جلال الدين حقاني ــ أسطورة في جهاد أفغانستان ــ 3 ــ

0

 جلال الدين حقانى اثناء معركة تورغار 1990 - تصوير مصطفي حامد
جلال الدين حقانى اثناء معركة تورغار 1990 – تصوير مصطفي حامد

{{ أحداث الحلقتين الماضيتين عن مولوى جلال الدين حقاني ــ أحد الرموز الأسطورية للجهاد في أفغانستان ــ كانت منقولة من كتاب ألفته عام 1983 ولم ينشر حتى الآن، وعنوانه هو “أطياف العام الأول”.
وأردت أن أنتقل في هذه الحلقة “الثالثة” إلى مرحلة أخرى من مسيرة ذلك القائد العملاق الذي رافقت مسيرته منذ عام 1979 وحتى إسقاط النظام الشيوعي في كابول عام 1992، لولا أن مجلة الصمود في عددها الأخير وهي تستعرض سيرة شهداء المعارك الحالية ضد جيوش الاحتلال الأمريكي/الأوروبي لذلك البلد، أشارت إلى قصة استشهاد أحد الأبطال الشباب وهو الملا محمد أمين (عطيش) الذي استشهد أثناء حملة أمريكية مدعومة بقوات حليفة لها، على المعتقلين في سجن “بولى تشرخى” على أطراف كابول.
واستخدمت في المعركة الصواريخ والدبابات والأسلحة الثقيلة والخفيفة، وأسفرت المعركة عن قتل 85 شخصا اقتادتهم القوات المهاجمة وربطتهم بالسلاسل وأعدمتهم أمام الملأ.
أثبت ذلك الحادث أن الأمريكيين يطبقون /حرفيا تقريبا/ تجربة الشيوعيين والسوفييت في أفغانستان، وأن (الديمقراطية) الحاكمة الآن في كابول تحت حماية الجيش الأمريكي، تطبق حرفيا أساليب (الماركسية) التي حكمت كابول تحت حماية الجيش السوفييتي.
إن سجن “بولى تشرخى” يستحق أن يفرد له كتاب مستقل نظرا لدوره الرهيب في تاريخ أفغانستان السياسي في العصر الحديث، ولعل أحد الباحثين المسلمين يتمكن في المستقبل من إنجاز مثل ذلك الكتاب.
نعود إلى أحداث تناولتها في بداية كتاب “أطياف العام الأول” ولم أكن أنوى التعرض لها هنا لظني بأنها أحداث انقطعت صلتها بما يجرى الآن، ولكن حادثة استشهاد الملا محمد أمين أكدت أن التجربة السوفيتية في أفغانستان لم تنته بعد، بل هي مستمرة ولكن بأيدي أمريكية، وتحت مسمى جديد هو الديمقراطية}}
ــ مصطفي ــ
::::::::::::::::::
الشيوعيون يحكمون كابل
{{ مصادر معلومات هذا الجزء هم المجاهدون الأفغان
ورواية لمراسل مجلة شتيرن الألمانية في كابل }}.
27 إبريل 1978
في السابعة مساء هاجمت قوات عسكرية سجن (دهمزنك) في
وسط المدينة وبالضبط بالقرب من جامعة كابول، ووجهت فوهات الدبابات نحو أسوار السجن والبوابات الرئيسية، وبعد معركة قصيرة تمكن المهاجمون من دخول السجن وتحرير زعيم الحركة الشيوعية في أفغانستان “نور محمد تراقي” الذي كان معتقلا مع مجموعة أخرى من رفاقه من بينهم حفيظ الله أمين وبابراك كارمل، وفي غمار فرحتهم اقترح زعيم الحزب الشيوعي أن يتوجه الجميع إلى محطة الإذاعة حيث يجتمع مجلس قيادة الثورة ليساهم الجميع في قيادة الحركة العسكرية.
تحركت إحدى المدرعات وهي تحمل الزعماء الماركسيين إلى محطة الإذاعة، وظل الموقف غامضا حتى منتصف الليل.
ساورت الشكوك زعيم الحركة عندما سمع أنباء عن مقاومة عنيفة قام بها ضباط موالون لرئيس الجمهورية محمد داود.
وتوالت الأنباء عن مقاومة وأعمال عنف في بعض الأقاليم الأخرى، وذلك كان سببا كافيا لعدم إعلان مجلس قيادة الثورة رسميا عن اسم الرئيس الجديد.
الجنرال عبد القادر ـ وهو أحد العسكريين البارزين الذين نفذوا الانقلاب ـ عندما تحدث إلى الإذاعة في الساعة الحادية عشر ليلا، لم يذكر شيئا عن الزعيم المقبل للبلاد، ولا عن قادة الانقلاب الآخرين، وهكذا أمضى قادة الحزب ليلتهم في كابل يوجهون الانقلاب ويراقبون الأحداث.
أما السوفييت فقد تواصلت علاقتهم بقادة الانقلاب من خلال السفارة السوفيتية.
وقد أمضى قادة الحركة الانقلابية ليلتهم داخل طائرة أنتينوف في مطار (خواجة رواش) في كابل، للإقلاع بها إلى خارج البلاد عند الضرورة.
تمكن الانقلابيون من القضاء على مقاومة أنصار الرئيس محمد داود، وعندها استلم الزعيم الشيوعي “طراقي” زمام الأمور وأخذ في توجيه نشاط الحكومة كان هدفه الأول والأهم هو القضاء على ” الرجعية الدينية في أفغانستان”.
{{” تره كي “أو ما اشتهر عند الكتاب العرب بـ تراقي والأصل (تره كي) وهو اسم لإحدى القبائل البشتونية المشهورة والتي كان نور محمد تره كي ينتمي إليها }}.
قادة الحركة بدأوا تعاونا فوريا وشاملا يكفل القضاء على القوى الإسلامية التقليدية وخاصة العلماء، الذين شنوا بدورهم على الفور حملة شعواء على النظام الجديد.
النظام الجديد بدوره لا يضيع ثانية من وقته سدى، فالرئيس الجديد تراقي وأركان حربه (حفيظ الله أمين و بابراك كارمل ) قاموا بقتل الرئيس السابق محمد داود وأخيه محمد نعيم وجميع أفراد أسرتهما.. ولم تشرق شمس يوم 30 إبريل إلا وكانت عائلة داود كلها قد صفيت جسديا.
وخلال الأسبوع الأول من الانقلاب تم إعدام جميع أعوان الرئيس السابق في الجيش والشرطة والإدارة المدنية رميا بالرصاص وبدون أي محاكمات ولو صورية.
وفي الأيام الأولى من الانقلاب وبنفس الطريقة تم إعدام القسم الأكبر من الضباط ذوى الرتب العالية في جهاز الشرطة والذين كانوا قد تلقوا تدريباتهم في ألمانيا الاتحادية.
ولكن أكثر المحن إيلاما كانت من نصيب العلماء المسلمين، إذ كان أعضاء حزب “خلق” ـ أي الشعب ـ الشيوعي الحاكم يبدأون بضرب العالم وكل تلامذته ومن يلوذون به بكل قسوة. وحين يرون صبره وتجلده، يتحولون إلى طرق التعذيب المعنوي التي هي أقسى على نفس المسلم من التعذيب الجسدي، فيكيلون الشتائم لله والرسول والقرآن، وهنا تثور ثائرة الضحية وعندها تبدأ أساليب تعذيب جسماني بشعة تكون هي خاتمة المطاف.
بعض العلماء سلخت جلودهم أحياء أمام أهاليهم وإخوانهم ومريديهم، ثم تدور العملية على الباقين واحدا واحدا وبنفس الطريقة.
وإذا تبقى في أحدهم رمق يجرونها في الساحات، ثم يطلق الجنود النار على جثث انتزع منها أغلب أعضائها.
يوم الجمعة 14 سبتمبر 1979
قبل وقت الغذاء كان الرئيس الجديد “نور محمد تراقي” جالسا في القصر الجمهوري، برفقة السفير السوفييتي “بوزانوف”.
كان السفير متجهما والنقاش حادا، السبب هو أن رئيس الوزراء “حفيظ الله أمين” كان قد طرد وزيرين من الحكومة هما من أشد أنصار موسكو، الأول هو “أسلم وطنجار” وزير الدفاع الذي تلقى تعليمه وتدريبه العسكري في موسكو.
والثاني هو”شاه جان مازدرجان” وزير شئون الحدود، واقترح السفير السوفيتي أن يأمر تراقي بإقالة أمين وتجريده من كافة سلطاته.
أوضح تراقي للسفير استحالة تنفيذ هذا الأمر لأن أنصار أمين تغلغلوا في جميع مراكز السلطة الحساسة التي وضع فيها رجاله المخلصين، كما أنه كون قوة عسكرية خاصة زودها بأحدث الأسلحة بما فيها المصفحات والدبابات، كذلك القوات التي تحرس وزارة الدفاع والإذاعة جميعها موالية لأمين.
وفي الواقع فإنه منذ تعيين أمين رئيسا للوزراء (في 28 مارس 1979 ) بادر على الفور إلى تعزيز سلطاته وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد وتحول تراقي إلى رمز لا أكثر.
كرر السفير السوفيتي أوامره “لتراقي” بأن يأمر أعوانه بإلقاء القبض على “أمين”.
تحت ضغط الإلحاح والضغط وافق تراقي وبدأ في تنفيذ الخطة، فوجه دعوة لرئيس وزرائه كي يحضر إلى القصر الجمهوري لعقد جلسة طارئة لمجلس قيادة الثورة.
لكن جواسيس أمين داخل القصر الجمهوري أخبروه بما حدث بين “تراقي” والسفير “بوزانوف”، فأستنتج أن الدعوة إلى القصر الجمهوري هي بداية المؤامرة ضده.
قبل أن يخطو “أمين” نحو القصر اتخذ احتياطاته وأصدر أوامره إلى الوحدات العسكرية التابعة له بالتأهب واتصل بأعوانه الحزبيين والعسكريين لمواجهة مؤامرة محتملة من جانب طرف معادي.
توجه “أمين” إلى القصر الجمهوري حيث كان في انتظاره الرئيس “تراقي” وبصحبته وزير الدفاع المطرود “أسلم وطنجار” وأعوانه المسلحين.
وصل أمين إلى القصر الجمهوري مصطحبا حرسه الخاص، وما أن فتح الباب أمامه كي يدخل لمقابلة الرئيس حتى استقبله أتباع ” أسلم وطنجار” بوابل من طلقات الرصاص.
تفادى أمين الطلقات بأعجوبة لكن مرافقه قتل على الفور.
فر أمين من غرفة الاجتماعات وتولى رجاله تبادل إطلاق النار مع المهاجمين، ولكن الرئيس “تراقي” أصيب بعدة طلقات نقل بعدها إلى المستشفى للعلاج.
وظل ما حدث سرا طيلة ثلاث أسابيع حتى أعلن راديو كابل عن وفاة ” تراقي”.
أثناء الاشتباك المذكور تمكن الجنرال المتآمر “وطنجار” من الفرار من القصر الجمهوري وبرفقته السفير السوفيتي “بوزانوف” واستخدما طريقا سريا أوصلهما إلى مقر السفارة السوفيتية في كابل، وفيها استقر الجنرال المتآمر لاجئا سياسيا.
{{ ولكن ما تؤكده المصادر الأفغانية هو أن نور تراقي وبعد الخلافات مع تلميذه الوفي حفيظ الله أمين / المشهور بهذا اللقب/ استدعي من قبل أمين إلى القصر الجمهوري ليلا ولم يكن في ذاك الوقت معه أية حراسة شخصية وهو كان يحب الشوربا (الأكلة الأفغانية المحلية) ففي إحدى الغرف التي تقع تحت القصر الجمهوري (Underground) جهزوا له الشوربا وكثروا فيها اللحم وبعد تناول الطعام قام أحد حراس أمين بوضع المخدة على فم تراقي وجلس فوقه إلى أن فارق الحياة }}
“أمين” المنتصر عاد بعد وقت قصير ومعه قوة من حرسه الخاص مزودة بالدبابات والأسلحة الثقيلة، وحاصروا القصر الجمهوري وتبادلوا إطلاق النار مع الحرس الجمهوري. وحدثت اشتباكات مماثلة أمام دار الإذاعة ووزارة الدفاع، ولم يترك أمين الفرصة تفلت من بين يديه، فأصدر أوامره بحصار كابل وإغلاق منافذها.
ما أن حل المساء حتى كان إطلاق النار قد توقف وتمت له السيطرة على العاصمة.
لم يتمكن أنصار “تراقي” من استعادة السلطة مرة أخرى، فقد حاولوا ترتيب انتفاضة عسكرية ولكن أعوان أمين قضوا عليها بسرعة.
بعد نجاح الانقلاب واستتباب الأمر”لأمين” أجرى معه السفير السوفييتي محادثات، وأدرك السفير أن لا مناص لبلاده من التعامل مع “أمين”، ومع هذا لم يترك السفير الفرصة تمر بدون إفهام “أمين” أنه لن يتمكن من الاحتفاظ بالحكم بدون الاستعانة بقوة السوفييت.
وعلى الفور وافق “أمين” على الصفقة.
قدم السوفييت دعمهم “لأمين” الذي منح نفسه كمية من الألقاب مثل:
“رئيس الجمهورية” و”رئيس المجلس الثوري” و”رئيس حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ـ خلق” و”رئيس مجلس الوزراء”.
في مؤتمر صحفي أعلن “أمين” أمام الصحفيين الأجانب أن الرئيس السابق “تراقي” قد تمت تنحيته “لأسباب صحية”.
وفرضت حكومة كابل تعتيما كاملا على أخبار “تراقي” ومحل إقامته، كما ضيقت كثيرا على تحركات الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب.
ولكن أنباء تسربت من مستشفى كابل العسكري أن “تراقي” أصيب بطلق ناري وهو في مكتبه يوم 14 سبتمبر الماضي.
على الفور كذبت الحكومة النبأ ونسبته إلى مروجي الإشاعات. وقال “أمين” أن الرئيس مريض جدا وحالته الصحية لا تسمح له بممارسة مهامه.
وفي الأخير أعلنت كابل في التاسع من أكتوبر نبأ وفاة “تراقي” إثُر ما وصف بأنه “مرض عضال”.
فيما بعد صرح أحد الموظفين الحكوميين أن “أمين” حاول أن يحصل على توقيع “تراقي” على أوراق تدينه بتهمة “خيانة الثورة والشعب” ولكنه رفض بإصرار، ونفس الأسلوب تم إتباعه مع الكثير من السياسيين المعزولين من السلطة تمهيدا لإعدامهم.
ولم يمضي يومان حتى بدأ أعوان ” أمين” في رفع الصور والملصقات الضخمة التي كانت تملأ العاصمة للرئيس السابق “تراقي” والذي كان إلى وقت قريب جدا يتلقى عبارات التعظيم والتمجيد من إذاعة كابل، عبارات مثل: “القائد العظيم المحبوب” و “ابن أفغانستان البطل”.
وقبل أن يكتشف الناس ما حدث “لتراقي” كان أمين أمام وفد عمالي أفغاني يردد مقولته : “أنا و”تراقي” كالظفر واللحم لا يمكن أن ينفصلا”.
وفي يوم الاثنين التالي لاستيلائه على الحكم تلقى “أمين” برقية من القيادة السوفيتية تهنئه فيها بالمنصب الجديد. وكانت موقعة من الرئيس السوفيتي بريجينيف ورئيس وزرائه كوسيجين.
لقد أعربت موسكو سريعا تأييدها للانقلاب الجديد، وقبل أربعة أيام فقط كان “بريجينيف” قد استقبل في مطار موسكو الرئيس “تراقي” الذي كان عائدا من كوبا التي حضر فيها مؤتمرا لدول عدم الانحياز “!!!”.
كان الاستقبال حافلا، حتى أن وكالة الأنباء السوفيتية “تاس” وصفت ما حدث بأنه “محادثات يسودها جو من المودة القلبية بين الرفاق”.
منذ نجاح الانقلاب وحتى اغتيال (الزعيم) كان النظام قد تخلص بالقتل والاغتيال من خمسة وعشرين ألف من المسلمين المتدينين، من علماء ومثقفين.
مصادر من المجاهدين قدرت ضحايا النظام جديد من علماء المسلمين والمتدينين بحوالي نصف مليون شخص، يضاف إليهم حوالي ثمانون ألفا من كافة الاتجاهات الأخرى، منهم أطباء ومثقفين وتجار ورؤساء عشائر وفلاحين، ونفذ المجازر أعضاء شيوعيين من تنظيمي “خلق” و”بارشام”.
بلغ الإرهاب مداه حتى أصبح إطلاق النار علنا ضد أي منتقد للنظام، أو قوانينه “التقدمية !!” أمرا مألوفا في العاصمة وباقي الأقاليم.
بنهاية عام 1978 انتقل نشاط حزب “خلق” الحاكم إل الريف بعد أن اطمأن إلى “تنظيف” المدن من المعارضين و”الرجعيين”، فبدأت في الريف حملة شعواء ضد المزارعين وملاك الأرض الذين عارضوا قوانين الملكية الزراعية والإصلاح الزراعي.
عند هذه النقطة توسعت كثيرا حركة المقاومة المسلحة ضد النظام، وانتشرت تنظيمات المجاهدين الذين حققوا نجاحات ملموسة وطردوا ممثلي الحكومة من مناطقهم، فحاول النظام التشبث بما تحت يديه من الأرض، فتوسع كثيرا في القتل واستخدام الجيش في شتى المناطق، ولم تتوقف حمامات الدم حتى بعد انتقال السلطة إلى “حفيظ الله أمين”.
في نفس الوقت تعاظمت قوة المجاهدين وانتصاراتهم العسكرية بشكل غير متوقع، تسبب ذلك في صدمة سياسية وعسكرية للمجلس الثوري الحاكم في كابل وفي الكرملين أيضا.
الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات أرغمت الضباط والجنود على الإحجام عن مواجهة المجاهدين، إنقاذا للنظام قررت موسكو استخدام سلاحها الجوى على أوسع نطاق. فشنت غارات وحشية لا نظير لها على مناطق المجاهدين وقرى الريف، فقتلت عدة آلاف من المدنيين وأحرقت عشرات القرى ومساحات كبيرة من أراضى مزروعة بالمحاصيل الزراعية.
في مواجهة ذلك العدوان نشبت العديد من الانتفاضات الشعبية المسلحة، تمكن الأهالي في إحداها من السيطرة على مدينة هيرات في شهر مارس 1979.
انتفاضة أخرى حدثت في مدينة جلال آباد في شهر إبريل من نفس العام، تكلف إخماد الانتفاضتين أرواح عشرات الآلاف من القتلى المدنيين، والطائرات السوفيتية القاذفة تحركت من قواعدها لضرب هيرات بعنف وقسوة.
فقدت الحكومة ثقتها في الضباط الشيوعيين الذين أرهقتهم الحرب ومزقت صفوفهم.
كما مزقتهم حملات التصفية المتبادلة في صراعات داخلية على الحكم، بين أجنحة الشيوعية المختلفة.
مال كثير من ضباط الجيش غير الحزبيين إلى معاونة المجاهدين وانضمت إليهم بعض الوحدات بكامل أسلحتهما، وآخرون اكتفوا بتسريب المعلومات إلى المجاهدين.
في سبتمبر من نفس العام أدرك السوفييت خطورة الموقف وتجلى لهم انهيار النظام عسكريا وسياسيا، وقد سيطر المجاهدون تماما على معظم مناطق الريف والجبل، واكتفوا بحصار المدن الكبرى ومناوشة حامياتها العسكرية، في الوقت الذي دفعوا فيه بقوات كبيرة نحو العاصمة تمركزت في الجبال المحيطة تمهيدا لاقتحامها.
من هنا قرر السوفييت تولى العمل بأنفسهم داخل أفغانستان إذ لم يعد لديهم ثقة في نظام الحكم القائم هناك، وكان لابد من التخلص من الرئيس “أمين”.
بدأ التمهيد في موسكو لحرق أمين سياسيا، فأوردت وكالة “تاس” السوفيتية للأنباء في نبأ لها من كابل أن الرئيس السابق “تراقي” تم خنقه في الثامن من أكتوبر 1979 بعد اعتقاله بأوامر من حفيظ الله أمين، وأوردت الوكالة أسماء ثلاثة من العسكريين قالت أنهم شاركوا في العملية وهم الضابط محمد إقبال والعريف عبد الودود والجندي رويس.
ولم تكشف الوكالة عن مصدر الخبر ولا عن كيفية حصولها عليه، ولكنها بعد مصرع الرئيس أمين كشفت عن كثير من (جرائمه وممارساته الإرهابية ضد الشعب) وهو الأمر الذي ما كان له أن يتم بدون العون السوفيتي.
بعد فوات الأوان أدرك أمين أن السوفييت سوف يتخلصون منه، فبدأ سباقا يائسا مع الزمن، تماما كما فعل الرئيس”داود” من قبل.
وشعر “أمين” أنه أصبح معلقا في الهواء بعد أن فقد الحزب معظم كوادره في التصفيات المتبادلة وفي المعارك مع المجاهدين.
وضع أمين خطة سريعة لمواجهة النوايا السوفيتية، فهو يعرف بالممارسة كيف يفكرون وكيف يتخلصون من رجالهم الذين احترقوا بعد أن أحرقوا بلادهم”.
كانت الخطة مركزة على مداهنة القوة الإسلامية المتعاظمة ومهادنتها وإقناعها بالسير تحت لوائه، ومن ثم تخويف السوفييت بهم وتحذيرهم من المساس به.
بدأت الخطة بتغيير النهج الإعلامي للدولة وإيقاف الحملة على الإسلام أو وصفه “بالقوة الرجعية”، وبدأ يشير إلى أن الإسلام هو “الدين الرسمي للدولة”، وبدأت برامج الإذاعة بالبسملة، ووجدت تلاوة القرآن الكريم طريقها إلى آذان مستمعي راديو كابل، بعد أن كان ذلك محرما.
لم يكتف “أمين” بذلك بل بدأ حوارا مع العلماء في المساجد حول أوضاع البلاد وطرق الخروج من المأزق الحالي.
لم يرق ذلك لقيادات الكرملين ولا ارتاحوا له، في 27 سبتمبر وصل للرئيس أمين أول تحذير جدي من الكرملين منذرا بالتوقف عن نهجه هذا (تجنبا لإراقة الدماء!!) ووعدوه بالدعم الشخصي له وتأمين حياة أسرته ـ زوجته وبناته الأربع وضمان حياة كافة أقربائه.
استنتج “أمين” أن هذه الضمانات والتطمينات في العرف السوفيتي إن هي إلا مقدمة لضربه والإجهاز عليه، وعلم كذلك أنهم يجهزون “بابراك كارمل” لاستلام السلطة وكان موجودا وقتها في إحدى الجمهوريات السوفيتية على الحدود الأفغانية وبرفقته “أسلم وطنجار” وزير الدفاع السابق الذي طرده “أمين” فحاول اغتياله بالتعاون مع “تراقي” في مؤامرة أوصلت “أمين” إلى الحكم بدلا من قتله.
في الثالثة والنصف عصرا توجهت مجموعة كبيرة من “الفنيين السوفييت” لإجراء بعض الإصلاحات في الهاتف المركزي الموجود بالقصر الجمهوري.
نتيجة لهذه “الإصلاحات” تعطلت جميع خطوط الهاتف المتصلة بالقصر الجمهوري.
لم ينتبه أحد لما يحدث لأنه كان استكمالا لعملية إصلاح بدأت قبل أشهر وتقرر إنهاؤها اليوم.
في نفس الليلة أقامت السفارة السوفيتية في كابل حفلة كوكتيل
فاخرة على شرف “زعيم أفغانستان العظيم ودعي إلى الحفل معظم قادة سلاح الجو والجيش.
أحد العسكريين الكبار ممن حضروا هذا الحفل وصف ما كان يحدث بقوله :
كانت زجاجات الفودكا موزعة على الموائد بشكل ملفت للنظر. كان الروس يقدمون لنا الخمر بصورة غريبة اتضح لنا فيما بعد أنهم كانوا يقصدون أن تلعب الخمر برؤوسنا كي يتسنى لهم تنفيذ خطتهم الشيطانية، كانت الأطعمة والمقبلات لذيذة جدا والفودكا كانت أكثر روعة، ولكنني بعد أن غادرت المكان ورجعت إلى بيتي وقعت مغشيا علي، وعندما عادت بي الذاكرة إلى هذا الحفل أدركت أن الروس قد سحبوا الطعام بسرعة واستبدلوه بالمقبلات والفودكا، وبذلك تحول الضباط جميعا إلى شلة من سكارى.
في نفس الليلة كان “حفيظ الله أمين” جالسا في مكتبه يفكر في مستقبله المجهول، حين فوجئ بضابط سوفيتي يقتحم عليه مكتبه ويسلمه مذكرة صادرة عن الكرملين تأمره بوجوب تسليم كافة صلاحياته للسوفييت، الضابط السوفييتي أخبره أن لديه أوامر بنقله وكافة أفراد عائلته من كابل خلال نصف ساعة وأضاف بأن المصفحات تحاصر القصر الجمهوري.
انصرف الضابط وفكر “أمين” بسرعة محاولا الاستفادة من مهلة النصف ساعة الممنوحة له.
بدأ بمحاولة الاتصال برجاله في الجيش لتدارك الموقف، لكن خطوط الهاتف كانت مقطوعة، فمجموعة الخبراء السوفييت لم تنجز بعد أعمال “الإصلاح” التي بدأتها منذ الصباح.
عندئذ أصدر” أمين” أوامره للحرس بإطلاق النار على القوة السوفيتية التي تحاصر المكان، وكان قوامها 1200 جندي سوفيتي مزودين بالمدرعات.
بدأ إطلاق نار عنيف بين الجانبين واحترقت بعض المدرعات، ولكن المهاجمين تغلبوا على الحرس، وطبقا للأوامر الصادرة إليهم ألقوا القبض على الرئيس حيا واقتادوه إلى مبنى السفارة السوفيتية، وأخذوا معهم ثلاثة أكياس مملوءة بالوثائق الهامة من القصر الجمهوري.
في السفارة السوفيتية قام ضباط الاستخبارات باستجواب أمين لمدة أربع ساعات متواصلة ثم أعدموه رميا بالرصاص في الرابعة صباحا.
{{ تلك كانت رواية المراسل الألماني في كابول ولكن الرواية الأفغانية المؤكدة هي : بعدما وضع السم في أكله من قبل الروس ذهب أمين إلى بيته في قصر “تاج بيك” المطل على تلال صغيرة في جنوب كابول وبالضبط بالقرب من قصر “دار الأمان” الشهير قام الجنود السوفيت /الذين وصلوا في يوم وضع السم في أكل حفيظ الله أمين / باقتحام القصر واستخدموا الأسلحة الرشاشة وكانوا يعرفون الغرفة التي يسكن فيه أمين وهي كانت في الطابق الثاني من القصر فهجموا عليه وهو كان مستلقيا في سريره فقتله هناك وأصاب بعض أفراد عائلته وعندما تيقن الروس من مقتله توقفوا عن الهجوم وأخذوا أفراد عائلته وهم : زوجته وأربع من بناته وابنه عبد الرحمن، و كان عددهم 12 شخصا، إلى سجن بول جرخي }}
————–
في نفس الليلة أيضا كان هناك جسرا جويا ضخما ينقل قوات سوفيتية قوامها ثمانون ألفا بكامل معداتهم، وبدأ السوفييت عملية استيلاء سريعة وحاسمة على العاصمة الأفغانية، حاولت عدة وحدات أفغانية الانتفاض ولكنها قمعت بلا هوادة، وتم إطلاق النار على كل من حاول التصدي أو الاعتراض، أيا كان مركزه في الحزب أو في الجيش.
شخصيتان هامتان مهدا الطريق أمام الغزو السوفييتي وإخضاع الجيش الأفغاني بسرعة وسهولة وهما الجنرال “وطنجار” الذي ظل مختبئا في السفارة السوفيتية منذ الرابع عشر من سبتمبر، والجنرال “عبد القادر” الذي أعتقله “أمين” قبل وقت قصير من مصرعه موجها إليه تهمة الخيانة العظمى.
الجنرالان وطنجار وعبد القادر تمكنا من السيطرة على وزارة الدفاع والوحدات العسكرية في كابل مستعينين بالقوات السوفيتية.
وفي اللحظة التي أنهت فيها قوات الغزو سيطرتها على القصر الرئاسي، أنهت السفارة السوفيتية حفلها الذي أقامته لكبار الضباط الأفغان، الذين غادروا مبنى السفارة ثملين، وقبل وصولهم إلى منازلهم سمعوا طلقات الرصاص تدوي في أرجاء العاصمة، وبصعوبة أدركوا ما يجرى، حاول بعضهم التوجه إلى وحدته.. ولكن بلا جدوى.
ضابط كبير عمل لاحقا في صفوف المجاهدين قال أنه في ليلة
الغزو السوفيتي فوجئ ضابط المطار بطائرات عسكرية سوفيتية تهبط على المدرجات بدون إذن مسبق، فساد شعور من الارتباك إذ اكتشف الجميع أنه لم يكن هناك من يعلم بأمر هذه الطائرات ولا بمن أعطاها الإذن بالهبوط، فأخذوا يتصلون بالقيادات العليا، وحاولت تلك القيادات أن تتصل برئيس الجمهورية للاستفسار منه إن كان قد سمح باستقبال الطائرات السوفيتية.
ولما كانت الاتصالات مع القصر الجمهوري مقطوعة فلم يصل هؤلاء الضباط إلى نتيجة.
الجنود السوفييت الذي هبطوا بالمدرعات من جوف طائرات الأنتينوف العملاقة، استولوا بسرعة على مرافق المطار ومنه زحفوا بسرعة على العاصمة.
أما الرئيس “أمين” فقد علم المجاهدون أن طبيبه الخاص كان عميلا للسوفييت وقد دأب على دس السم له أثناء العلاج، وفي ليلة الغزو كان “أمين” مسلوب الإرادة وغير قادر على اتخاذ أي قرار.
انطلقت من إذاعة كابل البيانات الحماسية التي تعلن سقوط حكم “أمين” وتنصيب رئيس جديد للجمهورية هو “بابراك كارمل”، وتعلن إطلاق سراح أعضاء حزب “بارشام” الشيوعي الذين اعتقلهم “أمين”. وإطلاق سراح الجنرال “عبد القادر”، ثم دوى صوت الرئيس الجديد “بابراك كارمل” معلنا بقوة: “لقد تمت الإطاحة بنظام حفيظ الله الفاشستي”.
لم تكن تلك البيانات في الحقيقة سوى شرائط تم تسجيلها مسبقا في طشقند حيث كان “كارمل” يتربص منتظرا أن يستدعيه السوفييت لاعتلاء عرش كابل.
وفي إحدى الليالي وتحت جنح الظلام أقلته طائرة “أنتينوف” سوفيتية من طشقند إلى كابل، ليصبح ثالث رئيس شيوعي في تاريخ أفغانستان.
سرعة الضربة وقسوتها أفقدت سكان كابل ليس فقط القدرة على ردة الفعل بل على مجرد تصور ما يحدث، وباقي سكان البلاد كانوا مشدوهين أو سكارى من هول ما يرونه، وأصيب الجميع بالشلل والعجز، ولا يريد أحد حتى أن يصدق ما يرى وما يسمع.
بـوادر الـجـهـاد
بوصول “تراقي” إلى سدة الحكم كأول رئيس شيوعي في تاريخ أفغانستان.
ونجاح النظام الشيوعي في السيطرة على البلاد بسرعة خاطفة، شن علماء الدين حملة انتقاد عنيفة على نظام الحكم السابق للرئيس “داود” صهر وابن عم الملك “ظاهر شاه”. واتهموا الاثنين بأنهما فتحا الباب على مصراعيه لتغلغل الأفكار الشيوعية بين الشباب وتزايد النفوذ السوفيتي في البلاد، والتوسع في إرسال طلاب المدارس العسكرية والضباط لتلقى علومهم في موسكو حيث يتم تلقينهم المبادئ الشيوعية.
وكان عهد ” داود” هو الذي بدأ فيه إنشاء التنظيمات الشيوعية وإقحام تلك التنظيمات داخل أجهزة الأمن والإدارة المدنية.
ولكن بعد شعور “داود” بالخطر المحدق به من أصدقائه الشيوعيين، وأن الضغوط السوفيتية أخذت تتزايد عليه، بادر إلى اعتقال الزعماء الشيوعيين البارزين في محاولة للسباق مع الزمن، ولكن الفرصة كانت قد أفلتت من بين يديه، واستطاع الشيوعيون أن يسبقوه ويوجهوا ضربتهم وينتزعون البلد من بين يديه، وفي الحال أغرقوها في بحر الظلمات والدماء.
العلماء المسلمون مرت بهم فترات عصيبة في عهدي الملك “ظاهر شاة” ثم عهد ابن عمه رئيس الجمهورية “داود”. وخلال العهدين، والحكومات المتعاقبة تسعى إلى إخماد تحرك العلماء، وكان أحد الوسائل هو تولية بعضهم مناصب حكومية ومواقع اجتماعية مرموقة، إلا أن هذه المجهودات غالبا ما كانت تذهب أدراج الرياح بلا نتيجة.
وذلك يعتبر امتدادا لمجهودات ترجع إلى تاريخ قديم بدأ مع الملك “أمان الله” عام 1929 حين حاول الملك أن يقلب مفاهيم الشعب الأفغاني حول الإسلام، وأن يستبدل بها أفكارا غربية إلا أنه جوبه بثورة شعبية قادها علماء مسلمون أدت إلى إسقاطه من العرش.
اليوم الأول للانقلاب:
لم يكد “نور محمد تراقي” يتربع على كرسي الحكم في “قصر الشعب” حتى بدا الحزبيون الماركسيون في تنفيذ خطة مدروسة ومحكمة لتصفية خصومهم السياسيين جسديا، وفي أهون الأحوال رميهم في سجون رهيبة، بالذات سجن “بولى تشرخى”، حيث لا يدري عنهم أحد أي شيء.
الانقلاب الشيوعي الذي وقع في مساء 27 أبريل، بدأ منذ فجر 28 إبريل في تنفيذ برنامج معد سلفا لتصفية الإسلاميين. وكانت الخلايا الشيوعية في البلد قد أعدت مسبقا قوائم تفصيلية بأسماء الأشخاص المطلوب تصفيتهم من أجل “تأمين سلامة الثورة”.
شملت القوائم أسماء وعناوين عشرات الآلاف من الشباب والعلماء وطلاب المدارس الدينية إضافة إلى جامعيين وأساتذة كليات وحتى رؤساء قبائل، ولم تستثن القوائم شخصية واحدة لها صلة أو شبهة ارتباط بالعمل الإسلامي، وفي حملات المداهمات اقتيد آلاف الرجال والشباب إلى حيث لا يعلم أحد.
الألوف أعدموا على الفور وحيث تم العثور عليهم، وعلى أطراف المدن أو خارجها وفي الأرياف كان المئات يؤمرون بالانبطاح أرضا ثم تحصدهم نيران الرشاشات الثقيلة المثبتة على المصفحات والدبابات التي تمر عليهم في نهاية المجزرة حتى يتم التأكد من أن المهمة قد أنجزت على خير وجه ولم يتبق أحياء من بين المشتبهين.
اليوم الثاني للانقلاب:
مئات البيوت أحرقت في الجبال والقرى، والمطلوبون الذين تمكنوا من الفرار تم اعتقال ذويهم وأخذوا رهائن إلى أن يستسلم الهاربون، وهوجمت المساجد صغيرها وكبيرها.
واعتقلوا من فيها من العلماء وشيوخ حلقات العلم، وسحبوا إلى الشوارع وضربوا بقسوة أدت إلى موت أكثرهم، وأحرقت نسخ القرآن وداسها الضباط بأقدامهم.
أي محاولة للاعتراض، ولو بإشارة تنم عن عدم الرضا، كانت تناقش بفوهة البندقية.
باختصار فإن نظرية “العنف الثوري” قد طبقت بمثالية تصلح للتدريس في أرقى المعاهد الماركسية.
لم يشهد الشعب الأفغاني طوال تاريخه مثل هذا “الإنجاز” الضخم من أي حكومة على الإطلاق، من هنا كانت الصدمة عنيفة وقاسية، حتى أنهم تجمدوا وأصيبوا بما يشبه الشلل الكامل، حتى رجال قبائل الجبال الأشداء ـ والذين يحتفظون تقليديا بأسلحة وبنادق للدفاع عن أنفسهم، أصيبوا هم أيضا بالشلل، فلأول مرة تطأ الدبابات والمدرعات قراهم، وتحلق المقاتلات النفاثة بسرعتها الفائقة قرب أسطح منازلهم، فتزلزل النفوس وتقتل أي فكرة للتمرد.
ولأول مرة تستطيع حكومة مركزية أن تذل قبائل الجبال وتحرق بيوتهم، وتلقى القبض على زعمائهم وعلمائهم وتضعهم في السجون أو حتى تقتلهم أمام أنظار الجميع.
ولكن قلائل من داخل البلاد أفاقوا سريعا من هول صدمة الدم والإرهاب.
وفي اليوم الثالث بدأت أول ردة فعل لمقاومة النظام الجديد، على
سبيل المثال.. وكنموذج تقليدي تكرر في أرجاء كثيرة مع اختلاف في التفاصيل.. وقعت الحادثة التالية:
التمرد الأول في زدران
المكان: منطقة جبلية في ولاية باكتيا تسكنها قبائل زدران.
الحادث: وصول إخطار من الحكومة لأحد العائلات تطلب منهم الحضور إلى مركز الشرطة لاستلام جثة أحد أبنائها، قتل بعد إلقاء القبض عليه بساعات.
تم تسليم الجثة لهم وأعطى الضابط تعليماته إلى العائلة بأن يتم الدفن سريعا وبدون أية مراسم أو قراءة قرآن، أو أي مراسم أخرى دينية أو تقليدية لدفن الميت، وضمانا لتنفيذ الأوامر أرسل الضابط معهم مفرزة من رجاله لحراسة الجنازة إلى أن يتم الدفن.
ابن القرية الرائد “محمد أكبر”، كان مختبئا خارج القرية قريبا من عشيرته، وكان معروفا في الجيش باستقامته ومعاداته للشيوعيين، في الليل اتفق أكبر “مع عالم القرية مولوى “عزيز خان” أن يقف بعد الدفن خطيبا في الناس موضحا لهم الضرورة الشرعية في مقاتلة هذا النظام الكافر الذي تسلط على البلاد، وأحيط عدد من شباب المنطقة علما بالخطة.
في صباح اليوم التالي سارت الجنازة حزينة صامتة في حراسة رجال الأمن بأسلحتهم الآلية.
بصمت تم دفن الشهيد ووقف عالم القرية مولوى “عزيز خان” يلقى كلمته التي بدأها بحمد الله وطلب الرحمة للفقيد ثم ما لبث أن صاح بصوت جهورى مطالبا الحضور بإعلان الجهاد وقتال الحكومة الكافرة.
على الفور دوى هتاف “الله أكبر” يهز جنبات الجبل وتردد صداه الوديان، وانقض الرجال على الجنود الذين صعقتهم المفاجأة وسريعا ما قتلهم رجال القرية واستولوا على أسلحتهم، وعلى الفور هبط الرجال إلى مركز الشرطة فدمروه وقتلوا الضباط والجنود، واستولوا على ما فيه من أسلحة وذخائر وحرروا من فيه من سجناء.
ما حدث في جدران تكرر في عشرات الأماكن من الجبال والسهول والمدن والقرى على أيدي رجال تمالكوا أنفسهم وأفاقوا من الصدمة بعد يومين من العنف الجنوني الذي مارسه النظام الجديد.
لكن الجيش الأفغاني المكون من 80 ألف جندي مسلح تسليحا جيدا بمعدات سوفيتية حديثة، ويتولى قيادته “رفاق” ثوريون، تصدوا سريعا “للثورة المضادة” وبدأت طوابير المدرعات تزحف نحو القرى المتمردة فتمحوها من الوجود. بينما القاذفات تدك الجبال بمئات الأطنان من القنابل.
وما أسرع ما تطور “العنف الثوري” من مجرد اعتقال طبقا لقوائم مجهزة سلفا إلى عمليات عسكرية تأديبية في مواجهة حرب عصابات تخوضها جماعات استشهادية.
لم يكد ينقضي عام على “الثورة” حتى كان ضباط الجيش وكوادر الحزب يبحثون عن حل لمشكلة بدأوها ولم يستطيعوا إنهائها أو حتى السيطرة عليها.

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 47
http://124.217.252.55/~alsomo2

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here