المرحلة الأخيرة من الحرب .. ومشاكلها

6

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 134 | شعبان 1438 هـ / مايو 2017 م

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

دخلت الحرب الجهادية فى أفغانستان مرحلتها النهائية (الثالثة والأخيرة) والتى من علاماتها الإستيلاء على التجمعات السكانية الكبيرة فى الأرياف وإقتحام المدن ومنع العدو من إستعادتها.

ومن أبرز العلامات كان إقتحام مدينة قندوز ومدينة لشكرجاه عاصمة هلمند ومدينة ترينكوت عاصمة أرزجان. وبصرف النظر عن النتائج فإن المحاولات مستمرة على العديد من المدن بما يعكس ثقة وقوة معنوية من جانب المجاهدين وضعف معنويات العدو وتهاوى قواته بشهادة قادتة المحليين وسادته الأمريكيين . ولا تخلو حملة على تلك الأهداف من غنائم هائلة من السلاح والمعدات . ومن هنا يكون إخلاء الموقع وإغواء العدو بإستعادتها وإعادة تكديس المواد فيها مرة أخرى ، وسيلة ناجعة لتموين المجاهدين وتسليحهم بشكل مستمر . ولكن فى النهاية لابد من الإحتفاظ بتلك المدن إذا ما توافرت شروط معينة تتعلق بالتدخل العسكرى الأمريكى. وتحتاج الهجمات الأخيرة على المدن إلى تحليل منفصل كى يتضح الشكل الذى وصلت إليه الحرب وإقتراب مجاهدى طالبان من النصر النهائى مع تدهور أوضاع نظام الإحتلال فى كابل، وكيف أنه يعيش بالفعل فى حالة من الإنهيار لا تمكنه من الإستمرار فى الإمساك بالسلطة بدون عون كامل عسكرى ومالى من الإحتلال الأمريكى .

تزداد معاناة حركة طالبان ومعها الشعب الأفغانى كلما إقتربت نقطة الإنتصار الكامل. ولكن الطرف المقابل لهم ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية ، تعانى بدرجة أشد نظرا لموقعها كقوة عظمى فى عالم تكرهه ويكرهها . إنها دولة وحيدة تحارب البشرية أجمع ، لذا تحمى نفسها بكافة أنواع التحالفات لتؤنس وحدتها وتخفى توحشها تحت ستار “الإرادة الدولية” ، فتشن ما تشاء من حروب فى أى مكان وكل مكان .

1ـ القوة الزائفة :
تبدأ المرحلة الثالثة (والنهائية) من حرب أفغانستان الحالية ، وفى قيادتها العليا شخصان : على الطرف الأفغانى الجهادى هناك الملا هيبة الله عالم التفسير والحديث ، والقاضى الشرعى ومقاتل الصفوف الأولى . وهو الأمير الثالث لحركة طالبان والإمارة الإسلامية .

وعلى الطرف الأمريكى هناك دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة ، وهو بإجماع الآراء رجل مختل متناقض ، “تطارده الفضائح الأخلاقية ويطاردها” .

ــ الولايات المتحدة تحكمها أجهزة ضخمة ومتطورة ، ومع أن الرئيس يؤثر كثيرا على عملية إتخاذ القرار ولكنه لا ينفرد به . وفى الغالب فإن حالة الرئيس وتصرفاته تعكس حالة الدولة فى وقت حكمه . ولاشك أن وصول شخصية مختلة مثل ترامب يعكس أزمة عميقة تعيشها الدولة والمجتمع فى بلاده .

وحتى لا يختلط الأمر نقول بأن الولايات المتحدة تشبه ناطحة سحاب ضخمة وفخمة مبنية بإتقان فوق جرف هار . أى أنها أشبه بشاطئها الغربى الأغنى ، ولكنه قائم على جرف قارى مهدد فى أى لحظه بالسقوط فى المحيط الهادى .
ــ وقبل أن نذهب بعيدا فإن السقوط الأخلاقى للولايات المتحدة هو أمر حادث بالفعل . وترامب يستهدف ما تبقى من إيجابيات فى أخلاقيات الحكم وأخلاقيات المجتمع . لذا فدولته مهددة جديا بحرب أهلية بين الأقليات العرقية والدينية ، بل ومهددة بإنفصال بعض الولايات.

ــ ودولة ترامب قائمة على عظمة إقتصادية بلا أساس ، فهى أكبر دولة مدينة فى التاريخ ، ودينها مستحيل السداد ، لذا يتحكم اليهود فى رقبتها ، ويسخرونها فى حمل أوزارهم بطول الدنيا وعرضها .

تبنى الولايات المتحدة أنظمة حكم على شاكلة حكمها حيث لا يمكنها صنع ما هو أفضل . ونظرة إلى أنظمة الحكم فى مستعمرات أمريكا نجد نفس الصوره تتكرر فى عناصرها الأساسية وهى القسوة ، والفساد ، والخداع . وذلك هو ملخص الحكم الإحتلالى فى أفغانستان ، وفى كافة مستعمرات أمريكا الخاضعة بالعنف العسكرى أو الإقتصادى والسياسى . وهو النموذج الذى تسعى إلى عولمته ، وإرغام شعوب العالم على تجرعه ، خاصة فى حالة غياب البديل .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

2 ـ إنحلال نظام الإحتلال
من علائم المرحلة الثالثة والنهائية من حرب العصابات والتى يطلق عليها (مرحلة الهجوم الاستراتيجى) أو مرحلة الحسم ، هو : إنخفاض فعالية جيش العدو، وقلة عملياته الهجومية وضعف تأثيرها وركون قواته إلى الوضع الدفاعى . وتراجعه وفشله على الأرض يحاول تعويضه بتفعيل سلاح الطيران أساسا ، وفى الدرجة التالية سلاح الصواريخ الثقيلة . وذلك هو ما حدث عندما شرع الجيش السوفيتى فى الإنسحاب ، واستمر الحال كذلك حتى نهاية الحرب.

ورغم إنسحاب قواته إلا أن الدعم العسكرى السوفيتى ظل متواصلا بواسطة أحدث الطائرات التى تنطلق من مطارات بالقرب من الحدود الأفغانية ، لتقصف بعنف وبأسلحة موجهة ، حيث تحتدم المعارك ، ويواجه الجيش الحكومى المواقف الخطرة.

وبعد الإنسحاب السوفيتى تزايد إعتماد الجيش على الصواريخ الثقيلة من طراز سكود حتى صارت شائعة مثل الهاونات. وكان يدير قواعدها خبراء سوفييت من كابول .

وقد شوهد عرضا جبارا بجمع الطائرات الحديثة والإستخدام المكثف لصوارخ سكود فى عام 1989 عندما هاجم المجاهدون مدينة جلال آباد محاولين إسقاطها ، ولم يشاهد قبلا مثل هول ذلك القصف . ولكن تكرر أشد منه عند هجوم المجاهدين على مدينة خوست والإستيلاء عليها عام 1991 ، وهى المدينة الرئيسية الوحيدة التى فتحت عنوة فى تلك الحرب وتم الإحتفاظ بها حتى نهاية الحرب .فى ذلك الوقت تزايد إعتماد الجيش الحكومى على ميليشيات المرتزقة لأن الجنود فقدوا رغبتهم فى القتال . ولولا خشيتهم من حكم الإعدام الفورى فى حالة محاولتهم الفرار لانضموا فى أقرب فرصة إلى المجاهدين ، وقد حدث ذلك كثيرا .

إذن للميليشيات دور رئيسى فى المرحلة الثالثة من الحرب ، فتضاهى الجيش أو تزيد . فى الأوقات العادية كان فى خوست ـ على سبيل المثال ـ عنصر واحد من الميليشيا فى مقابل كل إثنين من الجنود . وفى وقت الفتح كانت النسبة تقريبا متعادلة ، بعد أن جرى تعزيز أعداد الميليشيات بعناصر (جلم جم) التابعين لعبد الرشيد دوستم ، الذى مازال فاعلا فى ميدان الحرب الإرتزاقية ، بل تحول إلى سند كبير للنظام الإحتلالى الأمريكى ، فى موقع أقوى من موقعه القديم مع السوفييت ، كونه متمرسا فى إرتكاب جرائم الحرب.

ــ تلك الأوضاع العسكرية التى سادت فى المرحلة الثالثة من حرب العصابات الجهادية ضد السوفييت ، وهى تشابه كثيرا ما هو سائد حاليا فى الحرب الجهادية ضد الأمريكيين ، مع تمتع المجاهدين حاليا بنقاط تميز جوهرية لم تتوافر لأسلافهم فى الحرب السابقة .

3 ـ من بداية صاخبة للغزو ، إلى
محاولات لعرقلة إنتصار المجاهدين
فعل الأمريكيون ما فعله السوفييت سابقا، بأن صاحب إحتلالهم لأفغانستان إستعراض هائل للقوة العسكرية مع حملة موازية من الحرب النفسيه يشنها الإعلام السوفيتى ونظيره المحلى .

كان الإحتلال السوفيتى أكبر حملة إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية ،إذ إحتلوا العاصمة والمدن الكبرى والمواقع الاستراتيجية خلال ساعات معدودة . فوقع الشعب الأفغانى تحت هول الصدمة وساد الوجوم أرجاء البلاد ، إلى أن إستجمع الشعب شتات أمره وبدأ مقاومته بالتدريج ، تحت قيادة العلماء ، طبقا للتقليد الجهادى الراسخ فى أفغانستان .

– أثناء غزو 2001 قدم الأمريكيون أضخم قصف جوى فى التاريخ بأحدث التقنيات المتطورة التى لم تستخدم قبلا فى أى حرب . واقتربت القوة التدميرية للذخائر التقليدية من القوة النووية ، حتى أن القنابل الثقيلة للطائرات بلغت زنة سبعة أطنان تقريبا، فأحدثت تصدعات فى القشرة الأرضية وتسببت فى تنشيط الزلازل فى المنطقة . أما الإعلام الذى رافق الحملة الأمريكية ، فلا يمكن مقارنته بأى حملة أخرى سابقة من حيث الضجيح والتأثير النفسى ، حتى جعلوا من الإعلام سلاحا حربيا بالفعل وليس بالمبالغة .

وفى الحالتين السوفيتية والأمريكية عندما مضت الصدمة ، وبدأ الجهاد ينمو بالتدريج وتخطى مرحلته الأولى التى هى الأصعب والأخطر فى مسيرة الجهاد ، ودخل فى المرحلة الثانية للحرب بعد أن إستكمل المجاهدون والشعب ضرورات المعركة واستوفوا شروطها ، أيقن العدو باستحالة النصر .

ــ وعندما وصل جورباتشوف إلى الحكم فى موسكوعام 1985 كانت لديه نفس القناعة التى تكونت لدى أوباما عند وصوله إلى البيت الأبيض عام 2009 فكان قراره بالإنسحاب جاهزا . ولكن الجنرالات طلبوا مهلة ، ربما أصلحوا فيها الموازين على الأرض ، أو على الأقل يمهدوا الأجواء لإنسحاب مشرف بدون شبهة هزيمة عسكرية .

أعنف حملات الجيش السوفيتى قام بها بعد قرار القيادة السياسية بالإنسحاب بعد وصول جورباتشوف إلى الحكم . وبالمثل فعل جنرالات أمريكا بعد وصول أوباما . فبعد فشل تلك الحملات يصبح قرار الإنسحاب قرارا عسكريا يوقع عليه الجنرالات ، وليس إجتهادا سياسيا فقط .

ــ بعد مفاوضات مع الأمريكيين بدأ السوفييت إنسحابهم فى عام1988 ، وأتموه فى فبراير 1989 تاركين دعما جويا وصاروخيا غيرمعلن ، وغير محدود، ولكن متفق عليه مع الأمريكين. فتحولت أفغانستان إلى ساحة تعاون مشترك لمنع المسلمين من الوصول إلى الحكم فلم يعترض الأمريكيون على العون السوفيتى لنظام كابول ، ونظرا لتأزم الوضع الإقتصادى فى موسكو تولى أتباع واشنطن دعم السوفييت ماليا ـ مع أنواع أخرى من الدعم غير المعلن قدمته أمريكا مباشرة . فقد عثر المجاهدون على عدة آلاف من بنادق M16 الأمريكية فى مقر الإستخبارات الأفغانية (واد) ـ وزارة إطلاعات دولتى ـ وكان ذلك نموذجا واحدا من الدعم .

– أوباما بدأ عهده المظلم بحملة كبرى على إقليم هلمند أسماها “الخنجر”. وشاركه البريطانيون بحملة “مخلب النمر” من شمالها. فكانت تلك أقصى قوه متوفرة لدى الحليفين .

– لم تكن الحملة الأمريكية/ البريطانية على هلمند حاسمة ، فأعقبها إنحسار عسكرى تدريجى للعدو ، قابله تقدم للمجاهدين بنفس الوتيرة .
العدو يدرك أن دخول حروب العصابات إلى مرحلتها الثانية يعنى إستحالة هزيمتها عسكريا . وبعد معارك هلمند صار الإدراك قاطعا أن لا سبيل إلى هزيمة المجاهدين الأفغان عسكريا .
– والخيار الأوحد أمام العدو هو منع المجاهدين من تحقيق الهدف الرئيسى من مرحلتهم الثالثة ،وهو فتح المدن وتحرير تجمعات السكان الكبيرة فى الأرياف وصولا إلى إسقاط العاصمة .

وبما أن هذه هى المرحلة التى وصلها الجهاد فى افغانستان حاليا ، فمن الأفضل التفصيل فيها قليلا ومقارنتها بمثيلاتها وقت الجهاد ضد السوفييت . فالمبادئ العامة هى واحدة وإن إختلفت التفاصيل ما بين زمن و آخر.

– يحاول العدو منع المجاهدين من المضى قدما فى مرحلة الهجوم الاستراتيجى أو عرقلتهم إلى أقصى حد ممكن ، حتى لا يحصلون على نصر عسكرى كامل يمكنهم فى فرض إرادتهم كاملة وتحقيق تصورهم الخالص لمستقبل البلد .
ــ عودة إلى مارس من عام 1989 حين قررت فجأة الحكومة المؤقته برئاسة صبغة الله مجددى وبدعم من قادة الأحزاب ، ترتيب حملة على مدينة جلال آباد بهدف الإستيلاء عليها ، وجعلها مقرا للحكومة المؤقته المقيمة على أرض باكستان .

كان الإتفاق بين السوفييت والأمريكيين أن يكون حكم أفغانستان مشتركا بين أتباع الطرفين ، طبقا لمقياس القوى النسبية بينهما ، فتتشكل حكومة مشتركة بين أحزاب “المجاهدين” والعناصر الشيوعية فى كابول .
ولما كانت معنويات المجاهدين الميدانيين عالية جدا ، ولا يقبلون بحكم مشترك مع الشيوعيين ، وك

ان فى إمكانهم عرقلة المشروع . فكان الحل هو إقحام المجاهدين فى معركة كبيرة يخسرونها ، فتهبط معنوياتهم وينخفض سقف مطالبهم ، ويقبلون بالحل الدولى المطروح. وتم ترتيب المؤامرة الدولية ، بمشاركة الباكستان وقادة الأحزاب ، فكانت نكسة جلال آباد . إذ فشل الهجوم على المدينة بعد خسائر عالية فى أرواح المجاهدين ، فتحول الهجوم إلى مناوشات وحرب إستنزاف بطيئة على أطراف المدينة إستمرت لأكثر من سنتين ،إلى حين سقط النظام فى كابل.
ــ أثناء التجهيز للحملة العسكرية لفتح مدينة خوست بقيادة مولوى جلال الدين حقانى . كان خوف الأعداء شديدا من أن تنجح الحملة ، وبالتالى يفشل المشروع الأمريكى /السوفيتى بفرض حكومة مختلطة فى كابول . فزادت الحروب النفسية على حقانى ورجاله . وقرب بدء الحملة أخبرنى الشيخ حقانى أن تهديدا روسيا وصل إليه عبر دولة صديقه ، يقول بأن الروس سيقصفون خوست بالقنابل الذرية فى حالة إستيلاء المجاهدين عليها .

شعرت بالمفاجأة والحيرة فسألت الشيخ عما ينوى فعله ، فأجابنى بهدؤ :”سنتوكل على الله ونفتح المدينة” . هذا الثبات الإيمانى المذهل كثيرا ما قابلته خلال فترة الجهاد ضد السوفييت من قادة كبار مثل حقانى وغيره من عظماء المجاهدين الميدانيين .

ـ وفى لحظتنا الراهنة نشاهد ما يشبه جنون التهديد السوفيتى فى ما قام به الأمريكيون فى جلال آباد حين ألقوا على أطرافها قنبلتهم الضخمة ” أم القنابل” ذات الأطنان العشرة . وهى القنبلة التقليدية الأضخم فى الترسانة الأمريكية .

إنهم يحاولون عرقلة المجاهدين الذين يمضون قدما فى مرحلتهم النهائية الدائرة حاليا ، بفرض الحصار والسيطرة على الكثير من المديريات ، وحتى على الولايات شمالا وجنوبا ، خاصة فى هلمند التى هى ساحة القتال الأولى فى هذه الحرب ، فركز العدو فيها منذ البداية أكبر وأفضل ما لديه ولدى حلفائه من قوات ، سعيا نحو هدفهم الأهم من الحرب ، وهو إعادة زراعة الأفيون والتوسع فى الإتجار به دوليا .

ومعنى إستيلاء المجاهدين على عاصمة ولاية هلمند ومديرياتها أنهم حققوا النصر فى أهم ساحات تلك الحرب . فليس للعاصمة كابول غير قيمتها السياسية والرمزية . فسقوط المدن الصغرى والمديريات سوف يقود إلى إستسلام كابول ، كما حدث فى زمن الحرب السوفيتية .

فالنظام يتحلل ، والجيش والشرطة يذوبان ، والفساد جعل أجهزة الدولة هشيما تذروه الرياح . إن (أم القنابل) الأمريكية هى تغطية للفشل ، وهى النزع الأخير لإحتلال يلفظ أنفاسه . وليست سوى أحدى فضائح رئيس فضائحى مختل عقليا .

ومعروف أن الغارات الجوية وكذلك القصف الصاروخى والمدفعى تكون فى أعنف حالاتها فيما يسبق الهجمات العسكرية أو عند تغطية إنسحابها . والقنبلة الضخمة (أم القنابل) هى فى أحد جوانبها تغطية على بحث أمريكى جدى بالإنسحاب ، خاصة وأنه بالقرب من الوقت الذى ألقيت فيه القنبلة كان وفدا أمريكيا رفيع المستوى ـ أرسله ترامب إلى كابول ـ يبحث وضع الجنود الأمريكيين المتبقين فى أفغانستان ، وهم أقل قليلا من عشرة آلاف جندى . ومفهوم أن الوفد الأمريكى كان يبحث على الأرض إمكانية الإنسحاب العسكرى وتداعياته على أفغانستان وما حولها من دول .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

4 ـ تحميل الحرب على المدنيين
هذا ما يسعى إليه العدو الأمريكى فى هذه المرحلة ، بعد أن تيقن من إستحالة إيقاع هزيمة عسكرية بالمجاهدين . بينما حركة طالبان /طبقا لنظام الإمارة الإسلامية/تديرالأرض المحررة وتجمعاتها السكانية . يجتهد العدو فى إلقاء أوزار الحرب فوق كاهل المدنين على أمل أن يسحب هؤلاء دعمهم للمجاهدين فيطالبونهم بأنهاء الحرب بأى وسيلة وفى أسرع وقت والقبول بما يعرضه المحتلون وحكومتهم فى كابول . أى الإنخراط فى (عملية السلام) والإندماج فى نظام الإحتلال والتكيف مع كل موبقاته العقائدية والمادية .

القوات الأمريكية جزء من ذلك العدوان على المدنيين ، وهو عمل إرهابى حقيقى ، تقوم به القوات المسلحة لأقوى دولة فى العالم ، والأكثر نفاقا فى تاريخ البشرية .

تدعى الحكومة الأمريكية أن مهام قواتها تقتصر على التدريب والمشورة والإمداد اللوجستى . ثم منح أوباما تلك القوات صلاحية شن الغارات الجوية والمشاركة فى المداهمات الليلية على القرى وما يصحابها من عدوان همجى على المدنيين قتلا وأسرا وتعذيبا.

ويرافق ذلك كله حفلات نهش الكلاب المتوحشة لهؤلاء المدنيين الذين يحشدون ليلا فى ساحات القرى لتتولى الكلاب تمزيق أجساد الأحياء ونهش أجساد الشهداء . ولنا أن نتخيل مدى الرعب الذى يصاحب تلك الحفلات السادية التى قوم بها أقوى جيوش العالم ضد قرويين عزل مع أطفالهم ونسائهم . وفى حادثة مشهورة وقعت فى ولاية باكتيكا عام 2008 أطلقت القوات الأمريكية كلابها المفترسة على عائلة كاملة ،حتى قتلت جميع أفرادها ، فى مجهود مشترك بين الكلاب المفترسة وجنود من المرضى العقليين .
كرازى ـ الرئيس وقتها ـ إشتكى لنائب الرئيس الأمريكى “جو بايدن”، الذى أجابه قائلا (إن كلابنا لاتنهش سوى الإرهابين ،فكل من نهشته كلابنا هو إرهابى مجرم) ــ نقلاعن مجلة الصمود عدد128 ، ومجلة ويسا الأفغانية ــ ويلاحظ حاليا زيادة مفرطة من جانب العدو فى إستهداف المدنيين بدون أى مبرر عسكرى أو أمنى ، لأن قتلهم هو هدف فى حد ذاته ، بل سياسه ثابتة للقوات الأجنبية والمحلية فى كل مكان يعملون فيه .
على نفس خطى الجيش تسير الميليشيات ، التى لا يردعها قانون أو أخلاق بل تلاقى التشجيع من سياسة العمليات التى يتبعها العدو ويمليها على كل الأجهزة المسلحة العاملة على الأرض .
فى النهاية يتلقى المدنيون كل ذلك العبء الهائل الذى يأمل العدو أن يتحول إلى ضغط على أعصاب المجاهدين فيغير من مسارهم السياسى .
واضح أن كل ذلك لم ينجح ، وليس من المنتظر أن يلاقى أى حظ من النجاح . فبعد 15 عاما من الحرب وخبرات مع الإحتلال وإدارته فى كابل ، تكون اليقين لدى الشعب أن رحيل المستعمر هو الحل الأوحد ، والخطوة الأولى لتطهير البلاد من كل ذلك الظلام الذى أطبق عليها وعلى شعبها ، وأن المجاهدين تحت قياده طالبان هم الأمل المنشود ، الذى تجسد إلى حد كبير من خلال إدارتهم للمناطق المحررة التى يعملون فيها .

5 ـ “أم القنابل” بعد “أبو الفشل”
تجربة إلقاء (أم القنابل) على قرية أتشين فى جلال آباد كانت عملا يعكس شخصية الرئيس الأمريكى الجديد ترامب. فهى تجربة تجمع بمهارة بين ميزتى الرعونة والفشل . فلا هى تركت أثرا عسكريا على مسار العمليات ولا هى أثرت على معنويات أحد من المدنيين أو المجاهدين .

فلم تكن سوى إستعراضاً أحمقاً للقوة البلهاء ، التى تعطى للمجاهدين أملا أكبر فى النصر مادام عدوهم على تلك الدرجة من اليأس والتخبط .

قبل ذلك جرب العدو قنبلة سياسية من العيار الثقيل ، رغم أنها جربت وثبت فشلها منذ عقود ، ولكنه إعتبرها إنجازا ، وذهب ليحصى تأثيرها على الشعب وحركة طالبان ، فلم يحصد سوى الريح .تلك كانت قنبلة “أبو الفشل “من الطراز السياسى عديم الفاعلية. فقد إنضم الزعيم التاريخى الأصولى حكمتيار الذى كان عنصرا ثابتا ضمن مسببات فشل العمل الإسلامى.فقد أفشل معظم مبادرات العمل منذ أن كان طالبا فى الجامعة . وأحبط أى محاولة لجمع الصف الإسلامى ضد إنقلاب محمد داود، ثم إنقلاب طرقى وصولا إلى الغزو السوفيتى ، وحكومات المنفى الأولى والثانية و حكومة “المجاهدين” التى دخلت لتحكم كابول تحت مباركة دولية وإقليمية . ولكن حكمتيار إختار الحرب الأهلية تحت نفس المظلة. ولم ينضم إلى حكومة كابول إلا رعبا من تقدم حركة طالبان وتوليها زمام الأمور. فكان إنضمامه هذا إيذانا بفشل وإنهيار الحكومة وفرار الجميع صوب حدود طاجيكستان لعبور نهر جيحون ،هربا من حكم الشريعة الذى تظاهروا بالجهاد لأجله ضد السوفييت منذ عقود.

باقى القصة معروف ، إلى أن عاد حكمتيار مرة أخرى إلى أحضان نظام الإحتلال الأمريكى فى كابول وسوف يكرر معه ، فى وقت قريب ، قصة الفشل والإنهيار والفرار من قوات طالبان عندما تفتح كابول مرة أخرى بسيوف المجاهدين .
لم يؤثر إنضمام حكمتيار إلى حكومة كابول فى معنويات أحد إذ كان مزحة أخرى سخيفة لا معنى لها . فالرجل دفع بمعظم كوادر حزبه إلى أحضان نظام الإحتلال منذ سنوات ، وبقى وحيدا منتظرا أوامر الإنضمام بنفسه إلى ذات المنظومة . فدخلها وحيدا ، فى إنتظار أن يغادرها جمعا مع كافة زملائه من”قادة الجهاد” السابقين المتكومين فى (ظلال الإحتلال) وليس فى (ظلال القرآن) التى تغنوا بها فى مواجهة السوفييت .
ــ فلا “أم القنابل” نجحت ، ولا “أبوالفشل” ترك أثرا يذكر . وتلك كانت أثقل الأسلحة فى ترسانة العدو/ العسكرية والسياسية/ كى يمنع حركة طالبان ومجاهديها من تحرير البلاد فى إنتصار كامل على أرض طاهرة من كل أرجاس الإحتلال .

إن العدو يحاول شراء الوقت والبحث عن وسائل لتأخير موعد إنهياره . وقد جرب سلاحا آخر لم نتحدث عنه ، وهوسلاح إغتيال القيادات العليا فى حركة طالبان . ولكن الحركة بدلا من أن تضعف وتنشق فإذا بها تزداد ثباتا وحيوية ، سواء فى الميدان أو فى مراتب القيادة العليا .

لقد فشلت الولايات المتحدة فى سرقة العالم والركوب على ظهرة متقمصة دور القوة الأعظم والوحيدة ، وأعماها الغرور عن العمل بالحكمة الأزلية القائلة بأن أفغانستان هى مقبرة الطغاة والمتجبرين . لقد أغشيت أبصارهم حتى تنفذ فيهم سهام القدر .
(والله غالب على أمره) .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

6 تعليقات

  1. ماشاء الله تبارك الله
    مقالة قوية مفيدة يا شيخ ابو الوليد
    بارك الله فيك

  2. الله اكبر
    رجعت لمجلة الامارة
    حفظك الله ورعاك يا شيخ ابو الوليد

  3. وقرب بدء الحملة أخبرنى الشيخ حقانى أن تهديدا روسيا وصل إليه عبر دولة صديقه ، يقول بأن الروس سيقصفون خوست بالقنابل الذرية فى حالة إستيلاء المجاهدين عليها .شعرت بالمفاجأة والحيرة فسألت الشيخ عما ينوى فعله ، فأجابنى بهدؤ :”سنتوكل على الله ونفتح المدينة” .
    ………………..
    تفاجأت حقاً عند قرائتي لهذه الفقرة
    هل كتبت هذه القصة في كتبك يا شيخ ابو الوليد ؟
    بارك الله فيك

  4. السلام عليكم ورحمة الله
    اسعدني عودتك الي مجلة الصمود
    بارك الله فيك وفي قلمك الذي يلامس دوما الواقع

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here