بن لادن الأسطورة (الحلقة 3 ـ الأخيرة )

0

تنظيم القاعدة .. إلى أين ؟؟
–  ” القاعدة الجديدة” تنظيم تحت التأسيس منذ منذ عام 2002 وأكثر من تضرر منه كان بن لادن ، ثم الجهاد فى العراق وأفغانستان.
– الولايات المتحدة هى القائد الفعلى لتيار “القاعدة الجديدة” .

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

أثارت أمريكا وإعلامها الخاص والإعلام العربى التابع لها ، تساؤلات حول مصير القاعدة وقيادتها بعد بن لادن. ثم سارعت إلى ترشيح أسماء لشخصيات توسمت فيهم الصلاح لإستمرار قصة ذلك التنظيم .
فمازالت المصالح الأمريكية تستدعى تواجد ذلك الشبح المخيف لإعطاء مبرر وشرعية “دفاعية” لعمليات إقتحامية إستعمارية فى بلاد العرب والمسلمين والعالم . فبعد إعلانهم عن إغتيال أسامة بن لادن كان من المنطقى أن تطالبهم شعوب المنطقة والعالم بالإنسحاب من أفغانستان والعراق ، والتوقف عن إستخدام ذريعة “الإرهاب ” كراية صليبية لحروب دائمة على المسلمين .
لذا فإن البحث عن بديل عن بن لادن لقيادة “القاعدة ” هو أيضا ضرورة لضمان الإستمرارية لساسة العدوان والحروب .
فما هى حكاية تنظيم القاعدة وعلاقته مع بن لادن ؟ وكيف يمكن أن تحقق أمريكا مبتغاها بإستمرار الحكاية إلى مالا نهاية ؟.
أولا .. تلك هى أهم المحطات فى حياة ذلك التنظيم :

1 ـ نيران أنضجت التنظيم ـ
معركة جاجى فى أفغانستان عام 1987 ، هى المعركة الضخمة التى أدت إلى تشكيل التنظيم وفيها برز بن لادن كزعيم ، نبت له جناحان قويان هما أركان حربه فى تلك المعركة : أبو عبيدة البنشيرى وأبوحفص المصرى . وكان أداء تلك المجموعة رائعا ، وكذلك نتيجة المعركة الناجحة للغاية والتى هى الأشد بريقا فى تاريخ القاعدة كله (رغم أن القاعدة لم تكن قد تشكلت فى ذلك الوقت) .

2 ـ المولود الضخم ـ
بعد معركة جاجى تفرغ البنشيرى وأبو حفص لبناء تنظيم أسمياه القاعدة ، حتى وصل إلى قمة نموه خلال عام تقريبا ، وضم عربا من المجاهدين فى أفغانستان ومنظمات عربية وغير عربية ،وقدر أحد القريبين من عملية التشكيل أن الحجم الإجمالى للتنظيم وصل وقتها إلى 12 ألف فرد . ومن المستبعد جدا أن تنظيما جهاديا ولد خلال فترة قصيرة بهذه الضخامة ، فى أى ظرف تاريخى آخر.

3 ـ معركة جلال آباد الأولى ـ
معركة جلال آباد التى إفتتحت فى مارس 1989 بعد الإنسحاب السوفيتى ، وكانت أضخم معركة شارك فيها تنظيم القاعدة فى كل تاريخها القصير فى أفغانستان وكان فى عنفوان قوته التى لم يصلها قط حتى نهاية حرب 2001 ، ولكن النتائج جاءت مخيبة للآمال إلى حد كبير. التطور اللافت للنظر خلالها هو أن المخابرات العسكرية الباكستانية تعاملت فى تلك المعركة لأول مرة مع القاعدة بشكل مباشر ، وصرفت لها نصيبا من الإمداد بالذخائر مثل باقى التنظيمات الأفغانية. فظهر أن القاعدة تقف على قمة العمل العربى فى أفغانستان ، وعلى قدم المساواه مع التنظيمات الجهادية الأفغانية العاملة منذ سنوات طويلة .
والجدير بأن نقف أمامه طويلا هو حقيقة أن المخابرات العسكرية الباكستانية التى دفعت القاعدة عاليا وبهذه الطريقة فوق الساحة الأفغانية ، هى نفسها التى قضت على القاعدة تماما قتلا وإعتقالا بل وشاركت فى العمليات الأرضية ضدها فى جبال تورابورا فى جلال آباد عام 2001. وكان لها الدور البارز، بل والحيوى ، فى إنهاء أسطورة بن لادن وإسقاط نظام الإمارة الإسلامية فى أفغانستان قبل ذلك.

4 ـ تفكيك القاعدة ـ
بعد معركة جلال آباد إقتصر نشاط القاعدة فى أفغانستان على التدريب . وبدأت بالتدريج تنتقل مع بن لادن إلى السودان ، وإنغمست معه فى مشاريع البناء الإقتصادى ، وهو الأمر الذى أثار إمتعاض أفراد التنظيم فاستقال معظمهم ، وبقى مع بن لادن خمسون شخصا فقط ، أكثرهم من المدربين الممتازين ، فكان ذلك هو أكبر مكاسب بن لادن من الحرب الأفغانية .
وبإتفاق مع الولايات المتحدة أبعدت حكومة الخرطوم بن لادن إلى جلال آباد فى (مايو1996).
ــ كانت مساهمات القاعدة فى الصومال أثناء مرحلة تواجدها فى السودان هى الأبرز والأنجح فى تاريخ العمل الخارجى للقاعدة . وكانت عبارة عن تدريب ، أعقبه تحريك فعال وناجح لمجموعات صومالية للعمل ضد الغزو الأمريكى هناك .
5 ـ الطريق إلى منهاتن ـ
لم يلبث أن أعلن بن لادن الجهاد ضد الأمريكيين المحتلين لجزيرة العرب ( أكتوبر 1996) وصولا إلى الضربة المزدوجه فى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام فى         ( أغسطس 1998) . ثم ضرب المدمرة كول فى عدن ( أكتوبر 2000) وفى الأخير التتويج النهائى والأخير ” بغزوة منهاتن ” فى سبتمبر 2001 التى أشعلت الحرب.
بدأ بن لادن من جلال آباد عند وصوله من الخرطوم ومعه حوالى 30 عنصرا من القاعدة وشنت أمريكا عدوانها على أفغانستان وتعداد القاعدة حول بن لادن أقل من مئة عنصر . ولكن بعد ضربة منهاتن ، وقبل الحرب وفى بدايتها المبكرة ، إشتعل الحماس وإنضم كثيرون من عرب أفغانستان إلى القاعدة ، وتطوع مئات آخرون لدعم الإمارة الإسلامية مباشرة بدون المرورعلى القاعدة .

6 ـ نهاية القاعدة ـ
فى السابع من ديسمبر 2001 إنتهت الحرب الأمريكية بإحتلال الأمريكيين لقندهار عاصمة الإمارة الإسلامية تتقدمهم قوات الحشاشين بقيادة ” جول أغا” مع القوات الباكستانية . وقبلها بعدة أيام كان أفراد تنظيم القاعدة قد أنهوا إنسحابهم من قندهار متوجهين إلى باكستان مع ما تبقى من الأسر العربية . وقبل يوم واحد من ذلك التاريخ دخل الأمريكيون إلى “تورا بورا” خلف قوات مرتزقة محلية ، بينما القوات الخاصة الباكستانية تطبق على تورا بورا من الخلف وتطارد العرب المنسحبين فى الجبال .
وبهذا طويت صفحة القاعدة “القديمة ” التى تأسست على لهيب معركة جاجى وتحطمت تحت الضربات الأمريكية وإحتلال أفغانستان ، وكانت نهايتها الفعلية هى معركة تورابورا فى جلال آباد . لذا يمكن القول أن تنظيم القاعدة كان من أهم ضحايا “غزوة منهاتن ” .

# لقد دارت القاعدة كتنظيم على شخصية زعيمها أسامة بن لادن شأن معظم التنظيمات والدول الإسلامية . ولكنه إستعان بشخصيتان قويتان حازا ثقته التامة وهما أبوعبيده البنشيرى وأبوحفص المصرى ، وجاءت الثقة بناء على تجربة هائلة وخطيرة فى معركة جاجى التى كانت مجيدة بالفعل. وقد حازا قدرا مهما من الصلاحيات فى حالة غياب بن لادن. ورغم قيادة بن لادن المطلقة الصلاحية إلا أن مساعداه تركا بصمات قوية على التنظيم ونشاطة حتى أصبحت القاعدة إجمالا هى محصلة ذلك الثلاثى التاريخى .
وجاء وصف دقيق لحالة القاعدة تلك فى كتاب صليب فى سماء قندهار ضمن فقرة تقول { وإذا شبهنا القاعدة بعربة يقودها بن لادن فإن أحصنة الجر كانت هذين الشخصين. ومن المشكوك فيه كثيرا أن تستمر القاعدة بعد غيابهما، إلا أن يختطف شخص ما أو مجموعة ما ذلك الإسم الأكثر شهرة، ويستغلونه فى عمل شئ آخر كما حدث لإسم الإخوان المسلمين من قبل . أى أن الإسم يمكن أن يستمر مع إختفاء المضمون القديم وظهور مضمون آخر }ـ صفحة رقم 53 ـ
ومن المؤسف أن ذلك هو ما حدث تماما ، وهو إختفاء نهج القاعدة القديم وظهور نهج جديد مخالف تماما تحت نفس إسم “القاعدة” ، وهذا هو المقصود من إصطلاح ” القاعدة الجديدة” و”القاعديون الجدد” .

# أثناء فترة السودان ترك أبوعبيدة القاعدة عمليا وتوجه إلى شرق أفريقيا . وهناك توفى فى حادث غرق عبارة نيلية عقب وصول بن لادن ومن معه الى جلال آباد بأيام قليلة .
أبوحفص المصرى إستمر بصعوبة فى العمل بالقاعدة إلى أن استشهد فى غارة جوية أمريكية على مقر أحد مضافات القاعدة فى قندهار ” 10/ 11/ 2001 ” . من وقتها أصبح بن لادن وحيدا وبلا جناحاه القويان الذان أساسا معه التنظيم ـ
وكان بن لادن قد شرع فى تغيير أسلوب عمل التنظيم منذ عام 2000 متخطيا مساعده الأول أبوحفص المصرى ، وهذا ما حدا بالأخير إلى التفكير جديا فى الإستقالة ، ولكن تدخل الأصدقاء ، ثم عملية المصاهرة بين الرجلين، أبقت أبوحفص إلى جانب بن لادن فى التنظيم . لكن بن لادن أصبح أكثر إستقلالية وإندفاعا معتمدا على شعبية إسلامية وعربية وعالمية ربما لم تتوفر لشخص آخر من قبله ، وذلك بعد ضرباته ضد الولايات المتحدة فى أفريقيا واليمن . وكان وقتها يجهز “لغزوة منهاتن” التى كان هو شخصيا أكبر مؤيديها وآخرهم ، بإستثناء حماس للدكتور أيمن الظواهرى الشديد وإنحيازه إلى بن لادن رغما عن الجميع ، بما فيهم أبوحفص وكل أعضاء شورى الجماعة ، التى هى شورى شكليه حسب التقليد الحركى الإسلامى .
بإستثاء أقل من خمسة أفراد ، فإن أحدا فى القاعدة لم يكن يعلم أن هناك عملا محددا فى منهاتن . ولكن كان واضحا لهم وللعالم أن هناك ضربه قويه قادمة ضد الولايات المتحدة حسب تهديدات بن لادن . وكان الإعتراض فى مجلس الشورى منصبا على تأثير ذلك على علاقة القاعدة مع الإمارة الإسلامية التى أمرت بالكف عن تلك الأعمال حتى فى المجال الإعلامى ، نظرا للظروف الحرجه التى تمر بها الإمارة فى حربها على تحالف الشمال المدعوم إقليميا ودوليا .
ـ بعد إنسحاب بن لادن من تورابورا ، وإنسحاب العرب وعائلتهم من قندهار ، إنتهى فعليا تنظيم القاعدة ، ولم يعد ممكنا إعادة تجميع عناصره الأساسية مرة أخرى . فإلى جانب كثيرين إستشهدوا فى المعارك ، فإن الذين إنسحبوا من قندهار وقعوا تحت مطاردات شرسة من الأمن الباكستانى ، وعصفت بهم المكافئات المالية السخيه التى وضعها الأمريكيون على رؤوس العرب والملايين التى رصدت على رؤوس القيادات .
أما بن لادن فقد دخل فى منطقة وزيرستان مع مجموعة من العرب ومجموعة من قيادات الأفغان الذين ناصروه فى جلال آباد . ولفترة قصيره نسبيا كانت إتصالاته مع كوادر التنظيم المشتتين فى باكستان وخارجها صعبة جدا وقليلة نتيجة الأخطار الشديدة وإحتياطات الأمن التى إلتزم بها. ولكن طبيعة سكان المنطقة تأبى أن يظل السر مكتوما لفترة طويلة .
والرجل بقامته الفارهة، وحراسه من العرب ، كانوا يشكلون كتله يستحيل إخفاؤها سوى لأيام محدودة. وكانت باكستان قد دخلت فى حرب مفتوحة مع القبائل فى وزيرستان ، وكان جواسيسها منتشرون بغزارة بين القبائل وفى أرجاء الإقليم كله ، إضافة إلى الميليشيات القبلية المسلحة كثيفة العدد سيئة السمعة والتى تبحث عن المال بشتى السبل فى نهم لا يشبع، لذا كانت شهيتهم مستعرة لإعتقال العرب وقبض المكافئات الأمريكية .
# كل تلك العوامل أدت إلى خنق إتصالات بن لادن مع ما تبقى من قيادات القاعدة . وفى النهاية يعتقد أنه وقع فى قبضة المخابرات العسكرية الباكستانية بعد مدة لا تزيد عن أشهر قليلة ، أو حتى أسابيع قليلة ، من مغادرته أفغانستان .
ومنذ ذلك الوقت تشير الدلائل إلى أنه ظل فى قبضتهم داخل مقر ، أو عدة مقرات ، إجبارية فى باكستان . وقد صدر عنه عدد محدود من البيانات المسجلة ، بدون أن يعنى ذلك أنه كان حرا طليقا وقت إصدارها ، ومن الواضح أن محتواها كان مراقبا وخاضعا لضوابط صارمة وإعتبارات سياسية محسوبة بدقة.
ومن الطبيعى أن يكون الأمريكيون على علم بتواجد بن لادن فى قبضة المخابرات العسكرية الباكستانية . وأن الإبقاء عليه محتجزا فى باكستان كان متماشيا مع المصلحة الأمريكية ، وأن الحل الأمثل وقتها كان الإبقاء عليه حيا مع الإيحاء بأنه حر طليق يدير نشاطات القاعدة “الإرهابية ” فى باكستان وأفغانستان والعالم . من أجل ذلك كان السماح له بإصدار عدد محدود من البيانات يخدم تلك الخطة لخداع العالم وإقناعه بأن النشاط العسكرى الأمريكى فى المنطقة يبرره البحث عن بن لادن، وسوف يستمر إلى حين قتله أو القبض عليه .

7 ـ قتل بن لادن قرار سياسى ـ
لم يكن مناسباً فى ذلك الوقت قتل بن لادن أو إعتقاله ، لأن الحرب الأمريكية فى المنطقة ستفقد مبررها الأساسى . كما أن إعلان القبض عليه كان يستلزم ” تقديمه إلى العدالة ” حسب الإصطلاح الأمريكى الهزلى ، ولم يكن ذلك واردا على الإطلاق لأن محاكمة بن لادن ، سوف تفتح بقوة ملف 11سبتمبر السرى ، وسيحدث ذلك زلزالا سياسيا يضر النظام الأمريكى ذاته وليس فقط أى إداره أمريكية بالتحديد .
ومع أن إحتجاز بن لادن لدى المخابرات العسكرية الباكستانية يحقق هدفا أمريكيا إلا أنه يضع ورقة قوية فى يد باكستان تبتز بها الأمريكيين . وعلاقات الطرفين حافلة بهذا النوع من التحالف الملئ بالإبتزاز المتبادل للحصول على أكبر قدر من المكاسب على حساب “الحليف الاستراتيجى” المقابل .
كما أن أمريكا لا تثق فى أى طرف غير أمريكى / ماعدا إسرئيل بالطبع / وتضع فى إعتبارها إحتمال وجود عناصر وطنية أو إسلامية فى الجيش أو الإستخبارات الباكستانية ، قد تعمل على تهريب بن لادن أو الكشف عن إعتقاله أو حتى قتله فى توقيت غير ملائم أمريكيا ، لتهديم المعبد على رأس الأمريكين ونظام إسلام آباد .
كان إغتيال بن لادن قرارا أمريكيا سياديا ، يتم تنفيذه إذا إقتضت المصلحة الأمريكية العليا ذلك حيث أن الحرب على الإرهاب ، الذى جعلوا رمزه الأعلى شخص بن لادن ، هو أحد المكونات الأساسية فى الإستراتيجية الأمريكية حول العالم . ولكن وجود بن لادن فى قبضة الباكستانيين يجعل القرار الامريكى مقيدا أو مهددا . وقد يتسبب الإبتزاز الباكستانى فى ضياع التوقت المناسب لإستثمار بن لادن سياسيا للمرة الأخيرة فى حياته . ولم يكن الباكستانيون على إستعداد للتفريط فى هذه الورقة النادرة وتسليمها للأمريكيين فيضيع منهم سلاحا هو الأقوى لديهم فى التعامل بشئ من الندية مع الحليف الأمريكى المتغطرس . وذلك هو تفسير ما كان يظهر إلى العلن من إتهامات أمريكية لباكستان بأنها تتستر على بن لادن أو أنها تدعم الإرهاب .
………………………
ونحن الآن أمام ثلاثة إحتمالات ، لن يكون ممكنا الجزم بصحة أحدها إلا بعد مرور وقت طويل أو ظهور مفاجئ لدليل جديد :
1ـ أن عملية قتل بن لادن حدثت قبل عملية الإعلان ، الذى كان عليه أن ينتظر قرارا سياسيا سياديا من البيت الأبيض ، بناء على دراسة للموقف الأمريكى ومتطلباته من جميع جوانبه الداخلية والخارجية .
2ـ أن القرار الأمريكى بقتل بن لادن جاء فى بداية عام 2011 ولكن أجهزة الجيش والمخابرت العسكرية فى باكستان مانعت من أجل مزيد من الضغط والإبتزاز . فأضطرت أمريكا إلى تنفيذ العملية بالقوة مستعينة برجالها الخاصين الأقوياء داخل الجيش والمخابرات فى باكستان ، فتمت العملية بالشكل الذى أعلنه أوباما فى خطابه الليلى .
ولكن الأمريكيون لم يقدموا أى دليل يعتد به يبرهن على صحة تلك الرواية ، وهذا يجعلها موضع شك كبير ويقوى الإحتمالين الآخرين .
3ـ الإحتمال الثالث هو أن الإعلان عن مقتل بن لادن تم فى توقيته المناسب أمريكيا ، ولكن بن لادن نفسه نقل حيا إلى الأراضى الأمريكية ، فى وقت ما ، ليعيش تحت حراسة مشددة فى قاعدة عسكرية أو إستخبارية ، وترك البت فى مصيرة لتطورات الظروف اللاحقة .
أيا كان ما حدث فإن الإعلان عن مقتله يعنى أنه لن يكون فى الإمكان عودته إلى ممارسة دوره ولو بشكل جزئى ، حتى ولو لمجرد إصدار بيانات قليلة متقطعة كما كان يحدث فى السنوات التسع الماضية .

8 ـ القاعدة الجديدة ـ
حسب مصادر عالية المستوى فى القاعدة فإنه بعد الإنسحاب من أفغانستان دفع التنظيم بجميع كوادره التدربية المتبقية وعددهم يتراوح ما بين 20 إلى 30 عنصرا من القدماء ، من أجل القتال فى أفغانستان . وكان عدد المتطوعين العرب الذين دفعهم التنظيم إلى هناك فى حدود المئة عنصر، ومعظمهم لم يكونوا أعضاء فى القاعدة .
وحتى عام 2010 كان جميع الكوادر القدماء قد إستشهدوا ولم يتبق أحد منهم فى وزيرستان وكان آخرهم هو الشيخ سعيد ، المحاسب الذى تولى إدارة نشاط القاعدة فى تلك المنطقة وفى خوست الأفغانية . ولكن القاعدة كانت فى ذلك الوقت قد خسرت جميع مدربيها أى خسرت أهم مكاسبها من الجهاد ضد السوفييت.
والأرجح هو أن المئة عنصر المذكورين إنتهى معظمهم شهداء خلال نفس الفترة ‘ إما خلال القتال فى أفغانستان ضد الأمريكيين ، أو بتأثير قصف طائرات التجسس الأمريكية التى تزودها عناصر الإستخبارات الباكستانية بإحداثيات بيوت الأسر العربية وكوادر القاعدة وباقى المجاهدين المسلمين من جنسيات أخرى والذين أقاموا فى أفغانستان قبل الحرب وحوصروا فى وزيرستان .
ــ فترة السنوات ما بين ( 2002 / 2010 ) شهدت بناء تنظيم جديد تحت إسم القاعدة ، ولكن بعيدا عن “القاعدة القديمة ” التى كانت قيد الإبادة فى ميدان المعركة فى أفغانستان ” خوست تحديدا ” أو فى وزيرستان التى تم تهيئتها كمنطقة قتل ، وأيضا تهيئتها كمنطقة بناء لتنظيم         ” القاعدة الجديدة ” التى لا يدرى عنها بن لادن شيئا ، ولا يربطها به غير الإسم وإعلان الولاء الشكلى ، ولكن التوجهات مختلفة والقيادات متناثرة وغامضة تماما ، لم يعرف منها غير بعض الأسماء الحركية .
…………………………………
العراق كانت هى المحطة الأهم لبلورة مفاهيم القاعدة الجديدة وفلسفة عملها، و بقيادات علنية معروفة أحيانا ، خاصة أثناء فترة قيادة ابومصعب الزرقاوى الذى غادر أفغانستان مع مجموعته أثناء حرب 2001 ولكنه أعلن إنضمامه وجماعته إلى تنظيم القاعدة بعد إحتلال العراق فى عام 2003 . وكان واضحا أن تشكيل “القاعده الجديدة ” يتم وفقا لمواصفات تتماشى مع الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة العربية والإسلامية ، وبالتطابق مع الرؤية الاسرائيلية الذى تم الإعلان عنها منذ سنوات طويلة ، والتى تهدف إلى تقسيم العالم العربى إلى دويلات طائفية وعرقية ، مع إشعال الصراعات المسلحة بينها على هذا الأساس ، وجعل الصراع المسلح أو البارد هو طابع العلاقة بين مكونات المنطقة ، وتفتيت الصف الإسلامى كله على أساس صراع سنى / شيعى . وعدم إبقاء هذه الطوائف نفسها متماسكة فيكون هناك صراع وقتال داخل كل طائفة كما نشاهد أحيانا بين السلفية والصوفية وأحيانا بين السلفية والإخوان المسلمين ، ثم صراع حاد يصل إلى درجة التفجيرات بين السلفيين والمسيحيين او بمعنى أصح قتال سلفى مسيحى ، كما نشاهد فى العراق ومصر .
ولما كانت السلفية الجهادية هى القاسم الأعظم فى كل ذلك الصراع ، فيلزم أن يكون لها أجنحة عسكرية لتأجيج الصراع إلى درجة الفتن الدامية أو حتى الحروب إن أمكن .
وأهم الأجنحة السلفية المسلحة هو تنظيم “القاعدة الجديدة ” التى أشرنا إليها . وأهم مراكزها النشطة الآن هى منطقة وزيرستان.
ولكن الدعاية الأمريكية متلهفة أيضا على التأكد بأن القاعدة موجودة وقوية ومنتشرة فى العالم وتشكل خطرا كبيرا يستحق إستمرار المواجهة العالمية التى تقودها أمريكا بجيوشها وقواعدها العسكرية وحروبها المتنقلة . والتنظيم البديل أو “القاعدة الجديدة ” جاهزة وتكفى لتحقيق الغرض. ولكن مشكلة القيادة التى تخلف بن لادن تظل ورطة حقيقية للأمريكيين .
أولا : لأن ليس هناك أى شخصية يمكنها أن تملأ الحجم الكبير لقيادة بن لادن .
ثانيا : لأن القاعدة القديمة لم يكن فيها “رجل ثان ” خاصة بعد إستشهاد أبو حفص المصرى . وأسطورة بن لادن منذ ظهورها وحتى إختفائه كقيادة عليا إستغرق إنضاجها أكثر من ربع قرن فى خضم أحداث عاصفة شغلت المسلمين والعالم أجمع . وليس هناك أى شخصية آخرى فى تيار السلفية الجهادية خاض هذا التاريخ الحافل الطويل فى منصب قيادى . فقد كان بن لادن بطلا حقيقيا ألقى بنفسه كاملا فى أتون الأحداث الخطرة ، رغم أخطائه فى العمل التى هى جزء من الطبيعة البشرية ، حيث لا أحد يعمل بدون إرتكاب أخطاء ـ
– وتظل محاولة “تصنيع ” سريع لقيادة تناسب القاعدة الجديدة ورمزا لتيار السلفية الجهادية بشكل عام هو أمر غير مقنع ولن يكون فعالا ولا مفيدا.
فقد حاولوا مثلا تصنيع كرزاى بطلا وطنيا فى بداية غزو أفغانستان وأنزلوه بالطائرات المروحية فى عمق ولاية قندهار ، وقالوا أنه بطل أصيب فى غارة جوية أثاء مشاركته فى تحرير وطنه إلى جانب الأمريكيين. ثم عقدوا له الكثير من المؤتمرات الدولية الضخمة وحصلوا له على دعم كامل من دول الإقليم والعالم . ولكنه لم يقنع شعبه الذى رفضه بالكامل وحمل ضده السلاح .
الخلاصة هى : أن ” القاعدة القديمة ” الحقيقية قد إنتهت بالكامل كتنظيم ، وأن “القاعدة الجديدة ” المزورة ، لها مركز أساسى / ذو وظيفة عالمية / فى منطقة وزيرستان الباكستانية ، ولها هناك فروعا متناثرة تعمل فى مجالات التدريب وتنظيم المجموعات الصغيرة من جنسيات عربية وإسلامية من ضمنها مجموعات أوروبية.
ولكنها جميعا جسد بلا رمز وبلا رأس ، وبلا برنامج سوى برنامج “الفتنة ” بمعناها الواسع المذهبى والدينى والشعوبى ، وسوى السعى لإثبات صحة الأكذوبة القائلة بأن الإرهاب الإسلامى موجود وفاعل وخطير ويستدعى تحالفا دوليا تقوده الولايات المتحدة ، وأدواتها الضاربة من جيش وإستخبارات ، ورديف عسكرى هو “حلف الناتو” .
ومحاولة أمريكا تصنيع قيادة للقاعدة، و”فبركتها” بسرعة لا يبدو أنها ستنجح فى المدى القريب . لهذا سيظل هذا الجانب الهام من الاستراتيجية الأمريكية يعمل وهو فى حالة إنكشاف ، أو بالأحرى إفتضاح ، وذلك تأثير سلبى لتهور أوباما فى الإعلان عن مقتل بن لادن سعيا وراء فوز إنتخابى سهل وإنسحاب عسكرى يبتعد بجيشه عن فضيحة الهزيمة فى أفغانستان.

بن لادن ” والقاعدة الجديدة ”
بعد أحداث 11سبتمبر نجح العدو فى وضع بن لادن فى ركن ضيق ، نتيجة قدرته الإعلامية الساحقة ، وتبنى جزء كبير من التيار الاسلامى ـ ولأسباب مختلفه سياسية وعقائدية وإقتصادية ـ الأطروحات الأمريكية بإدانه أحداث سبتمبر بدعاوى أنها مخالفة للشريعة الإسلامية وللمنطق الإنسانى . ولم يكن أمام بن لادن الوقت ولا الحجج الكافية لتفنيد هذه الإتهامات أو معادلتها بمنطق مضاد .
ثم جاءت تصرفات “القاعديون الجدد ” الذين أعلنوا إنضمامهم إلى القاعدة كتنظيمات أو كأفراد ، بعد إحتلال أفغانستان ، فارتكبوا كمية من الأعمال الدامية كانت الأشد إساءة إلى بن لادن من أى عملية تشويه قام بها أعدؤه الأمريكيون وحلفاؤهم .
لم يكن بن لادن ليوافق على تلك المجازر البشعة ضد المسلمين الأبرياء لو أنه كان يتولى القيادة فعليا لتلك الموجة الجديدة التى ربطت نفسها دعائيا بالقاعدة ، بينما تصرفت وفقا لمزاجياتها الخاصة أو وفق إرتباطاتها مع جهات لاصله لها بالقاعدة وبن لادن ، أو إرتبطت مباشرة بمعسكر أعداء بن لادن والقاعدة .
……………………………
ويمكن القول بأن “القاعدة الجديدة” أساءت إلى بن لادن أكثر مما فعل به أشد أعداؤه قسوة .
والقيادات التى نابت عن بن لادن ولو شكليا ، لم يكن لديها سيطرة فعلية ولا قدرة توجيه ولاحتى إعتراض على أفراد وتنظيمات الموجة الجديدة ، بدون التسبب فى إنشقاق علنى سيقود حتما إلى تكفير وإتهامات متبادلة يبتهج لها العدو ويشمت . وكان القرار هو القبول بإراقة دم المسلمين على يد القاعديين الجدد بدلا من أن يراق ماء وجه القاعدة وبريقها الدعائى .
ــ وكان قرارهم بقبول إنتساب جماعات جهادية سلفية إلى القاعدة قرارا خاطئا (وإن كان يتماشى فى الحقيقة مع توجهات أكيدة لدى بن لادن) ولكن التطبيق فى تلك الظروف كان أقرب إلى كونه زواج مصلحة بين الطرفين ، فورثة قيادة بن لادن فى القاعدة القديمة شعروا بحقيقة نهاية التنظيم رغم تمتعه بدعاية كاسحة وفرها له العدو الذى إقتضت مصالحه جعل القاعدة أهم تنظيم عالمى (لا وجود له فى الحقيقة). بينما تنظيمات السلفية الجهادية الأخرى فى بلاد العرب وخارجها رأت أنها تمتلك الأفراد والسلاح ولكنها تفتقد إلى الشهرة أو أنها تتمتع بشهرة سلبية نفرت منها الشعوب وأفادت الأنظمة ، كما حدث فى الجزائر منذ التسعينات ثم فى العراق بعد الغزو الأمريكى . لذا كانت تلك الجماعات والتنظيمات فى حاجة إلى شهرة القاعدة وسمعة بن لادن الكبيرة والبراقة.
ــ نلاحظ هنا أن أفرع القاعدة ” فى جزيرة العرب” واليمن ظلت هى الأقرب الى نمط تفكير بن لادن نظرا لأن المئات من شباب تلك المناطق تدربوا فى معسكرات القاعدة فى أفغانستان ، والكثير منهم قابل بن لادن شخصيا ، لهذا لم تظهر بينهم عوارض الإنحراف الكبير الذى كان هو السمة الغالبة فى ” القاعديون الجدد” .
ولكن القاعدة فى اليمن والجزيرة لم تنجح حتى الآن فى تحقيق إلتحام مع حركة شعوبها والتفاعل مع مطالبها السياسية والإجتماعية ، أو تقدم الصفوف لقيادة ثوراتها . فالقاعدة تحت زعامة بن لادن لم تسع قط إلى ترابط حقيقى مع أمتها بل وضعتها فى موضع المتابعة السلبية والإعجاب بما تقوم به القاعدة من صراع مع العدو. كما لم تهتم باستقطاب أو التفاهم أو التحالف مع القوى الإسلامية الأخرى ، وإكتفت بمجرد مطالبة الجميع بالإنضواء تحت قيادتها.
لهذا كان الإنعزال وما زال هو طابع القاعدة ، القديم منها والجديد. وتلك هى سمة التيار السلفى بوجه عام الجهادى منه والدعوى ، فهو يضع نفسه عنوة فى الصدارة ويطالب الآخرين بالإتباع الكامل بلا قيد أو شرط . إلا ما نشاهده الآن من تحرك سلفى شعبى لإحباط حركة الشعوب العربية فى ثوراتها التى مازالت مترنحة ، فذلك إستكمال لمهمة إحباط المحاولات الشعبية الجهادية والسلمية وحيثما شارك التيار السلفى .

ــ ضحايا القاعدة الجديدة ــ
أشد المناطق تضررا من تيار “القاعديون الجدد ” كانت العراق ومنطقة وزيرستان الحدودية بين باكستان وأفغانستان . فى العراق وبعد ظهور القاعديون الجدد إنحرفت مسيرة الجهاد ضد الأمريكيين إلى قتال طائفى “سنى / شيعى” تجاوبت معه منظمات شيعية كانت متأهبة لإغتنام الفرصة . وسؤ تصرف قادة التيار القاعدى الجديد أدى إلى نفور السكان وإنقلابهم على الجهاد وإنضمامهم إلى الأمريكيين فى حركة الصحوات المشئومة.
ثم إنتقل القاعديون الجدد إلى قتال غير مفهوم ولا مبرر له ضد المسحيين فى العراق مع تهديدات بنقل المعركة ضد المسيحيين إلى بلاد عربية أخرى منها مصر. وأعقب ذلك التهديد بوقت قليل تفجير كنيسة بالإسكندرية فى عملية كان وراءها جهاز أمن الدولة سئ الذكر ومعه مجموعة سلفية!!. ( نلاحظ أن أشتات مباحث أمن الدولة السابق مع السلفيين فى مصر يكملون نفس المهمة الآن ضد الأقباط بعد ” الثورة” المتخبطة والتائهة هناك ) .
وكلاهما : الحرب الطائفية السنيه / الشيعية ، والحرب ضد المسيحيين هى ضمن مكونات البرنامج الإسرائيلى / الأمريكى للمنطقة العربية وهو برنامج يحظى بدعم غير محدود من الأنظمة الحاكمة وأجهزتها الأمنية والدينية والدعائية .
ــ وتظل وزيرستان هى المحضن الأساسى ومصنع تفريخ تلك المجموعات ، منذ محاصرة العرب فى تلك المنطقة بعد إنسحابهم من أفغانستان ومعهم مجموعات وأسر من مهاجرين مسلمين من شتى بقاع الأرض أكثرهم عددا كانوا من الأوزبك ، ومنهم أيضا صينيون إيغور . فلم تسمح أمريكا لأحد منهم بالإنسحاب الآمن إلى بلاده ، ولم تترك لهم غير خيار القتال دفاعا عن النفس والعائلة ، متحالفين مع قبائل وفرت لهم الحماية وتحملت نيران الحرب معهم ولأجلهم.
……………………..
ــ بعض العرب القدماء ومعهم ” قاعديون جدد ” يتسربون إلى وزيرستان بترتيبات خاصة، هؤلاء وتحت عنوان نشر ” العقيده صحيحة” ، والتوحيد وترويج السنة ومكافحة الشرك والبدع ، حققوا هناك الإنجازات التاليه :
1ـ أحدثوا إنقساما بين قطاع من حركة طالبان باكستان وبين نظيرتها الأفغانية. أى أنهم حققوا “بالدعوة والجهاد” ما تسعى إلى تحقيقه جيوش أمريكا وباكستان حربا وعدوانا ، وهو عزل مجاهدى باكستان عن مجاهدى أفغانستان.
2ـ ثم توجهوا بالفصيل المنقسم نحو مفاهيم “القاعدة الجديدة ” للعمل الجهادى ، فقاموا بعمليات ضد الشيعة وضد الصوفية فى منطقة وزير ستان وفى عمق باكستان .
3ـ هاجموا أهدافا للجيش والشرطة والحكومة فى عمق باكستان خارج المناطق القبلية. فشجع ذلك أجهزة إستخبارات محلية وأجنبية وشركات مرتزقه لأن تنسج على نفس المنوال وتحدث تفجيرات فى أهداف مدنية ومدارس وأسواق عامة وحتى مساجد . والنتيجة هى إنعزال معظم الشعب الباكستانى عن حركة طالبان باكستان ، بل وتمسكوا بالحكومة كحامى لهم من مغالاة تلك الحركة التى جعلت من باكستان كلها ساحة حرب مفتوحة . هذا رغم أن شعب باكستان فى إجماله معادى لأمريكا ومعارض لتواجدها على أرضه وعدوانها على سياده بلاده ، وإستهدافها القبائل بغارات جوية من طائرات تجسس تقتل الأبرياء يوميا .
والنتيجة هى أن أعمال ” طالبان الجدد ” و “القاعديون الجدد” منعت الإحتقان الشعبى من أن يتحول إلى ثورة شعبية تطيح بالنظام ، لأن الحكومة الباكستانية الفاسدة والعميلة للإحتلال تحولت فى نظر الشعب إلى حامى له من ضربات مجموعات ( إرهابية) .
4ـ وصل إنحراف القاعديون الجدد إلى درجة إستهداف كوادر لحركة طالبان الأفغانية وإختطافهم فى وزيرستان ثم إعدامهم ورمى جثثهم فى أماكن عامة مع لافتات معلقة على الصدر تقول أنهم حوكموا ثم أعدموا نتيجة قيامهم بأعمال تجسس !!.
وذلك فى إستهداف واضح لجهاد أفغانستان ضمن سلسلة أعمال ممتدة ، بدأت بمحاولات شق صفوف حركة طالبان الأفغانية ، وإستقطاب قيادات كبيرة منها إلى صفوف حركة “القاعديون الجدد ” أصحاب المنهج التخريبى لحركات الجهاد الناجحة ، وتحويلها إلى قتال داخلى ، تحت أى ذريعة متاحة : طائفية أو مذهبية أو شعوبية.
……………………………..
لابد من الإشارة هنا إلى أن حركة طالبان باكستان أظهرت قدرة كبيرة على توجيه ضربات مؤلمة إلى خطوط إمداد حلف الناتو التى تخترق أراضى القبائل نحو الحدود الأفغانية . ولو أنها أكدت ذلك التوجه وإكتفت بموقف دفاعى ضد عمليات الجيش الباكستانى فى مناطقها ومدت يد التعاون للمجهود الشعبى فى باكستان المعادى لأمريكا والناتو والحكومات الفاسدة والعسكريين الخونة ، لتمكنت من تجهيز ثورة شعبية تطيح بالتواجد الأجنبى والخونة السياسين والعسكريين . ولكن “القاعديون الجدد ” كانوا عنصر هدم للثورة الشعبية الباكستانية ( وهو الدور الذى يقوم به قطاع من السلفيين بين صفوف الثورات العربية خاصة فى مصر) .
تفرقت كلمة وصفوف المجاهدين فى داخل باكستان وفى مناطق القبائل نفسها ـ أى تكررت تجربة العراق فى وزيرستان ـ بينما وقفت الإمارة الإسلامية فى أفغانستان سدا منيعا لحماية جهاد الشعب الأفغانى والحفاظ على أهدافه الإستراتيجية من الإنحراف وإختراقات ” القاعديون الجدد ” للصفوف الأفغانية المجاهدة

ـ من يقود “القاعدة الجديدة” ؟؟ ـ
خلال السنوات التسع الماضية كانت الولايات المتحدة تؤسس لمرحلة جديدة للجهاد “السلفى العالمى” تحت راية “القاعدة الجديدة ” .
وبعد الإغتيال المفترض لأسامة بن لادن، ظهرت أسئلة تطرحها دوائر إعلامية وإستخبارية فى الولايات المتحدة والغرب ، حول مصير القاعدة من بعده ، وحول شخصية القيادات القادمة .
وهى أسئلة مضللة لأن المرحلة الجديدة للقاعدة قد تأسست ووضعت فى ميدان العمل منذ سنوات. والإعلان عن إغتيال الرمز المؤسس هو إعلان رسمى عن تدشين “القاعدة الجديدة” وإنطلاق ذلك التيار المراد له أن يكون قاطرة قيادة و رمزا “للجهاد السلفى” حول العالم . ذلك بعد أن تم بالفعل الفراغ من بناء تلك الكتلة “الجهادية” الرئيسية ، وإستكمال أسسها العقائدية واستراتيجية عملها وهياكلها التنظيمية وقنواتها التمويلية.
# لقد كان وجود بن لادن عائقا أمام الإعلان عن كل ذلك رسميا ، حتى جاء الوقت المناسب الآن بعد الإعلان عن مقتله ، وبعد أن باشر التكوين القاعدى الجديد العمل بالفعل وحقق إنجازاته الخاصة ، بعيدا عن أعين بن لادن وتأثيراته الفكرية والأخلاقية ونفوذه التمويلى .
وإذا كان هناك من إجابة جاهزة الآن عن سؤال: من يقود القاعدة الجديدة ؟؟ ، فإن الإجابة بلا تردد هى : أن الولايات المتحدة هى التى تقود ذلك التيار فعليا.
………………………………
ومثلما يحدث فى حرف العمل الجهادى عن مساره بتصنيع تيار جهادى زائف ومنحرف ، تقوم أمريكا أيضا بحرف الثورات وتصنيع ثورات زائفة ومضللة لتحقيق المصالح الأمريكية بطرق أكثر جاذبية لم يتم إفتضاح زيفها بعد ، أى مازال المسلمون فى غفلة عن حقيقتها . وإلى أن تنتبه الشعوب بعد سنوات طويلة ، وقتها سيبحث الأمريكيون عن طرق أخرى لإستغفال الشعوب وسرقتها.
–    هذا ما تفعله أمريكا ، من تصنيع لثورات شعبية ، أو التأثير على ثورات حقيقية وتوجيه مسارها ، حتى تتبنى المبادئ الأمريكية فى السياسة والحكم والإقتصاد والقيم والثقافة والإعتراف بإسرائيل كحقيقة كونية ومعاداة الإسلام أو عزله فى محجر صحى بعيدا عن المسار العام للحياة.
وبهذا تصادر أمريكا كل وسائل التغيير: “الشعبى السلمى” و الجهادى المسلح” .

ولا تنجح تلك المساعى الأمريكية إلا فى حالة غياب الوعى وتغييب القيادات أو إفسادها،
وإبعاد الإسلام عن ساحة الصراع بإستدراج أتباعة وحصارهم داخل مستنقع الخلافات والفتن.

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here