"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

خارج السيطرة (1)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 175) | محرم ١٤٤2ھ – سبتمبر٢٠٢٠م .  

04-09-2020

 

 

خارج السيطرة (1)

أفغانستان..حرب خارج سيطرة الإدارة الأمريكية

الجيش السري الأمريكي يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 

– تشبعت أفغانستان بالأسلحة، فانخفض دعم شركات السلاح لتلك الحرب.

–  القوات الأمريكية تحترف مهنة “الدليفرى السريع” للمخدرات والأسلحة.

أين الصواريخ النووية التي كانت فى قاعدة بجرام؟؟

–  حرب أفغانستان كشفت أن الجيش الأمريكى هو الجيش الأكثر فسادا فى العالم. ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى كيان فاسد وخطيىر.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود.

–  التحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان، أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش / كممثل عن الدولة الأمريكية / من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

–  (الجيش السرى الأمريكى): تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يهدد الدولة الأمريكية نفسها، ويشبه ما واجهته فرنسا قبل الإنسحاب من الجزائر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

أطلقت الولايات المتحدة حربها الصليبية على أفغانستان عام 2001 بهدف السيطرة على أفيون أفغانستان كهدف أول، ثم السيطرة على باقى ثروات أفغانستان الطبيعية ـ وهى هائلة القيمة ـ ثم ثروات النفط والغاز فى آسيا الوسطى.

وبدأت فى تحويل أفيون أفغانستان ـ جيد النوعية ـ إلى هيروين تام النقاء. ودعمت شبكة لنقله وتوزيعه هى الأكبر والأقوى والأكثر حصانة فى العالم، يوفرها الجيش الأمريكى جواً وبحراً، ليصب شلال الأموال فى شبكة البنوك اليهودية العظمى التي تدير أموال وتجارة العالم، وتوفر الملاذات الأمنة والغسيل المضمون لدولارات المخدرات القذرة التي قد تعادل نصف حجم التجارة العالمية الشرعية (أى فى حدود 3 ترليون دولار). لذا لا يمكن أن تتنازل تلك البنوك عن غنيمة بهذا الحجم ذات تأثير جوهرى على كيانها المسيطر على الإقتصاد العالمى.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن للإدارة والأجهزة المسلحة (جيش ومخابرات) نصيب مجز من العملية، إضافة إلى أن الغطاء الحقيقى للدولار الأمريكى الآن هو تجارة الهيروين / أى فى الأصل أفيون أفغانستان / وليس دولار النفط. وقيمة دول النفط وإماراته إنتقلت مضاعفة إلى أفغانستان، التي تتمتع بأهمية مطلقة فى ظل التطورات الدولية الأخيرة ـ خاصة بعد تصاعد مكانة قارة آسيا والصين فى إقتصاد العالم، وتأثيرات إيران على إجمالى غرب آسيا، وانبعاث روسيا من جديد صوب مكانة المركز الثانى عالميا، عسكريا وسياسيا، والهند التي يقترب إقتصادها من المركز الثالث أو الرابع عالميا.

–  سريعا ما اكتشف الجيش الأمريكى ما سبق واكتشفه الجيش الأحمر السوفيتى من قبل من أن تلك الحرب ليست للجيوش. فأعطت الإدارة الأمريكية مكانة بارزة للإستخبارت الأمريكية CIA فى إدارتها. وفى البداية كان لمكتب التحقيقات الفيدرالى دور بارز في عمليات المطاردة والتعذيب والسجون السرية، بالتكامل مع المخابرات المركزية.

–  قفز ترامب قفزة ثورية فى إدارة الحرب الأفغانية حين إستوحى من صديقة ” إريك برنس” فكرة أن يكون المرتزقة هم عماد الحرب لصالح الولايات المتحدة، على غرار تجربة شركة الهند الشرقية البريطانية فى القرن الثامن عشر.

” أريك برنس” مع شركاء إسرائيليين أحيا مآثر شركته السابقة ” بلاك ووتر”، وتوسع فيها. ونشاط المرتزقة أصبح يديره إتحاد مؤسسى يجمع بين جهازى CIA والموساد الإسرائيلى أما دور الجيش الأمريكى فقد تحدد فى حماية المنشئات الحساسة والقواعد العسكرية وتخليص قوات المرتزقة من مآزقهم العسكرية مع طالبان.

–  شركات الصناعة العسكرية دعمت فى البداية بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان، رغم رغبته المبكرة فى الإنسحاب نتيجة عدم التخصص، مع خطورة أمثال تلك الحروب على تماسك الهياكل التنظيمية والروح المعنوية للجيوش، وناهيك عن التردى الأخلاقى الناتج من توافر الهيروين الجيد والرخيص، وكافة المخدرات الأخرى.

شركات السلاح الأمريكية شحنت أفغانستان بمعدات جنونية، لا حاجة لها فى حقيقة الأمر. الكميات مبالغ فيها كثيرا، وكذلك النوعيات التي لا مبرر لوجودها، وصولا إلى الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى، وهى لا تهدد مقاومة الشعب الأفغانى والامارة الاسلامية، بل تهدد روسيا والصين وإيران.

–  السلاح الأمريكى التقليدى المختزن فى أفغانستان يكفى لحرب تقليدية عظمى فى المنطقة، والصواريخ النووية تكفى لإشعال حرب نووية تحرق العالم كله.

إنخفض طلب المزيد من الأسلحة لأفغانستان من شركات صناعة السلاح، فإنخفض حماسها لتلك الحرب. وبالتالى لم تعد تضغط على الجيش من أجل البقاء هناك. فأتم الجيش الأمريكى إنسحابه القتالى من أفغانستان مبقياً على حراسات للقواعد العسكرية الأساسية، خاصة قاعدة بجرام الجوية، التي هى القلب النابض للمشروع الأمريكى فى أفغانستان، بل فى المنطقة كلها، بداية من مصانع الهيروين وصولا إلى مخازن الصواريخ النووية.

الجيش الأمريكى فى أفغانستان هو قوة من “خفَرْ القرى” المعروفين فى المشرق العربى. ولكنها قوة لديها، قطع مدفعية وطيران لمجرد تذكير الجنود بأنهم جزء من جيش (الدولة الأعظم)الذى كشفت حرب أفغانستان، بل وساهمت بشدة فى تحويله إلى الجيش الأكثر فسادا فى العالم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

قوات “الدليفرى السريع“ : أين صواريخ بجرام النووية؟؟

ما تبقى من قوة أمريكية فى أفغانستان تحولت إلى قوة (دليفرى) أى توصل الطلبات إلى منازل الزبائن. والطلبات هى مادة الهيروين، والأموال بأنواعها القذرة المغسولة، وفى النهاية تبيع أسلحتها فى المزاد، وتوصلها للزبائن فى بيوتهم.أو تؤجرها للمقتدرين داخل أفغانستان.

إلى جانب مهام أخرى مهينة للجيش وكرامته العسكرية، مثل تحوله إلى مجرد حارس لقواعد عسكرية تدير مصانع الهيروين. وتحرس مخزونات السلاح التي تفوق الخيال فى قاعدة “بجرام” والتى أصبحت تفكك وتعبأ فى صناديق لتباع كقطع غيار ـ أو إلى أسلحة يعاد تجميعها مرة أخرى خارج افغانستان ـ لأى دولة ولأعلى سعر. فى تجارة عظمى تعتبر من غرائب العالم الأمريكى. والمشترى يمكن أن يكون أى أحد. فليس من السهل ـ ولا يتكرر ذلك كل يوم ـ أن يبيع جيش معداته وهو مازال ـ رسميا على الأقل ـ يباشر تلك الحرب أو أنها تدار بإسمه، بينما يقاتل نيابة عنه فى ميادينها تشكيلة واسعة من المرتزقة، يقودها تحالف إستخبارى يجمع بين دولة عظمى (أمريكا) ودولة متطفلة عليها (إسرائيل).

من الطبيعى أن يضغط قادة الجيش على ترامب كى ينهى حرب أفغانستان، حتى لا يظل الجيش وسمعته مرهونتان بحرب لا يقودها، ولم يعد له فيها ناقه ولا جمل. بل ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى شئ آخر فاسد وخطير، ينشر فساده فى العالم، ويعبث بأسلحة تهدد الجميع. حتى صار الجيش الأمريكى هو الخطر الأكبر على العالم بما فيه أمريكا نفسها.

–  (التحالف الإستخبارى المتمرد فى أفغانستان) أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش كممثل عن الدولة الأمريكية ـ من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

 

حرب يديرها جنرالات مارقون بلا قيادة موحدة :

يمكن القول أن قاعدة بجرام الجوية قد أضيفت إليها ميزة جديدة وعجيبة، كونها أكبر سوق فى العالم للسلاح المستخدم ـ أو الجديد ـ وربما للصواريخ النووية التي تشكل لغزا يشكل تهديدا خطيرا لأمن العالم.

فهل مازالت الصواريخ فى بجرام؟؟ ـ أم أنها نقلت إلى منطقة جبلية وعرة أقرب إلى حدود الصين كما يشاع بين العاملين فى بجرام؟؟ وهل ذلك السلاح النووى مازال تحت سيطرة الجيش الأمريكى أم أنه تحت سيطرة التحالف الإستخبارى، الذى يزيد من خطورته كون الذين يديرونه هم جنرالات مارقون، وليسوا خاضعين بشكل كامل لأى حكومة على الإطلاق، لا خارج أفغانستان ولا داخلها. كما أنه تحالف مجهول غامض القيادة. كل ما فيه محاط بالسرية، كطبيعة العمل الإستخبارى.

–  فإذا خضع السلاح النووى لقوانين العرض والطلب فى السوق الدولى، فان المخاطر ستكون غير محدودة. والتحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان يمكن أن يدعى ـ حقا أو كذبا ـ أنه فقد شيئا من تلك الأسلحة ـ خاصة وأن قاعدة بجرام تحت ضغط عسكرى وإختراقات أمنية خطيرة، وتعانى من تسرب إلى الخارج فى كل شئ، ويمكن أن يكون هذا الشئ نوويا.

فماذا لو تسربت الصوايخ النووية إلى أعداء الولايات المتحدة؟؟ ـ والأخطرهو: ماذا لو تسربت إلى أعداء إسرائيل؟؟ ألن يشكل ذلك تهديدا لها، وقد تمتد خطورته إلى مشاريعها الإستثمارية العظمى، مثل سد النهضة فى الحبشة؟؟

–  يزيد المشكلة تعقدا أن من يتقدم لشراء الأسلحة الأمريكية فى أفغانستان هى شركات دولية عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات. وهذا يجعل المحطة النهائية لمسيرة السلاح غير محددة، وقابلة للتبديل.

ويتميز “بازار” قاعدة بجرام بنزعة ليبرالية، فالكلمة للمال، فمن يمتلكه يشترى أى شئ. حتى تمكنت حركة طالبان من الحصول على تسليح إستثنائى من قاعدة بجرام وغيرها ـ شمل الطلقة والقنبلة والصاروخ والشحنة المتفجرة. ولا قيمة لدى إدارة “بازار” بجرام الدولى لأرواح الجنود المقاتلين من المرتزقة، فتلك بضاعة رخيصة يسهل إستبدالها.

–  التحالف الإستخبارى (CIA / موساد) الذى يحكم أفغانستان ويتحكم فى إدارة الحرب هناك من أخطاره الكثيرة أنه لا يمتلك قيادة موحدة، لا على المستوى السياسى ولا على المستوى العملياتى، ولا على المستوى التجارى. ولكل واحد من عناصر الضياع القيادى فى تلك المستويات القيادية العليا مخاطر كثيرة. بعضها يهدد ذلك التحالف الإستخبارى وينزلق به صوب هزيمة تاريخية. وذلك ما تعمل عليه الإمارة الإسلامية.

فالتحالف المارق يفتقد إلى إستراتيجية للحرب، كما أنه عشوائى فى العمل التكتيكى، وتوقفت حاسة الإبداع عنده بعد ما إستنزفت التكنولوجيا نفسها ولم تصل إلى النتيجة المرجوة. مثل توقف تأثير الطائرات بدون طيار (درون) على معنويات الشعب والمجاهدين. وبالمثل هجمات الرعب الليلية ضد القرى، والتى زادت من إقبال الشعب على التطوع فى صفوف طالبان.

إفتضاح دور الهيروين كدافع وحافز على إستمرار الحرب، دفع الشعب إلى توسيع عمليات مقاطعة عملاء أمريكا وحجب وصولهم إلى محصول الأفيون. فلم يتمكن الأمريكيون من إصدار تقريرهم السنوى عن وضع الأفيون فى أفغانستان، متعللين بفيروس كورونا “!!”.

المساهمة الشعبية فى قطع اليد الأمريكية عن أفيون أفغانستان قلص أيضا من حصة التحالف الإستخبارى المارق من الأفيون، وبالتالى تقلصت قدرته على إنتاج الهيروين. وتقول نشرة الأخبار القادمة من قاعدة بجرام أن هناك إنتاج مكثف للمخدرات الكيماوية، وبكميات خرافية، لتوزيعها حول العالم لتعويض خسائرالأمريكيين فى مجال الهيروين.

–  فى السباق نحو المليارات ظهرت التناقضات بين مصالح أركان التحالف الإستخبارى الذى عانى من التشرزم. فمكوناته تسابقت نحو جذب أكبر قدر من أجهزة النظام الحاكم واستغلاها. فأصيب النظام بشروخ خطيرة تطورت إلى صدامات مستترة، وصدامات أخرى صريحة تتكلم عن نفسها. وبما أن الخلاف هو حول المليارات فإنه سريعاً ما يصبح مسلحاً. وإذا لم تكن العصبيات العائلية والقبيلة كافية، فإن المرتزقة يقدمون خدماتهم للسعرالأعلى. والقاتل المأجور قد يقتل من إستأجره فى المرة التالية. وشركات القتل ترى فى إزدياد نهر الدماء دليلا على الرواج وزيادة الأرصدة والأرباح، تحت غطاء الحرب غير المنتهية والتى توفر لهم أرضية لإتهام أطراف أخرى.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود ولا نهاية. والإتفاق السياسى مع هؤلاء المارقين مؤقت ومرتبط بالمصالح المالية، فهى الهدف والوسيلة إليها هى القتل بإستخدام الوسائل المتاحة.

قد يخضع الجنرالات المارقون للضغط ـ ولو بشكل مؤقت ـ لو توفرت الأدوات اللازمة. والإدارة الأمريكية فقدت القدرة على الضغط المؤثر لأن جيشها لم يعد هناك كجيش. وقادة المخابرات المتبقين فى الميدان وضعوا قوانينهم الخاصة، وليسوا مقيدين بغير الأهداف التي يحددونها لأنفسهم.

 

قوات الحثالة لحفظ ماء وجه ترامب :

يسعى ترامب إلى إمتلاك قوة ضاربة فى أفغانستان تمكنه من التأثير والضغط. ورغم ذلك فإنها لا تضعه فى موقع المتحكم أو حتى فى صدارة متخذى قرار الحرب والسلام فى أفغانستان. ولا تمكنه من إقرار إستراتيجية لإدارة وإستغلال كنوز الأفيون.

 

فى يد ترامب القوات العسكرية التالية :

ـ قوات من أزربيجان وأرمينيا، ورومانيا، ومن على هذه الشاكلة من الغثاء، من دول هامشية تتسول الدولارات والدعم السياسى الأمريكى.

 

ـ قوات استراليا ما زالت رغم قلة عددها تحتفظ بسمعتها كأكثر وحدات الإحتلال وحشية فى معاملة الأفغان. وهناك قوات ألمانية وبريطانية وكندية قليلة العدد.

قوات الحثالة تلك تتيح لترامب حصة من الأفيون ومادة الهيروين، مع المخدرات الكيماوية التي يشير تقرير UNODC إلى أنها إنتشرت كثيرا فى العالم بثمن رخيص وضرر صحى فادح.

ولكن تلك القوات لا تتيح له التحكم فى الحرب أو تمنحه القدرة على وقفها. ومن هنا يأتى الإحراج الدبلوماسى، إذ ربط ترامب نفسه بموعد للإنسحاب النهائى فى أبريل القادم.

ولكن الحرب لن تقف بأى حال، لأن ضباط الإستخبارات المارقين سوف يستمرون فى القتال. وساعتها ستكون أمريكا فى حرج إزاء تبرير ذلك، سوى إلقاء اللوم على أى طرف آخر.

 

إنقلاب (الجيش السرى) الأمريكى :

تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يشبه ما واجهته فرنسا فى بداية ستينات القرن الماضى، عندما تمرد جنرالات الإحتلال للإبقاء على الجزائر أرضاً فرنسية. رافضين ما وعد به الجنرال ديجول رئيس فرنسا بالإنسحاب من الجزائر. شكَّل الجنرالات المارقون منظمة عسكرية سرية تعمل على إبقاء الجزائر مستعمرة فرنسية وأسموها (الجيش السرى). وحاولوا ترتيب إنقلاب مسلح داخل فرنسا نفسها والإستيلاء على السلطة من أجل منع إستقلال الجزائر. وقام (الجيش السرى) بمجازر ضد سكان الجزائر المسلمين.

– جنرالات الإستخبارات الأمريكيون فى تمرد فعلي للإستقلال بأمر أفغاستان، رافضين تماما الإنسحاب منها، مستخدمين القوة المسلحة المتاحة لديهم للإبقاء على الوضع الحالى. فى عمل يهدد بوقوع إنقلاب عسكرى إستخبارى داخل الولايات المتحدة، سواء قام به الرئيس نفسه مستبقا جنرالات أفغانستان المارقين، أو إنقلاب يقوم به هؤلاء المارقون بدعم من مؤيديهم فى الوطن. وكل من الرئيس والمارقين مستند على قوة أساسية تقف عليها أمريكا (وفى ذلك إنقسام خطير يهدد الدولة حتى وإن لم يحدث الإنقلاب). فالمارقون تدعمهم البنوك اليهودية الكبرى التي تشكل لها أموال مخدرات فغانستان شريان الحياة. والرئيس تدعمه جبهة غير متناسقة تفتقر إلى الترابط، مكونة من بعض قيادات الجيش العليا، وقطاع من الإستخبارات والأمن الداخلى، ومن صناعات السلاح، وإحتكارات النفط التي ترى فى حرب أفغانستان عائقا أساسيا لمرور نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانسان إلى العالم.

ومن الواضح أن إحتمال الإنقلاب العسكرى غير مستبعد داخل الولايات المتحدة حاليا حتى أن الرئيس الأمريكى يُهدِّد به فى حال عدم فوزه بالإنتخابات.

وفى أكثر من مناسبة أظهر البنتاجون ـ وزارة الحرب الأمريكية ـ إحتقاره للرئيس وتجاهل أوامره، حتى كشف ترامب عن قوات عسكرية سرية خاصة به، ولا تحمل شارات مميزة، وقام بإستخدامها لقمع المتظاهرين فى أكثر من مدينة أمريكية. وهو أسلوب مقتبس من الأساليب النازية فى ثلاثينات القرن الماضى.

– من الملاحظ تقارب فوق العادة بين الرئيس الفرنسى والرئيس الأمريكى، خاصة فى المعضلة اللبنانية، ولكن لا يستبعد أن هناك خبرة فرنسية تنتقل الآن إلى الولايات المتحدة حول تجربة الجيش السرى الفرنسى فى حرب الجزائر.

فأفغانستان الآن يسيطر عليها ويديرها جنرالات منشقون عن الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، ولا يسيطر عليهم أحد. وسيقاتلون لآخر جندى مرتزق حتى تبقى أفغانستان مستعمرة للمرتزقة تنتج الهيروين، وتغسل أموال المخدرات. وتتاجر بأحدث الأسلحة الأمريكية التقليدية وربما النووية وصواريخها قصيرة ومتوسطة المدى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 175) | محرم ١٤٤2ھ – سبتمبر٢٠٢٠م .  

04-09-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (25)

جبل تورغار: الإعداد للضربة القاضية

– خوست كانت تترنح فعلياً ويترنح تبعًا لذلك مستقبل النظام في كابل ومستقبل المشروع الدولي الأمريكي، في أفغانستان.

– لقد كان حقاني هو المصدر الأساسي لذلك الخطر، لذا كان أمنه الشخصي في خطر. ومنذ أشهر قليلة اُحْبِطَت محاولة لتفجير سيارته، فقد لصق أحدهم بها قنبلة مغناطيسية.

– لم نكن ندري أن حقاني كان  يتعرض وقتها لمحاولة اغتيال جديدة، وأصيبت سيارته.

– كان المنظر مهيبًا، خرج حقاني ومعه أخواه خليل وإبراهيم، وعدد من أبنائه الصغار، وعلى باب البيت وقفت أمه العجوز وهي تمسك بيدها مسبحتها الطويلة وتتمتم بالدعاء وتَجْمَع الأطفال الصغار من بين السيارات وتدفعهم إلى داخل البيت وهي تؤنبهم بشدة،  بينما بعض الأطفال يحاولون التعلق بالسيارات والذهاب مع آبائهم إلى الجبهة.

–  حقاني الذي شجع أمريكا وروسيا علي تثبيت نجيب في الرئاسة هو توقف الجهاد في أكثر مناطق أفغانستان، مع وجود حكومة ضعيفة للمجاهدين في باكستان.

– زوجة جيلاني قالت لإذاعةبي بي سيلقد تعبنا من القتال والدماء، ونريد لشعبنا أن يستريح . والشيوعيون الذين خدموا الشيوعية لمدة عشرين سنة والضباط الذين حصلوا على الرتب  في مقابل قتل المسلمين، كل هؤلاء يقولون عنهم مسلمون طيبون حتى يشاركوا في الحكم القادم للبلاد.

– عندما أقسم حقاني أن يقاتل حكمتيار .

– رد الشيخ حقاني بهدوء وتأثر: الظروف الآن عادت كما كانت في بداية الجهاد، وكما كانت في صدر الإسلام، فتمايزت الصفوف ولم يبق في الجهاد سوى المخلصين.

– هؤلاء الجنود لم يفروا بل قاتلوا بعنف حتى يتركوا مواقعهم . فقتلوا رؤسائهم، كما قتلوا الميليشيات . وقتل من هؤلاء الجنود أربعة أفراد وجرح أربعة آخرون.فسحبوا معهم جثث زملائهم، حتى يدفنوها فى(مقابر المسلمين)باعتبارهم شهداء .

– الصحفي البريطاني يسأل حقاني عن رأيه فيما قاله مولوي (نسيم آخونزاده) القائد القوي في هلمند بأنه سيزرع المخدرات في مناطقه حتى يتمكن من الاستمرار في الجهاد بعد أن توقفت المساعدات الخارجية.

– ركز الصحفي على إمكانات حقاني، وهل تكفي لفتح خوست. وسأل عن استعداده لوقف القتال إذا تمت تسوية بين حكومة بيشاور المؤقتة وحكومة نجيب الشيوعية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

معلومات من الأسرى:

 عدت ليلاً إلى ميرانشاه مع عثمان وإبراهيم وأبو الحارث، وزكي وهو مجاهد باكسـتاني تخصص في تصوير المعارك وعاني في نهايات الحرب من شظية أصابت رأسه.

كان في مضافة حقاني عدد كبير من كومندانات المعارك كان الجميع يستمعون إلي إذاعة خوست التي أقامت مهرجان لما أسمته الانتصار الكبير في تورغار. وكان غريباً أن تذكر إذاعة خوست صديقي عبد الرحمن وتتباهى بأنهم قتلوه منذ سنتين فوق تورغار ووصفوه بأنه كان خبيراً مصرياً في الأسلحة.

 ولكن ماذا قال لنا الجنود الأربعة الذين التحقوا بالمجاهدين وقت معركه تورغار؟ .

كان الحديث معهم مفيدًا لكون معنوياتهم مرتفعة فرحاً بنجاح عمليه الفرار، والشيء المشترك لأمثال هؤلاء ممن قابلناهم في تلك المرحلة وحتى نهاية الحرب هو المعنويات المرتفعة والحماس للجهاد حتى أن ذلك الحماس انتقل إلى المجاهدين أنفسهم، فقد كانوا يبشرون بقرب انهيار الجيش.

كان الأسرى يعملون في معسكر تدريبي ملحق باللواء الثاني الحدودي وهم: “إمام مالي”، و”محمد دين”  من بدخشان، ثم “غلام سخي” من مزار شريف و”محمد هاشم” من ميمنة عاصمة فارياب. وصلوا جميعاً إلى خوست منذ شهرضمن فوج جاء من كابل للتدريب وعددهم 165 فردًا فرّ منهم حتى الآن 65 شخصًا.

وقد نزلت بهم الطائرة وسط قصف المجاهدين، وقفزوا منها بسرعة واستدارت فوراً عائدة من حيث أتت. عن “عجب خان مزاري” قالوا إنهم لايعرفونه ولكن سمعوا أنه ذهب إلى كابل، ولا يدرون إن كان جريحًا أو قتيلاً.

محمد دين قال إنه كان في المستشفي عندما وصلته 16 جثة من قتلي معركة تورغار وما حوله وأن الجرحي كثيرون، وأن المواد الغذائية في المدينة قليلة جداً.

وعن معركة ماشغور قال الجنود بأن 15 من كبار ضباط الحكومة قد قتلوا هناك منهم مديـر الاستخبارات(خاد)ومدير الأمن ومدير شئون القبائل. وحسب معلوماتهم فإن المواقع هناك مازلت في أيدي المجاهدين وأن الحكومة مازالت تقصفها.

وعن معركة إسماعيل خيل قالوا بأنه أثناء المعركة فرّ كل سكان المنطقة وما حولها والجنود والميليشيا ولم يبق هناك سوى المدفعية وأن المجاهدين لو استمروا في المعركة ساعتين أخريين لاستولوا على المدينة ذاتها.

وقالوا بأن قتلى الحكومة في تلك المعركة كانوا كثيرين، وأن ثلاث طائرات قد ملئت بالجثث ونقلتها إلى كابول وذلك بعد يومين من المعركة.

وعن تورغار قالوا بأن المجاهدين قد نجحوا قبل المعركتين الأخيرتين على تورغار من قطع طريق الأمداد الخلفي، خاصة بعد أن انفجرت الألغام في مصفحة وسيارة نقل الماء في أواخر ديسمبر الماضي، ومن يومها وإمداد الجبل يتمعلى الأقدام وتحت جنح الظلام.

   دار في رأسي شريط أحداث المعارك الأخيرة، فقد فشل هجومان متتاليان على تورغـار، إضافة إلى فشل في إسماعيل خيل غرب الوادي.

إنها بداية متعثرة للعمل العسكري هذا العام، أما المطار فرغم الخسائر الكبيرة للعدو في الطائرات  إلا أنه مازال ينجح في الهبوط. والمطار يبقى أياماً طويلة بدون أن يهتم به أحد.

 وفجأة يتذكر الجميع فيقع المطار في أزمة وتقع خسائر الطائرات. إنها حالة يمكن تسميتها (بملاريا المطار) أي موجات من الحرارة المرتفعة إلى حد الاشتعال تعقبها برودة إلى حد التجمد.

لكن خسائر العدو كبيرة وحالة الحصار قللت كميات الطعام والذخائر ومستشفى المدينة يئن من ازدحام حالات العسكريين حتى أن البقاء فيه يحتاج إلى واسطة.

 الضباط الحزبيون وحدهم لهم حق البقاء فوق الأسرة لاستكمال العلاج، أما غير الحزبيين أو الجنود فالعناية بهم ناقصة و ينتزعون من فوق أسرتهم ويلقون في عرض الطريق ويتهمون بالتمارض حتى ولو كانت أعضاؤهم ممزقة.

أما الأهالي والميليشيات المحلية فلا أمل لهم في تلقي العلاج الكافي غير أقراص ملونة يستلمونها على باب المستشفي بدون فحص.

رجعت إلى بشاور في الساعة الرابعة عصراً في اليوم الرابع من فبراير لقد عاد لي شيء من حماسي القديم الذي كان في تلك الأيام الخالية في باري والمطار.

 

 

محاولات متتابعة للاغتيال :

الأحد 11 فبراير 1990

وصلت ميرانشاه ومعي عدة نسخ من العدد الأول لمجلتنا منبع الجهاد.

جلست مع أبو الحارث في المكتب الثقافي، وقد أخبرني أن حقاني على وشك الوصول من منطقة خلدن الحدودية، داخل أفغانستان، حيث يعقد عدد من القادة من منظمات مختلفة اجتماعاً طارئاً لمعالجة مشكلة محافظة لوجر.

ولكن الحكومة المؤقتة والأحزاب في بشاور لم تتحرك، فكانت المبادرة من حقاني للبحث عن حل ذاتي من بين قيادات الداخل. وقد وصلت الأنباء بأن القادة المجتمعين قد قرروا إرسال 200 مجاهد لدعم مجاهدي لوجر، وكان حقاني يخشى أن تحاول القوات الحكومية أن تواصل تحركها من جرديز إلى خوست عن طريق (منجل) فيشتت ذلك مجهوده العسكري ضد خوست، ويتحول جزء كبير من قوته للدفاع عن ذلك الطريق الطويل، وهو أمر يحتاج إلى تخصيص جزء كبير من الإمكانات البشرية والمادية.

 ولابد أن يضعف ذلك مجهوده القادم في خوست التي كانت تترنح فعلياً ويترنح تبعاً لذلك مستقبل النظام في كابل بل ومستقبل المشروع الدولي، الأمريكي، في أفغانستان.

 لقد كان حقاني هو المصدر الأساسي لذلك الخطر، لذا كان أمنه الشخصي في خطر.

فقد تلقى حقاني مؤخراً تهديدات من بعض تجار منطقة القبائل الذين تضرروا من عمليات التضييق على تهريب البضائع إلى خوست.

ومنذ أشهر قليلة أحبطت محاولة لتفجير سيارته أثناء توقفها بين بنون وميرانشاه أمام حاجز مروري، فقد لصق أحدهم بها قنبلة مغناطيسية موقوتة.

وبينما كنا نتحدث عن تلك الموضوعات لم نكن ندري أنه في نفس الوقت تقريباً كان حقاني يتعرض لمحاولة اغتيال جديدة، وأصيبت سيارته بعدة طلقات،

وكان يمكن أن يصاب حقاني لو أنه احتفظ بمكانه التقليدي في المقعد خلف السائق، ولكنه كان قد بدل موقعه في السيارة بعد خروجهم من صلاة العصر من مسجد على الطريق.

لم يقص لنا أحد ذلك الخبر المزعج في نفس اليوم فقد تكتم حقاني ورجاله على الأمر، وبعد وصولهم أدخلوا السيارات فوراً في مرآب السيارات. علمنا بالموضوع في عصر اليوم التالي وشاهدت مع أبو الحارث ثقوب الطلقات في الجانب الأيمن للسيارة وعندما سألت حقاني بعدها عما حدث وهل هو حادث مدبر أم لا، قال إنها مجرد مصادفة لأن في نفس المنطقة قبيلتان في حالة عداوة واشتباكات، وأن السيارة الأمامية في موكبه قد توقفت صدفة عندما انفتح فجأة غطاء محركها أثناء المسير فنزل السائق لإغلاقه فانهمر علينا الرصاص لأن أفراد كامنون من القبيلة المعادية ظنوا إننا قوة مهاجمة، فطاردهم رجالي ولكنهم فروا في الجبال.

لم تهدأ شكوكي بطمأنة حقاني، بل ظننت أن سائق السيارة الأمامية قد يكون هو الآخر متآمراً ومن السهل عليه فتح غطاء السيارة أثناء تحركها والغريب أن اختار موقعاً فوق أحد الجسور على الطريق بحيث تصعب مناورة الاختباء على من خلفه وهي سيارة حقاني وحراسه.

قفز إلى ذهني قصف حقاني بالطائرات فوق مركز القيادة وأسفل منه، وبصواريخ سكود في مركز خليل وفي الطريق المؤدية إليه . حتى أنني سمعته بنفسي عندما اشتعل حولنا الجبل بالقذائف العنقودية واشتعلت حولنا الأعشاب الجافة والأشجار حتى أخذنا نسعل من الدخان، لقد صاح بأن هناك جاسوس يرصد حركتهم، وصرت لا أستبعد هذا الاحتمال بل أرجحه.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

الثلاثاء 13 فبراير 90 :

أخبَرَنا حقاني أن كل الترتيبات قد اتخذت لبدء العمليات في الجبهة وأننا سوف نغادر اليوم إلي باري. وغصت دار الضيافة بعشرات من الكومندانات، بينما جلس حقاني في غرفة داخلية صغيرة وكان يستدعي المنتظرين فرداً فرداً أو في مجموعات صغــيرة وينهي معهم الموضوعات المتعلقة بالعملية القادمة، كان حقاني يبدأ مثل تلك الاجتماعات بعد أن ينهي صلاة الضحى في السابعة صباحاً.

استمر ذلك النشاط حتى بعد صلاة الظهر، وتناول الجميع طعام الغداء قبل ذلك. في الثالثة والنصف بدأ تجهيزات الحركة، استعدت سيارة حقاني ومعها سيارتان للحرس مع قافلة كبيرة من سيارات(بيك آب) تحمل مجاهدين و كومندانات وذخائر. كان المنظر مهيباً، وخرج حقاني ومعه أخواه خليل وإبراهيم .عدد من أبنائه الصغار خرجوا لتوديعه، وعلى باب البيت وقفت أمه العجوز وهي تمسك بيدها مسبحتها الطويلة وتتمتم بالدعاء وتجمع الأطفال الصغار من بين السيارات وتدفعهم إلى داخل البيت وهي تؤنبهم بشدة، بينما بعض الأطفال  يحاولون التعلق بالسيارات والذهاب مع آبائهم إلى الجبهة، فاضطرت الجدة العجوز إلى الإمساك بعصا طويلة ومطاردة الصغار وساعدها بعض الحرس في إبعادهم عن عجلات السيارات.

وعندما بدأت السيارات في الحركة رفعت الجدة يديها إلى السماء واستغرقت بالدعاء وقد اغروقت عيناها بالدموع.(كان ذلك من أكثر المواقف الإنسانية تأثيراً والتي شاهدتها في أفغانستان . وقد كتبت عنه بشيء من بالتفصيل).

نقاط الميليشيا على الطريق لا توقف الموكب سوى لثوان معدودة، فالسيارة في المقدمة تتولى شرح الموقف وتقديم المستندات والتصاريح اللازمة، إلى جانب بعض الأموال بطبيعة الحال.

بعد أن عبرنا المركز الحدودي الأخير في غلام خان توقفنا إلى جانب جدول الماء للوضوءوالصلاة، ثم استأنفنا المسير في الوادي المتعرج بين الجبال.

 أوقفتنا غارات الطيران مرتين، مرة غارة بالطائرات النفاثة وأخرى بالقاذفات المروحية الثقيلة. استغرقنا في الطريق وقتاً أكثر من اللازم ولكن وصلنا، بحمد الله، سالمين ودخلنا إلى مسجد معسكر خليل لنلحق بالمصلين في صلاة المغرب خلف مولوي نظام الدين، نائب حقاني.

وبعد الصلاة اجتمعنا في المغارة العليا، وقدم نظام الدين تقريراً عن أحوال الجبهة لهذا اليوم المشمس. فلم يكن غير ضربات الطيران المستمرة منذ الصباح ولكن لاخسائر في الأرواح، ثم حدثه حقاني عن اجتماع خلدن وتحرك المجاهدين صوب لوجار.

صلينا العشاء في مسجد المعسكر، وهناك قضيت الليل البارد فوق الأرضية الأسمنتية، وفي أمثال تلك الأيام المزدحمة يكون الفوز بغطاء هو من علامات رضاء الوالدين ودعواتهما الصالحة. وقد فزت بغطاء، فحمدت الله كثيراً.

 

الأربعاء 14 فبراير 90 :

استيقظنا على أذان الفجر. في خارج المسجد كانت الأرض عبارة عن بساط من الثلج المتجمد من الصعب حفظ التوازن فوقه. ثم توضأنا بماء الجدول المثلج فاحمرت الوجوه والأطراف وانبعث فينا النشاط نتيجة الرجفات المتوالية التي اجتاحت أبداننا. بعد الصلاة صعدنا للقاء حقاني في المغارة العليا، فحملت أمتعتي وصعدت الطريق المتعرج الصاعد إلى المغارة.

كان الجليد مازال منبسطاً على الطريق الصخري الضيق وفجأة حصلت على ما أسميه (سقطة كاملة) وهي تحدث عندما يجد الإنسان قدمه التي وضعها فوق الأرض قد ارتفعت فجأة إلى أعلى من مستوى الرأس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى انبساط الظهر بالكامل فوق الأرض، وما يصحب ذلك من صوت الارتطام الذي قد و ربما، يصحبه صوت تأوه مع أصوات ضحكات ممن رأى المشهد المثير،  اعتدلت تم واصلت المسيرة عندما تأكدت أن أياً منعظامي لم يصبه العطب.

كان النهار مشرقاً وذلك في الجبهات نذير شؤم وشر مستطير من غارات الطيران. أفطرنا مع الشيخ حقاني شاياً بالحليب، مشروبنا القوِمي، وعسل نحل من جبال زدران المباركة. وصل خبر من عبد العزيز في مركز اللاسلكي والترصد والقيادة، فقال بأن صاروخي سكود سقطا على منطقة دير ملك ولكن أحداً من المجاهدين لم يصب بأذى. وكذلك استهدف الطيران نفس المنطقة بعدة غارات لم تسفر هي الأخرى عن خسائر.

كانت بداية ساخنة جداً لنهار مازال في ساعته الأولى. هناك ساحة مواجهة لغرفة مبيت حقاني التي هي مغارة صغيرة ملحق بها في نهايتها مخزن صغير ذو باب حديدي مثل أبواب الزنازين، وهذه الزنزانه تستخدم كمخزن للأشياء الهامة جداً، وهي متصلة بواسطة باب صغير بمغارة الضيوف.

في الساحة التي غمرتها أشعة الشمس، وجدت صديقي العزيز مولوي عبدالحليم جالساً مسنداً برأسه إلى الحائط الصخري خلفه، ماداً ساقه الخشبية أمامه، وعلى وجهه ابتسامته الطيبة التي لاتكاد تفارقه في كل الظروف. يذكرني ذلك الشيخ الطيب بجبل تورغار، ومآسيه، فهناك فقد ساقه اليمنى وهو يحاول انتشال شاب عربي يدعى(أبو الدراء) استشهد وسط الألغام بعد محاولة لم تكلل بالنجاح لاقتحام الجبل العنيد.

حاول الشيخ أن ينهض لمعانقتي، ولكنني منعته وعانقته وهو جالس وقبلته فوق رأسه. ولم يلبث أن اجتمع عدد كبير من قيادات الجبهة في الساحة الضيقة وقد توسطهم الشيخ حقاني وإلى جانبه مولوي نظام الدين، والشيخ عبد الحليم. كان الحديث عاماً عن المعارك مع التوصيات بالثبات والجهاد، ولم يتطرق الحديث إلى تفاصيل المعارك الوشيكة.  انصرف التجمع وبدأت لقاءات ثنائية بين حقاني وعـدد من الكومندانات الكبار.

وصلت طائرة استطلاع مروحية على ارتفاع شاهق فوق منطقتنا  وأعقبتها غارات جوية عنيفة على المنطقة من مركز خليل وحتى منطقة تورغار، واستمر ذلك الهم حتى غروب الشمس. تناولنا طعام العشاء في المسجد، وقد وصل ضيفان جديدان من العرب أحدهما أبو محمـدالسوري ، من جماعته أبو الحارث، وبرفقتهشاب سعودي أراه لأول مرة.

 

حقاني: تمايزت الصفوف

الخميس 15 فبراير 90 :

شعرت بسعادة بالغة وأنا أسمع صوت مؤذن المعسكر وهو ينادي لصلاة الفجر فذلك يعني بالنسبة لي انتهاء ليلة من المعاناة وانتظار انتهاء الليل. فالمكان يحاكي في برودته مغارة في القطب الشمالي.

اقترح أبو الحارث أن نصعد إلى مغارة الشيخ لإلقاء التحية، واحتساء كوب من الشاي بالحليب لرفع المعنويات. رافقنا في الرحلة أبو محمد السوري وضيفه السعودي، وعالم من سوهات في باكستان. علمنا من الشيخ حقاني أن المعارك وشيكة، وعلى ما يبدو أن العدو كان يعلم بذلك، وقد بدأ بضربات إجهاضية بالطيران والصواريخ منذ يومين، وقد تقرر أن يغادر أبو الحارث وأبو محمد السوري وضيفه السعودي إلى مركز الدكتور نصرت الله في بـوري خيل (مدخل وادي باري من جهة خوست).

أما الشيخ حقاني والعالم السوهاتي، والعبد الفقير إلى الله فوجهتهم ” جبـل الترصـد”، أي مركز حقاني وقت العمليات، وقبل أن نشرع في التحرك وجه لي حقاني حديثاً بشكل مفاجئ، وشعرت أنه يعاني من ضيق داخلي شديد وهو ينفجر قائلاً: خلال اليومين الماضيين قـالت الإذاعات أشياء كثيرة، منها أن القوة الحكومية قد وصلت إلى جرديز، أما راديو كابول وهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) فقد قالوا بأن روسيا وأمريكا قد اتفقتا على قطع المعونـات عن نجيب  والمجاهدين، بينما روسيا ترسل في الواقع مئتين وخمسين مليون دولار شهرياً لحكومة نجيب، واستطرد قائلاً بأن هدف الغرب هو إرغام المجاهدين على القبـول بنجـيب رئيساً للبلاد.

وأضاف حقاني قائلاً: لقد اتصل بي زعماء الأحزاب لاسلكياً طالبين مني الذهاب إلى بشاور للاجتماع بهم اليوم، فما هي الفائدة الآن من تلك الاجتماعات؟ وهل نوقف المعركة من أجل إجتماعات لا فائدة فيها

إن المصاريف التي أنفقوها على إنشاء مقارهم في بشاور تكفي الجهاد لمدة عامين، أما السلاح الذي في مخازنهم فيكفي لسنوات، إذا لم يستخدموه الآن، فمتى يستخدموه؟ ولماذا يخزنوه؟

فعند سياف مثلاً 45 ألف بندقية مازالت في الشحم،وفي ظني أنهم  سيستخدمون هـذا السلاح لرشوة القبائل في الانتخابات التي ينادون بها. لماذا لايحضر هؤلاء إلى خوست حتى نتفق على تصعيد القتال في كل أفغانستان؟

إن الذي شجع أمريكا وروسيا على تثبيت نجيب في الرئاسة هو توقف الجهاد في أكثر مناطق أفغانستان، مع وجود حكومه ضعيفة للمجاهدين في باكستان.

إن زوجة جيلاني قالت لإذاعة ( بي بي سي) لقد تعبنا من القتال والدماء، ونريد لشعبنا أن يستريح .أنظر الآن إلى الشيوعيين الذين خدموا الشيوعية لمدة عشرين سنة وإلى الضباط الذين حصلوا على الرتب ليس في مقابل العلم والتدريب ولكن في مقابل قتل المسلمين، وهتك كل الشرائع، كل هؤلاء يقولون عنهم  “مسلمون طيبون” حتى يشاركوا في الحكم القادم للبلاد.

وهنا سأله الشاب السعودي الجديد: ما قولك في اقتراح حكمتيار أن يحدث انقلاب في الجيش يساند حكمتيار في أن يكون رئيساً للبلاد؟

أجاب الشيخ بحده قائلاً: أقسم بالله أقاتله كما أقاتل الشيوعيين، طالما أنه رئيس وحوله هؤلاءالضباط الذين قتلوا المسلمين لمدة عشرين عاماً. إن هذا ليس إلا وصولاً للحكم بأي وسيلة ولو بمساعدة الشيوعيين، مثلما حدث مع داود الذي أحاط به الشيوعيون وعاونوه ثم قتلوه بعد ذلك قلت للشيخ حقاني: لاحل إلا استمرار المعركة مهما كان الأمر وبإذن الله سوف تفتح خوست وعندها سوف تتغير أمور كثيرة.

فرد الشيخ بهدوء وتأثر:هذا صحيح، والظروف الآن عادت كما كانت في بداية الجهاد، وكما كانت في صدر الإسلام، فتمايزت الصفوف ولم يبق في الجهاد سوى المخلصين.

ثم أخبرنا حقاني عن تزايد عمليات فرار الجنود في الأيام العشرة الأخيرة، وكان أعجبها فرار 15 جندياً إلى مركز (حنيف شاه) هؤلاء الجنود لم يفروا بل قاتلوا بعنف حتى يتركوا مواقعهم.

فقتلوا رؤسائهم من الضباط، كما قتلوا الميليشيات التي في المواقع، فقتل من هؤلاء الجنود أربعة أفراد وجرح أربعة آخرون، والعجيب أنهم سحبوا معهم جثث زملائهم، حتى يدفنوها في(مقابر المسلمين)باعتبارهم شهداء، كان حماسهم واندفاعهم للجهاد لايقل بحال عن حماس المجاهدين في الجبهات.

صعدنا إلى جبل الترصد تاركين حقاني في مركز خليل يواصل مقابلاته مع القادة، والإشراف على تموين المراكز المتقدمة بالطعام والذخيرة.

في الثالثه والنصف عصراً أصاب المجاهدون بقذائف المدفعية المخزن الرئيسي للبترول في المدينة فاشتعل وتصاعد منه عمود أسود من الدخان الكثيف واستمر ذلك لمدة ساعة.

غارات الطيران كثيرة جداً، ولكنها غير دقيقه فلم يُبَلِّغ أحد عن وقوع خسائر لديه، أكـثر الغارات تركزت حول جبل تورغار ومنطقة باري ثم ليجاه.

(باري منطقة إسناد للمهاجمين في تورغار. وليجاه تساند مجاهدي الغرب في إسماعيل خيل ودير ملك). بعد العصر هبطت طائرة نقل عسكرية في المطار ولم يكن أحد من رجال المدفعية في الانتظار، وصاح عبد العزيز منادياً(باتشا دينا) مسئول المدفعية في جماعة الكوتشي، ولكنه لم يرد، وبعد صياح وهرج ومرج ضرب أحدهم قذيفة على مدرج المطار فتحركت الطائرة بعد أن قضت 15 دقيقة أنهت فيها عملها. أزعجني الحادث كثيراً فقد كنت مهتماً بالمطار أكثر من أي شيء آخر، وهو اهتمام تاريخي كما ذكرت.

وتأكد لي من هذا الحادث وأشباهه ضرورة تخصيص قطع مدفعية للمطار، تكون جاهزة للعمل على مدار الساعة، ولاتشتبك مع أي هدف آخر حتي لا تترك(فجوة زمنية)ممكن أن يتسلل منها الطيران ويهبط إلى المطار،  وهذا ما فعلناه بعد ذلك بعدة أشهر.

في الليل وبينما كنت أجهز فراش النوم، وصلت سيارة من مركز خليل واستدعاني سائقها لأن حقاني يطلبني، فنزلت معه.هناك كان صحفي بريطاني على وشك إجراء مقابلة مع حقاني، ولم يكن هناك من يستطيع الترجمه غيري. كان الصحفي شاب نحيف يرتدي الثياب الأفغانية له وجهه جامد كأنه منحوت من الحجر الجيري، لايحمل أي تعابير أو مشاعر. كان اسمه(تيم) ويعمل للإذاعة البريطانية، ولإحدى المجلات الأمريكية.

المهم في اللقاء أن الأسئلة التي وجهها (تيم) كانت تعبيرا عن النظرة الجديدة في الغـرب إزاء أفغانستان.

فكان اهتمامه كبيراً بما يحدث في خوست وكونها، ومدينة جرديز، هما المكانان الوحيدان اللذان يشهدان حرباً حقيقة بينما هدأت باقي البلاد.

 

 هل تكفي إمكانات حقاني لفتح خوست؟

ثم يركز عن إمكانات حقاني وهل تكفي لفتح خوست، واستعداده لوقف القتال إذا تمت تسوية بين الحكومة المؤقتة وحكومة نجيب، وفي الأخير ركز بشدة على موضوع زراعة وتجارة المخدرات في أفغانستان، وهو باب فتحه الغرب واسعاً للتشنيع على المجاهدين ثم سأله عن رأيه فيما قاله مولوي (نسيم آخونزاده) القائد القوي في هلمند بأنه سيزرع المخدرات في مناطقه حتى يتمكن من الاستمرار في الجهاد بعد أن توقفت المساعدات الخارجية.

(وهي التصريحات التي أدت إلى اغتيال نسيم أخونزاده بأوامرمن الولايات المتحدة وبتواطؤ من باكستان بل ومن التنظيم التابع له أخوانزاده ).

كانوا في الغرب علي علم بأن معارك خوست، إذا كتب لها النجاح ، فإنها ستغير حتماً من مصير البلاد سياسياً، وأن حقاني هو مصدر خطر لتقرير المصير علي الأرض بقوة السلاح، لذا تعددت محاولات اغتياله في باكستان.

وفي ظني أن حاجة باكستان الأمنية لبقاء حقاني ،نظراً للخطورة الفائقة لولاية باكتيا على استقرار وأمن الأقليم الحدودي الباكستاني، تلك الحاجة الباكستانية كانت أكبر من الحاجة الأمريكية في التخلص من حقاني. لذا تعاونت باكستان بتردد في محاولات الإغتيال القليلة التي حدثت ضد حقاني ومنها تلك التي حدثت منذ أيام قليله قبل معركة تورغار .
قضيت الليلة في مركز خليل على أن نتحرك صباحاً نحو جبل الترصد والقياد، برفقة حقاني وأيضاً الصحفي البريطاني(تيم).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 25

 

 




حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 24

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (24)

معارك جبل تورغار
– تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة. لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر  مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية.

– ساد الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك جهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

– انفجر الصاروخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول حقاني إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد .

– هل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم

 منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الأحد : 14 يناير 1990 ــ  16 جماد الثاني 1410هـ .

في رحلتنا إلى باري رافقنا الصديق عثمان الصعيدي، وهو شاب شهم فارع الطــول قضى سنوات عديدة في جهاد أفغانستان.

كان مركز القيادة مزدحماً، فقد توجهنا إلى (جبل الترصد) وهو جبل مرتفع على الحافة الجنوبيه الغربية لوادي خوست، يتخذه حقاني كموقع للقيادة في بعض الأوقات . وأقام فيه  مركزاً ثابتاً للاتصالات اللاسلكية، ومنه يتم التصنت على مكالمات العدو اللاسلكية في المدينة، وعلى مكالمات الطيارين أيضاً. وكان ذلك عملاً عظيم النفع، استفدنا منه في عمليتنا ضــد المطار بعد ذلك بعدة أشهر. ومن ناحية صحفية أيضاً كان ذلك المركز مصدراً فريـداً  للمعلومات خاصة التفاصيل الدقيقة لمحادثات صانعي القرار. وكان مسئولا اللاسلكي في الموقع هما “عبد العزيز” وهو ضابط سابق قوي البنية، هادئ  ولامع الذكاء. والآخر “فضل” وهو شاب من المجاهدين يتمتع بنفس مزايا صاحبه فيما عدا قوته الجسمانية، ولكنه يعوض ذلك بسعة الحيلة والدهاء.

كلاهما قدم خدمات جليلة للمجاهدين ثم لنا أيضاً أثناء عملية المطار. وفي الواقع فإن زياراتي للجبهة واحتكاكي القريب بالعمل هناك خلال الأشهر السبعة الأولى  من هذا العام أفادني بشكل كبير جداً في فهم أسلوب عمل المجاهدين وتفكير قياداتهم، خاصة حقاني، والإمكانات المتوفره لديهم. وأن أفهم بشكل أدق أسلوب وإمكانات العدو.

وقد مكني ذلك من كتابة عدد من الدراسات العسكرية حول تلك الموضوعات، كما أفادني في ترتيب وقيادة عمليتنا الأولى ضد المطار، ثم عمليتنا التالية أثناء فتح المدينــة في العام التالي (1991).

قص علينا عبد العزيز أحداث جيدة حدثت ليلة الأمس (بعد نكسات تورغار وإسماعيل خيل). قصف أحد مدافع المجاهدين مدرج المطار فأصاب طائرة كانت قد هبطت للتو فاشتعلت بـها النيران. وكان في الجو طائرتي نقل تحاولان الهبوط وشاهدتا الحدث، فطلبت منهما القيـادة الأرضية في المدينة الهبوط لنقل طاقم الطائرة المحترقة إلى كابل. فرد أحد الطيارين بأنه لا يمتلك أوامر بالهبوط كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بلا حماية كافية. ولكن الطيار الآخــر هبط بطائرته ولم يكد يفعل حتى أصابته قذيفة هو الآخر، فاستنجدت القيادة الأرضية بالطيـارالثالث أن يهبط، فرد قائلاً: آسف لن أهبط . وكان آخر ما التقطه عبد العزيز هو قول القيادة الأرضية: سنحاول إصلاح الطائرة. في الرابعة عصراً جاءني حاجي إبراهيم راكضاً وهو يقول بلهفة إحضر فوراً هناك طائـرة سوف تهبط في المطار، كنت جالساً مع عثمان نراقب المدينة بالمنظار، ونتحدث في أمورشتي.

جرينا صوب عبد العزيز الذي كان يتابع المحادثات اللاسلكية بين الطيار والمدينة، بينما إبراهيم يترجم لنا. كانت طائرة عسكرية قد أصابها عطب وطلب الطيار إذناً بأن يقفز منـها بالمظلة، ولكن قيادة المدينة طلبت منه الهبوط في المطار. ويبدو أن تردد الطيار كان راجعاً إلي خوفه من مدفعية المجاهدين، ولكنه هبط أخيراً مستعيناً بمظلة خلفية لتهدئة سرعة الطائرة فوق المدرج. أخذ عبد العزيز يستنجد برامي المدفع “محمد بوستان الكوتشي” الذي أصاب طائرتين بالأمس فوق المدرج.ولكن ذلك استغرق وقتاً، وكم كان مثيراً عندما أخذت عده أجهزة لاسلكي تصيح بالرامي (بوستان) كي يقصف الطائرة الواقفة في منتصف المدرج تماماً.كانت شامخة قوية بعكس  طائرات النقل، التي تعود المجاهدين ضربها في المطار.كانت قاصفة مقاتلة مـن طراز(سوخوي ـ 7) وهو طراز قديم. بعد فترة انتظار مثيرة، وكان بوستان قد أغلق مخابرته فذهب إليه بعض المجاهدين لتنبيهه إلى ما يحدث على مدرج المطار، فبدأ العمل بينما عبد العزيز يصحح له الرمايات. وقد سقطـت عدة قذائف على مسافة غير بعيدة ولكن الطيار تحرك إلى أقصى الطرف الشرقي من المدرج ثم اتجه قليلاً إلى الشمال حتى صار آمناً من قذائف (بوستان). بعد ذلك سرت إشاعة بأن سبب إتلاف الطائرة هو يعود إلى صاروخان “ستنجر” أطلقا عليـها دفعة واحدة فأصابها أحدهما. ولكن آخرون نفوا ذلك وعزوا ما حدث للطائرة بأنه عطـل فني، وذلك ما تأكدت منه بعد أكثر من عام بعد فتح المدينة وقد شاهدت الطائرة بنفسي وتفحصـتها وركبت في مقعد السائق، وكان جسم الطائرة مصاب ببعض الشظايا الصغيرة ، في الغالب من نتائج رمايات بوستان التي سقطت قريبة منها.

– وبعد الفتح تسببت تلك الطائرة في مصرع واحد من مجاهدي الكوتشي (البدو)، فقد انحشر إثنان منهما في قمرة القيادة وأخذا يعبثان في كل ما تصل اليه أيديهم من أشياء وفجأة انطلق مقعد السائق عالياً في السماء ومعه المجاهدان الفضوليان، وعند ارتطامهما بالأرض مـرة أخرى قتل أحدهما فوراً وأصيب الآخر إصابات بليغة. أما صاحبنا الكوتشي البطل (محمد بوستان) فقد أجريت معه حديثاً لمجلتنــا “منبع الجهاد” واكتشفت أنه من جماعة صديقنا القديم، الشهيد عبد المنان، وكان بوستان شاباً ، برغم شاربه الكث، غاية في الحياء والتواضع بعكس ما يوحي به مظهره من خشونة وقوة بأس. وقد استشهد رحمه الله بعد ذلك بعدة أشهر نتيجة رمايات مدفعية العدو، وذلك قرب مدخــل (بوري خيل).

ومازلت مندهشاً لتلك البراعة الكبيرة من جانب البدو الأفغان في اتقان العمل على المدفعيـة وصواريخ ستنجر رغم عدم تلقيهم لأي تعليم كان.  أثناء الليل أيقظنا الحرس من غرفتنا فوق الجبل كي يسوقون لنا البشري بأن طائرة نقل للعدو حاولت الهبوط في المطار فأصيبت بنيران المدفعية واحترقت وقتل من فيها. وبذا يكون عدد الطائرات المصابة خلال 24 ساعة هو أربع طائرات منها واحدة سوخوي. وفي تلك الليالي المقمرة والصافية يكثف العدو محاولاته لإنزال طائرات النقل في المطار، وفي الواقع إنه لا يواجه نفس المقاومة العنيفة دائماً لذا فعنده احتمال للربح مع المجازفة. وقد ربح أحياناً كثيرة عندما كان يختار الوقت المناسب على حين غرة من المجاهدين وكان ذلك غالباً في الوقـت الواقع ما بين العاشرة ليلاً والصباح الباكر، وقد أفادتني تلك الملاحظات كثيراً فيما بعد.

 

 

الإثنين 15 يناير 1990 ـ17 جمادي الثاني 1410 هـ : 

وصل إلى معسكر القيادة في باري، والمسمى مركز خليل، وصل عدد من الجنود الفارين.

أحدهم كان فوق جبل تورغار، وأفاد بأن نتيجة قصف المجاهدين للجبل أمس قتل 9 أشخاص من بينهم 5 من الميليشيات وثلاثة من الضباط كما جرح تسعة آخرون. وهناك 6 جثث متناثرة على سفح الجبل لجنود الحكومة منهم فرد من الميليشيا ثيابه بيضاء لم تتمكن الحكومة من سحبهم.

– والذين يرتدون الثياب البيضاء من الميليشيات هم من سكان خوست والقبائل المحيطة بها ممن لهم عائلات بالمدنية. والثياب البيضاء تعني المباهاة والشجاعة والاستقرار في المنطقة، بعكس حالة الجندي الغريب القذر الخائف. ومن أخبار الأمس التي وصلتنا اليوم هو استشهاد أربعة مجاهدين في منطقة باري نتيجة لقنبلة طائرة سقطت فوق مغارتهم فانهارت عليهم.

– وقد مررت على تلك المغارة فيما بعد ولم تكن سوى حفرة واسعة في جرف ترابي غــير متماسك وقد سقطت القنبلة على سقفها مباشرة، وكان يمكن أن تنهار حتى بدون ذلك. و كنت مهتماً بالمغارات التي يحفرها المجاهدون من الناحية الهندسية ومن الناحية العسكرية، وقد  كان للمغارات دور رئيسي في عمليتنا ضد المطار، كما سنرى لاحقاً. وكما وفرت المغارات دفاعاً هاماً للغاية ضد غارات الطيران والقصف الصاروخي، فإن شبكة الطرق التي بناها المجاهدون في الجبال أكسبتهم مرونة كبيرة في الحركة ويسرت كثـيراًعمليات الإمداد والتموين لمقاتليهم.

في الصباح استطعنا الجلوس مع الشيخ حقاني، فقال إن المعارك قد بدأت منذ شهر ونصف (أي من ديسمبر الماضي) ولكنها اشتدت كثيراً في الأسبوع الأخير، وأنه من الأفضل لي أن أبقى حتى تنتهي المعارك. أما عن المجلة فسوف نطبعها في لاهور. ثم أخبرني أن اليوم سوف تبدأ معارك بهدف قطع الطريق بين خوست وجاجي ميدان في نقطتين لمنع عمليات التهريب القادم من باكستان. عدنا إلى نقطة الترصد، فشاهدنا نيراناً تنبعث من جبال جهة الشمال في مقابلنا، أخبرنــا عبد العزيز أن المجاهدين قد استولوا على عدة مراكز عسكرية “بوسـطات” في (ماشـغور) وأن الطيران تلقي أوامر بقصفها ولكنه اعتذر بأن هناك أمطار والرؤية غير واضحة. وأن الطيران تلقي أمراً بقصف الطريق بين لوجار وجرديز لتمهيد الطريـق لقوة عسكرية كي تمـر إلى جرديز. في الساعة الثانية والنصف ظهراً سقط إثنان من صواريخ سكود، واحدة خلف جبل تورغـار”حيث تتوقع الحكومة وجود تحشدات للمجاهدين هناك”، والأخرى طرف نـادر شـاه كوت، الأتربة والدخان المتصاعد من انفجار تلك الصواريخ يكون مهيباً ويرتفع في الجو مئات الأمتار في شكل عش الغراب كما يحدث في الانفجار النووي، كما أن فرقعات انفجارها هي الأضخم بين باقي القنابل والصواريخ. * أخبار أخرى من ماشغور، فالقتال الذي بدأ في السابعة صباحاً انتهى ظهراً بالاستيلاء على ثلاثة بوسطات، ومديرية (مركز إداري لمنطقة قروية) وأخذوا غنائم كثيرة جـداً من بينـها دبابتين، وقد أسروا جميع الجنود الذين فر منهم أربعة فقط. الحكومة قالت أنها خسرت كل الأسلحة التي في المواقع، وأنها استردت المواقع مرة أخـرى فيما بعد عدا المديرية، ولكن المجاهدين قالوا أنهم في كل المواقع التي أخذوها.

كانت قمة ماشغور هي الأعلى جهة الشمال كما هو جبل تورغار في الجنوب والمسافة بينهما من 30 إلى 35 كيلومتر في خط مستقيم يمر بمركز المدينة وسقوطه مع سقوط تورغار يعني كماشـة ضخمة من فكين في الشمال والجنوب، وهو مالم يحدت على أية حال حتى سقوط المدينة. وكتبت في مذكرتي وقتها إنه بسقوط ماشغور، وعند نجاح عمليات اليوم لقطع طريق التهريب من جاجي ميدان، وإذا سقُط تورغار يكون 70% من مهام فتح المدينة قد تم إنجازه .

لم أكن أعلم أن هناك عملية قريبة ضد تورغار بهدف الاستيلاء عليه، وكنا من وقت لآخـر نسمع صوت إطلاق نار كثيفة فوق تورغار وكنت أفسره بأنه نتيجة خوف الجنود وتوترهم، لكن الأغلب أنهم شاهدوا تحركات مريبة قريباً منهم فقد كان المجاهدون قبل كل هجوم يعملون خفية في نزع الألغام التي زرعتها قوات الحكومة وفتح طريق لهجماتهم القادمة. اليوم أيضاً التقط عبدالعزيز مخابرة من توغار إلى قيادة المدينة يهدّدهم فيها بالتسليم إذا لم تصله الإمدادات، فالأعصاب إذن متوترة، والإمدادات قليلة والإداريات مرتبكة، فهل حانـت ساعة السقوط؟. في الخامسة والنصف (عند الغروب) حدث اشتباك من مسافة قريبة فوق تورغار استخدمت فيه البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة وصواريخ RBG هل هو هجوم حقيقي، أم عملية جس نبض يقوم بها المجاهدون؟ أم هو تحرك سريع من جانبهم بعد أن التقطوا رسالة تورغار إلى المدينة ويهدد فيها بالتسليم؟ وقبل أن أحصل على الإجابة سقط صاروخ سكود فيما بين جبل تورغار وجبل زرمانكي الواقع إلى غربه، وهو منطقة تجمع فعلية للمجاهدين، وتكثر فيها المغارات، وهناك مركز صديقنا”أبو الحارث”. واستخدام الحكومة لصواريخ سكود يعني أنها تواجه أزمة حقيقية. ولكن الخوف وتوتر الأعصاب يجعل بعض الأحداث العادية تظهر كأنها خطر حقيقي. لذا كان بعض استخدامهم لتلك الصواريخ  حمقاً وسفهاً. ولكن في أحيان أخرى كانت دقــة تصويبهم تثير الإعجاب. فعلى سبيل المثال فقد أصابوا مركز خليل في مدخل الشعب الضيق المؤدي إليه ثلاث مرات على الأقل بفارق أمتار قليلة في كل مرة ، تصادف في معظمها أن كان حقاني قد دخل لتوه إلى المعسكر !! فوجدت في العسير أن أفترض أنها مصادفة، ومن العسير أيضاً التشكيك في قدرتهم على الإصابه الدقيقة للغاية بتلك الصواريخ.

وما زالت أشك في أنهم  استخدموا ، أحياناً ، صواريخ موجهة مثل صواريخ كروز الأمريكية  وأن الأقمار الصناعية قامت بدور ما في الرصد والتوجيه.

 

الثلاثاء 16 يناير 1990 :

الاستيقاظ لصلاة الفجر في هذا الشتاء البارد وفوق هذا الجبل المرتفع تجربة صعبة، ولكنها لاتخلوا من جمال، خاصة إذا كان الجو غائماً والسحاب منخفض بحيث يضع الجبل ومن فيـه وسط غلالة رقيقة ساحرة الجمال من الأبخره الباردة المبللة. وتزداد النشوة بإمكانية التحرك الحر فوق الجبل فالعدو لن يرانا وبالتالي لاقصف ولا يحزنون. كنا في غرفة ضيقة مزدحمة بالفرش والأشخاص مع بخاري متهالك للتدفئة. الغرفة كلها تقريباً غائصة في بطن الجبل قريباً من خط الأفق. قطع الخشب المخصصة للبخاري تشغل حيزاً ملموساً من الغرفة، وبينه وبين السقف تعيش مجموعة من الفئران الصغيرة المـرحة، التي تقضي معظم ليلها في كر وفر بين النائمين بالغرفة. الزملاء في الغرفة تفرقوا مبكراً، وبقيت مع حاجي إبراهيم وعثمان الصعيدي لتناول إفطارالصباح المكون من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وابتسم لنا الحظ بأن وجدنا بعض السكر عند عبد العزيز فتم لنا الاستمتاع بشاي الصباح الساخن في جو الصباح المتجمد.

صعدت مع عثمان لنلقي نظرة على المطار، كانت الطائرة السوخوي بلونها الفضي تقف قرب الأشجار في الطرف الشرقي في المطار، أما في الطرف الغربي فقد أحصيت سبعة طائرات مصابة ومحطمة، جميعها من طراز(AN-32) ذات المروحتين وبألوان عسكرية مبرقشه.

كتبت في مذكرتي بعدها: (بحيرة بجع بائس هذا هو مطار خوست بطائراته المحطمة). الجو مشرق أحياناً، والرمايات المدفعية متقطعة، حتى الحادية عشر صباحاً لم يظهر طيران العدو.

إذاعة كابول أذاعت اليوم بأن الإصلاح جاري في الطائرة السوخوي المعطلة في مطار خوست، وأنها مصابه بحوالي 23 شظية واحده منها في خزان الوقود. أبلغ عبد العزيز النبأ للمجاهد (محمد بوستان) الكوتشي الذي شرع في القصف مرة أخرى محاولاً إصابة الطائرة السوخوي. في نفس الوقت ظهر عمود من الدخان الأسود الكثيف تصاعد إلى الأعلى لمسافة كبيرة جداً، وكان ذلك من جهة الشرق، ربما بسبب عمليات إغلاق طريق جاجي ميدان. مرة أخرى تبادل إطلاق نار فوق ظهر تورغار في الساعة الثانية والنصف ظهراً ثم نقل إلينا عبد العزيز الخبر التالي: في الساعة الثالثة من صباح اليوم هاجم مجاهدي المنطقة الشمالية جبال ماشغور واستولوا على ثمان مواقع عسكرية ومواقع إدارية ومقر عسكري في ( باتشا زاده ) وأسروا عددا  كبيرا من الجنود وخمسة من أفراد الميليشيات، وتفاصيل الغنائم كثيرة جداً. وفقد المجاهدون سته شهداء واثني عشر جريحاً .وصلتنا صحيفة باكستانية، التي نقلت عن مصادر حكومية في كابل قولها :

{ أن رئيس الدائرة السياسية في وزارة الداخلية، الميجر جنرال أسد الله بيام يقوم بزيارة لمدينة خوست التي هي أسخن نقطه في البلاد الآن، وأنها تتعرض للهجوم الثاني عليها، فالهجوم الذي بدأ الخميس الماضي قد استؤنف يوم الإثنين وأن المجاهدين قد تكبدوا في تلك الهجمات 585 قتيلاً وجريحاً !! } .

ولم يتطرق المسئول الشيوعي إلى ذكر إصابة الطائرة السوخوي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

الأربعاء 17 يناير 1990م :

الجو غائم ممطر طول الليل، وهكذا استقبلنا الصباح، إضافة إلى مفاجأة أخرى وهي أن السيارة التي تحمل الطعام إلى المركز لن تحضر لكونها معطلة. وهكذا لن نفطر وربما لن نتناول طعام الغداء أيضاً. لم يمنعنا ذلك من الاستمتاع بهذا الصباح المنعش، وبمتعة التجول فوق الجبل بدون الخشية من أن يكتشفنا العدو فنحن وهم لانكاد نرى لأبعد من أمتار قليلة، نتيجة السحب التي تلف المنطقة كلها. وكأن الجبال هي التي أصبحت تمر بين السحاب المثقل بقطرات الماء.

ونحن مازلنا أمام البخاري طلباً للتدفئة جاءنا حاجي إبراهيم بخبر غريب لكنه سار ومجهول المصدر، يقول الخبر أن الحداد أعلن في خوست لمدة ثلاثة أيام لمصرع ميجر جنرال عجب خان مزاري قائد (لواء سرحدي) والذي ظل يقاتل في المنطقة منذ ست سنوات، وأن 15 شخصاً آخر قد قتلوا معه والتفاصيل غير معلومة. لقد أدهشني ليس خبر مقتل عجب مزاري بل أدهشني أنه مازال حياً ويعمل في خوست أيضاً، لقد كان قائداً للحامية الحكومية فوق تورغار في وقت أن كنا نعمل في باري في أيامنا القديمة وحتى إستشهاد عبد الرحمن.

 

 

تورغار.. المحاولة الثانية

الخميس 18 يناير 1990 م :

بدأ الصباح بارداً كثيف السحب، وهذه بدورها تثاقلت حتى صارت تجر نفسها جراً فوق الجبال فضعفت الرؤية كثيراً.  المطر يتساقط ضعيفاً منعشاً لكنه كاف لتكوين أوحال تعرقل الحركة في الأماكن الترابية، ولكن الأسوأ هو أن ترتوي الملابس من ذلك المطر وفي مثل ذلك الطقس البارد مع شيء من الهواء يمكن أن يسقط المرء صريع الرجفة. ليس ذلك لمن يجلس مثلنا في هذا الصباح داخل الغرفة إلى جوار البخاري الذي احمرت أوداجه بالأخشاب المشتعلة داخله، ولكن بالنسبة للرجال الذين يتحركون الآن في ذلك الصباح المبكر من أجل الاستيلاء على أهم موقع عسكري في معركة خوست كلها: جبل تورغار.

همس لنا عبد العزيز أن اليوم يبدأ الهجوم على تورغار، استبشرت بالخبر واعتبرت أن طقس اليوم مناسباً تماماً لذلك العمل.  فطائرات العدو الأكثر إزعاجاً لن نسمع اليوم صوتها القبيح، والمجاهدون يمكنهم التقرب إلى بعد أمتار قليلة من خطوط العدو فوق الجبل قبل أن يكتشف تواجدهم. في الثامنة صباحاً بدأ المجاهدون قصفهم المدفعي ضد تورغار، ومدفعيات العدو في الوادي تقصف مواقع المجاهدين على غير هدى. الساعة الثامنة والنصف صعد الشيخ حقاني إلينا في نقطة الترصد وأخذ موقعه إلى جانب عبد العزيز ومساعده فضل وقد نصبوا عدداً من أجهزة اللاسلكي الكبيرة، وقد غطوها وغطوا أنفسهم بأغطية بلاستيكية، فرذاذ المطر ينهمر باستمرار.  حقاني وعدد من مساعديه يستخدمون عدداً من أجهزة اللاسلكي الصغيرة للاتصـال بالوحدات المختلفة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة . لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية. وكانت ضد القلعة الحكومية في مدخل وادي ليجاه.

تسلحيه الشخصي يومها كان عبارة عن كلاكوف، وكان سلاحاً لا يحمله إلا الروس فقط ، وقد غنمه أثناء المعارك، وكان يحمل دوماً قاذف RBG، لمقاومة طائرات الهيلوكبتر.

ومازلت أذكره يوم دب الزعر والفوضى في معسكرنا بين شعاب ليجاه نتيجة ركوب الهيلوكبتر لموقعنا فقد صعد فوق الجبل القريب يتبعه حارسه الشخصي (علي جان) كي يطلق صواريخ RBG على الطائرات. كان الثبات تحت هجمات الهيلوكبتر أمراً عسير المنال وقتها، فقد كان لها تأثيراً كبيراً ورهبة، فلم يكن الناس قد تعودوا التعامل معها أو نجحوا في مقاومتها رغم وجود صواريخ (سام) بأعداد قليلة وقتها. لذا كان همّ حقاني وقتهــا بث الشجاعة والثبات في الرجال وتحطيم هيبة الهيلوكبتر ومقارعتها بالصواريخ  وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

في ذلك الوقت في ليجاه لم يكن في الموقع كله أي جهاز لاسلكي صغيراً كان أم كبيراً. وأيضاً معركة جاور كانت أحد أوجه ضعف المجاهدين فيها عدم وجود اتصالات لاسلكية بين المجموعات المختلفة.

ما أراها الآن شبكة اتصالات رائعة لها قدرة على ربط جميع الوحدات ببعضها وبالقيادة، وأيضاً القدرة على التصنت على اتصالات العدو الأرضية والجوية. كان الزحام شديداً في نقطه الترصد  والقيادة . فبالإضافة إلى الحرس الشخصي للشيخ حقاني ، هناك مجموعة أخرى مع سيارة خاصة لتنفيذ بعض المهام التي قد يكلفون بتنفيذها مثل متابعة أمر هام مفاجئ، أو إيصال بعض الأوامر بشكل مباشر بدون نشرها على الملأ في أجهزة المخابرة.

وزاد الزحام تطفل مجموعتنا (الصحفية) التي رافقني فيها عثمان الصعيدي وحاجي إبراهيم، وقد أخذنا نسجل معظم الاتصالات اللاسلكية. وكذلك فعلنا في عدد من المعارك التالية، ومازلت أحتفظ بتلك التسجيلات التي ربما صارت (تاريخية).

في فترة هدوء نسبي قال لي الشيخ: الرؤية غير جيدة بالنسبة للأسلحة الثقيلة والدبابات، ولكن الجو الممطر والضباب مفيد للمهاجمين فوق الجبل. كانت الملاحظة في محلها تماماً بل أن استمرار هذا الطقس قد حرم المهاجمين على الجبل من مساعدة الأسلحة الثقيلة، فكان عليهم أن يتعاملوا بمفردهم مع تحصينات قوية جداً لعدو مسلح حتى أذنيه، ومتفوق عددياً على المهاجمين، وتلك كانت مأساة ذلك اليوم الذي تمنيت أن يكون يوم الفتح.

الساعة 9.30 صباحاً الضباب يزداد كثافة والمطر مستمر، فهدأت الرمايات القليلة فوجدت فرصة لاستئناف الحديث مع حقاني، فسألته عن تأثير الاستيلاء على تورغار في مجرى معارك خوست فرد قائلاً:

هذا الجبل بالنسبة لهم مثل العين، يرصد تحركاتنا، ويوجه المدافع والطائرات ويضرب مواقعنا، فإذا أخذناه زال كل ذلك فيمكننا تقديم مدافعنا إلى الأمام وتحديد مواقعهم حول المطار وضربها، كما أن الرعب سوف يصبهم إذا استولينا على تورغار، فمن كثرة دعايتهم حوله وتبجحهم بإمكان صد المجاهدين عنه، جعل الناس عندهم من عسكريين ومدنيين يشعرون أن تواجدهم وحياتهم معلقة بهذا الجبل. ثم سألته عن سبب فشل عملية إسماعيل خيل الأسبوع الماضي  فذكر ثلاثة أسباب هي:

1ـ  عدم قيام الأحزاب المشاركة في العملية بالمهمام الموكلة لها.

2 ـ استشهاد وجرح قادة المجموعات الأربع التي تقوم بالهجوم. 

3 ـ انسحاب الدبابات (وكان عددها ثمانية) بدون أوامر، إثر إصابة قادة الهجوم.

وقال حقاني: إن الطائرات قد استخدمت مؤخراً قنابل ثقيلة جداً سقطت إحداها قرب دبابة فغطتها النيران.

وعن مصير عجب مزاري قال إن الأخبار غير مؤكدة ولكن مصادرنا في خوست تؤكد أنه قتل ولكن الحكومة تتكتم الأمر، كما أن مواقع ماشغور مازالت في أيدي المجاهدين.

قال حقاني بأن المجاهدين يتقدمون الآن في الطرف الغربي بجبل تورغار، بينما تقوم دبابة خليل في الوادي بقصف تحصينات العدو على تلك الحافة، ولكن العدو استفاد هو أيضاً من الظروف الجوية، ودفع بتعزيزات جديدة نحو الجبل، رغم كمائننا المتقدمة التي التفت  إلى خلف الجبل من جانبه الغربي وتقدمت إلى مسافة معينة، فلم تستطع تلك الكمائن أن تشاهد تعزيزات العدو أو تتصدى لها.

في الساعة العاشرة والخمسين دقيقه سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بعد عشر دقائق قرب جبل تورغار، ولكن لا إصابات، ولكن تكهرب الجو وساد التوتر عنـدما انقطعــت الاتصالات مع خليل (أخو حقاني) ودبابته في عمق الوادي الذي يقصـف بهـا من الخلف تحصينات تورغار، لذا كانت دبابة خليل تحت نيران كثيفة قاتلة.

الساعة 12.45: في غرفة عبد العزيز الضيقة شبه المظلمة جلسنا مع حقاني لتناول طعام الغداء، وكان قلقاً للغاية على أخيه خليل، لذا قطع تناول الطعام كي يتابع محاولة الاتصال.

الساعة 12.45 بدأت معركة بالرشاشات فوق سفح الجبل، الرمايات كثيـفة جـداً نسمعـها بوضوح. يقع مركزنا على بعد 4 كيلومتر غرب تورغار وإلى الجنوب قليلاً منه. للمجاهدين دبابه أخرى الآن تقصف، تحصينات الحافة الغربية بجبل تورغار ولكن من موقع على جبل زورمانكي الواقع غرب تورغار ومن إحدى هضابه منخفضة الارتفاع.

أثناء صعود المجاهدين نحو القمة يكون جزء من الطريق مكشوفاً لمدفعية العدو في الوادي، وقد ركز العدو رمايته على ذلك الجزء ولكن المجاهدين كانوا قد تجاوزوه والعدو غير منتبه نتيجة الغيوم والضباب الذي يلف الجبل وما حوله.

الزاحفون نحو القمة يشكون من رماية رشاش ثقيل لدى العدو ( زيكوياك) وأنه أوقف زحفهم ويطالبون من (فيروز) التدخل وإسكاته.

فأجابهم خليل بصوته، لقد بذلت غاية جهدي ورميت عليه كثيراً، فتقدموا أنتم وأسكتوه. كان المتكلم من فوق الجبل هو الدكتور نصرت الله قائد كتيبة سلمان الفارسي وهو يتحرك بساق واحدة منذ سنوات بعدما فقد الأخرى في أحد المعارك.

كان نصرت الله قد وصل إلى نقطة الذروة، فالباقي هو قفزة واحدة وأخيرة يكون بعدها مع  رجاله في خنادق الخط الأول للعدو والتي تحيط بقمة الجبل مثل السوار المحكم، وفي طرف الجبل تلك القمة المحصنة الرهيبة الشبيهة بغرفة ضخمة تخرج منها فوهات قاتلة لرشاشات ثقيلة، وقاذفات قنابل يدوية من النوع الشهير باسم (نارينجاك)، وهو سلاح غاية الفعالية في مثل تلك المواقف التي نشاهدها الآن، وكان ينقص المهاجمين امتلاك سلاح رائع من ذلك النوع.

تواصل الحوار لفترة بين نصرت الله (وفيروز) حتى بدأت رماية الرشاشات فوق الجبل تخفت فعمت الجميع مسحة من الحزن والألم. لقد وصل المهاجمون فوق الجبل إلى نهاية مغلق ولا يتسطيعون أداء قفزتهم الأخيرة التي لا تتعدى أمتار قليلة لا تزيد عن عشرة أمتار ولكنها تفصل بين النجاح والفشل، بين النصر والهزيمة ، بين فتح خوست في نهاية الأمر، أو البقاء في حلقة مفرغة قد تؤدي إلى هاوية لمسيرة جهاد استمر لأكثر من اثني عشر عاماً.

ساد نوع من الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك بجهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

وتكلم الشيخ بنبرة هادئة قوية فذكرهم بالله والاعتماد عليه وحده وعدم التعلق بالأسباب لأن النصر هو من عند الله وليس بالأسباب الظاهرية، وطالبهم بالإطمئنان إلى وعد الله والتوكل عليه.

وقال إنه لا بد من الاستمرار وإنهاء العمل هذا اليوم الذي قد لا نجد مثله فيما بعد فلا طائرات ولا مدافع تعمل ضدنا، ثم طلب من أفراد جميع المواقع أن يصلوا ركعتين لله ثم يدعــوه أن ينصر المجاهدين.

أنهى حقاني كلمته وتوجه إلى الصلاة وكذلك فعل كل من في الموقع ثم انهمـك الجميـع في الدعاء وأحياناً في البكاء.

الساعة 3.12 المجاهدون فوق الجبل يبدأون إطلاقاً شديداً للنيران الرشاشة مع قذائف مضادة للدروع . رشاش (زيكوياك) لدى العدو يصمت فجأة وأيضاً ينقطع الأتصال اللاسلكي مع المهاجمين تصورت وقتها أن الاقتحام قد تم وأنها الآن دقائق عصيبة فوق الجبل حيث لا وقت لأن يتحدث أحد مع أحد بغير زخات الرصاص.

المجاهدون يقصفون مراكز العدو في شيخ أمير لمنعه من التفكير في مهاجمة دبابة خليل من الخلف، وهو ما كان يخشاه حقاني ولأجل ذلك بث كمائن متقدمة للدفاع. حدث انفجار ضخم في مواقع العدو في شيخ أمير وحقاني يصيح مشجعاً المجاهدين ويبشرهم بالنصر.

عاد الاتصال اللاسلكي مع المهاجمين فوق الجبل وقالوا بأن عشرة من جنود العدو قد فروا إلى جانب المجاهدين فأمر حقاني بإرسالهم إلى الخلف. و فجأة تظهر طائرات الهيلوكبتر وتقصف وابلاً من الصواريخ على الحافة الغربيــة لجبـل تورغار حيث تتوقع وجود المجاهدين، فالرؤية مازلت متعذرة بسبب السحب والضبــاب ، هيلوكبتر آخر تأتي على ارتفاع منخفض من فوق مراكز العدو في شيخ أمير في أتجاه دبابة خليل، وتبدو أنها محاولة لتدمير الدبابة، لكن كمائن المجاهدين المتقدمة واجهتها بقذائف RPG فولت الطائرة بسرعة كبيرة وعلى ارتفاع منخفض للغاية، وهكذا تفعل طائرات الهيلوكبتر لتفادي الصواريخ المضادة للطائرات ولكنها بذلك تعرض نفسها لنيران الرشاشات والقذائف المضاده للدروع فيمكن إسقاطها إذا كان هناك أفراد يقظون وعلى استعداد للاشتباك. راجمات الصواريخ المعادية من طراز BM-41 تقصف مواقع المجاهدين حول تورغار.

– الساعة 3.56 رشاشات العدو الثقيلة والخفيفة فوق الجبل ترمي بلا انقطاع وجعلني ذلك متشككاً في أن الاقتحام لم يتم أو أنه فشل. كان الموقف غير واضح بالنسبة لي، فسألت الشيخ حقاني عن الموقف فوق الجبل فأخبرني بأن مقاومة العدو شديدة جداً.

سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بفاصل ثوانِي قليلة، وعادت الهيلوكبتر تقصف الحافة الغربية لتورغار بوحشية بالغة.

– الساعة 4.45: صاروخ سكود آخر تلته غارة عنيفة بالهيلوكبتر، كأنها تستغل حالة الاضطراب التي تعقب إنفجار صاروخ سكود كي تنفذ مهمتها بأمان أكثر. الرشاشات الثقيلة فوق الجبل مازالت تعمل باتصال، وكذلك بنادق الكلاشنكوف.

– الساعة 5: الهيلوكبتر تواصل غاراتها، وربما تهبط خلف الجبل من جهـة المدينـة كي تنـقل الجرحى والقتلى. أصبح الجو مظلماً وجاء الخبر بأن الهجوم قد توقف، وأن هناك شهداء لم يذكر عددهم.

– الساعة 5.25: فوق تورغار إطلاق نار متواصل بجميع الأسلحة في حفل ابتهاج بفشل الهجوم عليهم، ونجاحهم مرة أخرى في الصمود أمام هجمات المجاهدين. لاشك أن ذلك يرفع معنويات العدو في خوست وكابل ويؤكد لهم قدرة النظام على الإمساك بالمــدن الهامة، وبالتالي يدعم الطرح الدولي بإقامة حكومة (شيوعية إسلامية) في كابل كي تخدم السوفييت وأمريكا معاً.

كتبت في مذكرتي تلك الكلمات: (يبدو أن العملية تحتاج إلى يوم آخر على الأقل ) مع إجراء بعض التعديلات مثل إعادة توزيع الدبابات لقصف مراكز العدو المتحصنة فوق الجبل، والطقس عامل هام، واستمراره ليوم آخر، بنفس الحال، سيكون معجزة لصالح المجاهدين. سألت حقاني عن استئناف الهجوم في الغد فأجاب قائلاً:( لاأعلم هل نستأنف الهجوم غداً أم بعد أيام ولابد أن نغير في الطريقة ونهجم من أكثر من طريق بعد أن نرفع الألغام، وأن نستخدم هاونات عيار120مليمتر لضرب مرابض الرشاشات الثقيلة، سوف نعيد النظر في البرنامج ).

بعد الغروب جلس الشيخ حقاني معنا في غرفة عبد العزيز لبعض الوقت وطلب مني النزول إلى مركز خليل لأن الجو هنا بارد. وبالفعل تجمعنا هناك في مغارة الضيافة وكانت دافئة،  وبعد العشاء بدأ أفراد وقادة ممن شاركوا في الهجوم يتوافدون لمقابلة حقاني وتقديم التقارير إليه. كان منهم من أصحابنا القدماء مولوي (أليف جول) والكومندان (شيرين جمال) الذي ظهر عليه الإرهاق وقد علته الأتربة حتى تغيرت ملامحه وقد أحضر معه جثث الشهداء وعددهم ثلاثة، مع أربعة من الجرحى منهم عربي واحد.

قال شيرين جمال بأن بعض أفراد العدو ظلوا يطلقون على المجاهدين نيران الرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف RPG، فلم يستطع المجاهدين إتمام الاقتحام.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الجمعة 9 يناير 1990 م :

قضينا الليلة في غرفة أسفل الجبل، وفي الصباح صلينا الفجر خلف الشيخ نظام الدين. وجود البخاري في المسجد لم يفد في جعله دافئاً فالهواء المثلج يتسلل من الشقوق الواسعة في النوافذ التي أغلقت بكل ما تيسر من أقمشة وقطع بالاستيكية وأحجار.

ولإظهار نوع من الفخامة صنعت أرضية المسجد من الأسمنت، ولكنها في شتاء مثل هذا تصبح بارده مثل الجليد، حتي أن أكثرنا قد خلع رداءه (البتو) من فوق كتفيه ووضعه على الأرض تحت قدميه أثناء الصلاة حتى لا تتجمد أصابعه.

مصطفى اليمني وعدد من أفراد مجموعته التقوا بالشيخ حقاني صباحاً. ملامح البرنامج الجديد ذكرها لي حقاني عند لقائي معه فقال:

1ـ سنفتح طريق جديد للتقدم على تورغار وننظفها من الألغام.

2ـ ننوي مواصلة الضغط وعدم إعطاء العدو فرصة لالتقاط الأنفاس.

3ـ سنبدأ عمليات هجومية في ظروف يومين أو ثلاثه.

 قبل الظهر مرت طائرة فوق المركز ورمته بصاروخ جاء إلى الخلف قليلاً، ثم وصل (خليل الرحمن) ومعه أربعة أسرى من جنود الحكومة فجلست معهم وأخذت منهم بعض المعلومات عن أوضاع المدينة، سأذكر بعض ما ورد فيها بعد قليل.

جاء أبو الحارث وبعض الشباب من مجموعته فجلست معه حتى صلاة العصر نتحدث في معركة الأمس والبرامج المقبلة.

ثم صعدت على الجبل الذي يعلو المغارات ومشيت عليه منفرداً، أتذكر العالم القديم لأيامنا الذهبيه في تلك المنطقة. كان مركز خليل الذي هو الآن قلب المنطقة النابض، مجرد شعب مجهول ومهمل وقد تستخدمه إحدى المجموعات لأيام قليلة ثم تزهد فيه. وعلى بعد كيلومتر واحد جنوباً يوجد مركز منان الذي كان فيما مضى هو مركز الحيوية والقوة في كل جنوب خوست وجبالها. وعلى بعد عدة أمتار شمالاً كانت تقف فيما مضى إحدى الدبابات التي حطمها منان ورجاله في هجوم 1985 الذي وصلت فيه القوات الحكومية إلى مركز منان لأول وآخر مرة في طول مدة الحرب. وهذه الحفر البيضاء في سفح الجبـــل المواجه لنا شمالاً هي قنابل  مازلت أذكر متى ولماذا ضربتنا بها الطائرات عام 1987.

نظرت جهة مركز منان لأطالع الطريق المار بقربه قادماً من غلام خان، وأتذكر المشاهد الماضية وكنت غارقاً في تلك الذكريات الجميلة، ولا أعي كثيراً مما حولي. في تلك اللحظة، ظهرت أمام عيني كرة ضخمة من النيران الصفراء والحمراء، ثم دخان أسود يحيط بكرة اللهب، ثم يصعد ذلك كله بسرعة هائلة إلى الأعلى، بينما يتسع إلى الجانبين أيضاً بشكل كبير، كل ذلك وأنا لا أكاد أعي ماذا يحدث أمامي، وفجأة وصلني صوت انفجار رهيب ترددت أصداؤه بين الجبال والوديان، تحركت غريزياً وبلا وعي فجلست بسرعة خلف صخرة قريبة.

أفقت من تخيلاتي ومن دهشتي، وعادت حواسي إلى العمل، لقد كان ما رأيته هو صاروخ سكود لحظة ارتطامه بالأرض، وكان الصاروخ نزل على الطريق الذي تسلكه سيارات المجاهدين أو قريباً منه جداً.

وتذكرت أنني سمعت(علي جان) يتحدث على المخابرة وهو واقف إلى جانب سيارة حقاني المتأهب للرحيل ويخبر من على الطرف الآخر بأنهم على وشك الحركة، وأن شخصاً جاء راكضاً وتكلم عدة دقائق مع حقاني الجالس داخل سيارته، ثم انطلقت السيارة نحو ميرانشاه، وداخلني ما يشبه اليقين بأن تلك الدقائق كانت الفاصل بين الحياة والموت وأن حقاني كان هو المقصود بذلك الصارخ، إنه حادث طبق الأصل لما حدث في يوم الأحد 1/10/89 وقد سجلته في مذكرتي ورجعت إليه الآن وكان التطابق مدهشاً. إذن هما حادثان من نفس النوع وبنفس الطريقة، وهناك حادث ثالث عندما انفجر صاروخ سكود أيضاً في لحظة دخول حقاني إلى معسكر خليل عندما دخلت خلفه كرة من النيران والأحجار والدخان والأتربه لقد انفجر الصاوخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول الرجل إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث ، أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد أو متشابه.

وطرحت على نفسي عدة أسئلة محيرة ليس لها إلا إجابات لاتقل عجباً عن الحدث نفسه. فمثلاً:

كيف تتم مراقبه حقاني؟ هل يتم ذلك بمراقبة جهاز اللاسلكي الخاص به؟ أم هناك مركز تجسس في المنطقة يتابع حركة سيارته، أم هناك شخصاً في المجموعة القريبة منه يرســل معلومات مباشرة وفورية عن حركته؟..إلخ.

وأسئلة أخرى عن دقة إصابة صاروخ سكود. والمشهور عنه أنه غير دقيق ويستخدم فقط ضد الأهداف الكبيرة الثابتة. ولكن عدداً لا بأس به من الرمايات كانت في دقة غير عادية، وتم ذلك مرات متكررة بما ينفي عنصر المصادفة.

فهل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات، بل شاهدنا منذ وقت قريب قصفاً جوياً على موقع المجاهدين قرب (شيخ أمير) قال الطيار أنه إستخدم فيه صواريخ موجهة، وقد التقــط عبد العزيز المخابرة.

ومن الثابت أن السوفييت بعد انسحابهم أبقوا على نوع من المشاركة النوعية في الحـرب، بعضها من داخل أفغانستان نفسها بواسطة عدة آلاف من الخبراء خاصة في شئون الصواريخ والطيران. وأشركوا طائرات من أحدث الأنواع التي مازالت في طور التجربة. وقد أعلنوا عن ذلك عند عرض طائراتهم الحديثه في أحد معارض الطيران في دبي في التسعينات.

وأظن أن بعض الغارات بالقنابل العنقودية، والتي شاهدتها في وادي خوست عامي 1990،1991 عند فتح المدينة قامت بها قاذفات استراتيجية روسية نظراً للحمولة غير العادية التي رمتهـا تـلك الطائرات بحيث غطت الغارة الواحده أكثر من 15 كيلومتر متواصلة من القنابل العنقودية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)




مجلة الصمود الإسلامية | العدد ١٧٤ | ذو الحجة ١٤٤١ھ - أغسطس ٢٠٢٠م

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

– الجهاد هو إستفاء بالدم من أجل البقاء . ولا شراكة فى الحكم مع من خانوا وباعوا وقاتلوا إلى جانب المحتل وناصروه.

– بإقتراب الإنتصار وحسم المعركة، قفزت المصطلحات الملغومة ، ومناورات سياسية لتثبيت حكومة “التثليث” التى تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق ، ضمن نظام مظهره إسلامى ، ولكنه غربى يهودى فى حقيقة أعماله.

– إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخا من أى حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية.

فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة . كما أنه ليس من صلاحية أى مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

تمر بالشعوب فترات تخوض فيها صراعًا ضد تهديد خارجي يهدد البقاء المادي للشعب ويهدد معتقداته وممتلكاته وثقافته. فتكون لحظة قرار مصيري ـ نكون أو لا نكون ـ فإما أن يحافظ الشعب على كيانه المادي والمعنوي أو يستسلم لعبودية الأجنبي، يفرض عليه ما يشاء، ويقرر مصير الأجيال الحالية والمستقبلية.

تعَرَّضَ شعب أفغانستان أكثر من مرة عبر تاريخه لهذه المحنة . إذ هاجمته قوى عظمى للاستيلاء على بلاده ولاستعباده ومسخ ثقافته باستنساخ ثقافة المستعمر وإزاحة التراث الديني والأخلاقي.

النتيجة معروفة .. زالت الأمبراطوريات المعتدية، وبقي الأفغان أحرارًا في بلادهم أعزاء بدينهم حتى اكتسبت أفغانستان لقب مقبرة الغزاة . والآن في تجربة البقاء أمام الغزو الأمريكي الأوروبي، تواجه الولايات المتحدة أسوأ موقف في تاريخها سواء على المستوى الدولي أو المستوى الداخلي الممزق والموشك على الانفجار.

آن أوان ألا تبقى أفغانستان مجرد (مقبرة للغزاة) بل أن تصبح منارة للحضارة الإسلامية في آسيا والعالم . دولة متطورة وحديثة وقوية. وليست مجرد حاجز بين قوى استعمارية كبرى متصارعة ـ بل رابط اقتصادي وثقافي بين شعوب آسيا، وأملا للمسلمين في آسيا والعالم.

 

 الاستفتاء بالجهاد ..  استفتاء بقاء :

 عملية الصراع من أجل البقاء الذي تخوضها الشعوب، تحمل في طياتها عملية استفتاء على نظام الحكم الذي تريده والقيادات التي تختارها.

وعندما يتكلل الصراع بالنجاح، وينتصر الشعب بكفاحه على أعدائه تكون عملية الاختيار قد حُسِمَت لصالح خيار الشعب الذي قاتل تحت راية قيادة منتصرة، وشعارات تمثل أهدافًا عليا.

لهذا فإن الجهة التي تقود كفاح شعبها ضد المستعمر هي التي تتولي مسئولية الحكم، وتقيم على أرض الواقع النظام الذي نادى به الشعب في الحياة السياسية وبناء الدولة والاقتصاد. وقبل ذلك يقوي معتقدات الشعب ويرسخها ويطهر الحياة الثقافية من السموم التي بثها الاستعمار في مظاهرالحياة الاجتماعية والتعليم خلال فترة الاحتلال.

لم يحدث في تاريخ المعارك المفصلية الناجحة، أن استدعى الشعب أعداءه لمشاركته في الحكم، أو إملاء تصوراتهم على الدولة الجديدة، سواء في نظمها السياسية أو الاقتصادية، أو مجالها الاعتقادي والثقافي.

فتلك حماقة لا يتصورها عاقل. وهو أقرب إلى القول القرآني { كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا } . فبعد هزيمة المستعمر، يأتي أحمق لكي يستدعي أعوان الاحتلال للمشاركة في الحكم، ووضع تصوراتهم ومطالبهم ـ التي هي مطالب المستعمر ـ على قدم المساواة مع مطالب من جاهدوا وقدموا أغلى التضحيات في الأرواح والأموال.

فأثناء فترة الجهاد لا يضع المحتل”جميع” سكان البلد في كفة واحدة . فهناك فئة باعت نفسها ودينها واشترت مصالحها الدنيوية وعملت في خدمة المحتل، وهناك فئة أخرى قبضت على الجمر وجاهدت في سبيل الله، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من عاش الانتصار.

والجهة التي قادت شعبها نحو الانتصار (وهي الإمارة الإسلامية في حالة أفغانستان) لا تعامل “الجميع”على قدم المساواة، من جاهد منهم وضحى، في كفة واحدة مع من خان وباع كل شيء في مقابل المال والمنصب.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

المشاغبة .. باستفتاء الإلهاء :

بعد هزيمة الجيش السوفيتي الأحمر في أفغانستان، وترنح النظام الشيوعي في كابل ، سارعت الولايات المتحدة ومن خلفها المعسكر الغربي وأسراب من التوابع، بالمشاغبة على المجاهدين حتى لا يصلوا إلى حكم افغانستان منفردين، فتتاح لهم فرصة تطبيق شعاراتهم في فترة الجهاد، وخاصة بناء دولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة.

أمريكا وجبهة الأعداء طالبوا “باستفتاء عام” على نظام الحكم، الذي يريدونه مختلطاً بين “جميع المكونات الأفغانية “. أي بين المجاهدين و”الشيوعيين الطيبين” الذين لم يشاركوا في النظام الحاكم، ويضم أعوان الملك السابق، كما ويضم محايدين لا شأن لهم إلا أنفسهم. وهكذا يستوي الجميع ظاهريا ـ أي من جاهد مع من قاتل ضد الإسلام وضد الشعب. نظام حكم يستوي فيه من ضحى مع من هرب من ميدان المعركة وانشغل بأمور نفسه ومراكمة الأموال. يستوي فيه من قاتل في سبيل الله مع من قاتل في سبيل الكفر ولم يبالِ مع أي دين يمشي.

الغرب المنافق يعرض الظلم على هيئة إنصاف وعدل. إن تكريم المجرمين وإشراكهم في حكم البلاد والعباد هو ظلم كبير في حق المجاهدين وأبناء الشعب الذين صبروا وضحوا بكل شيء.

هذه ليست مساواة .. بل هي أشد أنواع الظلم.

 

التدخل الخارجي، وقطع الطريق علي المجاهدين :

في أعقاب الانتصار على الغزو السوفيتي، لم يتمكن المجاهدون من إقامة نظام الحكم الإسلامي الذي جاهدوا من أجله. ولذلك أسباب عديدة، أهمها التدخل الخارجي الذي فرَّق المجاهدين وجزأهم إلى أحزاب ضعيفة، وساند قادة فاسدين باعوا أنفسهم لقوى خارجية معادية للإسلام. لكن المجاهدين في الميدان رفضوا مبدأ تقاسم السلطة مع الشيوعيين، أو أطراف أخرى كانت خارج حلبة الجهاد ثم أقبلت عند الانتصار لانتهاز الفرصة وفي ظنهم أن النظام القادم سيصاحبه بناء طبقة جديدة من الأثرياء الناهبين لأقوات الشعب، والبائعين ضمائرهم لشيطان القوى الاستعمارية الغربية والشرقية.

وما أسماه الغرب “حكومة المجاهدين” التي دخلت كابول في أبريل 1992 لاستلام الحكم، قد شكلتها الأيدي الأجنبية، ورشاوي مالية كبيرة استلمها قادة الأحزاب، خاصة كبيرهم سياف، أمير الجهاد في أفغانستان حسب تصنيف أكبر الجماعات الإسلامية العربية.

الدول المعادية للإسلام تدخلت بأموالها ونفوذها السياسي، ورشاوي قدمتها لطبقة سياسية فاسدة تبيع نفسها مقابل أعلى سعر. وبهذه الوسائل تضيع نتائج الجهاد، وتذهب ثمار تضحيات المسلمين إلى أعدائهم، الذين إذا خرجوا من الباب، عادوا عبر مئات النوافذ التي فتحها المنافقون والمرتشون. فمن خان وباع وهرب من الميدان عاد شريكا في الحكم، ثم لم يلبث أن ينفرد به، بمعونة دول محتلة تدعمه، وتصفي منافسيه من المجاهدين .

تلك الطبقة السياسية الفاسدة التي دخلت إلى كابول في إبريل 1994 تحت اسم حكومة المجاهدين كانت في حقيقتها حكومة مشتركة على النمط التي أرادته الولايات المتحدة. ولم يلبث الشعب أن اكتشف الخدعة، فالحكومة الجديدة في كابول أخذت تمارس الفساد وتنشره في كامل البلد، وتشجع على اختلال الأمن وانتشار العصابات الكبيرة المسلحة، والتي ترفع كل منها علم أحد الأحزاب وترفع فوق مراكزها صور أحد الزعماء. فصار الفساد والإجرام والسلب والسرقة والعدوان على الأرواح والأعراض يتم تحت اسم نفس الأحزاب التي ادّعت أنها قادت الجهاد ضد السوفييت.

من الصعب تكرار نفس الأخطاء، لأن الظروف تغيّرت جذريا. وطول فترة جهاد امتدّت لحوالي 20 عامًا في ظل حصار للشعب والمجاهدين، وانقطاع أشكال الدعم جميعًا حتى ولو بالكلمة المنصفة.

الصمود والانتصار جاء بفضل الإيمان القوي بالله، والاعتماد الكامل على تضحيات الشعب ومساهماته بدماء شبابه وأموال الفقراء القليلة، ودعاء الضعفاء والمظلومين التي تفتح لها أبواب السماء . انتصر الجهاد إلى أن تصدعت الولايات المتحدة على أرض أفغانستان وفوق الأراضي الأمريكية نفسها. فقفزت إلى مقدمة الصفوف بنفس الخدع القديمة والمصطلحات الملغومة:

استفتاء ـ ديموقراطية ـ معونات غربية ـ حكم مشترك ـ حقوق المرأة ـ اعتراف دولي ـ شرعية دولية ـ منظمات دولية ـ قوائم سوداء ـ قوائم إرهاب ـ مقاطعة ـ عقوبات اقتصادية ـ تحالف استراتيجي مع دول الاحتلال ـ طلب العون والنفقة من المحتل السابق.

كل ذلك أنواع من المناورات لتمرير حكومة “التثليث” التي تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق. ضمن نظام حكم إسلامي المظهر /غربي يهودي / في حقيقة أعماله.

 

من يمتلك الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية

حقيقة الحكم هي الأساس وليس اسم النظام الحاكم . المهم أن يكون النظام إسلاميًا بالفعل، وليس فقط بالاسم . وأسوأ ما يمكن فعله هو تغيير طبيعة النظام الإسلامي مع الإبقاء على اسمه فقط . فإن في ذلك فتنة، وصد عن سبيل الله .

تغيير طبيعة النظام تأتي من رفع شعارات مخالفة لتطبيقات الحكم في الواقع. فالنظام الإسلامي يعني النظام العادل . فلا تمايز بالأعراق أو الألسنة، ولا استئثار بالثروة ، أو احتكار السلطة بتفاضل بين عناصر العصبيات الجاهلية للعرق أو اللغة أو المناطق . بينما الأفضلية في الحكم تكون للأعلم والأتقى والأسبق في التضحية والجهاد.

أهم واجبات النظام الإسلامي هي تطبيق العدالة بين الجميع، ومكافحة الفقر (لو كان الفقر رجلا لقتلته ــ من أقوال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه). وبالتالي من واجب الدولة الإسلامية قتل الفقر، لا قتل الحريات المشروعة، أو كبت التعبير عن الرأي الأصيل إذا كان مخالفاً للسلطة.

وتطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس ولو عند الحد الأدنى . وإلا فلا معنى لتطبيق أكثر الحدود الإسلامية في ظل الفقر المدقع أو المجاعات التي تشكل عذرًا مخففًا للعقوبات والحدود أو حتى مانعا لتنفيذها.

إذن تنمية الاقتصاد هي العمود الفقري لإقامة شرع الله بل هي جزء متلازم معه . فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر، ومكافحة احتكار الثروات، أو منع الزكاة، أو التواطؤ مع الكافرين لسرقة ثروات المسلمين تحت دعاوي كاذبة، مثل القول بأن المسلمين فقراء وفي حاجة لأن يعولهم الكافرين بمعوناتهم، في حين أن ثروات البلاد تصب في خزائن الكافرين أموالا طائلة لا حصر لها .

– نعود إلى من صاحب الحق في تعديل نظام الإمارة الإسلامية، أو إلغائه كما يتمنى الأمريكيون ومعهم سماسرة الاحتلال الأجنبي .

يمتلك ذلك الحق حصرًا القوى التي أقامته في البداية، وهي القوى التي جاهدت لإزاحة نظام البغي والفساد في كابول. جاهدت تحت قيادة الإمارة الإسلامية منذ عام 1994 إلى عام 1996 حتى أعيد فتح كابول وطرد المنافقين وبقايا المرتدين الذين عملوا داخل النظام .

يشاغب البعض بالتساؤل عن النظام القادم بعد هزيمة المحتل الأمريكي والأجنبي . وليس  ذلك التساؤل بريئًا ، لأن الإمارة الإسلامية هي من سيتولي سلطة الحكم، وشرعيتها قائمة على استفتاء شعبي بالدم استمر عقدين من الزمن مؤيدا لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الاستفتاء الحقيقي من أجل بقاء الأمة. وليس واحدًا من استفتاءات النفاق الغربي، للبيع والشراء وتسويق الفساد والفاسدين بقوة المال وأجهزة الدعاية والتأييد السياسي الدولي. أو ما يمكن تسميته باستفتاء الإلهاء أو مهرجان اللغو.

– القوى الجهادية التي أنشأت الإمارة الإسلامية ، وبعد 20عامًا من الجهاد، استشهد الكثير من قادتها، ومؤسس الإمارة الملا محمد عمر قد توفاه الله . ولكن انضم إلى ركب الجهاد ، تحت راية الإمارة بقيادتها المتجددة الآلاف من الشباب والخبراء والعلماء وطلاب العلم، ورؤساء القبائل والقوميات. هؤلاء يتشكل منهم النظام الإسلامي، وهم أصحاب الحق في إدخال أي تعديلات أو تطوير عليه، بحيث يصبح أكثر قدرة على تحقيق أهدافه في ظل واقع داخلي وخارجي جديد. الواقع تغير فيستلزم ذلك تغييرات في أساليب القيادة وفي تشكيل أجهزة الحكم ثم هناك تجربة الإمارة الإسلامية التي استمرت في الحكم خمس سنوات ، وظهر فيها العديد من نقاط القوة والعديد من الأخطاء ونقاط الضعف ـ فيلزم إدخال تطوير في عمل الإمارة بما يناسب النتائج المستخلصة من تجربة حكمها الماضية .

تلك القوى التي ستشكل نظام الإمارة ـ وتطويره بما يلزم، هي القوى التي جاهدت طوال عقدين من الزمن وانتصرت ـ بتأييد من الله ـ وبدعم من الشعب الذي قدم لها كل مايملك . وذلك هو الاستفتاء الحقيقي الذي يعقب الجهاد الصحيح .

أما تدليس أعداء الإسلام باستفتاء “الجميع” ، ويقصدون جميع العملاء والجواسيس والسماسرة، فذلك خداع غير مقبول. فالاستفتاء قد تم بالفعل خلال عشرين عامًا من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فهو خارج عن النظام القادم، ودوره هو البقاء تحت قوانين النظام الإسلامي، أو اللحاق بقوات الاحتلال ليقيم هناك مع الكفار والمنافقين، إن أراد ذلك.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

مؤسسوا الإمارة ..  ومجددوها :

تم إعلان الإمارة الإسلامية بعد فتح كابول في أكتوبر 1996 حين اجتمع أربعة آلاف من القادة الميدانيين والعلماء وشيوخ القبائل . لإعلان نظام الإمارة الإسلامية وتكليف الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان وقائدها بأن يتولى قيادة الإمارة تحت مسمى أمير المؤمنين .{ يومها قال رحمه الله، ما معناه ، إن اخترتوني فاعلموا أنني سأحكم بشريعة الإسلام على نفسي وعليكم . فإن لم يوافقكم ذلك خرجت من مجلسكم هذا وعلى كتفي الرداء ” الباتو” الذي دخلت به}.

   بعد تحرير كابول، وخروج الاحتلال الأمريكي وأعوانه، يحين الوقت لعقد تجمع مشابه لمجلس شورى عام، مثل ذلك الذي أسس لقيام الإمارة، يجتمع في مدينة أفغانية وليس أي مكان خارج أفغانستان، لتجديد البيعة لنظام الإمارة، ولزعيمها أمير المؤمنين. ويكون دخول الجميع إلى المؤتمر بمثل “الباتو” المتواضع الذي دخل به الملا محمد عمر إلى المؤتمر (وخرج به من الدنيا)، وليس بأرصدة بنكية أو دفاتر شيكات بالعملة الصعبة.

–   وإذا كانت هناك فكرة لإدخال تطويرات في نظام الإمارة، فإن لجان مختصة تقوم بتحديدها ثم إقرارها من مؤتمر الشورى العام ، الذي أقر نظام الإمارة واختار أمير المؤمنين .

أما في الوقت الحالي فذلك غير ممكن طالما الاحتلال العسكري مازال قائمًا، والنظام العميل مازال يحكم كابول . والمعركة لم تحسم بعد ولكنها على وشك الحسم. وطرح مشكلات في غير أوان حلها هي مشاغبات يقوم بها العدو وأعوانة لحرف المسيرة واستغفال الشعب ومجاهديه، ومنع الجهاد من الوصول إلي غاياته.

 

التفاوض مع ظل الشيطان :

حكومة كابول الحالية هي ظل لشيطان الاحتلال . ذلك الاحتلال تَعَهَد بالخروج من أفغانستان، وما عهدنا عليه إلا كذبا ـ ويشهد العالم كله عليه بمثل ما شهدنا.

–  وفكرة التفاوض مع ظل الشيطان القابع في القصر الجمهوري هي فكرة غير صائبة من أساسها. والسبب هو حقيقة أن “ظل الاحتلال” يرحل تلقائيا مع الاحتلال، ولا يحتاج إلي إعادة مفاوضات، بل إلى مجرد عملية تنظيف، مثل تلك التي قام بها المجاهدون لنظام كابل الشيوعي بعد رحيل الجيش الأحمر.

–  وخطأ آخر .. ليس مجرد القبول بتفاوض لا ضرورة له ، بل أن ضرره مؤكد، إذ يتم في ظل اختلال الموازين لصالح الحكومة العميلة.

فالتفاوض معركة مثل باقي معارك القتال، لموازين القوى فيها دور كبير. وبمفاوضة ظل الشيطان بينما الشيطان نفسه لم يرحل بعد ، تكون موازين القوى مختلة في صالح النظام العميل. فهو يمتلك الأجهزة المسلحة ومليارات الدولارات، وقوات كثيرة محلية وأجنبية تعمل لصالحة . فلا بد من استكمال طرد شيطان الاحتلال، وبعد ذلك لن يتبقى له ظل في كابول أو في كل أفغانستان.

–  كما أن الإعلان عن قبول فكرة الاستفتاء على نوع النظام الذي سيحكم أفغانستان يعتبر في هذه الظروف تنازلاً جوهريا لصالح نظام كابل “العميل”. فالأخطاء إذا تتابعت أوحت بأنها خطة قيد التنفيذ . فالعدو كان يرحل ولا يستدعي الأمر مفاوضته أو تقديم أي شيء له. ثم لم يكن مقبولا مفاوضة النظام على أي شيء ، من واقع أنه مجرد ظل للاحتلال وهي حقيقة أكدتها الإمارة على الدوام . ولكن الآن نسمع أن هناك من يتلهف على مفاوضة النظام بينما العدو مازال متواجدا ويسانده بكامل قواه، وكأن التفاوض الحقيقي حول نوعية النظام القادم يدور مع المحتل نفسه.

إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخًا من أي حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية، وبالتالي فهي مسألة تخص الشعب الأفغاني ومجاهديه وعلمائه، وليست موضوعا للتفاض أو التصرف من أي جهة كانت، سوى الجهة التي أسست الإمارة وهي الشعب الأفغاني وعلمائه ومجاهديه  حصرًا وتحديدًا. فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة  كما أنه ليس من صلاحية أي مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

إن التفاض وقت الحروب يكون “تفاوض بقاء” .. ومن الخطورة أن يكون مجرد “تفاوض إلهاء”.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء




داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

داعش فى أفغانستان .. جزء من الحرب الجديدة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

 

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

الولايات المتحدة لا تمنح سلاما لأحد، بل تصنع حروبا جديدة

 

الولايات المتحدة لا تمنح سلاماً لأحد، بل تمنح أنواعاً مستجدة من الحروب. إنها لا توقف حرباً أبدا، بل تستبدل حرباً بحرب ـ وغايتها من كل أنواع الحروب هو أخضاع الآخرين لأهدافها، بسرقة الثروات، ومحوالثقافات وتفريغ الدين من محتواه ـ وطمس هوية الشعوب، وإنهاء أى نزعة للإستقلال أو المقاومة.

وفى النهاية تريد أمريكا من عدوها الإستسلام التام لمشيئتها. فإن لم تخضعة بنوع من الحروب إستبدلته بأنواع أخرى إلى أن تحقق أهدافها.

ومنذ الإحتلال السوفيتى لأفغانستان، شنت الولايات المتحدة حروبها على الشعب الأفغانى، وتنقلت من أسلوب قتالى إلى أسلوب آخر.

1 ـ خلال الإحتلال السوفيتى كانت الإستراتيجية الأمريكية هى إخراج السوفييت من أفغانستان، مع مراعاة ألا ينتصر المجاهدون.

2 ـ فى فترة حكم مجددى وربانى كانت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية تناسب كثيرا مصالح الولايات المتحدة ـ فتركت الفوضى على سجيتها وأخذت تقوى مصالحها فى أفغانستان (تدفق كثيف ورخيص للأفيون، التمهيد للشركات النفطية فى أفغانستان، خاصة خط انابيب تابى لنقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى الهند لتجهيزها بأقتصاد أقوى ينافس الصين).

3 ـ ظهرت حركة طالبان فأربكت المشهد الأفغانى فى وجه الأمريكان. فى أهم ثلاث نقاط:

أ ـ تمكنت الإمارة من تحجيم الحرب الأهلية والسيطرة على معظم البلد.

ب ـ رفضت تمرير خط أنابيب تابى وفق الشروط الأمريكية التى تهضم حقوق الشعب الأفغانى، ورفض أمريكا تطبيق الشروط المعمول بها فى المشاريع المشابهة حول العالم.

ج ـ حظر زراعة الأفيون فى أفغانستان، وما يعنيه ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات كانت تصب فى بنوك الولايات المتحدة.

د ـ فشل “تحالف الشمال” فى تحدى الإمارة الإسلامية حتى أوشك على الإنتهاء عام 2001 حين تداركته الجيوش الأمريكية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

فلم يعد أمام أمريكا أى حل آخر سوى أن تتولى إخضاع أفغانستان بقواتها المسلحة

4 ـ فى بداية حكم أوباما عام2009 تأكد الجيش الأمريكى من إستحالة الإنتصار فى حرب أفغانستان، خاصة بعد عملية “الخنجر” ضد ولاية هلمند، والتى لم تحقق أهدافها، وقد كانت السهم الأخير فى الجعبة العسكرية ألأمريكية.

خلال فترتي حكم أوباما كان بلاده ممزقة بين عجز عن الإنتصار، وبين عدم القدرة على التخلى عن موارد أفيون أفغانستان. ومشكلة أخرى واجهته ولا تقل خطورة وهى إحتياج إسرائيل إلى بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان،

لأن إنسحابه منها قبل إستكمال سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية (الشرق الأوسط !!) سوف يؤدى حتما إلى سقوط مشروعها، ويشجع شعوب المنطقة على التمرد على السيادة الإسرائيلية. فبدأت إسرائيل تتدخل بشدة فى أفغانستان، وتقاتل إلى جانب الجيش الأمريكى. وتحديدا فى مجالات الحرب الجوية والإستخبارية، وخبرات إسرائيل فى مقاومة حروب التحرير فى فلسطين ولبنان والمنطقة العربية، وفرق الموت والقوات الخاصة.

5 ـ مع بداية حكمه جاء ترامب مشبعاً بفكرة خصخصة الحرب، أى جعلها من أعمال الشركات القتالية (المرتزقة).

ومقتنعا بالفكرة الإستعمارية ” لشركة الهند الشرقية ” فى القرن الثامن عشر، والتى أخضعت الهند وأداراتها لصالح بريطانيا، وحولتها إلى مزرعة عظمى للأفيون وصدرت المحصول إلى الصين. وفى حربين عنيفتين أجبرت الإمبراطور على فتح بلاده للأفيون البريطانى القادم من الهند، واستولت على موانئ وجزر صينية لصالح بريطانيا وصالح عصابات التهريب الدوليين.

تلك التجربة الإستعمارية لبريطانيا فى الهند كانت متطاقة مع تصور ترامب لدور بلاده فى أفغانستان. ومنذ ذلك الوقت تم إعتمادها كاستراتيجية أمريكية فى أفغانستان ـ فكان معناها عسكريا هى أن حرب أمريكا فى أفغانستان هى حرب جيوش المرتزقة.

وتعتبر ” داعش” أحد العناصر الرئيسية فى (حرب المرتزقة) المطبقة حاليا فى أفغانستان ـ ولكنها ليست الوحيدة فى ذلك المجال الواسع والخطير.

 

 

داعش جزء من سياسة “عرقنة” أفغانستان:

العراق هى نموذج للتخريب الذى يعمل الإحتلال الأمريكى على تطبيقه فى أفغانستان.

فبعد حرب جهادية ناجحة، تحولت العراق إلى مستنقع للفتن من الصعب الخروج منه. ليست فقط على أساس (سنى ـ شيعى)، بل وحتى (سنى /سنى) وعلى أسس عرقية (عرب ـ أكراد ـ تركمان…). والآن يجلس الإحتلال الأمريكى بقوات محدودة من قواته وقوات الحلفاء، فى وضع مريح فى العراق، ومنها يعيث فسادا فى كامل المنطقة، بينما يتقاتل العراقيون فيما بينهم. وقيادات محلية وسياسية معظمهم يؤيد بقاء الإحتلال لخشيتة من المنافسين الآخرين، حفاظا على مكاسبه المالية التى يجنيها من التعاون مع الإحتلال ومشاريعه الإقتصادية. وتلك صورة طبق الأصل لما يسعى إليه الأمريكيون فى أفغانسستان.

ومن أسباب نجاح أمريكا فى إدارة فتنة داعش فى العراق:

أ ـ أمراض أصابت القيادة الإسلامية: فهى إما غير موجوده أصلا. أو أنها ضعيفة لا وزن لها ـ أو أنها فاسدة أتلفها المال والانخراط فى اللعبة السياسية التى أتلفت معظم القيادات الإسلامية وغير الإسلامية، فتحولت إلى التنافس على المناصب والمكاسب، وتقبيل أحذية المستعمر.

ب ـ أمراض أصابت التنظيمات الجهادية نفسها: مع ضعف القيادة ـ وغياب تأثيرها ـ تفكك التنظيم وفقد تأثيره على الشعب. وتكاثرت فيه مراكز القوى حول قيادات صغيرة طامحة إلى المال والسلطة.

– يمكن القول أن الإستراتيجية الأمريكية هى”عرقنة” أفغانستان، أى تحويلها إلى عراق أخرى، بإستخدام أهم أدواتها فى العراق وهُمْ الدواعش.

 

 

حرب الإغتيالات وفرق الموت:

وهى امتداد طبيعى، وعميق الإرتباط بحرب الدرونز وحرب داعش، وحرب المرتزقة من شركات دولية ومحلية.
وتلك سياسة إستعمارية قديمة لإخضاع الشعوب، عن طريق إغتيال قياداتها.

صادفت تلك السياسة درجات متفاوته من النجاح والفشل، وهى مؤثرة فى جميع الحالات، ليس على النتائج النهائية للحرب، ولكن ربما تسببت فى إطالة أمدها وتأخير إنتصار المجاهدين فترة من الزمن.

ــ تقوم الطائرات بدون طيار ـ فى أفغانستان ـ بدور جوهرى فى حرب الإغتيالات ضد قادة المجاهدين وكوادر المتعاونين معهم.

ـ ويقوم المرتزقة ـ غالبا بدعم من طائرات “الدرونز” بعمليات إغتيال ضد القيادات، والكوادر الجهادية.

ـ للدواعش دورهم فى حرب الإغتيالات. وإن كانت معظم أعمالهم أقرب إلى نشاطات فرق الموت التى تبث الرعب الشديد فى نفوس المدنيين. كما تستهدف إشعال فتنة مذهبية أو عرقية لحرف مسيرة الجهاد فى إتجاه الحرب الأهلية. وهو ما نجحوا فيه كثيرا فى عدد من الدول العربية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

الحرب الإقتصادية:

حروب أمريكا تخدم إقتصادها فى نهاية الأمر. وبشكل أدق تخدم إقتصاد بنوك اليهود فى أمريكا، المصب النهائى لتدفق أموال تجارة المخدرات التى عمودها الفقرى أفيون أفغانستان.

ولأن الأفيون هدف إقتصادى أول. ونفط آسيا الوسطى (وأفغانستان) هدف إقتصادى ثان.

فإن مافيا المخدرات (الإسرائيلية / الأمريكية) وشركات النفط الكبرى هما الضاغط والممول للحرب الدائرة فى أفغانستان. وفى فترات الهدؤ العسكرى تتحرك خزائن المال العملاقة لتلك المؤسسات لدفع الرشاوى فى كل إتجاه لتأمين فترة إستقرار قادمة تتيح إزدهارا لأعمالها فى الأفيون والنفط.

– أما إذا تمكنت الإمارة الإسلامية من العودة منفرده لحكم أفغانستان ـ بدون شراكة مع المافيات الأمريكية السياسية ـ فإن الولايات المتحدة قد جهزت لها حقولا من الألغام الإقتصادية، تشل حركتها وتضمن عودتها مرغمة إلى السيطرة الأمريكية.

 

 

وكما فعلت أمريكا مع العديد من دول العالم ـ وحتى دول كبرى ـ

فإن أهم أسلحتها للدمار الإقتصادى الشامل هى:

أ ـ تحطيم العملة المحلية: عملة أفغانستان تحت تغطية الدولار الأمريكى، والدولار مستند فى قوته على تجارة الهيروين دوليا، وعلى تجارة النفط عالميا بالعملة الأمريكية. إذا سحبت أمريكا تغطيتها للعملة الأفغانية فسوف تنهار تلك العملة فى الحال. وقد تُغْرِق أمريكا السوق الأفغانى بمليارات من العملة المزيفة التى ستطيح بقدرة الشعب على الشراء نتيجة تضخم الأسعار.

ب ـ حصار إقتصادى: بمنع التعامل مع الدولة المستهدفة، وتهديد من يكسر ذلك الحظر بفرض حظر أمريكى عليه. وهذا ما تعانى منه دول فى الجوار الأفغانى مثل إيران. ودول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان. ودول بعيدة مثل فنزويلا وكوبا. والقائمة طويلة، وتلك مجرد أمثلة.

ج ـ إسقاط البنوك المحلية الأفغانية: (ومعظم نشاطها قائم على غسل أموال المخدرات) ومصادرة ممتلكاتها وأرصدتها فى الخارج.

د ـ حظر وعقوبات: ضد الإمارة ومسئوليها. ومطالبتها بتعويضات عن حادث 11 سبتمبر.

وهناك إجراءات آخرى. لاداعى لذكرها طلباً للإختصار.

 

 

حرب ثقافية ودينية:

وهى أخطر التحديات أمام الإمارة الإسلامية، فى حال نجاح وصولها إلى السلطة بشكل مستقل عن شركاء المستعمر ـ والحديث عن تلك الحرب يطول ومعظم تفاصيلها واضح تماما للإمارة وللمثقفين وجمهور الشعب الأفغانى. غايتها النهائية إستبدال فرائض الإسلام وترك الجهاد ضد تسلط الكافرين على المسلمين وبلادهم، والتحول إلى ثقافة جديدة متصالحة مع المستعمر وخاضعة له ومرحبة بإعتناق كافة ما يأتى به من قيم ومبادئ وقوانين مخالفة للدين.

 

 

خلاصة ما سبق:

1 ـ داعش جزء أساسى من حروب المرتزقة التى تشنها أمريكا عبر القارات، هذا رغم أن داعش مصمم خصيصاً للمنطقة الإسلامية.

2 ـ لداعش قدرة خاصة على حرف مسيرة جهاد وثورات المسلمين.

3 ـ دور داعش فى أفغانستان أكثر أهمية فى الوقت الحالى، حيث تعمل أمريكا على حرف مسار الجهاد إلى وضع يشابه وضع العراق من حيث الفتن الدينية والعرقية، وتحول القيادات الشعبية ـ فى معظمها ـ إلى التعاون مع المحتل.

– وحيث أن داعش جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، فإن داعش تديرها القيادة العليا لتلك الحرب وهى الإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلى، مع جهاز خاص مرتبط بحكومة كابول يرأسه حنيف أتمر، وحكمتيار، أضافة إلى عدد محدود من الأسماء.

ونظرا لأن داعش كيان دخيل وبلا جذور إجتماعية أو مذهبية فإنه غير قادر على التمدد فى التربة الإجتماعية لأفغانستان ولا يمكنه التواجد بغير إسناد الإحتلال الأمريكى.

– خطورة داعش حاليا هى أن أفغانستان تعيش المرحلة النهائية من جهاد منتصر، حيث تتكاتف جهود الأعداء مع ضعاف النفوس وأصحاب الهمم الخائرة، لإنهاء مسيرة الجهاد قبل أن يحقق حسما لا لبث فيه، بتحطيم الأصنام كافة ثم رفع الأذان فى سماء كابل.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (23)

حقاني يروي أسرارًا و تفاصيل

عن معارك غرب وادي خوست

 

– هاجم المجاهدون (قلعة نادرشاه كوت ) بدبابتين. وضربوا الباب والبرج بالقذائف، فخرج الجنود مستسلمين.

– جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل “دوامندو” وافقوا على الاستسلام ، وعلى أن ينْزِلوا كافة الأسلحة والذخائر من فوق الجبل الشاهق .

– أصبح لدى المجاهدىن 6 دبابات، هاجموا بها موقع “دراجي” وسيطروا عليه بسهولة، فبدأ تساقط مجنون لصواريخ سكود، وغارات طيران بالقنابل العنقودية.

– إبراهيم ـ شقيق حقاني ـ على رأس قوة من 34 مجاهد، يقعون في كمين . وخليل يصاب بعشر طلقات فشعر أن عظامه تحطمت، ولكنها لم تخترق جسمه !!.

 – أخبار سربها حقاني تسببت في إلغاء العدو لفكرة هجوم معاكس كبير .

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

مقدمــــــة

بدأ مولوي جلال الدين حقاني في تنشيط العمليات العسكرية غربي وادي خوست، وحقق نجاحات كبيرة جدا أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأرض بحيث اتصلت مناطق المجاهدين فزادت قوة، وقلت المسافات اللازمة لنقل وتموين المجموعات، والأهم أن الاتصال بين مجاهدي خوست ومجاهدي جرديز صار سهلا للغاية عبر الطريق الأسفلتي الذي دارت عليه أعنف معارك الحرب، وأخذت سيارات المجاهدين تعبره من الاتجاهين بسهولة، بدلاً عن أيام كانوا يقضونها سيراً في الجبال للانتقال من مكان إلى آخر.

معارك جلال آباد التي بدأت في مارس 1989 مع ضجة إعلامية عالمية ضخمة ، أسفرت عن خسائر فادحة للمجاهدين. وتقدموا أكثر في صحارى واسعة جعلتهم مكشوفين للطيران وضربات صواريخ سكود. وبحلول خريف نفس عام ساد اليأس بين عموم مجاهدي أفغانستان بعد شحن إعلامي دولي بأنهم سيصلون كابول بعد معركة سريعة في جلال آباد.

لهذا فإن انتصارات حقاني في خوست في خريف عام1989 كان تأثيرها المعنوي كبيرا، بانتصاراتها وغنائمها وبطولاتها، وكان ذلك مدعاة لاستمرار الجهاد ليس في خوست فقط بل ومناطق أخرى كثيرة. وغطى ذلك على نكسة جلال آباد.

الدول الغربية والإعلام الدولي سحبوا تأييدهم للمجاهدين الأفغان وبدأوا يبشرون بوقف القتال، وإحلال السلام، وحكومة مشتركة في كابول، وقتال عرقي بين البشتون والطاجيك، بدلا من الجهاد ضد الحكم الشيوعي.

فبعد معارك غرب الوادي بأشهر قليلة سيطر حقاني على جبل تورغار الاستراتيجي جنوب خوست. صحفي أوروبي كان في خوست وقتها سألني متعجبًا لقد هدأت أفغانستان .. فلماذا يقاتل حقاني إلى الآن؟

قلت له: إنّ النظام الشيوعي مازال قائمًا، وأن حقاني لن يتوقف إلا بعد إسقاط ذلك النظام، ووصول المجاهدين إلى السلطة في كابول.

 

تمرد وفرار من حصن نادر شاه كوت :

بعد سنوات أضاف لي حقاني المعلومات التالية: كانت مجموعه قد خانوا المجاهدين وتعاونوا مع الروس في حملة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق زدران، في شتاء (87 ـ 1988م).

وكان الروس وحكومة كابول قد وعدوا هؤلاء بأن يجعلوهم (ملوكاً)على المنطقة. وكان العدو أعجز من أن يحقق لهم أحلامهم، بل إنه عجز حتى عن سيطرة الطريق أو تأمين المدينة.

وبقي هؤلاء وعائلاتهم يعيشون في خوف وقلق في الطرف الغربي من الوادي قريباً من حصن دوامندو. وأرادوا أن يُكّفِروا عن ذنبهم ويحسنوا علاقاتهم مع حقاني، فسارعـوا إلى ربــط علاقات بينه وبين الضابط المسئول عن حامية (نادر شاه كوت). وهو ضابط ذو ميول إسلامية ومن قبائل وزير التي يعيش معظمها في باكستان. لم يكن من المستطاع أن يتقابل حقاني مباشرة مع ذلك الضابط، الذي أرسل رسائله عن طريق هؤلاء المنفيين من قبيلة زدران، الذين لم يحوزوا على ثقة حقاني. وربما لأجل ذلك أهمل رسائل ذلك الضابط الذي طالب حقاني مراراً بأن يهاجم (حصن دوامندوا) وأنه سوف ينسحب مع قواته من الحصن وينضم إلى المجاهدين تحت غطاء ذلك الهجوم.

حقاني لم يأخذ الأمر بجدية حتى اضطر ذلك الضابط في النهايه إلى القيام بتمرد، عاونه فيه (40) من الجنود المخلصين معه وقتل عدداً من الضباط الشيوعيين، وأحرق المخازن التابعة له في المنطقه ثم فرّ مع جنوده إلى أقرب مراكز المجاهدين إليه وهو مركز مولوي حنيف شاه. كان ذلك في شهر مارس من عام 1989م.

أي قبل سته أشهر تقريباً من الهجوم الكبير النهائي على حصن (نادرشاه كوت). واصلت جماعة زدران في المنطقه نقل التطورات إلى حقاني وتحريضه على الهجوم على المنطقه، وأخبروه  أن عدد الجنود في الحصن لا يزيد عن 30 جندياً وأن باقي القوة قد توزعت على طول الشريط الجنوبي المهدّد بدءً من دراجي وحتى ماليزي في الشرق. هذا عن خلفية الهجوم.

 

هجوم كاسح متعدد الاتجاهات :

وفي يوم الهجوم هاجمت دبابتان للمجاهدين الحصن وضربت الباب الرئيسي والبرج القائم إلى جانبه بقذيفتين، فخرج الجنود مستسلمين رافعين أيديهم في الهواء.  جبل (توراغري) إلى الغرب من الحصن، على بعد حوالي كيلومتر والأكثر ارتفاعًا من جبل تورغار العتيد ويمتاز بأشجار الصنوبر الكثيفة التي تتوج قمته وتمتد تلك الغابات الصنوبرية إلى عمق مناطق زدران إلى أن تطل على وادي جرديز إلى الشمال. هذا الجبل الهائل ظل يقاوم حتى الغروب، وكان مضيق دوامندوا قد سقط قبل الظهر، فلما أدرك المقاومون ذلك استسلموا أيضًا بدون معارك شديدة لأن المجاهدين لم يروا ضرورة لهجمات حادة على جبل منعزل تمامًا. غنم المجاهدون دبابة صالحة للعمل من حصن نادرشاه كوت، فتوجهوا بقيادة مطيع الله صوب المضيق الغربي لوادي خوست عند دوامندو متحركين على الطريق الأسفلتي القادم من المدينة.

يقول حقاني: إن أحد دبابات المجاهدين ضربت الحصن الرئيسي للقوة الواقع على يسار الطريق فإخترقت القذيفة المبنى من الطرفين. فخرجت القوة التي بداخله رافعين أيديهم في الهواء كما حدث في الحصن في نادرشاه كوت، وكان إلى جانب حصن دوامندو دبابة لم تشارك في الدفاع لكونها قد أصيبت سابقاً بعد غارة للمجاهدين على الحصن.

دارت مفاوضات من أجل التسليم بين المجاهدين أسفل جبل دوامندو وبين جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل، ولكن محاصرة إلى درجة اليأس، أسفرت عن موافقة الجنود على عدم المقاومة والنزول من فوق الجبل. واشترط عليهم المجاهدون أن يحضروا معهم كافة الأسلحه والذخائر التي في مواقعهم، وافق الجنود، مع أن ذلك ليس بالأمر الهيّن إذا استدعى صعودًا وهبوطًا متكررًا ومرهقًا للغاية. وقد وصف حقاني حالتهم بأنهم عملوا كالحمير في ذلك العمل الشاق.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

تسريب متعمد للمعلومات:

وبعد أن نجح المجاهدون في فتح دراجي فكرت الحكومة في استعاده توازنها في ذلك القطاع الغربي الذي أثر بخطورة على التوازن الاستراتيجي في كل منطقة خوست. فعزمت قيادة الجيش على إعاده احتلال المواقع الضائعة بواسطه عملية إبرار جوي أي بقوات تحملها طائرات الهيلوكبتر يكون هدفها الأول القمم الشامخة في دوامندوا على المضيق الغربي ثم توراغري إلى الغرب من حصن نادر شاه كوت وحتى الحصن نفسه كان ضمن البرنامج. وصلت الخطة إلى حقاني فأمر المجاهدين بتخريب المواقع الحكومية فوق تلك الجبال وتفجير الخنادق ومرابض الأسلحة، وقد شاهدت القوات في خوست تلك التفجيرات فوق الجبال وتعمد حقاني تسريب خبر استعداداته إلى العدو، فتراجع عن برنامجه.  وعن استشهاد مطيع الله يقول حقاني: إن مطيع الله خرج بسيارته لإنقاذ مجموعة من الرجال انفجر لغم في سيارتهم، وبينما مطيع الله ورجاله منهمكون في ربط السيارة المعطوبة بسيارتهم لجرها بعيدًا، داس أحد الرجال، ويدعى وزيرجول، على لغم مضاد للأفراد كان متصل بلغم آخر مضاد للدبابات فانفجر اللغمان.

فاستشهد وزيرجول ومطيع الله وثلاثة أو أربعة آخرين من رجاله، كما جرح في الانفجار القائد حكيم خان (الذي استشهد بعد ذلك بعدة أشهر في معارك منطقة إسماعيل خيل ).

 

حقاني يروي عن  معركة دراجي:  ( شهر صفر 1409هـ ــ سبتمبر 1989م )

يقول حقاني قائد تلك المعركة: إن السيطرة على دراجي تمت في محاولتين. المحاوله الأولى: بدأت قبل طلوع الفجر. حين تقرب المجاهدون إلى خطوط العدو ليلاً وعند الفجر هاجموا “البوسطات” “المواقع العسكرية” مع أول ضوء وكانت تدعمهم ثلاث دبابات اثنتان في الهجوم والثالثة تضرب من الخلف لحماية مؤخرة الهجوم من أي محاوله التفاف من العدو  في نفس الوقت كان المجاهدون يهاجمون موقعين هامين في نظام الدفاع عن درجي وهما موقع (سيدجي) و( موسى خان) ومع المجاهدين ثلاث دبابات أيضاً.

ولكن ذلك الهجوم لم ينجح واستطاع العدوّ أن يدمّر إحدى الدبابات المهاجمة واستشهد وجرح من فيها، فتراجع المجاهدون عن الموقعين، فانكشفت بذلك مجنبات المجاهدين المشتبكين في (دراجي) وزاد ذلك من سوء موقفهم الذي كان غاية الصعوبة. فبعد نجاح أوّلي ضد دفاعات الخط الأول للعدو، حيث عبرت الدبابات فوق ثلاث خنادق للعدو في الخط الأول وسحقت من فيها من الجنود بواسطة (الجنازير).

وبمشقة كبيرة سيطر المجاهدون على (مدينة) دراجي، وكان للعدو مواقع قريبة منها ظلت تطلق على المجاهدين نيران حامية وكذلك مواقع العدو في( سيدجي) و (موسى خان)، إضافة إلى المدفعيات من عمق دفاعات العدو كانت أقسى الأوقات هي ساعة الشروق عندما اكتشف  المجاهدون تحت أشعة الشمس أنهم مكشوفون تماماً لنيران تأتي من ثلاث جهات في أرض شبه مكشوفة وقد تحطمت كل الأبنية، ودمرت المواقع ولاشيء يحميهم من رمايات العدو، وفي ساعة واحدة سقط منهم بفعل نيران العدو 25 شهيداً وثمانون جريحاً .. وقرب نهاية اليوم وصل عدد الجرحى إلى 130 جريحاً.

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 

نكسة مؤلمة بعد انتصار كبير :

يقول حقاني: لقد كانت نكسة مؤلمة لنا بعد انتصار نادرشاه كوت. تمكن أكثر المجاهدين من الانسجاب من دراجي قبل الغروب ساحبين معهم جثث الشهداء وحاملين معهم الجرحى. بينما ظل في القرية 30مجاهداً فقط والدبابتان، وكان يقود إحداها خليل الرحمن (شقيق حقاني)، والأخرى يقودها إسماعيل التركستاني. تشاور القائدان في الموقف الصعب الذي يكابدانه، كانت الدبابتان في خطر جسيم من رمايات العدو التي لم تكد تهدأ طول اليوم. بينما كل القوة التي بجوزتهما لا تتجاوز30مجاهداً فقط أصبحوا في غاية الإرهاق وكادت ذخائرهم أن تنفذ، كانت ضخامة الخسائر التي دفعها المجاهدون حتى يستولوا على دراجي عائقاً يمنعهم من التفكير في الانسحاب ولكن لم يكن هناك أي حل آخر سوى الإبادة. فرضخوا للأمر وقرروا الانسحاب وبدون أن يتحدثوا بذلك على المخابرة حتى لاينشط العدو في شن هجوم معاكس عليهم قد لاينجو منه أحد. فحادثوا حقاني والآخرين أنهم باقون في دراجي وأن موقفهم جيد، فخدعوا بذلك العدو بل خدعوا حقاني نفسه الذي لم يكتشف حقيقة الانسحاب إلا في ضحى الغد، عندما شاهد بمنظاره المقرب جنود الحكومة يتجولون في أنحاء دراجي المدمرة.

 فاتصل مع إبراهيم وإسماعيل يستوضح الأمر فأخبراه أنهما انسحبا تحت جنح الظلام وأنهم الآن في ليجاه. وكان إسماعيل أول من غادر الموقع في دبابته قبل أن يكتمل ظلام المكان عند الغروب. كانت خسائر الطرفين عالية، فالعدوّ فقد الكثير من جنوده ليس فقط بضربات المجاهدين بل أيضاً لدخولهم حقول الألغام أثناء فرارهم. أعلنت إذاعه كابول استعادة (دراجي) وتوقف الطيران عن قصفها، وارتفعت معنويات العدو كثيراً. بينما قضى المجاهدون ثلاثه أيام عصيبة  تبادلوا فيها الاتهامات بالتقصير. وتلاوم رجال التنظيمات كل منهم يتهم الآخرين ويدفع عن نفسه تهمة التقصير. فقرر حقاني معاودة الهجوم قبل أن يتمكن العدو من إعاده بناء استحكاماته مرة أخرى.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

المحاوله الثانية:

هاجمنا هذه المرة بدباتين يقود إسماعيل التركستاني واحدة، ويقود خليل الرحمن الدبابة الثانية. وكان إبراهيم “شقيق حقاني” على رأس هجوم المشاة. كالمرة السابقة كانت دبابة تحمي المؤخرة، ودبابتان في الهجوم على “سيد جي” “وموسى خان”.

وصل إسماعيل وخليل بالدبابتين إلى مواقعهم المحددة تحت جنح الظلام. أما إبراهيم مع 34من المجاهدين فقد وصل إلى موضعه المحدد مع طلوع الفجر ثم شرع في التقدم مع ازدياد الضوء صوب خط الدفاع الأول للعدو، ولكنه فوجئ بنيران رشاشات العدو تنهمر عليه هو ورجاله فيسقط منهم 4 شهداء على الفور، ويصاب هو بحوالي عشر طلقات في جسده شعر بأنها حطمت عظامه تحطيماً.. ولكنها لم تخترق الجسد. اكتشف إبراهيم أنه وقع في كمين متقدم للعدو وأن أحد المرابض الجديدة قد أوقعه تحت جحيم من النيران جعله لايستطيع الحركة في أي اتجاه، فاتّصل بأخيه جلال الدين حقاني بالمخابرة قائلاً: لقد وقعت في حصار. فسأله شقيقه ـ أين أنت؟.. وماذا نستطيع أن نفعل لك؟ فأجاب إبراهيم وأصوات الرشاشات تلعلع من حوله: أنا في مقابل بوسطات العدو أسفل من “دراجي” أرسل لي خليل وإسماعيل بالدبابات، فبدونها لا يمكن أن نخرج من هنا. وبالفعل تحركت إليه الدبابات بسرعة ودمرت كمين العدو بنيرانها فتقدم إبراهيم ومعه 30 مجاهداً وعبروا خط الدفاع الأول ووصلوا إلى القرية وسيطروا عليها بسهولة لم يكونوا يتوقعونها. ولم تقع بهم خسائر غير تلك التي حدثت في الكمين الأول. كان المجاهدون في نفس الوقت تقريباً قد نجحوا في اقتحام موقعي (سيدجي) و(موسى خان) والذي قاد المجاهدين فيه مولوي حنيف شاه، ومعه شقيق الشهيد مطيع الله، فغنموا دبابة للعدو ضموها إلى قوة الدبابات التي ترافقهم واستخدموها جميعها ضد قوات العدو في دراجي وحولها، فبلغ عدد الدبابات مع المجاهدين 6دبابات حتى استقرت المنطقة نهائياً في يد المجاهدين. وبدأ تهاطل مجنون لصواريخ سكود، وغارات الطيران بالقنابل العنقودية. ولم يؤثر ذلك بشيء على المجاهدين.

 

 

أزمة في المستشفى .. ومجلة على خط الجبهة:

يوم الجمعة 12يناير1990  / 14 جمادى الثانية 1410هـ .

ركبت في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف متوجهة نحو ميرانشاه، مع عدد من الأطباء الأفغان التابعين للحكومة المؤقتة “حكومة مجددي” كي يديروا مستشفى ميرانشاه الذي بقي معطلاً بعد أن تركه الهلال الأحمر الكويتي إثر خلافات حادة مع المجاهدين.

وكانت الخلافات مبعثها التشدد الســلفي لأطباء تلك الهيئة وتعاملهم المتعالي مع الأفغان. صاحبني في الرحلة الضابط الشاب(أعلي داد) وهو ضابط اتصالات يعمل مع حقاني ومن نفس قبيلته.

عندما وصلنا إلى بداية المنطقة القبلية في نهاية مدينة “بنون” وجدنا سيارة بيــك آب مليئـة بالحرس قد أرسلهم حقاني لاصطحاب الأطباء إلى مدينة ميرانشاه، على بعد ساعة من بنون.  أمطرت السماء بشدة فانتقل الحراس إلى الركوب معنا داخل سيارة الإسعاف التي صارت مثل علبة السردين المسلحة بأشواك من بنادق الكلاشنكوف.

توقفت السيارة أمام المستشفى وكان البرد والمطر قد فرض حظراً للتجول في الساحة المقابلة والطرق المحيطة، فلم أتبيّن، كما هي العادة، شدة المعارك من حجم ازدحام الناس والسيارات أمام بوابة المستشفى.

توجهت بسرعة إلى بيت العرب، وهي مضافة من طابقين تحتوي الكثير من الغرف، سألتهم بلهفة عما لديهم من أخبار الجبهة، فأكدوا لي فشل الهجوم على تورغار وأن تفاصيل بــاقي المعارك مازالت مشوشة.

توجهت بعدها إلى”المكتب الثقافي” وهو غير بعيد عن بيت العرب ويفصل بينهما ساحة متسعة نسبياً وحولها أكداس من البيوت المتراكمة في قبح معماري نادر المثال. وقد ملئت الطرقـات بالأوحال وبرك من مياه الأمطار، وهو ما يجعل السير في الطرقات الضيقة، والمسقوفة أحيانا، عملية عسيرة. ولكن الميزة الوحيدة لتلك الأوحال والبرك أنها تخفي الصفوف الممتدة على مجنبات تلك الطرق مع ما يحط عليها من أسراب الذباب السـمين والكسول، الذي لا يتحرك إلا تحت وطأة التهديد الجدي.

من المفروض أن تكون لمجلتنا الجديدة غرفة خاصة في الطابق الأرضي من ذلك البيت الواسع والذي تشاركنا فيه الإذاعة ومكاتبها، وغرفة ضيافة واسعة في الطابق الأعلى تحتوي على”متحف” من مخلفات معركة جاور فيه قطع من معدات وملابس وأوراق رسمـــية لجنود سوفييت وكوماندوز أفغان قتلوا في تلك الحملة.

إضافة إلى خريطة كبيرة مجسمة للقطــاع الجنوبي من الجبهة يظهر فيه جبل تورغار. لم يكن أحد من أفراد طاقم المجلة موجـوداً في المبنى، بل إنّ أكثر الناس كانوا فعلاً داخل الجبهات. نمت وحيداً في إحدى الغرف البـاردة، ولكنها كانت مليئة بالأغطية، فوضعت فوقي كومة منها، وما أن شعرت بالدفء حتى رحت في نوم عميق.

 

 

حقاني يودع الشهداء في مقبرة ميرانشاه:

(السبت 13 يناير 1990 / 15 جماد الثانية 1410)

منذ الصباح الباكر بدأت في تحري أخبار الجبهات فعلمت أن الهجوم على تورغار قد فشـل، وأيضاً الهجوم على إسماعيل خيل الذي جرح فيه 65 من المجاهدين. ومن قادة الهجوم جرح حنيف شاه، صديقي القديم، واستشهد زميله حكم خان. كانت الأخبار سيئة والوجوه متجهمة. ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتي للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل حاجي إبراهيم مساعدي في العمل  بالمجلة. وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة “زورمات” في قرية “شاهي كوت”. وعمله الرسمي معي في المجلة مترجماً، وكان شاباً دمث الخلق ذكياً وشجاعاً محبوباً من جميع الأفغان، لذا فقد ساعدني كثيراً سواء في شؤون المجلة أو في العمليات التي اشتركنا فيها معاً، كما سنرى.

حضر حاجي إبراهيم صباحاً، وكان كل منا سعيداً بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه خبراً جديداً عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذي غمر الجمــيع.  فخرجنا سوياً إلى السوق لنشتري بعض احتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة.

اشتريــت عشرة أفلام ملوّنة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبي دوماً كاميرا صغيرة من طراز حديث، وفي أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهي أيضاً من نوع حديث ولكنها كانت أمانة عندي من صديق.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقاني سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديداً حول المقبرة، التي ازدانت مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عدداً منهم من أفضل أصدقائي القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصري، ومولوي أحمد جول ومولوي فتح الله ومولوي شاكرين وغيرهم كثير. أما ابني خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة “ماتشز” حيث يسكن صديقي حاجي إبراهيم.

حضر مولوي حقاني وألقى كلمة مطولة في جموع المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تماماً لتعبئة الناس نفسياً، ورفع معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوي الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة، وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسي. قليل منهم يبكي أثناء تلك المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسي كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات متعمداً، بل أفضل أن أراقبها وحيداً من على بعد حتى أدع عواطفي تنساب على سجيتها بدون اعتبار لتواجد الآخرين، فمن المخجل للرجل أن يراه أحد حين يبكي.

ذهبت مع إبراهيم قبل العصر إلى مضافة حقاني الملاصقة لمنزله، وكانت عبارة عن صالــة

كبيره للضيوف، أحد أطرافها يمكن فصله بواسطة ستارة سمكية فيصبح غرفة صغيرة منعزلة تحف جدرانها المقاعد وتتوسطها طاولة صغيرة عليها تلفزيون وفيديو، فهي إذن صـالــة عرض الأفلام التي التقطها عدد من المصورين التابعين لحقاني أثناء المعارك. في الطرف الآخر من البهو المتسع هناك باب يفضي إلى غرفة صغيرة بها سريرين وعدد من المقاعد وهي مخصصة لكبار الزوار ومرفق بها حمام خاص.

وللمضافة حديقة متوسطة الحجم، معتني بها، ومحاطة بحاجز من الأسلاك لحمايتها من أطفال  العائلة، الذين يتسللون إليها دوماً فيتعرضون إلى زجر الحراس والأقارب، ولكن زهور الحديقة تدفع الثمن غالياً بوصول هؤلاء الأطفال إلى المضافة.

قابلنا الشيخ في المضافة الكبيرة الخاصة بالضيوف، وكان برفقته أخواه إسماعيل، وخليــل الرحمن الذي كان مصاباً في كفه على أثر المعارك الأخيرة. لم أتمكن من الحديث مع حقاني الذي تجهز للتحرك إلى “باري” وطلب مني أن ألقاه هناك.

غادر حقاني المضافة وكذلك معظم الحاضرين، وبقيت مع إبراهيم لاستكمال الحديث مع بعض من حضروا المعارك الأخيرة. وكان منهم مصطفى اليمني الذي كان مع مجموعته اليمنية في طرف إسماعيل خيل، وكان منهم أبو محمد السوري أحد أفراد المجموعة القيادية في جماعة أبوالحارث. ( وكان في مركز أبو الحارث في الطرف الغربي لسلسة جبل تورغار).

ذلك المركز عبارة عن عدد من المغارات ضيقة المدخل وبعضها متصل من الدخل بقنوات ارتباط، وفتحات المغارات مواجهة للغرب، وذكر أبو محمد أن صاروخ من راجمة BM41 قد أصاب موقعهم فقتل رامي الهاون وزميله.

أما مصطفى اليمني وكان يقود مجموعة مدعومة من بعض شيوخ اليمن من بينهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني، فقال بأنه ومجموعته قد شاركوا في الهجوم الذي بدأ في السادسة صباحاً على قرية إسماعيل خيل وبدون تمهيد مدفعي حتى تتحقق المفاجأة للعدو.

وقال بأنه مع ارتفاع الشمس كان المجاهدون قد حوصروا بالميليشيات، وفي البداية هرب الرجال من القرية، وبقيت النساء تدافعن بشراسة حتى أن بعضهن كنّ يستخدمن مدافع الهاون من داخل أسوار البيوت.

كما أن طائرات الهيلوكبتر هاجمت المجاهدين بشجاعة كبيرة، وقال إن مدفعيات المجاهدين تدخلت وقصفت المراكز الخلفية لمدفعية العدوّ. وذكر أيضاً أن عدد الشهداء كان خمسة فقط والجرحى كانوا 75 جريحاً. ولم يكن لديه تفاصيل أكثر من ذلك.

ولكن جريدة “المسلم” الباكستانية ذكرت في عددها اليوم أن هجوماً للمجاهدين بهدف الاستيلاء على مدينة خوست قد فشل، وأن جرحاهم في ذلك الهجوم الفاشل كان156 شخصاً، أي ضعف العدد الأصلي تقريباً. في الواقع لقد انحسر كثيرًا تأييد الإعلام الباكستاني للمجاهدين، وبعض الصحف أظهرت عداءً صريحاً. لقد كانت رئيسة الوزراء “بي نظير بوتو” تكشر عن أنيابها ناصعة البياض المتلألئة خلف شفاه مصبوغة بلون الدم، وربما كان دم عبدالله عزام. من بين شهداء الأمس سائق دبابة كان يعمل مع خليل في قصف جبل تورغار من الخلف (جهة الوادي) وأثناء خروجه من الدبابة سقطت قذيفه هاون “120 مليمتر” فوق البرج فقتل السائق في الحال وأصيب خليل الرحمن في كف يده.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 




المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

لسان حال الإمارة الإسلامية يقول :

 دعهم ينسحبون بهدؤ ، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

– للاحتلال ثلاث مناطق استراتيجية في أفغانستان، تخَلِّيه عنها يعتبر اعلاناً للهزيمة الكاملة.

– تسيطر قوات الإمارة الإسلامية على ولايتي كابل وبروان، وهذا يعني حصار العاصمة وحصار قاعدة بجرام الجوية.

– بعد توقيع اتفاق الدوحة بساعات توجهت أول ضربة جوية أمريكية ضد الإمارة الإسلامية في ولاية هلمند .. لماذا؟.

–  فرق الموت في أفغانستان: التكوين .. والمهام .

–  الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها، وهي أداة الاغتيال رقم واحد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

منذ توقيع اتفاق الدوحة سارت الأمور على أرض أفغانستان على عكس ما أراده من أحكموا مصيدة سياسية، تكون القاضية على جهاد شعب أفغانستان. والإجهاز الهادئ على الإمارة الإسلامية، التي نظمت ذلك الجهاد وجمعت الشعب في بوتقة واحدة وبرنامج موحد لإعادة حكم الشريعة ونيل الحرية.

توقع ( بومبيو وخليل) أن المجاهدين وقياداتهم سوف يركضون صوب مواقع السلطة السياسية، ويتقاتلون ويسفكون دماء بعضهم بعضًا. ويتشرذم الشعب إلى قبائل وأعراق ومذاهب، في سباق محموم صوب غنائم متوقعة. ويلتفّون حول سقط المتاع من قيادات دموية تعبد ذواتها، وتعبد الذهب الذي يتدفق بغير حساب، من خارج أفغانستان إلى داخلها، لإطفاء نور الجهاد بنيران حرب الأطماع والأحقاد.

– التشابه التاريخي كبير بين ما يحدث في أفغانستان على يد المحتل الأمريكي وما حدث على يد المحتل السوفيتي، مع فوارق لابد منها. وشرح ذلك يطول جدًا. لكن أهم فارق يعمل لصالح الشعب الأفغاني هو قيادة الإمارة الإسلامية لجهاده وتوحيد صفوفه والمحافظة علي المثل الإسلامية في القتال كما في التعامل السياسي والإنساني في الداخل والخارج .

لا يمكن مقارنة ذلك بالفوضى والارتهان للقوى المعادية، ذلك الفساد الذي تسببت فيه الأحزاب المستقرة في بيشاور .

– وقَّع السوفييت مع الأمريكيين اتفاقا لانسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان (130ألف جندي) خلال ستة أشهر ، في مقابل تقاسم السلطة في كابول بين أعوان الطرفين: الشيوعيين في طرف السوفييت، وأحزاب بيشاور وأنصار الملك السابق في الطرف الأمريكي.

– انسحب الجيش الأحمر من المدن، وقلص الجيش الحكومي خطوط دفاعاته عنها تاركا مساحات كبيرة حولها كان يتخذها مراكز عسكرية واستخبارية .

تَعَثَّر الجيش الحكومي أثناء تلك المناورة . وإختلت الدفاعات عن معظم المدن الهامة لأن الجيش الروسي كان كثيف العدد وله قوات أرضية كبيرة. بعكس الأمريكيين الذين وفَّروا جنودهم واعتمدو على المرتزقة (محليين ودوليين) وعلى سلاح الطيران حتى صارت الطائرات بدون طيار(درونز) هي نجم الحرب بلا منازع . كما كانت طائرات الهليكوبتر الروسية (مي 24) . مع فارق كبير في التأثير لصالح “الدرونز” التي مازالت متفوقة على الأسلحة المضادة لها. إضافة إلى ندرة هذه الأسلحة وصعوبة الحصول عليها وإحجام القوى المعادية لأمريكا عن تحديها صراحة في الساحة الأفغانية، كما تحدى الأمريكيون السوفييت في ثمانينات القرن الماضي.

– نتج عن الانسحاب السوفيتي توسع مناطق المجاهدين وتمددهم في الأرياف. ولم تكن الميليشيات كافية لمنع تقدمهم في المناطق التي يعمل فيها قادة مجاهدين أقوياء. ولم تكن هي المناطق الأوسع، لأن الفساد الحزبي كان مستشريًا فضاعت فرصًا نادرة من أيدي المجاهدين للاستيلاء على العديد من المدن الكبرى.

– والآن ثغرة الفساد الحزبي لم تعد موجودة لتفعل فعلها المدمر. وارتد سهم التآمر إلى صدور المحتلين الأمريكيين وأعوانهم داخل أفغانستان وخارجها. فقد أعلن الأمريكيون عن نيتهم في الانسحاب وقدموا جدولا زمنيا لذلك. ورغم تنوع وجهات النظر لم يحدث صراع داخلي في صفوف الإمارة الإسلامية، ولا شقاق بين مجاهديها، ولا انفصال بين الشعب والإمارة ـ وكل ذلك كان من أحلام الأمريكيين الكبرى. والعكس تمامًا حدث بتقدم غير المسبوق على الأرض والسيطرة عليها وتحرير سكانها.

كما حدث إقبال غير مسبوق للشباب بالتطوع في صفوف المجاهدين، وتسابقوا على التطوع في “القوات الخاصة” التي نمت بشكل كبير جدا من حيث النوع والكم. وتنافسوا على الالتحاق بفرق الاستشهاديين التي صارت عملياتها أكثر براعة وارتباطا بالأعمال التكتيكية الكبرى واستراتيجية الإمارة في كل قطاع .

كل ذلك برهن على ارتفاع المعنويات، وثقة شعبية متصاعدة في الإمارة الإسلامية ومجاهديها.

–  في مقابل ذلك كان مشهودًا انهيار الدولة وجهازها العسكري والأمني وجهازها الإداري وصولا إلى أعلى مستوياته في كابول. فتواجدت الإمارة، في كل وحدة عسكرية أمنية وإدارية للنظام . تواجُد عناصر الإمارة الإسلامية في كابول يبدأ من القصر الجمهوري وصولا إلى آخر زقاق فقير في العاصمة، مرورا بقيادات الجيش والاستخبارات.

–  يقول المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية . وحتى جهاز أمن العاصمة لا يمكنه فعل شيء إلا بعد استئذان المكتب العسكري للإمارة الإسلامية، أو إخطارهم مسبقاً على الأقل، هذا وإلا تحمل عواقب ثقيلة. وقد نشرت الإمارة الإسلامية على سكان العاصمة أرقام هواتفها الخلوية للاتصال بها عند احتياجهم إلى مساعدة . وأذاعت اللجنة العسكرية البيان التالي بين سكان العاصمة وتم تطبيقه: { إن كنت من سكان العاصمة كابول وتواجه أي مشكلة أمنية أو حقوقية أو اجتماعية، فما عليك إلا أن تتصل هاتفيا بأحد أرقام اللجنة العسكرية للإمارة الإسلامية في العاصمة. كما نرجو الإبلاغ عن أي شخص يدَّعي أنه من أفراد الإمارة الإسلامية ويقوم بمضايقة الأهالي أو يطلب منهم أموالاً }.

 

أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة:

هذا الخطاب لا يسري على “فرق الموت”، التي سنتكلم عنها لاحقا، والتي أسستها المخابرات الإسرائيلية بالتعاون من CIA لتكون هي القوة الضاربة للاحتلال المشترك الإسرائيلي /الأمريكي لأفغانستان. خاصة بعد الاكتساح السياسي والعسكري الذي حققته الإمارة داخليا وكسرها للكثير من أطواق العزلة مع الخارج، خاصة مع القوى الإقليمية الأساسية والقوى الدولية التي تريد لنفسها مكاناً مستقبلياً في أفغانستان يحترم رؤية وسيادة الإمارة الإسلامية.

–  للاحتلال الأمريكي/ الإسرائيلي ثلاث مناطق استراتيجية في غاية الحيوية

بحيث أن تخليه عنها يعتبر إعلانا نهائيا للهزيمة الكاملة.. وهي:

1 ـ ولاية  كابول .. وتمثل النطاق السياسي والإداري ومركز الدولة الأفغانية المحتلة.

2 ـ ولاية بروان .. و تحتوي على قاعدة بجرام الجوية الأضخم في أفغانستان وفيها أهم قوات الاحتلال الجوية، وأخطرالمشاريع الاستراتيجية. منها ما هو شبه معلن مثل مصانع الهيروين الحديثة. ومنها ما هو سري للغاية مثل معامل الحرب البيولوجية، والصواريخ النووية قصيرة المدى ـ والقيادة المركزية للعمل الاستخباري المشترك في أفغانستان والمنطقة.

3 ـ منطقة الأفيون .. في ولايات الحزام الجنوبي. ومركزها ولاية هلمند. وتمتد المنطقة لتشمل قندهار وأرزجان ويمكن اعتبار ولايتي زابل وفراه ضمن هذا التجمع ليصبح خماسي الأضلاع.

الوضع الحالي في تلك المناطق هو كالتالي :

1 ـ ولاية كابول: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية. وتبقى مدينة كابول العاصمة تحت الحصار من جميع الجهات ـ مع تواجد قوي جدا للمجاهدين بداخلها لمراقبة العدو وتوجيه ضربات نوعية عند الضرورة. إلى جانب رعاية المواطنين . باعتبار الإمارة الإسلامية سلطة شرعية تسيطر على العاصمة ولو بشكل جزئي.

2 ـ ولاية بروان: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية، وتبقى مدينة بروان، وفيها القاعدة الجوية الأمريكية، وهي تحت الحصار والمراقبة الشديدة من داخل القاعدة وخارجها. ونتيجة لعدم ثقة المجاهدين في نوايا الأمريكيين وقدرتهم على الإيفاء بالعهود، فإن المجاهدين يراقبون جدية انسحابهم من أفغانستان من خلال مراقبتهم الداخلية لقاعدة بجرام، ومحيطها الخارجي ورصد تحركاتها الجوية والأرضية .

فمن الوارد جدا أن يغدر الأمريكيون . وهُمْ على أي حال سوف يستأنفون الحرب بشكل آخر وطرق جديدة. وسيظهر ذلك جليا بعد محطات أهمها الانتخابات الأمريكية في خريف هذا العام . ونظرًا لأزمتها المالية المتفاقمة فمن المستبعد أن تنسحب الولايات المتحدة بهدوء من أفغانستان، تاركة كنوز الهيروين.

3 ـ منطقة الأفيون: وهي أول منطقة انتهك الأمريكيون فيها ما أسموه (اتفاقية السلام) مع الإمارة الإسلامية. والسبب كان هجومًا للمجاهدين على موقع عسكري للجيش المحلي وهو أمر لا يتعارض مع اتفاقية الدوحة، وكانت الضربة الجوية الأمريكية تحمل رسالة معناها: ” نتهاون في كل شيء ما عدا أفيون أفغانستان”. فكان رد الإمارة الثابت دومًا، من خلال ضرباتها العسكرية المتنوعة: ” لن نترك لكم حبة رمل في أفغانستان”.

– الآن يلتزم الأمريكيون بالهدوء، وخمد نشاط طيرانهم التقليدي غير المسيَّر. والموعد النهائي لانسحابهم معلوم طبقا لاتفاقية الدوحة. والجبهات التي مازالت نشطة ضد العملاء والمرتزقة وفرق الموت. ولسان حال الإمارة الإسلامية يقول: دع الأمريكيين ينسحبون بهدوء، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

فرق الموت: لماذا .. وكيف ؟؟

استخدمت الولايات المتحدة ما أسمته (فرق الموت ) بإدارة مخابراتها المركزية ، لقهر شعوب أمريكا الجنوبية والوسطى، وإرغامها على قبول السطو الأمريكي على الثروات والاستبداد بالقرار السياسي بواسطة حكومات عميلة وجيوش إجرامية مدعومة بعصابات من القتلة. تكونت (فرق الموت) من مجموعات منتقاة من الجيش الوطني، ومن مجرمين محترفين. وتخصصت تلك الفرق في مجال يشمل اختطاف واغتيال المعارضين والقادة الاجتماعيين والدينيين والمثقفين من كتاب وصحفيين أحرار.

كما يشمل إحراق القرى وتدمير ممتلكات المعارضين. وبثّ الرعب الجنوني في نفوس السكان، لإخماد قابليتهم للمقاومة، وإصابتهم بصدمة مذهلة تتيح للشركات الأمريكية أن تنفذ ما تريد، بدون أي معارضة. (فرق الموت) تعمل بشكل غير رسمي، يمكن أن تتبرأ منه الحكومة العميلة.

–  في بداية احتلالها لأفغانستان استخدمت أمريكا قواتها النظامية كفرق موت عظمى للقتل الجماعي والإرهاب المذهل حتى يرتدع الشعب الأفغاني العنيد عن مجرد التفكير في المقاومة. فضربوا بشكل منهجي القرى الآهلة، وهاجم الطيران الأمريكي حفلات الزفاف والمآتم.

ودمر وسائل النقل العام والخاص على الطرق الرئيسية والفرعية. وهاجمت قواتهم الخاصة القرى ليلا، وأقاموا فيها حفلات من الرعب والقتل والتعذيب باستخدام الكلاب المتوحشة. وأعطوا أولوية لقتل علماء الدين وطلاب المدارس الدينية، وتفجير المدارس الدينية وإحراق كتبها بما فيها القرآن الكريم. وقتلوا الأطقم الطبية ودمروا مخازن التجار ومحلاتهم، وأتلفوا المحاصيل في الحقول ـ وأخفوا قسريًا عددًا كبيرًا من السكان، وزجوا بهم في سجون مجهولة  ثم باعوا أعضاءهم ضمن تجارة دولية مربحة، إلى جانب اتجارهم في المخدرات.

 

تكوين فرق الموت:

في أفغانستان  تشكلت فرق الموت في بدايتها من القوات الأمريكية الخاصة وقوات الحلفاء، واشتهر من بينهم البريطانيون والكنديون والأستراليون، مع عناصر إسرائيلية منتشرة بين تلك القوات، ولم تظهر بهويتها الصريحة تفاديا لاستفزاز الشعب الأفغاني الغيور. ولاحقا انضمّت عناصر محلية إلى تلك الفرق، ومن مختلف دول العالم.

– عصابات داعش تمارس تلك الأعمال منذ لحظتها الأولى، كوظيفة أساسية. ولكن تضاعف خطرها وصارت أكثر تنظيماً في أفغانستان منذ تولي أمرها حكمتيار بالمشاركة مع “حنيف أتمر” عندما كان مستشارًا رئاسيا لشؤون الأمن القومي، ومازال يمارس نفس المهمة مع داعش وهو في وظيفة “وزير خارجية” جامعاً بين وظيفة الاستخبارت والمهام السرية والإرهابية في الداخل والخارج ، متشابها في ذلك مع “بومبيو” وزير خارجية أمريكا . حتى أسماه البعض “بومبيو” أفغانستان .

في بدايتها نشأت داعش كقوة مرتزقة ذات تخصص طائفي. وما زالت ثابتة على ذلك التخصص، وأضافت إليه في أفغانستان الفتن العرقية تحت إشراف قائديها (حنيف وحكمت).

– أنشأ الإسرائيليون في أفغانستان مجموعات حديثة من”فرق الموت”، مارست عدداً من العمليات التي تعتبر تجديداً نوعيا في بشاعة الاستهداف غير المسبوق. فهذه المرة ليس المطلوب فقط بث الرعب في الشعب ــ فقد انقضت تلك المرحلة بعد الإقبال الحالي على التطوع الجهادي والتدريب المتطورــ فالمطلوب الآن بث الفرقة بين الشعب والإمارة الإسلامية، وإفقاد الشعب ثقته في قدرة المجاهدين على حمايته. وتوقعوا أن يتحقق ذلك بعد ظهور اللمسات الإسرائيلية في التنكيل بأضعف فئات المواطنين بما يتجاوز أعراف الحيوانات.

– وأنشأت المخابرات الأمريكية فرقاً أفغانية خاصة منتسبة إلى الأمن وتحت مسميات تليق بأفلام المغامرات، مثل صفر واحد، صفر اثنين وهكذا، أصفار تعقبها أرقام، لماذا ؟؟. لأنها العقلية الأمريكية المريضة والمسطحة والمتوهمة.

إجمالا تخصص الدواعش في تفجير المساجد والمواكب الدينية والجنائز والاحتفالات. وتخصص الباقون في تفجير المستشفيات والمدارس والمهرجانات والمواصلات.

ومؤخراً انخرط الطرفان في (النشاط الخاص) خارج الخطة المحددة رسميا. مثل انشغال جزء من فرق الموت في عمل إضافي لزيادة الدخل، بالقتل لصالح أطراف داخلية تدفع أكثر. فاغتالوا ونسفوا لصالح مسئولين كبار، ضمن تصفية حسابات، أو لحسم منافسات مالية أو سياسية. أو لسرقة بعض ما سرقه آخرون، أو لاعتراض أموالهم المنقولة والمهربة أو حتى أموالهم في البنوك .. إلخ.

– حالة الفوضى العارمة التي تجتاح الطبقة المسيطرة في أفغانستان جعلت سوق المرتزقة بجميع أنواعهم معروضة للاستخدام الشخصي لمن يدفع أكثر . فأصبح المشهد مأساويا ومربكا لأي متابع .. فمن يقتل من ؟ .. ومن يعمل ماذا ؟ ولماذا ؟. إنها أجواء السقوط لا أكثر .

ومن الطبيعي أن تستفيد الإمارة الإسلامية من تلك الفوضى التي أغرق فيها العدو نفسه، بسياساته التي ظن أنها سَتُكسِبَهُ الحرب. وإذا بالمكر السيء يحيط بأهله ويبتلعهم في ظلماته.

الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها.

من أهم مساهمات إسرائيل كان الطيران المُسَيَّر(بدون طيار ــ درونز) الذي معظمه من صناعتها. وتعتبر حرب أفغانستان أكبر ميدان استخدمت فيه تلك الطائرات بكثافة نادرة، وحققت أعلى خسائر في صفوف المدنيين بما لم يسبق أن حققت مثله في أي مكان.

وكان لها دور كبير في تنفيذ عمليات اغتيال نوعية لقادة ميدانيين، بهدف إحداث خلل في سلسلة القيادة لدى المجاهدين، ودفعهم إلى التنازل سياسيًا ـ حسب نصائح قدمها نفطيون من أصحاب شركات المرتزقة ــ ولكن شيئًا من تلك الأهداف لم يتحقق. وتظل الدرونز الإسرائيلية هي أداة الاغتيال رقم واحد في أفغانستان.

ويعتقد البعض أن تلك الطائرات لا تنقطع عن التحليق في جميع الأماكن والأوقات ـ وأن أنواعها كثيرة وذات قدرات متنوعة. بعضها يستطيع التحليق لساعات طويلة وعلى ارتفاعات شاهقة يصعب رصدها، وتنتظر فريستها بصبر لأوقات طويلة قبل أن تضرب ضربتها القاتلة. اختصارا تجربة الدرونز في أفغانستان تجربة نادرة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب . تماما كما كانت تجربة الذخائر الحديثة والمحرمة دوليا والتي تحتوي على اليورانيوم المخصّب والمنضب . وكذلك استخدام ترسانة كبيرة ومنوعة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية.

لم يسبق أن شاهد العالم شيئا من ذلك. وهذا واحد من الأسباب التي دفعت الاحتلال الأمريكي كي يمنع كافة المعلومات التي تخرج من أفغانستان عن غير قنواته العسكرية والاستخبارية.

 

القفز من السفينة الغارقة

بسبب تلك الفوضى التي وقع فيها الاحتلال ونظامه العميل، توسعت سلطة الإمارة الإسلامية على أرض أفغانستان، وفي صفوف الأجهزة الحاكمة، وبين الطبقات الميسورة التي استفادت من الحرب ولكن لا تنوي الرحيل، أو تنوي الرحيل ولكن بدون إحراق الجسور من خلفها. أصحاب رتب عليا ومتوسطة في النظام الحاكم قدموا عمليا براهين الولاء للإمارة الإسلامية. ورغم أن نظام كابل يمتلك رئيسان للجمهورية في وقت واحد بل في قصر جمهوري واحد، فإن ذلك لم يعد كافيا . فرغم أن رئيس واحد منهما يستطيع إغراق النظام، فإن وجود رئيسين يغرقه أسرع . وفي نهاية الشارع الذي يقع فيه القصر الجمهوري مازال عمود الإضاءة الذي شنق علية الرئيس الشيوعي نجيب الله قائما، وبجانبه عمود آخر، بل وأعمدة كثيرة بطول شارع العملاء.

– جهاز”الدعوة والإرشاد” أصبح من أكثر أجهزة الإمارة انشغالا. إذ يتهافت عليه المئات من جنود الجيش والشرطة والميليشيات، وموظفي الدولة، معلنين ولاءهم للإمارة متبرئين من الاحتلال ونظامه الحاكم في كابول. فالسياسة العسكرية الخرقاء التي مارسها جيش الاحتلال الأمريكي، ساعدت على حشد الشعب خلف إمارته الإسلامية وخلف مجاهدي طالبان .

وتزدحم ملفات جهاز “الدعوة والإرشاد” بقوائم المستسلمين للإمارة والمبايعين الجدد لها . أما في الأرياف فلا يحتاج الأمر إلى تجديد بيعة، فالسكان منذ البداية هم مع الإمارة سراً أوجهراً. وعندما فُتِحَت المزيد من الأراضي أمام الإمارة فإن كل ما يفعله السكان هو الترحيب بقوات طالبان، وبأجهزة الإمارة المدنية والعسكرية . ومساعدتها على السيطرة وبسط الأمن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة




جلال الدين حقانى-22

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 22

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (22)

– “أبو الدرداء” الشهيد الغريب .. من الحجاز إلى جبل تورغار.

– حقاني يرتب مع مطيع الله، أكبر تقدّم عسكري يشهده وادي خوست حتى ذلك الوقت.

–  خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرّحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح45 شخصاً من بينهم مولوي عبد الحــليم، من وزيرستان.

 –  حكومة مجددي لم تحدث فارقاً، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال، اللهم إلا مزيد من التخبط.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

مقدمة :

أوشك مؤتمر بندي على الفشل، وأن تتوقف محاولة تشكيل حكومة انتقالية تمثل جميع الأحزاب بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي.

صدام كبير وقع بين مولوي حقاني وبين حكمتيار الذي حاول سحب أي صلاحية من العلماء والقادة الميدانين في اتخاذ أي قرار مصيري يمس أفغانستان، مدعياً أن قادة الأحزاب السبعة هم فقط أصحاب الحل والعقد، وأن مجلس الشورى عليه تنفيذ أوامرهم.

حقاني هدّد بأن يتولى المجاهدين أمرهم بأنفسهم، وأن يشكلوا حكومتهم داخل أفغانستان، بل ويقاتلوا قادة الأحزاب إن هم حاولوا إحداث فتنة داخل أفغانستان.

الحل جاء بتشكيل لجنة أسموها “الشورى القيادية” مكونة من 70عضوا / من بين مجالس شورى الأحزاب / مهمتها تشكيل حكومة، وتعهد الزعماء بتنفيذ قرارات تلك اللجنة.

اختيرت اللجنة برئاسة مولوي حقاني رغم أنه لم ينتظر منها الكثير. اتفقت اللجنة على منح المناصب الوزارية العليا لقادة الأحزاب السبعة حسب نتائج التصويت، حتى لا يحدث نزاع.

 

التصويت وتوزيع الحقائب الوزارية :

كانت هناك مشكلتان أمام اللجنة، الأولى هي كيفية الإدلاء بالأصوات لأن كل مجموعة سوف تصوت لزعيمها، وكان الحل هو أن يكون لكل عضو صوتان الأول لقائد حزبه والثاني لأي قائد آخر. والمشكلة الثانية هي توزيع المناصب بين المنظمات، فتم الاتفاق على تقسيم الحقائب الوزارية إلى سبعة “أكوام” متدرجة الأهمية. وتوزيع الأكوام حسب الأصوات التي فاز بها كل زعيم.

فالفائز الأول يأخذ الكوم رقم واحد الذي يشمل رئاسة الدولة مع حقيبة وزاره الصحة. والفائز الثاني يأخذ الكوم الثاني الذى يحتوي على رئاسة الوزراء مع حقيبة وزارة المواصلات… وهكذا إلى الكوم السابع. وهكذا حافظت اللجنة على ما أكد عليه حكمتيار بأن يكون الزعماء السبعة هم محور العمل كله فكانوا هم زعماء المنظمات وهم أهم الوزراء في الحكومه. وقد عين بعضهم من ينوب عنه في المنصب الهام الذي فاز به. وقد فعل ذلك حكمتيار وجيلاني. ولكن حكمتيار عاد وتولى منصب وزير الخارجية بنفسه. وقد أدى جيلاني دوراً استشهادياً لصالح محور المعتدلين عندما أعلن أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، أي أن أعضاء كتلته سوف يصوّتون لواحد من المعتدلين الآخرين الذي كان هو مجددي، لأن جماعة جيلاني قد سربوا أخباراً عن رشوة ضخمة دفعتها السعودية “لمحمدي” حتى ينضم إلى تيار المتشددين وقالوا إن هذه الرشوة تقدربملغ 200 مليون روبية باكستانية .

( وإن كنت شخصياً أرى أن المبلغ كبير والأنسب أن يكون20 مليون ). وتسعير الرشاوي كانت كالتالي حسب مصادر جيلاني :

للفرد العادي عضو الشورى (مليون روبية) للقائد الميداني وعضو الشورى ( 4 مليون روبية)، أحد قيادات الحزب البارزين وعضو في الشورى (10 مليون روبية). وأخيراً تم التصويت وأعلنت الحكومة” يوم الجمعة 24  فبراير89″ وفاز مجددي بالمنصب الأول (174 صوتاً)، ثم سياف بالمنصب الثاني (173صوتاً) أي بفارق صوت واحد، وبذلك فشلت الأموال السعودية في تنصيب سياف رئيساً للدولة كما كان هدفها آنذاك. وكان ترتيب الفائزين كالتالي: محمدي ـ حكمتيار ـ خالص ـ رباني ـ جيلاني .

أي أن الترتب سار هكذا: معتدل ـ متشدد ـ معتدل ـ متشدد … إلخ. وهذا يعكس قوة التيار المعتدل الذي حقق تلك المزاحمة الشديدة رغم الرشاوي الواسعة والكريمة من السفارة السعودية ورغم تطفيش الشيعة، وحتى بعض الغائبين عن التصويت كانوا محسوبين على الجناح المعتدل في المجلس، أو بالأحرى المضاد للأحزاب الأصولية في بشاور.

وقد كان أكثر من فوجئ بتلك النتيجة… هو مجددي نفسه، وكما هو متوقع أطلق مجددي تصريحات رنانة ومجاملات دبلوماسية، ووعد بأن تنتقل حكومته إلى داخل أفغانستان خلال شهر و أن تباشر عملها من الآن .

وبالطبع لم يحدث شيء من ذلك، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال،اللهم إلا مزيداً من التخبط. ولم يكن واضحاً بشكل مؤكد برنامج هذه الحكومة، ولا مدة بقائها. وما صّرح به مجددي بعد الانتخابات كان مخالفاً لما أتفق عليه. أو العكس كأن يكون قد صرح بما اتفق عليه ثم كذبه باقي الزعماء. فقد قال بأن مدة حكومته عام واحد… فتصدى له حكمتيارعلى صفحات الجرائد قائلا : ( بل ستة أشهر فقط ). وفي داخل المؤتمر في مدينة الحجاج كان مفهوماً أن من مهام تلك الحكومة التجهيز لوضع سياسي دائم قائم على مجلس شورى وحكومة منتخبة. ولم يكن معروفاً كيف سيتم اختيار أعضاء الشورى والوزراء، وهل هي انتخابات عامة شاملة على نظام صوت لكل مواطن، وهو ما أيده البعض ومنهم حكمتيار، أم على أساس جركا قبلية “مجلس من زعماء القبائل”، وهو ما يؤيده أنصار الملكية الذين يعرفون أن زعماء القبائل يريدون الملك الذي ضاع نفوذهم بعد ضياع ملكه.

أم أن حرية الاختيار سوف تقصر على المجاهدين والعلماء وأنصار الجهاد مع استبعاد المعسكر المضاد بأكمله. لم يستقر الرأي على شيء من ذلك. وبذلك لم يتقدم الموقف السياسي للمجاهدين خطوة واحدة مع تشكيل تلك الحكومة، بينما الأحداث تتسارع بحدة، والنتيجة هي تقهقر شامل سريع ينذر بأوخم العواقب، ولم تلبث أن بدأت معارك جلال آباد في 6 مارس 1989، كي تؤكد أن حكومة مجددي قد ولدت ميتة كما ولدت حكومة أحمد شاه من قبل.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بداية متوترة :

كانت اللحظة تاريخية، وأجواء الترقب تثير الأعصاب. والجميع يتوقع انهيارا سريعا للنظام في كابل، والآن جاء قادة المنظمات الجهادية لتشكيل حكومتهم التي ستتولى قيادة البلاد في تلك الظروف. الإعلام الدولي كان يتحدث بلهجة مثيرة عن تلك الموضوعات ويؤكد على سقوط قريب لكابل، وتجاهل كل الإشارات والدلائل على أن ذلك ليس صحيحاً، والأغلب أنه تعمد ذلك. لذا توافد على مدينة الحجاج في روالبندي حوالي50 صحفيا أجنبيا لتغطية أحداث المؤتمر.

في يوم الافتتاح… تأخرت الجلسة الأولى عدة ساعات بسبب الخلافات، والضغط الزائد على منظمي الحفل وأعصاب الحضور. كان الإشراف الكامل على كل ذلك هو للمخابرات الباكستانية ISI التي تكفلت بالأمن والإدارة السياسية للمؤتمر وتوجيه الأحداث داخله. افتتحت الجلسة وبدأت كالعادة بتلاوة من القرآن الكريم ثم سمح للمراسلين الأجانب بالبقاء عشر دقائق فقط لتبدأ بعدها جلسة سرية، وقد تم إخراجهم بغلظة. فغضبوا وقرروا مقاطعة المؤتمر.

– كانت الأجواء متوترة أكثر من اللزوم، وليس أدل على ذلك مما حدث لأحمد شاه رئيس الوزراء (في الحكومة المؤقتة السابقة). لقد وصل أحمد شاه في سيارته الفخمة من طراز “رانج روفر” وأراد أن يصل بها إلى البوابة الرئيسيه لقاعة المؤتمر ، على عادة الكبار . ولكن رئيس الحرس الأفغاني أوقفه، وطلب منه ترك سيارته في الموقف العام والقدوم مشياً حتى الباب الرئيسي. لكن أحمد شاه استنكر ذلك وصاح به: ألا تعرفني؟ … أنا أحمد شاه رئيس الحكومة. {حكومة مؤقتة سابقة تشكلت قبل الانسحاب السوفيتي}. فأجابه رئيس الحرس بغلظة: بل أنت فرد عادي، إنما عقد هذا المؤتمرلاختيار رئيس حكومة. فأجابه أحمد شاه بالسباب، فأجابه رئيس الحرس بتجهيز بندقيته للإطلاق وهو يطلق الشتائم السريعة . فتدخل الناس وفضوا الاشتباك قبل أن تسيل الدماء. وخضع أحمد شاه للقانون. لكن دماءً أخرى  سالت على أعتاب قاعة المؤتمر ففي أحد الأيام فوجئ الناس بطلقات سريعة في الساحة وجثة تسقط ودماء تسيل، وارتباك وفوضى وحالة طوارئ وذعر يسود الجميع. في اليوم التالى أعلنت حكومة باكستان في بيان مقتضب أن جندياً  قَتَلَ ضابطاً من الحرس وأن الدافع كان ثأراً عائلياً، ولم يهتم أحد  بالحادث وتوقفت الصحف عن المتابعة.

” ولأن حقاني كان يدرك عقم كل مايحدث في بندي، وأن لا حكومة قادمة، بل شكل جديد من تلاعب أحزاب بيشاور بمصير أفغانستان وشعبها. قبل عدة أيام من إعلان تشكيل الحكومة أعطى حقاني أوامره باستئناف العمليات في خوست حسب البرنامج المقرر سلفا ” .

 

 

“أبو الدرداء” الشهيد الغريب ..

من الحجاز إلى جبل تورغار .

في يوم الثلاثاء21 فبراير كنت في زيارة لبيت جماعة حقاني في روالبندي وهو لا يبعد كثيراً عن مدينة الحجاج،  حيث جاءتنا أخبار أشاعت فينا البهجة والسرور، فقد هاجم المجاهدون جبل تورغار في خوست واستولوا عليه. ولكن في اليوم التالي ضاعت الفرحة حين وصلت أخبار أن الحكومة استردت  الجبل.

شعرت  أن خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح 45 شخصاً من بينهم صديقي القديــم مولوى عبد الحليم، من وزيرستان، وقالوا إن ساقه قد بترت بانفجار لغم وأنه يعالج الآن في بيشاور. وقالوا أيضاً إن قتالا داخلياً بين جماعة حكمتيار قد حدث في باري. بعد ذلك بأشهر علمت أن محاولة الاستيلاء على تورغار قد فشلت في وقتها، ودبّت الفوضى في صفوف المهاجمين، وكان بعضهم قد صعد إلى قرب مواقع العدو فوق سطح الجبل. ثم صدرت إليهم أوامر بالعودة، وكانت تلك الجماعة تحت قيادة مولوي عبد الحليم، ومعهم عربي من السعودية يدعى أبو الدرداء، رفض أن ينسحب قبل أن يطلق على العدو قذيفة آر بي جي، ولكى يتمكن من ذلك كان عليه أن يخطوه إلى اليمين قليلاً خارج المدق الصغير جداً الذي استخدمه في الصعود. وما كاد  يفعل حتى انفجر لغم تحت قدمه أطار ساقه وقذفه بعيداً وسط منطقـة ملغومــة ومكشوفة للعدو، وكان الوقت قريباً من المغرب، فتقدم مولوى عبد الحليم كي يحمله ويعود به فانفجر به هوالآخر لغم أطار ساقه. قتل أبو الدرداء بعد قليل، وكان معه بعض زملائه من العرب فدفنوه على موقع ليس ببعيد من تورغار في اتجاه الطريق الضيّق الواصل إلى بوري خيل. ومازال قبر أبو الدرداء واضحـاًعلى جانب مائل من الطريق الذي شقته بعد ذلك البولدزرات بعد فتح تورغار “بعد عام تقريباً”.

وقد ركز المجاهدون العديد من الأعواد الخشبية وعليها رايات بيض فوق القبر للتعريف بأن مجاهداً قد دفن هناك، في منطقة لم يدفن بها أحد من المجاهدين قبل أو بعد ذلك.  قبر ذلك الشباب يطبع في النفس الحزن والوحشة، وسط تلك الجبال والوديان ذات الأشجار البرية وحقول الألغام المجهولة. وقد تناثرت الآن عدد من البيوت حول مجرى الماء الصغير في المنطقة، وربما وصل بعض الأطفال أو الرعـاة إلى قرب القبر، الذي تمر إلى جانبه سيارات تنقل القرويين وخلفها ساحبات كثيفة من الأتربة الناعمة تنثرها فوق القبـــر وراياته المشرعة، لكن أحداً منهم لم ير أبو الدرداء أو سمع عنه. وكان هو العربي الثاني والأخير الذى يقتل بواسطة لغم فوق جبل تورغار. بعد عام تقريباً من استشهاد صديقي عبد الرحمن فوق نفس الجبل بواسطه لغم أيضاً.

 

 

عام  (1989):

تقدم في قطاع خوست الغربي

أولاً/ مسيرة حذرة تسلطت الأضواء دوماً على المكان الخاطئ، والأشخاص الخاطئين. تلك كانت (ميزة) آثمه للإعلام الذي رافق المسيرة الأفغانية خاصة الإعلام العربي، الذي لم يكن هو الآخر بعيداً عن التأثيرات الحزبية، والنزعات الشخصية وروح الإقليمية… إلخ. كانت خوست في الظل أو شبه الظل، لذا انصرف عنها العرب الأقوياء وبقي فيها ضعـفاء العرب أو منبوذيهم،  لكن بقيت فيها معسكرات تدريب تابعة للأقوياء خاصة جماعة أسامة بن لادن (القاعدة). وجماعة عربية ناشئة ظهرت هناك، ونمت بالتدريج واكتسبت أهمية بمرور الوقت، وهي جماعة (أبو الحارث الأردني)، التي كان لها دور هام في العمليات الأخيرة والحاسمة خاصة فتح جبل تورغار ثم فتح مدينة خوست. جماعة يمنية تمركزت في ليجاه (مجموعة مصطفى اليمني)، تواجدهم لم يكن ثابتاً ولكنهم ساهموا بقوة في عـدة معارك دارت قريباً من ليجاه.لذا كان دورهم محدوداً في المعارك النهائية التي دارت إلى الشرق من مواقعهم.

وكانت تلك الجماعة تابعة للشيخ الزنداني في صنعاء. كان المجاهدون يتلمسون طريقهم بحذر وهم يتقدمون في الوادي بعيداً عن جبالهم الحصينة، فتقدّموا من باري، منطقتهم الأساسية من الآن فصاعداً، واتّجهوا نحو حصون (جنـداد) و(مالانج) وفشلوا في ذلك عدة مرات، فاستولوا على الحصون ثم تركـوها تحـت ضغط الهجمات المعاكسة. وكان آخر محاولاتهم التي بدأت ناجحة ثم فشلت بعد ذلك، هو هجوم يوم الإثنين 23/5/89 الذي وصفه مراسل مجلة الجهاد بأنه كان مباغتاً، وفي الحقيقة أنني كنت أول من باغته الهجوم لأنني بعد أن قضيت فترة في انتظار للمشاركة في ذلك الهجوم، ثم تركت المنطقة في صباح ذلك اليوم بعد أن تأكدت أن معظم قادة المنطقة قد صرفوا النظر عنه، بل سربوا أخبار خطط الهجوم وموعده لحكومة كابل التي نشرته في إذاعاتها، فكانت مهزلة مهينة. لذا لم تتوقع تلك الحكومة أن يقوم أحد بمثل ذلك الهجوم، وكان ذلك هو استنتاجي أيضاً. لكن إخوة جلال الدين حقاني (إبراهيم وخليل) بالاتفاق مع قيادات ميدانية من التابعين لسياف وحكمتيار قاموا بهجوم جاء وصفه في مجلة (الجهاد) كما يلي:

[خوست ، من مراسلنا أبي معاذ المغربي:  شنّ المجاهدون صباح يوم الإثنين 23/5/89 هجوماً مشتركاً على مواقع ومراكز العدو في المنطقة المحيطة بخوست مباغتين العدو في ساعة لم يكن يتوقعها، مما أسفر عن سقوط بعض هذه المراكز وهي، مالانج، جنداد، باتالون، الواقعة جنوب خوست، وحاجى جول، ومركزين آخرين شمال غرب المدينة، ومركز “واليم” جنوب مدينة خوست.

وقد قام المجاهدون فجراً بالتوجه إلى هضبه تطل على السهول المنبسطة للمدنية، وقامت مجموعات أخرى بالتحرّك يمينا بموازاة جبل تورغار، وبدأ المجاهدون قصفاً مدفعياً مركزاً مباغتين العدو حيث لم يتركوا له فرصة  للرد على هجومهـم مما أثـر على معنويات العدو حيث بقي المجاهدون يقصفون مراكزه مدة ساعتين متواصلتين، أو يزيد، وبعد 4 ساعات من المعارك تم فتح مركز مالانج وبعده مركزجنداد كما قام المجاهدون بقصف مواقع العدو داخل المدينة مما حدا بطائرات العدو إلى القيام بقصف لمواقع المجاهدين فأطلقت عليهم ما يزيد عن 40 قذيفة، وقد أطلق العدو 10 صواريخ سكود في محاولة منه لإيقاف المجاهدين نحو المدينة. وقد استشهد في هذه المعارك ثمانية عشر مجاهداً وجرح سبع عشر آخرين. وفي حوار مع القائد الميداني خليل (شقيق جلال الدين حقاني) قال إنّ مراكز المجاهدين تستقبل يومياً أعداداً من الجنود والميليشيا الحكومية الذين يستسلمون للمجاهدين. وقدر أعداد الشيوعيين اثني عشر ألف في مدينة خوست وأضاف إن معارك جلال آباد تستنزف كمية هائله من الذخيرة.

وأثناء لقاءنا حاولت طائرات النظام إسقاط بعض المؤن والذخيرة داخل مدينة خوست للقوات الحكومية المحاصرة. وقال لنا القائد خليل إن الطائرات نادراً ما تحط في مطار خوست لأنه يقع تحت رماية المجاهدين(العدد 56، يونيو 89)] .

ومن مكتب حقاني في بشاور علمت أن العدو استطاع استعادة حصن مالانج بعد أن مكث تحت سيطرة المجاهدين لمدة يوم كامل وقد عزّز العدوّ قوات الحصن بدبابتين. وقد سقط على منطقة ليجاه صاروخين من طراز سكود ولكن أحداً لم يصيب منها. ولكن شاب يمني استشهد. وقالوا أيضاً بأن هناك نقصاً شديداً في ذخائر الهاونات.

ثانياً ـ تقدم في القطاع الغربي:

يوم وقفة عيد الأضحى من ذلك العام، كان يوم حافلاً، فبينما العرب مستغرقون في معارك باسلة حول جبل سمر خيل في جلال آباد التي تسلطت عليها أضواء العالم كله، شهدت خوست واحدة من أجمل العمليات العسكرية للمجاهدين في مدة الحرب كلها. كانت الفكرة مبتكرة، والتنفيذ دقيق ومتقن، وتوافرت المفاجأة عدة مرات في المعركة لصالح المجاهدين، ومع ضخامة الانتصار فقد كانت المعركة سريعة جداً، بحيث لم يكن لدى العدو خيار آخر  غير التسليم بالأمر الواقع، الذي هو ضياع حصن نادر شاه كوت التاريخي، ومواقع جبال (دوامندو) الحصينة والتي كان اقتحامها في هجوم جبهوي عملاً جنونياً وغير ممكن التنفيذ. الخطة في شكلها المكتمل تتمثل في فقرتين منفصلتين:

 

الفقرة الأولى:

أـ الاستيلاء على حصن نادر شاه كوت (وهي قلعة بناها الملك نادر شاة “929ـ1933″ والد الملك ظاهر شاه”1933ـ1973”).

ب ـ مهاجمة حصن دوامندو من الخلف.

أي من طرف الطريق الرئيسى القادم إليه من مدينة خوست.

 

الفقرة الثانية:

مهاجمة حصن دراجي والاستيلاء عليه بشكل دائم.

وهذا الحصن هو القاعدة العسكرية الرئيسية للطرف الغربي من الوادي. ودراجي هي قرية شهيرة في المنطقة ومسقط رأس وزير الدفاع شاه نواز تاناي.  والفقرتان معاً كان من نتيجتهما فقدان القوات الحكومية جزء واسع جداً من غرب الوادى بما في ذلك المضيق الإستراتيجى عند (دوامندو) الذي ينتهي عنده طريق زدران) خوست، جرديز، كابل ( ليبدأ وادي خوست الذي يخترقه من طرفه الشمالي الغربي الطريق إلى مركز المدينة. لقد أصبحت مواصلات المجاهدين إلى جارديز أقصر وأسهل، كذلك إمكانية تموين مراكزهم في المواقع في الجبال شمال خوست في منطقة منجل أي أن طوق الحصار صار أضيـق وأقوى. كان البرنامج كله من ترتيب جلال الدين حقاني والقائد مطيع الله (من باكتيكا) والأخير هو صاحب الفكرة المبدعة في الهجوم على نادر شاه كوت وتطويره في هجوم آخر سريع على (دوامندو)، واحتوى البرنامج على استقدام دبابتين من الأورجون بشكل سري، مع تمهيد طريق لها في الجبال ثم استخدامها في هجوم مباغت على الحصن الضخم في (نادر شاه كوت)، وقطعت الدبابة مسافة تستغرق أكثر من يوم في حالة اكتمال الطريق. وبغير هذه الطريقة كان من المستحيل وصول أية دبابات للمجاهدين إلى ذلك الحصن، كما أن ظهور الدبابات المهاجمة دمّر معنويات المدافعين، وكان مفاجأة مذهلة وبالمثل كانت فكرة مهاجمة ( دوامندو) من اتجاه خط الإمدادات القادم إليها من خوست وهو أمر مستحيل أن يتوقعه أحد حتى من المجاهدين أنفسهم وكان ذلك أحد المفاجأت المذهلة للقائد الفذ مطيع الله. أما توقيت الهجوم فى وقت وقفة عيد الأضحى وبعد الإعلان الواسع عن سفر جلال الدين حقاني إلى الحج فقد كان مفاجأة أخرى. فلا هجوم يحدث عادة من طرف المجاهدين في وقت الأعياد، كما أن سفر حقاني، وهوالمحرّك الأساسي للعمليات الكبيرة في المنطقة، أشاع جواً من الراحة والأمن في صفوف القيادات العسكرية في خوست. في وقفه عيد الأضحى يوم الجمعة 12يوليو 1989، أكمل مطيع الله الجزء الخاص به من العمل على أكمل وجه، منجزاً واحدة من أفضل اللوحات الفنية في التكتيك العسكري في تلك المنطقه. ومن المؤسف أنه قتل بعد أسبوع واحد بانفجار لغم في سيارته على مسافة ليست بعيدة من الحصن الذي شهد أفضل إبداعاته العسكرية.

 

الفقرة الثالثة :

كانت من نصيب حقاني الذي عاد من الحج مسرعاً ليجد صديقه وشريكه في البرنامج قد استشهد. وكانت تلك الفقرة متناسبة تماماً مع طبيعـة الإسلوب العسكري لجلال الدين. فهي تحتاج إلى الشجاعة والثبات والتصميم. ولما كانت طبيعتها أقرب إلى اشتباك في حرب تقليدية فكانت تقتضي درجة عالية من النظم والسيطرة على القوات. ولابد لذلك من قائد قوي ذو هيبة.

لأن المطلوب ليس مجرد غارة على موقع قوي جداً ذو خطوط إمداد قصيرة وآمنة، بل المطلوب الثبات فيه، بينما طبيعته المفتوحة لاتوفر غطاءً ضد قصف الطيران والمدفعية وصواريخ سكود ناهيك عن الجنود النظاميين، والأدهى هم أفراد الميليشيا من أهل المنطقة، الموالية تقليدياً للحكومة الشيوعية في خوست. فالمنطقة واقعة في أرض قبيلة تاناي المنتمي إليها وزير الدفاع شاه نواز تاناي. قبل الاستيلاء على دراجي كان لابد من الاستيلاء على عدد من المواقع المتقدمة التي تحميه، ثم التقدم بالمشاة والدبابات في أرض مفتوحة في أول مجابهة من نوعهـا بهذا الشـكل في خوست أو باكتيا كلها. وكانت جلال آباد ومآسيها ماثلة في أذهان المجاهدين وفي ذهن حقاني الذي بات يفهم جيداً معنى أن يقاتل المجاهدون في أرض مفتوحة، وسماء مفتوحة لطيران قوي للغاية وصواريخ سكود المدمرة. لقد نجحت المحاولة الأولى في الاستيلاء على الحصن (24/8/89) ولكن الهجوم المعاكس للعدو خلعهم منه بقسوة(28/8/89)، ولكن حقاني أعاد الكرة مرة أخرى (5/9/89) واستولى على دراجي للمرة الثانية والأخيرة، حيث فقدها العدو إلى الأبد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

 

معركة ناىر شاه كوت

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجددّ (22)




حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 21

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (21)

في مباحثات “راولبندي” مواجهة حادة بين حكمتيار وحقاني، حول الشورى وصلاحيات العلماء والمجاهدين في اختيار الأمير ورسم السياسات.

العناوين :

– السياسيون أم العلماء وقادة المجاهدين: من هم أصحاب الحلّ والعقد؟ ومن لهم الحق في تشكيل الحكومة؟ وتعيين الأمير؟ وتحديد سياسات الدولة؟

– حكمتيار هدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، قائلا: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) .

– حقاني يرد: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة.. فمن يكون؟ بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدين هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميرًا شرعيًا للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) .

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

مقدمة:

(نحن الآن في شهر فبراير من عام 1989)

كانت معركة طريق زدران هي بوابة لانسحاب السوفييت من أفغانستان انسحابًا “مشرفًا ” بعد تحقيق نصر متوهم بعبور الجيش الأحمر لذلك الطريق الاستراتيجي، الذي لم يتمكن خلال سنوات من الاحتلال من مجرد السير عليه.

كانت المعركة مؤامرة دولية، شاركت فيها أحزاب بيشاور ولكن المتضرر الأكبر كان مولوي حقاني الذي فقد أكثر من مئة مجاهد، وكاد أن يستشهد في تلك المعركة. وقبيلة زدران نفسها ـ التي ينتمي إليها ـ هاجرت بشكل واسع جدًا لأول مرة في تلك الحرب.

بدأ انسحاب السوفييت بعد إشهر قليلة من المعركة، وأتموا الانسحاب في فبراير 1989.

وبعد الانسحاب بحوالي شهر بدأت معركة جلال آباد التي كانت مؤامرة دولية أخرى شاركت فيها أحزاب بيشاور كما هي العادة. والهدف كان فرض هزيمة عسكرية كبرى على المجاهدين ، تكون مبرراً لقيادات بيشاور كي ينخرطوا في حل سياسي ينتهي بتشكيل حكومة مشتركة لا ينفرد فيها المجاهدون بحكم أفغانستان، ويبقي الشيوعيون في الحكم ومعهم عناصر موالية للولايات المتحدة.

في بداية عام 1989 بدأت في باكستان ـ مدينة راولبندي ـ مشاورات لتشكيل حكومة مؤقتة لأحزاب المجاهدين تكون طرفًا في الحل السياسي القادم. الذي تصوره المجاهدون الحقيقيون مواصلة للجهاد حتى إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول. وكان مولوي حقاني علي رأس ذلك التيار. أما التيار الآخر والذي يمثله قادة أحزاب بيشاور فكان جاهزاً لأي حل دولي تتفق عليه أمريكا مع السوفييت.

مشاورات تشكيل تلك الحكومة لم يحضرها الإعلام الدولي وكانت مشحونة بالتدخلات الخارجية ـ خاصة من السعودية وباكستان ـ كي تأتي حكومة موافقة لمتطلبات أمريكا والحل السياسي الذي اتفقت عليه مع السوفييت.

كنت علي اتصال يومي مع مولوي حقاني لمعرفة مجريات مباحثات راولبندي ـ وكانت صحف باكستان زاخرة بتفاصيل كانت مفيدة لاستكمال صورة ما يحدث في تلك المباحثات الباعثة علي اليأس.

مولوي حقاني ضغط بشدة علي زعماء الأحزاب، يسانده عدد كبير من القادة الميدانيين المخلصين الأعضاء في شوري المؤتمر، يحدوهم الأمل بتوحيد جهود الأحزاب في عمل عسكري كبير يستكمل فتح أفغانستان ـ ولكن أسفرت اجتماعات راولبندي عن تشكيل حكومة يرأسها سيّاف رئيسًا للوزراء ـ ويشغل فيها مجددي رئاسة الدولة. أول أعمال الحكومة كانت إشعال حماسة كبري، بدعم من الإعلام الدولي، لمعركة في جلال آباد. المعركة شهدت أكبر خسائر بشرية في معركة واحدة خلال الحرب كلها. وكاد يتوقف الجهاد في كل أفغانستان كما توقعت الجهات الدولية التي ضغطت لتشكيل حكومة بهذا الشكل الهزيل. لكن حقاني واصل عملياته العسكرية المذهلة ـ ولولا فضل الله علي المجاهدين، وفتح مدينة خوست لظل الشيوعيون مكوناً رئيسيًا في حكم أفغانستان إلي اليوم.

– أهم حوارت مؤتمر راولبندي هو ما دار بين قادة الأحزاب السبعة بقيادة حكمتيار، وبين أعضاء الشوري في المجلس من علماء وقادة ميدانيين ويقودهم مولوي حقاني. لقد تبارزا بحدة حول عدد من أهم التحديات الفكرية والحركية التي مازلت تواجه العمل الإسلامي، ألا وهي:

1ـ من هم أصحاب الحل والعقد؟

2ــ من الذي يختار رئيس الدولة؟

3 ــ من يرسم سياسات الدولة؟

4 ـ أزمة الثقة واختلاف الرؤي بين السياسيين المحترفين وبين العلماء والمجاهدين.

 

الحكومة المؤقتة الثانية (حكومة راولبندي) :

– أصيب الجهاد الأفغاني بلعنة (الاحزاب السبعة) ، ورغم الانقسامات العديدة ومحاولات التوحيد الكثيرة… لم يزد العدد أويقل عن سبعة، البعض يتفاءلون بهذا الرقم، لا ندري من هو المتفاءل، هل هي الحكومة الأمريكية أو باكستان والسعودية، أم القادة السبعة أنفسهم. الحكومة المؤقتة الأولي، حكومة أحمد شاه، لم تنجح في توحيدهم، بل ولدت ميتة وعاشت الأحزاب السبعة لا هي حرة ولا هي مستقلة. يطلقون عليها اسم حزب أو تنظيم، ولكنه اسم علي غير مسمي، تماماً كاسم حكومة التي أطلقوه علي حكومة أحمد شاه ثم مجددي من بعده. الفرد هنا هو الأساس، وحوله عدد من الأقارب والأصدقاء والمتملقين يسميهم مجلس شوري.

وهو أيضاً اسم علي غير مسمي، والأفضل تسميته مجلس (الثرثرة) ، أما القرار فهو لزعيم الحزب. وحتى هذا الزعيم الأوحد له مستوى متدني للغاية في قراراته، أما مستوى القرارات الخاصة (بالسيادة) فهي لأصحاب السيادة، أي المخابرات الباكستانية التي ترسم الإطار العام وأكثر ملامح العمل التنفيذي، ومن فوقها تأتي المخابرات الأمريكية التي تتحكم في دولة باكستان بالضغط الاقتصادي (والإملاء) السياسي والتهديد الأمني، حتى لأمن رئيس الدولة.

فقرار تنصيب رئيس دولة باكستان، أو عزله، وربما قتله، هو قرار أمريكي من صميم اختصاصات السيادة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي. فقد قتل ضياء الحق نسفًا، كما عينت (بي نظير بوتو) انتخابًا، بقرار أمريكي. وأمريكا أرادت حكومة (جهادية) جديدة أكثر حيوية من حكومة أحمد شاه المتوفاة. ولكن لا تريدها حكومة حقيقية، بل تريد حكومة لا تترك المجال خاليًا أمام حكومة كابل التابعة لمنافسها وغريمها القديم، الاتحاد السوفيتي. تريدها حكومة تكون ستاراً أفغانيًا للنفوذ الأمريكي، ومشجبًا لتعليق الهزيمة والخسائر والضعف حتى ينسب كل ذلك للجهاد وللشعب الأفغاني وحلفائه من المسلمين المجاهدين. كانت أمريكا تنادي بحكومة (ذات قاعدة عريضة) لا لشيء إلا لتمييع الطابع الإسلامي للمجتمع والدولة، ولاستعباد المجاهدين والرموز الإسلامية النشطة. كانت تريد حكومة من عملاء أمريكا والسوفييت، ومن أصحاب العقائد المعادية للإسلام أو المنكرة له. ومن اللطيف أن نذكر ذلك المأزق الذي وقعت فيه أمريكا بسبب ذلك الشعار الذي بمقتضاه لابد أن يشارك الشيعة في الحكومة، خاصة وأن لهم ثمان منظمات جهادية مستقرة في إيران، وهم معتبرون كقوة جهادية مسلحة، مع اختلاف في وزنهم العسكري وفعاليتهم، ولكنهم بلا جدال أفضل بكثير من قوي أفغانية هاجرت إلي الغرب وحملت جنسياته وجوزات سفره، أو هؤلاء الذين سوف يأتون من كابل لتمثيل (الشيوعيين الطيبين) ، أي الذين لم يشاركوا في قتل المسلمين وقد قررت منح هؤلاء “الطيبين” 19 مقعداً في مجلس الشوري الذي سوف يختار الحكومة المؤقته الجديدة. ولكن الخلاف حدث بالنسبة لتمثيل المنظمات الشيعية، وكانت أول أزمة كبيرة تواجه تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقرر أن تعقد الجلسات من أجل تشكيلها في مدينة الحجاج الواقعة على الطرف الشمالي لمدينة راولبندي. كانت الخطة الأمريكية للخروج من ذلك المأزق تعتمد على تكتيك بسيط وفعال، وهو أسلوب “التطفيش”، أي إثارة أعصاب الخصم فيضطر إلى ترك الساحة غاضباً، وعندها يمكن تحميله ذنب ما حدث وأنه هو الذي رفض وترك. وذلك ما حدث فعلاً. لكن بما أن هناك أطرافاً أفغانية هي التي ستقوم بواجب التطفيش، وأن ذلك يستدعي دفع أتعاب معينة. فكان لابد أن تكون الخزينة الأمريكية بالنيابة “أي السعوديه”، جاهزة وقريبة جداً.

وقامت السفارة السعودية في إسلام آباد بالواجب المطلوب منها. فتابعت ما يحدث عن كثب ووزعت الأموال على كثيرين كي تحصل علي النتائج المطلوبة. وكان أهم مطلب هو استبعاد الشيعة الذين ينظر إليهم سياسياً كقوة موالية لطهران، وذلك سيشكل عقبة كبيرة لحكومة المجاهدين المحسوبة واقعياً ضمن النفوذ الأمريكي، وبالتالي السعودي والباكستاني. الخطوة الأولى: استدعاء الخصم “الشيعة” ،والخطوة الثانية: إثارة أعصابه لإجباره على ترك الساحة، الخطوة الثالثة: تحميله مسئوليه ما حدث. من أجل استدعاء الشيعة تم عرض مشاركتهم في تشكيل الحكومة وعرض عليهم مئة مقعد مجلس الشوري الذي سيشكل الحكومة. كان لكل حزب في بشاور 60 مقعد في مجلس الشورى، وبعد مساومات طويله ومباحثات بين باكستان وإيران، شارك فيها وزيرا الخارجية في البلدين نجحت الجهود ووافق قادة أحزاب بيشاور على منح الأحزب الشيعية الثمانية مئة مقعد في المجلس.

صبغة الله مجددي رئيس اتحاد المجاهدين في بشاور، الذي يتناوب الزعماء رئاسته في دورة مدتها ثلاثة أشهر لكل زعيم ذهب إلى طهران حاملاً النبأ السعيد إلى المنظمات الثمانية هناك وتم الاتفاق على حضورهم جلسات مدينة الحجاج في بندي لتشكيل الحكومة الجديدة. وما أن وصل المئة مندوب من طهران حتى بدأ فوراً تكتيك “التطفيش”. فقد استنكر زعماء بشاور ما حدث وادعوا أنهم لم يوافقوا عليه وأن مجددي تصرف من تلقاء نفسه، وأن الشيعة لايجوز أن يشغلوا كل تلك المقاعد. فكانت أول أزمة كبيرة واستعدّ الوفد الشيعي بقيادة “خليل الله خليلي” لمغادرة المؤتمر عائدًا إلى طهران. مجددي غضب بشدة من خيانة زملائه الذين وافقوا ثم أنكروا، مع أن ذلك كثيرًا ما حدث من أجل توريط بعضهم بعضًا، فيتفقون مع قائدهم سرًّا ثم يخذلونه علنًا مدعين أنهم لم يوافقوا.

حدث ذلك عندما قرّروا حل اتحادهم في بشاور وبناءً على طلب أمريكي أيضًا، وعندما ذهب ربّاني ثم خالص لمقابلة ريجان، وعندما…. الخ. بعض القادة الآخرين وأعضاء الشورى الذين لم تطالهم أموال السعودية احتجوا على نقض العهد بهذه الصورة المفضوحة. وكان لابد من تخطي تلك الأزمة وإقناع الوفد الشيعي بالبقاء، ثم تطفيشه في وقت لاحق، خاصة وأن الصحف الباكستانية انتقدت موقف أحزاب بشاور، ولمحت إلى النفوذ السعودي والأمريكي وراء ذلك التصرف. تشكلت هيئة “إطفائية” لمجلس الشوري لأن الأزمات توالت. وأن كانت البداية مع الشيعة، ولكن النّيران امتدّت إلى داخل مجلس الشورى، وبين أعضاء الشورى والزعماء السبعة. قاد هيئة الإطفائية جلال الدين حقاني، عضو مجلس الشورى ضمن وفد تنظيم يونس خالص.

وبعد مجهود كان حل المشكلة هو أن يأخذ الشيعة سبعين مقعدًا، ستون مقعدًا علنية حسب ما طالب به، وأصرّ عليه بعض زعماء أحزاب بشاور، ثم عشرة مقاعد ـ سرية ـ خمسه ضمن وفد مجددي في الشورى، وخمسة تبرعت بها منظمات أخرى، ومرت الأزمة الأولى. ولكن محورالمعتدلين (مجددي/ جيلاني/ محمدي) شعر بالخطر من التدخل السعودي وشعر أنه سيكون الضحية، فالأموال السعودية سوف تقلب موازين الشورى التي كانت في صالح المعتدلين.

وساعد على ذلك أن مجددي أثناء فترة رئاسته للاتّحاد، وكانت آخر فترة قبل مؤتمر راولبندي، كان قد ضمن أصوات الأحزاب الشيعية، لكونه هو الذي حمل إليهم النبأ السعيد بتخصيص مئة مقعد في الشورى مع وعد بسبعة حقائب وزارية. والجناح المعتدل لايعادي الشيعة بعنف مبالغ فيه كما يفعل الجناح الأصولي وبالتالي فإن تصويت الشيعة سوف يكون في صالح المعتدلين. كذلك فإن مجددي في فترة رئاسته منح 19مقعدًا في الشورى، “للشيوعين الطيبين في كابل”، وبموافقة جميع الزعماء الكبار، ولكن أحدًا لم يعترض كما حدث مع الشيعة، حتى أن كل الناس تقريبًا لم تشعر بأن حكومة كابول كان لها ممثليها، غير الرسميين، في مؤتمر راولبندي.

كذلك فإن كتلة ” المهاجرين الأفغان في الدول الغربية” وهي كتله تهتم بها أمريكا كثيرًا، وتراهن على أن تمسك في المستقبل (المتوسط) القيادة المطلقة لدولة أفغانستان، تلك الفئة حضرت المؤتمر وشاركت في المناصب الحكومية الهامة، فيما دون منصب الوزير. تم ذلك بدون ضجة أو إعلان، حتى أن العمل العسكري لتلك الحكومة رغم هزاله كان في يد واحد من هؤلاء يحمل الجنسية الاسترالية. {تلك الفئة من (الأفغان الغربيين) تولوا حكم أفغانستان بعد احتلال أمريكا لها عام2001 ويرأسهم حامد كرزاي، معظم الوزراء يحملون جنسيات أمريكية وغربية. وكثير منهم تنصر سرًا واحتفظ باسمه القديم كما هو}.

كتله صغيرة أخرى كانت ستقف إلى جانب المعتدلين وهم كتلة المستقلين، والتي تضم مولوي نصر الله منصور، وقاضي محمد أمين وقاد ورفيع الله مؤذن، ولهم جميعاً عشرون مقعداً فقط.

وكان توازن القوى في المجلس، قبل التدخل السعودي هو كالتالي:

عدد الأعضاء المعتدلين:

(محمدي) 60 عضواً + (جيلاني) 60 عضوا + (مجددي) 60عضوا + (الشيعة) 70عضوا (الطيبون) 19 عضوا = 289 عضوا.

الأصوليون:

(سياف) 60 عضوا + (حكمتيار) 60 عضوا + (رباني) 60عضوا + (خالص) 60عضوا =240 عضواً.

وقبل التصويت نجحت الأموال السعودية في تطفيش الشيعة، كما نجحت أيضاً في سحب “محمد نبي محمدي” ومندوبوه في الشوري إلى جانب (المتشددين) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن توازن الأصوات داخل المجلس أصبح كالتالي:

المعتدلون 159 عضواً.

المتشددون 300 عضواً.

بهذا الشكل ضمنت السعودية أن يكون مجلس الشورى رهن مشيئتها وأن تشكل هي الحكومة التي تريد. (وقد فعلت ذلك عندما فتحت كابل ولم يكن للمنظمات حكومة يدخلون بها العاصمة كقيادة شرعية. فتولى مدير المخابرات السعودية تركي الفيصل تشكيل تلك الحكومة التي كلفته 150 مليون دولار فقط توزعت بين سياف ومجددي “مئة لسياف، خمسين لمجددي”.

وقد كلف تركي الزعيم سياف بتشكيل الحكومة، فاختار مجددي رئيساً مؤقتاً للدولة ووزع المناصب على الزعماء الكبار أو من ينوب عنهم كما هي العادة في كل مرة) .

لكن حادثان عرقلا نسبياً ذلك التخطيط، الأول كان سوء تفاهم خطير بين مجلس الشورى والزعماء السبعة هدد بانهيار المسرح على رؤوس من فيه من الممثلين في مدينه الحجاج. الثاني هو نظام توزيع المناصب الوزارية ونظام التصويت والذي ابتكره جلال الدين حقاني (رئيس فريق الإطفائية) والذي أنقذ العملية برمتها من الانهيار عدة مرات حتى خرجت بنتيجتها النهائية، وذلك خير من انهيار المؤتمر وفشله في مهمته المعلنة.

وذلك إذا حدث سيعتبر فضيحة كبيرة.

جرف الحماس أعضاء مجلس الشورى في بداية جلساتهم. فقد طرح في البداية اقتراح بتجديد المدة لحكومة أحمد شاه، الذي قدم تطويرًا هامًا لحكومته تمثل في استحداث وزارة لشئون المرأة (!!) وبالطبع كان من المفروض أن تشغله امرأة، أثار ذلك استهجان أعضاء مجلس الشورى وأسقطوا حكومة أحمد شاه، من الجولة الأولى وبالضربه القاضية. وفتح ذلك شهية الأعضاء كي يمارسوا مهامهم بجدية فأثار ذلك ذعر القادة السبعة.

فمجلس الشورى يريد أن يحاسب الزعماء وأن يكون شريكاً حقيقياً في اتّخاذ القرار بشأن مستقبل البلاد بما في ذلك الحكومة الجديدة. إذًا فقواعد اللعبة على وشك أن تتغير، وهناك من يناقش أولياء الأمر ويحاسبهم، ويريد أن يشارك في صنع القرار.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

كان لابد للقادة أن يدافعوا عن كيانهم ضد “تعديات” الشورى، التي اختاروا رجالها، فتقدم حكمتيار وهدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، فقال لهم: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) . وهكذا اتحد المعتدلون والمتشددون في جهة واحدة من سبعة أشخاص، ضد (نواب الشعب!!)

الذين اختارهم القادة السبعة أنفسهم. وكانت لحظة مليئة بالمعاني العميقة ليس للأفغان فقط بل للمسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة. لحظات عبّرت عن نظرية الذات، أو الذوات المقدسة لأولياء الأمور حكامًا كانوا أم زعماء لمنظمات جهادية أو دعوية أو.. والخلاف الأبدي حول أصحاب الحل والعقد من هم ومن يختارهم وما هي صلاحيتهم ؟ ومن يحميهم من ولي الأمر من أن يقتلهم أو يسجنهم أو يشتريهم بالذهب والفضة والمناصب اللامعة؟.

لقد هاج المجلس وماج، وتصدى كثيرون للرد على وقاحات حكمتيار الذي يتكلم ذلك الكلام الجارح أمام مجلس فيه نسبه لا بأس بها من العلماء والمجاهدين ذوي الاحترام والهيبة. الوقت المخصص لكل عضو للتعبير عن رأيه هو خمس دقائق فقط. لذا لم يتمكن أحدهم من الاستفاضة أو إكمال التعبير عن وجهة نظره، حتى يجد أن الميكروفن قد أغلق، وأن هناك عددًا من الأصحاء من حراس المجلس يدفعونه بلطف وإصرار بعيدًا عن المنصة.

لكن حقاني كان الوحيد الذي استطاع في الوقت المحدد أن يرسل برقية حادة حملت كل نذر الخطر والجدية. قال حقاني: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة فمن يكون؟. بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدون هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه، هؤلاء الذين ضحوا في الجهاد هم أصحاب الحل والعقد بحكم الشرع وبأي حكم آخر. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميراً شرعياً للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) . كان التهديد أكثر من خطير، وساد الصمت أرجاء القاعة، ولم يزد القادة سوى أن طأطأوا رؤوسهم وتمتموا:” نعم… نعم”. ثم تحول المسار.

لقد أتقن الزعماء السبعة فن اللعبة وكم امتصوا مثل تلك الأزمة التي أثارها أمثال حقاني. إن حقاني يهدد بثورة هو محركها وقد يصبح قائدها.. وليس أفضل لامتصاص الثورة أو قتلها من تشكيل لجنة. فليكن حقاني زعيم لجنة لا زعيم الثورة، وليكن أفراد اللجنة من أخلص أتباع القادة.

كل زعيم يرسل عشرة من أتباعة المخلصين فتتشكل لجنة من سبعين عضواً يرأسها حقاني تكون مهمتها اقتراح الحلول الملزمة للخروج بشيء من ذلك المؤتمر الذي طالت أيام انعقاده في جلسات سرية أقصيت عنها الصحافه عمداً… والكل ينتظر ولادة متعثرة داخل مدينة الحجاج.

حقاني هو الآخر يعرف هؤلاء الزعماء جيداً وأنهم أسرع من ينقض العهد وينكر ماتعهد به، لذا طالبهم بتفويض مكتوب فوقعوا تعهداً يقول: { لإقرار الأمن والنظام في أفغانستان وإقامة حكم إسلامي فيها فقد فوضنا هذه اللجنه يتشكل الحكومة وأن هؤلاء السبعين يعتبرون “الشورى القيادية” وأن يقيموا حكومة انتقالية. وإذا أصدر هؤلاء السبعون أي قرار فإننا نقبلها ونحن مكلفون بالتنفيذ، وأن يباشر هؤلاء السبعون عملهم هذا ويتابعوا تنفيذة}.

التوقـيع: “رباني، سياف، حكمتيار، خالص، مجددي، محمدي، جيلاني”.

“وكان ذلك يوم الاثنين 20 فبراير1989 أي بعد 16 يوم من بدء العمل. لم يكن ممكناً فعل الكثير بمثل تلك اللجنة التي هي ملكية أكثر من الملك”.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 20

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)                     

معركة طريق زدران كما يرويها حقاني

 

العناوين: 

– رد حقاني قائلاً:  لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن.

  انهار الوضع بطريقة مأساوية لأن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

– خسر الروس 300 قتيل والجيش الأفغاني 200 قتيل، وعدد شهدائنا كان 100.

– استخدم العدوّ المساجين كدروع بشرية لفتح ثغرات في حقول الألغام.

– أحضر الروس قوات من سيبيريا للقتال في مناطقنا الثلجية. قوات العدو كانت غزيرة جدًّا وتملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة.

نصحني حقاني بعدم الكتابة عن تفاصيل موقف الأحزاب من المعركة .. لماذا ؟؟

– ادّعى السوفييت أنها أول حملة يشاركون فيها، والتلفزيون السوفيتي يتابعها لأول مرة.

– الإذاعة البريطانية تدعي وجود 50 خبيرًا أمريكيًا مع المجاهدين، من بينهم صديقنا عثمان الصعيدي.

 

  تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجمعة 8/يناير/88 :

عاد إلى ميرانشاه الدكتور “محمد حسن” الذي كان يعمل في نقطة الإسعاف العربية في “نكا” وأخبرنا بأنه قابل في الطريق كل من أبوخالد وأبوحفص وأبوجهاد والآخرين. بعد صلاة العشاء ذهبت مع عبدالرحمن وآخرين لمقابلة حقاني، وكان هناك تميم العدنانى الذي يحرص على ملازمة الشيخ، ومساعدته في مقابلة العرب وجمع التبرعات له. وأخيرًا وصل الشيخ حقاني والضمادات تحيط بركبته ولكنه يستطيع المسير بصعوبة نسبية، كتبت فى مفكرتي عن حقاني في ذلك اللقاء : 

سلمنا عليه، كان مرهقًا… ويبدو محطمًا بشكل لم أشاهده من قبل… لكنه كان نشط الذهن متجلدًا…بدأنا في حديث مطول حول ما دار في تلك المعركة، أخذت أسجل كتابيا ما يقول حقاني، بينما اعتنى عبدالرحمن بتسجيل الحديث في شريط كاسيت مازلت أحتفظ به إلى الآن. يقول حقاني عن تلك المعركة: جمع الشيوعيون قوات ضخمة روسية وأفغانية بهدف فك الحصار المضروب حول خوست منذ ثمانية سنوات ونصف السنة، ومنذ ثمانية أشهر قبل الحملة الأخيرة، كان مطار خوست يقصف بواسطة المدفعية والصواريخ فاشتد الحصار على المدينة. بدأت المعركة في جبال “ستي كندو”، ولكن القصف الجوي والمدفعي طال كل قرى المنطقة، والتي كانت آمنة من القصف منذ مدة طويلة، فقتل عدد كبير من النساء والأطفال، وانشغل المجاهدون بنقل عائلاتهم إلى خارج المنطقة في ظل ظروف الشتاء القاسية والثلوج المتراكمة.

وكان أمرًا صعبًا أدّى إلى نقص كبير في عدد المدافعين عن المنطقة. ويواصل حقاني: لقد وصلت إلى أرض المعركة بعدما كانت القوات الشيوعية قد صعدت جبل “ستي كندو” ورغم كثافة تلك القوات وضعف المجاهدين إلا أن العدو لم  يستطع التقدم لمسافة تذكر، وبات مصير الحملة مهددًا، إلى أن قام العدو باستعمال طريق فرعي داخل الجبال يبدأ من منطقة سيد كرم في جرديز وينتهي في منطقة تدعى” ميرجان دكان” على الطريق الرئيسي خلف منطقة سرانا. وبهذا تخطى العدو نقاط مقاومتنا القوية وأصبحنا نحن مطوقين أو مهددين من جهتين، وبدأ موقفنا يضعف وهاجمنا العدو أرضيا من جهتين وضغط علينا إلى داخل سرانا وأبعدنا عن الطريق الرئيسي فاستطاع أن يستخدمه. وأثناء مروره من الطريق الفرعي المذكور دفع أمامه مجموعات من المساجين السابقين الذين اسخدمهم دروعًا بشرية تمر أمامه في الطريق خوفًا من الألغام أو كمائن المجاهدين، ذلك بالرغم أن الطائرات قد قصفت المنطقة بكثافة كبيرة حتى أن السكان هجروها بالكامل. وكان هناك عدد من الجواسيس وعملاء العدو سهلوا له العملية كلها، وأرشدوه الى الطريق وأعلموا الروس بعدم تواجد قوات للمجاهدين يمكنها تهديد القوات المتقدمة. بالنسبة لخسائر العدو في تلك المعارك فهي ليست معلومة لنا بدقة حتى الآن، فالجنود الأسرى لايعلمون سوى بخسائر وحداتهم، بينما ساحة المعركة واسعة جدًا ومدة المعركة كانت طويلة. أكثر الخسائر البشرية، كما شاهدنا، كانت في الجنود الروس لأنهم جاهلين بالمنطقة، ولم يتعرفوا على تكتيكات المجاهدين في القتال ومواقع حقول الألغام التي زرعناها. ونحن في انتظار أخبار تأتينا من كابول حول خسائر العدو من المتعاونين معنا هناك، والآن يمكنني تخمين أن الروس خسروا 300 قتيلًا والجيش الأفغاني خسر 200 قتيلًا. وكنا قد حصلنا على قائمة بحوزة ضابط روسي قتيل تحتوي على أسماء من قتلوا من وحدته وكانوا 85 شخصًا.أما عدد الشهداء عندنا فلا يزيد عن مئة شخص.

– لقد أسقطنا للسوفييت خمسة طائرات من بينها 3طائرات ميج، وطائرة هيلوكبتر واحدة، وطائرة نقل واحدة ، كما دمرنا لهم مابين 70 / 75 آلية مابين سيارة ودبابة، وحطمنا له مابين 25 /30 مدفعاً نتيجة هجمتين لنا على معسكر المدفعية في جارديز (قرب قرية غلجاى). عن القوات الشيوعية التي شاركت في الحملة، قال حقاني:

إنّ الفكرة عنها ليست كاملة ولكن ماهو معروف أن القوة تشكلت من فرق أفغانية مختلفة، مع قوات روسية كانت هي الأغلبية من قوات الحملة. وقد شاركت قوات روسية قدمت خصيصاً من منطقة “سيبريا” حتى تكون قادرة على العمل في منطقتنا الباردة والجليدية في ذلك الفصل الشتوي.

أما الفرق الأفغانية التي شاركت بعض قطاعاتها في الحملة فهي:

فرقة غزني”فرقة 14″، فرقة جرديز”فرقة12، “و الفرقة السابعة، و فرقة قارغاه “فرقة 8” ، مع قوات روسية من كابول وغزني وجرديز. ويمكن القول بأن القوات كانت كثيفة جدًا بشكل غير عادي وكانت تملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة. بالنسبة للموقف الآن فإن المجاهدين من أهل المنطقة مازالوا يواصلون عملياتهم ونأمل أن يتمكنوا من تنظيم صفوفهم، والعدو لم ينشئ مواضع دفاعية “بوسطات” على الطريق ولكن فقط نقاط حراسة. ولا ندري المدى التي ينوون الاحتفاظ فيه بالطريق لأنه مشكلة كبيرة عليهم، ويكفي أن تعلم أنهم خلال 37 يومًا من القتال لم يستطيعوا أن يخترقوا الطريق. ولكنهم عندما هاجموا مراكزنا “سرانا” شغلونا وفتحوا نصف الطريق في يومين.

وللأسف فإن مجاهدي المنظمات الأخرى قد هربوا وتركوا المنطقة خالية وهذا هو السبب الرئيسي لفتح الطريق.

عن كمية الإمدادات التي وصلت إلى خوست فهي غير معلومة لأن العدو يسير بها ليلاً  في قوافل من السيارات  مطفأة الأنوار حتى لا نعلم حجمها. وتوقع حقاني أن يكون من أهداف القوة الشيوعية طرد المجاهدين من مراكزهم حول خوست لتأمين المدينة، ثم الوصول إلى القواعد الرئيسية خاصة جاور كما يمكنهم قصف ميرانشاه للضغط على باكستان حتى تتدخل لتقييد نشاط المجاهدين كما يحدث في منطقة “طورخم” الحدودية على طريق بشاورـ جلال آباد. قلت لحقاني أنه في الظروف الحالية يبدو أنه غير ممكن عمل شيء كثير ضد القوة بسبب الشتاء، واضطراب المجاهدين وبالتالي فإن القتال الرئيسي سوف يكون في الربيع والصيف، فما هي فكرته حول المعارك القادمة؟

رد حقاني قائلاً:” لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن، لأنهم مازلوا يجهلون المنطقة بينما نعرفها نحن وإذا تركناهم فسوف يتعرفون على المنطقة جيداً وعلى حقيقة أوضاع المجاهدين، وسوف يقيمون نقاطًا منيعة لحماية الطريق، بينما حراساتهم على الطريق الآن مازالت ضعيفة“.

وفي الأمس ضرب مجاهدونا قوافل العدو على الطريق، وقد ظل العدو يقصفهم بالمدفعية طوال الليل. وسألت حقاني:” لكن لماذا لم يحاول المجاهدون مهاجمة خوست والاستيلاء عليها قبل تلك الحملة ؟”. أجاب قائلاً: “كانت دفاعاتها ما تزال قوية، وبها قوات روسية وأفغانية وأرضها منبسطة لا تناسبنا في ضعفنا الراهن”.

– ثم سألت حقاني:  هل لهذه المعركة صلة بالوضع السياسي لأفغانستان؟ فأجاب قائلا:

بالطبع لقد اهتمّ السوفييت بهذه الحملة أكثر من أي حملة أخرى في حرب أفغانستان حتى أن وزير خارجيتهم كان  يدلي بتصريحات حولها. وكانت أول معركة يتابعها التلفزيون السوفيتي بالصورة والخبر. وأدعوا أن هذه أول معركة يشاركون فيها!

 وأعلن السوفييت أن خمسين مستشارًا أجنبيًا كانوا يقاتلون إلى جانب المجاهدين. ويبدو أنهم نقلوا ذلك عن الإذاعة البريطانية التي ذكرت أن خمسين خبيرًا أمريكيًا كانوا مع المجاهدين، وأن واحد من هؤلاء المستشارين قد أسر، ويدعى عثمان، واثنان آخران قد قتلا. “ملحوظة”: (عثمان المذكور هو صديقنا عثمان الصعيدي وقد تعرفت عليه بعد المعركة بعدة أشهر، والذي حدث هو أنه كان ضمن مجموعة من العرب في سرانا، وقد ضل طريقه مع اثنين آخرين من العرب. وأبلغ المجاهدون بالمخابرة أن الثلاثة قد فقدوا وأنهم عثروا على جثة اثنين منهما وأن عثمان ربما يكون قد أسر.

ولكن صديقنا عثمان، الشاب الصعيدي الظريف لم يأسر أو يقتل قط طوال حرب أفغانستان. كما أنه ليس أمريكيًا ولم يشاهد أمريكا طوال حياته، وكان يفخر دائمًا بقوله بأنه مسلم من “صعيد ستان”. وكان أول من اخترع ذلك الإصطلاح. أما مراسل الإذاعة البريطانية في ميرانشاه، وهو أفغاني، وكان على صلة ممتازة بعمال أجهزة اللاسلكي لدى مكاتب المجاهدين، وكانوا أهم مصادرة الخبرية، وذلك مقابل مبالغ نقدية جيدة، المراسل النشيط سمع بالخبر فأضاف إليه التوابل المناسبة مثل وجود خمسين مستشارًا أمريكيًا وربما كان يقصد العرب في منطقه “ساتي كندو” و”سرانا”.

وقال أيضًا بأنّ عثمان كان يدرب المجاهدين على استخدام صواريخ “ستنجر”، وهذا غير صحيح قطعًا لأن صديقنا عثمان لم يلمس في حياته ذلك الصاروخ ناهيك عن استخدامه).

 

– عن ملاحظاته حول الأسلحة التي استخدمتها القوات الشيوعية في حملتها تلك قال حقاني:

” لقد استخدم السوفيت حوالي ألف قطعة مدفعية وقد استخدموا في بعضها ذخائر انشطارية، وكذلك قنابل طائرات عنقودية، بعض أنواع المدافع كان جديدًا ويستخدم لأول مرة ومن عيارات كبيرة طويلة المدى مثل عيارات 150مليمتر، 170 مليمتر”. فسألته: ولكن لماذا انهار الوضع بهذه الطريقة غير المتوقعة؟ فأجابني قائلاً: السبب الأساسي في ظني هو أن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

في اليوم التالي وضعت نفسي داخل أحد الباصات العامة في طريقي إلى إسلام آباد. كنت في حالة نفسية كمن وجد نفسه في غياهب “بحر الظلمات”. سحبت أوراقًا من جيبى كتبت فيها الملاحظتين التاليتين تعبيرًا عن مشاعري وقتها. قلت في الملاحظة الأولى:

– “أكثر الرجال نبلاً وشجاعة هم هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم القدرة على خوض حرب

عادلة تمامًا، ولكنها يائسة”. أما في الملاحظه الثانيه فقد جاء فيها :  “أجد نفسي في موقف يشبه موقف جلال الدين حقاني، مع الفارق، فكلانا هزمه أصحابه”.

 

الانسحاب المفاجئ :

فجأة انسحبت القوات الشيوعية، وتركوا حتى مرتفعات “ستي كندو” الاستراتيجية وتم ذلك الانسحاب في 24 يناير 1988. أتعجب من حماقة هؤلاء الروس، يقدمون أثماناً باهظة وخسائر جسيمة فى مقابل مكاسب تافهة هاهم الآن قاتلوا “37” يوماً في مقابل استخدام الطريق لمدة 24 يوما فقط، أي أنهم قاتلوا يومًا ونصف في مقابل كل يوم استخدموا فيه الطريق!!. وفي معركة “جاور” عام 86 قاتلوا لمدة شهر تقريبًا كي يمكثوا في القاعدة يومًا ونصف أي أنهم قاتلوا عشرين ساعة في مقابل كل ساعة مكثوها في جاور! لماذا ؟؟ كم أهدروا في هذه المعارك وأمثالها من أرواح الجنود وآلاف الأطنان من العتاد والمهمات في مقابل لاشيء تقريباً. لاعجب إذن أنهم خسروا الحرب . فالحرب لايكسبها من يفكر بحذائه بدلاً من عقله. ولننظر إلى الرابح الحقيقي في تلك الحرب، وهم “أصدقاؤنا” الأمريكان. لقد كسبوا الحرب ولكنها لم تكلفهم سنتاً واحداً.

لأن “المملكة” دفعت كل الفواتير. كما لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة، لأن الأفغان و”المتطرفون” العرب أراقوا ما يكفي وزيادة.

بينما ربح الأمريكان الأذكياء ليس حرب أفغانستان فقط ولكن نفط الخليج، واحتلوا جزيرة العرب، مهبط الوحي، ومن ثم سيطروا على العالم أجمع كقوة قاهرة فوق كل الخلائق!!. لقد خسر الروس لأنهم فكروا بأحذيتهم بينما نحن سحقتنا تلك الحرب لأننا لم نفكر أصلاً. فكما  قال بعض إخواننا من حكماء الحركة الإسلامية “إن التفكير يناقض الإيمان!!”. ولله في خلقه شؤون، فلا عجب فيما يحدث لنا الآن.

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

31 يناير 1988 : 

في الثامنة والنصف صباحًا في اليوم الأخير من يناير قابلت حقاني في غرفته المخصصة لاستقبال ضيوفه المرتبطين معه بأعمال. قال حقاني: إن سلسلة من الاجتماعات تبدأ اليوم بين قادة المجاهدين في خوست، وبين قادة الأحزاب أيضًا ، وذلك لمدة يومين. والموضوع الرئيسي فى الاجتماعات المنتظرة هو تشديد الحصار حول خوست. أما بالنسبة “لجرديز” فإن الثلوج تمنع حاليًا تصعيد العمليات حولها. المفاجأة التي لم أتوقعها هو ما قاله حقاني من أن أوضاع خوست سيئة، فلم يتم تعزيز القوة المدافعة عنها بأفراد أو معدات جديدة!!. أما كمية الإمدادات التي وصلت فهي غير معلومة، ولكن المعنويات هناك منخفضة وتوترت العلاقه بين العسكريين وبين المدنين. فالأهالي بدأوا يهاجرون بعد أن سخطوا على الحكومة التي لم تطهر نطاق المدينة الخارجي من مجموعات المجاهدين التي مازالت تقصفهم بالقنابل. وقد كانوا يتوقعون من القوة التي وصلت أن تحل تلك المشكله نهائيًا ولكنها جاءت وغادرت فجأة بدون أن تفعل شيئاً.

كان واضحاً أن الروس يريدون فقط تسجيل أنهم إستطاعوا الوصول إلى خوست، والاستفادة من ذلك سياسياً، ولكنهم لم ينفذوا أي برنامج عسكري لتحسين أوضاعهم في المنطقة. فلم يطهروا ماحول خوست من مراكز للمجاهدين، وقواعد قوية مثل جاور، كما لم يحاولوا إغلاق المنافذ الحدودية التي هى قريبة نسبياً مثل “صدقي” و”غلام خان”.

– من المفجآت الجديدة التي أوردها حقاني، وصول أنواع جديدة من الأسلحة للمجاهدين،  سوف يتم “تجربتها”ضد خوست، حيث أن الطريق المؤدية إلى داخل أفغانستان مغطاة بالثلوج. ومن الأسلحة الجديدة التي وصلت كانت مدافع ميدان صينية من عيار 85 مليمتر.

وذخائركثيرة لمدافع الميدان الروسية التي بحوزة المجاهدين، من عيار 122 مليمتر. كذلك صواريخ من نفس العيار ذات مدى 20كيلومتر، 30كيلومتر. وهي صواريخ كان لها دور كبير وبارز منذ ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. واضح من الأسلحة الجديدة أنها تجهيزات لحصار المدن، وقصفها من خارج نطاقها الدفاعي الذي يصل في بعض الحالات إلى 30 كيلومتر كما هو الحال في كابل. والصواريخ الجديدة هو صواريخ “صقر” مصرية الصنع. مع أعداد محدودة من قواذف رباعية لتلك الصواريخ من صناعة الصين. وكما ذكرنا فقد كان سلاحاً فعالاً اعتمد عليه المجاهدون كثيراً لدرجة طمست عندهم الرغبة في اقتحام المدن.

ناهيك عن أوامر الاستخبارات الباكستانية، التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقضي بعدم محاولة الاقتحام، مع الضغط على المدن بالقصف الصاروخي والمدفعي، طبقاً لبرنامج تحدده الاستخبارات الباكستانية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحالة الضغط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. – وقد وصل إلى المجاهدين أيضاً كميات محدودة من صواريخ ميلان الفرنسية المضادة للدبابات. – كما وصلتهم “الأفعى المتفجرة” لفتح ثغرات في حقول الألغام، ولكن بعدد محدود جداً كما أنها لم تكن عملية. عن الوضع المالي المترتب على المعركة قال حقاني بأنه مازال مديناً. فقد كلفته المعركة كثيراً خاصة النقليات، فالمسافات بعيدة، والبرد والثلوج تضاعف المشاكل أما خطورة القصف وأحوال الحرب فقد جعلت أصحاب السيارات يبالغون كثيراً في أسعار النقل. فعلى سبيل المثال كان إيجار سيارة بيك آب من نقطة الحدود عند “بغر” وحتى “نكا” تكلف أربعة آلاف روبية باكستانية.

هذا لنقل الأشخاص، أما نقل الذخائر، فإن  صاروخ كاتيوشا واحد كان يكلف نقله من بغر إلى نكا ألفي روبية باكستانية. (كان سعر الصاروخ وقتها في سوق السلاح خمسمائة روبية فقط! أما بعد نهاية الحرب فقد كان التجار يجمعونه من” المجاهدين” بسعر خمسين روبية!! وهو سعر الحديد الذي يحويه الصاروخ!! ولاعجب!!).

قال حقاني إن مساعدات وصلته من رابطة العالم الإسلامي والهلال الأحمر السعودي، وكذلك تميم العدناني الذي بذل جهداً كبيراً في جمع التبرعات من الداخل والخارج، أما أبوعبدالله (اسامة بن لادن) فلم يقدم مساعدات له.

– أخبرني حقاني أيضًا أنه فور وصوله إلى ميرانشاه، بعد إصابته طلب الرئيس ضياء الحق مقابلته. فقال لهم حقاني إنه سيفعل لو أن فترة بقائه في باكستان زادت عن أسبوعين، لأنه ينوي العودة إلى زدران مرة أخرى، ولما ظهر له الآن أن فترة بقائه سوف تطول فقد طلب منهم تحديد موعد المقابلة.

– في نهاية الحديث أخبرت حقاني عن استعدادي للعمل في مجلته المنشودة على أن تكون صوتًا للمجاهدين في مواجهة الكاذبين في بشاور، أسعده ذلك. ولكني قلت له إنني لن أكتب في المجلة لأن كتاباتي سوف تسبب لكم المشاكل، فضحك من ذلك. ثم استشرت حقاني حول كتابة ونشر قصة وتفاصيل المعركة الأخيرة، وموقف الأحزاب منها، فقال إن الضرر الذي سينتج من ذلك العمل هو أضعاف الفوائد الناتجة عنه، لعدة أسباب: أولاً: إنّ العدو سوف يستفيد من ذلك كثيرًا لأنه يعرف أنك تكتب من داخلنا. والسبب الثاني: هو أن زعماء الأحزاب سوف ينسون معركتهم مع الروس وسوف يتوجهون بالحرب ضدك مباشرة لأنك فضحتهم وسوف يصورون المسألة للناس على أنك عميل للروس، وقد جئت إلى هنا كي تكذب على قادة الجهاد وتوقع بينهم. وافقته على ماذهب إليه، فقد كان رصيد تجاربي السابقة يؤيد ما يقول.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)