1

بعد جهاد 20عاما : كل طلقة على جنود أمريكا والناتو

بعد جهاد 20عاما : كل طلقة على جنود أمريكا والناتو .. كانت تصويتًا لصالح طالبان والإمارة الإسلامية

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 186 | ذوالحجة 1442 ھ – يوليو  2021 م.   

25-07-2021

 

بعد جهاد 20عاما :

كل طلقة على جنود أمريكا والناتو

 كانت تصويتًا لصالح طالبان والإمارة الإسلامية

 

– لا يمكن تصور وجود لأفغانستان بدون إسلام، ولا وجود للإسلام بدون أفغانستان. فجاءت أمريكا لتحطيم أمة الأفغان .. وأمة الإسلام معًا، بضربة عسكرية واحدة.

– الجهاد استمر وانتصرت الإسلامية، لأنها تقود جهاد شعب مسلم لاسترداد حقوقه الأصلية التي لا يمكن أن ينتزعها منه أحد. أوّلها حقه في اختيار الإسلام ديناً.

– يذكر بايدن انتصاراً وحيداً لجيشه هو : (لم تقع إصابات أثناء الانسحاب).. فياله من إنجاز ويالها من بطولة.

– كان النظام ظلاً للاحتلال. ولما انسحب الأصل، انسحبت خلفه الظلال والأوهام.

– ساعد في سرعة انهيار النظام ثقة الشعب، بل ثقة الجيش والأمن والعملاء في عدالة الإمارة الإسلامية والتزامها بقوانين الإسلام.

– على رأس الإمارة قاضي شرعي، عالم الحديث، أمير المؤمنين مولوي هبة الله. الذي أشاعت شخصيته القضائية العادلة والحازمة، الطمأنينة العامة. كما حافظت على وحدة طالبان التنظيمية، وخطهم القتالي الاستراتيجي. رغم جهود الأعداء، وملايين المال الحرام من أشباه الأصدقاء.

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

قال صديق أفغاني في الميدان: إنّ الرئيس الأمريكي يحاول التغطية على هزيمة بلاده المُذِلّة في أفغانستان، بأن يظهر وكأن قامته منتصبة فوق فقرات ظهره المُحَطَّمَة.

– تحاول الولايات المتحدة منذ سنوات التغطية على حقيقة هزيمتها العسكرية في أفغانستان. أو على أهون التعبيرات، عجزها عن تحقيق “انتصار” في تلك الحرب، وإخضاع الشعب الأفغاني للمشيئة الأمريكية.

– ورغم طول مدة الحرب وضخامة خسائرها المالية والبشرية، ورغم افتقار الإمارة الإسلامية إلى أي نوع من الدعم الخارجي، فقد عجزت أمريكا عن إخضاع الأفغان وعجزت عن إخفاء حقيقة خسارتها للحرب وفشل آلاتها الحربية الجبارة من قهر إرادة المجاهدين الأفغان، رغم قلة عددهم، وتخلف أسلحتهم، ومواجهتهم لتحديات التكنولوجيا العسكرية الأمريكية .

– تغطية الحقائق، واستبدالها بالأكاذيب، وتضليل العقول في مسارات وهمية، هو مجال الامتياز الأمريكي. فعندما يخسرون معركة يعلنون انتصارهم فيها، وأنهم حقّقوا المطلوب وأنجزوا المهمةـ هكذا فعلوا في فيتنام ويكررون ذلك في أفغانستان الآن.

وعلى جانب الآخر فهم عندما يخسرون معركة عسكرية أمام شعب ما، فإنهم يتحولون إلى نوع آخر من الحرب. ولا يتوقفون حتى يحطموا إرادته، أو أن يصمد ويبني قوته، بحيث يستحيل إخضاعه بأي نوع من الحروب، سواء المسلحة أو الاقتصادية أو السياسية والدعائية. عندها يلجأون إلى التفاهم معه على حدود مصالح كل طرف. فتهدأ الحروب، ويبقى العداء مكتومًا إلى أن تحين ظروف مناسبة لحرب أخرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

كذبة ونصف في جملة واحدة

بشكل مُرَكَّز وضع بايدن أهم أكاذيبه في جملة واحدة، مركبة من كذبة ونصف.

الكذبة الأولى: أن بلاده حققت أهدافها من حرب أفغانستان في مكافحة الإرهاب.

ونصف الكذبة: أنهم لم يذهبوا إلى أفغانستان (لبناء أمة).

–  الكذبة الأولى هي محاولة لترسيخ الأكذوبة الأمريكية عن 11سبتمبر . وحقيقة أن الولايات المتحدة هي المسئولة وحدها عن ذلك الحادث، والمخطط له، والمسهل لتنفيذه، والمستفيد الأول منه في مجال السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.

وأن المسلمين بشكل عام كانوا المستهدف. وأفغانستان بشكل خاص كانت الضحية الكبرى لأسباب باتت معروفة للجميع.

ولن تتضح حقائق تلك الجريمة الكونية إلا بتشكيل هيئة تحقيق دولية لبحث الأدلة وتحديد هوية الجناة. ليتّضح للعالم أن الحكومة الأمريكية هي المجرم الأول والتهديد الأكبر للبشرية.

– ونصف الكذبة هي أنهم لم يذهبوا إلى أفغانستان(لبناء أمة). وتلك صياغة مضللة لحقيقة أنهم ذهبوا إلى أفغانستان (للقضاء على أمة)ـ الأمة الأفغانية، والأمة الإسلامية.

لهذا استمرّت حربهم عقدين من الزمان. ونراهم يجهزون لطور آخر من الحرب. نعم كانوا يسعون لنهب ثروات أفغانستان الهائلةـ ولكن الأهم لقادتهم العقائديين هو القضاء على الإسلام في أفغانستان . وفصل الرابطة التكوينية بين الشعب الأفغاني والإسلام. فلا يمكن أن يتصور أحد وجود أفغانستان بدون إسلام .. ولا وجود إسلام بدون أفغانستان. لهذا جاؤوا إلى أفغانستان (لتحطيم أمة) ..أمة الأفغان ..وأمة الإسلام معاً وبضربة عسكرية واحدة.

–  فشلت الضربة العسكرية بفضل الإيمان الراسخ لشعب أفغانستان. وهرب الجيش الأمريكي مذموماً مدحوراً. فتركز مجهود دولته وتحالفها العدواني علي سَتْر تلك الهزيمة والتغطية عليها. وتغيير الألفاظ والأسماء سعيًا إلى تغيير جوهر الحقائق ـ وتصوير الأمور على غير ما هي عليه، والأحداث على غير حقيقتها.

– فالقتال الدائر الآن ليس سعيًا من الإمارة الإسلامية للسيطرة على أفغانستان، والإنفراد بالسلطة عن باقي ( مكونات الشعب ).

فلو أن الأمر كذلك لانتهت الحرب بعد فترة وجيزة من نشوبها، وفشلت الإمارة الإسلامية. ولكن الجهاد استمرّ وانتصرت الإمارة لأنها تقود جهاد شعب مسلم لاسترداد حقوقه الأصلية التي لا يمكن أن ينتزعها منه أحد. أولها حقه في اختيار الإسلام ديناً، وما يعنيه ذلك تلقائيًا من تطبيق شرائع الإسلام في كافة أفرع حياته. فلا يمكن لأحد أن يَدَّعي الإسلام وهو يرفض تطبيق شرائعه أو يتجاهلها أو حتى يهينها ويحاربها. أو يعطل بعض أركان الإسلام ويقتل من يطبقها.

–  شعب أفغانستان يجاهد لأجل حقه في امتلاك بلاده كاملة غير منقوصة. ولتكون ثرواتها كاملة رهن تصرفه. لا أن يكون الشعب ضحية الطامعين في ثروات بلاده. ويجاهد لأجل العدالة في الحكم وفي توزيع الثروات. هذا الجهاد الطويل والصعب قادته الإمارة الإسلامية ومن ورائها شعب أفغانستان. ونجح الجهاد في طرد جيوش المحتلين. وسوف ينجح في الوصول إلى السلطة التي تحقق له أهداف ذلك الجهاد وما بُذِل فيه من أرواح وأموال.

فالمسألة ليست مجرد وصول طالبان إلى الحكم، بل حصول الشعب على حقوقه. والإمارة الإسلامية التي عينها الشعب بمجاهديه وعلمائه وقبائله، هو نفس الشعب الذي يجاهد تحت رايتها ويجدد لها البيعة عند كل اشتباك، ومع كل طلقة رصاص.

فلا يَعْتَبِر غِرْبان القصر الجمهوري في كابل أنهم مشمولون بذلك الجمع الأفغاني المبارك، إلا أن يقفزوا من قاربهم الغارق قبل أن يقضي عليهم الشعب باعتبارهم الجزء الأحقر من الخونة الذين التحقوا بالحملة الصليبية على أفغانستان وشعبها ودينها.

فالسلطة الذي جاءت بعد جهاد إنما هي تكليف ثقيل، وحروب وضغوط من أعداء الخارج، ورقابة دقيقة ومحاسبة ورقابة من الشعب في الداخل.

غِرْبان القصر الجمهوري بحكم قوانين الإسلامـ لن يتمكنوا من بلوغ عتبة السلطة في إمارة إسلامية. وسيلقون الجزاء العادل على ما اقترفته أيديهم من خيانة للأمة والدين، والأمانة.

ليست أفغانستان بصدد عملية تقاسم سلطة، ولا سباق عليها.. ولا الإمارة تسعى إليها .. بل تسعى إلى إسلام وشريعة .. في تطبيق عادل وحازم.

يقول بايدن (إن سيطرة طالبان على أفغانستان ليست حتمية). لكن عليه أن يدرك أن الإسلام هو القضية، وهو قادم حتما لحكم أفغانستان شاء من شاء .. وأبى من أبى.

–  يقول بايدن إنه يرفض رؤية جيل أمريكي جديد يقاتل هناك، وهي ذريعة للفرار. فالأفغان من جهتهم جاهزون للجهاد والاستشهاد إلى آخر الزمان. قاتلوا ضد الإنجليز في منتصف القرن التاسع عشر بينما دولة أمريكا مازالت في طورها الجنيني، وتستكمل عمليات إبادة سكان البلاد الأصليين، وإحلال المسلمين الأفارقة كعبيد يُشَيِّدون البلاد الجديدة على أكتافهم وتحت أسواط الأوروبيين المستكبرين الطغاة.

وستمر جهاد الأفغان لا يكاد ينقطع، حتى تقطعت أنفاس ورقاب الأمريكان وكلابهم من حلفاء الناتو فوق أرض افغانستان . وزهق الباطل الأمريكي، وظلت حقيقة الإسلام ساطعة في سماء أفغانستان. وقد أرادوا استبدالها بصلبان رسمتها طائراتهم في السماء، في بداية حملتهم الصليبية في أكتوبر2011.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

حقيقة واحدة: قوة طالبان.

من بين الكذب والتدليس الذي حفل به كلام بايدن. فإن حقيقة واحدة ظهرت فيه عند قوله: (عندما تسَلّمتُ السلطة اكتشفت أن طالبان في أقوى حالاتها) .

وفي الحقيقة فإن الإمارة الإسلامية كانت دوما في أقوى حالاتها .. منذ أن بدأت في الظهور على يد أمير المؤمنين الملا محمدعمر رحمه الله .. إلى أن بدأت في الانتصار على الحملة الصليبية لأمريكا وحلف الناتو. مصدر القوة هو الالتزم بالإسلام والثبات على الحق . ولكن بايدن وطائفته لديهم معايير أخرى.

فهو يقصد بالقوة، قوة النيران وتعداد الجنود والمهارة العسكرية والانتصارات على الأرض. وحتى من هذه الزاوية الضيقة التي ينظر منها إلى معايير القوة فإن ما قاله صحيح.

نصف حقيقة ذكرها بايدن، عندما قال إن قادة جيشه نصحوه بالانسحاب بسرعة، وأنه عمل بنصيحتهم لأن “السرعة تعني السلامة”.

– ثم يذكر انتصاراً وحيداً لجيشه هو: (لم تقع إصابات أثناء الانسحاب).. فياله من إنجاز.. ويالها من بطولة. ثم يكمل قائلًا (لم يكن لدينا شك في أن عسكريينا سيقومون بعمل جيد، وكذلك شركاؤنا).

–  الحقيقة هي أن ترامب كان قد سحب معظم قواته من أفغانستان بحيث لم يتبق له هناك سوى أقل من ثلاثة آلاف عسكري حسب تقديرات كوادر ميدانية مطلعةـ وبالتالي ساد الذعر بين قوات الناتو، وانكشف خواؤه العسكري وغموض أهدافه.

– السبب الأساسي من بدء مباحثات الدوحة كان إطلاق ستارة دخان تحجب حقيقة الهزيمة وإيجاد مبرر للفرار، وأنه انسحاب مشروط بتشكيل حكومة مشتركة بين الكفر والإسلام . وفي الاتفاق تغير لتوصيف أمريكا من معتدي جاء على رأس حملة صليبية أعلنها “بوش”، إلى رجل قانون جاء لمكافحة الإرهاب وقتل أفراد القاعدة. وأن وظيفته هي الوساطة بين الأفغان المتحارين، وإرساء السلام في بلد مزقته الحروب منذ 40 عاما (!!!) .

لهذه الدرجة وصل تزوير الحقائق الجارية أمام الأعين، وليس فقط التاريخ الماضي.

ــ ثم قرر التلاعب بموعد الانسحاب وتأجيله ستة أشهر ليتوافق مع موعد أكذوبة 11سبتمبر. ولسبب آخر غير معلن هو أن يدرك موسم حصاد الأفيون ليجمع ما استطاع من محصول ويحرق ما لم يستطع نقله. وفائدة أخرى هي الظهور بأنه غير متعجل على الانسحاب وأنه لا يهرب.

ومع ذلك قال حلفاؤه، وحقراء من أتباعه، بأنه تعَجَّل في الانسحاب. وفي خطابه يقول بايدن إنه كان ينَفِّذ نصيحة قادته العسكريين، حتي يُنقِذ حياة جنوده. ثم يقلب المثال المشهور (في التأني السلامة) إلى (في السرعة السلامة) وهكذا يتحدث عن إنجاز المهمة .. ثم الفرار.

ــ  وادعى بايدن في تبجحاته أن (قوات طالبان التي يبلغ قواها 75ألف مقاتل لا تضاهي 300 من قوات الأمن الأفغانية). وكأنه نسي أن قوات طالبان، ومعها شعب أفغانستان، تصدت ليس فقط إلى هؤلاء الثلاثمئة ألف، بل كان معهم 140 ألف أمريكي، وأكثر من مئة ألف من فئران الناتو ، أي بمجموع قد يزيد عن نصف مليون جندي، في أفضل حال من التجهيز والسلاح والطائرات والأقمار الصناعية، وإسناد دولي غير محدود في أي مجال تطلبه الولايات المتحدة.

 كل ذلك الحشد  بدون إحصاء لشبكات التجسس، وجيش المترجمين (الضائعين الخائفينـ رغم تطمينات الإمارة) ولكن تلك هي طبيعة كلاب الزينة، لا تصلح للحراسة، ولا تشعر بالأمان إلا في أحضان أصحابها .

ــ  لم ينتصر طالبان طبقا لإحصائيات حسابية لعدد الجنود والسلاح، بل انتصروا لأنهم عادوا بجهادهم إلى العصور الأولى للإسلام. وصف فارس الإسلام “علي بن أبي طالب” رضي عنه معارك المسلمين قائلا {لم نكن نقاتل بعدد ولا عدة بل كنا نقاتل بالنُصْرَة } . ويشهد على ذلك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، ويكفي وعد الله (ولينصرُن الله من ينصرُه).

كان الله وملائكته في نصرة مجاهدي أفغانستان والإمارة الإسلامية. وكل طلقة أطلقها الأفغان على جنود الحملة الأمريكية، كانت مطلباً شعبياً بحكم الإسلام، وحكم الإمارة الاسلامية.

 

 

 سقوط الوهم :

يتهاوى نظام كابول وكأنه وهم لا حقيقة . فقد كان مجرد ظل للاحتلال الأجنبي، ونتيجة لحملة بوش الصليبية على أفغانستان، والناطق الرسمي والوكيل المحلي للإمبراطور الأمريكي الذي اقتحم أفغانستان حاملًا راية الصليب ليسقط نظام الإمارة الإسلامية، ويخلو له المجال لسرقة ثروات البلاد. كان النظام ظلا للاحتلال . ولما انسحب الأصل ، انسحبت خلفه الظلال والأوهام.

–  ساعد في سرعة انهيار النظام ثقة الشعب، بل ثقة الجيش والأمن والعملاء، في عدالة الإمارة الإسلامية والتزامها بقوانين الإسلام . فاستسلم كثيرون لثقتهم في وعد الإمارة الإسلامية بالعفو الشامل، باستثناء من ثبت عليه جرم القتل أو خيانة الأمانة.

–  على رأس الإمارة قاضي شرعي، وعالم في الحديث، وهو أمير المؤمنين مولوي هبة الله حفظه الله. الذي أشاعت شخصيته القضائية العادلة، الشُجَاعَة والحازمة، الطمأنينة العامة. فالتحق بالإمارة الآلاف من الجنود وموظفي الدولة وأنصارها. وبعثت شخصيته الثقة والأمان والترابط بين مكوّنات الأمة، كما حافظت على وحدة الإمارة الإسلامية التنظيمية، وخطهم القتالي الاستراتيجي، رغم جهود الأعداء وملايين المال الحرام من أشباه الأصدقاء.

فالعدل هو المفتاح الحقيقي لانتصارالإسلام، بعد أن يثبت المسلمون جدارتهم في معارك السلاح.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

بعد جهاد 20عاما : كل طلقة على جنود أمريكا والناتو .. كانت تصويتًا لصالح طالبان والإمارة الإسلامية

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 35

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 35

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 186 | ذوالحجة 1442 ھ – يوليو  2021 م.   

25-07-2021

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 35 )

ونفذت ذخائر المجاهدين

وأوشك كل شيء علي الانهيار وأن يعود الوضع كله إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

 

– دبابات المجاهدين ـ تحت قيادة الأخوين إبراهيم وخليل ـ واجهت كل ذلك بشجاعة فائقة ومهارة كبيرة  وتجنبوا بنجاح مجهودات العدو غير العادية لتدميرهم.

– مخازن حقاني خاوية فلا ذخائر ثقيلة ولا ذخائر خفيفة ـ بينما المعركة في ذروتها والعدو يقاوم بشدة، والمجاهدون ليس لديهم من الذخائر ما يكفي حتى للحفاظ على مواقعهم.

– حقاني أن يصارح رجاله بحقيقة ما يجري،  فقال لهم: ليس لدينا أي قذائف للدبابات، كما أن الذخائر الخفيفة قد نفذت هي الأخرى، وليس لدينا منها سوى الغنائم التي بين أيديكم.

– بكى الرجال، وصلوا وتضرعوا إلى الله ، ثم قرروا جميعًا بلا تردد:

” سننفق مالدينا من دم ومال في سبيل الله ولن نتراجع حتى ينصرنا الله أو نستشهد “.

–  قامت الطائرات أثناء النهار بإسقاط كمية ضخمة من قذائف الدبابات لولا خطأ بسيط “الريح” هي المسؤولة عنه. إذ حملت جميع المظلات المحملة بالقذائف، وعبرت بها نهر شمل وأنزلتها فوق دبابات المجاهدين !!!! .

– جماعة أبوالحارث يشاركون بقوة في معارك المرحلة الجديدة ويقتحمون النهر الهائج بكل جسارة ، ويغرق عدد منهم . ثم يشتبكون بالأسلحة الخفيفة والمضادة للدروع مع دفاعات العدو جنوب المطار القديم وعلى مجنباته.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

الجمعة  5 رمضان ـ 21مارس 1991 :

بدأ المجاهدون، بقيادة الشقيقين إبراهيم وخليل، في التقدم على المدق الترابي لتطويق خط دفاع العدو ـ والتقدم من خلفه للاستيلاء على مواقعه الحصينة.

دبابات العدو كانت قد انسحبت بالكامل إلى شمال نهر “شمل “. ولكنها اصطفت على طول الضفة وصبت نيرانها بأقصى قوة على قوات المجاهدين المتقدمة أمامها على الضفة الجنوبية.

(يعتبر العسكريون أن التحرك بعرض الجبهة، في مواجهة قوات العدوّ، من المناورات الخطيرة جداً لكون مجنبه القوات تكون مكشوفة لنيران العدو. فقد المصريون أحد ألويتهم المدرعة في حرب 1973 أمام إسرائيل في سيناء في مناورة كهذه. ولكن مجاهدي خوست لم يخسروا أحدا من أفرادهم رغم أنهم قاتلوا راجلين أمام 40 دبابة للعدو ومئات الجنود، وطيران يقصف بشراسة).

بالطبع لم تكن العملية سهلة، فقد ووجهت قوات المجاهدين بنيران عنيفة جدا تنصب على ميمنة الطابور المتقدم، من الدبابات، والمصفحات، ورشاشات ثقيلة مضادة للطائرات كانت مثبتة على شاحنات عسكرية ومدرعات، وكلها مصطفة على الضفة الأخرى من النهر. هذا إلى جانب القصف الجوي الذي استمر طوال أيام المعركة ليلا ونهارا بعنف لم يسبق له مثيل ـ وعلى الأرجح أن الطيران السوفيتي قدم دعمًا جويًا كبيرًا في تلك المعركة ـ التي شهدت أيضا استخداما موسّعًا لصواريخ سكود بعضها كان يحتوي غاز الخردل برتقالي اللون.

 –  بدأ استخدام الغاز السام في صبيحة هذا اليوم وسقط أول صاروخ خلف ” باشيم ” وكان النهار مشرقا والريح راكدة. ارتفع الغاز بضع مئات من الأمتار في الجو على شكل عش الغراب ضخم كما يحدث في التفجير النووي ـ ومن موقع ترصدنا في “خرمتو” خشينا أن تهب الرياح في اتجاهنا فنكون على قمة جبلنا عرضة للإصابة.

في الشمس المشرقة سخن الغاز وارتفع إلى أعلى ولم تهب الريح . فمرت أزمة غاز الخردل بسلام ولم يصب أحد لاعندنا ولا في باشيم، وفارم باغ.

 سجلت ذلك المشهد بالكاميرا ـ وفعلت ذلك أكثر من عشر مرات في ضربات غاز في أنحاء مختلفة من ميدان المعركة ، التي كنا نعرف تطوراتها من انتقال ضربات الطيران والصواريخ والغازات. فنعرف إلى أي مدى تقدم المجاهدون، قبل أن تصلنا الأخبار على جهاز المخابرة، وكانت تلك وسيلة أكثر مصداقية لدينا.

في تقدمهم على الطريق الترابي اتّخذ المجاهدون أسلوبًا حريصًا فكانوا يجهزون على المواقع الجبلية واحداً تلو آخر. ولا يتركون شيئا خلفهم وذلك حتى لا يتعرضوا لنيران معادية من مجنبتهم اليسرى بينما اليمني هي أيضا مكشوفة للعدو على شاطئ النهر. بل ربما تعرضوا لقطع الطريق من خلفهم وطوقهم العدو.  لذلك استغرق تقدمهم على ذلك المحور عدة أيام.

– استسلم اليوم موقع “أليسار ” ويقوم “المجاهدون /المتربصون” بنزح ما به من معدات وأسلحة وتجهيزات وكانت كميات معتبرة.

– على الحدود الباكسانية على بعد حوالى خمسين كيلومترا شمال شرق خوست استسلم موقع “جاجي ميدان” الحدودي، وهو المنفذ الرئيسي لعمليات تهريب البضائع من باكستان إلي خوست.

الآن وقد انقطع اتصاله البري مع المدينة بسقوط كوكاراك وأليسار فلم يعد هناك من معنى لبقائه، خاصة بعد الضربات القاصمة التي تتلقاها القوات الحكومية يوميًا وتراجعها المتواصل أمام هجمات المجاهدين.

استسلم ” جاجي ميان” في عملية تقليدية تتجلى فيها مهارة الاستخبارات الأفغانية في التعامل مع مجموعات المجاهدين والقبائل .  فعقَدَت اتفاق تسليم مع أسوأ العناصر الممكنة على جانبي الحدود الأفغانية والباكستانية،  في حالة فريدة نادرة المثال .

أيضا تجهيزات جاجي ميدان كانت هائلة كموقع كان ذو أهمية خاصة فهو صمام الوجود للمدينة طوال مدة حصارها الطويلة جداً.

وذهبت غنائم “جاجي ميدان ” إلى نفس الفئة من “المجاهدين /المتربصين “

– تعرض المجاهدون اليوم لأكبر نكسة تعرضوا لها في معركة فتح خوست. فقواتهم العاملة غرب تورغار كانت تجهز لهجوم رئيسي انطلاقا من مواقعها.

كانت التجهيزات كثيفة واستغرقت عدة أشهر، قابلها العدو باستعدادات مماثلة لصد الهجوم خاصة في مجال الأسلحة المضادة للدبابات.

الآن وقد انتقل الهجوم إلى الطرف الشرقي من الجبهة ، وبدون تجهيزات مسبقة كبيرة الحجم ـ ثم الانتصارات الكبيرة المتتابعة من ماليزي إلى باشيم إلى فارم باغ إلى السير في طريق تطويق دفاعات العدو جنوب النهر واقتحامها من الخلف .

قوات المجاهدين غرب تورغار مكونة أساسا من كتيبة سلمان الفارسي التي يقودها الدكتور نصرت الله . ومعه عدة مجموعات ملحقة بها، أهمها المجموعة العربية بقيادة  “أبو الحارث الأردني ” ثم مجموعة من طلاب الشريعة من قندهار يقودهم “ملا قندهاري” ( وكان هؤلاء إرهاصة متقدمة لظهور حركة طالبان التي تحركت عام 1994 وسيطرت على العاصمة عام1996 وأسقطتها أمريكا وحلفاؤها الإقليميون والدوليون عام 2001م) .

ثارت تلك المجموعات وشعرت بالغيرة ، نتيجة تهميشها الشديد ونجاحات الآخرين ، فوجهوا ضغوطا شديدة على حقاني كي ينفذوا برنامجهم الهجومي الذي تم تجاهله. عارض حقاني بشدة ، ولكنه كان يواجه ما هو أكثر من مجرد احتجاج لمطالب الثائرين .

انطلق الهجوم تدعمه دبابتان يسير المجاهدون أمامها وخلفها ، وتكدس كثيرون فوقها أيضا. توجه الجميع صوب هضبة “جاجر سر” التي تعتبر الطرف الغربي لخط دفاع العدو الذي تكون “باشيم ” طرفه الشرقي .

ما أن وصل الموكب إلى “منطقة القتل” التي حددها العدو حتى انفتحت عليهم سيول من النيران ، قال من نجي من الموقعة أن الصواريخ المضادة للدبابات التي أطلقت عليهم كانت أكثر من طلقات البنادق .

فاحترقت الدبابتان على الفور، وقتل عدد كبير ممن كانوا على ظهرها ومنهم “ملا قندهاري” الذي أصيب بصاروخ “آر بي جي” أطاح بنصف وجهه . قتل أيضا عدد من العرب وكثيرون من كتيبة سلمان الفارسي .

ارتسم الوجوم على وجوه المجاهدين في الجبهة بعد أن عرف بعضهم الخبر. وشعر الآخرون أن الهجوم قد فشل وأن الخسائر ثقيلة . تم سحب الجثث ، ودفن الشهداء العرب فوق هضبة مقابل مركز خليل في باري . توقف العمل من هذا المحور حتى بلغ التقدم المنطلق من “فارم باغ” مداه وسقط خط الدفاع الجنوبي كله .

 

 

ونفذت ذخائر المجاهدين

السبت 6 رمضان ـ 22 ما رس 1991  :

اليوم أشد الأيام حرجاً .. وأوشك كل شيء على الانهيار وأن يعود الوضع كله إلى نقطة الصفر مرة أخرى. فقد استولى المجاهدون حتى الآن على نصف خط الدفاع الجنوبي أو أقل قليلا . ونهر شمل في ثورة خطيرة مازالت تتزايد تدريجيا منذ بداية المعارك ومنسوب الفيضانات العنيف يزيد يوما بعد آخر .

والمدافعون عن مواقع العدو المتبقية جنوب النهر مستميتون في الدفاع ، وقد انقطع أملهم تقريبا في تلقي معونات سوى من الطيران . وزاد تأزم موقفهم أنهم قتلوا عددا من المجاهدين المهاجمين ، فضاعت منهم فرصة العفو التي يمنحها المجاهدون عادة للجنود الذين يستسلمون طواعية .

المجاهدون يواجهون الآن مقاومة أشرس من مواقع العدو الجبلية التي يتقدمون عليها من الخلف ، لكنهم يتلقون أيضا نيرانا حامية من مواقع العدو شمال النهر خاصة من الدبابات التي ظهر منها عددا أكبر مما كان متوقعا قبل بدء المعارك. فقد ظهر أن لدى العدو أربعين دبابة صالحة للعمل وليس عشرون كما توقع المجاهدون .

فقد المجاهدون بالأمس دبابتان ، أي ربع عدد الدبابات العاملة معهم . لديهم الآن ست دبابات فقط عليها واجبات ثقيلة جداً : أولا عليها أن تشق طرقاً للحصار خلف مواقع العدو ، الذي تزود بصواريخ سلكية مضادة للدبابات ، وبأعداد كبيرة من قواذف (آر بي جي ). وقد تمكن بالأمس من تحطيم هجوم المجاهدين وأحرق دبابتيهم .

وعليها ثانيا: التصدي لنيران دبابات العدو على الضفة الأخرى التي تشكل خطورة على مشاة المجاهدين ودباباتهم . كل ذلك يتم تحت قصف جوي غير اعتيادي تستخدم فيه كافة الذخائر المتاحة والمحرمة .. من العنقودي إلى الفوسفوري وغاز الخردل إلى صواريخ سكود العنقودية والغازية.

وقد وجه طيران العدو اهتماما خاصاً لدبابات المجاهدين محاولا تدميرها باعتبارها الخطر الأول على موقفهم العسكري على الأرض .

دبابات المجاهدين ـ تحت قيادة الأخوين إبراهيم وخليل ـ واجهت كل ذلك بشجاعة فائقة ومهارة كبيرة ، وحققوا بنجاح كل ماهو مطلوب منهم ، وتجنبوا بنجاح أيضا مجهودات العدو غير العادية لتدميرهم .

ولكن ما عساهم أن يفعلوا الآن وقد نفذتهم ذخائرهم؟؟. منذ يومين والشقيقان “حقاني” يرسلان إشارات تحذيريه لشقيقهم الأكبر جلال الدين ، بأن استهلاكهم للذخائر مرتفع وأن مالديهم يتناقص بسرعة ، وقد يتوقفون عن العمل فجأه . فرد عليهم قائلا أن لا قذائف لديه في المخازن ولكنه سوف يرسل شخصا إلى سوق ميرانشاه ليشتري ما هناك من ذخائر..لكن كان هناك ذلك المشتري “المجهول” الذي يسحب ذخائر الأسلحة الثقيلة بأعلى سعر .

(أخبرني حقاني بعد المعركة أنه في الحقيقة لم يكن يدري ماذا يفعل، فهناك من يتحكم في وتيرة تقدم المجاهدين بواسطة التحكم في كمية ونوع ذخائر الأسلحة الثقيلة المتاحة بين أيديهم أو في الأسواق القبلية القريبة منهم ).

 ليس هذا كل شيء فالمصائب لا تأتي فرادى. فالمجاهدون في الجبهة الجنوبية المحتدمة أبلغوا حقاني عن نفاذ ذخائرهم من طلقات البنادق إلى قنابل الهاونات وقذائف (آر بي جي )!! .

وقالوا أن الذخائر متوفرة من الغنائم ـ وهي كميات ضخمة ـ لكنها لم تقسم بين المجاهدين ـ ( سيكون للمجاهدين أربعه أخماس الغنائم وللتنظيم الخمس ) .

في هذه اللحظة تحديدا كانت مخازن حقاني خاوية على عروشها فلا ذخائر ثقيلة ولا ذخائر خفيفة ـ انتهى كل شيء، بينما المعركة في ذروتها والعدو مازال يقاوم بشدة، والمجاهدون ليس لديهم من الذخائر ما يكفي حتى للحفاظ على مواقعهم.

فالعدو “نظريا” يمكنه الآن وبسهولة استعادة كل ما فقد من مواقع بل والوصول إلى القواعد الإدارية الكبيرة في عمق مناطق المجاهدين، هذا إذا كان لديه المعنويات الكافية لذلك.

– كان الموقف في غاية الحرج، واختار حقاني أن يصارح رجاله بحقيقة ما يجري،  فقال لهم : ليس لدينا أي قذائف للدبابات ، كما أن الذخائر الخفيفة قد نفذت هي الأخرى، وليس لدينا منها سوى الغنائم التي بين أيديكم.

إني أطالب من الجميع صلاة ركعتين لله، والدعاء والاستخارة ثم يقررون قرارهم، فإن رأيتم الاحتفاظ بالغنائم فهذا حقكم، وإن رأيتم أن تنفقوها في سبيل الله فهذا خير لكم عند الله.

عند هذه النقطة عاد الجهاد إلى منبعه النقي الصافي الذي بدأ منه في أفغانستان، وزالت الغشاوة من على العيون .

فهذا موقف الخيار الصعب والحاسم ، فإما الجهاد بالنفس والمال معا والاستمرار في الجهاد حتى النصر أو الشهادة ، وإما أخذ الأموال والإنصراف بها إلى البيوت، وترك البلاد في أيدي العدو.

بكى الرجال وصلوا وتضرعوا إلى الله ، ثم قرروا جميعًا بلا تردد:

” سننفق مالدينا من دم ومال في سبيل الله ولن نتراجع حتى ينصرنا الله أو نستشهد “.

وكأن الله علم صدق نياتهم ففتح عليهم في خوست فتحاً لم تر أفغانستان له مثيلاً.

ولكن ما حدث لرجال الدبابات كان أعجب !!.

كانوا قد أنفقوا بالفعل ما غنموه من قذائف دبابات من فارم باغ التي كان بها عشرة دبابات على الأقل فرت أمام دبابتي المجاهدين تاركة مخزونها من القذائف . وهو مخزون ضخم، لكن الاستهلاك كان غير عادي ولم يسبق له مثيل في أي معارك سابقة، فنفذ ذلك المخزون أيضاً.

وكما ذكرنا لم يكن في مخازن المجاهدين أي قذائف إضافية، وحتى في أسواق السلاح القبلية ، هناك من سحب منها كل قذائف المدفعية والدبابات !!.

والآن تحشد القوات الحكومية معظم دباباتها الأربعون على الضفة الشمالية لنهر شمل في مقابل الدبابات الست للمجاهدين.

وكما قال إبراهيم لأخيه جلال الدين: “إن المعركة لا يمكن الاستمرار فيها بدون الدبابات”.

لقد لعب نهر شمل دوراً أكبر مما هو متصور في مسيرة تلك المعركة . فذلك النهر العذب الرقيق، الذي يمكن أن يعبره طفل من أكثر مناطقه، تحول إلى وحش كاسر مخيف، يبتلع أي شيء يعترض طريقه. حتى إنّ العدو عند فراره من “فارم باغ” خسر عدة شاحنات في النهر وانقلبت مدرعة أو أكثر هناك.

ولم يكن ممكنا للمجاهدين مطاردته إلى الجانب الآخر. وبالمثل عندما بلغ هجوم المجاهدين مداه الأقصى ونفذتهم ذخائرهم خفيفها وثقيلها، وكان العدو يعلم ذلك بلا شك من متابعاته اللاسلكية لأحاديث المجاهدين.

–  وفي نفس الوقت تحطم هجوم رئيسي للمجاهدين على أعتاب هضبة “جاجرسر” رغم أنه هجوم جرى الإعداد له لعدة أشهر، وفقدوا فيه عددا من أفضل القيادات إضافة إلى تدمير ربع سلاح دباباتهم.

لو أن العدو شن هجومًا معاكسًا في ذلك الوقت، لاستطاع على أقل تقدير، أن يعيد الأمور إلى نقطة الصفر ويستعيد جميع ما فقده من مواقع .

إذا استثنينا انهيارهم المعنوي ، فإن العقبة المادية الأكبر أمام ذلك كانت نهر شمل، وغضبته الرهيبة التي تمنع الشاحنات العسكرية وحتى المدرعات والدبابات من العبور إلى الضفة الجنوبية.

عقبة أخرى واجهت العدو وغابت عن المجاهدين وقتها وهي أن العدو يعاني من نفس المشكلة بالنسبة للدبابات، فقد نفذت ذخائره أيضًا.

لم يعد في خوست كلها قذائف دبابات، والإمدادات من كابول عبر “المطار الجديد” إما أنها انقطعت أو أصبحت شحيحة جدا.

فراجمات العرب، وإن لم تمنع نهائيا استخدام المطار، إلا أنها جعلت استخدامه مسألة غاية الخطورة ، وأحرقت على مدرجه عدة طائرات بمن فيها . فهي تقف بالمرصاد لحركة النقل في المطار منذ غروب الشمس وحتى الشروق. إذن تموين الدبابات بالذخائر لن يتم إلا بالإسقاط المظلي .

فقامت الطائرات أثناء النهار بإسقاط كمية ضخمة من قذائف الدبابات على المنطقة شمال النهر.

تمت العملية بنجاح تام لولا خطأ بسيط لم يتعمده أحد بل أن “الريح ” هي المسئولة عنه. إذ حملت جميع المظلات المحملة بالقذائف، وعبرت بها نهر شمل وأنزلتها فوق دبابات المجاهدين !!!.

لا يمكن لأحد أن يتخيل مدى فرحة المجاهدين بتلك المعجزة التي اعتبروها تأييدا ربانيا لهم . فقابلوها بالهتاف والتكبير والسجود لله.  فإذا كانت أمريكا وباكستان والسعودية قد حجبت عنهم الذخائر، فقد أمدهم الله بها من عقر دار العدو .. من كابول !!.

اتّصل الأخوان حقاني بأخيهم الأكبر كي يخبراه أن الله حل لهم المشكلة، ولم يعودوا في حاجة إلى الذخائر.

وبالفعل كفتهم تلك الذخائر إلى نهاية المعركة وفتح المدينة. وظلت هناك كمية زائدة استخدموها بعد ستة أشهر في الهجوم الكبير على مدينة جرديز.

( أخبرني الأخوان حقاني بعد ذلك أن القذائف كانت محفوظة في علب من الكرتون السميك، ومثبت بها صواعق التفجير وجاهزة للإطلاق الفوري ).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

الأحد 7رمضان ـ 23 مارس 91 :

أكمل المجاهدون اقتحام مواقع خط الدفاع الجبلي حتى وصلوا إلي هضبة “جاجرسر”.

المواقع الأخرى جنوب النهر إلى الغرب من الخط الجبلي تم إخلائها بسرعة، وأهمها موقع “شيخ أمير” الذي صمد طويلا أمام هجمات المجاهدين في السنوات الماضية.

تلك المواقع كانت عرضة للتطويق بعد سقوط الخط الجبلي فانسحب منها العدو فور سقوط”جاجرسر”. ولما كانت غير واقعة تحت الهجوم وقت الجلاء عنها فقد تمكن الجنود من عبور النهر بلا خسائر تقريبا بعكس زملائهم في الخط الجبلي الذين سقط معظمهم قتلى وأسرى أو غرقى في النهر.

–  تعرضت مجموعة من شباب القاعدة لموقف حرج عندما عبرت مجموعة صغيرة منهم نهر شمل في مقابل شيخ أمير في محاولة لاستطلاع الوضع على الجانب الآخر وعند وصولهم إلى جرف على شاطئ النهر تعرضوا لنيران شديدة من قوات “جلم جم” الأوزبكية، فجُرِح أحدهم وظل في الماء البارد تحت الجرف لأكثر من اثني عشر ساعة حتى تم إخلائه بواسطة زملائه وبعض مجاهدي المنطقة من “المتربصين”.

وكان للقاعدة مركز قرب “شيخ أمير” في منطقة تدعي البتالون.

 

وقـفـة تـعـبويـة

الإثنين (8 / 9رمضان 1411هـ  ـ  24 /25 مارس1991) :

أوقف حقاني القتال لمدة يومين فيما يمكن تسميته بالوقفة التعبوية.الهدف منها إعادة ترتيب القوات وتموينها وإراحتها ، ثم الإعداد للمرحلة القادمة من العمليات.

ولكن أحزاب بيشاور والصحافة الباكستانية شنت حربا نفسية شديدة عليه. وروجوا أنه قد اكتفى بما حازه من مكاسب في العمليات وأن معارك خوست قد انتهت والمجاهدون سيعودون إلى بيوتهم!! . وكالعادة نسبت الأحزاب إلى نفسها ما حدث ومالم يحدث من انتصارات حتى بدا كأن وجود حقاني لا معنى له ولا تأثير . فاضطر حقاني إلى إصدار بيان بأن المعارك سوف تستمر في القريب العاجل وأن الوقفة الحالية هي لإعادة تنظيم الصفوف .

خلال هذين اليومين كان فيضان نهر شمل قد بلغ أشده، وأي محاولة لعبوره كانت مجازفة كبيرة. وعندما بدأت العمليات مرة أخرى كان الفيضان مستمرا ولكن حدته قد خفت قليلا .

 

الأربعاء 10رمضان ـ ( 26مارس 1991) :

 المرحلة الثانية من القتال قد بدأت بالفعل. (انظر خريطة المرحلة الثانية من العمليات)

 أصعب المهام فيها كان عبور النهر الثائر ثم اختراق دفاعات العدو، الذي لم يكن قد استحكم بشكل كاف ولم يحفر الخنادق ويبث الألغام المطلوبة ، ولكنه علي أي حال وضع معظم قوة نيرانه ورجاله ودعمه الجوي الكاسح لمنع عبور المجاهدين للحاجز المائي المتلاطم في نهر شمل، الذي يعمل في هذه اللحظة بالذات إلى جانب العدو فقط. ظهر من العمليات لاحقا أن الخطوط العامة لخطة المجاهدين كانت كالتالي :

1ـ التركيز على المطار القديم كمحور أساسي للهجوم .

فيتم الهجوم عليه بشكل مباشر. مع هجمتان علي الأطراف بهدف تجاوزه.

من طرف الشرق في إتجاه “نوي كلاي” وهي ضاحية جديدة ملحقة بالمدينة.

 ثم من ناحية الغرب تهاجم مباشرة على قلعتي “تخته بك” وهي قلعتان حصينتان قديمتان بهما مقر القيادة العسكرية للمدينة ، مع مخازن كبيرة للذخائر . وتبعد (تخته بك) عن المطار حوالي ثلاث كيلومترات .

وتبعد عن سوق ( بازار) المدينة عدة عشرات من الأمتار تشغلها حديقة من الأشجار ثم شارع رئيسي مرصوف. بعده تبدأ حافة البازار المحاط بمباني سكنية ومراكز حكومية عديدة، ثم تأتي من خلفه هضبة متون بعد حوالي كيلومترين تقريبا من قلاع تخته بيك.

– هضبة متون تحولت إلى تكدس رهيب للأسلحة الثقيلة المتخندقة بكثافة غير عادية تجعل من احتمال إصابتها بأي رماية احتمالا كبيرا وقد اضطرت الحكومة إلى ذلك نتيجة تقلص الأراضي تحت يدها. وكانت الهضبة مركزا للترصد بعد ضياع الجبال، ومركزا للاتصالات اللاسلكية والإذاعة.

2 ـ كان لحقاني مجموعات قوية في كل من دراجي ونادر شاه كوت.

الأولى يصلها بالمدينة طريق فرعي غير مرصوف ، والثانية على الطريق العام مباشرة ، وكلاهما يمكنه التقدم الآن بسهولة صوب المدينة بعد ما ضعفت كثيرا قوات العدو المواجهة لها. وانسحاب الجزء الأكبر منها للدفاع عن المحور الجنوبي عند المطار القديم وما حوله.

3ـ كان على مجموعاتنا العاملة ضد المطار الجديد أن تواصل عملها المعتاد ، إلى أن يصل المجاهدون إلى مركز المدينة أوالمطار الجديد .

هذه هي المحاور التي عمل عليها حقاني بالقوات المتاحة لديه تحت إمرته المباشرة .

ولكن ما إن تمكّنت قواته من عبور نهر شمل واختراق دفاعات العدو قرب المطار القديم، حتى اندفعت قوات “المتربصين ” تحاول السباق صوب مراكز العدو المليئة بالغنائم.

لم يقاتل “المتربصون” بشكل مناسب، بل ناوشوا بشكل إزعاجي ـ كما لاحظنا من منطقتنا الشرقية ـ ولكنهم أربكوا العدو وشتتوا مجهوداته المتبقية وأرعبوا قواته النظامية وميليشيا “جلم جم” وهم يرون بحار من البشر تطبق عليهم من كل جانب.

الخميس 11رمضان (27مارس 1991) :   

جماعة أبوالحارث يشاركون بقوة في معارك المرحلة الجديدة ويقتحمون النهر الهائج بكل جسارة ، ويغرق عدد منهم . ثم يشتبكون بالأسلحة الخفيفة والمضادة للدروع مع دفاعات العدو جنوب المطار القديم وعلى مجنباته. ويبرز أبو معاذ الخوستي قائداً لتلك المجموعات، يتمتع بأفضل المزايا لقائد ميداني ناجح. وأظن أن نجاحات أبومعاذ في ذلك المجال لم ينافسه فيها أي عربي آخر طوال مدة الحرب في أفغانستان .

العدو يقاتل بضراوة ولكن المجاهدين يتقدمون ببطء على طول خط المواجهة .

الطيران مازال يعمل بنفس الوتيرة الجنونية. وأي موقع ينسحب منه العدو يتم قصفه فورا بالطيران وبصواريخ سكود وهكذا كنا نعرف تطورات الوضع العسكري من مواقعنا الجبلية في “خرمتو” .

الجمعة 12 رمضان ( 28مارس 91):

القتال يدور بالأسلحة الخفيفة على جانبي مدرج المطار القديم. لقد سقطت الدفاعات الجنوبية للمطار وكانت قوية ومنيعة.وكذلك هي الدفاعات الشمالية المتخندقة بشكل هائل ، وخلفها بيوت أسمنتية عديدة وحدائق ذات أشجار وقناة ري كبيرة نسبيا . وبشكل عام المنطقة تساعد على القيام بدفاع جيد، خاصة وأن المدرج الترابي المتسع يشكل عائقا كبيرا لكونه مكشوفا. لأجل ذلك تجمدت المعارك في المطار عند هذا الحد حتى تمكن المجاهدون من تجاوز المجنبات فأصبحت القوة المدافعة مهددة بالتطويق، فأخذت في الانسحاب صوب المدينة .

السبت /الأحد /الإثنين ( 13ـ14ـ15رمضان ) /(29ـ30ـ31 مارس) :

في تلك الأيام الثلاث توالى سقوط الأهداف الهامة:

  –  المجاهدون المتقدمون من شرق مدرج المطار القديم استطاعوا الاستيلاء على الحي الجديد (نوي كلاي) ـ وكان بالقرب منه السجن الجديد في المدينة فأطلقوا سراح المساجين هناك وأكثرهم كانوا “مساجين سياسيين ” فكانت فرحتهم لا تقدر وقد قضوا سنوات طويلة وصعبة جداً .

 –  توجه المجاهدون بعدها صوب المدينة القديمة ، وكان القتال عنيفا ، يدور في الشوارع الضيقة وعبر البيوت. وكانت المقاومة أساسا تأتي من ميليشيا “جلم جم ” الأوزبكية ، فقد كانت فرصة فرارهم معدومة نتيجة ملامحهم المميزة والمخالفة تماما لملامح أهل المنطقة . بينما كان الجنود يستطيعون الفرار بسهولة أكثر بملابسهم المدنية فيندسون بين السكان الفارين الذين كانوا يتوجهون فورا إلى المجاهدين الذين عاملوهم معاملة حسنة وسهلوا خروجهم من منطقة المعارك ومن ثم صوب ميرانشاه في باكستان .

حتى الجنود الذين يرتدون ملابسهم الرسمية ويستسلمون للمجاهدين كانوا يعاملون معاملة حسنة ويرحلون خارج الميدان مع المدنيين بدون أي مضايقات .

أما الضباط الكبار فكانوا يعتقلون ويضعون في الحجز في انتظار التحقيق .

ولم نسمع أن أيًا من هؤلاء تم إعدامه . بل أن أحدهم تم الأفراج عنه بعد أيام، وكان من قبيلة منجل ، وهي الأكبر عددا في ولاية باكتيا.

وقد تعاون هؤلاء مع المجاهدين خاصة في عمليات الهجوم على “جرديز” التي جرت بعد ذلك بحوالي ستة أشهر . تعاونوا بالمعلومات والاتصالات مع نظرائهم الضباط على الجانب الآخر. ولكن لم يشارك أيا منهم في العمليات مع المجاهدين .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 186 : اضغط هنا

 

خريطة المرحلة الثانية من العمليات فتح خوست

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 35

 




استراتيجية (الصبر القاتل)

استراتيجية (الصبر القاتل)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 185 | ذوالقعدة 1442 ھ – يونيو 2021 م.   

27-06-2021

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

– جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. وسينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية.

– استراتيجية (الصبر القاتل) تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت، إلى أن تنجز مهاماً كانت تُنْجَز عادة بعد الفتح واقتحام العاصمة.

– لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، ثم بقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه؛ فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

تتساقط المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بسرعة أذهلت حتى المراقبين الحكوميين.

والنشرات الصادرة عن أنصار الإمارة الإسلامية مزدحمة بأسماء المناطق وكميات الغنائم، والقادة العسكريين المستسلمين أو الصرعى والقوات التي تبخرت من الوجود لأسباب مجهولة.

حتى تكاثرت الأصوات التي تطالب الإمارة الإسلامية بالإجهاز على النظام بضربة نهائية وأن تدخل المدن والعاصمة. ولكن للإمارة الإسلامية خططها واعتباراتها. فهي تنشب أصابعها القوية في عنق النظام بدون أن تجهز عليه، مما أثار دهشة واستغراب أكثر المراقبيين.

– العجيب والجديد هو استراتيجية (الصبر القاتل) التي تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت إلى حين ان تنجز مهام كانت في الحروب المماثلة، تنجز بعد الفتح واقتحام العاصمة. الإمارة أنجزت الكثير جدا من تلك المهام الآن. مستفيدة من تشبث أعدائها الأغبياء بإمداد النظام بمقومات الصمود. تلك المواد شيدت لها الإمارة الإسلامية طرقاً ومسارات ومخازن، لتحصل عليها بعد وقت قصير من وصولها.

النظام الحاكم، بفساده، يؤدي دورا وطنيا لأول مرة في تاريخه. إذ يخصم نسبة من المعونات كأتعاب له، ثم يمرر الباقي إلى المجاهدين. والنسبة المحتجزة يشتريها المجاهدون، مستفيدين من يقظة ضمير الفاسدين ، لحل مشاكل متوقعة بعد الفتح.

-قال خبير عسكري حكومي: طالبان تستخدم استراتيجية خطيرة. فهم الآن يسيطرون على المدن الأخرى تاركين العاصمة وحيدة حتى اللحظة الأخيرة.

وجاء في تحليل عسكري آخر، إن طالبان لا تتعجل إسقاط المدن حتى تتيح لمقاتليها فرصة لترسيخ أوضاع المناطق المحررة، بعد التقدم السريع في الفتوحات والأراضي المحررة، والقوات الحكومية المنضمة إلى الحركة.

إذن المهمة هي ترسيخ الأقدام وتنظيم المناطق المحررة وتجميع الغنائم الهائلة. أما المدن فطالبان متواجدون بداخلها عملياً بدون استلام السلطة رسميا، معتبرين ذلك عملا مؤجلا لحين الاستفادة من الوقت الحالي والفرص المتاحة فيه.

– ولا ننسى أن أمريكا والناتو ملتزمون بدعم النظام في جميع الأوجه، للصمود ودعم الاحتياجات العسكرية والمدنية، وكلها إمدادات تحتاجها طالبان الآن. ومازال الاحتلال يتكفل بها، وتصل إلى طالبان بسرعة. وذلك عنصر مؤثر في عملية الإعلان عن تولي الإمارة الإسلامية للسلطة رسميا في المدن عامة والعاصمة كابول بشكل خاص.

– لا أحد يدافع عن النظام الذي يقتله الفساد وصراع الأجنحة على السرقات. مع الشعور باقتراب السقوط تراهم يبيعون كل شيء للإمارة الإسلامية، حتى المعلومات السرية التي تؤدي إلى ضرب شبكات التجسس واغتيال الشخصيات المحورية التي تدير الأعمال المضاده لطالبان.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

في أمريكا غموض وتناقض

تثير أمريكا جوا من الغموض والتناقض حول نواياها في أفغانستان. يرجع ذلك إلى معضلات تواجه تلك الدولة العظمى التي دخلت بالفعل في مرحلة الهبوط والأفول الحضاري نتيجة مجموعة من المشكلات العويصة. وهزيمتها في أفغانستان فاقمت من تأثير ذلك الخليط من المعضلات القديمة والجديدة. مضافا إليها تفاعلات الهزيمة العسكرية وهي تفاعلات نفسية ومعنوية، وضربة عميقة لجنون القوة، والثقة غير المحدودة بالقدرات المادية المتوفرة لتلك الدولة، وفشل كل تلك القدرات، وانهيارها غير المنطقي أمام قوة صغيرة متخلفة ماديا ، ولكن لديها قوة معنوية لم يتصور الأمريكان أن لها كل ذلك التأثير. حتى أنها أفشلت العوامل المادية التي وضعوا كل اعتمادهم ـ وإيمانهم ـ وثقتهم بها. بل كانت هي دافعهم الأول لمحاربة أفغانستان لاغتصاب ثروات شعب لا يدري حتى بوجودها في أرضه ـ أو أنها بهذا القدر المهول.

 

في أفغانستان.. الإسلام هو العدو

أدرك الأمريكيون ـ بعد فوات الأوان ـ كما أدرك السوفييت قبلاً ، أن سلاح الأفغان الأساسي هو الإيمان الديني. ولأجل استعباد ذلك الشعب، فلابد من انتزاع الدين منه. وقد واظبوا على ذلك طول الحرب التي كانت الأطول في التاريخ الأمريكي، حتى الآن.

والسبب الأساسي في إطالة مدة الحرب ـ رغم اتضاح فشلها منذ وقت مبكرـ كان لإتاحة فرصة زمنية أطول لاقتلاع الإسلام من أفغانستان، أو الفصل بين الشعب وبين الإسلام.(كان رأي أحد العسكريين الأمريكان أنهم في حاجة إلى سبعين سنة لاستبعاد الإسلام من أفغانستان). وأهم الأسلحة في ذلك هو التعليم، وإنتاج جيل غير مُؤمِن، يحكم البلد لصالح القوى الأجنبية وأطماع الطبقة المتعلمة الجديدة. وهو ما حصل في البلاد العربية التي بفعل التعليم الغربي تبدلت فيها الثقافة والمعتقدات، وجاءت طبقة قائدة، معادية أو لا مبالية بالدين، وبعد عقود أعلنوا الردة عنه ولكن بأسماء مبتكره مثل التقدم أو الترفيه والتطوير والانفتاح والتسامح.

إضافة إلى التعليم أصبح انتزاع الإسلام من الشعب معتمدا على الفضائيات التلفزيونية وشبكة الإنترنت، ثم باقي وسائل التخريب الثقافية،التي يقوم عليها أعداء الدين وعملاء المستعمر، يساندهم الغرب بالمال والجوائز والإشادة الإعلامية والسياسية، باعتبارهم طلائع المدنية الغربية.

لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

ولكنها خلقت في ذلك المجال مشكلة كبيرة ستواجه الإمارة الإسلامية بعد عودتها إلى السلطة. وهي مشكلة تطهير المجتمع من آثار الغزو الثقافي والفكري الاجتماعي الذي رافق الغزو الأمريكي. خاصة وأن الغزو العسكري ضم (قوات إسلامية) تقوم بفتنة المسلمين الأفغان، وكسب ثقتهم ومودتهم لقبول الاحتلال وبرامجه خاصة في المجال الديني والثقافي.

 

مسلمون تحت راية الصليب

-من هنا كان خطورة وجود “مسلمين” تحت راية الحملة الصليبية على أفغانستان ـ وكان ذلك ضمن أهداف تواجد القوات التركية والإماراتية والأردنية ـ خلال العشرين سنة (الأولى) من الاحتلال. وفي مطلع “العشرين سنة الثانية” ظهرت خطورة إضافية لتلك القوات في أعقاب الانسحاب الكبير(وليس الكامل) للقوات الأمريكية من أفغانستان.

-فتقوم القوات التركية، بصفتها عماد قوات الناتو في أفغانستان، بالمهام الاستعمارية الجديدة التي كلفتها بها أمريكا. وهي أقرب إلى الاستعمار بالوكالة. ولما رأت تركيا المهمة أكبر من حجمها وقدراتها، طالبت بإشراك باكستان معها عسكرياً داخل أفغانستان بشكل علني، وليس فقط في مجال العمل الاستخباري السري.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، وقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه. فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

مؤامرة حلف الناتو الإسلامي

في أول زيارة خارجية بعد انتخابه رئيساً، رمى ترامب عدة قنابل ثقيلة على المسلمين.

الأولى اعتباره القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

الثانیة طرح مشروع (صفقة القرن) لإنهاء قضية فلسطين لصالح إسرائيل وتعويض الفلسطينيين ببرامج رشاوى اقتصادية يتحمل عرب النفط تكاليفها.

الثالثة والأخطر هي تكوين تحالف عسكري بين إسرائيل والعرب (والمسلمين السُنَّة) يكون موجهاً ضد “المسلمين المتشددين”. استبعد كثيرون أن يكون هذا الكلام قابل للتطبيق مهما كان التوافق السياسي بين إسرائيل وحكومات العرب والمسلمين ـ سراً أو علنا ـ ولكن أن يكون هناك تحالف عسكري ضد أطراف إسلامية أخرى، استبعد كثيرون ذلك الاحتمال.

 

الشريعة والحرية.. في مقابل السفارة والمطار

تحايل عجيب تحاول أمريكا تمريره على المجاهدين الأفغان وإمارتهم الإسلامية. فتقول إنها قد تُحَرِّك قواتها لحماية السفارة الأمريكية في كابول. وأنها قد كلفت القوات التركية بحماية مطار كابول والبعثات الدبلوماسية في العاصمة.

ليصبح الانسحاب مجرد استبدال لقوات الاحتلال وتغيير في واجبات المحتلين. وتتصور أمريكا أن الشعب الأفغاني يمكن أن يساوي بين حريته الدينية والسياسية وبين وجود سفارة أمريكية، وسفارات أوروبية لم تقدم له شيئاً في تاريخها سوى المصائب. بل إن بعضها كان منطلقا لعمليات احتلال أجنبي أو إدارة حرب داخلية. ومعظمها ـ على الأقل ـ منخرط بشِدَّة في نشاطات تهريب المخدرات وغسيل الأموال.

وأن الأفغان قد يتوهمون أن دولتهم لن تقوم لها قائمة بغير وجود سفارات في كابول، خاصة سفارات الدول التي شاركت في الحرب على بلادهم. بعض السياسيين الأفغان يتوهمون ذلك ويتصورون أنه بدون تواجد بلادهم في الأمم المتحدة فلن يكون لها اعتبارعلى كوكب الأرض.

-فكما جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. سينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية: بلا سفارات للمعتدين، ولا مطار للتهريب الدولي، ولا أمم متحدة متواطئة، ولا معونات اقتصادية أو”إنسانية!!” من المستعمرين اللصوص.

فلدى الأفغان أغنى الكنوز الطبيعية على سطح الأرض، وحولهم دول كبرى تتلهف على التعاون والمشاركة الاقتصادية العادلة والمتكافئة. فالإمارة هي الأقدرعلى إدارة البناء الاقتصادي ومشاريع التكافل والعون الإسلامي في أفغانستان، وليس أي مؤسسة صليبية جاءت وهي تحمل الإنجيل في يد ورغيف الخبز في اليد الأخرى، والقنبلة والمسدس في أياديها الثالثة والرابعة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 185 | ذوالقعدة 1442 ھ – يونيو 2021 م.   

27-06-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 34 )

بداية المفاجآت التكتيكية المذهلة، التي أدت إلى فتح خوست.

 

 

(( وجود حقاني وسط المجاهدين في مكان بالغ الخطورة في الخط الأول أشعرهم بالذنب لأنهم استدرجوه إلى ذلك الموضع بلا ضرورة، والآن قائدهم وعالمهم معهم تحت قصف لايرحم بكل أنواع الأسلحة والطائرات حتى يستعيدوا تلك الجبال. وهو يصيح فيهم غاضبًا (لا تراجع في هذه المعركة ولا تنازل عن أي موقع نفتحه). فاستمات الجميع وقاتلوا بفدائية مطلقة.)

– طلب حقاني من البدو مواصلة العمل والاستيلاء على المواقع وعدم إطلاق النارإلا عند التأكد من الهدف.

– عندما تدخل الطيران لإحباط الهجوم على “فارم باغ”  أصاب مواقع العدوّ، فعجل ذلك في انهيار مقاومته، حيث أن الضرب الجوي طال أعماقا لم يكن قد وصلها هجوم المجاهدين.

– مع سقوط فارم باغ أدرك العدو أن ما يحدث هو أخطر من مجرد هجوم ثانوي. ولكن الوقت كان فات ولم يعد ممكنا تفادي الكارثة.

– أبطال المفاجأة الساحقة كان الأخوان (خليل وإبراهيم ) شقيقًا جلال الدين حقاني. فَهُما أصحاب مبادرة الهجوم والاستيلاء على “فارم باغ”.

– “عملية الهروب الكبير”من أخطر العمليات التي نفذها البدو ـ كصفقة تجارية مع ضباط ميليشيا فارون ـ ولكنها أعطت تأثيرًا مدمرًا على نفسيات العدو.

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

استعاد المجاهدون سلسلة جبال ماليزي بعد معركة غير عادية (إذا أردنا تفادي وصفها بالجنونية). فوجود حقاني وسط المجاهدين في مكان بالغ الخطورة في الخط الأول أشعرهم بالذنب لأنهم استدرجوه إلى ذلك الموضع بلا ضرورة، إذ أنهم استولوا على الموقع بسهولة عند الفجر. والآن ظهر قائدهم وعالمهم معهم تحت قصف لا يرحم بكل أنواع الأسلحة والطائرات حتى يستعيدوا تلك الجبال. وهو يصيح فيهم غاضبًا ( لاتراجع في هذه المعركة ولا تنازل عن أي موقع نفتحه). استمات الجميع وقاتلوا بفدائية مطلقة. وبالفعل لم يكن أحدًا منهم يقبل بأقل من الموت في سبيل استرجاع تلك الجبال. كانت روح جديدة تنبعث في خوست بعد أن ظن الجميع أن تلك الروحانيات الجهادية قد رحلت إلى غير رجعة، بعدما تزايدت الانحرافات والشوائب. سنرى ماذا فعل مجاهدو ماليزي وإخوانهم في سائر المواقع التي فتحوها، وقد نفذت ذخائرهم، وحقاني قد نفذت مخزوناته ولم يتبق لديه شيء.

 نعود إلى ذلك الموقف الرهيب في ماليزي. وحقاني نفسه في المقدمة معتبراً إياها معركة حياة أو موت. ولم يكن أحد من المجاهدين حتى هذه اللحظة يعلم سر حقاني الكبير في ذلك الوقت وهو أن معركة خوست قد بدأت بالفعل من ماليزي. وكان الجميع يظنون أنها ستبدأ في وقت ما من غرب تورغار. السر الآخر الذي لم يكشفه حقاني لأحد من أقرب رجاله، وهو أن مالديه من ذخائر لايكاد يكفي لمعركة محدودة بالخط الأول من الجبهة، وليس لمدينة وامتداداتها المترامية وحاميتها وميليشياتها المتخمة بالسلاح والذخائر.

ضغطوا على أعصابه قائلين أن السوفييت سيقصفون خوست بالقنابل الذرية إن هو استولى عليها وكانت إجابته ( سوف نتوكل على الله ونفتح خوست). وعندما وجد مخازنه لايوجد بها ما يكفي لمعركة كبيرة، كان تعليقه ( سنمضي إلى الفتح متوكلين على الله).

ملاحظة غريبة عن سلاح الإمداد لدى حقاني، وأنه كان يخصص له أكثر رجاله علما وتقوى وزهدا. معتمدا على المدد الغيبي وبركة الرجال المخلصين. كان ذلك هوالحال منذ عرفت حقاني عام 1979 وكان قائد الإمدادات عنده هو مولوي أحمد جول ) شهيد معركة ليجاه 1985. وفي معركة خوست كان يشرف على الإمداد من المخازن إلى المشتريات الشاب العابد الناسك مولوي سيف الرحمن. ومعه عدد محدود من الزهاد العلماء.

 

 

الثلاثاء 2 رمضان 1411ـ (18مارس1991):

عند الفجر تحركت جماعة الكوتشي مرة أخرى صوب قمم جبال ماليزي.

كان الضباب كثيفًا للغاية والمطر يهطل برفق. وصلوا بالفعل إلى القمة ومن هناك اتصلوا بحقاني: نحن الآن قرب قمة الجبل.. نرى أشباحاً تتحرك، ولا ندري هل هم من إخواننا أم من عسكر الحكومة ؟؟ .. هل نواصل ؟؟.

طلب منهم حقاني مواصلة العمل والاستيلاء على المواقع وعدم إطلاق النارإلا عند التأكد من الهدف.

عندما بدأ عساكر الحكومة في الفرار من الجبهة الأخرى من الجبل انكشفت هويتهم فأطلق البدو النار عليهم من الخلف .

قبل الظهر انقشع الضباب وأصبحت الرؤية ممكنة . فتمكن العدو من تصويب رشاشاته الثقيلة ونيران دبابة من حصن باشيم (بمعنى جاهزون) ، على جبل ماليزي من الخلف، وعلى الطريق الواصل إليه.

اكتشف البدو أن “باشيم” قادر على شل حركتهم فاتصلوا بالقيادة قائلين: “إن الاستمرار فوق ماليزي مستحيل بدون الاستيلاء على باشيم” .

وقد كان …

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

الأربعاء 3 رمضان ـ (19 مارس 1991):

قام البدو بدعم من دبابات كتيبة العمري بالهجوم على “باشيم” والاستيلاء عليها بسهولة.

وقد كان موقعا أرضيا في منطقة زراعية ومكونا من منازل ريفية مدعومة بالخنادق ورشاشات ثقيلة ودبابة أو إثنين.

كان “باشيم” يهدد أيضا الطريق بين “ماليزي ” و”لاكان” بواسطة الدبابة التي كانت ترى جزء ضيقاً من الطريق عبر فرجة بين هضبتين . وقد تمكنت الدبابة من تدمير سيارة ( بيك اب ) للمجاهدين .

وبث العدو ـ أو المتعاونون معه ـ عدة ألغام مضادة للدبابات في نفس المكان فدمروا شاحنة للمجاهدين ، وتسببوا في إرباك المرور على ذلك الطريق لعدة أيام . وكان ذلك قبل العمليات بفترة قصيرة .

 

الدبابات في المعركة :

– منذ الإستيلاء على “باشيم ” بدأت المبادرات التكتيكية الذكية والمقدامة  تحدد مسار العمليات العسكرية وتحقق النصر النهائي في المعركة .

فما حدث بعد الاستيلاء على ماليزي لم يكن متطابقا مع تخطيط مسبق، بل كان عماده الاستخدام الجريء والمبدع للدبابات بقيادة الأخوين خليل وإبراهيم أشقاء حقاني. كان تحت تصرفهما ثمان دبابات هم كل ما يمتلكه حقاني . أرسلا منها اثنتان لدعم هجوم لكتيبة سلمان الفارسي “5 رمضان” فشل الهجوم وتحطمت الدبابتان.

استمر العمل بالدبابات الست المتبقية في مواجهة أربعين دبابة للعدو ـ وكان العدد المتوقع لدبابات العدو أقل من ذلك بكثير، وقد استبعد المجاهدون ذلك الرقم “أربعون” وكان معلوما لديهم منذ مدة  طويلة، ولكن الأداء الضعيف لدبابات العدو ، واقتصارها على الدفاع معظم الوقت ، واحتفاظ العدو بأفضل دباباته ـ حوالي نصف العدد ـ كمخزون استراتيجي بعيدا عن مواقع الاشتباكات . كل ذلك أوهم المجاهدين بأن الدبابات الصالحة للعمل لدى العدو هي عشرين دبابة أو أقل .

على كل حال كان استخدام العدو للدبابات يفتقر إلى الشجاعة والإبداع فكان أداء دبابات المجاهدين على قلتها أفضل كثيرا وأكبر فعالية من دبابات العدو الأربعين، وكان لها رهبة كبيرة في نفوس العدو .

فاستدعى العدو من كابول أطقماً لمكافحة الدبابات مزودة بصواريخ سلكية حديثة. نجحت تلك الأطقم في تدمير دبابتين لكتيبة سلمان الفارسي في هجومها الفاشل.

وبعد ذلك لم يظهر لتلك الأطقم أي تأثير في إصابة دبابات المجاهدين .

– تطور آخر في استخدام العدو للدبابات ظهر عندما اضطر إلى سحب قواته إلى ماوراء نهر شمل، وحشد العدد الأكبر من الدبابات على حافة النهر لمنع المجاهدين من عبوره ـ وكان فيضان النهر في ذروته.

وركزت دبابات العدو نيرانها على دبابات المجاهدين. فتكثف استخدامهم للذخائر بشكل كبير، حتى حدث عندهم عجز في الذخائر ـ فطلبوا المدد السريع من كابول .

 

من الثغرة .. البدو يخدعوننا :

–  سقوط “ماليزي ” ثم “باشيم” فتح ثغرة خطيرة في خط دفاع العدو وتحديدا في المفصل ما بين الجبهة الجنوبية والجبهة الشرقية .

حدث ذلك في وقت مبكر من بداية المعركة. وقد أثر ذلك سلباً على مستوى العمليات ثم على المستوى النفسي، وهو الأهم .

–  من تلك الثغرة قام عدد من الكوتشي بالتسلل عميقا حتى حدود المطار الجديد ، في غارات غاية في الجرأة ، أشاعت جوا من اليأس والانكشاف في صفوف العدو .

وفي أحد الليالي اتصلوا بنا لاسلكيا طالبين وقف رمايتنا على “المطارالجديد” لأنهم قد استولوا عليه بالفعل !!.

أثار ذلك دهشتنا الشديدة، وكرر السؤال مرارا حاجي إبراهيم ـ المترحم والمساعد في مشروع المطار ـ فأكدوا له أنهم استولوا على المطار، فأوقفنا الرماية بالفعل إلى قرب الفجر ولكن لاحظنا أن هناك طائرات تستخدم المطار. فاتصلنا بالكوتشي فقالوا إنهم تركوا المطار والآن يمكننا قصفه.

تعجبنا لتلك القصة وتحرينا عنها بعد فتح المدينة، فقال لنا البدو إنهم كانوا في عملية تسلل قرب المطار واستشهد لهم شخص هناك وفاوضوا العدو على سحبه، فقبل بشرط أن يطلبوا منا وقف قصف المطار لفترة محدودة. وبالفعل خدعونا بتلك الطريقة حتى سحبوا شهيدهم، واستخدمت عدة طائرات أرض المطار!!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

البدو ..في عملية الهروب الكبير :

–  ليس ذلك هو الحدث الأهم، بل إن “عملية الهروب الكبير ” كانت من أخطر العمليات التي نفذها البدو ـ كصفقة تجارية مع ضباط ميليشيا فارون ـ ولكنها أعطت تأثيرا مدمرا على نفسيات العدو، بما أدى إلى استسلام مواقع حكومية هامة جدا مثل جبل كوكاراك ثم موقع ” أليسار” وبالتالي موقع جاجي ميدان على الحدود الباكستانية.

وكان ذلك أكبر دعم تلقته عمليتنا “المطار الجديد” حيث كانت لنا راجمتان قريبتان جدا من جبل كوكاراك وموقع “أليسار”. كان ذلك موضعا إجباريا بالنسبة لنا ـ وكثيرة هي الأوضاع الإجبارية التي كنا مرغمين على قبولها في تلك العملية ـ كان علينا القبول بالعديد من المجازفات الخطيرة حتى نتمكن من العمل ضد ذلك المطار الجديد من داخل “الجبهة الشرقية” التي وصفنا أحوالها.

–  قص لي القائد “جولاب” بعد فتح خوست قصة تلك المغامرة . فقال بأن ضباط الميليشيا الذين فروا إلى ميرانشاه بعد المحاولة الفاشلة “لبيع” الخط الدفاعي الجنوبي، اتفقوا مع مجموعتين من البدوعلى تهريب عائلاتهم من خوست إلى ميرانشاه لقاء جائزة مالية كبيرة. اشترك في الصفقة مع “جولاب ” القائد البدوي الآخر “أورانج” .

لم يكن من السهل فإخراج عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ من بين مواقع عسكرية مكدسة ومتلاصقة، وحقول ألغام ربما كانت الأشد كثافة في كل البلاد.

بدأت العملية في اليوم الثاني من المعارك، وكان جولاب وجماعته مشغولون في الهجوم على ماليزي . فتعثر برنامج الهروب في ذلك اليوم، وتشتت الهاربون في الحقول والأراضي الجرداء المهجورة، وتعرضوا لما يشبه الضربات التحذيرية من المدفعية والطيران .

وفي اليوم الثالث للمعارك ـ وكانت جماعة جولاب مشغولة أيضا في فتح موقع “باشيم ” ، توسعت عملية الهروب وزاد عدد المشاركين فيها ، فلم تعد تشمل عائلات ضباط الميليشيا فقط ، بل انضمت إليها “الجماهير” من سكان خوست فأصبح الهاربون بالآلاف .

وزادت “الضربات التحذيرية” فتشتت هؤلاء الهاربون بشكل مأساوي في اتجاه الشرق والجنوب الشرقي . وكنا نتابع المنظر من موقع ترصدنا في الشرق ـ في منطقة خرمتوـ وكنا نهلل ونكبر ، تماما كما فعلت كل الذين تابعوا هذا “الانهيارالكبير” في جبهة العدو .

ظننت وقتها أن معركة خوست على وشك الانتهاء. ويبدو أن ضباط العدو في جبل “كوكاراك” توصلوا إلى نفس النتيجة فلم يلبث أن سلموا مواقعهم “لمجاهدي ” المنطقة  ذلك الجبل كان أشد تحصينا من “تورغار” الرهيب بسبب وجود مجموعة من التباب أمامه وخلفه، جميعها محصنة ومحمية بالجنود والألغام . فكان اقتحام ذلك كله معضلة عويصة. خاصة وأن الموقع لم يتعرض للاستنزاف كما حدث لتورغار في الجنوب.

لم نكن وقتها قد بدأنا العمل ضد المطار الجديد نظرا لتوقف الحركة في المطار بسبب الأمطار والضباب . كنت أخشى كثيرًا من هاونات كوكاراك عندما تتدخل ضد راجماتنا التي كانت قريبة من الجبل بدرجة خطيرة ويسهل على العدو تحديد مواقعنا أثناء العمل الليلي ولديه من الهاونات ما يكفي لجعل حياتنا قطعة من الجحيم .

وقبل استسلام الجبل، استعرض العدو قوته أمامنا أثناء النهار، فكانت هاوناته الثقيلة مصدر خطورة كبيرة على مواقعنا، والوضع ليلا سيكون أسوأ بلا شك.

ولكن الله سلم، وعندما بدأنا العمل الفعلي ضد المطار لم يكن هناك كوكاراك، فكانت معجزة حقيقية أبعد من كل تصور.

ولم يلبث موقع “أليسار” أن استسلم بعد ذلك بثلاثة أيام. وكان عبارة عن هضبة مليئة بالخنادق، تحرسها دبابة متخندقة، وعلى قمة الهضبة موقع حصين لمدفع شلكا مضاد للطائرات ومجموعة من الهاونات، أما الألغام فكانت جنونا حقيقيا، فالساحة الواسعة حول الموقع مليئة بالألغام والشراك الخداعية وقذائف المدفعية المفخخة والأسلاك الشائكة . وجثث لحيوانات عديدة من أبقار وأغنام وحمير قد مزقتها الألغام فأضفت على المكان مسحة جنائزية مرعبة، خاصة  مع النباتات والأشواك البرية الكثيفة التي كست المكان.

عملية الهروب استمرت حوالي ثلاثة أيام متتابعة، ينجح البعض ويتعثر آخرون  ولكنها أعطت التأثير المدمر على نفسية جيش العدو.

كان توقيت عملية الهروب الكبير غير مرتبط بتوقيت العمليات بل كان متفقا عليه سلفاً قبل أن يعلم المنفذون (جولاب ـ أورانج ) بتاريخ بدء العمليات، الذي لم يكشفه حقاني لأحد سوى في الساعات الأخيرة.

في الفترة التي كان قائد موقع أليسار يرفض التسليم للمجاهدين رغم استسلام كوكاراك  الأضخم والأقوى ـ طلبت من صديقنا “يحي المصري” أن يشتبك معهم بالهاون والمدفع عديم الارتياد، مع التركيز على الدبابة التي كانت نشطة واستفزازية. وبالتأكيد شعر قائد الموقع بضعف خطنا الأول، وبتفاهم ” المجاهدين” معه، فخشيت أن يحدث تواطؤ علينا، ولم يكن خطنا الأول يطلق طلقة واحدة على العدو.

نجح يحيى ببراعته في إزعاج أليسار حتى أن الدبابة فرت من الموقع وتراجعت إلى الخلف لتصبح أبعد من مدى أسلحة “يحيى” . لاحظنا أن الدبابة مرتبكة ولا تدري ماذا تفعل . توقعت أن تكون القيادة نفسها مرتبكة وليس لديها خطة لمواجهة الموقف، وأن القيادة في خوست ليس لديها القدرة على التدخل لمنع انهيار الجبهة الشرقية .

واصلنا الضغط على “إليسار” بواسطة “يحيى المصري” وأسلحته العجيبة وعاونه بعض الشباب في إظهار قوتنا ، ليس فقط ضد أليسار بل ضد موقع آخر في مواجهتنا من ناحية الغرب وهو موقع “أيوب خيل” وكان به دبابتان للعدو، مع قوة لا بأس بها من الجنود والهاونات.

كان يحيى وجماعته يتنقلون، جريا ، من موقع إلى آخر لضرب أليسار وأيوب خيل حتى ظهر للعدو أن قوتنا كبيرة بأكثر من حجمها الواقعي بكثير.

اقتنع قائد موقع أليسار أن لافائدة من المماطلة فبدأ جديا في مفاوضات التسليم مع مجموعات المنطقة، وبدأوا في تطهير ممرات في حقول الألغام حول أليسار.

كانت غنائم مجموعات المنطقة هائلة من الذخائر والأسلحة، ورغم أن مجاهدي منطقتنا لم يقاتلوا ولم يخطر في بالهم أن يفعلوا ذلك، إلا أن الغنائم التي سقطت بين أيديهم بدون قصد كانت كثيرة جداً.

وهذا يتماشى مع القاعدة التي أشرنا إليها سابقا من أن “المتربصين ” كانوا أوفر حظا من المجاهدين، ونصيبهم من الغنائم دائما أكبر مهما كانت نتيجة المعركة وأيا كان المنتصر.

 

الخميس  4 رمضان ـ 20 مارس 1990 :

من باشيم” كانت المفاجأة وبداية الانتصار:

استيلاء المجاهدين على باشيم كان بداية سلسلة من المفاجآت التكتيكية المذهلة ، أدت في النهاية إلى فتح خوست .

أول وأهم تلك المفاجآت كان التقدم من “باشيم” صوب”فارم باغ” والاستيلاء عليها.

“فارم باغ” منطقة زراعية كثيفة الأشجار تحتوي على قاعدة عسكرية إدارية كبيرة بها احتياطي الدبابات الخاص بالمنطقة الجنوبية كلها .

لم يتصور أحد أن يسقط ذلك الموقع الهام بتلك السهولة الكبيرة . والسبب في ذلك عنصران:

الأول: عنصر المباغته ، الذي نفذه المجاهدون بشكل مثالي.

الثاني : حالة الانهيار المعنوي والاضطراب التي أشاعتها عملية “الهروب الكبير” التي تحدثنا عنها سابقا.

 

من ناحية المفاجأة :

–  غير المجاهدون أسلوبهم في العمل فجأه .

فبدلا من أسلوب القضمات المتتابعة التي تفصلها فترات زمنية طويلة نسبيا ، حسب حجم الهدف ، نراهم الآن يتبعون أسلوب الهجوم المتواصل بدون فاصل زمني .

 اليوم الأول أخذوا ماليزي ـ واليوم الثاني أعادوا الاستيلاء عليها من الحكومة . ثم في اليوم الثالث يستولون على “باشيم ” . وهاهم في اليوم الرابع يهاجمون بشكل غير متوقع هدفا يحسب له ألف حساب ، يهاجمون أكبر قاعدة جنوب نهر شمل.

–  لم يتم قبلا أن هاجم المجاهدون هدفا كبيرا بهذا الحجم ، بدون تمهيد مدفعي، ولكنهم فعلوا ذلك هذه المرة.

–  لم يهاجم المجاهدون في التوقيتات المعتادة وهي إما فجراً، للاستفادة من ضوء الفجر في نزع الألغام ـ أو قبل الغروب لتفادي ضربات الطيران . وبدلا عن ذلك هاجموا ضحى، رغم أن الطيران كان في حالة هيجان هستيري غير مسبوقة طوال معارك خوست القديم منها والحديث.

و عندما تدخل الطيران لإحباط ذلك الهجوم على “فارم باغ”  أصاب مواقع العدو نفسه، فعجل ذلك في انهيار مقاومته حيث أن الضرب الجوي طال أعماقا لم يكن قد وصلها هجوم المجاهدين.

فعندما تحرك الطيران كان المجاهدون قد لامسوا الخط الأول للعدو واخترقوه ، فكان مستحيلا بالنسبة للطيران أن يميز بين قواته وقوات المجاهدين .

استخدم العدو القنابل العنقودية، وغطى كل باشيم وفارم باغ ، بالطبع شمل ذلك قواته نفسها ، والأدهى أنه ركز قنابله الثقيلة حتى الفسفوري منها على هضبة عالية وحيدة في فارم باغ ، كان واضحا أن لها دوراً رئيسيا في الاتصالات والسيطرة ـ وظل مركزا مجهوده على تلك الهضبة سائر اليوم.

لا ندري السبب، ربما كانت تحتوي على معدات هامة يخشى العدو من وقوعها في أيدي المجاهدين ، ولكن الواضح أنه بذلك العمل قد قصم ظهر الدفاع عن فارم باغ التي غادرتها قواته بسرعة بدون أي مقاومة تذكر.

وكنا نتابع تلك التطورات من موقع ترصدنا في “خرمتو ” ونتابع الاتصالات اللاسلكية للمجاهدين وأحيانا للعدو.

–  ساعد على تحقيق المفاجأة اكتشاف المجاهدين “لمدق ترابي” يربط ” باشيم” مع “فارم باغ”  كان ذلك طريقا للإمداد. لذا لم يكن ملغوما أو بالأحرى لم يكن العدو قد لغمه بعد . وربما كان يستعد لاستخدامه لأجل استرداد “باشيم ” في هجوم مضاد كان قيد التجهيز ولم يفرغ بعد من الحشد له.

فحتى هذه اللحظة كان العدو ينتظر الهجوم الرئيسي من الطرف الشرقي لجبل تورغار . حيث حشود المجاهدين علي حالها وكان يظن أن كل ما يحدث في ( ماليزي ـ باشيم ـ فارم باغ ) مجرد هجوم ثانوي لتشتيت انتباهه .

ولكنه مع سقوط فارم باغ أدرك أن ما يحدث هو أخطر من مجرد هجوم ثانوي.

ولكن الوقت كان فات ولم يعد ممكنا تفادي الكارثة لأن فارم باغ يمر منها طريق ترابي خلفي يربطها بكل خط الدفاع الجنوبي الواقع على الجبال . ذلك الطريق كان يستخدم لتمرير الإمدادات بأنوعها وتقديم الدعم لأي موقع عند الضرورة.

 اكتشف المجاهدون ذلك الطريق التراتي “المدق” واستخدموه على الفور لتطويق خط الدفاع الجنوبي للعدو والهجوم من الخلف على مواقعه المنيعة ، وعبر مسالك ومدقات أمنه وغير ملغومة .

اكتشاف تلك المدقات والاستفادة السريعة والجسورة منها كان أروع المفاجآت التكتيكية في كل المعركة .

–  بقي أن نقول أن أبطال تلك المفاجآت الساحقة كان الأخوان (خليل وإبراهيم ) شقيقا جلال الدين حقاني فهم أصحاب تلك المبادرة .

فبعد إسنادهما للهجوم على باشيم بواسطة دبابتين ” كانتا تحت أمرتهما. وباكتشافهما المدق الواصل بين باشيم إلى فارم باغ، تقدما عليه بنفس الدبابتين وبدعم مجموعة محدودة من المشاه فسقطت فارم باغ بسهولة أذهلتهما، حيث فرت دبابات العدو عبر نهر شمل وتبعها المشاة.

وأحرقت الطيران المنطقة كلها . ولكنه فشل في إصابة الدبابتين وأظن أن أحدا من المجاهدين لم يصب بجروح في العملية.

وسرعان ما اكتشف الأخوان أن المدق الترابي العجيب يربط فارم باغ بخط الدفاع الجنوبي كله فطلبا دعما سريعا من المشاة فاستجاب لهم شقيقهما الأكبر وبدأ في اليوم التالي تقدم جسور لتطويق دفاعات العدو وتحطيمها من الخلف .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

 




الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: تحوير لصيغة الاحتلال.. أم رحيل دائم؟

مجلة الصمود الإسلامية عدد 184

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 184 | شوال 1442 ھ – مايو 2021 م.   

28-05-2021

 

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: تحوير لصيغة الاحتلال.. أم رحيل دائم؟

دور الأفيون في تأجيل قرار الانسحاب من أول مايو إلى 11 سبتمبر!

 

– حرب بدون ملابس عسكرية أو شارات دول، تخوضها شركات المرتزقة، لصالح دولة كبرى تدير الفوضى العالمية، تأكيداً لنظام دولي تديره البنوك.

– يجتهدون من أجل إلغاء الدور الإسلامي لأفغانستان، المدعوم بقدرات اقتصادية معدودة عالمياً. وحصارها استراتيجيا بالمعنى الحرفي لكلمة حصار. ثم حصر دورها في مجال المخدرات، وتصدير المواد الخام بأسعار شبه مجانية.

– نظام كابل لا يعتمد كثيرا على أجهزته، فأحاط نفسه بغابة من الشركات الارتزاقية أبرزها داعش التي تحظى بحصة الأسد في التعاقدات (الإرهابية) مع الحكومة.

– عقدين من حرب ركز فيهما العدو على بناء تعليم يدمر ركائز الثقافة والاعتقادات الدينية لشعب أفغانستان، ليصبح أكثر تقبلاً للاحتلال، وتساهلاً مع التفريط في أساسيات الدين.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

يعيش الإعلام الدولي على صدقات الإمبراطورية الإعلامية الصهيونية التي تحتكر المعلومات، ثم توزع بعضها مخلوطة بأطنان الأكاذيب والتوجهات الضارة.

في أفغانستان يحتكر الاحتلال كافة الإحصاءات المتعلقة بالحرب، مباشرة أو غير مباشرة، فلا توجد أرقام موثوقة لشيء، إلا ذلك القليل الذي تذيعه الإمارة الإسلامية.

يعنينا من ذلك الآن عدد القوات المحتلة والمرتزقة، فلا يوجد رقم مؤكد، ولا أحد يعلم يقينا هل ما يحدث هو انسحاب فعلي أم أنه مجرد تغيير للقوات؟ وهل أفغانستان مقبلة على (تحرير) حقيقي، أم على (تحوير) لصيغة الاحتلال؟

فتعلن أمريكا عن سحب قواتها وفي نفس الوقت تعلن عن إرسال قوات جديدة لحماية القوات المنسحبة”!!”. فما هي الحقيقة؟؟ هل نحن أمام انسحاب حقيقي أم مجرد استبدال قوات قديمة بأخرى جديدة؟ قوات تترك مواقعها لتتمركز قوات أخرى في مواقع قتال جديدة.

– إن ما يحدث هو سياسة إرباك أمريكي متعمد، تختفي خلاله ملابس القوات النظامية، لتحل محلها فوضى ملابس شركات المرتزقة الدوليين. إيذاناً بتحول الحرب بالكامل إلى حرب بالمرتزقة، مع حد أدنى لا يكاد يُذكَر لقوات نظامية لدولة عظمى تدير الفوضى في أفغانستان والعالم، لصالح البنوك اليهودية الكبرى؟

– قال “خليل زاد” ـ إن بلاده ستبحث عن مرتزقة آخرين يدعمون نظام كابول، بديلا عن المرتزقة الأمريكيين. كلامه يشير من بعيد وبكثير من الالتواء إلى حقيقة أن أمريكا تجهز قائمة جديدة من القوى التي سوف تحل محلها في أفغانستان. أكثرها قوى قديمة ولكنها آخذة في الالتزام بنهج جديد من التدخل، طبقا لخطط جديدة، بدون أن تستبعد أمريكا أطماعها، بل تدعمها وتعوض ما لحق بها من خسائر.

– لم تنسحب أمريكا من حرب الأفيون ولكنها اقتنعت بتخفيف غنائمها من المخدرات في مقابل تنمية مكاسب أخرى، بإعادة تشكيل السوق العالمي للمخدرات، وإدخال منتجات أمريكية جديدة إليه، وما يستلزمه ذلك من تغيير “المزاج” الدولي للزبائن. ومن علامات ذلك التوسع العالمي إباحة تعاطي الحشيش والمرجوانا، وما يسميه الأمريكان بالمخدرات الخفيفة (!!).

– ما زال الوقت مبكرا حتى يلمس العالم تأثير تلك السياسات وتلك المنتجات الأمريكية ـ أو استكشاف سياسات التوزيع وخرائطه الجديدة. لن يكون ذلك سهلا، بل يسلتزم زلازل اقتصادية واجتماعية وحروب وكوارث سياسية لدول وأنظمة حول العالم. الوقت مازال مبكرا لاستشراف ذلك المستقبل المضطرب، وإلى أن تظهر المزيد من الإشارات التي توضح المسيرة الأمريكية المتضامنة مع شريكها الإسرائيلي الحميم، وباقي العملاء من دول الدرجة الخامسة التي تحاول الانتفاش للظهور بصورة أكبر بكثير من حقيقتها.

هؤلاء يتنافسون على دور في أفغانستان، في إطار الرؤية اليهودية الأمريكية لذلك البلد المجاهد، المرشح لأدوار مستقبلية فاعلة. فيجتهدون لإلغاء دوره الإسلامي المدعوم بقدرات اقتصادية معدودة عالمياً. وحصاره استراتيجيًا بالمعنى الحرفي لكلمة حصار. ثم حصر دوره في مجال المخدرات، وتصدير المواد الخام بأسعار شبه مجانية، مقابل رشاوى لفاسدين في نظام عميل.

 

دور الأفيون في تأجيل قرار الانسحاب:

لتأجيل الانسحاب دوافع عديدة، تصيب عدة أهداف في نفس الوقت. أحد تلك الدوافع هو ما يتعلق بالأفيون ـ وبالتالي هو الدافع الأهم اقتصاديا.

فمعلوم أن بداية تجميع محصول الأفيون يبدأ من شهر مايو. فإذا أتمت قوات الاحتلال انسحابها في ذلك التاريخ، فإن ذلك يعني عواقب مالية خطيرة تضر موقع السيادة الأمريكية في سوق تجارة الهيروين والمخدرات الصناعية التي بدأت في إنتاجها بغزارة في بعض قواعدها العسكرية في أفغانستان. وأول مايو كان سيصبح تاريخ إقصاء لأمريكا عن سوق الأفيون (والهيروين) لصالح منافسين دوليين آخرين، ستكون جوائزهم خارج كل تصور.

لهذا فضلت أمريكا فسخ موعد الانسحاب ومواصلة حرب عنيفة للغاية، بواسطة النظام العميل والشركات المرتزقة العاملة مع الاحتلال. فأشعلت النيران في المراكز التقليدية لزراعة الأفيون في جنوب البلاد كما في شرقها وغربها. في عمل أقرب إلى “الخيار شمشون”. فالنيران ستحرق معظم المحصول، وتوقف معظم حركة النقل والتصنيع. بالطبع ستتأثر أمريكا اقتصاديا وبشدة لأنها مازالت صاحبة النصيب الأكبر، رغم خسارتها الكثير في حصتها. ولكنها كانت تراكم لسنوات عديدة احتياطيا استراتيجيا ضخماً من الأفيون الخام وبلورات الهيروين النقي.

– لا يكاد يخلو قرار هام تتخذه أمريكا في أفغانستان من تأثير عنصر الأفيون ـ الذي كان منذ البداية سببا لتلك الحرب الدامية المستمرة من عشرين عاما – حتى كان الأفيون هو الدافع لفسخ قرار الانسحاب في أول مايو ـ وتأجيله إلى 11سبتمبر،الذكرى العشرين لحادثة سبتمبر لعام 2001م.

 

احتلال بدون ملابس عسكرية:

تكرر إعلان الأمريكيين عن السعي إلى الحفاظ على تواجد استخباري دائم وقوي للغاية في أفغانستان، حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية والحليفة لها.

– طبقا لنظرية الحروب الحديثة، حروب شركات المرتزقة وليس جيوش الدول، فإن استمرار نمو تلك الشركات هو عامل هام عند اتخاذ قرار سحب القوات المحتلة، التي ترتدي ملابس جيوش نظامية لدول، لصالح مرتزقة شركات دولية يقاتلون بلا شارات خاصة أو أعلام دول دول متحالفة في الحرب.

– تلك الجيوش من المرتزقة أصبحت من القوة والضخامة في أفغانستان بحيث تغني عن وجود قوات الجيش الأمريكي (أقل من ألفي جندي) وقوات الناتو (16 ألف حسب أرقامهم). إذن الانسحاب العسكري لأمريكا والناتو(إن كان انسحابا وليس مجرد إعادة توزيع القوات على المسرح الأفغاني الكبير من بدخشان إلى فراه ـ ومن بلخ إلى جلال آباد). خروج القوات الأمريكية والأطلسية من أفغانستان ليس انسحابا بل استخداما لعصابات المرتزقة كبديل عن قوات الجيوش النظامية. في تطور طبيعي لما أسسته أمريكا من خصخصة الحرب ضمن نظام اقتصادي عالمي تسيطر عليه البنوك اليهودية والشركات العظمي العابرة للقارات. وتحويل النظام العالمي إلى غابة تمرح فيها وحوش الرأسمالية المتوحشة. مع إبادة تدريجية للحكومات العقائدية (الأيدلوجية) والحكومات الوطنية التي تضع مصالح الوطن قبل مصالح الشركات الدولية عابرة القارات. وبدلا منها تجيء حكومات السماسرة الذين يخدمون الشركات الكبرى ويقمعون الشعوب ويضللونها، ويمحون من ذهنها أي دين أو مبدأ غير مبدأ “الربح لأجل الربح” والاستمتاع بمباهج الحياة الدنيا الخالية من القيود أو الإيمان بالله.

– أفغانستان لم تكن التجربة الأولى في حروب المرتزقة، بل كانت هي الأكبر والأكثر تطورًا إذ توفر للمرتزقة أكبر قدر من دعم قوة عظمى وإمكانات تكنولوجية لم تخطر في عقل بشر.

 

نحاول تفسير حرب المرتزقة في أفغانستان، بالإشارة إلى ثلاث مراحل مرت بها تلك الحرب.

المرحلة الأولى: مع بداية الحملة الصليبية لجورج بوش عام2001 كانت البداية خجولة في استخدام المرتزقة الأجانب، فالمرتزقة المحليون هم من حمل عبء احتلال أفغانستان لصالح الحملة الصليبية. في مقدمة هؤلاء كان رجال الأحزاب البائدة ـ وتحالف الشمال الذي تعاقد مع مرتزقة روس ـ واستفادت الحملة من بقايا الميلشيات التي أسسها الجيش الأحمر الروسي خاصة (جلم جم) وميلشيات في أماكن شتى خاصة في قندهار.

المرحلة الثانية: في بداية حكم ترامب (2017) أعلن رسميًا عن خصخصة حرب أفغانستان وقفز اسم ” مشيخات من الخليج” كمركز لشركات المرتزقة المتورطة بكثافة في أفغانستان، في القتال وتهريب المخدرات وغسيل الأموال. لهذا خفض ترامب قوات بلاده بشكل كبير ـ لم يفصح عن مقداره الحقيقي ـ وأكد نيته على الانسحاب مع تمويه موقفه الحقيقي بإطلاق إشارات متناقضة مصدرها الرئاسة وأجهزة الحكم الأساسية. ومازال ذلك هو موقف إدارة بايدن التي تدير الغموض والتناقض في أفغانستان وسياستها هناك.

المرحلة الثالثة: بدأت مع نهاية حكم ترامب، واستمرت مع بايدن. مع زيادة في الغموض والإشارات المتناقضة ـ وشواهد غير مكتملة عن ملامح لحرب جديدة في أفغانستان، تتولاها قوات المرتزقة بالكامل ـ يدعمهم جيش النظام المحلي – بتأجير المعدات أو بعض الفرق من الجيش، وحتى استئجار طلعات طيران مقاتل.

ــ النظام نفسه لا يعتمد كثيرا على أجهزته (الوطنية) فأحاط نفسه بغابة من الشركات الارتزاقية المحلية والدولية ـ أبرزها الآن داعش التي تحظى بحصة الأسد في التعاقدات (الإرهابية) مع الحكومة. وهي تضرب في كافة الاتجاهات ضد الأهالي، أو ضد المجاهدين، وتوسع نشاطها ليشمل باكستان المجاورة وربما طال آسيا الوسطى وفي وقت ما حدود الصين.

– الدور الثابت المنوط دوما بالدواعش هو إشعال الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة.

– على التوازي مع داعش تأتي مليشيا “جلم جم” بقيادة عبد الرشيد دوستم/ المتبقى من تركة الاحتلال السوفيتي / والآن هو في الصفوف الأولى للنظام الحاكم، كسياسي وكقائد ميليشي متلائم مع تطورات حروب المرتزقة. أساس واجبات دوستم هو الفتنة العرقية ـ لفصل الأقلية التركية في الشمال وربطها بما يجاورها من جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأغلبية العرقية التركية.

الدواعش و”الجلم جم” يتجاورون في العديد من مناطق الشمال. ويكمل بعضهم بعضا، رغم اختلاف الفتنة العرقية عن الفتنة المذهبية، لكنهما في النهاية يخدمان المخطط الأمريكي/الإسرائيلي في أفغانستان.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

بيانات الإمارة.. إشارات إلى المستقبل:

المخططات الأمريكية/ الإسرائيلية المحاربة للإسلام في أفغانستان تعمل في مواجهة مقاومة عنيدة وجهاد باسل من الشعب بقيادة الإمارة الإسلامية، التي لا تسترسل كثيرا في شرح برامجها المستقبلية، مكتفية بما تحمله بياناتها المُرَكَزَة التي تصدر عن القيادة من استراتيجية المواجهة المستقبلية لمؤامرات التقسيم والفتن الطائفية والعرقية. ونقتبس شيئًا من تلك الملامح في بيان عيد الفطر الصادر عن أمير المؤمنين ـ مولوي هبة الله ـ يقول البيان المذكور:

(إن بلدنا بعد حصولنا على الاستقلال، بأمس الحاجة إلى إعادة البناء والوقوف على الدعائم القوية الثابتة. فلنتشارك جميعا بإخلاص في إعادة إعمار البلد، لنحظى جميعا ببلد عامر ومزدهر في ظل نظام قائم على الشريعة الإسلامية. فلنتجاوز جميعا المصالح والطموحات الشخصية لتحقيق هذا الأمل، وأن نجعل القيم الإسلامية والمصالح الوطنية هي المعيار، وأن نكون شعباً قوياً موحداً من خلال التسامح والتراحم فيما بيننا.

نؤكد لشعبنا كله أنه بعد انتهاء الاحتلال سيقام نظام إسلامي شامل ترى فيه جميع أطياف الشعب نفسها بناء على ما تمتلك من مؤهلات وكفاءات، ولن نهضم فيه حقوق أحد إن شاء الله تعالى).

– وفي فقرة أخرى لا تقل أهمية يؤكد البيان على أهمية التعليم كأساس لإقامة بنيان شامخ وقوي لأفغانستان، بل لأي أمة تريد النهوض. فيقول البيان:

(إن التعليم مطلب مهم لرفاهية الجيل القادم وللبلد. ويمكن لكل الشعب أن يزدهر من خلال التعليم. وتعتبر الإمارة الإسلامية رعاية المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى وتطويرها من أهم أهدفها).

– يستحق التعليم أبحاثا مطولة لأهميته المركزية في إعادة بناء أفغانستان، بعد عقدين من حرب ركز فيهما العدو على بناء تعليم يدمر ركائز الثقافة والاعتقادات الدينية والاجتماعية لشعب أفغانستان، ليصبح أكثر تقبلاً للاحتلال، وتساهلاً مع التفريط في أساسيات الدين. كما حدث في الكثير من الدول الإسلامية التي خضعت طويلا للاحتلال الأجنبي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: تحوير لصيغة الاحتلال.. أم رحيل دائم؟

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 33

مجلة الصمود الإسلامية عدد 184

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 184 | شوال 1442 ھ – مايو 2021 م.   

28-05-2021

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (33)

حقاني في الخط الأول: التراجع ممنوع في هذه المعركة

 

–  “ماليزي” مفاجأة معركة الفتح، والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات.

–  حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو، وينقل المحور الرئيسي للعمليات إلى ماليزي في الشرق بدلا من غرب تورغار.

–  عند الفجر احتل المجاهدون جبال ماليزي بسهولة، ولكن العدو اقتلعهم ظهراً بعنف. فذهب حقاني إلى الخط الأول وقال لمجاهديه: إنه باقٍ إلى أن يستردوا جبال ماليزي المفقودة.

–  شباب”وردك” الفقراء قلبوا موازين المعركة. ورئيس الدولة يفاوضهم ويسبهم على الهواء.

–  حقاني قبل معركة فتح خوست يفقد أقرب ثلاثة من أفراد من أسرته.

–  “إبراهم” شقيق حقاني تقيأ دماً بعد فقدان والدته وشقيقه، ولم يتبق مع حقاني سوى الأخ الأصغر “خليل ” الذي كان جيشاً كاملا، وكنا نتعجب منه قائلين (لا يفل الحديد إلا خليل).

–  التجار يهددون حقاني إن لم يرفع الحصار عن خوست، ويدفع الديون المستحقة عليه.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

مركز ماليزي وراجمة البدو كانت أول خطوة عملية لنا في المشروع الجديد. خلف مركز البدو بحوالي ثلاثمئة متر، كانت سلسلة منخفضة من التلال، اتخذ فيها مركز مجبور موقعا جديدا ليكونوا أكثر قربا من منطقة “لاكان” التي حاولوا العمل فيها ضد المطار الجديد، ولكنهم فشلوا في الإستمرار. فاستعرنا منهم مغارة ذات بوابة حديدية لتكون مركزا لتخزين الصواريخ لعمليتنا القادمة، خاصة لراجمتنا في ماليزي.

في الجبهة الشرقية كان التحدي الأكبر. والمشهور أن هناك اتفاقا سريا بين “المجموعات الجهادية” هناك وبين العدو في ميثاق عدم اعتداء (على أقل تقدير). أي ألا تُستَخدم منطقتهم لإيذاء العدو، الذي لن يتعرض لهم في المقابل.

في المنطقة لا توجد مغارة واحدة، ولا خندق واحد سوى الخنادق والحُفَر التي كانت تستخدمها القوات الحكومية، وجميعها مكشوفة من جهة المدينة، أي لا تصلح لاستخدم المجاهدين.

بدأنا بأقصى طاقتنا في حفر ثمانية مغارات دفعة واحدة. أربعة منها لاستخداماتنا وأربعة لمجموعات “المجاهدين” في الخط الأول. وكانوا قد طالبونا بحفر مغارات لهم عندما شاهدوا العمل عندنا. ورحبنا بحالة الحماس التي رافقت ذلك العمل.

كان ذلك الخط فقيرًا جدًا في الرجال والمعدات. فهناك أربع مجموعات تتبع أربع تنظيمات مختلفة وإن كانوا جميعا من أهل المنطقة.

أحد هذه المواقع يشغله شيخ في حوالي السبعين معه خمسة من أحفاده دون السادسة عشر من عمرهم. مواقع أخرى كان عدد أفرادها لا يزيد عن خمسة أفراد.

الجميع مسلحون بأسلحة خفيفة وهناك هاون واحد ومدفع واحد عديم الارتداد. بعد جولة سريعة في ذلك الخط أيقنت أنهم سوف يفرون في أول فرصة تتاح لهم، أو أنهم سينقضون علينا إن هَزَمَنا العدو.

قيادات المنطقة كانت سيئة جدا، لكننا قابلنا الكثير من المجاهدين وسكان المنطقة وكانوا من الطيبين الشجعان، مثل أغلب سكان الجبال، وقد عاملونا بترحاب ومودة.

من المفاجآت الحسنة أن قابلت هناك “الضابط كمال” الذي تعرفت عليه في معركة ليجاه عام 1982ـ وقد تحول إلى حزب حكمتيار، وظل شقيقه الأصغر، وكان من القلائل الجيدين، ظل ضمن جماعة حقاني.

كان والدهما ـ عبد القيوم خان ـ من أعيان منطقة لاكان وأغنيائها المعدودين وهو شخصية جهادية تاريخية في المنطقة، لكونه أول من اصطدم بالسلاح مع الشيوعيين في خوست عند بداية عهدهم المتغرطس والدموي عام 1978.

عند وصولنا إلى منطقة لاكان وقبل أن نعبر نهر شمل كان منزل عائلة عبد القيوم أول مراكزنا للاستراحة وتناول الطعام الذي كان دومًا من نوعية جيدة، مع استقبال حميم من رجال الأسرة ومجاهديها.

ما إن نعبر نهر شمل ونصبح في الجبهة الشرقية حتى ننحرف مئة متر إلى اليسار حيث أحد البيوت المهجورة التي اتخذها المجاهدون قاعدة إدارية لهم، وسمحوا لنا باستخدامها.

عندما وصلنا البيت ليلا لم ألاحظ أن أحدا يحرس المكان، فقد تركوا المهمة لجرو صغير جداً في حجم الكَفْ. وما أن دخلنا حديقة البيت حتى وجدته ينبح بشدة وقد التصق بقدمي يريد أن ينهشها. لم أكن متعودا على الكلاب ومزاحهم الثقيل. لذا هممت أن أوجه رفسة إلى هذا الجرو التافه فأطيح به إلى العدو في هضبة متون.

وما أن تهيأت لفعل ذلك، حتى سمعت زمجرة، ولمحت على بعد خطوات قليلة إلى اليمين وفي الظلام كلبة مهولة في حجم أسد كبير تربض في وضع الاستعداد، فقد كانت تلك السيدة هي والدة الأستاذ الجرو العزيز. فاعتدلت في وقفتي وابتسمت بنفاق للجرو اللطيف، وصرت من ليلتها من محبي الكلاب وأنصار حقوق الحيوان.

أطلقت على هذا الجرو المفترس اسم “نصف نعل” وصار ذلك إسماً لمَقَرِّنا الإداري الجديد، نستخدمه للتمويه عند الحديث على المخابرة.

 

 

جيش وردك للحفريات:

حقيقة كانوا جيشاً عظيم الأهمية ـ وقلما انتبه أحد إلى خطورة دور هؤلاء الشباب الفقراء على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

سبق وأن تحدثنا عن”شركات ” الحفريات التي شكلها شباب من ولاية وردك (غرب كابول). ولما كانت خوست هي ذروة العمل العسكري في أفغانستان، فقد توجه إليها عشرات من الشباب الذين تربطهم وشائج القربى والجيرة، كي يعملوا معا في سلسلة “شركات” لحفر المغارات في جبال خوست.

القصف الهستيري بالطائرات وصواريخ سكود، أقنع المجاهدين تماما أن لا مجال لأي عنتريات، وأن العمل وفق ” الأصول” هو خير سبيل لتجنب الإبادة بل ولتحقيق النصر.

لقد أدركوا بالتجربة الطويلة، والفِطْرَة القتالية المرهفة صحة الحكمة الصينية القائلة:

“عندما تكون قويا انقض من أعلى مثل العُقاب، وعندما تكون ضعيفا احفر عميقًا في باطن الأرض”.

الرئيس نجيب الله “كان ممن قدروا الدور الخطير” لجيش وردك”، فمنحهم لقب “الفئران أولاد الفئران”، متهماً إياهم بإفشال المجهود الجوي لقواته، وبالتالي نجاح المجاهدين في قضم المواقع الحكومية حتى ضاقت الأرض بقواته في خوست.

ثم وعدهم “نجيب” بإجزال العطاء لهم إن هم تركوا خوست وحضروا إلى كابول. كان الوقت قد تأخر كثيرا، فلا أحد يثق في النظام، ولا مدينة خوست قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالهجوم النهائي على وشك أن يبدأ.

قدمنا تسهيلات كبيرة لرجال الحفريات حتى ينجزوا أعمالنا في الجبهة الشرقية بأسرع ما يمكن فقد كنا في سباق محموم مع الوقت. واشترينا لهم كافة مستلزماتهم، ووعدناهم بترك كل ما اشتريناه من معدات هدية لهم بعد إنجاز العمل.

فأنجزوا المطلوب في وقته المحدد، وكانوا سعداء بما قدمناه من أجر وهدايا، فكانوا يعطون أعمالنا أولوية مطلقة.

في مواضعنا القديمة “للمطار90” حفروا لنا مغارة جديدة في موقع الراجمة رقم5 (مركز أبوالأهوال) احتياطا لاحتمال عودتنا إليه، إذا استدعى الأمر، للعمل ضد المطار القديم مرة أخرى. ولكن لحُسْن الحظ أن ذلك لم يحدث أبداً.

ولحسن الحظ أيضا أنه لم تحدث فتنة بين العرب والبدو بسبب تلك المغارة. فقد كان شابا عربيا ـ من القاعدة ـ يتابع عملية الحفر هناك عندما جاء صبي من البدو ليرعى قطيعا من الأغنام فوق هضبة قريبة، وكان يعزف لأغنامة عن مزمار معه.

طلب منه العربي التوقف عن العزف لأنه “حرام”. الصبي لم يفهم ما يريده العربي فواصل العزف. صاحبنا العربي جن جنونه وكاد يطلق النار على البدوي، لولا وصولنا في الوقت المناسب. ولما عرفنا منه المشكلة، نقلناه إلى مكان آخر بعيداً عن المزمار، وحتى لا يتحول مسار الأحداث في خوست من عملية اقتحام لفتح المدينة إلى عملية إطفاء لفتنة عمياء بين العرب وبدو المنطقة.

 

 

حقاني قبل المعركة:

تلقى حقاني كمية من الصدمات القاسية في العام “1990”، قبل أشهر من عمليات الفتح. بعض تلك الضربات كانت على المستوى العائلي الحميم.

بدأت بفقده أخاه أسماعيل، أحد أشقائه الثلاثة، وكان شخصية محورية لحماية منطقة زدران والعمل ضد عاصمة الولاية “جرديز”. فأتاح ذلك فرصة لحقاني نفسه أن يركز عمله في منطقة خوست بدون أن يخشى طعنة خطيرة تأتي من جرديز أو زدران حيث ثقله القَبَلي والبشري.

تلي ذلك وفاة والدته التي كانت عماد الأسرة وملاكها الحارس. بل وكانت كذلك بالنسبة لجميع الاُسَرْ في منطقة المهاجرين التي يعيش فيها حقاني في ميرانشاة. فكانت القوة الروحية المُلهِمَة بالأمل والشجاعة لجميع المجاهدين الذين ينطلقون من ذلك الحي صوب جبهات القتال في شكل جماعي أو منفرد.

كانت المربي والمؤدب لجميع أطفال الأسرة والحي، ولجميع النساء. فهي تحل المشاكل وتضبط التوترات الداخلية، بحزم ورقة الأم العطوف.

كانت خسارة حقاني لشقيقه إسماعيل ووالدته الكبيرة خسارة فادحة حقا. وكانت كذلك بالنسبة للكثير جداً من الأسر والرجال المجاهدين.

لم يلبث إبراهيم ـ الشقيق الثاني لحقاني ـ أن تفاقمت حالته الصحية بعد الوفاة المتتابعة لإسماعيل والأم الكبيرة. فأخذ يتقيأ دما فنقلوه بسرعة إلى المستشفى العسكري في روالبندي.

لم يتبق مع حقاني من قوته العائلية الضاربة سوى شقيقه الأصغر “خليل “.

ولكن الأخ الأصغر يبقى دائما “أخاً أصغر”. ولكن خليل تجاوز جميع التوقعات في معركة خوست ثم في معركة جرديز التي تلتها بعد ذلك بعدة أشهر. لقد كان جيشا كاملا واستحق بجدارة وصفا منحناه إياه حين قلنا متعجبين من أدائه:” لا يفل الحديد إلا خليل”.

هكذا كان خليل بدون أي مبالغة، بل بكل تواضع أيضا. وعندما علم شقيقه “إبراهيم” أن معارك خوست الحاسمة أصبحت على الأبواب قطع علاجه وحضر إلى ساحة المعارك، ليُكَوِّن مع أخيه خليل أعظم ثنائي شهدته معارك خوست، ثم معارك جرديز.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

التجار يهددون حقاني:

– تجار ميرانشاه بدأوا يشكلون أداة ضغط خطيرة على أعصاب حقاني. فهم الآن لا يتذمرون، بل يهددون. فحصار المدينة ومطاردة عمليات التهريب إليها، يهدد مصالحهم التجارية الهائلة القائمة على تهريب النفط والسلع الغذائية للمدينة المحاصرة. وبدون حياء قالوا لحقاني أنهم استثمروا ثرواتهم كلها في شراء تلك السلع، ومنع التهريب سيؤدي إلى إفلاسهم، وأنهم لن يسكتوا حتى يشاهدوا خراب بيوتهم، بل سيتحركون ضده !!.

– التجار الذين يقرضون حقاني السلع الغذائية والنفط وحتى السيولة النقدية، بدأوا يتذمرون، بل ويهددون ـ إن حدود الائتمان المسموح بها لهذا القائد الكبير قد تجاوزت حد المعقول. وبدأوا يطالبونه بالسداد لأنهم بصراحة بدأوا يشكون في إمكان ذلك بعد انحسار التأييد الحكومي الباكستاني، والعداء الدولي للمجاهدين وللعمل العسكري في أفغانستان.

– المخابرات العسكرية (ISI ) بدأت هي الأخرى عهدا جديدا من العداء المكتوم على مستوى القيادة العليا خاصة رئيسها “دوراني” الذي رفض حقاني استدعاء وجهه إليه.

” الجنرال إمام” الذي رافق المجاهدين معظم الفترة الماضية، تم تغييره بوجوه جديدة ناعمة ومريبة. بعكس “إمام” الخشن الملتحي الذي يقابل المجاهدين بالوجه المتدين الملتزم، ويحتفظ بالوجه الآخر ـ الحقيقي ـ للأمريكان ورؤسائه في روالبندي وإسلام آباد.

معونات الأسلحة والذخائر توقفت فعليا ـ إلا القليل من الذخائر التي تُبْقي على” شعرة معاوية ” سليمة تحسباً لتقلبات الزمان.

– ظروف حقاني القاسية، ربما أغرته بالركون إلى نوع من الأمنيات الخادعة.

فهناك “عميلا ” له في المدينة أوهمه أن المعدات المتوفرة لدى سلطات خوست لا تصلح لإتمام المطار، سوى لطائرات خفيفة جداً مثل الطائرات الرياضية.

وكانت خدعة سيئة أدت إلى إطالة أمد المعركة سته أشهر أخرى. فتأجيل سقوط المدينة من عام”90″ إلي العام”91″.

ـ أمنية أخرى بأن الخط الدفاعي الأول عن المدينة سوف يستسلم بدفع الأموال. فدفع عدة ملايين لكن الخبر تسرب، كما هي العادة دوما، فأحبطت الحكومة المحاولة وتدخل الطيران مع المدفعية ساعة التنفيذ، فقُتِل العديد من الضباط وفر آخرون إلى المجاهدين، وفشلت المحاولة. وكان خط الدفاع المرشح للتسليم هو الخط الجنوبي على امتداد تورغار إلى جهة الشرق. وسوف نرى كيف استولى عليه المجاهدون في معارك الفتح. وكيف أنه كان ركيزة الزحف صوب مركز المدينة.

 

أحزاب بيشاور.. خيانات مستمرة:

– الطعنات القريبة أكثر إيلاما. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي توجه أحزاب بشاور “الجهادية” طعناتها لحقاني، ولعديدين غيره من قيادات الداخل الناجحين.

لم يخبر حقاني أحداً بأنه ينوي اقتحام المدينة، بل أعلن أنه ينوي شن هجمات كبيرة عليها (ولكنه قبل العمليات بحوالي أسبوعين همس لي بأنه ينوي فعلا اقتحام المدينة).

قبل عمليات بهذا الشكل يخوض حقاني بكل صبر وسعة صدر مفاوضات موسعة مع قادة المجموعات حول خوست، تتناول المفاوضات كل ما يتعلق بالمعركة القادمة وطرق التعاون وتحديد المهام وطريقة توزيع الغنائم.. الخ.

كل ذلك يتم بناء على العلاقات الشخصية والقبلية بعيدا عن بشاور وأحزابها.

بعد إتمام كل ذلك أو معظمه شعرت قيادات بشاور “بالمؤامرة” فأرسلوا تهديدات شديدة اللهجة بالطرد والحرمان وكل العقوبات الممكنة ضد كل من يساهم في المعركة القادمة أو يتعاون مع حقاني في أي شيء!!.

انسحب القادة الميدانيون من اتفاقهم الذي أبرموه مع حقاني. وذهب أحدهم إلى بشاور لمراجعة قائده الأعلى هناك (سياف). ولكنه سمع نفس الكلام بلهجة أشد. ومن هناك اتصل مع حقاني تلفونيا معربا عن أسفه وانسحابه من أي اتفاق سبق إبرامه.

كان حقاني في أشد الثورة وقتها. ولكنه بقدرته الفائقة على كبح مشاعره تمالك نفسه، ولم ينْجَر إلى مهاترات أو معارك ثانوية مع أي أحد، وظل محافظا على هدفه الرئيسي ـ فتح خوست. وتلك ميزة أخرى من مزاياه الكبيرة.

الذين انسحبوا من الاتفاق مع حقاني، لم ينسحبوا من مواقعهم، فالذي يحدث عادة بالنسبة للمجموعات التي لا تشارك في المعارك هو اتخاذ موقف “التربص” تمهيدًا للانقضاض على غنائم المعركة.

فإن فاز “المجاهدون” كان “المتربصون” هم الأسبق إلى مواضع الغنائم الدسمة. لأن “المجاهد” يتحرك وفقاً لضرورات المعركة ومتطلباتها التكتيكية أما “المتربص” فعينه دوما على مواضع الغنائم فينقض عليها فوراً. وكانت تلك القاعدة صحيحة طول مدة الجهاد.

وأثناء اشتعال المعارك يتمكن المتربصون من اصطياد أي غنيمة طارئة حتى ولو من إخوانهم المجاهدين، وهذا من التصرفات المعتادة. وإذا فاز المجاهدون أو فازت “الحكومة ” فإن للمتربصين أوراقا يمكن الاعتماد عليها مع كلا الفريقين.

إذن “فالمتربص” فائز على جميع الوجوه، ومنتصر دوما ولكن بلا حرب (على طريقة الرئيس الأمريكي نيكسون).

 

 

عمليات فتح خوست

 

الإثنين أول رمضان 1411 ـ (17 مارس 1991):

في هذا اليوم بدأت عمليات “فتح خوست”. كان يمكن أن يبدأ حقاني العمليات قبل ذلك بعدة أيام بعد أن صار كل شيء جاهزا، ولكنه فضل الاستفادة من الأجواء الروحانية في شهر رمضان، حيث تكون معنويات المجاهدين في أعلى درجاتها.

 

حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو معاً:

منذ عدة أشهر والمجاهدون ـ والعدو أيضا ـ يتوقعون هجوما رئيسيا ينطلق من الطرف الغربي لجبل تورغار. واستعد الجميع لذلك استعدادا كبيرا ـ المجاهدون والعدو معاـ حتى إن العدو استدعى قوات خاصة عالية التدريب ومزودة بصواريخ سلكية حديثة، سوفيتية الصنع مضادة للدبابات. وحشد عددا كبيرا من قواذف الصواريخ المضادة للدبابات. هذا إضافة إلى الحشد المدفعي الموجه على هذا المحور تحديدا.

ماليزي مفاجأة معركة الفتح ـ والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات في ماليزي كان البدو متواجدين منذ عدة أشهر في خطين:

الأول سلسلة جبال على بعد أمتار من الخط الأول الجبلي للعدو.

والثاني خط إسناد خلفي على بعد نصف كيلومتر خلف مجموعة تباب منخفضة لكنها توفر مواضع ممتازة للأفراد والهاونات.

العيب الكبير في ماليزي كلها كان عدم توفر الماء، فكان البدو يرسلون سيارتهم إلى قرية “لاكان” للتزود بالماء من نهر شمل هناك.

الطريق كان طويلا وصعبا عند المطر وخطر أحيانا. قَدَّرْنا وقتها أنه إذا اشتدت العمليات وتعذر تزويد مراكز البدو بالماء فقد ينسحبون من المنطقة فتكون كارثة. فقررنا حفر بئر ماء لهم على نفقتنا. وشرعت إحدى شركات “وردك للحفريات ” في العمل بهمة. ولكن وصل الحفر إلى عشرين مترا ولم يعثروا على الماء وبدأت المعارك، وبسرعة وصل البدو إلى نهر شمل من مناطق قريبة منهم في ماليزي.

كان الشاب البدوي الشجاع (الحاج محمد أفريدي) وقت العصر قد أعلن ساعة الصفر للعدو أثناء حملة من الشتائم والتحديات على جهاز المخابرة، لا يقطعها سوى فاصل من نيران مدفعه “الدوشيكا” أو هاونات العدو ورشاشاته. ومن حسن حظ المجاهدين أن العدوّ لم يلق بالا إلى تهديدات الشاب الشجاع واعتبرها (إحدى حماقاته)، كما كانوا ينظرون إلى شجاعته الخارقة) ويضحكون منها ويسبوه. فطلب منهم البدوي الشجاع ألا يهربوا لأنه قادم لذبحهم في الساعة الرابعة فجرا.

ويبدو أن حقاني قد أخبر تلك المجموعة (مجموعة جولاب) بالاستعداد للهجوم على سلسلة الجبال الموجهة لهم عند الرابعة فجرا. فلم يطق “الحاج أفريدي” صبرا، وأفضى بمكنون صدره إلى جنود العدو وهو يتبادل معهم الشتائم والرصاصات.

 

 

حقاني في جبال ماليزي: التراجع ممنوع

وبالفعل.. في الرابعة من فجر ذلك اليوم تحركت قوة مشتركة من البدو (الكوتشي) من جماعة جولاب، ومجموعة أخرى من كتيبة (غوند) أبو جندل. والهدف كان الاستيلاء على جبال ماليزي.

كان الجو باردا وممطرا، وتم الهجوم بدون تمهيد مدفعي. وفوجئ العدو بالمجاهدين فوق رأسه، ففر الجنود لايلوون على شيء. وبهذه السهولة سقطت جبال ماليزي.

غادر الكوتشي الجبل وتولي رجال أبو جندل حمايتة.

عند الظهر في هجوم صاخب ساندته المدفعية والطيران استعاد جنود الحكومة الجبل في هجوم كاسح، فعصفت بالمجاهدون حالة معنوية سيئة. انتقل حقاني بسرعة إلى ماليزي واجتمع بالمجاهدين وقادة المجموعات وكان حازما في كلامه: { في هذه المعركة غير مسموح بالتراجع عن أي موقع يتم تحريره}. وقال حقاني أنه باق في الخط الأول من ماليزي إلى أن تتم استعادة سلسلة الجبال المفقودة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 33)

 

 




إنها أفغانستان أيها الغبي !

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !

– على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ، حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

– تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية، هو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية.

– العلاقات الجيدة، والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الإقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها.

– تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب والخامات النادرة، ومنابع نهر جيحون التي تنسج إسرائيل من حولها خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

– الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها، وتراجعاً نسبياً في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

لم تلجأ الولايات المتحدة إلى التفاوض مع الإمارة الإسلامية إلا بعد أن واجهت هزيمة حتمية في ميدان المعركة، قادتها إلى قرب نقطة الجلاء الشامل عن أفغانستان وسحب جميع قواتها بدون مفاوضات.

وإذا اعتمدنا على الأرقام التي تذيعها أمريكا ـ مع تحفظنا الكامل على صحتها ـ فإن أمريكا بدأت حربها باستخدام مئة الف جندي من قواتها. أما قوات حلف الناتو فإنها بلغت حوالي ثلاثين ألف جندي.

فتكون أمريكا قد بدأت حربها بحوالي 130,000 جندي على أقل تقدير، وهو رقم يقترب من عدد قوات الجيش الأحمر الذي غزى أفغانستان في أواخر ديسمبر 1979. مع الفارق الهائل في مستوى تطور الأسلحة ـ خاصة سلاح الطيران ـ والذخائر التي استخدمها، مثل قنابل اليورانيوم، ذات قوة التدمير غير المعهودة مع التلويث الإشعاعي طويل الأمد. وأنواع لا حصر لها من القنابل والصواريخ، وصولا إلى (أم القنابل) ذات الأحد عشر طنا وهي أكبر قنبلة تقليدية في العالم.

تقول التقارير الأمريكية أن الرئيس أوباما خفض عدد قواته في أفغانستان حتى وصل إلى 8400 جندي بنهاية فترة رئاسته الثانية ـ أوباما كان قد وعد بإخراج قوات بلاده من أفغانستان (بحلول 2014) وكان قد اغتال بن لادن في أول مايو 2011.

ثم أجَّلَ أوباما موعد الانسحاب إلى نهاية 2014. ثم تجاهل أيضا ذلك الموعد، إلى أن تسلم الرئاسة منه ترامب، الذي أحدث تغييراً شاملا في استراتيجية الحرب على أفغانستان لتصبح بالكامل حرب تتولاها شركات (المتعاقدين) أي المرتزقة.

في البداية رفع ترامب عدد قواته في أفغانستان إلى 14000 جندي لتفادي انهيار القوات الأمريكية والحليفة لها. ولكن مع اكتمال التحول إلى نموذج حديث من حروب المرتزقة، لم يجد ضرورة لكل تلك الأعداد من الجيش النظامي، فخفض عدد قوات بلاده حتى وصل به إلى 2500 حسب تصريح الأمريكيين.

كان الجيش الأمريكي وحلفائه في مسيرة محتمة نحو هزيمة عسكرية، وخسارة متزايدة ليس في الأرواح والمعدات فقط، بل أيضاً في تحقيق أهداف العدوان. أي تحويل أفغانستان إلى أكبر مصنع للهيروين وتصديره إلى العالم.

بمجهود شعبي وجهادي انكمش ذلك الهدف تحت أرجل العدوان، وأصبح العائد المتبقى في أيدي الأمريكيين غير مُجْزٍ في مقابل حرب كبيرة بهذا الشكل. ومع ضعف الأمريكيين عسكرياً تدخل عدد كبير من المنافسين والطامعين والأعداء فيما تبقى من غنيمة الأفيون. فأصبحت الحرب (غير اقتصادية) بالنسبة للأمريكيين، ناهيك عن فضائح خسارة الجيش الأمريكي التي بدأت تتسرب إلى العالم، بعد حرب طويلة واستخدام أسلحة هي الأرقى والأخطر في العالم، ولكنها كانت الأكثر فشلاً في إخضاع شعب فقير معظم أفراده يعيشون على الحافة بين الحياة والموت. ويقوده في تلك الحرب الحديثة المعقدة شباب طلاب العلوم الشرعية، الذين ارتقوا في استيعاب فنون الحرب لدرجة جعلت من جيوش أمريكا والناتو يظهرون كجيوش من القتلة الفاشلين.

 

هروب نحو التفاوض

لجأت أمريكا إلى المفاوضات تحت ضغط فشلها العسكري، ومسيرتها المؤكدة نحو هزيمة عسكرية ستكون وبالاً على مكانتها الدولية.

وما كان ينبغي مسايرة الأمريكيين في طريق التفاوض، وكان الأولى مواصلة الضغط العسكري عليهم لإرغامهم على الانسحاب في ظلال الهزيمة العسكرية.

لكن أمريكا نجحت في تكتيل عدد كبير من الوسطاء وأدوات الضغط السياسي والدعائي في الداخل والخارج تدعو إلى التفاوض. وكان هدفها استدراج الإمارة الإسلامية بعيدًا عن ميدان الحرب نحو ميدان لا يجيدون السير فيه. فخبرات المجاهدين الأفغان منذ الغزو السوفيتي كانت محصورة تقريبًا في المجال العسكري، أما الجانب السياسي فكانت تتولاه عادة الدولة المضيفة للأحزاب أو الممولة لهم وتحتضن مجهودهم الدعائي والإعلامي.

ربما لأول مرة خلال قرن من الزمان أو أكثر، تتولى حركة جهادية التفاوض بالأصالة عن نفسها. لهذا كان من الطبيعي أن تحدث أخطاء. ولكن المجاهدين تعلموا الدروس بسرعة أدهشت الأمريكيين الذين ارتَدَّت عليهم الكمائن السياسية التي جهزوها للقضاء على الإمارة الإسلامية، وتبديد ثمار جهادها الناجح في العقدين الأخيرين. أكبر هذه الكمائن كان مؤتمر اسطنبول الأخير الذي رفضت الإمارة الإسلامية حضوره. فسقط الأمريكيون في الكمين الذي جهزوه بأنفسهم للإمارة الإسلامية.

المسافة الفاصلة بين موقف الإمارة الإسلامية من مؤتمر اسطنبول، وبين أهداف الولايات المتحدة من عقد ذلك المؤتمر توضح مدى الكارثة السياسية التي وقعت فيها الولايات المتحدة. يتضح ذلك فيما صرح به الدكتور محمد نعيم وردك المتحدث الرسمي للمكتب السياسي للإمارة مُذَكِّراً بثوابت الموقف السياسي للإمارة، وهي:

1 ـ استقلال البلاد.

2 ـ انسحاب القوات الأجنبية.

3 ـ إقامة نظام إسلامي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

أما المطالب الأمريكية.. فمحاورها الأساسية هي:

1- تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية. وهو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية التي تدار وفقاً للنموذج المشوه الذي تدير به أمريكا دولة العراق، بأقل قدر من قوات الاحتلال، مع تحقيق كامل لجميع أهدافه السياسية والاقتصادية، ومطاردة أي مقاومة مسلحة، مع إشعال الصراعات الداخلية المذهبية والعرقية، وتغيير شامل لثقافة المجتمع وما تبقى فيها من آثار للإسلام، وإحلال الثقافة الغربية مكانها، تحت إدعاءات (الحقوق) ما بين حقوق امرأة ـ وطفل ـ وأقليات ـ وحريات تعبير واعتقاد. وترويج وحماية الفساد كمظلة عامة للمجتمع، أو بالأحرى ديانة جديدة تشمل كافة نواحي الحياة.

واضح أن النموذج الاستعماري في حكم العراق يتعارض بالكامل مع النموذج الإسلامي للإمارة الإسلامية المحدد في مطالب (د.نعيم): أي استقلال البلاد ـ انسحاب القوات الأجنبية ـ وإقامة نظام إسلامي.

2- ثاني الأهداف الأمريكية الكبرى من مؤتمر اسطنبول كان إلغاء مبدأ الانسحاب العسكري. وخروج المؤتمر بسلسلة قرارات أهمها إجبار الإمارة الإسلامية (وحركة طالبان) ولو بقوة السلاح للإنخراط في حكومة مشتركة مع نظام كابول العميل.

وكما تناسى أوباما وعوده بالانسحاب في 2014، يتناسى بايدن تعهد بلاده في اتفاق الدوحة بإنجاز انسحاب كامل لجيوشها من أفغانستان بحلول أول مايو2021.

3- ترغب أمريكا بالإبقاء على تواجد عسكري صغير نسبيًا ومتفوق نوعيًا وتكنولوجيًا، للإشراف على برامجها في أفغانستان ـ خاصة برامج النهب الاقتصادي. وبرامج إخراج الإمارة الإسلامية من دائرة التأثير فى شؤون قارة آسيا، بما يتناسب مع عظمة انتصارها العسكري، كما حُرِمَ المجاهدون سابقًا من الثمار السياسية لانتصارهم على السوفييت. وما يخيف أمريكا أكثر هو التطور الكبير للقوى الأسيوية خاصة الصين وإيران وروسيا، واتجاههم نحو استقلالية وندية في مواجهة أمريكا. وأن الضغوط الأمريكية على أفغانستان سيجعلها تقترب أكثر إلى محيطها الأسيوي وليس إلى تحالفها التقليدي مع أمريكا وأوروبا ودول النفط العربي.

يُقلق أمريكا كثيرًا وجود الإمارة الإسلامية على أحد أهم محاور طريق الحرير، يربط بين الصين وإيران. وموقعها المتوسط كأهم حلقة اتصال في آسيا بين دول الجنوب والشمال الأسيوي وشرق آسيا وغربها، بما يضمن تفوقاً فى الجغرافيا السياسية لأفغانستان، واحتمالات إمتلاكها لقوة عظمى في الاقتصاد والتأثير الثقافي، وإمكانية تشكيل مركز روحي وثقافي تلتف حوله الأقليات المسلمة في دول آسيا الكبرى، التي تحتفظ بعلاقات متوترة أو ملغومة مع مواطنيها المسلمين.

العلاقات الجيدة والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الاقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها، حتى لو استمرت الضغوط لعشرات السنين. الجغرافيا هنا تلعب دورًا مركزيا. وسياسة الإمارة الخارجية مع دول الإقليم ودول الجوار ستكون العنصر الحاسم لإبطال سلاح الحرب الاقتصادية التي سوف تشنها أمركيا على الإمارة الإسلامية التي تتمسك بجدية الالتزام بمبادئها.

4- التصور الأمريكي لحل مشكلة أفغانستان (وهو حكومة مشتركة) يضمن احتلالها للبلاد بأرخص التكاليف، وبلا مقاومة مسلحة، بل وتخريب مرتكزات الجهاد فتجعله، فكرة غير قابلة للتنفيذ مستقبلا. وقد نجحت في ذلك في الكثير من الدول الإسلامية والعربية. هذه المرة تتصور أمريكا أفغانستان محتلة بنظام فاسد ومجتمع فاقد الهوية، تَرَاجَعْ فيه الإسلام تحت ضغوط شتى من الحرب إلى الدعاية. دولة تدور في الفلك الأمريكي وتسيطر عليها إسرائيل. أي مجرد دولة شرق أوسطية ولكن في وسط آسيا.

5- على رأس المشاريع الاقتصادية / السياسية لأمريكا في أفغانستان يأتي التنظيم الجديد لتجارة المخدرات في ظل ظروف الهزيمة العسكرية وإعادة صياغة الاحتلال العسكري. فإلى جانب تسهيل استخدام ثوري للحشيش في العالم، شرعت منذ فترة داخل قواعدها الجوية في أفغانستان ابتكار مخدرات صناعية (خطيرة أو عالية الخطورة)، وأخرى نصف صناعية، لتعوض خسائرها في السوق الدولي للمخدرات نتيجة لتَزَاحُمْ المنافسين حتى من الحلفاء أنفسهم. الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها وتراجع نسبي في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

6- ولاية بدخشان تحتل مكاناً في مقدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للاحتلال الذي يخطط له الأمريكيين في أفغانستان. فمن ناحية اقتصادية تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب، إلى الخامات النادرة. إلى منابع نهر جيحون الذي تنسج إسرائيل حول منابعه خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

ومن ناحية الجغرافيا السياسية لبدخشان فإنها مرشحة لتغيرات خطيرة قد تقود الى حروب مدمرة ومزمنة، لأسباب منها تغيير الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان. وبين كل من الهند وباكستان مع ولاية بدخشان. وإغلاق ممر واخان في وجه طريق الحرير المزمع امتداده من الصين عبر أفغانستان صوب إيران وصولا إلى الخليج الفارسي وبحرالعرب.

وحاليا تشهد بدخشان حرباً طاحنة مرشحة للتصاعد وربما التوسع إقليميا أو حتى دوليا. فإسرائيل تُعامِل بدخشان على أنها الحدود الشرقية لإمبراطوريتها اليهودية العالمية التي مركزها القدس الشريف.

حدود بدخشان (الإسرائيلية) لها صفة العالمية، بدعم من القوة العسكرية الأمريكية. فهي تجاور بل (وتهدد!!) الصين، القوة الأولى الوشيكة للعالم. وتلاصق الهند، الدولة الأسيوية الأولى في عدد السكان، والثالثة اقتصادياً، والحليف الأسيوى الأوثق لإسرائيل بفضل الحكم الهندوسي المتطرف في نيودلهي. يزمعون (أمريكا وإسرائيل) اقتطاع جزء من الحدود الجبلية الجليدية بين الصين وكل من الهند وباكستان، وضمها إلى بدخشان. وبذلك ينقطع الاتصال البري بين الصين وهذين البلدين، كجزء من حصار الصين ومنع وصولها إلى مياه بحر العرب عن طريق باكستان.

مهما كانت المخططات الأمريكية (الإسرائيلية) طموحة ومحكمة وشيطانية، إلا أن من وضعوها سوف يسقطون فيها، ويغرقون في أفغانستان. مقبرة الإمبراطوريات الغازية ـ والحصن الأعظم للإسلام.

فما زالت بنادق البريطانيين، التي غنمها الأفغان في حروبهم ضد الحملات البريطانية، موجودة ضمن مقتنيات الكثير من العائلات الأفغانية ـ بل وقاتلوا بها ضد الانقلاب الشيوعي عام 1978.

والأسلحة السوفيتية التي غنمها المجاهدون من الجيش الأحمر كانت هي أساس المقاومة الجهادية التي صفعت وجوه الأمريكيين وحلفائهم عام 2001.

والأسلحة الأمريكية المكتسبة من غنائم الجهاد ضد الحملة الصليبية الأمريكية، هي نفسها التي تحرق تلك الحملة الآن، وتحرق أولا بأول مسيرة الحملة الإسرائيلية لاحتلال أفغانستان(تحت حماية أمريكا وحلف الناتو).

إمارة أفغانستان ليست إحدى إمارات النفط في الشرق الأوسط. وجهادها جهاد حقيقي نابع من إسلام حقيقي، يعتنقه ويدافع عنه بالأرواح رجال حقيقيون، وليسوا أشباه رجال.

على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 32

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

– استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

– زاد الأمر سوءا استشهاد “أبو الشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار 90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد.

– شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

– كان وقتاً عصيباً خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام هي مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتَصَنُّع اللامبالاة وبالضحكات.

– الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

– وَعَدَنا حقاني بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا. ولكن ما إن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، ولم يَعُد لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر.

– أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة وقال إنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة.

– تأكدت أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

– كان البدوي الشاب يهدد جنود العدو بالذبح فيضحكون منه. هذه المرة كان أكثر تحديدًا إذ أخبرهم أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب. كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. لحُسْنِ الحظ أن العدوّ ضحك ولم يأخذ التهديد بجدية، فلربما تغيّر تاريخ أفغانستان المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

غادرت إلى بشاور وتركت إدارة المشروع لكوادر القاعدة، أبو تميم وأبو الشهيد، حتى أحاول تحريك جبال بشاور واتخاذ قرار بتصعيد مشاركتهم لمطاردة المطار الجديد، والعمليات البرية الأخرى إن إمكن. بالطبع فشلت في مسعاي ذاك، وانسحبت القاعده تدريجياً من “دزجات ستان”، خاصة بعد استشهاد أبو الشهيد القطري. وأورد هنا تقرير صادر من نقطة الترصد وموجه إلى أبو تميم الذي كان يتولى الإدارة وقتها، وهو بتاريخ 23/9/90 وأورده هنا ملخصاً..

 

تقرير من الترصد

ليلة السبت كان التالي: نزلت حوالي 8 طائرات وكانت الأولتين في المطار القديم، ونجحوا في النزول وتنزيل الحمولة، والصعود كذلك، أما باقي الطائرات فنزلت في المطار الجديد، وكانت الطائرة الثالثة هي التي أصيبت بل قسمت قسمين، ورأينا الدبابة تسحبها في اتجاه مبنى قرب المدرج.

1 – الأمر الأول هو أن المهمة صعبت قليلاً: أ ـ نصف القوة الليلة الماضية لم تشتغل معنا : شاه خان، ومركز رقم 9، ومجبور لم يرمي بسبب وجود حوالي 5 سيارات في مركزه. ب ـ أصبح للعدو مطارين فهو ينتهز الفرص ويغير التكتيك من حين لآخر، مما يصعب المهمه، كذلك انسحاب مركزين مهمين من العمل على المطار القديم (شاه خان ورقم 9).

2 – الأمر الثاني: لاحظنا وبكل تأكيد أن الإنزال يتم بسرعة رهيبة جدًا جدًا لا تتجاوز 8 دقائق على الأكثر بحيث أن الطائرة تنزل وتلف في المطار ثم تفتح الباب السفلي (الخلفي) وترمي بكل حمولتها على مدرج المطار وهي تمشي على المدرج بدون توقف وعند الانتهاء، مباشرة تطير. والذي يؤكد هذا الكلام هو أننا رأينا في نقطة تنزيل المطار الجديد التي على اليمين منذ حوالي 5 أيام البضائع متناثرة في نقطة التنزيل، مما يؤكد أن الطائرة تسير وعملية التفريغ تتم بدون إعاقة، فلو كانت الطائرة تنزل في مكان واحد لرأينا أنها مكدّسة في مكان واحد، لكن الملاحظة خلاف ذلك، كذلك الحمولة في المطار القديم تنزل بسرعة أسرع من المطار الجديد.

3 – الأمر الثالث: عمليات التموين من العدو وعمليات الإرهاق بالنسبة للمجاهدين، وذلك بتحليق أكثر من طائرة من نوع “جاموسة”، تغطية الأصوات بالجِتْ (يقصد الطائرات النفاثه)، وإنارة المطارين القديم والجديد في نفس الوقت والتظاهر بالإنزال في أحد المطارات.

أما الإرهاق فحدث عنه ولا حرج، نرى المجاهدين في بداية الليل يشتغلون بكل نشاط ولكن بعد الساعة الواحدة يكون بعض قطع المدفعية قد توقف عن العمل.

– ثم في آخر التقرير يقدم كاتبه (وهو غير معروف) فكره لتوزيع النيران المتوفرة على مدرج المطارالقديم، يتضح منه وجود ثلاث راجماتBM12  وراجمة واحدة فردية لجماعة أبو الحارث وهي قوة جيدة على أية حال، ولكن مناورات العدو جعلت المعلومات مشوشة، حتى التصنت اللاسلكي لم يكن يستطيع تحديد المطار الذي سوف يستخدمه العدو.

على أية حال لم يستمر العدو طويلاً في تلك المناورات بل توقف عنها سريعًا وأقتصر على استخدام المطار الجديد. حتى أن الكثير من المجاهدين أكدوا أن العدو لم يستخدم إطلاقًا المطار القديم منذ أن توقف عن استخدامه في آخر ليلة عمليات لنا في العاشر من سبتمبر. وأميل إلى تصديق ذلك، وبذلك يكون ترصدنا قد وقع فريسة تمويهات العدو، الذي لم يستخدم سوى مطار واحد فقط هو المطار الجديد منذ يوم الثلاثاء 11/9/90.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

الطريق إلى فتح خوست

كما ذكرت سابقا فإن من عملوا معي في مشروع “المطار90” على قدر إعجابهم بأداء العرب في العملية، ونتائجها على الأرض، إلا أنهم انصرفوا من الجبهة انصرافا جنائزيا كأنهم فشلوا في المعركة وخسروا الحرب كلها.

كان حزنهم كبيرًا لأن المجاهدين الأفغان لم يستفيدوا من إغلاق المطار لمدة شهر وكان المشهور أن ذلك سيؤدي إلى سقوط خوست.

ثانيا – ما شهدوه من تكاسل شبه متعمد وترك العدو يكمل عمله في المطار الجديد بدون أي تدخل ـ تقريباـ من جانب المجاهدين. وقد كان مدفعًا واحدًا أو دبابة واحدة كافية لإيقاف المشروع وتدمير المعدات الصفراء اللون التي تعمل طول النهار ـ وكنا على استعداد للقيام بالعملية لكن أحد لم يزودنا بما هو مطلوب، رغم تفاهته وقتها.

وكما هي العادة اشتدت الحرب النفسية في بشاور على من شاركوا معنا في العملية، بدعوى أن الأفغان غير جادين لا في الجهاد ولا في إقامة دولة إسلامية ـ وكانت تلك هي النغمة السائدة في التوأم السيامي “القاعدة والجهاد المصري” وتبنتاها تنظيمات الشام (سوريا)، ثم تنظيمات الشمال الأفريقي التي غمرت الجميع بالتكفير.

زاد الأمر سوءًا استشهاد “أبوالشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد، وقد استشهد أثناء محاولة تفجير قذيفة هاون تالفة من مخلفات الحرب. وكنا قد احتفظنا بها في مكان مهجور لتفجيرها عندما تسنح الفرصة، وحتى لا يأخذها البدو من جامعي الشظايا، فتؤدي بحياة بعضهم. ولكنها أودت بحياة واحد من أفضل شبابنا وأنبلهم خلقًا وأكثرهم شجاعة.

كان أبو الشهيد قد تولى قيادة مركز أبوالعباس بعد انصرافي، وإلى حين تصفية المركز، بعد أن انتهت العملية التي كان “أبو العباس” قلبها النابض.

أثناء العملية (المطار 90) ورغم خطورتها الاستثنائية، إلا أننا لم نفقد فيها أي شخص لا شهيد ولا جريح، ولكن تصفية المعسكر أفقدتنا أهم كادرعندنا!!

من المفارقات أن “أبوالشهيد” عبر ذات ليلة مظلمة من وسط حقل ألغام في جبل الترصد ووصل إلينا بلا خدش، وبدون أن يدري حقيقة ما قام به. إنها مفارقات الحرب المحزنة.

وهاهو الشاب النبيل يحاول الحفاظ على حياة أطفال البدو من جامعي الشظايا حول معسكرنا ـ من خطر قذيفة هاون صدئة من عيار 82 مليمتر. ولكن القذيفة تصيبه بشظية في جبهته فيلقى ربه بعد دقائق. حقاً.. ما أهون هذه الحياة!

في أول يوم من العام “1991” كنت في ميرانشاه مع ابني الأكبر وليد “20 عاما”، وبسرعة لحقت بي العائلة كاملةـ ماعدا عبد الرحمن الذي كان الوحيد بينهم الذي كان مازال مرتبطاً بالتعليم في مدرسة باكستانية. سكنت أسرتي في نفس منزلنا السابق ـ وأصبح لنا جيران هذه المرة. فالبيت المجاور يسكنه حاليا مولوي “عزيزجان” مدير المدرسة الدينية “منبع الجهاد ” وهو صديق قديم وعزيز، وشخصية جهادية تاريخية. (توفي بالسرطان بعد ذلك بأعوام قليلة).

حاجي إبراهيم ـ زميلي في المجلة وفي العمليات ـ كان سعيدًا للغاية أن نعود مرة أخرى إلى الجبهة في مشروع جديد للمطار الجديد.

أبو الحارث كان جاهزا “لاحتلال” مركز أبوالعباس وإدارته بأفراد من جماعته. استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني في ميرانشاه، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

وافقوا على المغادرة في غضون ساعات ـ فهذه هي حياتهم ـ وكان المركز في حاجة إلى أكثر من يوم لتنظيفه، فقام شباب أبو الحارث بالمهمة خير قيام كعادتهم دومًا في المهام جميعا، سهلة كانت أم صعبة. ومعسكرات القاعدة أمدتنا بالفرش وأدوات الطبخ، ثم بقايا صواريخ “كاتيوشا” من فائض عمليتنا السابقة.

ما لبث “أبوالعباس” أن صار أحد مراكز أبوالحارث، وتولى هو إدارته وكانت بعض إداريات المركز تأتي من مقر جماعتهم الرئيسي في غرب جبل تورغار.

كان الدفاع عن جبل “تورغار الصغير” عملهم الدفاعي الرئيسي في خوست وقتها، وكان ذلك مبعث ارتياح حقاني وباقي المجاهدين. فالجماعة أصحاب قوة وبأس، وشبح بيع الجبل قد انتفى تمامًا، وهو الخطر الماثل بقوة منذ أن باع أحدهم تورغار عام “1984”. وجبل “تورغار الصغير” هو مقدمة الدفاع عن “تورغار الكبير” الذي لا يمكن للقوات الحكومية أن تهاجمه بدون التقدم من الأصغر فالأكبر.

على تورغار الكبير كان لجماعة أبوالحارث تواجد ملحوظ، ويستخدمون من فوقه راجمة صواريخ فردية، يقصفون بها مواقع حكومية متعددة، وقد طوروا قاعدتها فصارت رمايتها أكثر دقة. ومع ذلك لم تقم جماعة أبوالحارث بما كنت أتوقعه منهم بتحويل جبل تورغار إلى بارجة نيران حقيقية.

كنت حزينا لتدهور القيمة التكتيكية لذلك الجبل بعدما انتقل إلى أيدي المجاهدين. كنت أتصور أن دبابة واحدة فوق الجبل ومجهزة هندسيا بشكل مناسب، يمكنها تدمير كافة الأسلحة الرئسية للعدو في خط دفاعه الأول الذي مازال يمثل مشكلة. تلك الدبابة يمكنها أيضا النيل من مراكز العدو الحساسة التي مازالت في العمق.

ضغطت كثيرًا على حقاني وأبو الحارث لتوفير دبابة لهذا الغرض. وشرعنا بالفعل في حفر موقع لها في موضع متحكم فوق تورغار.

شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

وافق “ابن عمر” على تجهيز الموقع واستخدامه ضد دبابة العدو (التي حاولت جماعة القاعدة تدميرها). ومن الموقع الذي كنا نجهزه قال ابن عمر إنه يستطيع تدمير دبابة العدو من الطلقة الأولى أوالثانية على الأكثر.

وكنا نطالع دبابة العدو من موقع تورغار المرتفع. ونحن نجهز بالمتفجرات موقع دبابتنا الموعودة، وكان حقاني قد وافق على المشروع وقال إنه سيزودنا بها بعد تجهيز الموقع (وَعَدَنا في الحقيقة بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا)، ولكن ما أن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، وعندها لم يكن لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر. وكانت الدبابات تابعة كلها لكتيبة “العمري” التي يديرها أشقاء حقاني إبراهيم ثم خليل (الذي يرفض دومًا تزويدنا بإبرة خياطة وليس دبابة).

عندما انتقلنا إلى “الجبهة الشرقية” جاء معنا ابن عمر وقضيت معه أياما نتفحص الجبال والسهول شبرًا شبرًا. لتحديد ملامح استخدام محتمل للدبابات من جانبنا ضد العدو، وكانت اكتشافاتنا مذهلة.

وصاحبنا “ابن عمر” كان ذو خبرة وخيال خصب في استخدام سلاحه التخصصي. تحمسنا كثيرًا لأفكارنا الجديدة، سواء ما هو ضد المطار الجديد أو ماهو ضد مواقع العدو في سهل خوست المواجه لنا، أو مرابض مدفعية العدو خلف مطاره الجديد، أو مخازن أسلحته السرية التي اكتشفناها مؤخرًا، ولا يعلم أحد عنها شيئا، حيث أنها ظهرت فقط من منطقتنا الجديدة بعد صبر وجهد في المتابعة.

 

طريق بين الألغام

جنوب جبل تورغار ساحة واسعة جدًا مليئة بالأعشاب والأشجار البرية. كانت كثيفة النباتات بشكل ملفت للنظر، ربما لأن أحدًا لا يجرؤ على استخدام تلك المنطقة المحرمة، التي زاد من وحشيَّتِها كثافة الألغام التي بثها العدو بشكل مدروس ومنظم أحيانًا، وبشكل عشوائي أحيانًا أخرى.

كانت أشبه بمناطق “السافانا” الأفريقية، ولكن بدل من الحيوانات المفترسة، يوجد هنا الألغام الحقيرة القاتلة التي تهون إلى جانبها أي ضواري أفريقية.

القاعدة هنا: كل شيء ملغوم، خاصة الأشياء الجميلة التي تجذب النظر، أو الجاذبة لاهتمام شخص يجوب المنطقة، مثل شجرة ظليلة أو بركة ماء صغيرة، أو مدق ترابي قديم.

كان يجب اختراق تلك المنطقة وشق طريق خلالها حتى نحقق اتصالا بين مركز أبو الحارث ومركز أبوالعباس، وبالتالي يتحقق اتصال ذو قيمة تكتيكية كبيرة بين (بوري خيل) ومناطق حيوية شرقا وشمالا مثل دروازجي ولاكان ومناطق جنوبيه مثل (توده شني). إذن تكتمل شبكة حيوية بطرق هي الأقصر والأكثر أمنا في المنطقة.

تحدثت مع أبو الحارث في الفكرة، فاستوعبها وتحمس لها، وشرعنا في إجراءات التنفيذ. كان علينا أن نطارد -وبصبر- ذلك التراكتور الوحيد الذي يخدم المنطقة بأسرها، وهو مزود بسكين خاص لتسوية التربة، وهو ما نحتاج إليه لتمهيد الطريق. وأخيرًا حجزنا دورنا لاستلام التراكتور في يوم محدد.

وكان علينا أن نستكشف الطريق الذي سيسلكه قبل أن يحضر إلينا، فهو ليس كاسحة ألغام، وليس مهندس طرق. لابد أن نحدد له الطريق المطلوب، والأهم أن نطمئنه أنه خال من الألغام.

كان المشاة القادمون إلينا من مركز أبوالحارث وما جاوره يسيرون على الحافة الصخرية للجبال، متحاشين منطقة “السافانا”.

لا أحد يعرف شيئا عن طريقة توزيع الألغام في “السافانا”. نحن إذن أمام خيار واحد لا غير وهو أن نسير في المنطقة بأنفسنا، نختار الطريق المفترض و”نضمن” خلوه من الألغام!!

سرت مع أبو الحارث في منطقة “السافانا” عدة مئات من الأمتار، نسبر الأرض بأعيننا، وأحيانا بقطعة من خشب، كان وقتا عصيبًا خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام كانت مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتصنع اللامبالاة وبالضحكات أحيانًا، حتى وصلنا إلى مدق للمشاة كان يستخدمه مجاهدو المنطقة. فحمدنا الله بأننا قد أنجزنا أهم فقرة في إعداد الطريق.

ولم نلبث أن أحضرنا التراكتور، ومجموعة من شباب مركز أبو الحارث لمساندته في تلك المهمة التاريخية، ولردم بعض الخنادق العميقة التي حفرتها الأمطار والسيول..وأخيرًا صار لدينا طريقًا عسكريًا جديدًا وانقلابيًا.

أول القيادات العسكرية مرورًا في الطريق كان مولوي “نظام الدين” نائب حقاني، الذي جاءنا متهلل الوجه يبارك لنا ذلك الطريق ويقول بأنه “مفيد جدا للمجاهدين”. ولكن لا هو ولانحن أدركنا ـ حتى تلك اللحظة ـ أنه سيكون مفيدًا إلى هذا الحد بتحويل محور الهجوم الرئيسي من بوري خيل (غرب تورغار) إلى ماليزي (شرق تورغار).

 

الطريق الطويل إلى خرمتو

بعد أسبوع أو أكثر من انتقالنا إلى “أبو العباس” تبين أن أموراً كثيرة قد تبدلت وأن عودة العمل ضد المطار القديم بالصورة السابقة أضحى مستحيلًا. وليس أمامنا سوى العمل على مطار واحد هو المطار الجديد. وحتى هذا ظَهَرَ أنه أمر صعب جدا ومحفوف بالمخاطر. فجميع الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعًا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

ذهب جولاب ومجموعته من البدو وسريعا ما رجعوا من هناك، وتلك هي أفضل مجموعة قتالية في خوست، وربما في كل أفغانستان. وقَبْلَهُ ذهب مجبور ـ من كتيبة (غوند) أبوجندل ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. وتلاه إبراهيم شقيق حقاني ـ قائد “غوند” العمري ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. لم يبق سوانا!!. ومن نحن؟؟

من قدماء مشروع “المطار90 ” كان معي حاجي إبراهيم الأفغاني، وأبو تميم الذي هو معنا بشكل مضطرب في انتظار بدء أي عملية أرضية حتى ينضم إليها. أي أنه ليس معنا في حقيقة الأمر.

ثم أبو الحارث الذي أصبح ضيف شرف في مجموعته الذي أسسها وتبتعد عنه واقعيا، ومن أجل صداقتنا يستنزف كل رصيده الأدبي في المجموعة كي يستخلص لنا بعض أفرادها، وحتى هؤلاء غير مضموني البقاء في المشروع إذا بدأت أي عمليات أرضية، فمن يمكنه كبح جماحهم حتى يستمروا في عمية مدفعية، أو في الأغلب مجرد عمليات إمداد لمواقع مدفعية!!

ما حول “أبو العباس” أصبح خاليا. منطقة “دزجات ستان” أضحت منطقة أشباح. الجميع رحلوا بعدما رحل المطار القديم. كابوس يجثم على صدري: ماذا لو عاد العدو لاستخدام المطار القديم فجأة؟؟ يمكنه المناورة بحرية بين المطارين، وهذا أفضل له، وأصعب علينا.

نحن في حاجة إلى شهرين حتى نعيد بناء قوة نيران معقولة للعمل ضد المطار القديم. أما لبناء قوة نيران تعمل في وقت واحد ضد المطارين فنحتاج إلى معجزة مستحيلة التحقيق، فأيدينا خالية بكل معنى الكلمة، ولا نملك سوى مجرد تصورات!!

كنت أتابع مع حقاني تطورات الموقف العام وتطورات مشروعنا والمشاكل الكثيرة التي تعترضه. فطلب مني مقابلة “وزير” قائد مجموعة البدو التابعين لحزب “السيد أحمد جيلاني” وكان لنا علاقة قديمة معه منذ عام 1988 ولكنها انقطعت بعد استشهاد صديقي عبد الرحمن.

أخبرني حقاني أن حكومة باكستان تزود “وزير” بالصواريخ حتى يعمل ضد المطار الجديد. أثار ذلك ارتيابي وزاد من فضولي في مقابلة وزير والحديث معه.

لم أصارح حقاني بشكوكي، فكنت أعرف أنه يرفض معظمها، وإن كانت علاقته مع الباكستانين قد توترت بشكل متصاعد منذ مصرع ضياء الحق وعزل “حميد جول” قائد الاستخبارات. وكنت أعلم أن علاقته مع مدير الاستخبارات الجديد “أسد دوراني” متوترة بشكل خاص. فقد “استدعاه” دوراني بشكل غير لائق فرفض حقاني الذهاب إليه قائلا لزبانية الاستدعاء: “إن كان دوراني يريدني فليأت هو إلي مقابلتي بعد تحديد موعد مسبق”. مرت الأزمة ولكن ظل الجمر متقداً تحت الرماد.

أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة ـ ولكنه لم يحدد الهدف منها ـ وقال أنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة في” المطارالقديم”.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

صواريخ.. ثمن الخيانة

بعد رحلة ممتعة عبر منطقة “خارصين” التي كانت اكتشافًا جديدًا بالنسبة لي، وصلنا في سيارتنا القديمة إلى مركز القائد “وزير” قبل المغرب بقليل.

وكان معي “حاجي إبراهيم” و”أبو تميم”. وجدنا المركز يعج بالنشاط، وعشرات من البدو الأصحاء ينقلون أكداسًا كبيرة من صواريخ الكاتيوشا الجديدة داخل صناديقها الخشبية.

كانت المعنويات مرتفعة للغاية، خاصة “الكومندان وزير” الذي قابلنا بابتسامة عريضة وترحاب واضح وانشراح كبير، وكل ذلك ليس من عادة البدو غالبًا، إلا في المناسبات الخاصة.

“وزير” أخبرنا بصراحة تلقائية وبدون أن نسأل، بأن تلك الصواريخ الجديدة زودته بها حكومة باكستان كي يعمل بها ضد المطار الجديد. سلمناه رسالة خطية من حقاني، وفيها أننا مكلفون بالعمل ضد “المطار الجديد” ويرجوه التعاون والتنسيق معنا نظرًا لسابقتنا الناجحة في “المطار القديم”.

قرأ “وزير” الرسالة وأعاد الترحيب بنا وسألنا عما نريد أن نفعله. فشرحنا له النقاط الرئيسية في العمل ضد المطار بشكل مركز على هيئة نقاط.

وكلما أوضحنا نقطة، رد علينا بحماس وبابتسامة عريضة بأن هذا بالضبط ما قرر فعله وأتفق عليه مع “حقاني”. شعرنا أن الرجل سحب البساط كله من تحت أقدامنا، فهو يعرف كل ما نعرفه ويمتلك من الوسائل مالا نحلم بامتلاك جزء يسير منه.

ليس لدينا شيء سوي حفنة من الصواريخ، وأفراد ثابتون أقل من أصابع اليد الواحدة. فسألت إبراهيم وتميم إذا كان أحدهم يود أن يضيف شيئا قبل أن ننصرف، فقالا بأن لا شيء لديهم. فاستأذنا وانصرفنا.

بعد فترة من الصمت ونحن سائرون في المجاهل صوب “توده شني” قلت لزميلاي، أنه ليس من المهم أن نشارك نحن في العملية مادام هناك من يمكنه القيام بها. وافقاني على مضض، فكلاهما يشعر أن هناك شيئا ما غير صحيح. أما أنا فكنت على ثقة في أعماقي نفسي أن الذخائر الضخمة التي شاهدناها وتلك التي في المخازن ولم نشاهدها، هي (ثمن الخيانة) أي ثمن ألا يشارك وزير في ضرب المطار. بينما يعتمد المجاهدون في خطتهم على “وزير” في إغلاق المطار، يكون وزير انسحب من المعركة تاركا “المطار” كي يستجلب من كابول كل مستلزمات النصر في المعركة القادمة.

اجتمعنا مع حقاني مرة أخرى وأخبرناه عن “النتائج الوردية” لمقابلتنا مع وزير ولكنه نفى أن يكون قد اتفق معه على تفاصيل العمل التي ذكرناها!! فتأكد لدي أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو على الأقل جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

زاد حماسي للمشروع، ونجحت في نقل جزء من ذلك الحماس إلى صديقي “أبوحفص” في القاعدة، فانبسطت أيديهم معنا ـ قليلا ـ ووصلنا عدد من الأشخاص وكمية من الصواريخ، فتحسن وضعنا نسبياً، وأصبحت على ثقة من أننا في معركة المطار الجديد لسنا منفردين. ولكن أكثر تخوفنا وحذرنا من أننا قد نتلقى ضربة مباشرة إلى أشخاصنا داخل الجبهة أو خارجها ـ خاصة في ميرانشاه. وأثبتت الأحداث صحة تلك التخوفات.

 

 

بطولات البدوي الشجاع

في منطقة ماليزي، كان البدو من جماعة جولاب يشغلون الخط الأول الذي كان على مسافة قريبة جدًا من جبال الخط الأول للعدو. وكانت الاشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والهاونات.

كان مكانًا خطرًا. وصديقنا القديم “الحاج محمد أفريدي” الذي تعرفنا عليه في عمليتنا السابقة “المطار القديم ” كان نجمًا ساطعًا في الخط الأول.

ونجح في تثبيت مدفعه “الدوشكا” وإلى جانبه العلم الأبيض وخاض جولات مشهودة ضد العدو، اختلطت فيها صليات الرشاشات مع صليات الشتائم المهينة التي يصبها جنود العدو غير المهذبين على بطلنا الشاب الذي كان يتهددهم بالذبح مثل النعاج في القريب العاجل.

خلف جبل الخط الأول ساحة واسعة يخترقها مجرى سيل جاف وعميق اتخذه البدو”مقرا إداريا” حفروا فيه مغارات للراحة والنوم والمخازن. وعلى حافته وضعوا راجمة صواريخ بجوارها حفر عديدة للذخائر والطعام.

كتب حقاني رسالة إلى جولاب كي يسلمنا الراجمة، وأن يسمح لطاقم من عندنا باستخدامها من نفس موقعها ضد المطار الجديد. وافق البدو بترحاب، خاصة وأننا أوضحنا لهم أننا سنستخدم الراجمة ليلا فقط ضد المطار، أما أثناء النهار فيمكنهم استخدامها إذا احتاجوا إليها في عملياتهم، بشرط أن لا يستخدموا شيئا من ذخائرنا، فوافقوا بروح رياضية.

لم نكن نعلم وقتها -وربما أن حقاني لم يكن قد قرر بعد- أن تبدأ حملة تحرير خوست من ذلك المكان الذي يشغله البدو، وعلى أيديهم.

عندما قرر حقاني وتحددت ساعة الصفر للهجوم على جبال العدو وخط دفاعه الأول في ماليزي، كان الأمر غاية السرية ولم يعلم به سوى أفراد قلائل. فقط في اليوم السابق للعملية كان رجال البدو في ماليزي قد علموا بتفاصيل ماهو مطلوب.

العدو كان على أتم الاستعداد، ولكن جهة الغرب من تورغار، أما ماليزي وغيرها فكانت في إطمئنان تام. هذا لولا ملاسنة بالشتائم والرشاشات خاضها العدو ضد الشاب “الحاج محمد أفريدي ” ويبدو أن عناصر العدو كانوا يستمتعون بذلك الروتين القتالي مع الشاب البدوي المتحمس لدرجة الجنون. فكانوا يشتمونه على جهاز المخابرة ويصفونه “بالبدوي الأحمق”.

كالعادة كان البدوي يهددهم بالذبح في القريب العاجل، فيضحكون منه. ولكنه هذه المرة كان أكثر تحديدًا، فبعد السباب التقليدي أخبرهم البدوي الفصيح أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد، ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب.

ضحك ضباط العدوّ وأغرقوا في الضحك، ولكنهم ندموا كثيرًا في صباح الغد، فقد كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. ولحسن حظ المجاهدين أن العدو لم يأخذ ذلك التهديد مأخذ الجد فلربما تغير تاريخ أفغانستان المعاصر.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

 




دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة - العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ - مارس 2021 م

 

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ – مارس 2021 م .

29-03-2021

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، ينفذ الأمريكيون برنامجاً، لكسب دول فى المنطقة لتنفيذ مشاريع: تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

– تشهد ولاية بدخشان عدة مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل /وتتلاعب بالحدود الدولية/ بما يشكل تهديدا خطيرا على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

– إسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة في إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بمياه نهر جيحون، رغما عن حقوق باقي الدول.

– أي مشروع إنفصالي هو إستمرار للعدوان العسكري وسوف يستمر الجهاد العسكري لإحباطه. ولا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان، وحدة أراضيها، وكامل سيادتها على كامل أراضيها، وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هي ملك لجميع شعب أفغانستان، ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأي إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

– إرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمي هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

 

مشروع تقاسم أفغانستان:

ذلك هو جوهر التحرك السياسى الأمريكى الراهن. ومضت أمريكا بأقصى قوة فى ذلك البرنامج خلال الفترة التى تلت توقيع إتفاقية الدوحة.

والهدف هو(شراء) مواقف الدول الأساسية والمؤثرة فى مشكلة أفغانستان بتوزيع قدر من غنائم افغانستان على حسب أهمية الدور المطلوب من كل دولة. ويلاحظ أن جزءاً هاماً من الغنائم عبارة عن رشاوى إقتصادية، أو مشاريع استراتيجية عملاقة تتعلق بأطماع إسرائيل فى أفغانستان والمنطقة لتضعها تحت شبكة النفوذ اليهودى الإقتصادى والسياسى، وإنهاء أى دور إيجابى كان يمكن أن تقوم به أفغانستان بعد التحرير.

المشروعات المطروحة تركزعلى ربط وسطوجنوب آسيا مع تركيا، ثم إسرائيل عبرأفغانستان.

– وبشكل خاص خط السكة الحديد من نيودلهى إلى إسلام آباد، ثم كابل وصولا إلى تركيا. وهو يشكل إنقلابا عميقا فى الموازين الجيوسياسية للمنطقة، خاصة العلاقة بين الهند وباكستان، وبالتالى العلاقة بين الصين وباكستان.

– مشروع آخر لا يقل أهمية وهو سطو إسرائيل على مياه آسيا الوسطى، لإحياء (خط أنابيب السلام) الذى تكلم عنه بيريز منذ أكثر من ثلاثة عقود، لنقل المياه من أنهار سيحون وجيحون إلى إسرائيل عبر تركيا.

والمشروع يستدعى إنقلاباً آخر فى الموازين الجيوسياسية فى المنطقة. وهو إحتمال تغيير طاجيكستان للحدود مع أفغانستان لإغتصاب نصيبها من مياه نهر جيحون. والتلاعب بمشاريع رى مخادعة فى بدخشان تؤدى إلى خدمة نفس الهدف. أى تحويل أكبر قدر من مياه أفغانستان إلى طاجيكستان. وسيترب على المشروع الإسرائيلى أزمات خطيرة بين دول آسيا الوسطى. فإسرائيل تحاول إستنساخ تجربة الحبشة فى إغتصاب ماء النيل، واستئثار طاجيكستان بالمياه رغما عن حقوق باقى الدول، بما يهدد بحرب إقليمية، تصب لمصلحة إسرائيل وشركات السلاح والأمن والمرتزقة فى إسرائيل والولايات المتحدة. وتشهد ولاية بدخشان مشاريع خطيرة تشرف عليها أمريكا وإسرائيل/تتلاعب بالحدود الدولية/بما يشكل خطراً على أفغانستان والدول المحيطة بولاية بدخشان.

وعلى طول الحدود الباكستانية شهدت الحدود الأفغانية عمليات ضم جائرة للأراضى وأسوار عازلة منيعة تتنافى مع النوايا الطيبة وعلاقات حسن الجوار. وهى تعديلات لا يمكن النظر إليها الآن بمعزل عن المشروع الأمريكى/الإسرائيلى لتغيير التوازنات الجيوسياسية فى المنطقة، لمحو دور أفغانستان لصالح تواجد إمبراطورى لإسرائيل يربط المنطقة كلها بمشاريع عظمى تصب مكاسبها المالية فى إسرائيل والبنوك اليهودية.

الأزمة ستطال الصين التى تحاول أمريكا وإسرائيل حرمانها من منفذها البرى مع أفغانستان فى ممر واخان. وهو المنفذ المرشح ليكون طريقاً دولياً يستكمل طريق الحرير نحو شواطئ البحرالمتوسط عبر إيران والعراق والشام. إيران أيضا مرشحة للعزل برياً عن أفغانستان (المنقطعة بريا عن الصين)، وبالتالى ستحرم إيران أيضاً من فرصة الإتصال البرى مع الصين أى أن إيران ستكون فى قائمة ضحايا المشروع الأمريكى/ الإسرائيلى.وهى قائمة لاتضم حتى الآن سوى الصين والإمارة الإسلامية وإيران، وربما روسيا أيضا التى مازالت تراجع كشوفات المكسب والخسارة، فى حال شملت معها حسابات حديقتها الخلفية فى طاجيكستان.

فقد تفضل موسكو أن تكون مياه “خط أنابيب السلام” فى متناول يدهها عند التفاوض مع إسرائيل، التى ستخنقها إقتصاديا بورقة غاز البحر المتوسط والخليج.

إيران مرشحة لخسارة فى مكانتها الجيوسياسية. بهبوط مكانة مشروع ميناء تشبهارلعدة أسباب منها تحول تجارة أفغانستان البحرية لتعود إلى ميناء كراتشى فى باكستان، وفى ذلك توثيق لربط أفغانستان مع المحور الجديد الذى يربط باكستان والهند مع تركيا وإسرائيل فى طرق للسكة الحديد.

وفى الغالب ستبذل أمريكا وإسرائيل غاية الجهد لتمرير خطوط الطاقة (تابى) المتوقف عند الحدود الأفغانية التركمانية. لأن وصول ذلك الخط إلى باكستان والهند سيكون جائزة كبيرة لهما لقاء تعاونهما مع مشروع التغيير الجيوسياسى فى آسيا. لأن فى مشروع “تابى” أضرارا غير مباشرة ستصيب إيران والصين، وكلاهما خارج الخريطة الجديدة التى ترسمها واشنطن مع تل أبيب. كما أن “تابى” سيضع أفغانستان الضعيفة سياسيا وإداريا تحت وصاية لاترحم من شركات الطاقة المشرفة عليه، كما هو الحال فى الأماكن التى تعمل فيها إحتكارات النفط، حيث تشكل حكومة حقيقة بعيدا عن الأضواء.

الصين لا بد أن تكون فى حالة غليان من مشروع أمريكى/إسرائيلى/تركى، يجرى إعداده بالحديد والنار لحصار الصين بزرع كيان مسخ على حدودها فى (بدخشان)، التى قد تكون كياناً مستقلاً أو مرتبطاً بسلسلة ولايات شمال أفغانستان، فى دولة إنفصالية واحدة، وظيفتها عزل أفغانستان عن دول وسط آسيا ـ وعزل الصين برياً عن أفغانستان (وربما عن باكستان والهند أيضا)، بتمديد حدود بدخشان لترتكز حافتها الشرقية على حدود الهند فى مرتفعات سياتشين الجبلية / الجليدية. (وجليد يعنى ماء متجمد وهو ما تسعى إليه إسرائيل دوما حسب قانونها الإستعمارى: نحن فى الحالة الحرب نحتل المواقع الإستراتيجة، وفى وقت السلام نحتل مصادر المياه).وإسرائيل الآن فى حالة سلام وإستقرار فى مركز إمبراطوريتها فى الشرق الأوسط. لهذا تبحث عن المياه، من الحبشة إلى طاجيكستان وبدخشان والهند.

ليس من المستبعد أن يتم الإتفاق مع الهند كى تتنازل عن منطقة التماس مع الصين لصالح بدخشان والمشروع الإنفصالى خلفها. فتتخلص الهند من منطقة خطر وإزعاج دائم، وتتولى المشاكل الحدوية مع الصين دولة مسخ إنفصالية تدعمها إسرائيل وأمريكا. مع ملاحظة أن بدخشان لها تاريخ مع الدواعش، وبذلك قد تتحول حدود أفغانستان مع الصين إلى مسرح لحرب داعشية تنقل تجارب الشرق الأوسط وتجتذب مجموعات داعشية مسلحة تعانى من البطالة. إذا تحقق ذلك الحلم الإسرائيلى فلا روسيا ولا دول آسيا الوسطى، ولا أفغانستان، ستحظى بأمن أو سلام. وذلك يوفر أفضل الظروف لنجاح المشاريع الإسرائيلية. ولعلنا نتذكر هنا وعد أحد الصهاينة الأمريكيين فى الكونجرس الذى قال “سنحول أفغانستان إلى إسرائيل فى المنطقة.

 

 

حرب لإلغاء دور أفغانستان كدولة إسلامية :

أمريكا وإسرائيل تدفعان حرب أفغانستان فى إتجاه إلغاء أفغانستان كدولة إسلامية لها دورفى أى مجال آخر سوى زراعة المخدرات، واستخراج المعادن والخامات النادرة لصالح شركات الغرب وبنوك اليهود.

الصين هى المتضرر الأكبر من ذلك البرنامج. ومن المفروض أن تكون روسيا ضمن قائمة المتضررين. وكل ذلك يشير إلى أن العمل السياسي للإمارة فى حاجة إلى المزيد من المبادرات، لإيضاح أرضية تفاهم سياسية وإقتصادية واستراتيجية للتعامل مع الدول المحيطة.

بعد مجهد صعب، وضغوط من كل جانب، تمكنت الإمارة من التفاوض بقوة وإستقلالية. ويظل العمل السياسى للإمارة فى حاجة إلى تدعيم، وعقد تفاهمات إقليمية واضحة وقائمة على المصالح المتبادلة للعمل الثنائى، والإقليمى الجماعى. حتى لا تلجأ بعض تلك الدول إلى التعامل مع المشاريع الواضحة والمغرية التى يقدمها أعداء أفغانستان. فإرتباط الإمارة بمحيطها الإقليمى هو الأساس، لأن أمريكا، لن تتوقف عن إثارة المشاكل للإمارة حتى تحصل على كافة مطالبها. والحصار الإقتصادى هو أول الأسلحة الأمريكية ويصاحبة العمل الإرهابى والإخلال بالأمن وإثارة الفتن وتحركات الإنفصال.

وفى تلك الحالات الحرجة ولمواجهة سياسة التجويع، والأعمال التخريبية، ستكون الإمارة فى حاجة إلى علاقات ثابتة، وخريطة واضحة للمصالح المتبادلة مع دول الجوار والدول الكبرى فى الإقليم.

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

أمريكا تمارس الفجور السياسى :

أى ضعف فى الأداء السياسى للإمارة قد يتيح للعدو فرصاً للنجاح فى مجالات خطيرة مثل :

– تحويل وضعه من محتل لأفغانستان إلى وسيط سلام بين المتحاربين الأفغان. هذا بينما قواته وقوات حلفائه ما زالت تحتل أفغانستان.

– فى ظل ترويجهم لوهم إحلال السلام فى أفغانستان، طرح الأمريكيون برنامجا ضخماً للرشاوى، لكسب الدول الأساسية فى المنطقة لتنفيذ مشاريع:تقسيم أفغانستان، وتعديل حدودها الدولية، وإقتسام ثرواتها، وإستبعاد الإسلام والإمارة الإسلامية.

تناسى العدو الأمريكى موضوع الإنسحاب المقرر له أول مايو2021، ودفعنا/على حين غفلة/ إلى دوامة من المبادرات والمؤتمرات والوساطات، والضغوط فى كل جانب من أجل:

– فرض”السلام” كما يفهمه المحتلون.. أى وقف الجهاد ضد الإحتلال والحكومة العميلة.

– تشكيل حكومة مشتركة مع نظام كابول. أو بمعنى أصح المشاركة فى النظام القائم، مع تغيير فى الوجوه، سواء وجوه عملاء كابل، أو إضافة وجوه يرتضيها المحتل، ثم يدعى أنها تمثل الإمارة.

ذلك الفجور السياسى الأمريكى يستدعى المزيد من الوضوح فى خريطة العلاقات والمصالح المتبادلة بين الإمارة الإسلامية والدول الأساسية فى الإقليم، بما يحفظ مصالح أفغانستان ويحقق الأمن والإزدهار والعدالة فى العلاقات داخل الإقليم، والإبتعاد به عن التدخلات الخارجيية من القوى المعتدية، أى أمريكا وحلف الناتو.

عدم إكتمال إستراتيجية سياسية شاملة، مع العدو والصديق، أتاح لأمريكا أخذ زمام المبادرة، فطرحت علناً المقترحات الفاجرة الآتية:

1 ـ وقف العمل الجهادى بدعوى إفساح المجال “للسلام”، أى لحكومة مشتركة تحت إشراف الإحتلال.

2 ـ إغلاق مكاتب الإمارة فى الخارج التى لم تأذن بها واشنطن، والمقامة بشكل غير رسمى فى دول لا تحظى برضى أمريكا.

 

خطة للنجاة سياسيا :

مازال الوقت متاحاً لتدارك تلك الأخطار قبل أن تخرج عن السيطرة، فتصبح الإمارة أسيرة لردود الأفعال مثل الريشة فى مهب الريح. وتضيع من بين أيديها أضخم إنجازات عسكرية فى تاريخ أفغانستان. وهناك مجموعة إجراءات ضرورية ينبغى إتخاذها.. ومنها:

– الاصرار على الإنسحاب الكامل لجميع القوات المحتلة لأفغانستان فى الموعد المحدد.

– الإعلان بأن العدو المحتل، والدول المشاركة فى العدوان، ليست دولا صديقة ولا وسيطة.

فالدول المشاركة فى الغزو: لا يمكن أن تكون وسيطا ـ ولا شريكا مستقبلياً إلا بعد فترة زمنية طويلة تثبت خلالها أن سلوكها العدوانى الغادر قد تغير ـ وقبل ذلك لا يمكن أن تكون مركزاً لمؤتمرات أو لمفاوضات من أى نوع، ويكون وفد الإمارة مشاركاً فيها.

– أى تعديل للحدود الدولية لأفغانستان هو عمل عدائى مرفوض ويهدد الأمن والإستقرار فى المنطقة، وسيتم التعامل معه وفق ما تقرره الإمارة.

– أى مشروع إنفصالى هو إستمرار للعدوان العسكرى وسوف يستمر الجهاد العسكرى لإحباطه. فلا تنازل إطلاقا عن: إسلامية أفغانستان ــ وحدة أراضيها ــ وكامل سيادتها على كامل أراضيها ــ وسيطرتها على كامل ثرواتها الطبيعية من معادن وطاقة ومياه.

– جميع ثروات أفغانستان هى ملك لجميع شعب أفغانستان ويستفاد منها وفق أحكام الشريعة. وأى إتفاقات عقدتها الحكومة العميلة غير ملزمة للإمارة. وسوف تعيد النظر فيها وتدرسها أجهزاتها المختصة بعد زوال الإحتلال.

يشير العرض السابق بكل وضوح إلى أهمية زيادة عنصر المبادرة والإقتحام الشجاع للجهاز السياسى من أجل التقدم بقضية الإسلام فى أفغانستان، وحماية الإمارة الإسلامية. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو تحرير العمل السياسى من أى ضغوط خارجية، وتوفير كامل الإستقلالية لعمله في اي مكان.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

دور العمل السياسي في حماية الإمارة الإسلامية




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 31

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة - العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ - مارس 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 182 | شعبان المعظم 1442 ھ – مارس 2021 م .

29-03-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (31)

– العدو أنزل عددا من طائراته في المطار الجديد في الطرف الشمالي الشرقي من صحراء المدينة .

–  المطار جديد قلب موازين العمل، ونقل ثقل العمليات جهة الشرق.

– قال حقاني: إن هناك أقاويل عن انقلاب جديد يجري تدبيره في كابل بإشراف دولي 

 ويشارك فيه حكمتيار بقوات يحشدها حول العاصمة، تكون نتيجته حكومة مشتركة

  بين قادة جهاديين وجنرالات شيوعيين.

– قال حقاني: إنه يحاول شراء دبابات جديدة، معروضة بسعر يتراوح بين 

خمسمائة إلى ثمانمائة ألف روبية باكستانية.

– سألت حقاني إن كان يوافق على أن يبيع دبابة أو أثنين من عنده للعرب، فضحك قائلا:

 (أنا لا أبيع بل أشتري).

–  عن المنطقة الشرقية قال حقاني: إنه سيرسل مجاهدين ومدافع إلى هناك

 وكذلك دبابة لضرب موقع المطار الجديد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

انتهت  معالم  نكسة معركة شيخ أمير، التي وقعت بسبب خيانة الأحزاب في اللحظة الحرجة من المعركة. واستغرق الأمر عدة أشهرحتى يعود العمل الجهادي في خوست إلى عافيتة القديمة. ومع تلك العودة عدتُ مرة أخرى ـ وبعد غيبة طويلة ـ إلى العمل ضد مطار خوست، عدوي القديم، المرافق لأحلى ذكرياتي في العمل القتالي في أفغانستان، وذكرى صديقي الشهيد عبد الرحمن، وصديقنا أبو حفص الذي شاركنا في تلك العمليات عام 85 ، ثم غادرنا عام 86 مغادرة نهائية، لينضم فيما بعد إلى تنظيم القاعدة ، بل ويشارك في تأسيسه. وعند مناقشتي إياه حول إحياء العمل ضد مطار خوست بهدف إغلاقه لفتح الطرق أمام المجاهدين لإسقاط المدينة بعد شهر من إغلاق المطار، حسب تقدير مولوي حقاني، وعدني أبو حفص بدعم مشروع المطار بالذخائر وعدد من الكوادرالقاعدة.

 

 

نحو مشروع لإغلاق مطار خوست

بدأت مع بعض الكوادر الجُدُدْ في مشروع إغلاق المطار استطلاعا ميدانيا للموقف، و برامج المجموعات الأخرى التي قد تتعاون معنا أو تعمل حولنا في نفس المناطق التي نختارها.

لم نجد شخصاً يمكننا الحديث معه في مركز خليل، ثم سألنا عن”د. نصرت الله” فلم نجده. سألنا عن القائد الكوتشي”جولاب”، في مركز منان فلم نجده. الجميع في ميرانشاه لتقديم التعازي إلى حقاني في  وفاة والدته.

فكرنا أن نستغل ذلك التجمع  في العثور عن حل ناجع لمشكلة المطار الجديد. فجميع المسؤولين هناك. بعد العصر ذهبنا لتقديم التعازي إلى الشيخ حقاني في مسجد المهاجرين في منطقة سكنه المقابلة للقلعة “مقر حكومة ميرانشاه”.

كان برفقته صديقنا الشيخ نصر الله منصور الذي استقبلني بحرارة .أخبرت حقاني أننا نريده في حديث هام، فوعدنا بلقاء بعد العشاء. صلينا المغرب في مضافة حقاني التي غصت بالمعزين، ثم بدأ تقديم طعام العشاء للجميع، وكانت مأدبة كريمة بما يتناسب مع مكانة صاحب البيت ومكانة ضيوفه.  جلست إلى جانب مولوي نصر الله منصور وإلى جانبي أبو الحارث وأبو الشهيد القطري أمام السفرة الممتدة على طول الغرفة المتسعة وقد تراص الرجال على جانبيها.

ولم نكد نبدأ حتى جاء “علي جان” يستدعيني لمقابلة حقاني، فذهبت إليه مع زملائي في غرفته الخاصة باستقبال الضيوف الخاصين، وقابلنا مبتسماً ممازحاً وقال:

هل أتيتم للأكل أم للحديث؟ فقلت له إننا قد تركنا الأكل رغم أنه شهي.  بدأت الحديث مباشرة عن موضوع المطارالجديد وضرورة التصدي له بسرعة وتدمير المعدات بالمدفعية أو الدبابات، ثم انتقلت إلى الحديث عن “مشروع جولاب” على أساس أنه الحل النهائي لمشكلة المطارات، وعرضت عليه مشاركة العرب مع جولاب (شقيق الشهيد منان). وكان المشروع يقضي بأن يقوم مع رجاله من البدو بالاستيلاء على خط الدفاع الجبلي الأخير عن المدينة، عندها تصبح المدينة متاحة واستخدام المطار القديم أو الجديد شبه مستحيل). عرضت على حقاني أن يقوم العرب بضرب دبابة العدو المقابلة لنا على خط التحصينات، وفتح ثغرات في حقل الألغام. ورد حقاني بالتالي:

– أن له ارتباط قوي بالداخل “أي عيون داخل المدينة” أفادوا بأن معدات دك المدرج غير موجودة في خوست، لذا لن يصلح المطار لطائرات النقل. فقط الطائرات الشراعية يمكنها استخدامه.

– إن هناك اتصالات سرية قائمة لتسليم خط الدفاع المواجه لنا وكذلك المطار، وقد تم دفع خمسة عشر مليون روبية باكستانية لمسئولين عسكريين في خوست لإتمام الصفقه. والمدفوع إليهم محل ثقه وقد تم تجربتهم سابقاً.

– بالنسبه لمشاركة العرب في مشروع جولاب، فهو موافق عليها ، في حال الحاجة إلى المشروع، أي عند فشل اتفاق تسليم خط الدفاع والمطار. ولكنه لا يوافق على مشاركتهم في إزالة الألغام خوفاً على سلامتهم. أما تزويدهم بالدبابات، دبابة أو أكثر حسب طلبهم، فقد وافق حتى على إعطائهم الدبابات الخمسة التي لديه، وقال بأن السائقين عنده إما أنهم قتلوا أو جرحوا أو يهربون من المعارك. وأنه يسعى لإحضار المزيد من الدبابات، فعنده إثنتان في “سرانا” وقد أرسل بلدوزر إلى هناك كي يفتح لهما طريق. ويحاول شراء دبابات جديدة، فهناك عدد من الدبابات في قندهار، لا يدري كم عددها،  معروضة بسعر يتراوح بين خمسمئة إلى ثمانمئة ألف روبية باكستانية.

وعندما سألته إن كان يوافق على أن يبيع دبابة أو أثنين من عنده للعرب، ضحك قائلا:

(أنا لا أبيع بل أشتري) . وعن المنطقة الشرقية قال إنه سيرسل مجاهدين ومدافع إلى هناك وكذلك دبابة لضرب موقع المطار الجديد.

 

كانت تلك  ردود حقاني وهي تحتاج الآن إلى تعليق: 

بالنسبه للمطار الجديد أعتقد أن حقاني قد وقع ضحية لخدعة من عميل مزدوج. فمعلومة أن المعدات اللازمة لدك المدرج غير موجودة في المدينة كانت كذباً متعمداً، أفاد كثيرا القوات الحكومية، فقد تراخى حقاني والمجاهدون في إبداء رده الفعل والتصدي فوراً لعمليات تجهيز المدرج.

وقد كسب العدو عدة أيام غاية الحساسية أضاعها المجاهدون في تراخي مطمئن، وقضاها العدو في عمل نشط دؤوب لأكثر من خمسة عشر ساعة يومياً تكدح فيها آلياته ذات اللون الأصفر التي كنا نراها بمناظير المراقبة وهي تروح وتجيء فوق المدرج الجديد وقد لفَّتْها سحب من الأتربة الكثيفة. ولم يتصد لها أحد، على أمل أن المدرج لن يصلح إلا للطائرات الشراعية !!!. ولقد كَلَفَت تلك الغلطة حقاني والمجاهدين أكثر من ستة أشهر من القتال الإضافي حتى اقتحموا المدينة. وكان من المتوقع حسب تقديرات حقاني أنها سوف تستسلم إذا أغلق المطار”القديم” لمدة شهر. وهذا هو السبب في قيامنا بمشروع المطار. لقد كان تقدير حقاني صحيحاً ولكن العدو نجح في خداعه فأطال أمد القتال نصف عام آخر.

–  أما عملية شراء خط الدفاع الأول للعدو، فقد كانت جدية، ولكن أخبارها تسربت إلى العدو، فأحبطها بتدخل عسكري عنيف استخدمت فيه المدفعية والطائرات. وحدثت معركة قتل فيها عدد من الجنود والضباط. حدث ذلك بعد انتهاء مشروعنا وتفكيك مراكزنا. أما عن مشاركة العرب، فإن مشروع جولاب فقد أُلغي بحكم التطورات المذكورة، وحتى لو أنه استمر فإن تصرفات العرب أوضحت أنهم لم يكونوا جادين في عروض المشاركة. وحتى تاريخ انتهاء مشروعنا في الحادي عشر من سبتمبر 1990 لم يتخذ العرب أي خطوة عملية أو حتى قرار نهائي بالنسبة لمشاركتهم في معارك خوست. أقصد بالعرب تنظيم القاعدة والجماعات الأخرى، سوى جماعة أبو الحارث.

 

ليالي مع المطار: 

 نعود إلى المذكرات التي كنت أدوِّنُها. وفيما يلي الحديث عن ليلة إغلاق المطار”القديم” في أحد ليالي الأسبوع الأخير من المشروع . حيث يمتنع العدو عن استخدام المطار نهارا خوفا من مدفعية وصواريخ المجاهدين. كنت أبدأ الكتابة بتلخيص نتائج عملنا في الليل، ثم أذكر تفاصيل أحداث النهار التالي. في الملاحظات نجد اصطلاح “ليلة الإغلاق” وهي الليلة التي لم يتمكن فيها العدو من استخدام المطار بسبب الرمايات الصاروخية من طرف راجماتنا وراجمات منضمة معنا في نفس البرامج . أو أن الظروف الجوية، خاصة الأمطار، لم تسمع للعدو باستخدام المطار. مع العلم أن المدرج كان ترابيا. وفي الملاحظات اصطلاح “ليلة اشتباك” هي الليلة التي تدَخَلنا فيها بالرمايات لمنع العدو من استخدام المطارعندما سمحت له الأحوال الجوية بذلك. لهذا يظهر عدد “ليالي الإغلاق” أكبر من رقم “ليالي الاشتباك”.أما الملاحظة المكتوبة عن “نتائج عمليات الهبوط” فهي تبين مدى نجاح أو فشل عملنا في تلك الليلة ، إذ المفروض ألا نجعل العدو يفرغ طائراته.

الملاحظات عن ليلة(6 سبتمبر 1990) كانت أسوأ نتائج حصلنا عليها في المشروع . بسبب نفاذ لذخائر لدينا أثناء الاشتباك.  كانت عملية إمداد مشروعنا بالذخائر هي أكبر نقاط ضعفنا. فالعمل الإداري للعرب كان متدني الكفاءة. وظهرت لي دلائل على أن بعض القيادات الإدارية كانت متواطئة مع دولة خليجية للإضرار بعملنا في الجبهة.أما عدد الإصابات في طائرات العدو فكنا نجمعها من عدة مصادر إلى جانب رصدنا الخاص .أهم رصد في المنطقة كان الرصد اللاسلكي الذي يقوم به مركز قيادة حقاني بقيادة الضابط الكفؤ”عبد العزيز” يعاونه الشاب العبقري “فضل”. وكان ترصد جبل تورغار قادر على الرصد الجيد وتقديم معلومات موثوقة لنا.

الخميس 6 سبتمر 1990 ـ18 صفر 1411 هـ .

ملخص:

ليلة الإغلاق: الثانيه والعشرون.

ليلة الاشتباك: التاسعة.

عدد محاولات الهبوط: سبعة. 

نتائج عمليات الهبوط: تفريغ ست طائرات.

إصابات العدو: احتراق طائرة، وإصابة أخرى إصابة خفيفة لم تمنعها من العودة إلى كابل. إصابات عندنا: لاتوجد.

{ ملاحظات: لم أحضر تلك المعركة بل قادها أبو زيد التونسي، وهي أسوأ نتيجة حصلنا عليها في كل الاشتباكات، بل اعتبرناها هزيمتنا الأولى أمام العدو.

في تقريره عن المعركة. قال أبو زيد إن قلة الذخائر كانت سبباً رئيسياً فيما حدث. فقد خرجت الراجمات بسرعة من المعركة. والسبب الآخر هو نجاح العدو في التشويش على الاتصالات خاصة مع الترصد اللاسلكي}.

في الثامنة والنصف صباحاً تحركنا بسيارة المعسكر إلى ميرانشاه. كان أبو حفص يقود السيارة، وإلى جانبه أبو أسامة المصري. وفي المقعد الخلفي عدد من الشباب المجازين بسبب المرض وفي الصندوق الخلفي للسيارة ركبت مع أبو حامد الليبي وعثمان الصعيدي الذي سيغادرنا نهائياً كي يحضر دورة في جلال آباد على الطوبوغرافيا، كان في انتظارها منذ فترة، وسوف يحل محله ” المقداد” الأردني.

كان ما فعله عثمان صورة طبق الأصل من غرائب التصرفات العربية في أفغانستان، فتَلَقِّي الدورات بلا حساب ولاضرورة أصبح هدفاً في حد ذاته، أما المعركة مهما كانت أهميتها فتأتي في مرتبة متدنية.

وهذا ما أعنيه بالحديث عن الانتهازية الجهادية لدي التنظيمات العربية التي عملت في أفغانستان، فهي تسعى إلى “الاستفادة” من الساحة الأفغانية، بأضيق مفهوم لتلك الاستفادة وبدون اهتمام بنتائج الحرب، بل مع تسليم تام بفشلها.  في ميرانشاه حاولنا مقابلة حقاني ظهراً، ولكنه طلب أن يكون اللقاء بعد المغرب، عزمت على العودة إلى أفغانستان لكن أبوحفص كان يريد وساطتي مع حقاني حتى يسمح لهيئة الإغاثة الإسلامية، بتولي مسؤلية المستشفي الكبير التابع لحقاني، وهي مشكلة مزمنة.

كذلك أبو أسامة المصري الذي طالبني بكتابة تقرير بوجهة نظري التي أوضحتها له في مركز أبو العباس. وهكذا كان لابد لي من قضاء الليلة في ميرانشاه، ولما كنت مرهقاً من السهر المتواصل فقد نمت في البيت إلى قرب المغرب. في اجتماعنا ليلاً مع حقاني تحدثنا طويلاً حول الوضع في الجبهة واجتماع الكومندانات الذي سيعقد في الغد. عن البرنامج العسكري القريب الذي قال حقاني إنه سيكون في المناطق الجنوبية والشرقية من خوست، وأنه سيطالب جولاب بالتحرك شرقاً مع مجموعته لضرب المطارالجديد، أما خط دفاع العدو المواجه لنا فلم يذكره على اعتبار ما أخبرني به سابقاً من أنه سوف يستسلم. فقلت له إننا قد نضرب دبابتين للعدو في ذلك الخط، فوافق، وطالب أن نضرب منطقة ” فارم باغ” وتوجد خلف الخط الجبلي المواجه لنا وعلى طرفه الشرقي. وقال إن بها أحد عشر دبابة جديدة.

وعن كابل قال حقاني إن هناك أقاويل متداولة بأن هناك انقلاباً جديداً يجري تدبيره في كابل بإشراف دولي ويشارك فيه حكمتيار بقوات يحشدها حول العاصمة، تكون نتيجته حكومة مشتركة بين قادة جهاديين وجنرالات شيوعيين.

عن قرارات مؤتمر القادة الميدانين(على مستوى أفغانستان) قال إنها تأخذ مجرى التنفيذ، وإن هناك تطبيقاً جيداً لها في مجال الأمن أما التنسيق في العمليات فما زال بطيئاً. وأن لجنة لمتابعة تطبيق القرارات تجتمع من أماكن مختلفة في الداخل، ومن أعضائها مولوي أرسلان رحماني وأختر محمد (كلاهما يعمل مع حزب سياف، لهذا  يصل القادة الميدانيون إلى نتائج عملية مؤثرة).

لم أعلم بما حدث في اشتباكات هذه الليلة إلا في اليوم التالي ، بعضها وصل عن طريق المخابرة والآخر علمته مشافهة من أبي زيد والآخرين. لقد نزلت بنا أول هزيمة منذ بدأنا” مشروع المطار” فقد هبطت ست طائرات إلى المطار وأفرغت حمولتها. ولكن إحداها أصيبت واحترقت، حسب قول الترصد اللاسلكي، وأخرى أصيبت إصابة خفيفة وتمكنت من الإقلاع في الثامنة صباحا.

وهي خدعة ممتازة من جانب العدو لأن أحداً لايتوقع أن تقلع طائرة من هناك في وضح النهار وقد استسلمنا جميعاً لهذا الوهم . وسوف نرى أن العدو قد حاول استخدام نفس الخدعه معنا  في معارك فتح خوست وكانت آخر طائرة له هبطت في المدينة حتى سقوط النظام. لكننا منعناه من الإقلاع وتم أسر قائدها وهو جنرال طيار. قال فضل أيضاً، وهو نائب عبد العزيز، إن رمايات الراجمات كانت ضعيفة وغير منسقة. على كل حال فقد اعتبرت نفسي مسئولاً تماماً عما حدث من هزيمة في تلك الليلة.

 فتركي الموقع والذهاب إلى ميرانشاه لم يكن له مبرر قوي، وقد راهنت أكثر مما يجب على استمرار المطر والأحوال الجوية السيئة.

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

مطار جديد قلب موازين العمل، ونقل ثقل العمليات جهة الشرق.

بدأ يتأكد لدي مواقع الترصد أن العدو أنزل عددا من طائراته في المطار الجديد في الطرف الشمالي الشرقي من صحراء المدينة . وكان بعيدا تماما عن مدى راجماتنا، ولا يصله إلا عدد محدود من قطع المدفعية المتوفرة عند المجاهدين. لذا توجب انتقال راجمات  إلى الطرف الشرقي من الجبهة حتى تتمكن من العمل على المطار الجديد. وهو ما فعلناه ولكن بعد عدة أشهر !!. نعود إلى اليوميات المسجلة بعد ما اكتشفنا أن هناك مطارا جديدا يعمل، وأن مطارنا العتيد قد تحول اسمه بسرعة وبساطة تامة إلى”المطار القديم” . وبشكل ما شعرنا بالإهانة من ذلك رغم نجاحنا في إغلاق المطارالتاريخي للمدينة الذي أصبح الآن “المطار القديم”، بل وتكبيد العدو خسائر تاريخية في طائرات النقل خلال مشروعنا المكثف.

 

الأربعاء12 ـ 9 ـ  1990 :

هل يمكن أن يعود العدو إلى استخدام المطار هذه الليله؟ ألا يمكن أن تكون صحيحة المعلومة التي وصلت حقاني من أن المعدات في المدينة لا تكفي لدك المدرج بحيث يتحمل الطائرات الثقيلة. فإذا كانت الطائرات التي هبطت تلك الليلة قد أتلفت المدرج الهش، فلا شك أن العدو سيهبط في مطارنا “القديم” في الليلة القادمة.

كانت الفكرة معقولة، فأخذت الاحتياطات العادية للاشتباكات القوية التي تعودنا عليها.

ـ قال حاجي إبراهيم إنه أحصى اثني عشر طائرة هبطت ليلة أمس (في المطار الجديد)، بينما قالت باقي نقاط الترصد إنها أحصت ما بين سبعة إلى ثمانية طائرات فقط .على كل حال فإن متانة المدرج مازالت  بالنسبه لي، موضع تساؤل.  توجهت إلى المركزالرئيسي “أبو العباس” واجتمعت مع الشباب هناك وشرحت لهم أن معيار النجاح والفشل بالنسبة لأي مهمة عسكرية هو مدى تحقيقها للهدف الذي تحركت العملية من أجله.

ونحن في مشروع المطار تحركنا بهدف إغلاق المطار، وهو ما تم تحقيقه حرفياً وبهذا تكون عمليتنا قد نجحت  بنسبة مائة بالمائة ـ وأهم من ذلك هو فضل الله علينا بأن خرجت كل مجموعاتنا سالمة من المعركة، وبدون شهيد أو جريح واحد، وهو ما لم نكن نتصوره .

تحسنت معنويات الشباب قليلاً. فحدثتهم عن احتمال حدوث اشتباك ليلي عنيف، يجب أن نتجهز له. ثم غادرت المركز صوب مركز خليل محاولاً أن أكلم حقاني حول إجراءات مواجهة “المطار الجديد” والعمليات الأرضية الأخرى ودور العرب فيها. كان حقاني في ميرانشاه، ولكن قابلنا سيارة جماعة الشهيد منان “الكوتشي” وكان بها ابن أخته “باتشا دينا” الذي نزل من سيارته مسرعاً كي يصافحني بحرارة، وكذلك فعل باقي أفراد المجموعة، ومعظمهم من الأفراد القدماء الذين عملنا معهم في عهد عبدالرحمن الشهيد. كان “باتشا دينا” سعيداً خفيف الحركة، عرفت السبب عندما سحبني نحو سيارته وأشار إلى صندوقها الخلفي حيث يرقد صاروخ ستنجر في وعائه الضخم، وقال إنه سيطلقه الليلة على الطائرات الهابطة في المطار الجديد، أسعدني سماع ذلك وقلت له إنني سوف ألغي سفري إلى ميرانشاه وأرابط فوق جبل الترصد منتظراً عمله ذاك، وسوف نكون على اتصال لاسلكي معه، وكان الاتصال اللاسلكي مع مجموعة منان يسيراً للغاية فقد كان العدو والصديق يعرف أن عليه أن يملأ شاشة الجهاز بالرقم “4” ثم ينادي عليهم فيجدهم في الانتظار دوماً. تم الاتفاق بينه وبين حاجي إبراهيم على مسألة الاتصال.

كان واضحا أن ثقل العمليات في الجبهة في طريقه للتحول جهة الشرق، حيث مفجأة المطار الجديد، الذي منح العدو أملا في البقاء لفترة أطول في خوست. توجهنا بسيارتنا نحو مركز الترصد اللاسلكي فوجدنا “فضل” و”خليل” شقيق حقاني عائدين من هناك، وقد ازدحمت السيارة بالمجاهدين فسألت خليل عدة أسئلة متتابعة مثل: هل أرسلتم مدفعية أو دبابات لضرب المطار الجديد؟. هل لديك مدفعية أو دبابات لضرب المطار الجديد؟. هل لديك مدفعية أو دبابة جاهزه للعمل؟. هل لديك صواريخ “صقر 30” مع راجمة؟. هل هناك برنامج للعمل ضد المطار هذه الليلة؟. هذه الأسئلة أجاب عنها جميعاً بكلمة “نشته”وتعني “لا”. ولم يزد عليها حرفاً، كاد ذلك أن يفقدني صوابي فتركناهم ينصرفون وأخذ حاجي إبراهيم يضحك من غضبي ومن إجابات خليل اللامبالية.

 

الجمعة 14 سبتمر 1990 :

حاجي إبراهيم، شقيق حقاني، أبلغني رسالة تلفونية صادرة من حقاني يطالبني فيها بنقل الراجمات والأفراد إلى منطقة المطار الجديد. وأبلغني إبراهيم أيضاً أن مجبور سينقل راجمته إلى المنطقة الشرقية. شعرت بالامتعاض لتفريغ المنطقة من قوة الراجمات المخصصه للمطار ـ أي تفكيك قوة نيران مشروع المطار”القديم” ـ لأن العدو سرعان مايعاود استخدام “المطار القديم” كنت أرى تثبيت قوة نيران كافية لحراسة المطار القديم ـ ثم إنشاء قوة جديدة خاصة بالمطار الجديد. ورغم الصعوبة والتكاليف فإن ذلك كان الحل الوحيد كما أظن حتى لا يتلاعب بنا العدو، ونظل نركض يوماً هنا ويوماً هناك. لم أجد فائدة في شرح ذلك لغير حقاني شخصياً، وكان جولاب قد أخطرنا بأنه سوف يسحب راجمته من عندنا كي يستخدمها ضد المطار الجديد. قضيت وقتاً طويلاً هذا اليوم للبحث عن دعائم حديدية مناسبة لبناء “وكرالشلكا” وهو الحصن الذي أسعى لوضع ذلك المدفع بداخله. كنت أتصور الحصن عبارة عن حفرة ذات ثلاث جوانب من الصخر، وسطح ذو دعائم حديدية مضاعفة وأمتار من الرمال والأحجار من فوقه، مع فوهة رماية محدودة الاتساع ومموهة.

لم يكن الحديد المتوافر في ميرانشاه مناسباً وكان لابد من اللحام لضم كل عدة قطع سوياً حتى تكتسب قوة ملائمة. زارني الدكتور خالد وزميل له من مستشفى ميرانشاه، ومعهما يوسف حمدان مدير هيئة الإغاثة الإسلامية الذي جاء ليشرف على المفاوضات مع حقاني بشأن المستشفى المذكور، وكانوا يطلبون وساطتي في الموضوع.

 

السبت 15 سبتمبر 1990 : 

وصلنا صباحاً مولوي “سيف الرحمن” مسئول المشتريات العسكرية لدى حقاني، كي يبلغنا أن حقاني قد عاد إلى بيته. ويقول حقاني إن هناك كميات كبيرة من الذخائر معروضة للبيع في “جاجي” وبأسعار جيدة. وتشمل الصفقة صواريخ كاتيوشا وهاونات وقذائف مدفع82 مليمتر عديم الارتداد. فقلت له إنني سوف أتشاور في ذلك مع العرب في بشاور. ذهبت إلى لقاء حقاني في بيته حيث طلب تأجيل بحث موضوع المستشفى حتى يتشاور فيه مع نائبه مولوي نظام الدين في مساء هذا اليوم. وكان مولوي نظام الدين في زيارة للسعودية ضمن وفد أفغاني ضخم حيث حضروا مؤتمراً إسلامياً برعاية حكومة “المملكة”هدفه إعطاء موافقة إسلامية عامة على احتلال إمريكا لجزيرة العرب لحمايتها من تهديدات صدام حسين الذي احتل الكويت الشهر الماضي.

– وافق حقاني على إعطائنا مدفع الشلكا، وطلب منا أن نرتب نيران المجاهدين ضد “المطار الجديد” وقال: (إننا لا نفرح بأخذنا المطار القديم ثم نترك العدو في المطار الجديد).

ثم طلب أن تكون راجمات جولاب وغيرها تحت تصرفنا وأنه ـ أي حقاني ـ  سوف يمدنا بالذخائر اللازمة، وطلب أن نذهب إلى باري لنجتمع مع” د. نصرت الله” وباقي الكومندانات لبحث الموضوع والترتيبات اللازمة لتنفيذ تلك التوجيهات. بالفعل توجهنا على الفور إلى مركز خليل في باري كي نعلم أن الاجتماع لم يعقد لأنه من بين 18 كوموندان حضر خمسة فقط . قررنا العودة في سيارة بالأجرة، لأن سيارتنا سوف تبقى في مركز “أبو العباس”. وكان ترصدنا مازال يعمل، والعدو متوقف عن استخدام المطار القديم، ويستخدم يومياً “مطاره الجديد”. في سيارة الأجرة ، من نوع البيك آب طبعاً ، جلس حاجي إبراهيم إلى جوار السائق، كي “يتسلي” معه بالحديث أثناء الطريق، وكان الحديث عبارة عن تفاصيل مافعلناه في مشروع المطار!!!  كدت أنفجر غيظاً لولا علمي أن العملية قد مضت وانتهت، وأن ما يقوم به حاجي إبراهيم هو عادة شعبية أصيلة لاغنى عنها لأولاد البلد.

 

الأحد 16 سبتمر 1990 :

كان الجفاء مكتوماً بيننا، جماعة المجلة العربية ـ وهي نفسها  جماعة مشروع المطارـ وبين جماعة المكتب الثقافي “الفرهنجي” الذي مازلنا نشكل أحد أجزائه المنفصلة. شواهد عديدة أكدت أن الشخص الذي تهجم ظهراً على بيتي في ميرانشاه وكاد أن يخنق ابني الصغيرعبدالله الذي تصدى له بشجاعة، هذا الشخص شوهد مرات عديدة في مكتب “الفرهنجي”.

منذ الأمس وضيوف أوروبيون في الطابق العلوي ، رجالاً ونساء ، يشاهدون أفلام فيديو عن معارك المجاهدين في المنطقة. لم يخبرنا أحد عن هؤلاء، ولكن منظرهم أثار استيائي.

على الأقل لكون هذه المخلوقات البيضاء أصبحت معادية لنا بشكل مكشوف، ويعملون بلا هوادة لإجهاض مسيرة الجهاد في أفغانسان، قبل خطوات قليلة من بلوغها الهدف. كانت المخلوقات البيضاء تتصرف بلا تكلف وكأنهم في بيوتهم. وحتى صباح اليوم مازالوا متواجدين بالطابق العلوي، والنساء يتشمسن في الساحة الضيقة المواجهة لصف الغرف العلوية والمطلة على حديقة البيت السفلية، لم يخبرنا أحد: من هؤلاء؟ أو الهدف في زيارتهم؟. بل بذلوا جهوداً للتعتيم والتمويه علينا.

اصطحبت حاجي إبراهيم إلى بيت حقاني وفي الطريق قابلنا “مجبور” جارنا وشريكنا في عمليات المطار، وقال إنه سينقل مدفعه الهاون عيار 120 مليمتر إلى منطقة “شين كاي” الشرقية لضرب المطار الجديد من هناك. وطلب بعض المساعدات فيما يختص بحفريات جديدة هناك مع جهاز لاسلكي صغير وميكروفون يدوي. وعدته بمساعدته في الحفريات عن طريق العرب، أما المطالب الأخرى، فنحن نعاني من نقص في أجهزة اللاسلكي الصغيرة.

– قبل وصولنا إلى بيت حقاني رأينا الزوار يتوافدون لتحية الشيخ نظام الدين الذي عاد مؤخراً من السعودية، فتوجهت مع حاجي إبراهيم لإلقاء السلام عليه. وكنت شغوفاً بمعرفة رأيه فيما جرى في السعودية من استجلاب القوات الأمريكية لحمايتها من العراق على حد زعم الدعايات الصادرة من هناك وقتها. كان “نظام الدين” معروفاً بصرامته الفقهية لذا توقعت سماع آراء تسعدني.

قدم لنا الشيخ بعضاً من ماء زمزم وتمر المدينة المنورة.  امتلأت الغرفة الصغيرة بالزوار، ثم جلست إلى جواره وسألته عن رأيه فيما حدث في السعودية والخليج، فكانت إجابته صدمة غير متوقعة بالنسبة لي. فقد قال: إن قدوم الأمريكان والأوروبيين إلى السعودية جائز بشروط ـ لم تتوفرـ ولكن بما أن صدام يعمل مع روسيا فلا بد من وجود أمريكا !!! ولكنها ستخرج !!! ثم أضاف إن كل العلماء من مختلف بلاد المسلمين قد أفتوا بجواز ما حدث من استعانة بجيوش أمريكا والغرب !!! حاولت مجادلته بالقول أن أمريكا لم تحضر إلى أفغانستان لمقاومة الاتحاد السوفيتي الذي هو أقوى من صدام حسين فلماذا ذهبت إلى السعوديه؟. ولماذا لم يطالب شعب أفغانستان قوات أمريكية، بينما طالبت السعودية بذلك؟. فأجاب أن حكومة السعودية مقصرة، ولكن هذا ما حدث، والأمريكان سوف يخرجون قريباً. ودَّعته وخرجت وأنا مصدوم ومتعجب .

– في مضافة حقاني قابلت القادة البارزين وفي جعبتهم أخبار سيئة عن المطار الجديد، فقد هبطت به ليلة أمس ثمان طائرات معظمها يحمل جنود . قال حقاني إن المعلومات التي لديه تقول إن الحكومة عززت قواتها بألف جندي جديد خلال الأيام القليلة من استخدام المطار، بما يعني احتمال قيامهم بهجوم. وقامت الحكومة بقصف رؤوس الجبال في باري بالمدفعية الثقيلة وهو ما لم يحدث منذ أربعة أشهر. ومع ذلك كانت ردود الفعل تجاه المطار الجديد متفاوتة جداً حتى كدت أشعر باليأس.

كانت ظروف حقاني الخاصة ساحقة، فاستشهاد أخيه إسماعيل كانت كارثة على النطاق الشخصي والعملي لكون إسماعيل واحد من ثلاث محركات فعالة يطلقها حقاني في مختلف جبهات القتال وهم إخوته الثلاثة إبراهيم وخليل وإسماعيل، لقد فقد ثلث قوته الضاربة بموت إسماعيل.

ثم هذه أمه التي تضبط جبهة لا تقل خطورة عن جبهة القتال وهي الجبهه الداخلية المكونة من اُسَرْ المجاهدين والشهداء، إلى جانب التحريض الفعال على الجهاد وضبط ومعاقبة أي حالة تخاذل أو ضجر أياً كان مصدرها، فعصاها وكلماتها، وثقلها المعنوي أسلحة ردع جاهزة دوما ًوتعمل بلا كلل. هذه المرأة العظيمة ماتت هي الأخرى في أعقاب موت إسماعيل.

ليس هذا فقط، فالآن إبراهيم يتعرض لنكسة صحية خطيرة. فقد خرج من المستشفى قبل استكمال علاجه كي يحضر جنازة والدته، ثم لم يعد إلى المستشفى بل تحرك صوب الجبهة للإشراف على عمليات إمداد، فداهمته النكسة، وبدأ يسعل دماً فنقلوه جواً إلى المستشفى العسكري في روالبندي. كل هذه أسباب لحالة الضياع التي شاهدت حقاني يعيشها اليوم فكان تائهاً يفتقد التركيز والإشعاع القيادي الجذاب الذي تميز به دوما وحَمَلَهُ إلى الصدارة. سألته عن البرنامج العسكري القادم فأجاب: (لا أدري! يقولون إنه قريب! ومفروض أن يكون من جميع الجهات). إجاباته وحالته الشاردة زادتا حالة الضياع عندي. شعرت بالحاجة إلى أخذ قسط من الراحة والبقاء مع أسرتي لبعض الوقت. تمنيت أن أجد شخصاً آخر أسلمه تلك التركة التي أزهد فيها. وزاد الطين بلة أن “جماعتنا” في بشاور من قيادات القاعدة مازال قرارهم ضائعاً وموافقتهم غير محددة. في المساء فشلت وساطتي في موضوع المستشفى، وأمر مولوي نظام الدين  أن تكون لهم كامل السلطات الإدارية عليه.

أرسلت رسالة إلى أبو حفص في بشاور أقول له فيها: (  تم إنجاز المهمة، أعني إغلاق المطارالقديم، أرجو إرسال أمير جديد لمركز أبو العباس من  طرفكم. سأكون في بشاور خلال هذا الأسبوع لمناقشة تطورات الوضع معكم).. ثم نمت مبكراً من شدة الغم!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 182 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 31