كيف تصنع 3 حروب فى 30 دقيقة ؟؟ رساله إلى أخى الشيخ سعيد فى أفغانستان

0

 تحدث الأخ العزيز “الشيخ سعيد” مع قناة الجزيرة فى شهر يونية 2009 فى لقاء له مع الزميل المتميز أحمد زيدان، حديثا مشوقا. كان أجمل ما فيه أنه طمأننا على سلامتة. وقد كان الباكستانيون قد أذاعوا منذ أشهر نبأ عن إستشهادة. كما طمأننا على سلامة الإخوة الأعزاء أبوعبدالله وأيمن الظواهرى، نسأل الله لهم ولجميع المجاهدين السلامة والنصر.
وكما أعجبنى حديث “الشيخ سعيد” وهو الرجل الهادئ دمث الخلق، عجبت من سرعته فى إعلان الحروب على الهواء مباشرة. فلم تكد تمضى ثلاثون دقيقة حتى وجدته قد أعلن ثلاث حروب خطيرة. والحروب دائما شيئ خطير مهما كان وزن العدو المقابل، فماذا عن إعلان حرب على ذوى الأوزان الثقيلة؟.
وحروب تعلنها القاعدة هى بلا شك أمر عام وهام، يهم جميع المسلمين، لذا سمحت لنفسى أن أطرح وجهات نظرى حول تلك الحروب وحول نقاط أخرى وردت فى الحديث، وذلك بصفتى أحد أفراد هذه الأمة أولا ثم بصفتى صديقا قديما، ومازلت كذلك، ثانيا.

             1 ـ   حرب نووية على أمريكا
الحرب الأولى كانت حربا نووية ضد الولايات المتحدة ، فى حال تم سيطرة
طالبان باكستان” على حكم البلاد والحصول على الأسلحة النووية الباكستانية.
سأطرح هنا ثلاث أسئلة، وسأقترح لها من عندى ثلاث إجابات.
ـ ماهو موقف شعب باكستان من مشروع حرب نووية تشنها حكومة قادمة
لبلاده ( طالبان والقاعدة) ضد الولايات المتحدة ؟؟.
الإجابة بكل بساطة هى أن ذلك الشعب سيبذل كل طاقته لمنع مثل هذه الحكومة من الوصول إلى السلطة، لأنها تقدم مشروعا لدماره الشامل فى حرب نووية مع أكبر دوله لها أكبر ترسانة نووية فى العالم.
ـ ماهو موقف دول المنطقة والعالم من “حركة إسلامية” تريد الوصول إلى الحكم
بمشروع حرب نووية بأسلحة موجودة بالفعل على أراضيها ؟؟.
الإجابة هى أن جميع الدول سوف تصطف فى برنامج واحد لمنع هذه القوة من الوصول إلى الحكم ، ولو إستدعى ذلك إرسال جيوشها إلى القتال ضدها على الأرض.
ـ ما هو موقف الولايات المتحدة من ذلك التهديد؟ .
لاشك أن ذلك التهديد يسعدهم ولا يخيفهم. فهو يعطيهم مساندة معنوية وسياسية هم فى مسيس الحاجة إليها. لقد فقدوا معظم مالديهم من مصداقية. وحروبهم على بلادنا ظهرت حقيقتها كحروب عدوان للسيطرة على الموارد، تصادرها بالقوة وتصادر معها الحريات والأرواح. وفجأة تجئ هذه المساعدة (غير المتوقعة) وتظهرهم بل وتظهر دول العالم معهم فى موقف الدفاع عن النفس ضد قوى تريد تخريب وتدمير العالم. لابد إذن من أن ينضوى العالم كله فى الحرب الأمريكية على الإرهاب، التى تجلت مشروعيتها فى هذه التصريحات. فهل مثل هذه التصريحات تغضب أمريكا أو تخيفها ؟؟.

2 ـ حرب على إيران

الحرب الثانية كانت على إيران. والمبرر كان:
أنها دولة غير إسلامية، وأنها تحارب أهل السنة فى كل مكان ، وأنها دولة شقاق.
ثم أضاف صديقنا العزيز أنه سيضرب إيران فى الوقت المناسب.
وهنا نحتاج إلى إستفاضة أكبر لأن العداء للشيعة وإيرن أصبح برنامجا دوليا لتحويل إتجاه العداء فى المنطقة من إسرائيل وأمريكا إلى الشيعة وإيران. وذلك ليس سرا بل هو برنامج مطروح علنا وبكل وقاحة. فالمنطقة والمسلمون بشكل عام مطلوب منهم أن يأكل بعضهم بعضا تاركين لعدوهم مهمة أكل الجميع بدون مجهود يذكر. ذلك أن العدو قد إستفذ معظم طاقاته الذاتية ويريد توفير ما تبقى منها. إذن فلتمارس ضحاياه مهمة الإفتراس الذاتى لنفسها.
هذا البرنامج السهل الممتنع لايكلف العدو سوى بضع مئات من ملايين الدولارات، ينفقها على برامج التحريش والتحريض والوقيعة وتصنيع الفتن وشراء الذمم وإصطناع الحوادث وتضخيم وتهويل المشاكل والخلافات ، وإحياء كل ظلمات الماضى وبعثها من القبور وإعادة عرض التاريخ القريب منه والبعيد بمنظور إنتقائى يراعى شيئا واحدا: هو بعث الفتنة بين المسلمين.
هناك خلافات وإختلافات بين السنة والشيعة وبين إيران وجيرانها .. نعم هذا صحيح. ولكن هناك أيضا لقاء على أساسيات الدين ومصالح الدنيا أكثر بكثير جدا من كل خلاف.
ـ أخى العزيز .. إذا كنت تتوعد إيران بالحرب عندما تسنح لك الفرصة، فلماذا تظن أن على إيران الإنتظار حتى تستقر لك الأوضاع وتوجه إليها ضرباتك؟؟.
هذا التهديد يعطى حكومتها تغطية كافية داخليا وخارجيا كى تشن حربا إستباقية حتى تمنع حلفاءك/ حركة طالبان/ من الوصول إلى الحكم. وهو ما ترغب فيه أمريكا بشدة وتسعى إلى توريط إيران فيه منذ مجزرة مزار شريف (حادثة بيرل هاربور لعام 1998) . وإيران إن فعلت فربما أزيلت الكثير من العقبات الأمريكية بالنسبة لبرنامجها النووى. و الباقى يتعلق بموقفها من إسرائيل.
إذ لم يكن فى الإمكان تحسين موقف إيران من حركة طالبان فلا داعى لجعله أسوأ. فموقفها الآن محدود بالدعم المالى والسياسى لنظام كرزاى، وذلك سيئ جدا بالطبع، ولكنه مازال أفضل من إرسال قوات فى أطار دولى أو فى إطار إقليمى كما لمح الرئيس نجاد بشكل مبطن فى مناسبات عديدة.
فلماذا ندفع من جانبنا الأمور إلى الأسوأ بدلا من دفعها إلى الأحسن ؟؟.
ـ هذا التهديد بالحرب يبدو منسجما من عدة وجوه مع رؤية أمريكية للمنطقة فى حال إنسحاب قوات الإحتلال من أفغانستان. هذه الرؤية تفضل إغراق افغانستان والمنطقة فى حرب طائفية تأكل الأخضر واليابس من قدرات شعوبها، ولكن تبقى الباب مفتوحا لتواجد أمريكى طويل المدى وبأقل التكاليف، لأن شعوب المنطقة ستدفع كافة التكاليف وزيادة ( ألم يكن ذلك هو ما حدث فى العراق بالفعل، وبأيدى أبناء العراق والقوى الصانعة للفتنة فى المنطقة ؟؟).
أكثر الحلول قربا وسهولة هو (عرقنة) أفغانستان .. فهل ستكون القاعدة هى حامل لواء تلك الخبرة المذهلة إلى أفغانستان؟؟. وهى إن فعلت / ونرجوا أن لا تفعل/ فلن تكون لوحدها فى تلك الساحة، فهناك العديد من القوى التواقة منذ زمن إلى ذلك الدور.
سؤال آخر وأخير حول هذه النقطة:
هل وافق (أميركم) الملا محمد عمر على تلك الحرب المعلنة مسبقا على إيران؟؟.
وبما أنكم تعملون “رسميا على الأقل” تحت إمرته وبين صفوف مجاهديه، ولكم إعتبار عالي فى الساحة الدولية، أى أنكم لستم مجاهدين عاديين، فهل تم إعلان الحرب هذه بعد التشاور مع “أمير المؤمنيين”،  أم أنكم لا ترون ضرورة لذلك، وأنكم ما زلتم تمتلكون الحق فى إعلان الحروب وعقد إتفاقات السلام من فوق أرض أفغانستان وبدون الرجوع إلى أحد حتى لو كان بدرجة “أمير مؤمنين” ؟؟.
وهل نحن فى أنتظار 11 سبتمبر أخرى قادمة بعد رحيل الأمريكيين، وربما حتى قبل ذلك؟؟. بمعنى آخر: هل ما زالت سياسة التوريط معتمدة لديكم،وأنكم بواسطة تلك السياسة التى أثبتت فاعليتها فى 2001 ، ستظلون أصحاب الحل والعقد فى أفغانستان ؟؟. وهل تعلمون عواقب ذلك عليكم وعلى الجميع ؟؟.
هذه الأسئلة أرجو أن يكون لها إعتبار لديكم، ولا تأخدوا الأمور بهذه الخفة، فأنتم فى منطقة جدها جد وهزلها جد.

قلتم أخى العزيز أن ( إيران “دولة” شقاق). فهل يعنى ذلك أن صف الدول الإسلامية متحد ولا ينقصه سوى أن تنتظم “دولة” إيران فى ذلك الصف الرائع؟؟.
أقول لك أن الصف الرسمى الإسلامى متحد فعلا على شيئ واحد ومختلف على كل ما سواه. الإتفاق هو على قهر الشعوب والزحف الحثيث صوب إعتراف جماعى وتطبيع شامل مع إسرائيل. المنفذ سيكون عبر إعتراف جماعى من منظمة المؤتمر الإسلامى يأتى فى أعقاب إعتراف شامل من جامعة الدول العربية. وهو قرار ينتظر الظروف المواتية، وبالأحرى وصول الضعف والتفكك الشعبى العربى والإسلامى إلى درجة معينة تسمح بإختراق جدار المستحيل. وهذا ليس بالمستحيل، مالم تحدث طفرة إسلامية شعبية وهو أمر ممكن جدا. أو أن يحدث إنهيار درامى فى الوضع الأمريكى أو الإسرائيلى أو كليهما، وهذا أيضا أكثر إحتمالا من سابقيه.
من المعروف أن إيران لو أبدت إستعدادا واضحا للسير فى هذا الطريق، طريق الإعتراف بإسرائيل، لإنفتحت أمامها كافة سبل السعادة. ولأصبح لها برنامجا نويا مسكوتا عنه كما لباكستان.
هذا هو الباب السحرى أمام إيران/ إضافة إلى البوابة الأفغانية التى تحدثنا عنها/ ولكن إيران ما زالت تمانع وتشق الصف الإسلامى فى تلك النقطة تحديدا.
فهل من مصلحتنا إعادتها إلى ذلك الصف المنحرف كى تكتمل علينا المصيبة؟؟.
لاشك أن إيران “الدولة المنشقة” أفضل لنا ولجميع المسلمين من إيران تلك “الدولة الملتحقة” بصف العار والخيانة، كما كانت فى عصر ” الشاة” السابق أقوى حلفاء إسرائيل فى زمانه. أو كما هى تركيا ذات الإسلام الحداثى الآن وإسلام الخلافة سابقا، والتى تعمل فى مجال ( القوادة السياسية) حاليا لمراودة وجلب العرب المتمنعين إلى وكر رذيلة الصلح مع إسرائيل.

قلتم: ( إن إيران تتظاهر بالإسلام، وتحارب المسلمين وأهل السنة فى إيران والعراق، وساعدوا الأمريكان فى دخول أفغانستان والعراق بالميليشيات التى إرتكبت المجازر، وسجنوا مجاهدينا. بيننا وبينهم عداوة لما يفعلونه بأهل السنة، ولا إتفاقات أو مصالح مشتركة، ونحن فى إنظار الوقت المناسب للقيام بعمليات فى بلادهم).
هذا كلام هام جدا. ويحتاج إلى تفكيك حتى نتلمس طريقنا خلاله.
أولا: مسألة (التظاهر بالإسلام) تعنى أن هناك معيارا واحدا لفهم شامل للإسلام متفق عليه بين المسلمين. وهذا غير صحيح حتى داخل كل فريق إسلامى على حدة. ولاتنسى أن قطاعا كبيرا من المسلمين السنة لم يعجبهم نظام الإمارة الإسلامية ونعتوه بأنه “غير إسلامى”.
وبالنسبة لنظام الحكم فإن الوسيلة الأسلم للحكم عليه هو تطبيقه لقوانين الإسلام التى لاخلاف عليها. ثم تحقيقه لمصالح مواطنيه الأساسية. وهذا مبدأ عام فيه تفاصيل كثيرة.
ثانيا: مواقف إيران من العراق وأفغانستان وحتى أهل السنة داخل أراضيها لاينبغى النظر إليها بإعتبار إيران (دولة شيعية) بل الأصوب هو النظر إليها كإيران (الدولة) فقط. فذلك الكائن العجيب المسمى “دوله”، له قوانينه الغالبة بصرف النظر عن أى هوية دينية أو أيدلوجية أو سياسية. فطبيعة الدولة أقوى من كل ذلك ومسيطرة عليه. والدولة لاتظل ملتزمة/ تمام الإلتزام/ بما أنشئت عليه من مبادئ وقيم ومثاليات. حتى تلك الدول التى أقامها أنبياء لم تلبث مع الوقت أن تخلت تدريجيا عن مثالياتها الأولى، حتى تحولت فى النهاية إلى مجرد دولة تحتكم إلى القوانين الطبيعية لكيان الدولة، من حيث هى دولة، وفى مقدمتها البحث عن القوة والتمكين والتوسع.
“إبن خلدون”، ذلك العبقرى فى علم “الإجتماع السياسى” رأى فى العصبية الدينية وسيلة فعالة فى إقامة الدول وفى طول عمر إستمراريتها. وأنه حتى تلك الدول لاتلبث أن تعمل بالتدريج خارج مبادئها ومن أجل التمكين والتوسع والإستعلاء، الذى ما أن تنجح فيه، حتى تخرج من مرحلة الخشونه والبداوة والمثاليات، وتدخل مرحلة الإستمتاع بالثروة ومباهج الحكم ، وتبدأ بذلك مرحلة الأفول والتفكك.
ونعود إلى إيران فنقول أنه لو كانت هناك دولة سنية فى نفس المكان لأرتكبت نفس ما نرى أنه أخطاء، وربما أكثر أو أقل، يعتمد ذلك على نوع المصالح من وجهة نظر تلك الدولة وليس من وجهة نظر ما تعتنقه من مذهب.
ولنقارن طريقتنا تلك فى القياس، عندما نتكلم عن السعودية ودول الخليج ومعظم الدول العربية وما ترتكبه يوميا من جنايات فى حق موطنيها من أهل السنة، وهم أغلبية المواطنين.. فنرى أننا نتهم هذ الحكومات بعينها ولا نتهم ما تعتنفه من مذهب/ كما نفعل دوما مع إيران/ ولو أننا مارسنا نفس الأسلوب فى إتهام مذهب كل دولة لما بقى هناك إسلام على وجه الأرض.
ونفعل ذلك مع الأفراد والجماعات، فالجناية أو المخالفة نعيدها إلى عين صاحبها فقط إذا كان سنيا. أما إذا كان شيعيا فإننا نوجه الطعن مباشرة إلى عين المذهب.
وهكذا غاب الإنصاف تماما عن ساحتنا الإسلامية ولا يكاد يوزن به عدو أو صديق. وهكذا أحيينا فساد ذات البين فيما بيننا. وهو ما وصفه رسولنا الكريم (بالحالقة) التى تحلق الدين وقد “حلقنا” لأنفسنا بما فيه الكفاية حتى لايكاد يرى إلا القليل فى رؤوسنا.
ثم هناك “الحوار” بالتشهير والسخرية والتجريح ، خارج نطاق العلم أو الأخلاق. وذلك أسلوب رخيص جدا ومتاح لكل من تسمح له نفسه بإقترافة. ويمكن إستخدامة ضد جميع المذاهب والعلماء والشخصيات بدون إستثناء. ولو أن ذلك حدث وأصبح هو القاعدة ما بقيت هناك كرامة لعالم أو لمذهب أو لدين.
ولكن لحسن الحظ أن الذوق العام يمقت ذلك الأسلوب. ويسقط مستخدميه من الأعين فيعجزون عن إكتساب العقول . وإن كانوا ينجحون أحيانا فى إثارة قدر من الضغينة والحقد بين عوام الناس.
ونعود إلى مشكلة أهل السنة فى إيران فنقول أن كل أقلية فى أى دولة تشكل مخزنا لتوترات قائمة أو كامنة. وهذه مشكلة تشتد وتهدأ ولكن لاتزول. وذلك صحيح فى كل الدول ومهما كان نظام الحكم. ونظرة حولنا تظهر ذلك بوضوح.
وهناك أسباب لتفاقم مشكلة أى أقلية خاصة أذا تم إستغلالها من قبل قوة خارجية فى إحداث توترات ومشاكل داخل أوطان تلك الأقليات. وهذا قائم فى العديد من دول العالم حتى لو كانت كبيرة وعملاقة مثل الصين (مع أقلية الإيغور المسلمة). وكل أقلية تكون معرضة لتعديات داخلية على حقوقها، ومعرضة لإستغلال خارجى. وهنا تلعب قيادت تلك الأقليات دورا هاما فى إختيار المسار الصحيح لجماعتها بما يحقق أكبر قدر من المصلحة ويجنبها الكوارث التى قد تحيق بها.
و”أهل السنة” فى إيران تسرى عليهم نفس القواعد. قد لايكونون فى وضع مثالى ولكنهم بالتأكيد ليسوا فى الوضع الأسوأ بالقياس إلى دول المنطقة التى يشكل “أهل السنة” فيها أغلبية. ولننظر مثلا إلى تعامل دولة سنية مثل باكستان مع مواطنيها من السنة فى وادى سوات وفى وزيرستان فهل يمكن مقارنة ذلك مع أوضاع الأقلية السنية فى إيران ؟؟…
ومن المفروغ منه أنه إذا تحسن وضع أهل السنة فى البلاد العربية تحديدا فسوف تتحسن أوضاعهم حتما، ليس فى إيران فقط بل فى كل أرجاء العالم، حيث أن حقوقهم مهضومة فى كل الدنيا نتيجة لإنهيار أوضاعهم فى المنطقة العربية تحديدا. ومن غير المنطقى تشجيع “هل السنة” على حمل السلاح فى وجه حكومة إيران، فهذا قد يخدم مصالح دول كبرى فى العالم ولا يخدم أهل السنة فى شيئ. بل يعرضهم لعمليات قاسية من جانب نظام قوى لدولة ترى نفسها ملزمة بفرض القانون والنظام. فتكون معاناة أهل السنه مضاعفة فى إيران كما كانت منذ قليل فى الصين. والغيرة الحقيقية على مصالح أهل السنة فى أى مكان يكون التعبير الحقيقى عنها هو”أسلمة” نظم الحكم فى المنطقة العربية، فهى القلب النابض للإسلام. أما الجبن أو العجز فى ميدان المعركة الرئيسى فلايجب أن نعوضه بوضع السلاح فى يد الأقليات السنية فى دول قوية ( مثل الصين أو إيران) فنعرضها لما هى فى غنى عنه، ولا تحتاجه سوى أمريكا فى برنامجها للسيطرة الكونية. فمأساة المسلمين فى العالم لايمكن حلها قبل حل مشكلة المسلمين فى المنطقة العربية التى هى قلب الإسلام ( المتوقف عن العمل).
أم أن الجهاد عندنا ما زال بضاعة للتصدير إلى خارج المنطقة العربية عموما و المملكة السعودية خصوصا؟. فحتى المعركة الجهادية التى أعلنها الأخ العزيز أسامة بن لادن لتحرير الحرمين الشريفين، لم يتحمل مسئوليتها العرب بل تحملها الأفغان، بينما كانت وما زالت الطائرات الأمريكية التى تقتل الأفغان( والعراقيين) تدار من الأراضى السعودية.
ملخص الأمر أنه على العرب مسئوليات ضخمة مازالوا معرضين عن تحملها. ومن الظلم تحميل كل شيئ على عاتق المسلمين خارج المنطقة العربية أو الأقليات المسلمة فى العالم فنعرضها للإبادة، بينما شعوبنا تلهو بكرة القدم أو تتابع ما يحدث من فواجع للمسلمين عبر شاشات الفضائيات.

أما كلامك ،أخى العزيز، عن دور إيران فى التعاون مع الأمريكيين فى إحتلال أفغانستان وإخضاع العراق فذلك شيئ نتفق عليه بلا تحفظ ، بناء على إعترافات الرئيس السابق خاتمى وبناء على لقاءات التنسيق الأمنى بين الجانبين فى عهد الرئيس نجاد. ودور خاتمى ما زال هو الأخطر، حتى الآن، وبدون أن تحاكمة طهران علنا بتهمة الخيانة العظمى، فإن إيران ( الدولة) ستفقد مصداقيتها فى العالم ، وإيران ( النظام) ستفقد شرعيتها التى بنتها هلى أساس ثورة إسلامية معادية للإمبريالية الأمريكية.
أما الحديث عن أن إيران دفعت ميليشيا طائفية لقتل أهل السنة، فذلك قد يكون نصف الحقيقة . وقد يكون النصف الآخر لدى دول عربية دفعت هى الأخرى نحو إقتتال طائفى يحمى الجيش الأمريكى من ضربات المقاومة الموحدة لكل طوائف الشعب العراقى والتى تشكل خطرا أكبر على مصالح إسرائيل فى العراق. ولأجل تلك المصالح جاء الجيش الأمريكى إلى العراق وليس لأى مصالح أمريكية بما فيها النفط الذى لم يكن مهددا بأى حال.
وإذا كان هناك طرف فى العراق بدأ القتال على أساس طائفى، فإن ذلك لايعطى مبررا للطرف الآخر لأن يحول دفة القتال صوب الطائفية خاصة مع وجود قوات إحتلال على أرض الوطن. لذا أقول أن تنظيم القاعدة كان طرفا رئيسيا فى جريمة الإنحراف صوب الإقتتال الطائفى فى العراق، وذلك لايعفى الطرف الشيعى بأى حال سواء كان هو الطرف البادئ أو كان هو الطرف الآخر.
أما عن دور دول الجوار القريبة أو البعيدة فذلك دور منطقى نابع من (طبيعة الدولة) التى تميل إلى التوسع خاصة على حساب الجوار الضعيف أو المنهار كما فى العراق وأفغانستان. ومذهب الدولة أو نظامها السياسى يلعب دورا تابعا لتلك الطبيعة الإفتراسية المركبة فيها، وأعنى كل دولة يسكنها ويقودها بشر.
ولا أعلم حتى الآن دولة يسكنها ملائكة أو يحكمها أنبياء.

3 ـ حرب على حزب الله

عن حزب الله فى لبنان، قلتم: ( أنكم لاتعتبرونه حزبا إسلاميا فهو حزب
رافضى ولاؤه لإيران وليس لكم علاقة به).
أما قولكم ـ أخى العزيز ـ أنه حزب غير إسلامى، فهذا ما يخالفكم فيه معظم المسلمين بما فيهم قطاع من السلفية نفسها. كما أنه ليس من المناسب أن تظلوا ممسكين بأيديكم قدرة منح الصلاحية بالإسلام للمنظمات والدول والجماعات. فذلك دور لايوجد من هو مؤهل له/ منفردا / من بين المسلمين. خاصة مع تعدد المذاهب وتعدد المرجعيات وتنوع أحكامها حتى داخل كل مذهب. ولا يمكن لكم/أو لغيركم/ القطع بصحة إجتهاده الفقهى. فحتى عظماء المجتهدين من وزن الإمام الشافعى رضى الله عنه، كان يقول: ( رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب).
والقول بأنه رافضى فذلك قول غير صحيح إذا كت تعنى (الرافضة) بتعريفهم الموجود فى تاريخ الفرق الإسلامية، أما إذا كان ماتقول هو من باب التنابذ بالألقاب والذى يفسد ذات البين ويوغر الصدور ويفتح الباب لشياطان الفتن، فالقوم لديهم من مدفعية التنابذ وأقوال التشنيع ما يكفى ويزيد. ولاداعى لإيراده هنا فالمفروض أن نعمل سويا لتجميع شمل الأمة وليس تمزيقها.
أما عن ولاء حزب الله لإيران فله عدة وجوه:
أولا: أنه لو لم يراع الحزب خصوصية لبنان وطبيعة تركيبته الطائفية والسياسية، وإنفتاح لبنان على كافة التيارات والدول، لولا مراعاة تلك الخصوصية لما إستطاع أن يستمر أو أن ينجح كل ذلك النجاح الكبير عسكريا وسياسيا ، بل ويصبح أهم عناصر الساحة اللبنانية ويمتلك تأييدا كبيرا متعدد الطوئف فيكون بذلك مشروعا وطنيا لبنانيا جامعا.
وقد تجلى ذلك الوضع السياسى العبقرى فى عبقرية أخرى عسكرية عبرت عن نفسها فى إستراتيجية قتاليه ضد إسرائيل فى عام 2006. فقد إعتمد الحزب إستراتيجية دفاعية تعتمد الحرب الشعبية أسلوبا للدفاع عن أراضى الوطن اللبنانى (وليس الإيرانى ولا السورى). ومع كونها إستراتيجية دفاعية فقد إحتوت أسلوب الضربات الصاروخية الرادعة فوضعت إسرائيل جيشا وشعبا وحكومة فى أسوأ موقف لهم منذ إحتلالهم لأراضى فلسطين. وهذا إنجاز غير مسبوق ويحسب لحزب الله ولم يسبق إليه أى تنظيم مقاوم ضد إسرائيل ولا حتى الجيوش العرية مجتمعة. ولا أدرى لمصلحة من نريد التغطية على كل ذلك بينما إعترف به العالم أجمع حتى اليهود أنفسهم.
أما عن تحالف حزب الله مع إيران (وسوريا) فإنه ليس عارا فى حد ذاته. فالتحالف هو أحد فنون العمل السياسى الهامة. وإليه يلجا الجميع، سواء الدول أو حركات التحرير والمقاومة. وحتى الدولة التى توصف بأنها “الأعظم” فى عالم اليوم هاجمتنا فى أفغانستان ضمن تحالف يضم خمسين دولة، بل أنه شمل العالم كلة فى حقيقة الأمر. ولم تكن قوات (القاعدة وطالبان) تستدعى كل ذلك الحشد، فقوات تحاف الشمال على هزالها قامت بالمهمة على أكمل وجه. وفى الحقيقة أننا هزمنا أنفسنا وهزمنا أفغانستان قبل أن تبدأ الحرب بوقت كاف.
التحالف يكون غالبا فى مصلحة طرفه الأقوى لذا فهو يحتاج من الأضعف إلى حرص شديد. ولكن إذا كان التحالف الخارجى يمكن الإستغناء عنه أحيانا فالتحالف الداخلى لايمكن الإستغناء عنه أبدا. وهو عنصر قوة كبيرة عند عقد تحالف مع طرف خارجى. وفى السنة النبوية المشرفة دروسا قيمة للغاية فى موضوع التحالفات الداخلية والخارجية، وينبغى دراسة ذلك بعمق شديد لأنها دروس صالحة للإستخدام الفورى فى حياتنا المعاصرة وظروف المسلمين الحالية.
ولا أظن أن تنظيم ” القاعدة” يمانع لو أتيحت له فرصة التحالف مع دولة سنية قوية تكون له سندا سياسيا وماليا بل ومرجعية دينية. وهذا ما توفر له مع السعودية فى المرحلة الأولى لبناء التنظيم وقت الحرب مع السوفييت فى الثمانينات الماضية. وهو ما سعى إلى حد ما لأن يبنيه مع باكستان فى فترات مختلفة.
ولو أننا إستيقظنا من النوم صباحا فوجدنا حكومة البرازيل تؤيد مطالب الشعب الفلسطينى فى (التحرير والعودة) لجعل ذلك من البرازيل تلقائيا وفى الحال حليفا لكل الشعوب العربية ولكل حركات الجهاد والمقاومة ( ما عدا القاعدة طبعا).
ونفس الشيئ سيحدث إذا قامت حكومة أخرى فى العالم، أوحكومة دولة إسلامية، بتبنى نفس الحقوق والمطالب. فلماذا يكون الحظر مفرضا على إيران تحديدا ؟؟.
الإجابة واضحة وهى أن إيران هى الدولة الوحيدة فى العالم ، من خارج المنطقة العربية، والتى تتبنى علنا مطالب الفلسطينيين كاملة. هذا هو الواقع/ بكل أسف أو بكل سرور/ لكن هذا هو الواقع. وبدلا من أن نضيف دولا أخرى إلى ذلك الموقع، تسعى دول الإعتدال العربى والسلفية الجهادية معها إلى طرد إيران منه.
.. والسؤال هو .. لماذا ؟؟. وليت أن السعودية القائد المزور لأهل السنة والجماعة تتبنى ذلك الموقف بدلا من موقفها الحالى الذى يفتح أبواب العالم الإسلامى كله أمام إسرائيل، بل أن النظام السعودى على وشك أن يفتح أبواب المدينة المنورة وحتى مكة المكرمة أمام دولة اليهود.
ولايعنى كون البرازيل/ أو إيرن/ تؤيد الحقوق الفلسطينية كاملة أنها يمكن أن ترسل جيوشها من أجل القيام بواجب التحرير أو المساعدة فيه.
(وباستثناء محدود لروسيا الإتحادية فى جورجيا) فالحقيقة الناصعة فى الموقف الدولى الراهن تقول بأنه لا توجد أى دولة فى العالم يمكنها تحريك جيوشها إلى خارج حدودها الوطنية إلا فى إطار مهمة مسموح بها أمريكيا أو فى مهمة ضمن إطار برنامج تقوده الولايات المتحدة. فما بالك بمهمة ضد إسرائيل، وما أدراك ما إسرائيل وأهميتها للولايات المتحدة. بل أن الكثير جدا من دول العالم تكون فى حاجة إلى إذن أمريكى حتى لتحريك جيوشها داخل حدودها الوطنية. وأكاد أزعم أن /كل أو معظم/ الدول العربية تنتمى إلى ذلك الصنف من أشباه الدول.
يعنى ذلك أن حلفاءنا فى الموضوع الفلسطينى/إن وجدوا/ لهم إمكانية فعل محودة بقيود أمريكية خطيرة يعملون لها ألف حساب، ولكنها لاتلغى دورهم بالكامل. وهذا ما يبرهن عليه حزب الله. فالحليف البعيد يظل حليفا بعيدا وله دور محدود. ولكن الطرف المحلى أو حركة التحرير إن كانت جديرة بموقعها فيمكنها تحويل ذلك القليل إلى فعل وتأثير عظيم.
وهنالك تأكيد آخر من تجربة الإتحاد السوفييتى الذى أمدنا قبل عام 1967 بأسلحة كانت تكفى لإحداث عاهة مستديمة بإسرائيل. ولكن جيوشنا وحكامنا لم يحاربوا فى واقع الأمر. وكانوا جاهزين ومنذ سنوات لشيئ واحد فقط وهو الفرار من أرض المعركة. كانت مهمتهم المقدسة (ومازالت) هى إزلال الشعوب والعمل مع العدو.
قلتم أنكم فى لبنان تؤيدون تنظيم “جند الإسلام” . وعرفنا إسم ذلك التنظيم خلال معركة “مخيم نهر البارد” للمهاجرين الفلسطينيين. وكانت معركة ضد الجيش اللبنانى أدت إلى تحطيم المخيم بالكامل تقريبا وتهجير سكانه. ولا أظن أن تنظيما سلفيا فلسطينيا فى لبنان يمكنه أن يعمل شيئا مفيدا لفلسطين أو لبنان، حتى لو ضم فى صفوفة مقدارا من اللبنانيين. ومعروف هو الدور الذى يمكن أن يلعبه تنظيم سلفى فى(بلاد الشام) خاصة إذا تحالف مع السعودية ورجالها هناك، وسجلاتهم النضالية والجهادية معروفة وواضحة لجميع الناس ، خاصة فى حرب 2006 التى شنتها إسرائيل على لبنان. وغاية ما يمكن أن يصل إليه تنظيم كهذا هو أن يجد نفسه مجرد أداه فى يد قوة محلية تستخدمة فى برنامج فتنة طائفية.
قد تظنون أن التطابق/ فى “المنهج” و “العقيدة” إلى غير ذلك/ هو شرط لعقد التحالف. وهذا خطأ فالتحالف لا يستلزم التطابق، وهو فى غالبه إلتقاء مصلحة مشتركة بين طرفين حول برنامج واحد أو حتى نقطة واحدة فى لحظة تاريخية محددة. ولا يشترط حتى أن يكون الطرف المشارك لنا مسلما. وحتى إن كان مسلما فيكفى اللقاء على ظاهر الإسلام والمصلحة المشتركة، وليس تفاصيل العقائد والفقه.
ولو تمعنا فى غزوة بدر وإنسحاب ثلث الجيش الإسلامى قبل بدء المعركة لعلمنا أن حوالى ثلث المدينة كان من المنافقين والخاضعين لسلطانهم. ومع ذلك كان التعامل معهم يتم على ما يظهرونه من إسلام وليس على ما يبطنونه من الكفر.
ونحن أثناء وجودنا فى بلاد الأفغان لم ننجح فى عقد تحالف معهم رغم تطابق المصالح والإنتماء المشترك إلى المدرسة السنية. وسبب الفشل هو إختلاف “العقيدة” و”المنهج”. فنحن لانعترف بإمكان الإختلاف بين المسلمين فى تلك الأشياء التى هى موضع خلاف فى معظم فترات التاريخ الإسلامى. وهى أشياء غير ضرورية إطلاقا فى عقد تحالف بين طرفين( على شرط أن لا يكون التحالف بين طرف مسلم وطرف كافر وموجها ضد طرف مسلم آخر كما حدث مثلا بين إيران والأمريكيين ضد حركة طالبان والمجاهدين العراقيين . أو كما حدث بين دول عربية كثيرة منها الكويت والسعودية ودول الخليج ومصر ضد المسلمين فى العراق وفلسطين وأفغانستان) .
أما عن قولك ـ أخى العزيز ـ أن لا علاقة لكم بحزب الله، فهذا صحيح.
ولكن هل إذا جاء “الجيش الأحمر اليابانى” مرة أخرى وقام بعملية إنتحارية داخل إسرائيل، كما فعل فى السبعينات الماضية، فهل علينا أن نشجب فعلته ونؤكد على كفره وبراءتنا منه وخلافنا العقائدى والمنهجى معة ونؤكد على قطع صلاتنا به ونطبق عليه مفهوم “الولاء والبراء” ؟؟.
الإجابه هى أننا غالبا سنفعل ولكن معظم المسلمين سيخالفوننا فى ذلك.
وكان الأجدر هو أن ندعو ” للجيش الأحمر اليابانى” بالنصر على اليهود، وأن نبحث عن وسائل دعمه بالمال والسلاح والمتطوعين.
فكيف نتصور أن الأمة الإسلامية سوف تتبرأ من حزب الله وتفعل مثلنا وتؤكد على قطع علاقتها به ؟؟.
لماذا ؟؟. هل لأنه ضرب إسرائيل بثلاثة آلاف صاروخ، وكسر جيشها وأحرقه على أرض الجنوب، وحشر شعبها فى ملاجئ تحت الأرض لمدة شهر،لأول مرة منذ إغتصابهم لأرض فلسطين؟؟.
كان الأجدر أن ننسجم مع موقف شعوب المسلمين والعالم. ونعبر عن تقديرنا لحزب الله وأن نمد له يد العون / إن كان فى مقدورنا ذلك/ ونوجه له الشكر وندعو له بالثبات، وأن نفهم تهمة ( رافضى) فى حالته تحديدا أنها تعنى رفض الإنصياع لإسرائيل والولايات المتحدة كما فعلت جميع حكوماتنا العربية .. وكلها من “أهل السنة والجماعة” وليست رافضية ولا رافضة للتبعية !!.
وتقول فى موضع آخر أنكم تتفقون مع حماس فى “المنهج” ـ طبعا ذلك غير ممكن إذا كان إدراكنا صحيحا لمعنى كلمة “منهج” فى القاموس السلفي.
وأيضا طبقا لكلمة سابقة للأخ العزيز “أيمن الظواهرى” عزى فيها الأمة فى وفاة حركة حماس.
ولكن إذا كان هناك إتفاق فى المنهج كما تقول ، فكيف أن حركة حماس فى توافق بل أكاد أقول فى تحالف عميق مع حزب الله ؟؟.

السعودية وقلوب المسلمين:

عند إجابتكم عن سؤال حول موقفكم من السعودية واستراتيجيتكم بعد الفتور الذى إنتاب عملكم هناك. كانت إجابتكم مفاجئة، عندما قلتم أن ” للسعودية” منزلة عظيمة فى قلب كل مسلم. وأحسب أن ذلك موقفا سياسيا وليس دينيا.
فالذى له منزلة عظيمة فى قلب كل مسلم هو الحرمين الشريفين أولا، ثم تلك الأراضى المقدسة التى حرمها الله على غير المسلمين.
أما “السعودية” فهى نظام غير شرعى لا يحظى بأى قدسية لدى المسلمين وهو نظام محتقر من شعوب العالم. فتلك العائلة وصلت إلى الحكم بواسطة ذهب الإنجليز وبنادقهم. فحركوا القبائل لطرد الحكم العثمانى الذى كان يمثل رابطة دينية سياسية جامعة للمسلمين ، تحمى مقدساتهم وأراضيهم خاصة فى الحجاز وفلسطين التى كان اليهود يراودون عنها الباب العالى فى تركيا.
إختفى الأتراك وجاء عملاء الإنجليز. تماما كما فعل الإنجليز عندما فرضوا
” نادرشاه” على رقاب الأفغان فى بدايات القرن الماضى وكما فرض الأمريكيين “كرزاى” فى بداية القرن الحالى… فأى قدسية أو شرعية لهؤلاء الحكام جميعا؟؟.
وكيف تنسب بلاد وشعب فى عصرنا الراهن إلى عائلة حاكمة؟.. فالسعودية هى الوحيدة فى هذا الشأن من بين دول العالم. فكيف ينسب شعب إلى حاكميه وكأنه عبد لهم، كما كان ينسب “المماليك” إلى أسيادهم فى العصور الخالية. فكان هناك المماليك “الناصرية” و”المعزية” و”البكتاشية”.. واختفت السلسلة الإستعبادية حتى بعثها من مرقدها آل سعود فأظهروا لنا “المماليك” ” أو “المملكة السعودية”.
إن الشعب المسلم لايمكن أن يسبى بهذا الشكل وتمتلك رقابه عائلة إحتكرت كل شيئ.. السلطة السياسية والثروة النفطية.. وحتى المقدسات التى تسثمرها كمشروع سياسى تجارى و(سياحى !!) يدار لمصلحة العائلة وكبار المتملقين.
ثم كانت مفاجأة قولكم أنه منذ البداية كان هدفكم الأمريكان والنفط. وفهمت من ذلك / وأرجو أن أكون مخطئا كالعادة/ أن إسقاط النظام ليس هدفكم وأن الأجهزة الأمنية المدافعة عن النظام وعن المحتلين هى الأخرى خارج الإستهداف.
لا إعتراض لى على ذلك حيث لا علم لى بأعماق “المنهج” الذى تشيرون إليه دوما ولا فهمكم “للعقائد”. ولكن أسال فقط عن سبب تأييدكم لإستهداف أشخاص الحكام وأجهزتهم المسلحة عندما كانت المجموعات السلفية تعمل فى مناطق بعيدة عن المملكة(العزيزة على قلب كل مسلم) مثل الجزائر وليبيا ومصر والصومال ثم العراق وباكستان وأفغانستان؟.

لقد كانت دعوة الأخ العزيز (أبوعبدلله) إلى الجهاد لإخراج المشركين من جزيرة العرب ـ كما ورد فى بيانه الأول الصادر من جبال ” تورابورا” فى عام 1996 . قد تطورت إلى دعوة شاملة لتحرير المقدسات الإسلامية من جزيرة العرب إلى فلسطين. ولكن عمليات “القاعدة” بدأت أولا من أفريقيا ثم فى ميناء عدن وصولا إلى “غزوة منهاتن” فى 11 سبتمبر 2001. ثم إنتهت إلى الدعوة إلى قتال الأمريكان فى “الجبهات المفتوحة” فى العراق وأفغانستان.
وفى الجبهات المفتوحة تلك، شعوب هى غاية فى الحيوية والشجاعة ولديها من القيادات الكفؤة ما يكفى وزيادة وهى بالفعل ليست فى حاجة إلى دعم “القاعدة”.
هذا بينما المقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب تحديدا، لايكاد يهتم بها مسلم، لا من أهل المنطقة ولا من خارجها.
فجزيرة العرب محاصرة بالأساطيل الغربية. و”السعودية” مهددة بالتقسيم بحيث تحصل إسرائيل على (حقوقها التاريخية) فى شمالها، وتحصل أمريكا على مشيخة نفطية(شيعية) فى الشرق، أما الصحارى فتترك للقبائل لرعى الأغنام، واليمن يضيع دمه بين بقايا القبائل المتناحرة.
أما على الجانب الإفريقى المقابل، فالمأساة لاتقل بشاعة وهى متكاملة مع مأساة جزيرة العرب.
فالسودان يقسم إلى أربعة دول على الأقل ونفطة يذهب إلى شركات النفط العملاقة. والصومال مقسم حاليا بالفعل ولكنه متروك حتى تنزف قبائلة آخر نقطة من الإسلام فيصبح القرن الأفريقى خاليا من القبائل الإسلامية المقاتلة. وإن بقى به شيئ فليكن بقايا من أشباه البشر الجوعى. وهذا مطلوب فى اليمن أيضا وهو أمر ضرورى لتأمين المخطط الدولى فى جزيرة العرب وأفريقيا معا. أى أن تصفية القبائل الإسلامية المقاتلة مطلوب على ضفتى المياه العازلة بين أفريقيا وآسيا..
ثم مطلوب من أفريقيا تسليم مياه النيل لإسرائيل وأوروبا. وتسليم ثروتها الزراعية الهائلة لشركات يهودية وأمريكية.
كل ذلك ونحن نمثل دورا حفظناه وأجدناه.. دور (دون كيشوت) الفارس الذى يحارب معارك وهميه مع أعداء متوهمين تمثلهم مراوح طواحين الهواء… يخلقون لنا طواحين ونحن نقاتلها ببساله. فعلينا الآن ترك كل تلك الأهوال كى نقاتل (المد الشيعى) و ( الخطر النووى الإيرانى) و (أطماع إيران فى العالم العربى) .. تلك هى الطواحين.. فليمتشق الفرسان سيوفهم!!.

لماذا الإصرار على أن نرقص وفق ألحان العدو؟. أى أن نفعل ما يريد منا العدو فعله .. ونسير وفق إشاراته وتوجيهاتة المباشرة وغير المباشرة.
فإذا أراد أن يصور القاعدة على أنها العدو العالمى الجديد الذى أخذ مكان الإتحاد السوفيتى، فرحنا بذلك ورحنا نؤكد الكذبة الكبيرة، وقلنا أننا جيش جرار متواجد فى كل مكان وينقل قواته بكل سهولة بين “الجبهات المفتوحة” عبر القارات. ثم نستعير قدرات الأمة ورعشات موتها وكأنها قدرات “التنظيم” الذى يدرى العدو مثلنا وأكثر مدى قدراته المتواضعة إلى حد الكفاف. فهناك فرق هائل بين الأمة والتنظم. فليس كل ما تقوم به الأمة يكون من أعمال التنظيم، حتى وإن شاركت عناصر قليلة منه فى ذلك العمل.
ومع هذا فلا يضر أى تنظيم أو جماعة أن تكون قليلة العدد أو متواضعة الإمكانات. فالنوعية هى الأهم، والجماعة هى أن تكون مع الحق ولو كنت وحيدا.
فكم من الجماعات الإسلامية قديمة وجديدة، كبيرة صغيرة، وجميعها تدفع الموقف الإسلامى بإضطراد نحو الأسوأ .
فلا معنى لإخفاء حقائق ندرى أن العدو يعلم تفاصيلها. بينما الإخفاء يضر بمصالح المسلمين الذين يجب أن يعلموا بها حتى يتبينوا ما يترتب عليهم من واجبات.

الجبهات المفتوحة والضربات فى العمق:

أما قولك أنكم قد توقفتم عن العمليات فى الداخل الأمريكى لأن الجبهات المفتوحة تؤدى الغرض فهو كلام يحتاج إلى وقفة. لأنه إما أن يكون تهربا من إعطاء الإجابة الصحيحة، وذلك جائز فى دنيا البيانات الصحفية، أو أنه عدم فهم لسياسة الضربات فى العمق. وهى فلسفة تختلف لدى حركات المقاومة وحروب المطاريد عنها لدى الدول والجيوش النظامية.
فالجبهات المفتوحة تمكن من الإحتكاك بجنود العدو والنيل منهم. ولكن الضربات فى العمق يكون المدنيين لدى العدو هم الهدف الأساسى منها، يليه الإقتصاد والتماسك الداخلى والعلاقة بين النظام ومواطنية وتمييز المواقف بينهما، أى إحداث شق داخلى بين المجتمع والنظام الحاكم.
حماية الجبهة الداخلية من أمثال تلك العمليات مكلف جدا إقتصاديا ويوسع نطاق المعركة فيحرم العدو من تركيز قواه المسلحة ومواردة فى المواضع المرغوبة لكسب المعركة. وفى هذا كلة ضغط على أعصاب القيادة مفيد لأعدائها.
والأغلب أن تستخدم أمثال تلك العمليات فى أوضاع العرب والمسلمين، كابحا لإندفاع العدو من التنكيل بالمدنيين عندنا فى حروبه المفتوحة وهى متعددة كما نرى.
أو تدميره لمواطنينا عبر الحرب المستترة التى من أهم صورها الحصار الإقتصادى الذى أودى بحياة 1,5 مليون مدنى فى العراق على مدى أكثر من عقد من الزمان سبق الحرب المكشوفة وعملية الغزو عام 2003 ـ
وعانت أفغانستان من الحصار والحرب غير المعلنة بأنواعها غير التقليدية ولكن لا أحد يهتم برصد ومتابعة ما يحدث أو حدث هناك منذعام 1992 وحتى الغزو الأمريكى عام 2001 ـ
أما ضرب الجيوش المعادية للمدنيين فى إطار مكافحة حروب المطاريد (العصابات) فهو إجراء روتينى للغاية و يطلقون عليه سياسة الأرض المحروقة إى إجبار السكان على ترك المناطق التى ينشط فيها المقاومون، أو لإجبار السكان أنفسهم على التصدى للمقاومين لمنعهم من إستخدام مناطقهم خوفا من عقاب الجيش الحكومى.
يمكن أن يتحمل المقاومون تلك السياسات ويعملون على إبطالها أو تقليل آثرها بإجراءات معاكسة معروفة. ولكن إذا تمادى العدو بشكل خطير عندها لابد من التفكير فى إجراء غير تقليدى، وإشهار سيف الردع والتوجه إلى عمق العدو بتلك الإجراءات.
ذلك يحتاج إلى تفكير سياسى عميق من قبل القيادة السياسية لتفادى الآثار السلبية.
وبشكل تلقائى يجادل كثيرون بأن ذلك يفقد الحركة التعاطف الدولى لها وحتى تعاطف قوى معتدلة فى مجتمعات العدو.
يكون ذلك المنطق معقول أحيانا، ولكن فى أحيان أخرى يكون عديم القيمة فى مقابل إبادة جماعية يتعرض لها مواطنونا.

هذا يحعلنا نتساءل عن الدافع لعمليتكم فى 11 سبتمبر. وأظن أنكم قد نسيتم كما نسى ذلك معظم الناس أيضا.
فهل كانت لأجل تحرير المقدسات الإسلامية التى طالب بها الشيخ أسامة فى بيانه الشهير بإعلان الجهاد على المشركين المحتلين لجزيرة العرب؟.
أم لأجل الإنتقام لمن قتلتهم أمريكا فى حصارها للعراق؟.
أم لإستدراج أمريكا إلى حرب مكشوفة على أرض أفغانستان والعراق، حروب يكون فيها الكفاية لنا عن تكبد مشقة الذهاب إلى بلادهم، وتوفر علينا ثمن تذاكر السفر؟.
إذا كان الهدف معلوما بدقة عندها يمكن وضع خطة، أى خطة.
أما إذا كان الهدف يتغير عند كل تصريح فلن تكون هناك خطة من أى نوع وسيصبح الأمر مرتجلا ولمجرد ملء وقت الفراغ بين تصريحين. ويمكن فتح جبهة جديدة مع كل تصريح. أما إذا كان اللقاء الصحفى طويلا فيمكن ملئة بإعلان عدة حروب مرة واحدة، حسب الوقت المتاح أمامنا.
وللعلم فإن المشركين لم يخرجوا من جزيرة العرب. بل زادت أعدادهم وتعددت جيوشهم وزادت كنائسهم فيها. والمقدسات الإسلاميه هناك أصبحت مهددة أكثر من أى وقت مضى. واليهود يراودون جلالته عن مكة والمدينة. وجلالته غير ممانع أبدا فهو صاحب عقيدة سمحة ومريحة مع اليهود والنصارى أما مع باقى المسلمين فإنه وجماعته ينبرون لهم بكل العنف الكامن فى عقيدة الولاء والبراء.
وقبائل المسلمين المقاتلة يجرى تصفيتها بلا هوادة فى حرب طويلة المدى ممتدة من الصومال إلى اليمن إلى وزيرستان وأفغانستان. فلا مكان فى عالم اليوم إلا للمسلم الفرد المستأنس. الذى لايجيد الضرب إلا بسيف الجدال الفارغ وحروب الوقيعة والفتن الدائمة والمتحركة عبر بلاد المسلمين.
أقول لك سرا:
إنه على الرغم من كل شيئ ورغما عن كل ما حدث فإن الأخ أبو عبدالله يمكنه فعل الكثير لوقف جزء من المهزلة الجارية وذلك بشروط:
1 ـ أن يبتعد عن الشرنقة المريبة التى تكبله وتجعله تحت الرقابة والتوجيه الأمريكى منذ أن كان فى أفغانستان. وزادت الشرنقة كثافة بعد مغادرته أفغانستان إلى بكستان. وأنت أدرى بمن هم فى باكستان.
2 ـ أن يبتعد عن التأثيرات الضارة للجيش الدينى الملكى، فى نواحى الفقه والتوجيه السياسى والتمويل.
3ـ أن يرمى بنظرة إلى إتساع الأمة الإسلامية وتنوعها الثقافى والجغرافى. ولا يحصر عقله وعملة فى نطاق غاية الضيق يجعلة فى عزلة وحصار سوف يضر به أولا ثم بدوره المنشود ثانيا.
1 ـ أن يعود أبوعبدالله إلى (سلفية الجهاد) بديلا عن (الجهاد السلفى). وسلفية الجهاد تعنى أمميته، إنه (الجهاد الأممى) الذى يشمل جميع أمة الإسلام بلا تمييز أو تفرقة. فهكذا كان وقت السلفية الحقيقية،أى فى عهد الأجيال الثلاث الأفضل فى هذه الأمة. أما (الجهاد السلفى) فهو جهاد طائفة بعينها لاتقبل إسلام ولا جهاد أحد غيرها، فذلك لا أعرف له سابقة فى تاريخنا إلى أن ظهرت تلك (السلفية الجهادية)، التى يعانى منها المسلمون أينما ألقت مراسيها.

نعود إلى ما أسمته أدبياتكم (غزوة منهاتن) أو (عاصفة الطائرات). ولنفترض أنها كانت محاولة للردع ردا على مجازر الأمريكيين فى العراق عبر الحصار الإقتصادى الطويل. فنقول أن ردات الفعل الأمريكية التى تلتها أثبتت شيئين:
ـ أن ردات الفعل كانت من العنف والعمق بحيث طالت قطاعا بشريا واسعا سواء من التابعين للتنظيم أو القريبين منه أو المتعاطفين معه أو المشتبهين أو من المحتمل أن يشتبه بهم حاليا أو فى المستقبل البعيد. ومن ذلك الصنف الأخير سقط معظم الضحايا.
ـ أن التفكير فى عمليات معقدة كهذه تحتاج إلى أعداد كبيرة من البشر، والكثير من الأموال، والكثير من الحركة عابرة القارات، والكثير من التدريب خارج قدرات التنظيم، مثل التدريب على قيادة الطائرات. كل ذلك لفت أنظار جواسيس العدو بل وأثار شهيتهم إلى (المشاركة) الفعالة فى التخطيط والتنفيذ. ومن ثم الإستئثار بجنى الفوائد وتسخير العملية كلها فى إطار الإستراتيجيات الكبرى للمحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة وعبر العالم.
لقد إنطلق التصعيد الجنونى فى نفقات وإجراءات الأمن داخل أراضى العدو وعبر العالم كنتيجة لأحداث سبتمبر. وجعلوا منها ذريعة لزيادة خيالية غير مسبوقة فى التاريخ، فى أرباح الإحتكارات الصناعية العظمى العاملة فى مجالات الأمن والدفاع.

ما سبق يفرض مسارات إجبارية على عمليات الردع مستقبلا مثل:
ـ أنها قد خرجت من قدرة التنظيمات الكبيرة ، معروفة القيادة ومواضع التواجد والتمركز، لتتجه نحو (بثور المقاومة) وهى صغيرة العدد جدا بحيث قد يصل حجم الواحدة منها إلى شخص واحد. وهى منتشرة بشكل غير مسبوق على مساحات جغرافية عابرة لكل القارات.
ـ وطبيعى أن يكون السلاح البيولوجى هو الأكثر مناسبة فى تلك الحالة نظرا لمزايا كثيرة أصبحت معروفة ومتداولة. فهو سلاح رخيص مرن للغاية سهل التحضير والنقل والإستخدام.
وهكذا تفرض كل معركة قوانينها الخاصة وفقا لقانون الفعل ورد الفعل.

أخى الشيخ سعيد ..
لعلكم أسعد الناس حظا بوجودكم فى ساحة الجهاد، خاصة فى أفغانستان “مقبرة الغزاة” ، التى لانشك فى أنها مقبرة الإمبراطورية الأمريكية، “إمبراطورية العار”، وآخر إمبراطورية فى حياة “حضارة الشر” التى تعصف بالإنسانية منذ غاب عنها الإسلام.
كنا نتمنى أن نكون معكم حيث الجهاد والحرية. فالشئ الأسوأ من الموت هو أن تفقد حريتك أو أن تبتعد قسرا عن الجهاد.
ندعوا الله لكم ولجميع المجاهدين بالنصر والتمكين.
وتقبلوا تحيات أخيكم المزعج.

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here