نقطه اللاعودة فى أفغانستان : الثورة الجهادية الشاملة تضع الإحتلال الأمريكى فى أحلك لحظاته الأخيرة

– قوات طالبان تجتاح عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في هلمند.
– العمال الأفغان يشعلون “ثورة القرآن الكريم ” إنطلاقا من قاعدة باجرام الجوية . والمزارعون يشكلون قوات دفاع محلى تحبط “غارات الرعب الليلى” .
– جنود الجيش الأفغانى يواصلون إطلاق النار على جنود الإحتلال .
– الشعب الأفغانى يرفض الإعتذارات الأمريكية ويرفض “لجان تقصى الحقائق”.
– الألمان يلملمون قواتهم في قندوز, والفرنسيون أوقفوا عمليات التدريب ويتهيأون لإنسحاب مبكر, والأمريكيون ينتظرون رئيسهم الجديد لبدء الهروب الكبير.
– القواعد العسكرية الأمريكية تستجدى من المجاهدين وقف إطلاق النار .

ملف الصمود / بقلم: مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com
خاص : مجلة الصمود عدد 71 جمادى الأول 1433 هـ مارس – ابريل 2012
المصدر : موقع الصمود – امارة افغانستان الاسلامية

وصلت الأوضاع الأمريكية في أفغانستان إلى نقطة اللاعودة , فلا الشعب يمكن أن تهدأ ثورته بعد الأوجاع والإهانات التى تلقاها من المحتلين , ولا الحكومة العميلة يمكنها مواصلة دور الوسيط أو جندى الإطفاء بين الإحتلال والشعب ، ولا حركة طالبان التى تقود ثورة شعبها وجهاده تقبل بأقل من الإنتصارالكامل والإنسحاب غير المشروط للمعتدين.
إعتذارات أوباما وجنرالاته لم تعد تهدئ من روع الإفغان, ولم تعد مقبولة . وكذلك تهافت كرزاى الذى يواجه كل  مجزرة يرتكبها الإحتلال بلجنه تحقيق لم تصل يوماً إلى شئ ، أو تدعى بأن مصدر النيران كان مجهولاُ ، ثم تأتى الأمم المتحدة – أو المنظمة الدولية لرعاية العدوان والإحتلال ـ كى تدين “حركة طالبان” أى تدين الشعب بقتل نفسه بنفسه.
حلفاء أمريكا من دول حلف الناتو قد فرغ صبرهم ونفذت  قدرتهم على الإحتمال, فقواتهم المحاربة أصابها الإرهاق وهدتها الخسائر وأخافتها كراهية الشعب, والأدهى كان إنقلاب جنود الجيش الأفغانى عليهم وإغتيالهم كلما سنحت الفرصة في ساحات القتال أو داخل الثكنات أو في ساحات التدريب.

أزمة الجيش مع جنرالات الكيف والفساد
فتح ذلك ملف الجيش الأفغانى الذى أسسته أمريكا لحماية مصالحها والدفاع عن النظام الموالى لها في كابول. لقد أنفقت أمريكا أكثر من سبعة مليارات دولار حتى يقف الجيش على قدميه , لكنه يشكل الآن اكبر مصادر الخطر على جنودها ، فهو لا يهدد حياتهم في ميادين المعارك فقط بل يهددهم داخل القواعد الحصينه وفي قاعات الطعام وثكنات الراحة والنوم.
= إتضح أن أموال الجيش إبتلعها عدد محدود  من الجنرالات الفاسدين الذين لم تشغلهم الحرب إلا كمصدر لتكديس الثروات الخيالية من كافه السبل, بداية من إختلاس مخصصات الجيش وصولاً إلى إستغلال القوة المسلحة التى تحت أيديهم من أجل الأثراء غير المشروع على حساب الدولة, وعلى حساب صحة العالم بتهريب الأفيون والهيروين للعصابات الدولية المنظمة ، مستخدمين في ذلك طائرات الجيش ، كما يفعل سادتهم الأمريكيون .
الذين وجدوا في تورط كبار جنرالات الجيش الأفغانى في تجارة المخدرات سبيلاً لتبرئة أنفسهم وصرف النظر عن حقيقة كونهم تجار المخدرات الأكبر في العالم, وأنهم يرعون مادة الهيروين القاتلة , منذ لحظتها الأولى كنبات خشخاش, وحتى جمع الأفيون وتصنيعه (عسكرياً) داخل القواعد وفق تكنولجيا متطورة تحوله إلى هيروين, وصولاُ إلى نقله بواسطة سلاح الجو ليصل إلى كافة أرجاء المعمورة.
الفساد الأساسى موجود في جنرالات الجيش الأمريكي وكبار ضباطه في أفغانستان, وما تبقى في شذرات قليلة منة يتكالب عليها كبار جنرالات الجيش الأفغانى من أصحاب التاريخ الأسود الممتد منذ عهد الإحتلال السوفيتى للبلاد إلى إن ورثهم الإحتلال الأمريكي ليكملوا وظيفتهم في الحياه كقتلة مأجورين وتجار دماء.
تمرد الجنود الأفغان وفساد الجنرالات الكبار يشكل أعقد مشكلة للاحتلال الأمريكي كون “المؤسسة العسكرية” العميلة تشكل رهانه الأكبر للدفاع عن مصالحة وإستمرارها بعد سحب قواته.
فمن الواضح تماماً أن الجيش الأفغانى الذى أسسه الاحتلال الأمريكي سوف يلاقى مصير الجيش الأفغانى الذى أسسه الإحتلال السوفييتى , فينحل هو الآخر, حتى ينشى الشعب الأفغانى وقيادته الجهادية الجيش الجديد الذى يدافع عن مصالح الشعب وسلامة الوطن.

الشرطة تعانى أكثر
أسس الأمريكيون جهاز الشرطة وجهاز الإستخبارات, كما أسسوا الجيش ولنفس الأهداف ، أى حراسة المصالح الأمريكية وإبقاء الشعب تحت الضغط الدائم الذى يمنعه من تغيير الأوضاع المذرية التى تعيشها البلاد تحت النهب الإستعمارى وحكم النظام الفاسد والعميل.
عمليات الإختراق والتجنيد ، كما حوادث الإغتيال داخل أجهزة الشرط والأمن ، لا تقل من حيث الحجم أو الخطورة عن تلك التى تحدث في صفوف الجيش. والسبب في الحالتين واحد وهو رفض الجنود للإستعمار الأجنبى والقيادات الفاسدة التى باعت نفسها وخدماتها للإحتلال الأمريكي.
ذلك الشعور بالإستياء هو شعور شعبى عام وعارم . والجنود هم من أبناء الشعب الفقراء الذين إغلقت في وجوههم سبل العيش فأضطروا إلى الإلتحاق بتلك الأجهزة التى تدفع أجوراً مرتفعة نسبياً.
– ذلك النشاط الجهادى مستمر منذ سنوات, ولكن الضجة المثارة الآن على أعلى مستويات الحكم في الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا, ناتجة من تصاعد الغضب ضد الإحتلال وانفجار الشعب الأفغانى في المدن وعلى الطرقات الرئيسية ضد الإحتلال وقوافله المتحركة.
إضافة إلى تقدم أساسى للمجاهدين, في جبهات القتال خاصة تلك الأكثر حيوية أى “المنطقة المركزية للحرب” وهى ولايات هلمند وقندهار وأرزجان . وسوف نرى في موضع آخر كيف أنهم تمكنوا بالتعاون مع السكان في القرى من تحييد أخطر أسلحة العدو التى ترهب الناس وأوقعت أكبر نسبة من الخسائر التى عانى منها المجاهدون.

العمال يشعلون الثورة فى قاعدة باجرام
أطلق العمال الأفغان في قاعدة بإجرام شمال كابل الثورة الشعبية ضد إحراق المصحف الشريف . وكان الجيش الأمريكي وقتها يحرق عددا كبيراً من نسخ القرآن إضافة إلى كتب إسلامية أخرى, يبدو أنها حصيلة غاراتة الليلة على القرى والمساجد .
خرج العمال الثائرون  وأخبروا سكان القرى المحيطة بالجريمة ، فإنضم إليهم المزارعون وهاجموا البوابة الرئيسية للقاعدة وأحرقوها . إنتشر الخبر في أفغانستان طولاً وعرضا, وخرج الشعب الغيور على دينه ومقدساته في مظاهرات عارمة قابلها الجيش الإحتال بإطلاق النار, فوصل عدد الضحايا إلى أكثر من 37 شهيداً وكان الجرحى بالمئات.
زادت ثورة الشعب الأفغانى إشتعالا فهاجم القواعد العسكرية والمنشآت الحكومية , كما هاجم القوافل العسكرية على الطرقات وتمكن من إحراق الكثير من  آلياتها وقتل العديد من المستشارين الأمريكيين والغربيين وأصاب الكثير منهم بإصابات بليغة. حاول الأمريكيين كعادتهم إمتصاص الغضب الأفغانى بتقديم الإعتذارات التى واظبوا عليها طوال سنوات الإحتلال ، والتى سقط إعتبارها تماماً, فاعتذر أوباما كما إعتذر وزير دفاعه “بانيتا” وقائد قواته في أفغانستان.
في نفس الوقت أصدرت الإمارة الإسلامية توصياتها إلى الثائرين بعدم قبول أى إعتذار أمريكي أو حكومى, وحددوا لهم واجبات الثوار وهى ضرب قوافل العدو وأهدافه العسكرية وجنوده ، وكذلك  جنود نظام كرزاى ، مع تجنب ممتلكات المدنيين الأفغان.

المقاومة من الداخل
الثورة  التى أشعلها العمال الأفغان في قاعدة باجرام العسكرية وعمت أرجاء أفغانستان ، ضاعفت كثيراً المأزق الذى تعيشه قوات الإحتلال . وكان أحد أهم روافد تلك الأزمة هو “المقاومة من الداخل” التى شنها الجنود الأفغان . تكتم الإحتلال بشدة على تفاصيل تلك المقاومة وتلاعب كعادته بالأرقام وأظهر جزء منها على أنه الحقيقة الكاملة . ولكن ردة الفعل الغربية على مستوى الحكومات أو مستوى القوات المحاربة في أفغانستان تظهر فداحة التأثير المعنوى لتلك العمليات, التى يأخذ أكثرها الطابع الإستشهادى وأحياناً التنسيق من داخل الوحدات العسكرىة مع هجمات كبيرة للمجاهدين من خارجها, كما حدث مراراً في مطار جلال أباد وحتى في قاعدة باجرام نفسها.
لا شك أن القتال ضد الشعب الأفغانى يقود إلى جنون جيوش الإحتلال . فالمقاومة المسلحة تأخذ أشكالا لانهائية ، وتأتى من حيث لايحتسب أحد .
= يقول تقرير أمريكى وصف بأنه سرى نشرته صحيفة نيويورك تايمز ( إن هجمات جنود  الجيش الأفغانى ضد زملائهم  الأمريكيين والأوروبيين تشكل 6% من أجمالى الهجمات في أفغانستان ، وأن تلك الهجمات أودت بحياة 58 جندياً غربياً على الأقل فيما بين شهر مايو 2007 وشهر مايو 2011 ) .        ولتلك أرقام أقل بكثير حتى من عشر الأعداد الحقيقية .
ولكن ردات الفعل الصادرة عن كل من الرئيسين “ساركوزى” و “أوباما” تشير بأن الوضع أسوأ بكثير. فالحادث الأخير للقوات الفرنسية في ولاية كابيسا شمال كابول والذى راح ضحيته أربعة جنود فرنسيين قتلى وجرح 17 آخرين بواسطة جندى أفغانى ، ذلك الحادث أفقد الرئيس الفرنسي صوابه فأعلن وقف تدريب قواته للجيش الأفغانى, ولوح بإنسحاب مبكر لقوات بلاده . والجيش الألمانى في شمال أفغانستان لملم قواته من ولاية تخار وحشرها في “مستودع” قواته في ولاية قندوز المجاورة . أما الرئيس أوباما فقد أكد ناطقه الرسمى رفض فكرة “حرب بلا نهاية ” في أفغانستان. كما  سرب البنتاجون أنباء عن وقف عملياته العسكرية في العام القادم 2013 والقيام بإنسحاب مبكر .

إنهم يريدون الحرب
الانسحاب الأمريكي أمر متوقع وحتمى  ولا يؤخره سوى إضطراب الإدارة الأمريكية وقرب موعد إنتخابات الرئاسة . فمازالت القوى المتحكمة في الولايات المتحدة تعبر عن وجهات نظر متعارضة.
فمن يميلون إلى تغليب “مصلحة الدولة” يرون ضرورة الإنسحاب المبكر . أما من يعبرون  عن مصالح الجريمة المنظمة من الجنرالات المتورطين في تجارة المخدرات والسلاح حول العالم فيرون أن الحرب في أفغانستان تحديدا تحقق لهم أرباحاُ طائلة لم يكونوا يحلمون بها. لذا يقولون أن بلادهم تسير في الطريق الصحيح وتحقق إنجازات . وذلك صحيح أيضا من وجهة نظر المصالح الإقتصادية العظمى والبنوك التى تستقبل الغنائم وتغسل الأموال القذرة ، وهى تكتلات تعبر عنها مجموعات ضغط غاية القوة في دوائر صنع القرار الأمريكي . من ممثلى هؤلاء وزير الدفاع الحالى ومدير المخابرات السابق “ليون بانيتا” الذى عبر عن رأى عصابات المخدرات والسلاح في قوله “إننا نتقدم في الإتجاه الصحيح ونحقق إنتصارا في ذلك النزاع الشرس جداً” .هذا التكتل الشرير المكون من قادة الجريمة المنظمة والتجارة المحرمة والبنوك الكبرى المستفيدة من واردات المال الملوث ، يرون أن مصلحتم هى بالضرورة تمثل مصلحة الولايات المتحدة ، لذا فمن واجب أجهزة الدولة بما فيها الجيش والمخابرات أن تدافع عن مصالحهم بكل الوسائل وعلى رأسها الحرب .
إن حرباً تستهلك سنوياً مئة مليار دولار كمصاريف مباشرة للجيش الأمريكي, وتتيح لهم السيطرة على أفيون يوفر لهم مئات المليارات من الدولارات ثمناً للهيروين المنتج , لهى حرب ناجحة و ” كنز إستراتيجي” يفوق كل تخيلات تجار الموت والدمار.
– ذلك الصراع بين “مصالح الدولة” و “مصالح تجار السلاح والمخدرات والبنوك” هوالذى يتحكم في مسيرة القرار الأمريكي المضطرب . خاصة وأن الحلول المقترحة تتضمن إستبدال حرب أفغانستان بحرب آخرى كبرى في المنطقة “ضد إيران مثلاً ” إضافة إلى إتفاق سياسى في أفغانستان يضمن إستمرار المصالح الأمريكية في المخدرات والنفط بعد إنسحاب القوات الأمريكية.

التقدم إلى الخلف
عرفنا ماذا يقصد “ليون بانيتا” من التقدم في الاتجاه الصحيح. ولكن هناك تصريح لجنرال أمريكى آخر يدعى “جون ألين” يقول فيه قولاً عريضاً جاء فيه ” لقد إستطعنا طرد الإرهابيين من مواقعهم  وحقق جنودنا انتصارات كثيرة في القضاء على المتمردين, وبذلك سنخطوا  خطوات ملموسة نحو الوصول إلى الهدف الرئيسى وهو إحلال الأمن في بقية أنحاء أفغانستان”.
لاشك أن الجنرال يكذب كما كذب  وزير الدفاع , ولذلك أسباب كثيرة ، فهزيمتهم المتحققة في أفغانستان سوف يكون لها نتائج وخيمة طويلة المدى على الدولة الامريكية في كافة المجالات.
وكما قلنا فإن هؤلاء الجنرالات إنما يكذبون من أجل إستمرار حرب بشعة تحقق فقط مصالح شركات النفط الكبرى ومافيا المخدرات بشقيها الحكومى والخاص. أما الضباط الأمريكيون الذين عانوا من أهوال القتال في أفغانستان ولمسوا أثره المدمر على نفسيات الجنود وتماسك الجيش, فلديهم رأى آخر ، ومن هؤلاء الضباط العقيد  “دانييل ديفس” الذى يقول في رسالة بعث بها الى البنتاجون:
“إن الجيش الأمريكي ووزارة الدفاع قدما  صورة غير واقعية لما حققه التحالف الدولى, إنهم خدعونا بأكاذيب لاحقيقة لها وأن ما رأيته لا يشبه الوضع على الأرض الذى تصفه البيانات الرسمية للقادة العسكريين الأمريكيين … على العكس لاحظت عدم وجود نجاح عملى في جميع المستويات… كم من الأشخاص يجب أن يموتوا لمهمة لم تحقق نجاحا وهى مغلفة ببيانات تفاؤلية ” .
صرخة الحقيقة تلك تتطابق تماما مع الواقع الذى تصفه على الدوام البيانات العسكرية الصادرة عن الإمارة الإسلامية, ومع تقارير مراسليها في الجبهات وتحليلات الكتاب في جهازها الإعلامى .
لقد حاورت مجلة الصمود (العدد رقم 70) الملا محمد داود نائب القائد العام للمجاهدين في ولاية هلمند, وبالنسبة للأمريكيين فإن تلك الولاية تعتبر في ذروة الأهمية, والمركز الأهم للحرب.
لذا ركز فيها الأمريكيون معظم قوتهم الضاربة, ولم يستعينوا سوى بأقرب الحلفاء العسكريين خاصة البريطانيين أصحاب أكبر قوة عسكرية أجنبية في أفغانستان بعد الولايات المتحدة ، وكل قواتهم تقريبا موجودة في ولاية هلمند.
ومن المفترض في هذه الحالة أن تكون سيطرتهم تامة على تلك الولاية وأن يحققوا فيها أكبر نجاحاتهم, ولكن الواقع هو العكس تماماً لأن أفدح الخسائر وأبشع الهزائم تلقوها في هلمند . ولا شك أن تكديس القوات بشكل مبالغ فيه ونشر القواعد العسكرية المتقاربة كان له  أثر ملموس في زيادة خسائر الأمريكيين وليس قمع المقاومة الأفغانية.
وضعهم الحالى في هلمند يلخص إجمالى مأساتهم في أفغانستان . وليس ذلك بالأمر الجديد بل هو حال مستمر منذ حوالى ثلاث سنوات أو يزيد . وهو ما يعيد تلخيصه القائد “محمد داود” طبقاً للأوضاع الحالية ، ونرى من خلال حديثه الوضع الأمريكي كالآتى :
– خسر الأمريكيون معظم المناطق التى سيطروا عليها في عام 2010 . وقد كانت خسائر الأمريكيين عالية أثناء السيطرة على تلك المناطق ، ثم كانت عالية أكثر بسبب بقائهم فيها, والآن إنسحبوا كى يقعوا تحت حصار خانق في مراكزهم المتبقية.
وحسب ما ذكرة القائد “داود” فإن الأمريكيون في هلمند  إنسحبوا في هذا العام وحده من حوالى 47 قاعدة عسكرية , كما تخلوا عن منطقة سيساتنى الواقعة في مديرية مارجة صاحبة المعركة الأشهر لعام 2010.
= ومازال الأمريكيون يحتفظون بقواعد كثيرة في ولاية هلمند نظراً لأهميتها الإقتصادية القصوى بالنسبة لهم (مناجم يورانيوم إضافة إلى أكبر كنز إستراتيجى للأفيون في العالم) . ويلاحظ القائد داود أن كثرة قواعد العدو لا تعنى تسلط العدو على هذه الولاية وأوضاعها. وحسب قوله الذى يتابعه كالآتى: ( إن قواعد العدو في المنطقة في حالة حصار شديد منذ عدة سنوات ماضية , وقد أحاطها المجاهدون بأحزمة من الألغام المزروعة في الطرقات وحولها ولايمكن للعدو أن يخرج منها للعمليات).
وأبلغ صور الحصار هو عدم أمكان القيام بعمليات التموين أو تبديل الجنود إلا عن طريق الجو, وهذه حالة مدمرة لنفسيات الجنود كما أنها تشعل حماس المجاهدين, فيصبحون أكثر هجومية ورغبة في إقتحام القواعد المحاصرة . وقد عايشنا حالة مشابهة في مدينة خوست المحاصرة وقت الجهاد السابق ضد السوفييت  وأعوانهم في أعوام (1991-1980). تلك الحالة من الحصار المرهق والطويل آذت نفسيات الجنود كثيراً سواء المحاصرين في خوست أو في باقى المناطق البعيدة . وإنتهى الحال بإقتحام المدينة وسيطرة المجاهدين عليها لتبدأ سلسلة إنهيارات متتابعة أودت بالنطام كله إلى التهلكة عام 1992 .
قواعد العدو في هلمند محاطة بألغام المجاهدين وعبواتهم الناسفة . والطرقات المؤدية إليها زاخرة هى الأخرى بالألغام والكمائن . وكما يصفها القائد داود : (يتم تموينها وإيصال الذخيرة إليها عن طريق المروحيات وإلقاء الحمولات إليها من الطائرات الكبيرة)
ونذكر هنا أن إلقاء الإمدادات بالمظلات من طائرات النقل كان واحدا من وسائل تموين المجاهدين في “خوست” حين كانت الرياح تحمل تلك المظلات المحملة بالذخائر والمؤن والوقود إلى مواقع المجاهدين.
وفي معارك فتح تلك المدينة نفذت ذخائر دبابات المجاهدين “الذين كان يقودهم القائد الكبير مولوى جلال الدين حقانى”  في تلك اللحظة الحرجة كان العدو يلقى إمدادات كبيرة من ذخائر الدبابات بواسطة المظلات على قواته فحملتها الرياح إلى مواقع دبابات المجاهدين فإستخدموها على الفور وإقتحموا بالدبابات والمشاة مواقع العدو حتى سقطت المدينة .
= من الواضح أن حال قواعد الأمريكيين في هلمند أسوأ بكثير مما كانت عليه القوات الشيوعية في خوست, فالمجاهدون في هلمند يتربصون ببنادق القنص ينتظرون ظهور الجنود العدو, الذين إستبد بهم الرعب لدرجة لايجرؤون معها على مجرد الظهور ولو لأداء واجب الحراسة في مواضع ظاهرة.
يصف القائد داود ذلك الحال قائلاً : ( إتخذ المجاهدون مراصد لهم في الجدران والأشجار والمزارع القريبة من قواعد العدو يرصدون منها حركته ويقومون منها بقنص أفراده الخارجين منها أو الظاهرين في أبراج المراقبة والحراسة . وبمجرد أن يظهر أفراد العدو يقنصه المجاهد بقناصته على الفور. ولذلك لا يقدر العدو على الظهور في داخل مراكزه أو نقاط المراقبة والحراسة ) . ويصف القائد تجربتة الذاتية في مجال الترصد للعدو الأمريكي المحاصر  في أحد المواقع الشهيرة في مديرية جريشك فيقول:
وقد جلست بنفسى مترصداً للقنص في أحد مراصد المجاهدين لفترات طويلة لأرى الحارس لأستهدفه بقنناصتى ، ولكننى لم أر جندى العدو ظاهراً ولو لعشر ثوانى” .

أثر الهزيمة والإنهيار النفسى على جنود العدو
لم  تبدأ الولايات المتحدة في عملية الإنسحاب من أفغانستان قبل عدة أشهر بدون قيد أو شرط وقبل بد عملية التفاوض مع الطرف المقابل (حركة طالبان) إلا بسبب حالة الهزيمة والإنهيار النفسى لقواتها.
ونرى قواتها تستجدى الهدنة من مجاهدي الامارة  متذرعين في ذلك ببدء المفاوضات,  وهذه ربما هى المرة الأولى في تاريخ الحروب التى تبدأ فيها عملية مفاوضات لا ترافقها هدنة ( والأغرب كان بدء الإنسحاب العسكرى قبل التوصل إلى إتفاق سياسى مع المجاهدين ، بما يدل أنها حالة فرار وهزيمة وليس فقط إنسحاب ) . لأجل هذا يستجدى قادة العدو في الميدان الهدنة من المجاهدين مرسلين توسلاتهم عبر السكان القريبين من القواعد العسكرية قائلين أنهم على وشك الخروج من أفغانستان وأنهم باقون في قواعدهم لمجرد إستكمال المدة المتبقية لهم ( انظر العدد رقم 70 من مجلة الصمود ص 14). والحديث هنا عن قواعد العدو في هلمند التى هى أقوى تجمعاته في أفغانستان فما بال قواته في المناطق الأخرى؟؟ . ثم حاول العدو نشر رسالة  مزورة بإسم الإمارة الإسلامية تطلب من المجاهدين وقف القتال والدخول في هدنة خلال فترة المفاوضات ، ولكن الإمارة وقادتها المجاهدين لم تنطل عليهم الخدعة ولم يتوقفوا عن مهاجمة العدو .
كما حدث للسوفييت من قبل ، سوف تؤدى حرب الأمريكيين على أفغانستان إلى تفكك الجيش ثم تحلل الدولة الأمريكية نفسها, التى يعمل الجيش على ربط أجزائها غير المتجانسة والتى يطحن سكانها التمييز بأنواعه  ( الطبقى والعرقى والدينى ) إضافة إلى عدم العدالة والسفالة الأخلاقية والسلوكية. وذلك واضح في التصرفات الحيوانية لهؤلاء الجنود التى تجاوزت كل  التصورات.
ليس فقط الجنود الأفراد بل أيضاً قادة الحرب الذين تصرفوا بوحشية كاملة مع الشعب الأفغانى ، ولهم سجل أسود في المجازر والإرهاب العسكرى , بحيث تبدو الجيوش النازية والفاشية مقارنة بهم مجرد بعثات للإغاثة الإنسانية. وهكذا وقع المدنيون الأفغان بين مطرقة جنرالات أمريكا النازيون الجدد وبين جنودها المختلين عقليا والمرضى سلوكياً ، فكان الجهاد هو الحل الأوحد للتخلص من ذلك الكابوس وطرده خارج البلاد نهائيا وبلا رجعة. ومن مظاهر ذلك الجنون النازى المنحرف كانت تلك الأعمال :
– إهانه المقدسات الإسلامية وعلى رأسها حرق القرآن الكريم على  الأرض الأمريكية نفسها ضمن إحتفالات كنيسة منحرفة ، ثم حرق المصحف في مساجد أفغانستان ومدارسها الدينية وفي داخل القواعد العسكرية ، كما حدث مؤخراً في قاعدة باجرام التى إنطلقت منها الثورة الحالية.
– تدمير قرى كاملة بمن  فيها من سكان بواسطة القصف الجوى .
– تدمير قوافل السيارات المدنية على الطرقات بواسطة الطائرات الأمركية.
– المعاملة غير الأخلاقية والإستفزازية لأجساد الشهداء الطاهرة . مثل حرقها أو إطلاق كلابهم المفترسة لتمزيقها أو إقتطاع أجزاء من تلك الأجساد والإحتفاظ بها كتذكار للحرب أو لإرسالها كهدايا للأصدقاء المتعطشين إلى دماء المسلمين على أرض الوطن.
– مهاجمة حفلات الأعراس بواسطة الطائرات.
– ضرب صفوف المصلين في المساجد بالصواريخ الذكية التى تطلقها الطائرات أثناء الصلوات الجامعة أو صلوات الجنائز على جثث الشهداء.
ـ العمل الأخطر والأشد وطأة على الأهالى كان الغارات الليلية التى تقوم بها القوات المحمولة جواً ضد القرى, لمداهمة البيوت وأخذ الأسرى وقتل البعض وتعذيب آخرين على مرأى من السكان الذين يجمعونهم في أحد الساحات مع إطلاق الكلاب المفترسة على الأطفال والنساء وجثث الشهداء.

مقاومة الغارات الليلية
ونظراً لأن الغارات الليلية مثلت كابوساً لسكان القرى في أفغانستان وللمجاهدين أيضاً, لأن قواعدهم في القرى أو قريبا منها عانت الكثير من الخسائر نتيجة تلك الغارات . جزء معتبر من تلك الخسائر يرجع إلى إمتلاك جنود العدو لمناظير الرؤية الليليه , التى لا يمتلكها المجاهدون, فيتمع العدو بميزه تكتيكية كبيرة خلال تلك المواجهات.
– كان لابد من التوصل إلى حل مشترك ومجهود جماعى بين المجاهدين وسكان القرى من أجل تطوير نظام للإنذار المبكر ورصد عملية الإنزال منذ بدايتها ، ثم ترتيب واجبات الدفاع والمواجة , وكانت النتائج رائعة  وحسب وصف الملا محمد داود في حديثه مع مجلة الصمود: (أكثر خسائر المجاهدين فيما سبق كانت من المداهمات الليليه ,  وهى توقفت الآن بفضل الله تعالى ثم بفضل إتخاذ المجاهدين للتدابير الإحتياطية ووقوف الناس بشكل قوى إلى جانبهم ).
كانت الغارات الليلية هى آخر فرصة لدى قوات الإحتلال كى تحرز ما يمكن تسميته “بإنتصارات” على المجاهدين . وكان العدو قد خسر منذ مدة ميزة أسلوب الحملات الكبيرة على مواقع المجاهدين ، رغم أنه في هلمند يتحرك غالباً  في مناطق مفتوحة  تناسبه ولا تناسب المجاهدين, ومع ذلك فقد  إستخدم المجاهدون تكتيكات مبتكرة سلبت منه تلك الميزة وجعلتها في مصلحة المجاهدين.
ومن وسائلهم الرئيسية كان التطبيق الإبداعى لحرب المتفجرات التى حدت من قدرة العدو على الحركة حتى في تلك المناطق المفتوحة , فجعلت كل خطوة لجنوده أو معداته تحمل خطر الموت.
ليس هذا فقط بل أن تكامل أسلوب الهجمات الجانبية لقوات المجاهدين مع هندسة تلغيم الطرقات أدت إلى تجميد حركة الحملات المعادية لعدة أيام وبالتالى تعرضها للمزيد من الهجمات . وفي حال وصولها إلى المناطق المستهدفة فإنها تكون منهكة ومتدنية المعنويات لتجد  في انتظارها الهجمات الأساسية للمجاهدين.
نتيجة تلك الحملات هى عودة المعتدين مثخنين بالجراح ومحملين بجثث القتلى والجرحى, وتجرجر القوة المندحرة خلفها ما يمكن سحبه من معدات مدمرة أو تالفة.
في العادة تكون عمليات إنزال القوات المحمولة جواً جزء من تلك الحملات الكبيرة . فتواجه تلك القوات  بمقاومة جهادية عنيفة , وكثيراً ما وقعت في الحصار بدرجة عجز العدو عن إنقاذها فإضطر إلى قصفها من الجو حتى لا تقع في أسر المجاهدين.
أدى ذلك السيناريو ( المقاومة العنيفة – الحصار – القصف الجوى) إلى تلف شديد في معنويات قوات النخبة المحمولة جواً, فتكررت حوادث فشلها وتقلصت عملياتها  حتى إقتصرت تقريباً على عمليات المداهمة الليلية والتنكيل بالمدنين على الشكل المشار إليه آنفاً.
وهكذا يمكن أن نفهم ما  يقصدة القائد محمد داود في حديثه مع مجلة الصمود(العدد 70) حين قال:
( فشلت هذا العام بفضل الله تعالى ثم بفضل مقاومة المجاهدين القوية جميع هجمات العدو التى شنها للسيطرة على مناطق المجاهدين. العدو كان يريد هذا العام أن يبسط سيطرته على مناطق “زمينداور” و “موسى قلعه” و “نوزاد” في شمال هلمند . وكان يريد عمليات مماثلة في هلمند المركزية وقد أوصل أعدادا كبيرة من جنوده إلى تلك المناطق عن طريق الجو وساق إليها قوات برية ووسائل النقل والدبابات من القواعد العسكرية القريبة منها بهدف إجراء العمليات في تلك المناطق ولكنه أضطر إلى الحصار في مراكزه بسبب مقاومة المجاهدين له في كل مكان وزرع الألغام في طرق العدو فلم يحرزوا أى تقدم ).
= ترافقت عوامل عديدة كى تكمل الخناق على الإحتلال وتدفعه نحو هزيمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي ، بما يشكل إنجازاً جهادياً غير مسبوق للشعب الأفغانى ذو التاريخ المجيد الملئ بتدمير الغزاة ودفن جيوشهم.
تراجع العدو كثيراً عن الأرض التى سبق له وأن إحتلها ودفع مقابل ذلك ثماناً باهظا من الدم  والأموال.
وانهارت معنويات جنود العدو لدرجة أنهم صاروا يستجدون المجاهدين كى يوقفوا إطلاق النيران عليهم ، متذرعين بأن  المفاوضات دائرة في قطر (وحسنا فعلت الإمارة بوقفها) وأنهم منسحبون قريباً فلا داعى لقتلهم الآن .
إلى هذه الدرجة وصلت معنويات الجيش الأقوى على سطح الأرض, ومن معه من الجنود الأوربيين في حلف الظلم والعدوان (الناتو) البغيض.
ثم توالت الإنتفاضات الشعبية ضد الإحتلال في مناسبات مختلفة ، إلى أن جاءت ثورة الشعب ضد جريمة الجيش الأمريكي بحرق المصحف الشريف, وقد عمت تلك الثورة كل أرجاء الوطن الأفغانى فكانت عوناً في دفع الروح الجهادية إلى المزيد من التطور, فتوسعت قواعد المجاهدين ومجموعاتهم العاملة في المدن والأرياف.
سبق القول بأن الغارات الليلية دفعت المقاومة الذاتية داخل القرى إلى المزيد من التطور والعنفوان والتنسيق الأرقى بين المزراعين في القرى وبين وحدات المجاهدين من أبنائهم المنتشرين في المحيط , فأحبطوا بذلك أسلوب الغارات الليلية التى واجهت مقاومة أعنف وفشلا لا يبرر تكرارها.

معارك ما قبل الإنسحاب
أهم ما تبقى في يد العدو هو الغارات الجوية ضد القرى وتحويل بيوتها إلى مقابر جماعية للمئات من الأبرياء. وإستخدام سلاح الجو في ترويع السكان وإرهابهم على النحو السابق ذكره بضرب قوافل السيارات وتجمعات الأهالى في الأفراح أو الجنائز أو الصلوات الجامعة.
الهدف من كل ذلك هى إجبار الناس على الضغط على المجاهدين وقيادتهم حتى يقبلوا بالتفاوض مع العدو بصرف النظر عن أى إعتبار آخر مثل :
( شروط التفاوض – ضمان جدية الطرف الآخر – الإتفاق على الهدف من العملية التفاوضية وحصرها فقط في موضوع إنسحاب المعتدين وما يتعلق بذلك من تعويضات للمتضررين الأفغان ــ مع تسليم مجرمى الحرب من ضباط وجنود الإحتلال ــ وتسليم كرزاى وأعمدة نظام حكمه إلى الإمارة الإسلامية لمحاكمتهم بتهة الخيانة العظمى ــ وتحديد سقف زمنى وجدول أعمال لجلسات التفاوض حتى لا تكون عملية أبدية).
أراد العدو الأمريكي تحويل عملية التفاوض إلى مهزلة يستخرج بها إنتصارات  يستحيل عليه إنجازها في ميدان المعركة ، لكن الإمارة الإسلامية متيقظة  تماماً لمكائد العدو في المجال السياسى ، وتحبطها بنفس القوة والكفاءة التى أحبطت بها خططة العسكرية وفرضت عليه الهزيمة.
– من تلك الخدع كان توقيع إتفاق (إستراتيجى!!) مع كرزاى يضمن لهم تواجداً أزلياً في أفغانستان ، عسكرياُ وبالتالى سياسياً وإقتصادياً.
هدف العدو من ذلك هو أن يجعل ذلك الإتفاق ملزماً للطرف المفاوض أى الإمارى الإسلامية.
ولكن من الواضح ان ذلك الإتفاق (الإستراتيجى!! ) يحمل تلك الصفه البراقة عن غير جدارة. لأن الإحتلال وعميله كرزاى كلاهما مؤقت وعلى وشك الزوال فمن أين لهم صفة (الإستراتيجية) هذه ؟؟.
وإذا كان الإحتلال الأمريكي في طريقة سريعاً نحو مزبلة التاريخ آخذا معه عميله المحتقر كرزاى ، فهل يكون لإتفاقهما مكاناً آخر غير تلك المزبلة التاريخية ؟؟ . إنها المكان “الإستراتيجى” المناسب لهم . فجميعهم باطل وجميعهم إلى زوال ، وتبقى أفغانستان وطن الإسلام والحرية والرجال الأبطال.

ملف الصمود / بقلم: مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com
خاص : مجلة الصمود عدد 71 جمادى الأول 1433 هـ مارس – ابريل 2012
المصدر : موقع الصمود – امارة افغانستان الاسلامية