدة ، كبديل عن المؤسسات الدولية الحالية التي أثبتت فشلها على الدوام وتحوّلها إلى أداة في يد أمريكا بشكل خاص والدول الاستعمارية عامة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

” الإمارة الإسلامية” ضرورة للعالم الإسلامي:

لا يقل احتياج العالم الإسلامي عن احتياج شعب أفغانستان لقيام”الإمارة الإسلامية”. فحالة تراجع المسلمين شاملة، سواء الحالة الدينية أو الأحوال السياسية والمعيشية. وتقترب معنويات شباب المسلمين من اليأس الناتج عن حالة الانهيار.

عودة الإمارة وإعادة حكم الإسلام إلى أفغانستان يمثل انبعاثا حقيقيا للأمل في الشرايين المتيبسة للأمة الإسلامية. فعودة الإمارة لن تكون عادية، بل تأتي بعد حرب طاحنة ومتصلة، كانت هي الأقسى في الحروب الجهادية جميعا، والحرب الأطول في تاريخ المستعمر الأمريكي.

– { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  } ـ 16 سورة البقرة  ـ

لم يكن من السهل القتال ضد الاحتلال الأمريكي وحلف الناتو، بكل ما معهم من أسلحة لم يسبق استخدمها في أي حرب، وكانت مهيأة في الأصل لحرب عالمية ضد قوى عظمى وليس دولة صغيرة ضعيفة تداولت عليها حروب المستعمرين.

خسائر الحرب على الجانب الشعبي كانت مهولة وأضعاف ما كانت عليه خلال الحرب ضد السوفييت. ولكن المستعمر الأمريكي تكتم على جميع المعلومات المتعلقة بالحرب، وأطلق الأكاذيب، خاصة ما يتعلق بخسائره العسكرية، وأعداد الأهالي الذين قتلهم.

ولكن على الجانب الآخر كان في تلك الحرب خيرعظيم يصعب حصره، كما يستحيل الحصول عليه في غير تلك التجربة القاسية. فنيران الحرب صهرت معادن الرجال فصنعت جيلا من الشباب والرجال ـ يمكن القول بكل اطمئنان ـ أنه لا نظير لهم في عالم اليوم وليس العالم الإسلامى فقط . فمعظم هؤلاء ـ من جنود الله على الأرض ـ لا يعرف أكثر الناس أسماءهم ولا صورهم . فعلاقتهم مع الله مباشرة، من مواقعهم تحت ظلال السيوف، وسط نيران الحرب ضد أقوى جيوش الأرض التي لم يسبق للشيطان أن امتلك مثلها في أي زمان.

لهذا فهزيمة أمريكا وإسرائيل والناتو في أفغانستان هي بداية الانهيار الفعلي لمملكة الشيطان على الأرض. وبداية حقيقية ليقظة المسلمين، وانبعاث الأمل في النفوس المحطمة لكل البشر المستعبدين، أيا كانوا، في أي أرض ومن أي دين.

– مآزق صعبة لا يوجد غير الإمارة لديه القدرة على العبور بالأمة الإسلامية منها . أوِّلُها كما ذكرنا أزمة اليأس، وفقدان الثقة في النفس، وابتعاد الشباب عن الدين .

– الأزمة الثانية هى تمزيق الأمة في صراع الإبادة بين المذاهب الإسلامية، وتقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متصارعة. فيسارع بعضهم لتقديم الولاء للكافرين مستقويا بهم على باقي المسلمين، سعيًا منه للتشبث بأذيال السلطة مستعينًا بقوة الكافرين وسلطانهم.

من هذا المدخل استولى الأعداء على الكثير من أراضي الأمة وثرواتها . بل وسرقوا شبابها واستولوا على عقولهم وضمائرهم. واستفاد العدو من إمكانات المسلمين لتدمير المسلمين أنفسهم حاضراً ومستقبلاً .

– من أسباب نجاح الإمارة الإسلامية في جهادها ضد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي هو تفاديها محاولات توريطها في قتال داخلي، سواء مذهبي أو عرقي، فيحولها ذلك إلى واحدة من حركات الفتنة التي انتشرت في العالم الإسلامى لتدمير الأمة واستنزاف طاقتها داخليا، وتصرفها عن قتال العدو، فجَعْل هؤلاء المنحرفون من الفتنة منهجاً مقدساً وهدفاً لدين اخترعوه لأنفسهم . الدواعش من هؤلاء، إلى جانب أمثالهم من خريجي نفس المدرسة التخربية المنحرفة.

– بعد الاحتلال الأمريكي لم يتحارب السنة والشيعة في أفغانستان، بل قاتلوا جنباً إلى جنب تحت الراية المنتصرة للإمارة الإسلامية. إسرائيل وحلفاؤها اعتبروا ذلك عملا عدائيا يهدد احتلال اليهود لفلسطين ، فبقاء اليهود وتمدد سلطانهم على بلاد المسلين قائم على توسيع رقعة الفتنة الدامية بين السنة والشيعة، وإزكاء كل ما هو ممكن من الفتن العرقية والدينية والمذهبية.

– يرى البعض أن أفغانستان في ظل الاحتلال الأمريكي باتت مهددة بحركات انفصال عرقية ومذهبية يدعمها اليهود وأعضاء بارزون في حلف الناتو، بعضهم للأسف من المسلمين. ولكن تنامى قوة الإمارة على أرض أفغانستان، ورجاحة موقفها السياسي، جعل مشاريع الانفصال قائمة على غير أساس، ولا تحظى بدعم إقليمى سوى دعم متردد قادم من الهند يمكن وقفه بوسائل سياسية غالبا. ناهيك أن الأساسات العسكرية للانفصال  قائمة على قوات الاحتلال، وبالتالي سوف تنتهي تلك الأحلام بسرعة. فالشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. أما القادة العملاء المغامرون فمصيرهم الفناء مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال.

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 27

جلال الدين حقاني مجلة الصمود الإسلامية || السنة الخامسة عشرة - العدد ١٧٨ | ربيع الثاني ١٤٤٢ ھ - نوفمبر ٢٠٢٠م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( ١٧٨ ) | ربيع الثاني 1442ھ – نوفمبر 2020 م .

30-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (27)

– من ضمن أسرى تورغار ضابط سِكّير يكرهه الجميع . وجندى فصيح يقول أن الضباط لم يخبروه أن المجاهدين طيبون .

–  “على جول” الضخم الأسطورى لا يخشى فى الجبهة سوى من الألغام . أحبه العرب وكرهه ضباط العدو فى الخط الأول ، وأحدث إستشهاده صدمة.

–  البدو يتألقون ويستولون على جبل “ورا تورغار” يقودهم البطلان “جولاب” و”أورانج”.

–  حقانى يغادر مركز القيادة فى منتصف الليل. والغرفة الضيقة فوق الجبل إمتلأت بمجاهدين مترامين كيفما اتفق.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

الأحد 18 فبراير 90 :

يوم مُشرِق بدأت فيه غارات الطيران مبكراً فعمل الطيران بعنف بالغ، ولم تكد الطائرات تتوقف عن قصف تورغار بشكل مستمر.

فى مركز خليل عقد حقاني إجتماعاً مع قادة الميدان لمناقشة معارك تورغار والتخطيط لمعركه (ورا تورغار) القادمه.

ثم وصلت أفواج الأسري، وكانت دفعة كبيرة من الجنود وبعض الضباط تم أسرهم فوق الجبل، كان من بينهم ضابط في حوالي الثانية والعشرين، قوي البنية مثل بغل إسترالي، ذو ملامح غليظه بليدة.

وكان موضع إزدراء وكراهية الجنود، والضباط القليلون الذين أسروا معه. كان من منطقة جاجى ومن قبائل منجل، ويظهر أنه كان الحزبي الوحيد فى المجموعة. إشتكى الجنود أنه كان يحتسى الخمر كثيراً و يعاملهم بقسوة. وإعترف هو بأنه تلقى تدريبيه في الإتحاد السوفيتى، لم تكن الجلسة للمحاكمة ،لذا لم يقتل ذلك الضابط رغم الكراهية التى أحاطت به من كل جانب.

لكن جندياً أحمقاً أثار ضحك الجميع فخفف المخاطر عن الضابط الكريه. كان الجندي مشهوراً بين زملائه ببساطته المتناهية لذا كانوا يضحكون كلما بدأ الكلام.وكان يقف أمام حقاني مشدود القامة بأكثر مما ينبغي لدرجة أنه كان مقوساً إلي الخلف بشكل يدعو للسخرية، كانت يداه في خشونة لحاء شجرة معمرة.

ومن وقفته العسكرية المضحكة كان يجيب علي أسئلة حقاني الذى سأله متحبباً إليه:

أيهما أفضل المجاهدين أم حكومة كابل؟. فأجاب ذلك الفلاح الفصيح بعكس ما كان متوقعاً، أى الإجابة التى يجيب بها الجنود عادة عندما يقعون في الأسر بأن “المجاهدين أفضل بالطبع” وبدلاً عن ذلك أجاب الجندى المقوس: كلاهما جيد يا سيدي العالم.

فأجابه حقاني مندهشاً: كيف أن كلاهما جيد ؟.

فأجاب الجندى: لأنهم مسلمون ومن الأفغان ياسيدى!.

فضحك الجميع بما فيهم حقاني، الذي لقنه درساً طويلاً بدأه بقوله:

كيف تقول ذلك أيها الأحمق ألا تعلم أن حكومة كابل شيوعية.. إلخ.

كان الجندى مرتبكاً والجميع يضحكون من حوله حتى زملائه، وفى الأخير إعتذر عن غلطته وألقى باللائمة على ضباط وحدته الذين كانوا يلقنونه أشياء مخالفة لذلك.

لم يمكث هؤلاء الجنود في الأسر طويلاً وأخذ كل منهم مئتى روبية باكستانية لإعانته على العودة إلى قريته، أما الضباط فلم أسمع عنهم بعد ذلك.

كان هناك فارون من الجنود فى(ورا تورغار) وكان عددهم حوالى الأربعين، حملوا معهم

3 كلاشنكوف، وعدد 2 قاذف صاروخى RPG وعدد 2 جرينوف.

أجريت أحاديث مطولة مع الفارين والأسري، وكان أفضل من أفادني هو الضابط “ضياء محمد” ، 25 عاما ، من هيرات. وقد فرّ من موقع (ورا تورغار) وقت هجوم المجاهدين علي تورغار الكبير.

وقد درس ضياء حتي الصف الثاني عشر ، تدرب فى كابل سته أشهر وتخرج ضابطاً. قال أنه يعلم بوصول تعزيزات إلي خوست، وهى جزء من الكتيبة 33 التابعة للفرقة 17 في هيرات، وجزء من لواء (جاردخاص) من كابل ،وهو من قوات الصفوة وأعضاؤه حزبيون،و جزء من فرقه 18 المتواجدة في مزار شريف، هذا بالإضافه إلى فرقه 25 المتواجدة أصلا فى خوست، وقوات (داو طلب) أى المتطوعين. وعن قطع المدفعية التى إستطاع أن يحصيها من موقعه أثناء الخدمة،  قال أنه أحصى 4 راجمات صواريخ BM-41 وأربع مدافع DC عيار 122 مليمتر، وأربع مدافع جبلية عيار 76 مليمتر، وقال بأنه فى المدينة طائرتى هيلوكبتر طراز (مى ـ 24) إنفجرت إحداها وبقيت واحده فقط.

وأكد أن الحاله الغذائية فى المدينة متردية وكذلك الخدمة الطبية التى لا يلقي الجنود شيئا منها، وأن قائد المخابرات (خاد)فى المدينه ويدعي( رحمت شاه) هو المسئول عن عمليات التهريب من باكستان وأهم ما يركز عليه هو البترول والطعام.

وقال بأن القيادة العسكرية في المدينة منقسمة على نفسها بين (خلق) و(البارشام) وكل فريق يحاول دعم موقفه وتقوية نفسه فى مقابل الفريق الآخر، ولكنه أكد أن كلا الفريقين مصمم علي القتال حتي النهاية، رغم كلامهم الكثير عن الوفاق والصلح.

 

الاثنين 19 فبراير 90:

في وقت الضحي كان مركز خليل يضج بالنشاط، وعسكر من الفارين يقومون بكل همة بتنظيف صواريخ كاتيوشا من التراب والشحم تمهيداً لتوزيعها على  الخطوط الأولي.

وسيارات البيك آب تأتى لتحميل الذخائر من المغارات المحيطة بالمركز ثم تذهب مسرعة. وعلي بعد أمتار من المركز هناك دبابة  وصلت  بالأمس وهي مغطاه بغطاء من قماش عسكرى سميك، بينما دبابة أخرى يعمل بها طاقم الإصلاح الذين غطاهم الزيت الأسود والأتربة حتى صاروا كأشباح مخيفة ولايحاول أحد مصافحتهم. ومخبز المعسكر قد إزداد نشاطه وتعزز عدد العاملين فيه، فالجبهة كلها تأخذ خبزها من هنا ثلاث مرات يومياً. فهو إذن لايكاد يتوقف غير ساعة أو إثنين أثناء النهار، والعديد من المراكز يعتمد على مطبخ مركز خليل في كامل الوجبات ، مثل مركز الترصد مثلاً.

ورغم الأمطار والطين والبرد فى أيام الشتاء إلا أن الأعمال الإدارية كانت تسير بشكل جيد ، على الأقل كانت الشكاوى نادرة . وجزء من الفضل فى ذلك يعود إلى التوفيق فى العمليات الذي ينسى الناس الجوع والتعب، وحتى عدم توافر الأغطية فى ليل خوست القارس.

لكن اليوم مشرق وجميع الدلائل تشير إلى أن عملية ما على الأبواب. ولم يكن هناك أكثرأهمية من الجبل المتبقي أى (وراتورغار) الذى جعل الإنتصار الضخم يوم الجمعة الماضى معلقاً بين السماء والأرض.

كانت إحدى سيارات البيك آب فى طريقها لنقل طعام وذخائر إلي موقع دبابة خليل الشهيرة، فوجدت من المناسب زيارة تلك الدبابة الرائعة وموقعها العجيب. ورأى الصحفى البريطانى (تيم) أنها فرصة مناسبه أيضاً أن يقوم بزيارة إلى موقع فى الخطوط الأولى قبل مغادرته إلى ميرانشاه اليوم.

تحركت بنا السيارة المكدسة بالمجاهدين والصناديق والخبز وأوعية الطعام.  بعد حوالى ساعة كنا في”بورى خيل”حيث مركز” نصرت الله” قائد كتيبه سلمان الفارسى. وهو مركز ضخم ملئ بالمغارات وأمامه ساحة متسعة بين الجبال، وتفصله عن وادى خوست القريب عدد من التلال المنخفضة، وعلى مسافات غير بعيدة عدة مراكز مدفعية وراجمات صواريخ للمجاهدين، لكل منها مغارة أو أكثر تستخدم للمبيت وتخزين المهمات، أو للإحتماء من الطيران وبالفعل فإن مجموعات المدفعية التى تكاسلت عن حفر المغارات وإستعاضت عنها ببيوت طينية ،كما فعلت إحدى المجموعات، أو تلك التى بنت مغارة غير مناسبة، جميعها أصيبت بخسائر في الأرواح غير الجرحى.

 ــ بعد دقائق أصبحنا فى الوادى الفسيح بلا أى عائق جغرافى عن المدينة، هناك القلعه العتيدة على هضبه متون التى أصبحت لدينا رمزا لمدينة خوست، مثلماهو برج إيفل بالنسبه لباريس.

إنحرف السائق صوب الشرق ومضى بأقصى سرعة ممكنه، وقال بأن سيارة قد تحطمت هنا منذ أيام بقذيفة دبابة. لم يكن ذلك مطمئناً بطبيعة الحال. كانت سحابة الأتربة خلفنا تمتد لأكثر من كيلومتر وترتفع لعدة أمتار.

كان طبيعياً أن يرسل لنا العدو قذائف الترحيب، وهو ما حدث فعلاً ولكنه أرسلها إلى المركز لذى نقصده. كنت أحمل عدة قتال كاملة فسألنى تيم عن السبب فقلت له: “لأننى إذا وقعت في الأسر فسوف يقتلوننى فوراً، أما أنت فسوف يُطلق سراحك خلال إسبوع لأنك أوروبى”.

ذهبت إلى دبابة خليل أتفحص موقعها، كانت تحت جرف يحجبها عن أعين العدو فى الوادى، ولكنها ظاهرة تماماً للعدو فى تورغار وما خلفه. لم يكن يحيط بها أى تحصينات تذكر، كانت ببساطة.. واقفه تحت الجرف!!.

فى ظنى أنه كان يمكن عمل الكثير بالنسبة لدبابة مستهدفة من الجو ومن الهاون، كأكثر من أى هدف آخر في كل الجبهة. ولو أن ذلك قد حدث فلربما وفرنا فى عدد القتلى الذين تساقطوا حولها، سواء من الأطقم أو المساعدين.

وعلى أيه حال فإنه دبابة فى مثل ذلك الموقع لا يمكن أن يصمد فيها بشر عاديون، يكفى فقط عشرات الغارات الجوية التى هاجمتهم ومحاولات الهجوم الأرضية التى قام بها أفراد الميليشيات القبلية. أما الموقع نفسه وهو فى هضبه مقابله فكان أكثر من رائع فى تجهيزه الهندسى. شبكة كاملة من المغارات المتصلة الطويلة مع شبكة كبيرة من الخنادق شبه الدائرية حول الهضبة، وهى تكفى لمسير الأفراد بدون إنحناء، ولما كانت الهضبة غير مرتفعة فإن حفر المغارات كان متجهاً الى أسفل لتوفير إرتفاع كاف فوق المغارات. تذكرت السيول ولو أن أحدها تدفق إلى تلك المغارات لتحولت إلى نهر عميق. ولكنهم كانو قد إحتاطوا للأمر بشكل جيد،ولم يحدث لهم أن تعرضوا لتلك المحنة.

تجولت مع تيم فى شبكة الخنادق الخارجية، ولم يكن قد سبق لى ان رأيت تورغار من جانبه الخلفى ومن تلك المسافة القريبة. إلتقطنا عدداً من الصور، حتى إنهالت علينا فجأة سيول من قذائف المدفعية، جعلتنا نجري بسرعة إلى داخل المغارات خاصة وأن بعض القذائف سقطت إلى جانبنا على حافة الخندق .

رحلة العودة كانت أكثر إثارة، والسبب هو”على جول” ذلك الشخص الأسطورى، وكان أبو الحارث قد حدثنى عنه كثيراً لكننى أراه الآن لأول مرة. ولسؤ الحظ أنه جلس معنا فى المقعد الأمامى للسيارة، بينى وبين”تيم” الإنجليزى، وكان رابعنا هو السائق، أما أنا فقد سحقنى”على جول” بجسده الضخم ولصقنى تماماً فى باب السيار، أما تيم المسكين الذى لم يجد مكان للجلوس سوى ما بين كتف”على جول” وكتف سائق السيارة،وإلتصق باقى جسده النحيل فى سقفها. “على جول” طيب القلب الشجاع أمام أى شئ فى الكون سوى الألغام ، وهذا سبب شهرته بين العرب. جلس يكلمنى بلغته المهجنة التي تعلمها ، أو إخترعها ،أثناء عمله بالسعودية لعدة سنوات، عن مغامراته الأخيرة فى الإقتراب من الخط الأول للعدو، والكلام مع الجنود عبر مكبر الصوت . وفى الحقيقه أنه لم يكن فى حاجه الى ذلك الجهاز، لأن صوته “السوبر جهورى” كاد أن يصيبني بالصمم خاصة وأن أذنى اليمني،التى كمن علي جول، على بعد مليمترات منها، طبلتها مرهقه أصلاً

ــ  قال “علي” أنه إكتسب ود وصداقه الجنود الذين يسمعون له بإحترام وتأثير ولكن الضباط “الملاعين”يسبونه بأقبح السباب الذى يندى له الجبين، ويرغمون الجنود علي إطلاق النار عليه، و ضربه بالهاونات.

ولكن مجهوده أثمر، وهرب علي يديه عدد لابأس به من الجنود الذين إستمعوا إليه في النهار وهربوا فى الليل. كان كل ما قاله صحيحاً، إلا جزء واحد بسيط، عندما قال أنه كى يتقرب من خطوط العدو فإنه يرفع الالغام (بحرص شديد) فلما رآنى أنظر إلى وجهه،ولم أكن قد فعلت منذ بدأ يقصفنى بحديثه داخل طبله أذنى اليمنى ، فشعر بذكائه الحاد أن  شيئاً من الإشاعات  قد وصلنى .أقصد الإشاعات المغرضة التي تقول أنه يخاف(جداً)من الألغام ، فأضاف قائلاً:

ــ وأحياناً آخذ معى أحد الاخوة العرب ليساعدني في نزع الألغام. وفى الحقيقة فقد أحبه العرب فى مركز أبو الحارث كثيراً وأعجبوا بشجاعته وقوته وطيبة قلبه وكرمه .

كان دائماً يدعوهم الى بيته كي يذبح لهم حروف ( بدون نقطة على حرف الخاء). ولكن لم يذكر لى أحد أنه لبى الدعوه لأكل  لحم ذلك”الحروف”. ولكن العرب كانوا يمازحونه كثيراً بالنسبه لموضوع الألغام، وكان هو نفسه يضحك كثيراً من ذلك ويعترف فى النهاية بروح رياضية بأنه يخاف منها كثيراً.

كل من تعامل مع على جول كان يحبه لدرجه غير عادية ، لذا عندما إستشهد بعد ذلك بعدة أشهر بكى عليه الجميع.

حتى خليل أخو جلال الدين حقانى الذى يبدو بطبعه لامبالياً، بكى كطفل فقد أبواه ، حتى أن أبو الحارث كان يتعجب من ذلك، وكان واقفاً وقت دفن ذلك “البطل الضخم”. وقال بأن خليل إرتمى على القبر وبكى بحرقه لم يرى مثلها قبلاً. لم أكن لأصدق أن خليل فعل ذلك لو أن غير أبو الحارث هو الشاهد والراوي لما حدث.

ــ لاحظ علي جول أننى أحمل “كاميراتين” للتصوير واحدة كبيرة بعدسة مقربة، وأخرى صغيرة توضع فى الجيب. فطلب منى أعطيه الكاميرا الصغيرة ،فإعتذرت بأننى أستخدمها للتصوير لمجله حقانى. ظننت أنى أغلقت عليه الطريق، فقد كانت كاميرتى الخاصة. ولكنه فاجأنى بالقول: “إن حقانى قريبى، أنا وهو من نفس القبيلة، ثم إننى سأصور بها في الجبهة وأعطيك الصور لتنشرها فى المجلة، وأكون بذلك أحد العاملين معكم” .

إعتذرت مرة أخرى، لكنه أصر وتشبث مثل طفل صغير تعلق  بأحد الألعاب لدى طفل آخر. وصلنا الى المركز ونحن مختلفان،فعرضت الأمر على حقانى فجعلته حكماً بيننا، فضحك حقانى ووافق بأن أعطيه الكاميرا وأن يعمل علي جول معنا مصوراً ميدانيا. إضطررت  للإذعان، وكاد “علي جول” أن يطير فرحاً.

–   بعد إسبوعين تقريباً قابلته فى نفس المركز وكان أبو الحارث قد أخبرنى بأن”علي جول” يبحث عنى منذ أيام لأن معه صوراً  لى.

سرنى ذلك، ومنيت نفسى بصور نادرة من الخط الأول. جاء “علي جول” ومعه ثلاث صور كلها لأفراد داخل غرفة وفوقهم نافذة مفتوحة، فسألته أين الصور؟ . قال:هذه هى تجربتى الأولى فى التصوير وأردت أن أعرضها عليك حتى تعطينى رأيك.

كانت خيبه أمل بالنسبة لى فسألته عن باقى صور الفيلم.  فأجاب بأنها إحترقت جميعاً وهذه فقط التى نجحت. فشرحت له بأنها لم تنجح لأن النافذة يدخل منها ضوء شديد، وبالتالى فإن وجوه الأشخاص تحتها جاءت معتمه جداً حتى أنه يصعب تحديد هوية أصحابها. قال”علي جول”: إذن أنت لم تعرفنى؟ هذا هو أنا أجلس فى المنتصف وعلى يمينى إبن عمى وعلى يسارى إبن خالى.

فسألته بدهشة: وكيف أخذت الصورة إذن؟.

فرد على مصححاً خطئى:لا يابوى، أنا ما خذت هادى الصورة. هادى الصورة أخذها لى واحد صديقى.

فسألته: لكنك قلت أنك إلتقطت الصور.

فرد بأن الصور التى  إلتقطها لم تظهر فى التحميض وهو يجهل السبب، ويريد  فيلماً جديداً حتى يحاول ويجرب حظه مرة أخرى.

وبهدؤ وبدون جدال، وبكل مشاعر اليأس والإحباط مددت يدى إلى جيب حقيبتى العسكرية وأعطيته فيلماً. فأخذه وهو يشكرنى متهلل الوجه.

لم أشاركه السرور بل ذهبت بى الأفكار بعيداً، بحثاً عن السبب الحقيقى الذى لأجله يأمر ضباط العدو جنودهم بضرب “علي جول” بالهاونات!!.

طلب منى حقانى أن أرافق الصحفى الضيف فى سيارة المركز حتى ميرانشاه لأنه ربما إحتاج وساطتى  لدى الأطباء العرب للسماح له بالركوب فى أحدى سيارات الإسعاف التابعة لهم.

ـ   كانت علاقة حقانى وجماعته متدهورة مع الأطباء العرب العاملين فى الهلال الأحمر الكويتى، بل مع الهيئة الكويتية نفسها. فى هذه المرة لم يكن هناك وقت لبروتوكولات التكريم، فالسيارة مزدحمة والطائرات تقصف المنطقه، فقفزت مع الضيف فى الصندوق الخلفى لسيارة إسعاف كان بها جريحان.

السائق يحاول الطيران لينجو بنفسه وبمن معه من القنابل المتساقطة، وإضطر للتوقف مرة أو إثنين حينما  حاصرته الرمايات من الأمام ومن الخلف. تنهدت مستريحاً عندما عبرنا نقطة الحدود فى غلام خان، لقد إنتهت مطاردة الطائرات كما إنتهت مطبات الطريق الصخرى.

في مكتب حقانى الرئيسى كانت ثلاث سيارات إسعاف مهيئة للتحرك صوب بشاور ، وقبلوا أن يصحبوا “تيم” بدون صعوبة، ولكنه إعتبر أننى ساعدته كثيراً وكنت مجاملاً معه عندما حضرت وإصطحبته إلى ميرانشاه.  أفهمت الأفغان الذين فى القافلة أن هذا الصحفى هو  ضيف حقانى، فأسرعوا بتقديم كل مساعدة ممكنه له.

وهذا التقليد بإحترام الضيف، وكذلك إحترام ضيوف الآخرين هو واحد من أعرق وأنبل الأخلاق الأفغانية. عدت مسرعاً إلى “مركز خليل” فى أول سيارة صادفتها. ثم إنتقلت إلى جبل الترصد والقيادة فى سيارة مركز خليل التى كانت تنقل الماء والخبز إلى هناك. وصلت الي القمه فى حوالى الرابعة وكان حقانى هناك. وفوراً بدأت مدفعية المجاهدين فى العمل ضد “تورغار الصغير” وأخبرنى عبد العزيز أن القصف الجوى على تورغار لم يتوقف منذ الثانية ظهراً وحتى الآن ولكن  لم يبلغ أحد عن وقوع إصابات.

 مدفعية المجاهدين أصابت مخزن مواد غذائية وذخائر فوق تورغار الصغير وقتل هناك عدد من الجنود، أبلغنى عبد العزيز بذلك بعد أن إستمع الى مكالمات العدو اللاسلكية، وكانت سحب دخان تتصاعد من فوق تورغار الصغير.

الساعة 5.24: غارة أخرى على نفس الهدف، ولكنها أصابت خطوط العدو نفسه فى جبل “تورغار الصغير” وأحدثت خسائر، وقد هلل المجاهدون لذلك.

الساعة 5.37: دبابة خليل تضرب بعنف مراكز العدو في الجبل الصغير. الدبابة التي من المفروض أن تعمل من شرق الجبل لم تصل حتى الآن.

الساعة 5.55: جماعة الكوتشى المهاجمين يتصلون مع حقانى، ويقولون بأن العسكر يهربون من الجبل، وأنهم سيطاردونهم. حقانى يضحك ويصيح فيهم مشجعاً. وكانوا يتقدمون من شرق الجبل.

الساعة 6.00: مكالمه لحقانى من المهاجمين:” نحن نحاول الإقتراب بسرعة من دفاعات الخط الأول حتى نستفيد من الضوء الباقى لنتفادى الألغام”.

الساعة 6.06:  جماعة من الكوتشى بقيادة “أورانج” يصلون إلى الخط الأول للعدو فوق الجبل. حقانى يصدر أخطر قرارات اليوم. لقد أمر المدافعين عن تورغار الكبير بالنزول إلى تورغارالصغير ومساعدة زملائهم في تطهيره والدفاع عنه ضد أى هجوم معاكس.

لقد صار “تورغار العظيم” مجرد خط خلفى لإسناد خط الدفاع الأول الذى إنتقل إلى شقيقه الأصغر”ورا تورغار”. لقد كان حقاني متألقاً هذا اليوم. وكذلك فرق المهاجمين خاصه الكوتشى، جماعة الشهيد عبد المنان ، والذين يقودهم أخوه”جولاب”وقد إنضم إليه اليوم القائد الشهير أورانج، وهو من نفس الفريق.

لقد أثارت شجاعة ذلك الفريق الحماس والبهجة كما أثارت الإبتسامات والضحكات. ومن أشهر نكاتهم هو إسخدامهم موجه لاسلكية واحدة، منذ إستلامهم لتلك الأجهزة وحتى نهاية الحرب.

وهذا الرقم هو 4444، وكانت الحكومة تضعه بإستمرار تحت التصنت وكانت تعرف نواياهم ونوايا المجاهدين  من خلال هذا الرقم. وجماعة الكوتشى لا يكذبون أبداً، لذا فهم مصدر موثوق لدى الحكومة. أما عندما يلجأون إلى السرية، وهذا لا يحدث إلا بعد نجاح الإقتحام وبداية جمع الأسري والغنائم فأنهم يستخدمون شيفرة ليست كثيرة التعقيد. كما حدث هذه الليلة مثلاً، فعندما يأسرون جندياً فإنهم يقولون على المخابر :(لقد أمسكنا بقرة). أما إذا أسروا ضابطاً فالرسالة تكون: (لقد أمسكنا خنزيراً).

الساعة 6.09: وصلت الطائرات النفاثة فقصفت تورغار الكبير وما حوله، بعد الغارة قال المجاهدون أنه لم يُصَب أحد منهم.

الساعة 6.12: قائد العدو علي الجبل الصغير يطلب من قيادته فى المدينة إرسال مصفحة لنقله فاتصل حقانى بالمهاجمين وطالبهم بالبحث عن ذلك الضابط وإمساكه حياً.

الساعة 6.18:  راجمات الصواريخ لدى العدو تطلق قذائفها ضد تورغار. وعبد العزيز وجماعتة يشوشون على موجه اللإسلكى الخاصة بمدفعية العدو.

الساعة 6.20: عبد العزيز يخبر حقانى أن طائرات نفاثة قادمة للقصف، وحقانى يأمر المجاهدين بوقف الرمايات حتى تنتهى الغارة الجوية .وكان الوقت ليلاً ومن السهل على الطيار تحديد موقع رمايات المدفعية ومن ثم إصابه المدافع.

أقبلت الطائرات وأفرغت حمولات كبيرة من القذائف العنقودية فوق تورغار، ومخابرة من المجاهدين هناك تقول: لقد أصابوا جنودهم فى تلك الغارة، ويبدو أن بعض الأسرى قد أصيب بالقنابل العنقودية.

الساعة 6.27:  غارة جوية على تورغار إستخدمت فيها قنابل عنقودية ثم قنابل ثقيلة الوزن، ثم غارة جوية على قاعدة المجاهدين فى “بورى خيل” حيث  كتيبة  سلمان الفارسى.

الساعة 6.29: السيارات الحكومية وصلت لنقل الهاربين من الجبل الى المدينة.

الساعة 6.36: ثلاثة من المجاهدين الكوتشى عثروا على ستة من الجنود وأخذوهم أسرى، حقانى يضحك ويصيح بهم مشجعاً على جهاز اللاسلكى “زنده باد”.

الساعة 6.40: ضحكات النصر وممازحات مع الكوتشى من حقاني وباقى المجاهدين، فقد كانوا هم نجوم هذا اليوم.

هبط الظلام على المنطقه إلا ما تبقى من شفق ضعيف.

طائرات الأنتينوف القاذفة تشن عده غارات متوالية، ولكن بدون أن تحقق إصابات.

الساعة 9.25 : كنا داخل الغرفة نلتمس شيئاً من الدفء، سمعنا صوت إنفجار صاروخ سكود، وتبعه صاروخ آخر بعد ثوان، كانت رسائل تهنئة للمجاهدين قادمه من كابول.

الساعة 11.30: كنت مستغرقاً في النوم داخل الغرفة التى إمتلأت بالمجاهدين وكل فرد نام بطريقه عشوائية. أيقظنى حارس حقانى وقال بأن الشيخ سوف يغادر الي معسكر خليل ويسألنى إن كنت سأرجع معه أم أبقى حيث أنا، فأجبت بأننى سأبقى هنا.

سمعت صوت السيارات تغادر المركز، ومن وقت لآخر إستيقظ علي صوت إنفجارات كبيرة وأصوات الطائرات بأنواعها تروح وتجئ، ولكى لم أشعر بالقلق أو الإنزعاج، ولا أحد ممن حولى تزحزح من نومته، فالكل يعلم أن الطائرات ، كل الطائرات ، لن تعيد “عائلة تورغار” إلى قوات الحكومة مادامت تلك القوات قد فرت ولا تنوى العودة مرة أخرى .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 27 )

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 26

مجلة الصمود الاسلامية السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م .  

03-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (26)

جبل تورغار .. معركة الفتح

 

– بعد صلاة الظهر، نظَرْتُ إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال . ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.   

– تجمد المجاهدون أمام حقل الألغام وتساقطت عليهم القنابل اليدوية مثل المطر. أوشك الهجوم أن يفشل لولا ذلك البدوى العجوز قليل الكلام، الذى إندفع إلى خندق الشيوعيين فقتل قائدهم. فاشتعل حماس الشباب، فمرقوا مثل الشهب وسيطروا على الخندق ثم على الجبل كله.

– البَدَوِيَّان بَطَلا ذلك الإنتصار الكبير : “أكبر محمد” .. و”طالب جولاب ” الشهيد الوحيد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

الجمعة 16 فبراير90 :

كانت الشمس قد إرتفعت فى الشروق، وتهيأت السيارة كى تنقلنا إلى جبل الترصد. سأتحرك مع الصحفى البريطانى، ولكن حقانى سوف يتأخر لمتابعة بعض التفاصيل فى هجوم اليوم.

فأخبرنى بأنهم جاهزون لعملية اليوم ضد تورغار، ولكن المجموعة التى سوف تهاجم من الطرف الشرقى ليست كبيرة، أما فى الجنوب ، وهى الواجهة الطويلة من الجبل من جهة المجاهدين ، فلم ينجح المجاهدون فى فتح ثغرة في الألغام هناك، فقد أصيب أحدهم بإنفجار لغم فتوقف العمل . تحركت بنا السيارة صوب الجبل، ولم يكن ما سمعته من حقانى مشجعاً، وأيضاً فإن هذا الجو المشرق والسماء الزرقاء الصافية أصابتنى بالهم والغم، فالطيران سوف يكون قوياً، ورمايات العدو أكثر دقة، والمؤكد أن الخسائر فى الأرواح ستكون عالية .

والإضافة الوحيدة عند المجاهدين اليوم هى الهجوم من طرف الحافة الشرقية بمجموعة

صغيرة، فهل سيجدى ذلك كثيراً ؟.

كنت غارقاً فى هواجسى وما أن صعدنا فوق الجبل، ووضعنا إمتعتنا فى الغرفة الصغيرة، حتى بدأ الصحفى (تيم) يسأل عن معارك الفترة الماضية ويطالع المواقع بالمنظار من خلف الصخور فوق القمة، وتوليت توضيح الموقف العام له. ثم عدنا إلى الغرفة مرة أخرى فى إنتظار وصول حقانى وكنت أعلم أن العمليات لن تبدأ ألا بعد وصوله لمتابعتها من فوق هذه القمة.

بدأنا الحديث فى الوضع السياسى فى أفغانستان، فكلمته بصراحة عن دور أمريكا ودول الغرب فى الإضرار بالشعب الأفغانى، وأنهم كتموا عن العالم حقيقة أن الأفغان هم الذين حرروا شعوب شرق أوروبا بعد قضائهم على الإمبراطورية السوفيتية في أفغانستان، وأن شعوب روسيا وغرب أوروبا قد إستفادت من إنتصار الأفغان. فقال بأنهم في أوروبا يرون أن إنتصار الأفغان كان عاملاً مساعداً على إنهيار الإتحاد السوفيتى. فأجبته قائلاً: بل كان العامل الحاسم وإلا فإن النظام السوفيتى إذا كان قد تمكن من إخضاع الأفغان، لإستمر على قيد الحياه قرناً آخر ، وإلا فالسبعون عاماً التى قضاها ليست بالعمر الطويل فى حياة الدول.

من الثامنه صباحاً بدأ الطيران يعمل بنشاط، فى جو رائع وشمس مشرقة ورؤية غاية فى الصفاء. القاذفات المروحية الثقيلة رمت أطناناً من القنابل على المواقع المشتبه بأنها قد تساند هجوماً أو قد ينطلق منها هجوم، وركزت علي ليجاه وبارى، وإستمرت تؤدى دكها بإنتظام حتى الساعة الحادية عشر. فظهرت الطائرات النفاثة وباشرت هى المهمة وإستراحت الإنتينوف.

أخيراً وصل الشيخ حقانى وخلفه سيارتان للحرس، وبرفقته إثنان من الضيوف أظنهما من السعودية، أحدهما كأنه صحفى، والآخر ضخم الجثة قوى مثل المصارعين، ومن حديثه ظهر كأنه واعظ فى أحد المساجد مع إلتزامه بالسمت السلفى أكثر من زميله.

إثنان من المجاهدين من حرس حقانى ما أن شاهدانى أخرج من خندقى المفضل وعلى كتفى المنظار المقرب الخاص بى، حتى إستعاراه وجلسا فى مكانى ولم أتمكن من إسترداده إلا بصعوبة بعد أكثر من ساعة.

الساعة 11.38 :ظهر أول دخان فوق قمة تورغار نتيجة قصف المجاهدين، بدأ السحاب يتكاثر ببطء، ولكنه لم يصل إلى شئ مما كان عليه فى العملية السابقة إلا أنه قد يعرقل نسبياً عمل الطيران.

قال الشيخ أنه سيجعل وقت بدء المعركة مع وقت صلاة الجمعة حتى يستفيد المجاهدون من

دعوات المسلمين لهم. ثم صلى بنا الظهر فى ساحة صخرية صغيرة أعدها المجاهدون كمسجد للموقع وأحاطوه ببعض الصخور الصغيرة وجعلوا لها  تقوساً فى محل المحراب.

نظرت إلى السماء قبل البدء فى الصلاة، كانت شذرات السحب قليلة وربما إنقشعت فى أى وقت، فوقنا بقعة صغيرة من السحاب الأبيض ،الذى تبعثر هنا وهناك فى كتل باهته لا معنى لها.

قلت فى نفسى : (ياله من يوم صعب . كم من الرجال الذين يتحركون بحيوية فى مواقعهم سوف يسقطون شهداء اليوم. وكم من الذين أعرفهم سوف لا أراهم مرة ثانية؟ وماذا لو فاجأتنا الطائرات النفاثة وقصفتنا ونحن متجمعون من صلاة الظهر وإمامنا هو حقاني قائد عملية اليوم، والخطر الأكبر على النظام فى كابل؟ ألم تقصفنا تلك الطائرات فى نفس هذا المكان من قبل؟).

بعد إنتهاء الصلاة بدأ حقانى فى دعاء طويل ونحن نؤمن خلفه سأل الله النصر وألح فى الدعاء، وبكى أكثر الداعين، ثم قام وإتجه إلى جهاز اللاسلكى وخاطب الجميع، وطالبهم بالتوكل الله والإعتماد عليه وحده، ثم لقنهم هذا الدعاء وطالبهم أن يستمروا فى ترديده( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) وتذكرت أنه لقننى هذا الدعاء منذ ما يقارب عشرة أعوام، ومازلت أذكر أنه لقنني يومها درساً فى الشجاعة والثبات تحت قصف الطائرة، وأن أطلق عليها نيران البندقية بدلاً من الإختباء فى حفرة، فأنا عربى ولا يليق بى ذلك. لقد أخجلنى يومها، لكنه لم يقنعنى بجدوى إطلاق البندقية على طائرة نفاثة.الآن إدرك أنه على حق فلا جدوى من الإختباء من الطائرة فذلك نوع من العبث يطمئن به الإنسان نفسه فلا عاصم من تلك المصائب التى تتساقط فوق الرؤوس سوى الله سبحانه وتعالى. لكن الذى لفت نظرى حقيقة هو أنه أثناء الدعاء الجماعى بعد الصلاة كانت السماء تتلبد فوقنا بسرعة، كان الجميع وقت الدعاء مطأطأى الرؤوس ينظرون إلى أكفهم المنبسطة أمام وجوههم، وكنت الوحيد وربما شاركنى إثنان من حرس حقانى ننظر إلى السماء.

كنت أراقب السحب التى تتجمع بسرعة، ثم نظرت إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال، بل الجميع أصبحوا كذلك، ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.

إنشرح صدرى لتلك (الكرامة)، وتمنيت أن يكون ذلك بشرى بالنصر وبداية المدد الإلهى للمجاهدين عامة، والمهاجمين فوق الجبل خاصة.

الساعة 1.59: بعد الدعاء وجه الشيخ أمراً إلى (مارشال) ببدء القصف، ظننت أن الإسم هو شيفرة لمجموعة مدفعية لكن حاجى إبراهيم قال: (بل هو أسم شهرة لأحد المجاهدين).

بدأت دبابة خليل فى القصف، وأصابت مواقع العدو فوق القمة وحققت أول أصابة مباشرة. فتصاعد عمود من الدخان الأسود من الحصن الواقع على الحافة الغربية . رد العدو بقصف شديد على الجانب الغربى من الجبل حيث تسلل المجاهدون فى محاولاتهم السابقة . والظاهر أنهم لا يتوقعون تقدماً من جانب الحافة الشرقية للجبل، وهو مالم يفعله المجاهدون قبلاً. بعد خمسة دقائق لعلعت رشاشات العدو الثقيلة فوق الجبل.

الساعة 2.35: مدفعية المجاهدين تقصف مدفعيات العدو الخلفية، (بوستان) و(باتشا دينا)

 على المدفعية يعملان بشكل جيد ودقة ملحوظة.

دبابة خليل تتلقى قذائف كثيرة من مدفعيات العدو ، مجموعات الهجوم فوق الجبل بخير ولكنها لم تبدأ بعد فى التقدم.

الساعة 3: أشرقت الشمس لفترة قصيرة ثم أطبق السحاب كثيفاً مرة أخرى ، أجهزه اللاسلكى مزدحمة بالصيحات، ودعوة للمهاجمين بالعمل مع تشجيعهم .

التدخل اللاسلكى شديد، وحرب نفسية على أشدها على الأثير مليئة بالتهديد وأحياناً بالسباب بين المجاهدين والعدو.

حقانى يصيح مشجعاً المهاجمين وينقل إليهم أخبارالإصابات التى وقعت فى صفوف العدو نتيجة القصف ثم يهتف صائحاً(الله أكبر زنده باد إسلام) فيردد المجاهدون خلفه نفس الهتاف الساعة الثالثة والنصف: سقط سكود إلى الشرق من تورغار وبعد خمسة دقائق سقط صاروخ آخر فى نفس المنطقة.

الساعة 4.10 : قوات العدو فوق تورغار تفقد واحد من قادتها، إلتقط عبد العزيز الخبر، أما المجاهدون المهاجمون من جهة الشرق ، جماعة جولاب الكوتشى شقيق الشهيد منان ، فقـد أفادوا بأنهم يواصلون نزع الألغام من المسافة المتبقية ومقدارها (متران) ، على حسب تقديرهم ، وقالوا بأن العدو لم يطلق النار عليهم حتى الآن.

طائرات الهيلوكبتر تطلق نيرانها من بعيد على حواف الجبل لكن بلا تركيز ثم هبطت خلف الجبل من جهة المدينة ربما لحمل جَرْحى وقتلى أو لنقل بعض الذخائر إلى المدافعين رغم أن عندهم ما يكفى.

طائرات الأنتينوف القاذفة تحلق فوق السحب السوداء بدون أى أمل لها بالمشاركة وهى عمياء فى ظلام السحب، ولكنها ظلت فى السماء طوال الوقت ، ربما لبث الطمأنينة فى نفـــوس المدافعين ، إذا شعروا أن الطائرات قريبة منهم.

الساعة 4.42:  إجتاز المهاجمون من الحافة الشرقية حاجز الألغام، وتبادلوا مع خط الخنادق الأول للعدو الرماية بالقنابل اليدوية.

وبينما يقوم (جولاب) بإبلاغ حقانى الرسالة، إذ أحد المجاهدين يصيح فرحاً (تورغار ختم تورغار ختم) فنهره حقاني بشدة وقال إن ذلك غير صحيح، فقد رأى أن إذاعة خبر بسقوط تورغار والمعركة فى نقطتها الحرجة قد يسبب إضراباً فى سير العمل، فقد يطلق كثيرون النار فى الهواء إبتهاجاً، بينما العدو فى خنادقه صامداً، والدبابات قد تتوقف عن قصف المواقع الدفاعية والإدارية للعدو فوق الجبل ظناً منها أن المجاهدون قد وصلوا.

وسنعود مرة اخرى إلى قصة الجانب الشرقى ، وراوية المهاجمين لما حدث فى تلك اللحظة الحرجة، لحظة الهجوم على الخط الدفاعى الأول من خنادق العدو ، والذى قام به جماعة البدو (الكوتشى) بقيادة جولاب، صخرة الدفاع وسيف الهجوم.

الساعة 5.50:  ضغط الهجوم كله من جهة جولاب بينما جهة الغرب حيث الدكتور نصرت الله خامدة لدرجة كبيرة، وكان يساعد نصرت الله مجموعة من طلاب العلم في قندهار يقودهم القائد الشجاع (ملا شاه زاد) الشهير بإسم ملا قندهارى.  واضح أنه بعد تجربة الهجمات السابقه والتى كانت كلها ، على مر السنين ، تتم من الجناح الغربى أن العدو قد ركز معظم قواته على هذا الجناح. لذا يمكن توصيف ما حدث هذه المرة أن المهاجمين من جهة الغرب قد جمدوا معظم قوات العدو، حتى تمكنت قوة جولاب الأصغر حجماً من إقتحام دفاعات العدو الشرقية والتقدم فوق الجبل مثلما يفعل السكين فى قالب الزبد، حتى تضيف جماعة الكوتشى الشهيرة ، جماعة الشهيد منان ، أضافة أخرى إلى سجل لا يضاهى من الأمجاد القتالية .

أفاد رجال الكوتشى الذين إقتحموا الجانب الشرقى من تورغار أن هجومهم كاد أن يفشل، لأنهم عند إقترابهم من خط الألغام الذى يلى خنادق العدو مباشرة، وكانوا قد نزعوا معظم  ألغامه ليلاً ولكن ليس كلها، وعند تقدمهم للإقتحام الأخير كشفهم العدو وهم على حافة حقل الألغام فأصلاهم ناراً حامية من البنادق الآلية والرشاشات الخفيفة، ثم رمى قنابل يدوية بكثافة غير معهودة ، ولاحظ رجال الكوتشى أن القنابل إما أن تسقط في الوادى العميق أو تسقط إلى جانبهم ولكنها ترتد مثل كرة المطاط لتعود مرة أخرى إلى خنادق العدو لتنفجر هناك.

ومع ذلك ظلوا جامدين خلف الصخور، إلى أن قام منهم رجل عجوز أبيض الشعر واللحية، مشهوربينهم بالبساطة الشديدة وقلة الكلام، قام ذلك الرجل وضرب خنادق العدو بقذيفة RBG فقتل ضابط الموقع ويدعي(عبد الله خان)من قبيلة تاناي فهرب باقي العسكر. ثم عبر حزام الألغام بسلام وقفز داخل خنادق العدو، فإشتعل حماس الشباب ومرقوا خلفه مثل الشهب فى سماء مظلمة وقفزوا إلى الخنادق، وقتلوا من فيها، وتابعوا من هرب من الجنود، وكانوا 30 جندياً وواصلوا التقدم صوب باقى المواقع حتى تم فتح الجبل كله.

وفى نهاية المعركة سألوا الرجل العجوز عن السبب وراء إندفاعه العجيب المفاجئ، فقال لهم ببساطة: لما رأيت القنابل اليدوية تتساقط علينا مثل المطر، ولكنها ترتد على العدو مرة أخرى وتتفجر عنده أدركت أن الله قد أنزل الملائكة لنصرتنا فإندفعت نحو العدو وأنا موقن أنهــم مهزومين وأن شيئاً لن يضرنا، يدعي ذلك البدوي العجوز”أكبر محمد”.

الساعة 5.11: الطرف الشرقي من الجبل فى قبضة المجاهدين تماماً، ومن هناك يقصف المهاجمين بالرشاشات الثقيلة قصفاً عنيفاً للغاية على باقى المواقع المعادية فوق الجبل متجهين صوب الغرب.

الساعة 5.15:  تقرير لحقانى من المجموعات المهاجمة فوق الجبل ، كلها ، بأن مقاومة العدو فوق الجبل أصبحت ضعيفة جداً. بدأت عملية تطهير المواقع ممن تبقى بها ، وأكثر الأحياء لاذوا بالفرار إلى الشقيق التوأم لجبل تورغار والواقع إلى الشمال والمرتبط به بحبل سُرِّى ، أو ما يطلق عليه “سَرْج” ، وهذا التوأم الأصغر يدعى(ورا تورغار) أى تورغار الخلفى.

الساعة 5.50:  تقابل المهاجمون المتقدمون من الشرق مع المهاجمين من الغرب فوق ظَهْر الجبل، لقد وقع تورغار أخيراً فى أيدى المجاهدين بعد سنوات طويلة ومريرة منذ فقدوه آخرمرة.

لقد فتحوا تورغار ، وأصبحت المدينة نفسها قاب قوسين أو أدنى من الفتح، ولكن ذلك لم يحدث بالسرعة التى كنت أتوقعها.

سألنى الصحفى البريطانى (تيم) عما حدث، فقلت له: لقد إستولى المجاهدين على تورغار ، وإجتهدت أن أبحث فى وجهه عن أى إنفعال فلم أعثر على شئ فشعرت بالغيظ، ولكننى تماسكت أمام ذلك اللوح الجليدى القادم من بريطانيا العظمي ، التى ذاقت فى أوائل هذا القرن ما يذوقه السوفييت والشيوعيين فى أواخره على أيدى نفس هذا الشعب الخارق.

ثم سألنى ببرود: تقول أن تورغار هو مفتاح مدينة خوست فمتى تتوقع أن يتم إستيلاء المجاهدين على المدينة. فرددت عليه: من المفروض ألا يزيد ذلك عن شهر.

لقد أخطأت فى تحديد ذلك الموعد، لأن المدينة فتحت بعد ذلك بحوالى ثلاث عشر شهرا ونصف.

وقد قابلنى تيم بعد ذلك بعدة أشهر فى بشاور، وكان يتذكر بدقة ما قلته له من أن المدينة يمكن أن تفتح خلال شهر، وسألنى بشماتة لا تخفى: لقد قلت أن المدينة سوف تفتح بعد شهر، فماذا أخّر الفتح حتى الآن ؟.

فرددت عليه قائلاً: إن تدخل أمريكا وباكستان هو السبب. ثم ذكرت له بعض مجهوداتــهم لإفساد فتح خوست.

التقرير الأول عن خسائر المهاجمين هو شهيد واحد ولا جرحى، وبعد ساعة جاء تقرير آخر متضارب يقول الخسائر ثلاثة جرحى ولا شهداء . فى اليوم التالى كان التقرير النهائى هو شهيد واحد وثلاثة جرحى .وسبب التضارب هو أن التقرير الأول  كان لأحدى المجموعتين وهو شهيد واحد بلا جرحى والتقرير الثانى للمجموعة الثانية كان ثلاثة جرحى بدون قتلى.

كانت تلك الخسائر المتدنية مفاجأة كبرى ومدهشة إلى أقصى حد، أن يتم تحقيق هذا الإنجاز الفائق بهذا القدر الذى لا يكاد يذكر فى الخسائر.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن دقة الإعداد وتوفير الوسائل اللازمة للعمل وإكتساب الخـبرة الكافية فى إدائه هى من أعظم أسباب النصر ، وقبل كل ذلك هو ذلك التأييد الإلهى الذى لا يمكن تصويره بالقلم أو اللسان . فحالة الطقس مثلاً، من غيوم تحجب الرؤية فتمنع الطيران والمدافع المعادية، ثم تعود فتنكشف قليلاً فتساعد المهاجمين علي تبين الألغام وأسلاك الإعثار المنبثه فيما حولهم.

حتى فشلهم فى السنوات الماضية فى الهجوم من طرف واحد هو المنحدر الغربى، قد إستدرج العدو إلي الإطمئنان التام هذه المرة أن الهجوم قادم لامحالة من نفس الطريق فركز دفاعات كلها ، أو معظمها ، فى ذلك الإتجاه، فتمكن جولاب من شق طريق من جهة الشرق بسهولة لم تكن متوقعة، رغم أن الجميع كان يتوقع أن الشرق هو محور ثانوى للهجوم فجاء العكس.

الساعة 6.07:  طائرة أنتينوف تحلق وتقصف بعيداً. السماء إنقشعت وظهر ضوء النجوم واضحاً، كان ذلك عظيم النفع للمجاهدين فوق الجبل ومكنهم من معرفة طريقهم فوق الجبل وفى غابة الخنادق حوله وفى (الدُشَم) المحصنة والمسلحة خاصة من الطرف الغربى، ثم المخازن الإدارية فى الطرف الشمالى، وبها غرف مليئة بالطعام والذخائر، والأهم من ذلك مراقبة العدو الذى قد يحاول شن هجوم معاكس فى نفس الليلة قبل أن يستحكم المجاهدون فوق الجبل.

الساعة 7.00:  سقطت ثلاث صواريخ سكود متتالية حول جبل تورغار. ثم صاروخين آخرين فى تودة شنى ،جنوب تورغار.

خمسة صواريخ سكود دفعة واحدة، كانت حفلة إبتهاج بفتح تورغار ولكن إطلاق النار التقليدى فى مثل تلك المناسبات، قامت به الحكومة وليس المجاهدين . ولم تقع أية خسائر من جراء ذلك القصف.

ملاحظه: ثمن صاروخ سكود فى ذلك الوقت هو مليون دولار أمريكى، وقد أطلق العدو فى تلك المعركة سبعة صواريخ سكود ، بينما أطلق صاروخين فقط فى محاولة يناير الماضى التى لم تنجح.

– أخيراً غادرنا حقانى متجها إلى مركز خليل فإلى هناك سوف تأتى وفود العائدين من المعركة، مع الأسرى والغنائم، ثم مشاورات عن الخطوة التالية حيث من المفروض ، حسب قول حقانى ، الإستيلاء على(ورا تورغار)، فقد قال لى : لا فائدة فى تورغار إذا لم نمسك (ورا تورغار) ، لم أكن أدرك تلك الأهمية قبل ذلك وأن كانت منطقية تماماً، فالجبلان فى الحقيقة جسد واحد متصل.

وأى قوات قادمة من المدينة لشن هجوم مضاد لابد لها من الإرتكاز على (ورا تورغار)، إذن المعركه لم تنته بعد !!.

لم أغادر مع حقانى لأننى توقعت معركة فوق الجبل فى هذه الليلة. وفى الليل إتصل بنا حقانى تلفونياً وقال أنه منتظر وصول الأسرى للتحقيق معهم والبحث عن الشيوعيين من بينهـم. وأضاف إنه سيكون عندنا غداً ففهمت أن المعركة سوف تستأنف فى الغد. لم أستطع النوم إلا فى ساعة متأخرة، فرحاً بما حدث، هائماً مع التوقعات.

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

السبت 17 فبراير 90 :

لم أكد أستغرق فى النوم حتى صحوت فزعاً على صوت إطلاق نار كثيف وقذائف. كنت متأكداً أن مصدرها(تورغار)فقد كنت أتوقع هجوماً ليلياً من جانب قوات الحكومة، فتحركهم بالنهار نحو الجبل سيكون إنتحاراً، وليس أمامهم إلا الليل، بل هذه الليلة تحديداً قبل أن يستحكم المجاهدون فى خنادق الجبل ويحفرون مواضع جديدة فى مقابل المدينة. كانت الساعة الرابعة صباحاً.

إنقطعت الرمايات فجأة، وطمأنت نفسى بأنه لاشئ مهم، وأن عبد العزيز نائم الآن فلا أحد عنده خبر بما حدث، فنمت مرة أخرى.

فى الصباح سألت عبد العزيز عما حدث فى الليل فقال :(خير خيرت)، فأكدت عليه بالسؤال عن أحوال المجاهدين فوق الجبل فأجابنى بنفس الجملة.

فى السابعة سمعنا طلقتى RPG فوق الجبل (تورغار) ثم قصف مدفعى شديد من الوادى ضد الجبل وما حوله ثم زخات من الرشاشات الثقيلة والخفيفة، طائرات الهيلوكوبتر أطلقت الصواريخ بغزارة ضد (تورغار) فطمأننى ذلك لأن معناه أن المجاهدين متمسكون بقوة بالجبل.

الجو غائم، وتعليقات المجاهدين على أجهزة اللاسلكى مليئة بالمرح والسعادة. وفى الثامنة والنصف صباحاً إتصل بنا حقانى تلفونياً فقال بأن العدو حاول صباح اليوم الهجوم على تورغار وإستعادته، ولكن المجاهدين كانوا فى أتم الإستعداد، وكانت الذخائر والأطعمة  والمياه متوفرة لديهم وأن العدو جوبه بنيران قوية من الجانبين أدت الى سقوط الكثير من القتلى والجرحى(بالمئات حسب قوله) وفر كثيرون منهم نحو المدينة، وإعتصم بعضهم فى جبل تورغار الخلفى(ورا تورغار) وأن المجاهدين سوف يتقدمو للإستيلاء عليه.

الساعة 8.35: رغم الغيم الكثيف فإن طائرة انتيوف ألقت قنابلها من إرتفاع عال حول جبل تورغار ، ولكن بلا أي تأثير.

تزايد الغيم، والمطر خفيف وريح باردة جداً، عدد المتواجدين معنا على ظهر الجبل قل كثيراً.واضح أان اليوم لا يمكن شن هجوم جديد ضد (تورغار الصغير).

الساعة 10.10: هبطت فجأة فى المطار طائرة نقل عسكرية . كانت مفاجأة مذهلة فى وقت وظروف غير متوقعة، (باتشادينا) مشتبك فى رماية متبادلة مع راجمة صواريخ كبيرة من طراز BM-41 هبطت الطائرة من الطرف الغربى ثم مكثت فى النهاية الشرقية للمدرج أقل من دقيقة ثم إستدارت وأقلعت ، وكتبت فى مذكرتى وقتها: لا أدرى ما هى المهمة التى يمكن إنجازها فى هذا الوقت القليل؟.

الساعة 10.36:  كانت الدهشة أشد فى المرة التالية، إذ هبطت طائرة كالعادة من جهة الغرب وما أن وصلت إلى الطرف الشرقى حتى إستدارت وأقلعت، لم يستطع أحد أن يخبر جماعة المدفعية، سألت نفسى : ماذا يحدث ؟؟

ولابد هنا ، للحقيقة ، أن أشيد ببطولة وفدائية الطيارين الأفغان، وسيمر معنا مثل ذلك في معارك قادمة .ولقد رأيت بعض هؤلاء الطيارين بعد نهاية الحرب، ولا أظن أن هناك من هم أكثر إستهتاراً بالموت منهم، وهى سمة عامة فى معظم الشعب الأفغانى.

فيما بعد قال حقانى أنه يظن أن تلك الطائرات قد أحضرت شخصيات هامة من كابول ، وربما كان ظنه صحيحاً لأنه بعد قليل سيظهر على ساحة الأحداث فى خوست، الجنرال عجب مزارى الرجل الشرير والقائد السابق لجبل تورغار.

– لكن نسمة منعشة هبت علينا هذا الصباح حيث شاهدنا عددا من الأطفال يصعدون الجبل إلينا، كانت ملابسهم خفيفة وممزقة أو مرقعة أحياناً. وقفت مع حاجى إبراهيم نتأملهم ونتسائل كيف وصلوا إلى هنا، فلم تكن سيارات المجاهدين تتحرك هذا الصباح خاصة بالقرب منا.

وصلوا إلينا وصافحونا، وقالوا إنهم طلبة فى مدرسة العلوم الشرعية”منبع العلوم” فى ميرانشاه، وقد سمعوا بالأمس أن المجاهدين قد فتحوا جبل تورغار فجاءوا سيراً علي الأقدام (حوالى 30 كيلو متر) كي يتأكدوا من الخبر ويشاهدوا المواقع التى فتحها المجاهدون.

تأثرنا بما فعله هؤلاء الأطفال، ورحبت بهم وكذلك فعل إبراهيم وعبد العزيز وعدد آخر من رجال الموقع، وسمحوا لهم بإستخدام المناظير وشرحوا لهم المواقع التي يشاهدونها، وذكروا لهم أحداث الأمس فوق تورغار، ثم قدموا لهم الشاى والخبز.

جاء الصحفى (تيم) هو الآخر يستطلع أخبار هؤلاء الأطفال، فشرحت له قصتهم، وسألته عن دلالة أن يسير أطفال صغار فى هذا السن كل تلك المسافة وسط الجبال فى جو ممطر بارد، فقط من أجل الإطمئنان على أخبار المجاهدين، وفرحة بإنتصاراتهم؟.

لم تصدر منه كلمة أعجاب أو مجرد بسمة للأطفال ، أنه محايد جداً بلا شك ، محايد لدرجة جعلتنى أتمنى قذيفة عنقودية تريحنا منه ومن كل صحافة بريطانياً التى كانت ، ولن تعود ، عظمى.

الساعة 11.30: وصل الشيخ حقانى إلى مركزنا فوق الجبل، وإتصل بالمخابرة مع أخيه خليل قائد الدبابة الشهيرة ، وصاحب الدور البارز فى تحطيم مقاومة تورغار ، وأفاد خليل أن أوضاعهم ممتازة، وأوصى بالإهتمام بالإمدادات خاصة للمجاهدين فوق الجبل.

جلست أتحدث مع حقانى بالنسبة لمشكلة الإمدادات، فقلت له أن العدو لن يسلم بسهولة بضياع تورغار، لأن معنى ذلك أن المدينة قد أفلتت من بين يديه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن معركة تورغار قد يكون الفيصل فيها هو القدرة على إمداد الجبل بالمقاتلين والذخائر والطعام والمياة، وأن العدو مازال أقدر علي ذلك لأنه خلال السنوات الماضية قد مهد طريقاً للإمداد من خلف الجبل، بينما نحن لانمتلك سوي مدق ضيق وخطير يمر وسط ألغام كثيفة جداً، بحيث أن خطوة واحده خارج المدق قد تعنى الموت، أو بتر القدم على الأقل. وقلت له أن أهم ما يجب عمله الآن هو شق طريق للسيارة حتى قمة تورغار، وأن يبدأ الطريق من الطرف الغربى ويهبط من الجانب الشرقى، وبهذا يمكن لنا إمداد الجبل من قاعدتين قويتين للمجاهدين وهما بورى خيل ، إلى الغرب وتودة شنى ، إلى الشرق.

لم يكن حقانى فى حاجة لمن يذكره بأهمية الطرق فى الجبهات، وخاصه بالنسبة لهدف مثل تورغار. وبالفعل بدأ بعد أيام فى دفع كل قواة نحو شق طريق إلى القمه فى تورغار ، وتحت أقصى الظروف من الغارات الجوية التى لا تكاد تتوقف. وقد ساعده عدد من الفدائيين الحقيقيين من سائقى البلدوزرات، وعمال الحفر والتفجير. وخسر عدد من السيارات والجرحى ولكنه نجح فى النهاية فى شق طريق ممتاز، ولكنه لم يستطيع أن ينزل به إلى جهة الشرق لأن تضاريس الجبل لا تسمح بذلك بغير أن يتعرض الطرق لنيران العدو فى الوادى إذ لا بد أن يمر الطريق من خط الأفق فوق الجبل وليس فى السفح الجنوبى المخفى عن العدو.كان نجاحاً هندسياً وعسكرياً باهراً أكد سيطرة المجاهدين علي تورغار وما حوله.

الساعة 2.17:  بعد أن صلينا الظهر قرب قمة الجبل، جاء الخبر من ميرانشاه يقول بأن الأحزاب شاركت حقانى فى فتح الجبل، ولكنه دفع لهم مبلغ ثلاثة ملايين روبية حتى يتركوا له الجبل كى ينفرد هو إعلامياً بالإنتصار. كانت الكذبة واضحة لمن هو داخل الجبهة، أما فى الخارج فلا أحد يستطيع أن يجزم بما حدث. كانت طعنة خبيثة من أحزاب بشاور التى لا تقصر فى سكب أطنان من الدهان الأسود، فوق حقانى وجميع أعماله، حتى إنتصاراته الباهرة التى تستحق الإشادة والتمجيد.

كان التنسيق داخل جبهات باكتيا عامة وخوست خاصة يسير علي أفضل شكل ممكن فى مثل تلك الظروف ، وبأقل قدر من الإحتكاك حتى أنه لم يحدث صدام مسلح واحد طوال مدة الجهادعلي أساس حزبى. ولكن التنسيق فى المعارك كان يتم خارج نطاق الأحزاب وبتفاهم مباشربين المجاهدين فتسمى بعدئذ بالعمليات المشتركة ، بينما الأحزاب وقيادتها فى بشاور لم تكد تسمع قبلاً بوجود مثل ذلك التنسيق ،ولو علمت فالفشل قادم لا محالة إذ تبدأ الضغوط والرشاوى ومؤامرات توريط الأخرين خاصه قادة الميدان البارزين ، وبالذات حقاني وزملائه.

سألت حقانى عن عدم إشتراك أحد من الأحزاب الأخرى في معركة (تورغار) فرد قائلاً :

إن أحداً لا يتحمل معركة بهذا الطول، لقد إستمر الحصار ثلاثه أشهر متوالية. ومن جهتى يمكن أن أضيف أسباب أخرى منها: أن تجارب الهجوم على تورغار منذ عام 1984 قد فشلت، وأسفرت فقط عن قتلي وجرحى، مع إهدار المال والذخائر، ثم إتهامات متبادلة وخصومات بين المجموعات المشتركة في العملية .

السبب الثانى: أن تورغار إكتسب نتيجة لذلك هيبة فى النفوس وكان إسمه كفيلاً ببعـث القشعريرة فى أبدان المجاهدين.

السببب الثالث: هو أن الإستخبارات الباكستانية تجد الباب واسعاً للتدخل فى العمليات المشتركة وهى عادة عمليات كبيرة. وقد كانت هى السبب فى إفشال عدد من الهجمات على تورغار لأن إستيلاء المجاهدين عليه يعنى وضع رقبة المدينة فى قبضتهم، وهو ما يتعارض مع سياسة سادة باكستان، أى الولايات المتحدة.

كانت الخطوة التالية والضرورية لإسقاط خوست هو إغلاق مطارها بشكل نهائى مستفيدين من موقع تورغار وما يوفره من مزايا لهذا العمل ، ولكن سنرى كيف أن المخابرات الباكستانية بذلت جهدها لمنع ذلك.

كانت ما تريده باكستان هو عض أصابع نظام كابل فى خوست حتى تصل معه إلى شروط  تساومية أفضل.بينما كانت مصلحة المجاهدين هى ، إبتلاع خوست ، لينهار نظام كابــل فيفرض المجاهدون نظامهم الخاص.

وسوف يمر علينا لاحقاً كيف بذلت المخابرات الباكستانية كل وسعها لمنع إغلاق المطار ثم بذلت جهوداً جبارة لمنع فتح المدينة.

أخبرنى حقانى أنه قد إحتاط كثيراً فى إظهار الفرحة والإبتهاج بفتح تورغار، فقد قال عند

إعلان النبأ: لقد إستولينا على تورغار الكبير والمعركة مستمره علي تورغار الصغير. لقد أعجبنى كثيراً تصرفه هذا، فهو يدل على التواضع من جهة، وعلى الواقعية من جهة أخرى فمهما كانت معرفته بضعف العدو فى خوست، فإن خطورة ما حدث تجعل من المجازفة إفتراض أن العدو سيسلم بالأمر الواقع بسهولة. على الأقل يمكن توقع أن يحدث مثلما حدث فى دراجى منذ عدة أشهر بأن يتم تداول الموقع بين الجيش الحكومى والمجاهدين حتى يستقر الوضع لصالح المجاهدين فى نهاية الأمر.

قال حقانى: نحن مستعدون للهجوم بعد وقت قصير.لقد ناوش المجاهدون تورغار الصغير ودمروا بعض مواقعه الدفاعية ،” البوسطات” ، فطلب المدافعون إرسال دبابة إليهم لدعمهم.

ونحن بدورنا سنرسل دبابة إلي توده شني لندعم بها مجموعة جولاب كى تهاجم تورغار الصغير ، كذلك طالبنا مئتى مجاهد من كتيبتى سلمان الفارسى، والعمرى ولن نستخدم قواتنا فوق تورغار للهجوم حتى تبقى دفاعاتنا قوية فوقه تحسباً للطوارئ. كان حقانى يسير بحذر ولم يستخفه الإنتصار الكبير. قرب العصر حذرنا عبد العزيز من أن الطائرات النفاثة قادمة للقصف لكنه لا يعلم أين .

كان يتتبع محادثات خوست مع كابل. بعد دقائق ظهر صوت طائرة نفاثة، وعبد العزيز يتابع حديث الطيار مع القيادة الأرضية في خوست، قالت له القيادة: أنت الآن فوق الهدف، أرمى حمولتك. فرد الطيار فى براءة ، ولم تكن الحكومة قد إذاعت خبر فقدها لتورغار : ولكننى فوق جبل تورغار !!. فردت عليه القيادة: لم يعد هناك تورغار.. إقصف.

فإستفسر الطيار بعصبية: ماذا تعنى بقولك ؟ ، هل إنتهى تورغار؟؟ ، ثم أصابته نوبة من الهياج وأخذ يهذى ويصرخ: لقد بعتموه لهم..أنتم بعتم تورغار ضاعت خوست..ضاع كل شئ. ثم دار بطائرته دورة واسعة ثم عاد في إتجاه تورغار وأفرغ شحنة ضخمة من القنابل العنقودية، ولكن بعيداً عن أى هدف، ثم إختفى بطائرته وسط السحب الداكنة.

أثار الحادث الإبتهاج والفرحة بين صفوف المجاهدين، فالعدو يعيش أزمة عنيفة تطال ما تبقى لديه من روح معنوية.

ولكن لم نلبث أن أصبنا بصدمة وعمنا الحزن والوجوم حين وصلنا نبأ إستشهاد(بوستان) الكوتشى، الذى كان يعمل على مدفعه فى مبارزة مدفعية مع العدو، حين سقطت قذيفة على هضبة قريبة منه فأصابته شظية فى رأسه فقضى نحبه علي الفور، لقد عم الحزن جميع المراكز حتى نسى المجاهدون إنتصار تورغار ، ولو إلى حين.

ثم وصلنا إسم شهيد تورغار الوحيد يوم الفتح ، أنه الكوتشى(طالب جولاب)،فهل يهتم أحد من سكان الأرض بهذا الإسم؟  ولكن يكفيه أن الله أعلم به وبما فعل.

أسقطت الطائرة على المدينة بعض الإمدادات بالمظلات، وكان أهمها براميل البترول ، وقد أخذ الهواء عدد من تلك المظلات إلى مواقع المجاهدين، فأخذوها غنيمة إلى جانب غنائم جبل تورغار التي وصلنا إحصاء عنها كالتالى:

عدد 2 مدفع مضاد للطائرات (شلكا) عيار 23 مليمتر.

عدد 3 قاذف قنابل يدوية ( نارنجاك).

عدد 3 دبابة منها واحده فقط يمكن إصلاحها.

عدد 13 قاذف RPG .

عدد 3 رشاش ثقيل (جبلى) عيار 14.5 مليمتر(زيكوياك).

عدد 14 هاون من عيارات مختلفة.

عدد 60 بندقيه كلاشنكوف.

عدد 1 مدفع جبلى عيار 76 مليمتر  .

عدد 1 جرينوف 7.62 مليمتر.

عدد 1 قاذفة صواريخ سلكية مضادة للدروع.

عدد 2 رشاش خفيف.

عدد 1 رشاش وسط (دشكا).

– تحدثنا عن فتح جبل تورغار الذى هو مفتاح مدينة خوست، فلنتذكر بالدعاء وطلب الرحمة لأهم أبطال تلك المعجزة . وهما البدوى ـ العجوز الغامض ـ “أكبر محمد” ، الذى إقتحم منفردا خط دفاع العدو بعد أن أوشك المهاجمون على التراجع. ثم ذلك الشهيد الوحيد فى تلك الملحمة الكبرى التى شارك فيها الآلاف من الطرفين  وعدد لايحصى من الطائرات وصواريخ سكود الثقيلة . ذلك الشهيد ، البدوى الذى لا يكاد يعرفه أحد، “طالب جولاب”… رحمهما الله .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 26 )

 




الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 176 ) | صفر ١٤٤2ھ – أكتوبر ٢٠٢٠م .  

02-10-2020

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

– وفد الإمارة الإسلامية يوضح دور الإقتصاد فى إقامة الدولة ودعم تطبيق الشريعة .

– الإمارة إقتصادها إسلامى : يقيم العدالة ويحقق المساواة ويحارب الفقر وينمى الثروات.

– بالإقتصاد السليم نقيم أقوى مشروعات البناء والخدمات الإجتماعية والتعليم والصحة ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

– جميع الحقوق مرجعها الشريعة سواء للمرأة أو الرجل أو أى كائن عاقل أو غير عاقل.

–  لا جدوى من التفاوض مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

كان وفد الإمارة إلى مفاوضات الدوحة الأخيرة، قوياً فى تركيزه على النقاط الأكثر حيوية لأفغانستان . وذلك من أجل ضبط مسيرة التفاوض . لهذا ركز الوفد كأولوية على أن  معيار إسلامية الدولة هو تطبيق الشريعة وليس مجرد إسم الدولة.

فنظام الحكم القادم مع الإمارة الإسلامية هو حكم الإسلام . والذى يتحدد بشرط أساسى هو تطبيق أحكام الشريعة فى جميع مناحي الحياة الشخصية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدفاعية . فليس الإسلام مجرد كلمة توضع فى نهاية إسم الدولة فتصبح الدولة إسلامية ، سواء أطلقوا علها جمهورية أو مملكة أو أى شئ آخر . والنتيجة أنه لا مجال مطلقا للحديث عن تشكيل نظام حكم مشترك بين الإمارة وحكومة كابل. فبينما الإمارة ترى الإسلام تطبيقا شاملا متكاملا فى كافة مناحى الحياة ، يراه النظام العميل مجرد صفة يكفى إلصاقها بأى شئ ليصبح إسلاميا.

 

 

إقتصاد إسلامى :عدالة ــ مساواة ــ تنمية ــ محاربة الفقر .

وفد الإمارة الإسلامية ، كان رائداً فى توضيح العلاقة بين الدولة الإسلامية والإقتصاد ، ودور الإقتصاد الإسلامي فى إقامة الدولة وتقوية المجتمع والإسهام فى دعم تطبيق أحكام الشريعة.

فالإقتصاد الإسلامى يحقق أهداف الشريعة فى الأموال والثروات العامة :

–  بمنع إحتكار مصادر الثروة والمتمثلة فى : (مناجم /مياه / أرض/ نفط/ تجارة).

– وظيفة الإمارة الإسلامية الحفاظ على الثروات ومنع تبديدها أو التفريط فيها للغير.

تنمية الثروة وتحقيق العدالة الإجتماعية لصالح الجميع ، وضمان عدالة توزيع الثروة العامة ، والمساواة فى إتاحة فرص إكتساب الرزق للجميع .

 

 

الإمارة الإسلامية تحقق العدالة فى الإقتصاد :

الثروات العامة تتبع بيت المال الذى تديره الإمارة لصالح المسلمين ، ويضم :

ــ الثروات الإستراتيجية، مثل [ المناجم / النفط والغاز/ المياة/ الأرض]. 1

2 ــ البنية التحتية للإقتصاد [مثل الطرق والجسور وسدود المياه والكهرباء].

3 ــ وسائل الإتصال”تليفونات وشبكة إنترنت”، وشبكة النقل العام من قطارات و باصات عامة، وطائرات نقل ومطارات.

– فاحتكار منابع الثروة ، أو البنية التحتية للإقتصاد، محظور تماما ـ فالناس سواسية فى فرص الإستفادة من عوائدها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

الإمارة مسئولة عن تنمية الثروة العامة :

بواسطة النهوض بالزراعة وتوسيع الرقعة الزراعية وتنظيم الرى وتوفير مصادر المياه ، لتلبية مطالب الطعام الأساسية لجميع المواطنين . ثم توفير عائد من تصدير فائض الإنتاج الزراعى.

– الشروع فى بناء قاعدة صناعية فى أفغانستان بالإستفادة من المصادر الهائلة من الخامات اللازمة للصناعة مثل النفط والغاز والفحم ـ الحديد ـ النحاس .. وغيرها.

إستخراج وتصنيع وتسويق الخامات النادرة عالميا مثل اللثيوم والبلاديوم ، وغيرها. وهى مواد حساسة للغاية بالنسبة للصناعات المتقدمة. لذا فإنها ثروة كبيرة للغاية ماليا واسترتيجيا وسياسيا. وفى أفغانستان كميات هى الأعلى دوليا من بعض تلك المواد .

– إسترداد مناجم اليورانيوم من المحتلين الإنجليز، والإستفادة منها لصالح الشعب بعد تنقيته وتخصيبه إلى درجة مناسبة قبل تسويقه دوليا. وهى ثروة هائلة ماليا وسياسيا واستراتيجيا.

– إسترداد مناجم الماس والذهب والأحجار الكريمة الأخرى/ والتى تذهب إلى تجار يهود بأسعار شبه مجانية / وإعتبارها ضمن الثروة العامة وتدخل إلى بيت المال لتديرها الإمارة.

– تأسيس بنك على أسس إسلامية بعيدة عن الربا . يشرف على إصدار العملة المحلية ومراقبة سعرها فى السوق، والتدخل عند الضرورة . وتقديم قروض للمستثمرين الصغار، والمشاركة فى المشاريع الشعبية لتقويتها.

– تشرف الإمارة على جزء هام من التجارة الخارجية والداخلية، لمنع الإحتكار أو التلاعب بالأسعار.

– التعامل الخارجى مع الإقتصاد المحلى يتم فقط عبر قنوات تحددها الإمارة الإسلامية ، وإلا اُعْتُبِرَ تدخلا غير مشروع، ويتم التعامل معه على هذا الأساس.

 

 

 القضاء على الفقر :

بالسيطرة على الإقتصاد لصالح الشعب يمكن القضاء على الفقر الذى هو أخطر الآفات التى تفتك بأى مجتمع . وهو مانع من تطبيق العديد من الأحكام الشرعية. ويمكن بالإقتصاد القوى إقامة أكبر مشاريع الخدمات الإجتماعية فى كافة المجالات ، خاصة فى التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية والإعمار ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

بالإقتصاد القوى نصنع مجتمعا إسلاميا قويا. وإمارة إسلامية قوية يمكنها دعم المسلمين ونصرة الإسلام.

 

 

موقع المرأة من المفاوضات :

نجح وفد الإمارة فى تجنب الوقوع فى مجادلة فارغة حول ما يسميه الغرب “حقوق المرأة”. فتلك مسألة حددتها الشريعة التى يخضع لها الجميع ـ رجالاً ونساءً ـ وهى شريعة عادلة لا تحابى شخصا أو جنساً ، فالجميع سواسية رجالاً ونساءاً بعضهم من بعض. والإختلاف هو فى الوظائف التى إختصهم بها الخالق ، وهذا الإختلاف هو لتكامل وإستمرار النوع الإنسانى ، وليس لتفضيل صنف منهما على الآخر ، لأن الفضل عند الله هو للأكثر تقوى، سواء كان ذكراً أو أنثى . وهو نفس المعيار الذى تنظر به الإمارة إلى الموضوع .

فحقوق الرجل أو المرأة لا نبحث عنها خارج الشريعة المقدسة . وليس من حق أحد أن يضع لنا شريعة أخرى من إختراعه غير تلك التى فرضها الله علينا ، ونتعبد إليه سبحانه وتعالى بها .

أى نقاش حول الحقوق ــ للمرأة أو الرجل أو أى مخلوق كان عاقلا أو غير عاقل ــ مرجعه هو الشريعة . ونقبل إفتراض حدوث خطأ ، من حيث فهم النص الشرعى ، أو تطبيقه . ضمن هذا المجال يكون النقاش مقبولا، أما غير ذلك فهو مرفوض تماما ، بل ويعتبر من نواقض الدين . فليس هناك نقاش حول صحة الحكم الشرعى أو الطلب بتخطيه أو تعديله ، تحت أى تهديد أو إغراء ، لأن ذلك يعنى التخلى عن الدين بإجماله .

 

 

مفاوضات مع نظام ميت :

 بشكل عام أوضح وفد الإمارة أنه من أجل مفاوضات واقعية : فإن نظام كابل لا يعنيه الإسلام فى شئ ، ولا تعنيه حقوق المرأة إلا فى حدود مكاسب مادية معينة . وغير ذلك فهو نظام مصنوع من الفساد والظلم ، ويعانى من سكرات الموت تحت ضربات الإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان.

 لهذا ركز وفد الإمارة على أن تقتصر المفاوضات الحقيقة على مصيرالشخصيات الحكومية المشاركة. حيث لا مجال لإضاعة الوقت فى تفاوض زائف مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان