قرية”مارجه”العظمى أو كلمة سر إنحلال الناتو وتـفكـك الإتحـاد الأوروبـى

قال أحد المحللين السياسيين أن الولايات المتحدة فى حاجة كل عدة سنوات لأن تختار أحد أعدئها الضعاف وأن ترطمه بقوة فى الجدار لتثبت أنها مازالت قوية وتعنى ما تقول .
وذلك هو شأن القوى الآفلة ، التى لم تعد قوتها تكفى لتحقيق أطماعها الكبيرة . فتركز معظم قوتها على أضعف الخصوم كى تسحقه. فتحقق بذلك وبمساعدة التهويل الإعلامى تأثيرا معنويا كبيرا على خصومها، فيرضخون لمشيئتها بفعل الخوف الذى لا مبرر حقيقى له .

والآن يهاجمون ” قرية مارجه” . مجرد قرية زراعية صغيرة تابعة لمديرية ” ناد على ” فى إقليم هلمند ، مجرد قرية صغيرة جعلوا من الهجوم عليها حدثا دوليا تروج له وتضخم فيه آله عملاقة هى أضخم وأخطر من جهازهم العسكرى الرهيب .

15 ألف جندى بأحدث أسلحة الفتك والدمار فى العالم وعلى مر التاريخ يتوجهون نحو قرية صغيرة، لا أهمية خاصة لها، فهى مثل باقى قرى الإقليم ، ولكنها أختيرت هدفا “سهلا” حتى يثبت الشبح الأمريكى المنهار أنه مازال قوة أعظم تحكم العالم بلا منازع ـ ولكن أفغانستان إستعصت عليه ـ بل أن ” مارجه ” الخضراء المسالمة أبت أن تخضع قبل أن تمرغ أنف أمريكا والناتو فى بترابها الخصب .

# قال أحد الحكماء (قل لى من عدوك أقل لك من أنت) . فإذا كان الشعب الأفغانى يقف صامدا منتصرا أمام أعتى قوى الظلم فى التاريخ البشرى ، وأقوى جيوش الأرض، والحلف العسكرى الوحيد والأضخم ، فلابد أن ذلك الشعب يقود التحرر و أمة الإسلام فى العالم .

وإذا نظرنا على الجانب الآخر لنجد القوة الأعظم فى العالم والحلف العسكرى الأضخم يحشدون كامل قوتهم العسكرية والإعلامية فى مقابل مجرد (قرية أفغانية) خضراء ومسالمة ولكن أبية ومقاومة . فلا شك أن تلك القوة العظمى وذلك الحلف ، بلغا درجة من الضعف والحقارة يصعب تخيلها أو وصفها .

ما يزيد عن فرقة عسكرية مدعومة بالمدرعات والإسناد المدفعى الثقيل والدعم الجوى المكثف ، كان من المفترض ان تسيطر على “مارجه” الصغيرة فى ساعات أو حتى دقائق .

ولكن الأيام إستطالت إلى أسابيع ، ويبدو أنها دخلت فى نفق الزمن وبدأ التبشير بموعد لانهائى للعملية . فذلك هو ” المارشال” البريطانى (جوك ستيرات) رئيس الأركان يقول بأن عملية ” مشترك ” يمكن أن تستغرق 14 شهرا لتحقيق النجاح المطلوب مدعيا أن العملية ليست قتالا ضد طالبان فقط ، بل لحماية السكان المحليين حسب زعمه .

والأميرال (مايك مولن) رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة يعلن من إسرائيل (!!) أن التكهن صعب بالفعل فى تحديد ” موعد للنهاية ” فى معركة مارجه ، لأنه حسب زعمه فإن استراتيجية الهجوم لا تتعلق فقط بتطهير المنطقة ولكن بالحفاظ ثم البناء عليها حتى يكون هناك عنصر مدنى وحكم محلى .

والسؤال هنا: إذا كانت أحلام اليقظة هذه قابلة للتحقق فمن سيدافع عن هلمند فى وجه المجاهدين ؟؟. هل هى القوات الأمريكية التى تنوى الإنسحاب فى منتصف العام القادم؟؟.
أم قوات كرزاى الذى قال أحد وزرائه عند سؤاله عن المدة التى يستطيع جيش النظام الصمود فيها مدافعا عن هلمند فى وجه المجاهدين بعد إنسحاب الجيوش الأجنبية فقال بكل وضوح: 24 ساعة!!!.

 # وقمة التحرك السياسى العسكرى كان إجتماع الرئيس الأمريكى شخصيا بأكبر شخصيات إدارته السياسية والعسكرية بما فيهم نائبه جوزف بايدن ، الصهيونى العنيد ـ ووزير الدفاع روبرت جيتس المختص فى العمليات القذرة والإنقلابات العسكرية، ووزيرة الخارجية هيلارى كلينتون ـ الطامحة فى رئاسة أمريكا فى دورة رئاسية قادمة معتمدة على سجلها الأخلاقى الناصع ، والقائد العام للمنطقة الوسطى ديفيد بترايوس ـ الذى لم يصادف النجاح يوما ـ ومن كابول إنضم إليهم عبر الأقمار الصناعية الحنرال “ماكريستال” ، المجهز لحمل فضيحة الهزيمة فى أفغانستان فوق كتفيه كما حملها من قبله الجنرال السوفيتى ( بوريس جريموف) .

وإلى جانبه حضر من كابل أيضا السفير كارل ايكنبرى صاحب الخبرة فى الهزائم كقائد سابق لقوات بلاده فى أفغانستان .

وإذ طال الإنتظار وانتفخ الحشد الإعلامى لهذه الحملة العالمية على قرية أفغانية متواضعة ، يزف مشاة البحرية الأمريكية نبأ سار يقول بأنهم إستولوا على ” مايعتقد ” بأنه مقر لحركة طالبان جنوب “مارجه ” وقالوا بأنهم وجدوا فى المقر المشتبه به صورا لمجاهدين و (شهادات تخرج ) من معسكر فى باكستان!!! .

وقائد قوات المارينز فى أفغانستان ” يؤكد” أن قواته مع الجيش المحلى سيطروا على الطرق والجسور الرئيسية والمراكز الحكومية فى مارجه .

هكذا وكأن عملية العزو كانت لدولة عظمى لها شبكه طرق وجسور رئيسية وأخرى فرعية ومقار حكومية ـ وليست قرية من بيوت طينية وطرقات متربة وقنوات رى متواضعة .

وحتى لو صدق قائد المارينز ـ ولم يكن كالعادة يضخ بأكاذيب جديدة فى ماكينات البنتاجون للحرب النفسية ـ فأى نصر هذا الذى يحرزه أقوى جيش وأكبر حلف عسكرى ضد قرية أفغانية صغيرة لم يكد العالم يسمع عنها شيئا قبل تلك الحملة الضارية ؟؟ .

لا شك أنه نصر ـ لو حدث ـ ماكان غير وصمة عار على جبين قادة الغرب وجيوش الناتو . ولا يعنى ذلك النصر ـ إن حدث ـ أن مشكلة أمريكا والناتو قد إنتهت فى مارجه ناهيك بهلمند، ناهيك عن باقى أفغانستان.

لأن الأصعب من مشكلة الوصول الى “مارجه ” هو البقاء فيها . لأن مجاهدى هلمند وباقى أفغانستان تكاد أنفاسهم الحارة تذيب ثلج الشتاء كى يبدأ الربيع بعمليات الإنتقام والرد عمليا على الإستراتيجية الجديدة لأمريكا والناتو بعد زيادة قواتهم إلى مايقارب 150 ألفا .

إذن فلا بد للمعتدين أن ينتهوا من برنامج “مارجه” قبل الربيع ، أو كما قال الجنرال لارى نيكلسون القائد الأمريكى الميدانى بأن الأمر يتطلب عدة أسابيع قبل الإستيلاء على “مارجه”.

إذن دولة “مارجه” العظمى يجب إخضاعها قبل الربيع . ودخول المعتدين الى “مارجه” ـ إذا ماحدث وليس هناك ما يمنع من حدوثه فى ظل موازين القوى ـ لا يعنى زوال التحدى الحقيقى لإستمرارية الإحتلال وما سوف يتعرض له من نزيف دائم . فالمنتظر هو توسع رقعة القتال مع حلول الربيع إلى نطاقها الأقصى بحيث يصعب تخيل أن قوات الإحتلال سوف تتاح لها مرة أخرى مثل هذه الفرصة ، بشن حملة ضخمة على قرية صغيرة فى ظل هدؤ نسبى يفرضه مناخ الشتاء القاسى على معظم أرجاء البلاد .

 تفكك حلف الناتو
والمعتقد أن أمريكا والناتو بعملية ” مارجه ” قد إستنزفا بالفعل آخر فرص المبادرة فى شن هجمات كبيرة والإستفراد بهدف صغير منعزل . كانت تجربتهم فى “مارجة” هزيلة بكل معنى الكلمة رغم أنها لم تنته الى الآن بشكل قطعى ، بل مازالت تدور بالصيغة الأستنزافية التى تستهلك طاقة الهجوم وترهق نفسيات المهاجمين .

 والأدهى من ذلك هو تفكك الناتو داخليا بعد تفشى التمرد المعلن والمكتوم على القيادة الأمريكية وتوريطها غير المبرر للأوربين معها فى المستنقع الأفغانى .

وكان الإنهيار المدوى قد وقع فى هولندا بسقوط حكومتها بعد أن إختلفت أحزابها التى تشكل الحكومة حول تمديد بقاء قوات بلادهم فى ولاية ” أرزجان ” الخطرة لمدة عام آخر زائد عن موعد الإنسحاب المقرر فى شهر أغسطس من هذا لعام ، رغم أن هولندا لا تمتلك هناك غير ألفى جندى فقط . وأخيرا مالت هولندا إلى الإنسحاب رغما عن الضغوط الأمريكية (الوقحة).

ومن قبلها إحتجت النمسا على الوقاحة التى تمارسها أمريكا عليها حتى تزيد من قواتها المقاتلة فى أفغانستان .

# ثم فرنسا التى رفضت أيضا زيادة عدد قواتها المقاتلة رغم الضغوط الأمريكية ـ وظهر أن لفرنسا أسيرين لدى الإمارة الاسلامية ، والمرجح أن لذلك تأثير كبير فى القرار الفرنسى وربما أن الإفراج عنهما فى مقابل الإنسحاب الكامل كان شرطا طرحته الإمارة الإسلامية على الفرنسيين .

# المعضله الأكبر فى أوروبا هو الدور المتعاظم للعسكرية الألمانية عبر ذريعتين أعدتهما أمريكا لإضعاف أوروبا ـ الأولى ضرورة إشراك ألمانيا فى (الحرب العالمية على الإرهاب) ـ والثانى إفتعال خطر “إرهاب إسلامى” يهدد ألمانيا فى عقر دارها فيكون ذريعة لعسكرة ألمانيا بدون إعتبار لإعتراضات الشركاء الأوربيين الآخرين .

وقلنا أن أفغانستان هى الساحة التى تنمو فيها نازية ألمانيه جديدة برداء ديموقراطى . فتمارس ألمانيا تنمية قدراتها العسكرية وإطلاق العنان لأجهزتها السرية بحجة تدريب الأجهزة الأمنية الأفغانية وأيضا لملاحقة تهديد “الإرهاب الإسلامى” الذى هدد ألمانيا من وزيرستان بأشرطة فيديو قامت لها ألمانيا الحكومية ولم تقعد .

وحتى ألمانيا مهددة أيضا بعدم إستقرار العلاقة أو حتى إنفراطها بين شريكى الحكم الإئتلافى بها.

 # وبالتوازى مع ألمانيا بدأت الفاشية فى إيطاليا تنتعش بدعم حكومى ورضا أمريكى مبطن. تمشيا مع التوجه الأمريكى بتلغيم أوروبا داخليا بتيارات متطرفة ومسلحة وفى قمة السلطة حتى تعود أوروبا إلى وضعها الطبيعى فى التاريخ موطنا للحروب المزمنة وعدم الإستقرار فى داخلها وفى العالم أجمع.

# وحتى بريطانيا بدأ التململ من حرب أفغانستان ينتقل من الشارع إلى صفوف الأحزاب الرئيسية التى تحكم البلاد عادة. فقد وعد الحزبان الأكبر بمراجعة إستراتيجية لسياسات البلد الخارجية والدفاعية بعد إنتخابات شهر مايو القادم. ومعروف أن الحرب فى أفغانستان تأتى على رأس القائمة. وأن الرأى الغالب هو للإنسحاب من أفغانستان بشكل مؤكد .

ولكن الخشية الكبرى فى بريطانيا هو من إنسحاب بريطانى يسبق الإنسحاب الأمريكى فتتصدع العلاقة بين البلدين والتى تعتبر رسميا أكسير البقاء بالنسبة لبريطانيا ودرعا دفاعيا لها. خاصة وأن مثل ذلك الإنسحاب سوف يؤدى إلى تفكك حلف الناتو وإنكشاف بريطانيا أمنيا. وأن تلك الكارثة تترافق مع الزحف العلنى والمبطن للنازية فى ألمانيا والفاشية فى إيطاليا، وبرعاية أمريكية أو رضى أمريكى مبطن.

# و لم تكن نظام كرزاى بعيدا عن مناخ التفكك الذى يسود دول الناتو والإتحاد الأوروبى بشأن أقغانستان. فرئيس مجلس الشيوخ فى كابل قدم إستقالته بدعوى إستشراء الفساد فى حكومة كرزاى وأنه قدم توصيات بهذا الخصوص تم تجاهلها. وهكذا قفز صبغة الله مجددى من سفينة الإحتلال الغارقة ربما ليكتسب فرصة اللحاق بالسفينة القادمة للإمارة الإسلامية الظافرة.

                    قائد هلمند يتكلم
وأفضل تقرير حول (مارجه) هو ما قدمه الملا عبد الرازق القائد العام للمجاهدين فى هلمند وهو تقرير يجب وضعه فى الإعتبار عند تقييم الوضع هناك ومتابعة تطور الأحداث . وهذا ما سوف نحاول فعله فيما يلى.

الهدف من المعركة
يرى القائد عبد الرازق أن هدف المعركة هو معنوى ودعائى فى الأساس ، وأن مناطق واسعة من هلمند واقعة فى أيدى المجاهدين وسيطرتهم الكاملة ولا يستطيع العدو دخولها. وقد عجز العدو الأمريكى عن دخولها فى حملته المشتركة الكبيرة مع البريطانيين وجيش كرزاى فى يوليو الماضى والتى أسماها (مخلب النمر) و(الخنجر) وكانت بلا نتيجة.

 و منطقة (مارجه) صغيرة جدا ومحددة، وهى جزء من مديرية (ناد على) وليس لها قيمة استراتيجية خاصة . ولكن العدو من خلال حملته الإعلامية يصورها على أنها مركز قيادى ضخم للمجاهدين فى جنوب وغرب البلاد وأن الهدف من ذلك هو نفخ صورة الجنرال ماكرستال ولو بالاستيلاء على قرية صغيرة فى هلمند .
وأن للعدو أهدافا معنوية داخل بلاده تهدف إلى إعادة ثقة تلك الشعوب فى جيوشها ولو بنصر صغير يتم تضخيمه والمبالغة فى أهميته .
ويقول القائد عبد الرزاق أن العملية لو كانت حقيقية لإستهدفت مناطق أخرى من هلمند ذات أهمية استراتيجية أكثر من (مارجه) التى هى عبارة عن منطقة صغيرة فى أحد المديريات .

تكتيكات المجاهدين فى (مارجه )
يقول الملا عبد الرازق أنه سيبوح فقط بجزء من تكتيكات المجاهدين فى (مارجه) والتى تهدف الى دك العدو ومحاصرته فى المنطقة . ونلفت النظر بقوة إلى كلمة “محاصرة” .
ويكشف من تلك التكتيكات مايلى :
1 ـ تلغيم جميع الطرق الرئيسية والفرعية المؤدية إلى (مارجه) .
2 ـ تجهيز مجموعات إستشهادية فى أماكن الإحتشاد المحتمله لقوات العدو .
3 ـ إستخدام الأسلحة الثقيلة لضرب الأهداف المتحركة .
أما أساليب (الكر والفر) فيقول القائد عبد الرزاق أنها مفيدة جدا وجنى المجاهدون منها ثمارا جيدة . وأن تضاريس (مارجه) وقنواتها تساعد على ذلك، وأن هناك أماكن آمنة تجهز فيها الكمائن والهجمات المفاجئة يخرج منها المجاهدون ويعودون إليها .
ويضيف القائد أن الدفاع عن (مارجه) يساهم فيه جميع مجاهدى هلمند وذلك بإستهدافهم القواعد العسكرية الثابته والقوافل المتحركه على طرق الولاية ويفجرون عليهم الألغام الموقوته من جوانب الطرقات .

يقول القائد عبد الرزاق أنه فى الأيام القليلة الأولى من معركة (مارجه) قتل العشرات من جنود العدو فى هجمات فى مناطق أخرى حول مارجه . وقد خسر العدو عدد من الآليات وكاسحات الألغام وأن عدة محاولات هجوم على (مارجه) تم تحطيمها وإجبار العدو على التراجع.

 وبعد صدور تلك توضيحات من الملا عبد الرازق بعده أيام صدر بيان عن الإمارة الإسلامية حول خسائر العدو فى هجمات (مارجه) نفسها. فقال البيان أن عدد المجاهدين المدافعين عن (مارجه) يقدرون بألف مجاهد ، ولم يذكر البيان عدد من يدافعون عن “مارجه” من خارجها وفى باقى مناطق هلمند . ويلاحظ البيان أنه فى 15 حملة كبيرة للعدو على مناطق هلمند بما فيها حملته الحالية على (مارجه) لم يتمكن العدو من توسيع سيطرته على مديرية واحدة فى الولاية بشكل ثابت .

ونشير هنا إلى أهمية “الدفاع الخارجى” عن ” مارجه” أو أى منطقة مستهدفه أخرى . وهو دفاع يترصد قوات العدو المتقدمه نحو الهدف ويهاجم جنباتها والمؤخرة، ويوقع بها الخسائر ويضعف معنوياتها وزخم هجومها .

فذلك ما تقوم به باقى مناطق هلمند للدفاع عن “مارجه ” . وهو ما قامت به ولايات أفغانية كثيرة لضرب مراكزالعدو فيها لتشتيت مجهوده العسكرى أثناء حملته الكبرى على هلمند فى يوليو 2009 أى حملة “مخلب النمر” ” والخنجر” السابق ذكرها .

كابوس الحصار
يهاجم العدو قرية ” مارجه” يتفوق عددى مقداره 15 إلى واحد .
ومع ذلك يلجأ العدو إلى الهجمات الليلية فى محاولة لتقليل خسائره  بالتقليل فى كفاءه كمائن المجاهدين بسبب صعوبة الرؤية ليلا، بينما يمتلك جنود العدو مناظير رؤية ليلية.
ومنذ الأيام الأولى لمعارك “مارجه ” إتبع العدو هذا التكتيك وأنزل قواته المحموله جوا فى منطقة (لوى جار راهى ) ولكن المجاهدين إنتبهوا إليهم وهاجموهم على الفور وشلوا قدراتهم على الحركه فى أى اتجاه ـ وذلك حسب قول القائد عبد الرازق .

 وقد أكد ناطق رسمى بإسم الإمارة الإسلامية أن القوات الأجنبية التى نزلت بالمروحيات تم تطويقها ودعى وسائل الإعلام للذهاب الى “مارجه” للوقوف على الوقائع الميدانية .
ويبدو أن عملية التطويق هذه هى التى أدت بشكل جوهرى إلى تحويل مسار العملية وجعلت العدو بدلا من محاولة إقتحام “مارجه” أصبح شاغله الشاغل هو فك الحصار عن جنود قواته الخاصة المحمولة جوا فى ( لوى جار راهى) . وإلا فإن الحل الأوحد هو إبادتهم بالقصف الجوى حتى لا يقعوا أسرى فى يد المجاهدين ، بما يعنيه ذلك من تأثير عسكرى ونفسى وسياسى بالغ الخطورة.

 وقد سبق للعدو/ عدة مرات/ تدمير قواته المحاصرة عن طريق القصف الجوى فى محافظة هلمند. ولكن تطورات عملية الحصار الحالى لم ينكشف النقاب عنها حتى الآن. ومن غير المعروف مصير الجنود المحاصرين . ولكن الحصار على أى حال ترك أثرا واضحا على سير المعارك على الأقل من حيث ضعف الهجوم وتشتته وطول أمده بلا نتيجه حاسمة.

فشل سلاح الكلاب
فى اللقطات القليلة التى وزعها إعلام العدو عن معركة “مارجه” شوهد جنديا يصطحب كلباً على طريق ترابى تستخدمه قوات الاحتلال .

واضح أن تأثير الكلاب كان ضعيفا فى كشف العبوات الناسفة على مجنبات الطرق والألغام المدفونه فى الطريق . ذلك لأن الخسائر فى المركبات لم تكن بسيطة وكذلك فى جنود المشاة. كذلك كان دور الكلاب ضعيفا فى الكشف عن كمائن المجاهدين وفضحها .

وقد كان متوقعا لدى البعض أن إستخدام الكلاب بشكل مكثف فى العمليات الأرضية بهدف كشف كمائن المجاهدين ربما يصبح ذو قيمة استراتيجية فى مثل تلك المواجهات بين جيوش متطورة وقوية وبين قوات مجاهدين تتبع أساليب حرب العصابات فى الدفاع عن أراضيها .

وأن الساحات المرشحة لتفعيل ذلك التطور ستكون هلمند أولا ثم جنوب لبنان وغزة فى أى حرب قادمة.
ومن الواضح حتى الآن أن الكلاب الأمريكية لم تلعب ذلك الدور فى معركة “مارجه” بالشكل الذى كان متوقعا . إذن لم تحقق الكلاب المفاجأه التكتيكية المنتظرة .
بينما أدت ألغام المجاهدين والعبوات الناسفة على جوانب الطرق الدور المطلوب منها تماما. أما الكمائن فقد كانت أكثر توفيقا فى “مارجه” منها فى أى مكان آخر نتيجة لطبيعة الأرض الزراعية وقنواتها المائية وما توفره من سواتر تحجب حركة المجاهدين الذين نفذوا بنجاح الكثير من عمليات إلتفاف وتطويق وضرب القوات الأجنبية المعادية من مختلف الإتجاهات .

وقد عبر عن ذلك عسكريين كبار فى بريطانيا بقولهم ان عمليات “مارجه” لم تؤثر فى قوة طالبان بل أن هجماتهم زادت شراسة . وهم هنا يعنون الكمائن بشكل خاص .

                هلمند من منظور استراتيجى
من أهم ما جاء فى حديث القائد الميدانى الملا عبد الرازق هو الجانب الاستراتيجى لولاية هلمند . ورغم خطورة ذلك الجانب إلا أنه قليلا ما يتطرق إليه أحد ، ويتغافله العدو عن عمد ويحاول صرف الأنظار عنه . فمن الواضح تماما أن مركز الثقل فى الحرب كلها هو إقليم هلمند ، بينما مركز الثقل فى الحرب السوفيتية على أفغانستان كان ولاية باكتيا لموقعيتها كولاية حدودية لها ممرات طبيعية كثيرة مع باكستان حيث منابع الإمداد بالسلاح والمهمات . الآن وقد أصبحت باكستان فى ظل حكامها الجدد جزء من الحرب على أفغانستان وحليفا لجيوش العدوان ، فإن باكتيا فقدت أهميتها السابقة وأصبحت هلمند هى مركز الثقل نظرا لطبيعة الأهداف التى يتبناها الأمريكيون فى حربهم على أفغانستان والمنطقة .

وذلك ما يشير إليه الملا عبد الرازق بقوله أن هناك أسبابا عسكرية وسياسية وأمنية وإقتصادية تقف وراء إهتمام الأمريكين والبريطانين بولاية هلمند ، ويذكر منها:

1 ـ من ناحية الموقع يقول بأن قرب هلمند من الحدود الإيرانية كانت من دواعى الإهتمام . وذلك لرغبة الأمريكين والبريطانيين بأن يكون لهم مراكز عسكرية وتجسسية حتى يتمكنوا من مراقبة وتهديد إيران ومنشآتها .

2 ـ دور مافيا المخدرات الأمريكية والبريطانية فى توسيع زراعة الأفيون تصنيع الهيروين حتى أصبحت هلمند من أكبر مراكزه فى العالم. وأن المحتلين يسعون للسيطرة التامة على هلمند لتكتمل سيطرتهم على إنتاج المخدرات والهيروين .
ويقول أيضا أن تهريب المخدرات من هلمند يتم بواسطة الطائرات البريطانية إلى خارج أفغانستان وانهم يجنون من ذلك أرباحا خيالية .

3 ـ لولاية هلمند ميزة الحدود المشتركة مع إقليم بلوشستان الباكستانى الذى يقام فيه ميناء جوادر البحرى الضخم بالتعاون مع الصين . وهذا الميناء سيكون مرتكزا لتموين وإمداد القوات الأمريكية والبريطانية فى هلمند . أى أنه تقريبا سيكون ميناءاً بحريا خاصا بهلمند .
لذلك الميناء أهمية لتنفيذ الأهداف الأستراتيجية لأمريكا فى منطقة آسيا الوسطى .
ولا شك أن نهب بترول آسيا الوسطى ونقله فى خط أنابيب ينتهى فى ميناء جوادر حيث تنتظره ناقلات النقل العملاقة هو محفز إقتصادى استراييجى يزيد من أهمية السيطرة على هلمند لتأمين أنابيب نقل الطاقة .

4 ـ اليورانيوم عنصر استراتيجى هام يجذب المحتلين إلى هلمند . وفى مديرية سنجين يقوم البريطانيون ( حسب الملا عبد الرازق ) بعمليات إستخراج سريعة وغير قانونية لخام اليورانيوم . وقد جلبوا إلى المنطقة آلات حفر ضخمة ، وتتواجد طائرات النقل هناك بشكل دائم .

5 ـ الأهمية المعنوية لولاية هلمند لا تقل عن أهميتها الإستراتيجية وتلك الولاية إضافة إلى ولايتى أرزجان وقندهار قد خرجت منها قيادات الإمارة الإسلامية . ويهدف المحتلون الأمريكيون والبريطانيون إلى السيطرة على هلمند ومنها يسطرون على قندهار وأزجان ليتمكنوا من شل الإمارة الإسلامية وباقى أفغانستان .

 قرية مارجه العظمى
نعود إلى الدور العالمى لقرية “مارجه” العظمى التى أصبحت نجماً دوليا يعكس عظمة جهاد الشعب الأفغانى وإمارته الإسلامية. كما يعكس حالة الضياع فى المعسكر الغربى الذى تقوده الولايات المتحدة إلى التفكك السياسى والإفلاس الإقتصادى . وتسير به نحو سراب الأمنيات مستحيلة التحقيق . وكأن عظمة الغرب وإستمرار هيمنته على العالم أضحت متوقفة على إخضاع أفغانستان، ذلك الإخضاع الذى يمر عبر بوابة هلمند تلك الولاية فائقة الأهمية فى إستراتيجية الحرب الحالية والتى تمكنت إحدى قراها الصغيرة المجهولة وهى”مارجه ” من كسر هيبة الولايات المتحدة وحلف الناتو .

وما هى إلا أسابيع قليلة ويبزغ ربيع أفغانستان ، وتنهض من تحت الثلوج وصقيع الشتاء 385 مديرية فى كل واحدة منها مئات من قرى الجهاد والمقاومة مثل “مارجه” وأكثر .

بقلم :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world