السياسة بين التعامل و الموالاة: عقيدة الولاء والبراء

0
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world
الأفغانية ضد السوفييت. كتب فيرمضان 1413هـ مارس 1993م
والملف يؤرخ للحالة الفكريةالعربية التي عاصرت تلك الحرب.
وقت كتابة الملف, كان المجاهدون العرب في بيشاور، بل وباكستان كلها تحت ضغط شديد من المطاردة والاعتقال والإبعاد, في بدايات حملةطالبت بها الولايات المتحدة, ثم أدارتها من وراء ستائر شفافة ومواربة. وليس هذا هوالمهم, بل المهم هو أن الملف يحوى عدداً من القضايا, والمشاكل الفكرية والحركية، المتأمل فيها يلاحظ بسهولة أن جذور المأساة الحالية, لعرب أفغانستان كانت متواجدةمنذ ذلك التاريخ القديم.
•  كان الملف على وشك الطباعة في ذلك الوقت, ولكن جهةإسلامية هامة تكرمت مشكورة بإحباط المشروع.
•  فدُفنت الأوراق في الجبال ثم قرأهاالبعض سراً وتسرب بعضها هنا وهناك.
والمذكرة تحوى أول مشروع نقدي لظاهرة (الأفغان العرب) مع التحفظ على التسمية. ولكن العداء الإسلامي لعملية النقد حرمنامن فرصة أن نكون في مركز أفضل في مقابل حرب عالمية طويلة بدأت في عام 2001م. وهىحرب جاءت بعد ثماني سنوات عجاف من الحملة الباكستانية, على عرب بيشاور في عام 1993م. بل كانت في الحقيقة استمرارا  لها..
تعددت الحملات والنكبات منذ ذلكالتاريخ.. ولكن يظل لدينا ثابتاً لا نتراجع عنه هو كراهية النقد.. ووضع مصلحة)الجماعة) فوق مصلحة ( الأمة) وتقديس (الفرد) أكثر من تقديس (الرسالة).
فهل نعجبإذن من تحالفنا الدائم مع الفشل؟
وهل نلوم العدو على هزائم نوقعها بأنفسنا.. قبلأن يقوم هو من مقعده؟
السياسة بين التعاملوالموالاة: عقيدة الولاء والبراء

الولاء هو الولاء لله ورسوله والمؤمنين .
والبراء هو التبرؤ التام من معسكر الطاغوت بأكمله.
وعقيدة الولاء والبراءلا تعنى انقطاع التعامل بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر, بل التعامل بينهما لاينقطع لحظة من ليل أو نهار. والتعامل على أنواع.

1- تعامل دعوى يسعى إلىإقناعهم بإتباع الحق وترك الباطل.
2- تعامل جهادى يقاتلهم بالسيف عندما تستدعىالضرورة
3- تعامل في الأمور المعاشية من تجارة أو استخدام الأراضي والموانيللمرور.. إلخ
4- تعامل سياسي لاستطلاع المواقف “ذات الاهتمام المشترك “. وهوأوسع مجال من مجالات التعامل وهو ما يعنينا في هذا الحديث.
إذا أدركنا أنالسياسة هي الجانب الآخر للحرب فإننا نقر أيضا أن العمل السياسي الإسلامي هو أيضاًعمل قتالي جهادي. ولا يمكن للعمل الجهادي العسكري أن يستغنى عن الممارسة السياسيةالجهادية, وإلا أصبح نوعاً من العبث الدموي, بل يتحول في حقيقة الأمر إلي مطية سهلةللقوى المعادية للإسلام كي تحقق به مآربها, كما حدث في جهاد المسلمين في أفغانستان, الذي استفاد منه كل الاستفادة المعسكر غير الإسلامي, بينما المجاهدون أنفسهم كانواأول ضحاياه… والشعوب الإسلامية أكثر من عانى منه ( مع عدم إغفال الفوائد الجانبيةالتي حققها المسلمون من هذا الجهاد وأهمها انتعاش الحالة الجهادية في العالمالإسلامي وتطورها بشكل عام).
وإن كان المسلمون المجاهدون قد أثبتوا نوعاًمن الجدارة العسكرية في جهادهم ضد فرنسا في الجزائر وضد اليهود في فلسطين وضدالسوفييت في أفغانستان..
إلا أنهم في كل تلك الأحوال راحوا ضحية, ليس فقط جهلهمالسياسي, بل غيابهم الكامل عن ذلك المجال الحيوي للمسألة الجهادية .
مع ملاحظةأن قيادات المنظمات الأفغانية عندما ولجت المجال السياسي فإنها دخلته من باب الخضوعالكامل لإدارة المعسكر المعادي للإسلام ولتكريس مصالحها الشخصية في الحصول علىالأموال والسلاح والزعامة الشكلية, التي أهم مقوماتها الحصول على رضاء ومساعدةالقوي الدولية والإقليمية.
وحيث أن السياسة والقتال وجهان لعملة واحدة وأي عملةذات وجه واحد فقط هي عملة مزيفة لا يمكن قبولها ولن يكون لها وزن اقتصادي .
كذلكالتحرك الإسلامي الذي يتبنى أحد وجهي العملية الجهادية ” الحرب والسياسة ” هوأيضاً تحرك مزيف لن يكون له وزن في تحقيق الهدف الإسلامي الأعلى, وهو تحقيق عبوديةالناس لخالقهم – وليس للأنظمة الدولية والمحلية التي تجعلهم في أسوأ درجات الإذلالللطواغيت من كل صنف ونوع.
فالسياسة هي أوسع مجالات التعامل البشري وأشدهاتأثيراً على غيرها من النشاطات.
ومع سيطرة الحضارة الغربية على العالم وهيحضارة مادية لا دينية معادية للإسلام, فقد أخضعت السياسة لمعيار المصلحة واستبعدتتماما الجانب الأخلاقي المستمد من الدين… بل أصبحت مجرد نبات ينمو على تربةالمصالح المادية وخاضع لشروطها.
فالسياسة كمادة تعامل بين البشر اتسمتبطابع الحضارة الغربية المتسلطة, وبالتالي فقدت الطابع الأخلاقي والإنساني وأصبحتمادة شيطانية مليئة بالخداع والكذب والتآمر والخيانة…….. الخ .
لذلكيجد المسلم نفسه في رعب من التعامل في المجال السياسي… ويفضل أن يتمسك بجانبالطهر والعفاف بعيداً عن ذلك المستنقع… ولكن نتيجة لذلك التعفف فإن حيواناتالغابة السياسية تفتك في نهاية الأمر بهؤلاء المتعففين.
لهذا لا بد أنيخوض المسلمون المجاهدون غمار و مخاطر العمل السياسي كما يخوضون غمار المعاركالعسكرية… مدركين أنهم في مجال أشد خطورة, والخطأ فيه أشد فداحة.. وقد قالأحدهم أن خطأ سياسي واحد أوخم عاقبة من مئة خطأ عسكري, وهو قول لا يخلو من الصحة .
* أهم مبادئ السياسة هو مبدأ المصلحة. وهو مبدأ لا يخضع مطلقاً لأي قيمةأخلاقية.. بل أن كل المبادئ الأخرى تتبعه . الصداقة أو العداوة .. السلم أو الحرب ..تتحدد جميعاً طبقا للمصلحة.
ولخص ساسة الغرب ذلك في شعار يقول ” ليس فيالسياسة عداوة دائمة أو صداقة دائمة ولكن هناك مصالح دائمة ”.
وكون هذاالمبدأ صحيح إجمالاً إلا أنه لا ينسينا حقيقة أن العداء المشترك للإسلام يشكل أرضيةعمل مشترك بين الفئات الصليبية واليهودية. وهو ما نشاهده بوضوح في ظل النظامالدولي الجديد. وهو ما كان صحيحاً وملحوظاً في معظم العصور السالفة.
ومعذلك أيضاً فقد كان اختلاف المصالح فيما بينهم دافعاً لأشد الحروب دموية فتحالفهمالإيديولوجي ضد الإسلام هو تحالف هش ومحدود بسقف المصالح المادية لكل طرف منهم.
ويصبح التحالف قصير المدى في حالتين:
الأولي : إذا حقق أحد أطرافهم مكاسبكبيرة قبل الآخرين, فيسعى إلي الإستئثار بها منفرداً, وقد يتوقف عن قتالالمسلمين مؤقتاً . بل ربما يقاتل الآخرين دفاعا عن مكتسباته.
الثانية : وجودمقاومة إسلامية عنيفة تجعل عملية الغزو باهظة التكاليف وغير مجدية. فتبدأ أطرافالتحالف في الانسحاب واحداً بعد الآخر مؤثرين السلامة أو تأجيل الصدامإلي ظروف أخرى مناسبة.
وعلى الطرف المسلم أن يدير خطته السياسية علىأساس سقف المصلحة التي يحد حركة كل عدو من أعدائه. وأن يوسع فجوة المصالح بينالأطراف المعادية. وقبل كل ذلك لا بد أن تكون ” خريطة المصالح ” واضحة في ذهن القيادة السياسية المسلمة.  وهي خريطة مهمة بنفس درجة أهمية الخرائط في العملالعسكري – وربما أكثر أهمية –
والخرائط ” سياسية أو عسكرية ” هامة جداً ” فيالعمل التكتيكي وهو عمل قوامه المناورة التي هي فن أكثر تعقيداًفي السياسة منهافي العسكرية.

والتكتيك العسكري يبدو بسيطاً بل بدائياً إذا قورن بالتكتيك السياسي, فالتكتيك العسكري قوامه المناورة بالنيران والحركة على أرض المعركة, وهي معطياتفيها قدر لا بأس به من الثبات, أما التكتيك السياسي فهو مناورة لتحقيق مصالح محددةفي وسط غابة هائلة من الخطر والمصالح المتعارضة, ومعظمها عوامل متغيرة وبعضها عواملممتدة من أعماق التاريخ.

ونظراً لتلك الصعوبة يلجأ الجميع إلى الكثير من الحلولالوسط التى تحقق أكبر قدر من المصلحة بأقل قدر من المخاطر.
والصفقة هي الطابعالأشمل للسياسة بل تعتبر في كثير من الأحيان دليل نجاح, لأن البديل عن الصفقاتالناجحة التي تحقق مكاسب جزئية هو الحرب المستمرة التي قد تستحق جميعالمصالح.
لذلك لا يمكن السماح بأن تكون الحرب عملاً دائماً بل يمكن قبولها كعملاستثنائي لإزاحة مشكلة مستعصية تمنع الوصول إلى صفقة سياسية “أي حل وسط” أو لسحقإرادة خصم أضعف.
تلك المرونة في العمل السياسي هي التي دفعت البعض إلى تعريفالسياسة بأنها “فن الممكن”.
والصفقة السياسية ليس لها صفة الثبات لأنها مجردانعكاس لموزاين القوة في لحظة معينة, وتلك الموازين عرضة دائماً للتغيير, وبالتالييتم نقض المعاهدات السياسية – أو الصفقات بشكل منتظم-وبالطبع غير أخلاقي.
كما أناحترام الصفقة المعقودة أمر يتم انتهاكه في معظم الأحوال في أقرب فرصة إذا كاننتائج ذلك النقض أكبر من نتائج الالتزام بالعهد, وكذلك عقد صفقات متناقضة مع أطرافذات مصالح متعارضة وفى وقت واحد هو عمل روتيني في الغابة السياسية.
*القوة عاملحاسم في العمل السياسي.. ولكنها القوة بمفهومها الشامل. أي (القوة الشاملة) التيتشمل جميع العناصر المادية والمعنوية التي تجعل طرف ما متميزاً على غيره منالأطراف. لذلك كانت الدول العظمى هي الدول الأكثر نفوذاً في مجال السياسة الدوليةوالتي تدور حولها الكيانات الأضعف لتتفادى السحق تحت الأقدام.
والآن أصبحت معظمالكيانات الأضعف في عالم اليوم- خاصة الدول “العربية والإسلامية” – لا تتمع بمنهجسياسي خاص على اعتبار أنها أصبحت جزءاً ملحقاً بالكيان الأعظم اقتصاديا وسياسياًوهو الولايات المتحدة حالياً, وهى أقرب إلى حالات الدول المحتلة في عهد الاستعمارالأوربي القديم الذي خضع له العالم لقرنين ونصف من الزمان تقريباً.
وكما ذكرنابأن معرفة خريطة المصالح السياسية هو عمل ضروري لنجاح العمل التكتيكي السياسي, الذيبدورة لا يمكنه النجاح ما لم يستند إلى خطة سياسية على المستوى الإستراتيجي.
هذهالخطة تنتهي عند الهدف النهائي المنشود على المستوى الإسلامي, ويتم تقسيمها إلى عدةمراحل أساسية, ثم تأتى التخطيط السياسي التفصيلي للمرحلة الحاضرة.
*وعند التخطيطالسياسي على هذا المستوى الإستراتيجي لابد أيضاً من إدراك الأهداف الإستراتيجيةالعليا للأطراف الرئيسية في الغابة الدولية المتوحشة, والأطراف الأقل أهمية قد تكونمؤثرة من وقت إلى آخر لذا فإن معرفة أهدافها النهائية – الإستراتيجية- عمل ضروريأيضاً.

صعوبات في المناورة السياسية:
لا يكفى أن تكونالقيادة السياسية المسلمة على مستوى عال يمكنها من العمل السياسي رفيع المستوي, بللا بد أن تكون القواعد الإسلامية على مستوى رفيع وقدر عال من الإدراك, وأيضاًالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي خاصة إذا كان على درجة من الخطورة المصيرية أوالتبعات الثقيلة.

ومثالنا الأول على ذلك من غزوة الخندق عندما عزم العرب بقيادةقريش اجتياح المدينة المنورة وسحق الإسلام بها ولكن عرقلهم الخندق الذي حولالاجتياح إلى حصار طويل ثقيل الوطأة على الطرفين ولكنه أثقل على المسلمين وهمالجانب الأضعف عدداً وعدة, كما أن عواقب الهزيمة عليهم أوخم منها لدى خصمهم, فأراضيهم وأهليهم سوف تضيع وهم سوف يفنون عن آخرهم.
وعندما اشتدت الأزمة علىالمسلمين فكر الرسول صلى الله عليه وسلم في القيام بمناورة سياسية لتفتيت جبهةالخصم وإفشال حملته العسكرية وكانت المناورة تتخلص في إجراء مصالحة مع جزء من قواتالخصم في مقابلة جزء من عائدات المدينة أي تنازل اقتصادي محدودة تفادياً لهزيمةعسكرية شاملة.
وعندما استشار الأنصار في فكرة المناورة علموا أن الهدف منها هوتخفيف الضغط عليهم وتجنيبهم الهلكة, رفضوا الفكرة وفضلوا المواجهة المسلحة حتىالنهاية وكانت وجهة نظرهم هي تمسكهم بعزة الإسلام ما داموا لم يرضوا بالمهانة فيالجاهلية.
وفى هذا المثال تتضح المرونة السياسية والحنكة لدى القيادة الإسلاميةوتطبيقها لمبدأ المشورة في القرارات الحاسمة, وعلى جانب القاعدة يتضح النضج السياسيوتحمل مسئولية المشورة في اتخاذ القرار مع الاستعداد الواعي لتقبلالتبعات.
والمثال الثاني:
في صلح الحديبية وفيه قبل الرسول صلى الله عليهوسلم بهدنة طويلة الأمد (10 سنوات) بدلاً من المواجهات العسكرية المستمرة وذلك فيمقابل شروط بدت في ظاهرها في صالح الكفار أكثر منها في صالح المسلمين.
وكانتالصدمة شديدة على القاعدة الإسلامية التي راودت بعض قطاعاتها فكرى التمرد.
وهذاالمثال يوضح صعوبة المناورة السياسية حتى في وسط المجموعات المثاليةوالمنضبطة.
وغالباً ما تكون الثقة في القيادة هي الفيصل في نجاح أو فشل المناورةالسياسية كما يتضح في نفس المثال, والثقة في هذه الحالة ثقة مبنية على معطيات ثابتةلقيادة تم اختبار صدقها عملياً وفى شتى الميادين.
وهذا غير ثقة الإمعات فيقيادات لم تختبر بشكل كاف ميدانياً, ولكن تجيد التظاهر وإخضاع والغير بشتى المؤثراتبما فيها الكذب والدجل.

التحالفات:
التحالف هو امتداد لمبدأ الحشد فيالمجال العسكري, وهو من المبادئ الرئيسية في القتال والسياسة معاً.

والهدف منهمجابهة الخصم من موقع قوة ومحاولة لعزلة أو إضعاف جبهتة أو إخافته.
وقد كان رسولالله صلى الله عليه وسلم يعتني بهذا المبدأ عناية كبيرة, و كان له حلفاء من بينالمشركين حتى فتحت مكة, وهو الفتح الأعظم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. سبب الغزوة هو اعتداء قريش وحلفائها على حلفاء المسلمين من المشركين, ومعلوم أنالتحالف إنما هو صفقة لتحقيق مصالح مشتركة, وعلى عكس ما يعتقد البعض فإن الطرفالأقوى هو المستفيد الأكبر من التحالف, ومن النادر أن يصل طرف ما إلى درجة من القوةتجعله في غنى عن عقد تحالف ما, وفى الزمن الحديث نرى أن الحرب العالمية الأولى ثمالثانية كانت بين تكتلين متعارضين كل منها في تحالف مشترك لحماية مصالحمتشابهة.
ونلاحظ في الحرب الأفغانية عندما دخلت مرحلة التدويل بعد عام من الغزوالسوفييتي فإنها كانت حلقة من مواجهات الحرب بالوكالة بين المعسكرين السوفييتيوالغربي, وانحازت الدول في المنطقة إلى أحد المعسكرين.. فانحازت باكستان والسعوديةوالصين إلى الجانب الأمريكي, بينما انحازت الهند إلى المعسكر السوفيتي.
وفيحربها ضد العراق كتلت الولايات المتحدة خلفها ثلاث وثلاثين دولة لقتال العراق, ولميستطيع صدام حسين نتيجة للظروف الدولية بعد انهيار السوفييت- أن يكتل معه أي تحالفإقليمي أو دولي له قيمة.
ولعلنا نلاحظ الأهمية الهائلة التي يوليها الجميع لمبدأالتحالف إذا نظرنا إلى المثال الأخير ولاحظنا قدرة الولايات المتحدة على كسب الحربضد العراق بسهولة. ولكنها فضلت الدخول في تحالفات لأسباب اقتصادية ودينية.
منالمفروض نظرياً أن المسلمين – على الأقل الحركيين منهم – ليسوا في حاجة إلى عقدتحالفات داخلية فيما بينهم لكونهم يمثلون جبهة واحدة, ولكن الواقع غير ذلك فالصفالإسلامي مفتت ولم يستطيع – رغم القواسم المشتركة الهائلة – أن يعقد تحالفات داخليةبين أطرافه.
* وغنى عن القول في مثل هذه الحالة أن الدخول في تحالفات مع جبهاتغير إسلامية سوف يكون كارثة في ظل الضعف والفرقة وفقدان القيادة وتلاشى الانضباطالداخلي وتدنى المستوى الثقافي والفكري للقاعدة.. إلخ.
كل تلك السلبيات تعوقالعمل الإسلامي الحركي إجمالاً والجهادي على وجه الخصوص سواء على مستوى التخطيطالإستراتيجي أو الممارسات التكتيكية.
الاحتواء السياسي:
في الغابة السياسيةيسود قانون البقاء للأقوى. القوة المادية لها قيمتها ولكنها ليست كل شيء, فالأقوىمعنوياً وعقائدياً يمكنه دائماً أن ينتصر إن أحسن الاستفادة من مزاياه النوعيةالمتفوقة.
الطرف الأضعف مادياً أو معنوياً يقع فريسة للاحتواء السياسي في جانبالأطراف الأقوى, ونفس المصير يلاقيه من يدخل المجال السياسي وهو يجهل قوانينهويعتمد فقط على حسن الحظ أو “الفهلوة”.
*  قد يبيع أحد الأطراف قراره السياسيلأسباب عديدة منها عدم جدارته بخوض المعترك السياسي لضعف كيانه أو لكونه لا يمثلإلا نفسه ومطامحه الخاصة ومعزولاً عن قواعده الشعبية أو أمته. كما في حالة حكامالمنطقة العربية عامة وحالة القيادات السياسية الأفغانية على الجانبين الشيوعي أوالإسلامي.
وقد تتخلى بعض القيادات عن أي دور سياسي على الإطلاق عجزاً أو جهلاًًكما في حالة الكثير من التجمعات الحركية الإسلامية.
وتكون المصيبة أعظم إذا كانتتلك التجمعات جهادية. فكما أن الجهاد بدون عمل سياسي هو في أحسن أوصافه حالة منالشلل النصفي, وفى حالة الأعم هو حالة من العبث الدامي الذي يقدم خدمات مجانيةلأعداء الإسلام وأقل الخدمات للمسلمين, كما حدث مثلاً في الحالة الأفغانية كما سبقوأن ذكرنا.
ولسنا في حاجة إلى الإشارة إلى “الجهاد في سوريا” في مطلعالثمانينات, وكيف انتهى إلى كارثة على المستوى الإسلامي, بينما ذهبت نتائجهالإيجابية لصالح المعسكرات المعادية الإسلامية.
* والحركات الجهادية تعانى منأزمة عميقة في تحركها السياسي, جزء منها عائد إلى تكوينها السلفي وجزء آخر إلى ضعفبنياتها التنظيمي والفكري. وخطورة هذا الوضع حالياً ناتج من احتمال وقوع الحركةالجهادية في براثن السياسة الدولية كي تستخدم كمطية مجانية عظيمة الفائدة, كما سبقواستخدمت في سوريا وأفغانستان على سبيل المثال, فمن المطالب العاجلة أمام الحركةالجهادية الإسلامية هي الخروج من حالة الاحتواء السياسي الذي وقعت فيه بقصد أو بدونقصد.

سياسة الخطوة.. خطوة:
التدرج سنة كونية. فالإنسان والكون كله يبدأبسيطاً ثم يتطور نحو الأعقد ثم ثم يتحلل وينتهي.

وكل المخلوقات من نقطة بدايتهاوحتى موتها تحقق هدفاً خاصاً وخطة شاملة حددها الله تعالى. وبالمثل فإن جميعالمشاريع الإنسانية تكتسب نفس الصفات “التدرج والمرحلية” وتحقيق غاية نهائيةمعلومة سلفاً قبل بدء العمل.
*  الحرب كما السياسة تخضع جميعها لنفس القانون فيالبداية لابد من تحديد الهدف ثم وضع الخطة ثم تنفذ على مراحل خطوة خطوة ومع ذلكفالعراقيل والمشاكل, وربما الانتكاسات, جميعاً طوارئ عادية تعترى أي عمل بشرى..
وممكن التعامل معها بل والاستفادة منها.
اختزال المراحل ممكن.. ولكن إلغائهامستحيل.. واختصار الوقت يأتي بتوظيف السنن الكونية بشكل جيد ولكن ليس إلغائها.. وتكثيف العمل أيسر الوسائل لاختصار الوقت كذلك الابتكارات الإنسانية وحسناستخدامها. وانتهاز الفرص الملائمة للتقدم وتفادى العقبات والالتفاف حولها. والاستفادة من تجارب الآخرين ودروس التاريخ.. مع دراسة العصر الحالي والتعمق في فهمخصائصه.. ودراسة الخصم باستفاضة ودراسة أنفسنا ومعسكرنا الإسلامي ومقوماتهالمعاصرة.. إلخ.
قد تدفع الحماسة بعض الأفراد أو بعض الجماعات إلى محاولةتحقيق الهدف بضربة واحدة.. وهذا شيء مخالف للسنة الكونية. لذلك كانت عاقبة تلكالمحاولات وخيمة وقاصمة فلا بد من قبول التدرج.. وقبول فكرة النجاحات الجزئيةوالتقدم التدريجي.. وفكرة أن الكثير من الخطوات الجزئية إلى الأمام قد تتحققبالمجهود السياسي فقط, بينما بعضها الآخر يستحيل بدون إراقة الدماء, مع العلم بأنالسياسة التي لا تحميها القوة المسلحة هي نوع من الدجل. وأن القوة المسلحة التيلاتصاحبها سياسة مقتدرة هي جنون يدمر نفسه ويخدم أعدائه, وأن “الدولة الإسلامية” هيهدف نهائي تسبقه مراحل تطول أو تقصر, وكل مرحلة لها معاركها السياسية والعسكرية،ولها شهداؤها وضحاياها, وأن التكتيكات مرنة متبدلة ومبتكرة.. أما الهدفالإستراتيجي فهو ثابت لا يتبدل.
*  إن تحقيق عبودية الخلق لله هدف لا يمكناستبداله لأنه صلب الدين. أما كيفية تحقيقه, فهناك ما لا يحصى من الوسائل والطرقالمشروعة. إن الهدف النهائي للتحرك الإسلامي هو هدف قد حدده الله سبحانه وتعالىوشرحه رسوله الكريم قولاً وفعلاً.. أما طرق الوصول إلى ذلك الهدف ووسائل تحقيقه فهيمسئولية المسلمين في كل عصر.. وهى نتائج مجهودهم العقلي والعملي.. فعلى عاتقهم تقعمسئولية رسم الخطة العامة وتحديد مراحلها.. وتحديد أعمال كل مرحلة وأهدافها.. وأسلوب تحقيق كل هدف وتظل المعايير الشرعية هي الإطار العام لجميع الجزئيات
منالنتائج الهامة لما سبق ذكره هو أن إقامة الدولة الإسلامية ليس هو النتيجة التاليةلأية معركة عسكرية مع الكفار. فليس إذن معيار النجاح أو الفشل في أي مواجهة عسكريةهو إقامة النظام الإسلامي أو عدمه إنما في مقدار التقدم الجزئي في سبيل تحقيق ذلكالهدف النهائي.. وذلك يرتبط بنقطة أخرى مفادها أن الحدود السياسية الراهنة ” للدولالوطنية الإسلامية” لا تصلح لإقامة نظام سياسي مستقل, يقوم بواجباته الإسلاميةالكاملة ويدافع عن كيانه في مقابل القوى الدولية العظمى الكافرة التي تدير العالملمصلحتها. والنجاح في السيطرة على أحد الكيانات السياسية المسماة دولا عربية أوإسلامية لا يعنى أن في إمكانهم إقامة كيان إسلامي متكامل بشكل فوري.
ولابد لنامن التأمل العميق فيما حدث لإيران في حرب السنوات الثمانية التي شنها العالم ضدهابواسطة العراق وبتمويل العرب.
ولا بد من ملاحظة ما حدث للعراق من غزو أمريكي تحتراية دولية شاملة, جعلت العراق أمامها عاجزة ومسحوقة.
ولابد من تأمل ما حدثلأفغانستان بعد إسقاط النظام الشيوعي في كابول, وتلك الحرب الأهلية التي دارت رحاهافي العاصمة كابل تحت رعاية الولايات المتحدة وبواسطة الأطراف الإقليمية.
كذلكينبغي دراسة حالة السودان والحصار الاقتصادي والتهديد العسكري المحيط بها. كل ذلكيعطى دلائل ومؤشرات غاية الأهمية للتحرك السياسي الإسلامي..
من تلك الدلائل:
1- لابد أن يتم التحرك – في اتجاه النظام الإسلامي – من خلال كتلةبشرية وجغرافية ضخمة, لديها مؤهلات المواجهة طويلة المدى على جميعالأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية والنفسية .
2- الحدود السياسية الحاليةللأقطار التي تنحصر داخلها الجماعات الإسلامية لا تصلح كنقاط مواجهة معالنظام الدولي, في حال نجاح الإسلاميين في السيطرة عليها.
3- ليس بمقدور حركةإسلامية واحدة أن تجتاز كل تلك المراحل وتواجه جميع تلك التحديات .فلابد من جبهة إسلامية واحدة تشمل كل – أو معظم – المجهود الحركي الإسلامي, ولا يكون ذلككافياً أبداً ما  لم يندمج المجهود الحركي بالأمة الإسلامية ويكون مجرد طليعةقيادية للأمة وليس بديلاً لها . ” ولعلنا  نلاحظ أن الحركة الإسلاميةيغلب عليها طابع الانعزال عن الأمة … وأن التحرك الجهادي يتبادل القطيعة والشك مع باقي جزئيات الحركة الإسلامية ” .
4- في وقت ما قد يصبح ضرورياًتكوين جبهة عالمية ييقودها المسلمون لمواجهة القوة اليهودية –الصليبية المتحكمة في العالم . وليس بين يدي البشر حالياً  أي منهج يصلح للمواجهةمثل الدين الإسلامي،  ولا أية طلائع جديرةبقيادة المواجهة مثل المسلمين, إذا حسن إسلامهم. وعلى المسلمين أن يتكبدوا مشاق قيادة البشرية ضد حضارة الغرب الهمجية .. مهما كلفهم ذلك وبدون شروط مسبقة, كأنينتهج هؤلاء الإسلام أولاً, فالدفاع عن حقوقهم وتحقيق العدل لهم هو خير دعوة فيأوساط تلك الشعوب المضطهدة التي لم تهتد بعد إلى الإسلام .
ولعلنا نتذكر أن موجات الفتح الإسلامي لم تقاتلالشعوب المستضعفة بل حررتها من الأنظمة الاستبدادية لإمبراطوريات الطغيان من فرسوروم . كما أن عملية الفتح نفسها والقضاء على الاستبداد وإقامة العدل بين الناس هيالأشياء التي جذبت الشعوب إلي دين المسلمين الفاتحين ., وفي أثناء المعارك كانتالشعوب في جانب المسلمين – ولو شعورياً – فقد استهوتهم صفات العدل والرحمة التييتمتع بها المسلمون إلي جانب صفات الفدائية والشجاعة.
والإنسانية الآن بعدسقوط الشيوعية التي كانت تمثل الأمل الكاذب للشعوب المستضعفة كي تتحرر من طغيانالغرب, لا تجد أمامها الآن بعد فشل الشيوعية واندحارها على أيدي المسلمين, سويالمسلمين أنفسهم كقيادة, والإسلام كدين يحقق لهم الحرية الحقة من كل طغيان بشري. لعله دور مستقبلي بعيد نسبياً – لكنه لابد أن يدرج – كأحد الخطوات في سياسة المدىالطويل التي ينبغي أن نطبقها خطوة..  خطوة.
بيشاور
فى رمضان 1413هـ_مارس 1993م
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world
نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here