بن لادن وحركة طالـبان : صناعة الحرب والهزيمة

0
بقلم :
 هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
 (اللهم أكفنى شر أصدقائى. أما أعدائى فأنا كفيل بهم)  لسان حال الملا عمر
مأساة الشعب الأفغاني أنه لا يريد أن يوافق على ما يريده الغرب منه وهو مطلب بسيط وافقت عليه معظم حكومات وشعوب ما يطلق عليه “العالم الإسلامي”
– مطلوب من الأفغان ألا يكون لهم دور فى تحديد هوية بلادهم.
– مطلوب ألا تطبق في بلاد الأفغان أى قوانين مستمدة من شريعة الإسلام.
 على هذا الضوء ينبغي أن نقرأ حروب بريطانيا الثلاث ضد الأفغان والتي ربطت أواخر القرن التاسع عشر بأوائل القرن العشرين, وكذلك الحملة الأمريكية “الأطلسية” الحالية, والتي أخذت الرقم الأول بين حروب القرن الحادي والعشرين. ونقرأ على نفس الضوء حرب الإتحاد السوفيتى ضد الأفغان فى الثلث الأخير من القرن الماضى.
الحرب الأمريكية الحالية فى حاجة ماسة الى إخضاعها لتحقيق دولي شامل, سواء فى دوافعها أو نتائجها مروراً بتسلسل الأحداث فيها, ناهيك طبعاً عما ارتكب فيها من جرائم.
 لكل حرب سر محصن قد لا يكشف الى الابد, لكن من خصوصيات هذه الحرب صفه التدويل. ليس فقط الإسم الفضفاض لجيش الغزو “التحالف الدولى لمكافحة الإرهاب”,  بل التدويل بمعنى أن أمريكا تعتزم إعادة صياغة العالم مستفيدة من هذا الظروف المواتى فى نظرها فأمامها فراغ, دولي.. سياسي وعسكري واقتصادي ربما لا يستمر طويلاً.. فينبغي انتهاز الفرصة السانحة لإنهاء كل شئ الآن: “الغريب أن هذه النظرة متوافقة مع أو بالأحرى منبثقة عن _ النظرة الإسرائيلية.. فالمشروع اليهودي ينبغي انجازه الآن وحتى الثمالة.. قبل أن ينقشع هذا الليل الأسود من فوق العالم.. أو يستجمع المسلمون أنفاسهم المتقطعة, فيعودون إلى الهجوم المعاكس”.
لم يكن موعد الحرب سراً محكماً.. بل كان متوقعاً فى أفغانستان ضمن دوائر محدودة.فقد طرح فى قندهار فى خريف عام 2000 _ رأيٌ يقول إن أمريكا ستشن حرباً على أفغانستان فى حالتين:
الحالة الأولى: إذا أقدم بن لادن على توجيه ضربة كبيرة للمصالح الأمريكية.
والحالة الثانية: إذا اقدم الملا محمد عمر على وقف زراعة الأفيون بشكل كامل ونهائي.
 وأن هذه الحرب يجب أن تبدأ وتنتهى قبل موسم زراعة الأفيون, أى فى حدود شهرى أكتوبر ونوفمبر, وبحيث تتيح أمريكا الفرصة كاملة للمزارعين الأفغان لزراعة كافة الأراضي الممكنة بالأفيون. وهذا لا يتأتى إلا بإسقاط حركة طالبان الحاكمة أو إضعافها إلى الحد الذي تعجز فيه عن فرض حظر شامل كالذي فرضته فى موسم عام 2000/2001م. وهو الحظر الذي أفقد الاقتصاد الأمريكي مبلغ 400 مليار دولار كانت تصب فيه من عائدات الهيروين المنتج من الأفيون الأفغاني.
وعبارة جورج بوش التى أطلقها مع إندلاع شرارة هذه الحرب والتى قال فيها (من أجل أن نحسن اقتصاد أمريكا علينا أن نحارب). هذه العبارة تعطى مصداقية أكبر للتقدير المذكور والذى أطلق على هذه الحرب حتى قبل أن تنشب لقب (حرب الأفيون الثالثة).
نتيجة ذات مغزى توصل إليها الرأى المذكور تقول بأن أهم مناطق الحرب ستكون هلمند ومعها قندهار فى الجنوب, ثم جلال آباد فى الشرق ( وهي المناطق التى تنتج 80% من أفيون البلاد). 
·       كان الملا عمر متقبلاً للفرضية الأولي, ومتشككاً فى الثانية وكان يرى أنه بدون تحرك بن لادن فإن أمريكا لن تستطيع العدوان عسكرياً على أفغانستان. بل ستظل تحاول خنق النظام عبر العقوبات والحرب النفسية وتشجيع المعارضة الشمالية.
لهذا ركز الملا عمر على “فرملة” بن لادن بكل الوسائل بما فيها أخذ المواثيق عليه بشكل مباشر. وإن ظل يعارض أي إجراءات عنيفة ضده وهو ما كان ينادى به جناح تنامي داخل حركة طالبان بعدما استفزهم بن لادن الى أقصى حد بتجاهله كافة التحذيرات والضوابط التى حددها له زعيم الحركة الملا عمر.
استمر الملا عمر فى حماية بن لادن من منطلق عقائدي وإن كان يتمنى لو أن بن لادن انزاح عن أفغانستان إلى مكان آخر.
* بن لادن من جهته مضى قدماً, متجاهلاً المطالب المهذبة من الملا عمر, ومتحدياً التيار المتشدد داخل حركة طالبان, قائلاً عنهم فى مجلس شبه عام: “لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها”. وقد فعل.. ولا أحد يدرى ما هو تقييمه الآن لهذه الحرب, وهل جاءت طبقاً لما وعد وتمنى؟؟
·       فى أعقاب زلزال الحادي عشر من سبتمبر صرح دبلوماسي باكستاني للإذاعة البريطانية أن أمريكا طلبت من باكستان قبل الأحداث أن تنضم معها فى حرب ضد أفغانستان موعدها أكتوبر من عام 2001 ميلادي ولكن باكستان اعتذرت بعدم وجود مبرر لهذه الحرب ( على اعتبار إن السبب الحقيقي لهذه الحرب لا يمكن البوح به. فحاجه أمريكا إلى عدة مئات من المليارات العائدة من أفيون أفغانستان هي أمر مشين بمعايير هذا العصر المنافق, الذي اختلفت قيم القرن التاسع عشر. والتي سمحت لبريطانيا أن تشن حربين على الصين وبدافع صريح هو إجبار شعب الصين على استهلاك الأفيون الذي طفحت به مزارعها فى الهند ومخازنها فى موانئ الصين).
·       لقد جاءت تفجيرات سبتمبر بالمبرر المطلوب ومازالت هناك ثلاث جهات كل منها يمكن اتهامه منفرداً أو بالمشاركة مع واحد من الآخرين فى التخطيط لإشعال هذه الحرب.
هذه الجهات هى: أمريكا إسرائيل بن لادن. كما أن لكل منهم قرائن تكفى لإدانته منفرداً بهدف خلق مبرر لهذه الحرب والاستفادة من تداعياتها إقليمياً ودولياً.. وأيديولوجيا.
·       لقد حاول جناح متشكك فى حركة طالبان ومنذ اليوم الأول لمواجهتهم بن لادن أن يشككوا بتعاونه مع أمريكا لتحطيم حركة طالبان, ولكن الملا عمر قمع هذا التيار وأخرسه. ثم جاءت الأحداث الأخيرة لتنعش هذا الافتراض رغم ما فيه من مغالاة..
لكون أكثر المخلصين العرب الذين شاركوا فى الجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان وعلى رأسهم رموز هذا التحرك ومنهم بن لادن وبشكل غير مباشر_ قد خدموا الولايات المتحدة خدمة عظمى بتضحياتهم التى أسهمت فى زوال القطب الشيوعي المنافس لأمريكا, وظهور حالة الانفراد الأمريكي بالعالم.
إن اندفاع بن لادن لخدمة الإسلام بطريقته الخاصة فى مرحلة الطالبان أدى بشكل مباشر الى تحطيم تلك الحركة ووقوع أفغانستان ومنطقه آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية فى قبضة أمريكية لا ترحم, أما الشرق الأوسط فينتظر بلا حراك رفع نجمة داود على المساحة الواقعة ما بين المحيط والخليج وليس فقط ما بين النيل والفرات.
·       كل هذا لا يشكك فى إخلاص الرجل, فالأمر يحتاج الى بحث أكثر تعمقاً فى الدوافع النفسية, والخلفية الاجتماعية والثقافية, والارتباطات القبلية والعائلية, والمرجعيات الدينية. إنها باختصار حالة إسلامية متجذرة وقابلة لتفريخ مثل هذا الإخلاص الذي يدفع دوماً .. والى أعلى.. أعداء الإسلام!!
وهى حالة من الإخلاص والرغبة فى التضحية بالنفس والمال فى سبيل الاستشهاد والوصول الى الجنة.. وعلى الأرض السلام.. عاش من عاش ومات من مات.
إنها مؤسسة دينية تبنت الجهاد ومولته.. ونشرت فروعها فى أماكن عدة.. وذاقت شعوب عديدة من ثمارها.. وفى الأمس القريب ضاعت الشيشان بنفس الطريقة التى ضاعت بها أفغانستان, وعلى يد خريج آخر ينتمي الى نفس المدرسة الفكرية ويحمل نفس الجنسية.
وهذا من أعجب المصادفات النادرة التى دفع الإسلام ثمنها غالياً.
·       من السذاجة التصديق أن أمريكا تكره ذلك أو ترغب حقاً فى القضاء عليه.. ولكن حتى أجمل شجيرات الزينة فى الحدائق تحتاج الى تشذيب فروعها من وقت لآخر.. ثم صب بعض المبيدات الحشرية على أوراقها.. لحمايتها من الطفيليات وليس للقضاء عليها.
·       تسبب بن لادن فى عزل حركة طالبان وتدمير علاقاتها الخارجية لأجل ذلك كان وزراء خارجية الحركة (وهم ثلاث فقط) هم اكثر المعارضين لحالة الانفلات التى يحياها بن لادن داخل حدود الدولة وخارج قوانينها. وهو الشيء الذي أضر حتى بصورة الملا عمر فى خارج البلاد وداخلها.
هذا الانفلات كان من نتائجه نجاح الآلة الدعائية الأمريكية فى تحييد الشعب الأفغاني.الذي صدق بأن ما يحدث هو حربٌ بين أمريكا وبن لادن, وأن المسئولية يجب أن تتحملها حركة طالبان التى سمحت بإيواء من تسببوا فى هذه الحرب. كان هذا هو التصدع الأكبر الذي أصاب الموقف الأفغاني وكان من أسباب الانهيار السريع تحت المطارق الأمريكية.
* التصدع الآخر هو ما حدث داخل حركة طالبان وانشقاقها منذ أول احتكاك لها مع قضية بن لادن الى معسكرين متناقضين الأول معارض ومتشكك فى بن لادن وحركته والآخر متعاطف ومستعد لتحمل كافة النتائج. ولقد ساهم بن لادن وبكل نشاط فى تآكل الكتلة الثانية حتى لم تعد تحتوى فى آخر الأمر إلا على الملا عمر ومعه أقل من عدد أصابع الكف من المؤيدين لوجهة نظرة.
·       التصدع الثالث.. كان داخل التجمع العربي فى أفغانستان والمكون من خليط عجيب من الجماعات التى أصبحت جزءاً من الماضي. وجماعات أخرى تحاول أن تنحت فى الصخر لإكمال برامج وضعتها منذ عصر الحرب الباردة ولم تراجعها مرة أخرى فى ظل العصر ذو العين الواحدة. ثم كتله أخرى أكبر, من الفارين من جحيم الغرب الأخلاقي.. الى جحيم أفغانستان المعيشي والأمني.
·       لم يكن فى كل هؤلاء من يدعم بن لادن فى تحدى أوامر (أمير المؤمنين) غير أقل من عشرة أفراد من تنظيم الجهاد المصري.. وحتى داخل تنظيم القاعدة كان الانقسام عظيماً.. كانت كوادر وأعضاء القاعدة تشعر بإمتنان عظيم وتقدير أعظم لموقف الملا عمر من بن لادن والجالية العربية.
·       وقد اتضح لهم صلابة موقفه من أقوال له مثل: لن أسلم بن لادن لأمريكا.. ولو لم يبق فى أفغانستان غيري فسوف أقاتل دفاعاً عنه”.
“لن أدع إبني تحت وطأة العار ليقال له مستقبلاً.. أنت الذي سلم أبوك مسلماً لكافر”. وقد وفى الملا عمر بما قال, ودفع ثمن موقفه غالياً, وربما كان هو الرجل الوحيد فى عصرنا الذي يمكن أن يقف موقفاً مبدئياً ورجولياً كهذا, وأن يدفع فيه ثمناً فادحاً كالذي نراه.
ذلك والعرب فى أفغانستان يعلمون أن بن لادن رغم ما كان يكرره للملا عمر من عبارات التأييد والبيعة إلا أنه كان يتحايل على أن يضرب بتعليماته عرض الحائط.. ويسعى الى استفزاز أمريكا بكل الوسائل رغم معارضة جميع العرب تقريباً بما فيهم أفراد وكوادر القاعدة تأييداً لأوامر القيادة الشرعية للبلاد والممثلة فى الملا عمر!!
لقد شخص معظم العرب فى أفغانستان ما يقوم به بن لادن على أنه عصيان متعمد للأمير الشرعي, وأن كل الأعمال التى تنبثق من هذه المعصية وتبنى عليها, هي أمور باطلة. ويعنون تحديداً العمليات العسكرية التى قد يقوم بها ضد أمريكا والتى نهاه عنها.
كان وضع العرب ممزقاً منذ البداية.. وزادته هذه المعضلة فى السياسة الشرعية تمزقاً.لقد بدأت الحرب وتحت تصرف أمريكا “تحالفاً دولياً” نجحت فى إقامته ترهيباً وترغيباً رغم عدم حاجتها الفعلية إليه, بينما (بن لادن) مزق القدرات القليلة التى كان يمكن أن تواجه بها أفغانستان عدواناً طاغياً من هذا النوعية..ومع ذلك.. فهل كانت أمريكا تريد حقاً التخلص من بن لادن؟
*كانت أمريكا جادة فى إيقاع الأذى بالشعب الأفغاني وحركة طالبان بذريعة إيواء بن لادن ولكنه لم يسجل خلال السنوات الخمس التى سبقت تلك الحرب أى محاولة جادة لإيذاء بن لادن, فى الوقت الذي حاولوا مرة واحدة على الأقل اغتيال الملا عمر بواسطة شاحنه مفخخة (فى أغسطس 1999) ثم حاولوا اغتياله ثلاث مرات فى الليلة الأولي من الحرب الأمريكية الأخيرة.
والملاحظ أنه لم تسجل أي محاولة مشابهة ضد بن لادن لا قبل الحرب ولا حتى أثنائها !! فهل كان السبب هو شدة الإجراءات الأمنية حول بن لادن؟
لقد زار بن لادن وتحدث معه عدة آلاف من الباكستان والسعودية واليمن ودول الخليج ومن جنسيات أخرى, والشيء الذي يجمع عليه معظم هؤلاء هو ضعف إجراءات الحماية حول بن لادن. وكثيرون قدموا له نصائح فى هذا الخصوص.
·       كان بن لادن مفيداً- على الأقل فى مرحلة ما قبل الحرب الأخيرة لكونه يوفر مبررات كافية لتصرفات أمريكا غير المعقولة, والتي لا يمكن تبريرها, ليس فقط فيما يخص سياسة أمريكا فى أفغانستان, بل ما يخص سياستها فى كل المنطقة, بل وعلى مستوى العالم اجمع, والرقعة الإسلامية فيه بوجه خاص.
·       كانت السياسة الأمريكية تستدعي المحافظة على ورقة بن لادن وجعلها ذريعة لتبرير كل (اللامعقول) فى السياسة الأمريكية, وجعل شعار “مكافحة الإرهاب” هو النسخة العصرية من “قميص عثمان”.
لقد أدت سياسات بن لادن الى تمزيق الصف الأفغاني الداخلي, سواء بين الشعب وحركة طالبان أو داخل حركة طالبان نفسها, ثم الصف العربي على ضآلته.
هذا التفتيت كان أقوى معاول الهدم التى أدت الى الهزيمة السريعة التى أدهشت العالم, بل أدهشت حتى الأفغان أنفسهم.
وليس سراُ أن الأفغان كانوا يظنون بأنفسهم مناعة ضد الغزو الخارجي, وكانوا يعتقدون أن حربهم الناجحة ضد السوفييت قد جعلتهم يمتلكون رادعاً يمنع أي قوة خارجية من مجرد التفكير فى غزوهم.
لكن هذه الأسطورة انهارت, وجلس الشعب الأفغاني ينظر غير مبال الى حرب ظن انه غير معنى بها. وأنه سوف يستعيد كل شئ فور انتهائها, ولكنه يدرك الآن, تدريجياً وببطء, أنها كانت اخطر الحروب فى تاريخه على الإطلاق.. وانه هو المعني الأول بها, طالما أن هدفها الحقيقي هو اقتلاع الإسلام, وليس بن لادن أو الطالبان, من كل أفغانستان.
الآن ليس مهما أن نعلم تحديداً إذا كان بن لادن هو المتسبب فى هذه الحرب أو أنه كان مجرد ذريعة لها.. لكنه على أية حال كان مصمماً على إشعالها.. ونجح .. نجح فى أن يجعل مستقبل أفغانستان شعباً وثقافة وديناً فى مهب الريح.
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here