مهزلة تقديس أبناء الحركات الإسلامية لقاداتهم

 مهزلة تقديس أبناء الحركات الإسلامية لقاداتهم.. الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية كمثال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
وبعد
مهزلة تقديس أبناء الحركات الإسلامية لقاداتهم.. الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية كمثال
توطئة
ذكرت هنا الإسلاميين ولم أتطرق للعلمانيين أو الشيوعيين وأمثالهم لأن آمالنا معلقة على الإسلاميين، ولا فائدة مرجوّة من الإصلاحات الداخلية والتفصيلية داخل الحركات العلمانية والشيوعية وأمثالها إلا بعد تبنيهم الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة. وخصصتُ السلفية الجهادية والإخوان المسلمين من بين الجماعات الإسلامية لأنهما أكثر الجماعات الإسلامية فروعًا ونفوذًا وحراكًا وتعصبًا لقادتهم.

توضيح بين يدي الموضوع

معلوم عند كل الحكماء والعقلاء أن الكَيِّس الفطن هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين ويسمع لنصائح المحبين وأن الأرعن الأحمق هو الذي لا يستفيد من تجارب الآخرين ولا يسمع لنصائح المحبين.  و رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يقول: “رحم الله امرأً أهدى إلينا مساوئنا”، وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: “المؤمن مرآة أخيه إذا رأى فيها عيبًا أصلحه”. فالمسلم الإيجابي الذي ينفع الله به أمته هو ذاك الذي يجتهد ويعمل ويسمع للناصحين، ويذعن للحق ويرجع عن خطئه عند تبيينه له ولا يتكبر أو ينزعج ويضجر من نصح الناصحين وتصويب أهل الدراية والخبرة. فعن ابن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “إنَّ من أكبر الذنب، أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني ؟”. وإن مِن أعظم ما يتقي المسلمُ ربَّه فيه، هو رعاية حقوق المسلمين وإنصافهم وإدارة أمورهم.

عجبت لأبناء الحركات الإسلامية كيف ينتقدون الصحابة رضي الله عنهم، ولا يقبلون انتقاد حركاتهم وقياداتها

من المؤسف حقًا أن  نرى كثيرًا من أبناء الحركات الإسلامية يصل بهم التعصب لحركاتهم لدرجة لا يقبلون فيها من أحد أن ينتقدها حتى وإن سلموا بأن حركتهم قد ارتكبت خطأً كبيرًا أو صغيرًا.
 بل ويعتبرون انتقادها هو انتقاد للحق المطلق الذي أراده الله وقامت به حركتهم!! ويقولون هذا لا يصح إن أردت أن تعترض فاكتب ذلك في رسالة وأرسلها للقيادة بصمت أو بلغها لأحد المسؤولين سرًا!! وهذا خطأ لأن الأخطاء العامة أو المجاهَر بها تُنتَقد علنًا وفي كل مكان. وكذلك فإن احتجاجهم على انتقاد حركاتهم وقياداتها مخالف لما جاء في القرآن والسنة والتي تنادي تلك الحركات بالاقتداء بهما، ولولا هؤلاء الناصحون والناقدون لهلكوا وهلك الناس، قال الله تعالى: “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ“.
بل إن هؤلاء المتحزبين المتعصبين يقدمون حب واحترام وتقدير حركاتهم على حب واحترام و تقدير صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك ضمن ذكر الأخطاء وانتقادها وتناولها من باب تحذير الآخرين من الوقوع فيها أو من باب أن هذه أخطاء يجب تجنبها.. إلخ. ولكن الناصح لو ذكر خطأ حركتهم لقالوا يا أخي دعك من هذا فتلك حقبة قد انتهت وهذا ماضي تجاوزه الزمن، ولكنه لا يتوانى من البحث دقيق في سيرة الصحابة ومراجعتها والاطلاع على هفواتهم والتي بالكاد تُذكر!! فعندهم عن أخطاء الصحابة أمر مشروع وبسيط أما ذكر أخطاء قياداتهم فهذه مصيبة وجريمة يجب أن يُوَبَخ صاحبها ويُعاقَب!!
لا أقول هذا تجنيًا ولكن هذا هو الملاحظ فعلى سبيل المثال نرى ونسمع الإخوة وهم يذكرون خطأ الصحابة الذين نزلوا عن الجبل يوم أحد. فيقولون لقد خالف الصحابة كلام النبي عليه الصلاة والسلام ونزلوا عن الجبل وهذا خطأ كبير ومعصية أدّت لتفوق الكفار في غزوة أحد، وتراهم يستطردون في ذلك ويتناولونه من جميع الجوانب، ولكن عندما يذكر أحد الإخوة خطأ قياداتهم فإنك ترى المتحزبين المتعصبين يرعدون ويزبدون ويقيمون الدنيا ولا يُقعدونها وكأنما تم الطعن في القرآن أو السنة وهذا والله من أعظم المصائب التي بُليت بها الأمة في مسيرتها التصحيحية والجهادية.
كما أن الناصح أو الناقد لو تناول الأخطاء الشرعية  والتي تغطيها حركة هذا المتحزب المتعصب ببعض التأويلات السطحية والركيكة لما سكت لحظة ولما ترك كلمة زجر وتهجم إلّا و قالها زاجرًا ومهاجمًا للناصحين، ولكنه لا يتوانى في ذكر مثل هذه المسائل كأن يذكر حديث أسامة رضي الله عنه “أشققت عن قلبه”، وتراه يستطرد قائلًا أخطأ أسامة عندما قتل الرجل ..إلخ. مع أن أسامة حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبيبه. وهذا والله قمة العجب، إذ كيف يقبل الاستدراك والتصحيح على صاحب رسول الله وحبيبه ولا يقبل الاستدراك والتصحيح على قائد حركته والذي أضر بالأمة ودينها وشبابها وحركته وأبنائها بسبب قراراته الخاطئة!!
ومنهم من يقول لك يا أخي لا تنتقد فلان فهو من خيرة المجاهدين الصادقين وكأن سبقه للجهاد وإنجازاته حصَّنته من الأخطاء وعصمته منها أو حرّمت انتقاده وجعلت انتقاده والتصحيح عليه من أكبر الجرائم، مع أن هذا المتحزب المتعصب لا يتوانى لحظة أن يذكر خطأ الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه. فيا هؤلاء هل انتقاد صاحب رسول الله مقبول عندكم وانتقاد قائدكم غير مقبول!؟ فهل قائدكم صاحَب الرسول !؟ وهل جاهد وقدّم للأمة ودينها عشر معشار ما قدمه الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه!؟ ما لكم كيف تحكمون !؟

الرد على من يقول لا تنتقد العاملين للإسلام حتى لا يستغل الكفار انتقاداتك

فلقد خاطب ربنا تعالى الصحابة معاتبًا إياهم وهم الطليعة الأولى للإسلام وهم خير القرون، خاطبهم ربنا تعالى بكل صراحة ووضوح خطابًا ربانيًا يتلوه المعاصرون له ومن بَعدهم إلى يوم الدين، حتى كانوا كصفحةً مفتوحةً يقرأها جميع الناس كما أن القرآن خلّد معالجاته لأخطائهم حتى أصبحت في متناول كل الناس صالحهم وطالحهم وعلى مدار التاريخ، ففي غزوة أحد لما أصاب المسلمين ما أصابهم من ضر وقرح ومصيبة نظروا لبعضهم البعض متسائلين كيف حصل هذا !؟ فأجابهم ربنا تعالى: هذا حصل بسببكم. وذلك بقوله جل جلاله: “أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا !؟ قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير”.
ومن يتتبع القرآن الكريم يجد فيه النصائح والمعاتبات الربانية للصحابة الكرام والذين هم طليعة الأمة وعنوان صلاحها و فلاحها وهم خير القرون على الإطلاق كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن القرآن سيتلوه المسلمون وسيحفظه كثير منهم وسيقرأه الكفار الحاقدون وسيستغلون تلك المواقف ضد المسلمين ولكن الله تعالى ذكر ذلك ليضبط الحراك الإسلامي والقائمين عليه لعظم المصلحة من ذلك فهذه مصلحة أرجح بكثير من مفسدة استغلال الكفار لتلك المواقف والمعاتبات الربانية.
الخاتمة
يجب على جميع أبناء الإسلام أن يوسعوا صدورهم لبعضهم بعضًا وأن يتقبلوا النصح من كل ناصح والنقد من كل ناقد طالما أن ذلك لم يمس الدين وأصوله، أسواء كان ذلك النصح أو الانتقاد لقول أو فعل قامت بها الحركة أو أحد قياداتها، ويجب عليكم أن تقدموا مصلحة الأمة على مصلحة حركاتكم وقياداتكم فإن هذا ما أرشدنا إليه ديننا وتعاليمه السامية القيّمة. وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”، فإذا كان هذا في الذنب أو الخطأ الفردي والذي ضرره غالبًا لا يتجاوز الفرد ومن حوله، فكيف بالذنب أو الخطأ الذي يترتب عليه مضرّة على الأمة أو كثير من أبنائها، فإن هذه الحالة أولى بالتوبة من الأولى.
ولتعلم أخي أن خطأ حركتك يضر بمسير الدعوة الإسلامية وكثير من أبناء الأمة، وأنك بدفاعك عن الحركة في صوابها وخطئها أمر مرفوض شرعًا وعقلًا وأن الصواب أن تقدم مصلحة الدين والأمة على مصلحة الحركة فإن هذه أمانة يجب صيانتها والقيام بها طاعة لله ورسوله ووفاء لأمتك التي أمَّنَتك على مصيرها.
 وتذكر قول الله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ“، فإياك أن تكن من هؤلاء، وليكن حرصك على دينك وأمتك مقدم على مصلحتك الشخصية ومصلحة حركتك. فما عند الله خير وأبقى.
واعلم أن التصرف بأمور الأمة وقضاياها أمانة وتذكر قول الله تعالى في الأمانة: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا“. فلتحرص أخي في الله على تقديم مصلحة دينك وأمتك على مصلحة حزبك وشخصك، لكي يرضى عنك ربك وتكون عنده من المقبولين الفائزين. والله الهادي إلى سواء السبيل.
هذا، والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world