سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

بسم الله الرحمن الرحيم

17- استراتيجيات الضغط

 

فلسفة الأناكوندا: “التي تسمح بافراغ الهواء لا إدخاله .. تقيد عدوها وتخنقه وتحرمه من المبادرة .. تعصره وتفرمه وتشكله لتتمكن من التهامه كاملاً” .. لا حدود لقسوتها .. إنها غريزة الحيوان .. وما أكثر وجودها بين البشر ..

ركز بعمق على القاعدة التالية: “دافع وأنت تهاجم .. وهاجم وأنت تدافع .. وهاجم بعنف وأنت تفاوض” ..

في الصراع مع من «أبَى» علينا: [ أن نضغط ونقاوم ضغط الأعداء في آن واحد .. المطلوب: “أولاً أن نحدد طبيعة العلاقة ونُعرفها .. ثانياً أن نضبط سرعة الإيقاع ونفرض إيقاعنا” ] ..

في الصراع السياسي والعسكري التحدي والاستفزاز يسهل نقل موضوع الصراع إلى منطقة من اختيارنا .. تقتضي الحكمة السيطرة على نمط تفكير العدو  واستدراجه إلى متاهة الغضب أو العظمة أو الرضا: “تغضبه ليفقد اتزانه ويقع في سلسلة لا متناهية من الأخطاء .. تمدحه ليزهو بنفسه ويترفع على العقلاء ويبقى فريسة جهله ووحدته وأنانيته .. تشعره بالسيطرة لتقل يقظته ويتملكه الرضا القاتل عن نفسه” .. القائد المنتصر في الصراع العسكري يفرض على أعدائه مجالاً يحجمهم فيه ويسمح لهم بالتنفس .. ويمنحهم فرص لإعادة التفكير والاختيار فنحن مسلمون ولسنا أناكوندا ..

 

من البراعة قبل الحرب:

أن نعرف أعداء الدين ونصنفهم لنحسن التعامل مع كل صنف: الدعوة للجميع .. ومنهم من تغزوه بالقوة الناعمة .. ومنهم من تغزوه بالقوة الخشنة .. ومنهم من تتحالف معه .. ومنهم من تهادنه …إلخ .. والواجب ليس ابقاؤهم فقط تحت ضغط السنان واللسان بل إمرار سحب الرحمة الاسلامية في التعامل عبر سمائهم ليقارنوا بينها وبين ظلمات حياتهم ..

وهذا لا ينفي أن هناك خصوم ومنافسون ينتمون للدين ولكن طموحهم تسوقه أطماعهم .. فالحرص كل الحرص على عدم سفك الدم الحرام فيقدم الصلح والقضاء على القتال .. قال تعالى{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}الحجرات ..

 

ومن البراعة في الحرب:

أن نسيطر على فكرهم العسكري ونستدرجهم إلى منطقة نألفها ولا يألفونها .. أن نحضر الميدان بما يمنحنا التفوق ويحرمهم منه ( بدر ) .. بأن نمنحهم طعماً ما يتوهمونه ضعفاً فهذا يجعلهم يندفعون حيث نريد أن نحشدهم ( حطين ) .. ولطالما حارب المسلمون الأوائل وظهرهم إلى الصحراء .. وسمحوا لعدوهم بعبور الجسر بعد أن جربوا عبوره .. وحاصروا عدوهم وظهره للهاوية ( اليرموك ) .. وبنو أو حفروا الموانع ليكسروا إرادته ( الخندق ) .. ودمروا الإمبراطوريات بحرب العصابات ( أفغانستان ) .. هكذا فعل عباقرة القادة ساقوا أعدائهم لحتفهم بظلفهم ..

والقاعدة في ذلك: لا تُقبل على حرب حضر لها العدو .. واستدرج العدو إلى حرب حضرت لها ..

 

ومن البراعة بعد الحرب:

بل من الحرص على الإنسان في الأرض أن نمنح جنود العدو وشعبه بعد هزيمتهم فرصة يتنفسون فيها تحت ظلال الإسلام ونجدد لهم الدعوة ونمنحهم الخيارات .. بعد أن رفع عنهم ضغط الساسة وأئمة الضلال وتحررت عقولهم ..

كذلك أن نحدد للخصوم أو المنافسين مجالاً ينفسون فيه عن كبتهم؛ يحفظ حياتهم ويمنعهم من الفتنة .. أن نسمح لهم بالقدر الذي يمنحهم الأمن والاستقرار ولا يمكنهم من أخذ زمام المبادرة .. وقديماً قال معاوية رضى الله عنه: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي .. ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني .. ولو كان بيني وبين الناس شعره ما انقطعت إذا مدوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها ..

وختاماً: عند الساقية تستر أعين الفحول وتعلق على أكتافهم مهمة إخراج الماء لنفع الناس .. بعض الناس لا ننجح في هدايتهم أو نتوافق معهم؛ فلسنا المختارين لهذه المهمة ( الهداية ) فلكل قوم هاد .. لكن .. يمكن إشغالهم بالنفع العام بدلاً من إهمالهم وتهميشهم وتركهم لأنفسهم .. لعلهم يهتدون ولعلنا نتوافق ..

 

مبادئ استراتيجية الضغط:

1- أبقهم مستنزفين:

وهذا من فلسفة حرب الضعيف ضد القوي .. يبقيه دائما مستنفراً غاضباً مهموماً متعجلاً متوجساً لاهثاً خلف طيف لا يمسكه ولا يقضي عليه .. إذا أراد العدو أن يرتاح نغص عليه الوقت والمكان .. حول هجوم العدو إلى رد فعل متعجل يندفع إليه بذهن مشتت .. وكلما خطط العدو لأمنه واستقراره اضربه في مكمنه وزاد من توجسه وحيرته .. وإذا أراد العدو أن يفكر أثقلته هموم ديونه واستنزاف اقتصاده .. اجعل مسيرة عدوك سلسلة من النكد تنتهي بيأسه وهزيمته ومن ثم خضوعه التام .. إنها الحرب المجلية أو السلم المخزية .. وفق استراتيجية تنسجم مع حجمنا الصغير وقدراتنا المحدودة ضد ديناصورات القرن الحادي والعشرين ..

 

2- اختر الميدان وابتكر نظرية التغيير المناسبة:

فمن بدر وأحد والخندق إلى اليرموك والقادسية والفسطاط والقدس .. ومن أفغانستان وفلسطين واليمن والصومال والمغرب والعراق والشام ومصر وليبيا ومالي إن شاء الله إلى العالم أجمع .. هذه اليوم أراضي عملنا ويجب أن يختار أهل كل أرض ما يناسب شعبهم وإمكاناتهم ويبتكروا رؤى التغيير المناسبة ويبنوا الاستراتيجية التي تحقق أهدافهم ..

وأي ميدان توقفت فيه الفتوحات وانكمشت المناطق المحررة وتعطل تحقيق الأهداف فعليهم أن يراجعوا علاقتهم بالله أولاً وبأسباب التحول والانكماش ثانياً .. ومن هذه الأسباب: في بعض هذه الساحات وأثناء مسيرتها الجهادية أحدثوا تغييرات جوهرية في الاستراتيجية التي تحقق بها العديد من الانتصارات .. وتعجل بعض العاملين فيها ليحقق له ولدولته المزعومة أو لفصيله تواجد سياسي وإداري تحت مظلة الخلافة والسلطان قبل القضاء على العدو وفض تحالفاته .. وانفرط النظم بخصومتهم الداخلية وقتالهم لحلفاءهم بالأمس ورفاقهم في التغيير .. فدخلوا في متاهة اجتهادهم وفقدوا اتجاههم وضل سلاحهم .. على هؤلاء جميعا أن يقفوا لله وقفة تجرد وإخلاص ولا يغرهم تزين بطانتهم وتبريرها لسقطاتهم أو غش من يدعمهم ويمنيهم من الخارج .. فهي لن تجدي في الدنيا ولن تنفعهم في الأخرة .. وليكونوا على يقين بأن تأخرهم في الإصلاح نذير شؤم لهم وإنذار بالاستبدال .. أما شعبهم وأمتهم فلهم الله يُخرج منهم سبحانه وتعالى من ينصر دينه ..

 

3- أفشل استراتيجيتهم وزد من أخطائهم:

بات مألوفاً أن نكتب عن كيف نجحت حرب العصابات في إفشال استراتيجية النظام .. لنكتب اليوم بعض صور إفشال النظام لاستراتيجية حرب العصابات:

– يتعمد النظام في مرحلة أولية من الصراع وبسبب شراسة الهجمات إلى التخلي عن بعض المناطق البعيدة من العاصمة ليتملص من تبعاتها ويحملها للعصابات وذلك لأسباب منها: ضعف ولاء السكان .. صعوبة الدفاع عنها وبالتالي سهولة استعادتها مستقبلاً .. ضعف القدرة على الانفاق عليها ..

– يقوم النظام في المناطق التي تخلى عنها بترك جيوب موالية له تعمل كطابور خامس حال تمدد العصابات وتمارس أعمال التجسس والتخريب النفسي والمادي ..

– يقوم النظام بتشكيل عصابات موازية تشعل حرب جانبية مع العصابات الحقيقية وتنافسها على شعب المنطقة أو تفسد نقاء عملية التغيير وتصيب الشعب باليأس من كسب المعركة مع النظام ..

– فسح المجال أمام العصابات لتتمدد على بقعة تفوق قدراتها البشرية .. وضع العصابات في حالة استنزاف اقتصادي بالانفاق على سكان المناطق التي انسحب منها .. استهلاك واشغال العصابات في توفير الأمن للسكان والسيطرة على اللصوص والمجرمين ..

– سرقة الوقت من العصابات حيث لم تنضج كوادرهم فتكثر أخطاؤهم ولم يتعرف عليهم السكان بعد فتهدم الثقة بينهم .. تمنح النظام مزيداً من الوقت لكسب حلفاء إقليميين ودوليين يساهمون في دعمه .. عقد هدنة مع بعض فصائل العصابات الضعيفة ليتفرغ للأقوى منها .. يقوم النظام بإرهاب وتحيد حلفاء العصابات الاقليميين ..

– بانكماش النظام وتمدد العصابات تتوهم العصابات بأنها أصبحت ذات قدرات نظامية تمكنها من الحسم وبالتالي يتم استدراجها إلى حرب تفوق منظومتها العسكرية فيقضي عليها فيها … إلخ ..

– يساهم النظام في حرق المراحل على العصابات حتى يقضي عليها قبل أن تستوعب تجربتها وتستغرق وقتها ويتعرف ويثق فيها شعبها وتبني منظومتها وتطورها وفق تدرج مرحلي سليم ..

– – على العصابات أن تنتبه لعنصر الوقت وعليها أن تقايض المكان بالزمان ..

 

4- الحرب خدعة:

نحن أمام مناورة ذهنية وحركية تتعلق بالنفس البشرية حيث تكثر الاحتمالات وتتنوع بحسب نفسية الشخصيات المتصارعة .. التي يجب أن يقدم لها الطعم المناسب الذي يحرك شهيتها لممارسة ما تجيده .. والخدعة إما إيجابية أوسلبية .. والسلبية تسعى بالضرورة لنتيجة إيجابية .. المناورات الايجابية لتحريك الجمود .. المناورات السلبية للسيطرة على الحركة .. هكذا يجب أن تسير الأمور ..

– المناورة السلبية هي: التي لا تستخدم فيها الوحدات العسكرية .. فهي مناورة ذهنية تمثل ضغطاً ناعماً على نفسية العدو ليقوم برد الفعل المخطط له من قبل المناور .. وهي ناجحة بدرجة كبيرة في فض التحالفات أو جلبها ..

– المناورة الإيجابية هي: أيضاً مناورة ذهنية ولكنها تعتمد على التحركات الأرضية للوحدات العسكرية .. تهدف للضغط على نفسية العدو وتستدرجه للقيام بالحركة الخطأ ..

– الطعم قد يكون معلومة يتعمد تسريبها ( نعيم بن مسعود – غزوة الأحزاب وتعتبر نموذجاً مثالياً للمناورة السلبية ) أو تحرك أرضي يصعب تجاهله أو تفويته ( المناورة الأكثر شهرة الفرار لإيقاع المطارد في كمين محكم وهي تعتبر ايضاً نموذجاً مثالياً للمناورة الإيجابية ) .. وكلا المناورتين تمثلان ضغطاً على نفسية القائد وسرعان ما يتجاوب معه

لإنجاح الخدعة لابد لمن يمارسها أن يكون عالما بنفسية القائد المقابل وهيئة أركانه .. مدركاً لنمط أفعالهم وبالتالي قادراً على التنبؤ بردود أفعالهم .. وبشكل عام فالخدعة يجب أن تغذي الصفة المسيطرة على شخصية القائد بحيث يلتهمها بنهم يشبع طبيعته ..

ومن نماذج القادة: الحذر .. العنيد .. المتهور .. المتباهي .. الوفي …إلخ ولكل منهم نقطة الضعف التي تؤتى منها فمثلاً:

القائد الحذر: يجب أن تمارس سلسلة من المناورات التي تغذي حذره وتزيد من مخاوفه .. نقطة ضعفه هي الخوف وهو بالتالي يحسن الحرب الدفاعية .. ولذلك لا يقدم على أي خطوة حتى يجتاز شكوكه وخوفه .. والمناورة الإيجابية فعاله جداً مع هذا النوع من القيادة فبمجرد تثبيت وحدات أمامه وتحريك قوات أخرى في حركة التفاف فهو يعتبره تهديد بالحصار مما يدفعه ( القائد الحذر ) عادة إلى الانحياز لنقطة تقيه هذا الحصار .. وبالتالي يفقد الأرض دون هجوم كبير عليه أو مقاومة منه .. وتكرار المناورة معه نافع وأثرها الأكبر يكون دائماً بحسب عمقها ..

القائد العنيد: يجب ألا تساهم مناورتك في تغذية عناده ورغبته في السيطرة بل تساير رغبته وتمنحه ما يجعله يرغب في مزيد من السيطرة ثم تفاجأه بما يكسر اندفاعته وتضعه أمام وضع يائس يفقده توازنه ويعجل بانهياره .. نقطة ضعفه تكمن في كبريائه وشرفه ( ليس متكبراً )  وبالتالي لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي ليتلقى الضربات بل عليه أن يحقق ما يغذي عزة نفسه من انتصارات وبالتالي فهو يجيد الحرب الهجومية .. ومثله يصعب مواجهته فلا يمنح هذا بل يتم استدراجه في مواجهات صغيرة متعددة سرعان ما تنحاز ويطاردها .. حتى إذا طالت خطوط إمداده أمكن إعاقة تقدمة بقوات أكبر مع الالتفاف عليه وتطويقه .. وقطع الإمدادات عنه وإحكام حصاره ..

القتائد المتهور: تكمن نقطة ضعفه في انعدام صبره وعصبيته .. وهو لا يكف عن مطاردة أي حركة تلفت انتباهه .. إعداده للمعركة سيء واهتمامه بالاستطلاع والاستخبارات أسوء .. وهذا النوع من القادة ما أسهل أن تستدرجه لكمين محكم ينتهي فيه مع قواته ..

وهكذا يتم التعامل مع بقية الصفات الشخصية لقادة العدو .. والضغط عليها بما يناسبها ..

قال أبو جعفر المنصور: لقد أخرجت الثعلب من مخبأة .. لقد كان النفس الذكية محمد بن عبد الله بن الحسن ذكياً كريماً وفياً ولقد كان مقتله في حسن خلقه وتربيته .. فما هو نوع الضغط الذي مارسه أبو جعفر المنصور عليه ليخرجه .. راجع الصراع بينهما ففيه الكثير من الفوائد ..

من النماذج التي يصادفها الانسان في حياته النفسيات السلبية .. وهي تلك التي تواجه ضغوط الحياة بدرع من العناد ترفض من خلاله التعاون وتحاول به الهروب من المواجهة .. فمنهم من يظهر عدم الاكتراث لما يواجههم ويهربون منه بالصبر عليه .. وقد يتلذذ البعض بالمعاناة والألم وينتظر أن يرأف به معذبه وينتشله من معاناته ( حال الكثير من الشعوب العربية ) .. نوع آخر منهم يظهر الحكمة والتعقل ولكن أيضاً بلا فاعلية فهو يهاجم بعاطفة هائجة مشحونة بمشاعر ساخنة لصرف انتبههم عن التوجهات الايجابية وأسرهم في قوقعة من السلبية ( حالهم كالخازن الذي يتعلل لابقاء خزنته مغلقة لانه يجد مشقة كبيرة في الصرف منه ويرى فيما سبق وتم صرفه أنه استهلاك بلا فائدة وطان الأفضل لو بقي في الخزنة ) .. وهناك نماذج أخرى للنفسيات السلبية منها ما يطلق عليه “عبد المأمور” هذا النوع في خطابه يحتاج إلى مرجعية يقيس عليها الصواب والخطاء ومن ثم صدمه بين ما أمر الله وإملاءات رئيسه ثم يخاطب ضميره ليتوقف عن تنفيذ الأعمال الخاطئة .. والنماذج السلبية كثيرة والمطلوب فهمها وإدراك ماذا نقول لها ..

هذه العناصر السلبية سواء كانت أعضاء في تنظيم أو مكونات شعبية يغذي عنادهم السلبي محاولات دفعهم للايجابية وتكرار طلب ذلك منهم .. الحل الأمثل معهم هو التفوق عليها في السيطرة السلبية .. أي ممارسة الضغط السلبي عليهم .. فيم الإيحاء لهم بأن ما يمارسونه من سلبية هو تعاون معك وتنفيذ لمخططك .. وعلى مستوى الشعب فإن ما ينفذونه هو إملاءات النظام عليهم .. هذه المسايرة لأفراد التنظيم وهذه الموافقة من الشعب للنظام هو ما يهربون منه بعنادهم فكيف يطيعونهم؟!! .. هنا فقط يفقدون توازنهم ويتوقفون عن العناد السلبي ويعكسون سلبيتهم باتجاه التغيير .. وهو الهدف الذي تم التخطيط لتحقيقه ..

يقول البعض أن إبادة الخصم أو القضاء التام عليه يخلق خصوم جدد أكثر خبرة وقوة .. لذلك الابقاء على خصم ضعيف عركته مع الأيام خير من القضاء عليه .. ربما تفسر هذه المقولة رؤية ما تمارسه الأنظمة العربية مع جماعة الإخوان المسلمين .. وهو ما تسعى إليه أيضاً مع غيرها من الجماعات .. وهو ملاحظ إلى حد ما مع تلك الجماعات التي هزمت في القتال وانسحبت حتى من الممارسة السياسية واكتفت بممارسات إجتماعية وإنسانية تداوي فيها جراحها .. أسأل الله أن يعفو عنا وعنهم جميعا ..

هذه الإشكالية تعالجها الأجيال الجديدة التي اطلعت على نمط الحياة والتقدم للشعوب الأخرى .. هذه الأجيال تحركها رغبتها في التطور والتقدم وتقودها غيرتها على دينها ووطنها للمنافسة مع بقية الشعوب .. ومهما حاول الغرب أو الأنظمة العملية له أن تكبتها فلن تستطيع .. ومهما قُدم لها من فتات فلن تقبل به .. إنها روح المنافسة التي لا تهدأ والغيرة المحمودة والسعي الحثيث نحن التفوق والسيادة .. هذا هو ما يحرك الشعوب الحرة .. ونزيد عليها أن ديننا يدفعنا ويحرضنا لحمل رسالته إلى العالم كله ..

الخطوة الأولى لهذه الأجيال هي: الخروج من الضغط والتبعية النفسية للقيادات التاريخية التي لم تحسن تعبئتها .. وصَبغتها بسلبيتها في المواجهة .. ورضت بالفتات مقابل البقاء والمحافظة على اليسير من المكتسبات .. إن كسر طوق رق الطاعة العمياء أصبح ضرورة لعودة الروح لهذه التنظيمات .. لقد أصبح حتمياً أن تتخطى هذه الأجيال رؤساءها السلبين لتتمكن من تحقيق طموحها ..

الخطوة الموازية هي: المعرفة بما سبق من تجارب وتاريخ الصراع السياسي للمنطقة على الأقل لآخر قرنين من الزمان .. كذلك التمسك بالمذهب الديني لغالبية الشعب كمرجعية تضبط المسيرة الحركية للتغيير .. والانتباه لمكونات المجتمع والعمل على انسجامها وتلافي ما يحدث شروخ تعيق تقدم عملية التغيير ..

الخطوة التالية هي: إعادة التنظيم للطاقات والإمكانات .. وتبني رؤية تغييرية واقعية وشاملة .. واختيار وسيلة للتغيير أو التنسيق بين عدة وسائل للتغيير بحسب ما تمنحه الأرض ويملكه الشعب من إمكانات .. ومن ثم قيادة الجماهير بحكمة وحنكة لتحقيق التغيير المنشود ..

ويبقى التفاعل الحركي للصراع خاضع لموهبة القيادة وقدرتها على الإلهام والتجديد وتخطي العوائق والأزمات ..

النقطة التي لا يمكن تجاهلها أو إغفالها هي حسن التوكل على الله وطلب معيته وتوفيقه .. والتزام أوامره وتجنب معصيته .. ولأهميتها أخرت ذكرها حتى تبقى عالقة في الذكرة ..

ومسك الختام: بيان الروح والخلق الإسلامي في الصراع .. لأننا بشر ولسنا أناكوند “حيوانات” .. ولأننا مسلمون نؤمن برسالتنا .. فليس للإبادة نصيب في تفكيرنا .. لأننا ندرك مهمتنا وهي تعبيد الخلق للواحد الأحد وهو ما ندعو إليه قبل الصراع وأثناءه وبعده .. فإن النصر في حركتنا الجهادية يعني إزلة العوائق أمام الدعاة ويكشف الحجب عن أعين الناس ليمكنوا من الاختيار ..

إن جوهر الجهاد قائم على تحقق النصر على الشيطان بالتغلب على أئمة الكفر وبطانتهم وجندهم لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني آدم .. وليس قائم على إبادة الناس .. وعلى شباب الأمة عامة ومن حمل منهم السلاح خاصة أن يتعلموا ويفقهوا مراد الله من الدعوة والجهاد ( عملية التغيير ) ومن ثم يعقلون ماذا يقدمون للناس بعد النصر ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -17- (استراتيجيات الضغط)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -16- (استراتيجية الهجوم الخاطف)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -16- (استراتيجية الهجوم الخاطف)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -16- (استراتيجية الهجوم الخاطف)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

16- استراتيجية الهجوم الخاطف

 

المعلومات: ( الاستطلاع والمخابرات ) .. الإعداد الدقيق: الخدعة ( اشباع غرور العدو  ) .. جذب العدو  للجهة التي يتوقع منها الهجوم لتثبيته .. المفاجأة: ( السرعة .. القوات المحمولة .. الظهور القوي من الجهة التي استبعدها العدو  ) .. إنه الهجوم الخاطف ..

التردد ليس خياراً .. ولكن الإعداد الدقيق يعني: دراسة المعلومات عن العدو  ومعرفة نواياه .. نشر الإشاعات في جبهة العدو وبين شعبه .. وضع الخطة لضرب العدو نفسياً وعسكرياً .. القوات المحمولة مع شؤون إدارية خفيفة .. خطة الخداع .. خطة تثبيت الجبهة الرئيسة للعدو .. المناورة الخاطفة حيث لم يتحضر لها العدو .. تعميق حالة الإرتباك وفقدان التوازن في صفوف العدو .. استثمار المفاجأة إلى أقصى قدر ممكن ..

يكمن جوهر هذا الهجوم إلى الاستخدام الجيد للقوات الناتج عن الفكر العسكري وليس التفوق العددي .. قديما قيل: من مأمنه يؤتى الحذر ..

 

تعرف الحرب الخاطفة بأنها: “عملية تسلل عميق وسريع وعنيف بالقوات المحمولة ( القوات المدرعة وقوات المشاة الميكانيكية مع استخدام الطيران ) لاختراق نقاط الضعف في جبهة العدو أو الالتفاف عليها .. بهدف احكام حصاره لتسريع انهيار قواته”.

الحرب الخاطفة موروث تاريخي قديم ساهمت فيه كل الأمم .. ومارسه عدد من القادة هم الأبرع في زمانهم “صن تزو .. الإسكند الأكبر .. خالد بن الوليد .. جنكيز خان .. فريدريك الثاني” وكتب عنها فولر وليدل هارت ..

من سمات الحرب الخاطفة الأساسية: “الاقتراب غير المباشر” .. “قوة الصدمة” .. “خفة الحركة”  .. “سرعة الحسم” .. “تعزيز النجاح” .. “المناورة بالجهود” .. “إستراتيجية الإجهاد” .. “تجزئة العدو” .. “تدميره على التتابع” …إلخ ..

الحرب الخاطفة ليست اختراعاً ألمانيا .. لكن الألمان ( هتلر ) استخدموها بذكاء خاصة مع التطور الكبير في أسلحة عصرهم “الطائرات .. الدبابات .. المشاة الميكانيكي .. وحدات المظليين .. وسائط التواصل والتشفير …إلخ” ..

 

استراتيجية الحرب الخاطفة عند المغول والألمان:

1- حداثة المعلومات ونشر الإشاعات: فهي حرب استخبارات بامتياز يتولى فيها الاستطلاع والمخابرات: تأمين المعلومات وممارسة الحرب النفسية ( كان يكفي أن يقال المغول قادمون لتنهار الجبهتين الداخلية والعسكرية ) .. تحديد نقاط الضعف والثغرات في مواجهة العدو .. تحديد الجهة التي لا يتوقع منها العدو الهجوم الرئيسي ..

2- مشاغلة الجبهة بهجوم على المواجهة الرئيسية بهدف تثبيت القوات المدافعة .. وسحب بعض القوات بحيلة الهزيمة لمطاردتها إلى جهات ثانوية لخداعها عن اتجاه المجهود الرئيسي ..

3- مناورة المجهود الرئيس التي تعتمد على القوة المدرعة التي تنطلق من خلال مهاجمة الثغرات التي تم تحديدها لتحقيق اختراق عميق لخطوط العدو بهدف: قطع خطوط إمداداته .. وإرباك مراكز مواصلاته وتدمير مراكزه القيادية والإدارية .. ضرب وحدات الاحتياط .. وتطويق دفاعاته لإحكام حصار جبهته للإسراع في انهيارها .. ويتم تأمين الوحدات المدرعة باندفاع وحدات المشاة المحمولة من خلال الثغرات لتحكم الحصار ..

ملاحظة: لم يكن لدى المغول وحدات مشاة وإنما سلاح فرسان يتبع كل فارس أربعة جياد للتبديل مما منحهم سرعة تفوق سرعة أي جيش آخر في زمانهم كما ساهم تكتيكهم هذا بظهورهم المفاجئ في الأماكن غير المتوقعة .. راجع اسقاط الدولة الخوارزمية ..

تعتمد هذه الاستراتيجية على ثلاثة أعمدة: مجموعات متحركة .. التنسيق الكامل بينها .. جودة منظومتي: الاتصالات التقنية والتواصل البشرية ..

 

دور وحدات الاستطلاع العسكري في الحرب الخاطفة:

يتبلور في تحديد مراكز ثقل العدو لتجنبها ونقاط ضعفه لاستثمارها .. وهذا يعني بالضرورة استكشاف الثغرات التي لا يتوقع العدو التقدم منها وبالتالي يهملها .. شريطة أن يكون بها طرق أو يمكن إنشاء ممرات للانتشار تساهم في سرعة التغلغل في عمق العدو أو الالتفاف عليه قبل الاندفاع من الثغرة ..

في حالة وجود محاور خطيرة يصعب عبورها ( صحراء أو مستنقعات أو تقاطع أودية أو أنهار ) فلا بد من تجنيد أدلة لتجاوزها مع الأخذ بعين الاعتبار أن وسائل الملاحة الحديثة يجب الاستفادة منها في حالة عدم تمكن العدو من تعقبها .. وقديما قيل: قتل أرض عالمها وقتلت أرض جاهلها ..

من المهام الحاسمة لوحدات الاستطلاع  في المحاور الخطرة أن تقوم بتوفير مخابئ إدارية لتموين الوحدات المتقدمة أثناء عملية التسلل خاصة إذا كان المحور طويلاً ..

من المهم أيضاً أن محاور الاقتراب غير المباشرة لا تسمح للعدو باستخدام احتياطيه بل وتفاجئه بوجود قوات الهجوم على رأسهم .. وفي حال وجود ثغرات تمكن قوات الاحتياط من التسلل منها لمهاجمة وحدات الهجوم فلا بد من تأمين هذه الثغرات إما بالنيران أو الألغام أو الموانع الهندسية المناسبة لعزل احتياطي العدو ..

يفضل أن تقوم وحدات الاستطلاع بالتعاون مع وحدة الهندسة العسكرية بإنشاء ممرات عرضية جديدة ومفاجئة للعدو لتسهيل المناورة الجانية أو الالتفاف لتخدع العدو وتظهر أمامه في الزقت المناسب .. أو بحيث تظهر كأنها متجهة إلى نقطة معينة ثم تحويل اتجاه تحركها في آخر لحظة إلى الاتجاه الحقيقي ..

 

دور المخابرات في الحرب الخاطفة:

تقوم فلسفة المخابرات في الحرب الخاطفة على ضرب البطن الرخو للعدو نفسياً بهدف: تدمير إرادة الشعب وإجهاض رغبته في المقاومة .. وهزيمة القيادة السياسية من الداخل .. في أسرع وقت وبأقل تكاليف .. وعليه تبحث المخابرات عن نقاط الضعف لدى الشعب وتعمقها وتتسلل منها قبل اندلاع الحرب ..

فمن خلال الطابور الخامس تمارس أساليب الحرب النفسية: الشائعات .. تشويه الحقائق .. التضليل والتلاعب بذاكرة الشعب .. وبث سموم الفرقة بين شرائح المجتمع من خلال تضخيم الفتن الدينية والحروب الحزبية والثآرات العرقية والخلافات القبلية والأحقاد الطبقية وتشغل منظومة الحكم والشعب في متاهة تدمر الوحدة والانسجام السياسي أو تضعفها ..

وليس بعيداً عن التحركات العسكرية على الحدود القيام بأعمال التخريب للبنية التحتية للدولة واستنزاف قوتها الاقتصادية .. فتفجير الجسور والسدود الصغيرة وضرب شبكات الكهرباء وتلويث المياة وإشاعة حالة من الرعب تهدد الاستقرار الأمني الداخلي …إلخ ..

كل ذلك يربك القيادة السياسية ويستنزف قدرتها الاقتصادية خاصة عندما يستغل التجار الموالين للعدو والممولين منه بإضعاف العملة المحلية واحتكار السلع الرئيسية وإغراق البلد في سلسلة من الازمات .. ناهيك عن الحصار الاقتصادي الذي تمارسه بعض الدول بهدف شرخ السكينة والاستقرار الاجتماعي وإضعاف الروح المعنوية .. وانتشار الحسد والفرقة والنزاع الطبقي ..

ولتوضح هذا المجهود بجلاء تراجع الحرب المضادة على الثورة المصرية 2011 ودور المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية واستخدامهم اللامحدود للإعلام الفاسد في الانقلاب عليها ..

 

مبادئ الحرب الخاطفة:

1- المفاجأة وهي تتحقق بإفشال توقعات العدو في تحديد: “الوقت أو المكان أو نوع السلاح أو الوسائط الحديثة أو أسلوب التكتيك” وبنجاح اخفاء نوايانا عن قوات استطلاعه وأجهزة مخابراته .. بهدف توجيه ضربة خاطفة تسهل إنهياره ..

2- السرعة: في المحافظة على المبادأة وسبق العدو بخطوات لاستثمار المفاجأة في تعزيز النجاح وضرب قوات العدو الاحتياطية .. وحرمان العدو من الوقت لإعادة تجميع قواته وحشدها أو إجهاض محاولة انتقاله لموقع دفاعي جديد ..

3- تحقيق التفوق المحلي: أي منح قوتنا الأفضلية بتركيز الجهود في اتجاه المجهود الرئيسي الموجه نحو أضعف نقاط العدو .. يجب أن يتم تحقيق تفوق في العدد والسرعة والنيران لتحقيق اكتساح في الثغرات واستمرارية في الضغط على العدو وإجهاده والمحافظة على المبادرة والمفاجأة ..

4- المناورة: هي الاستخدام المرن للقوات لتحقيق الانسجام بين النار والحركة والأرض .. والتقدم من خلال الالتفاف على جبهة العدو أو اختراق أضعف نقاط الجبهة لتحقيق التفوق ومن ثم إرباك العدو ووضعه في موقف غير متكافئ ..

5- تثبيت الجبهة: أي مشاغلة كامل الجبهة في المواجهة وعلى الأطراف وفي العمق القريب .. لتشتيت رؤيته وخداع فكره وتبديد جهوده واستنزاف قدراته .. ولتغطية تحركات وحدات المناورة وفسح المجال أمامها لتحقق المفاجأة بالسرعة المطلوبة والعمق المناسب لانهيار الجبهة بكاملها ..

6- الأمن ( السرية والخداع ): إخفاء نوايانا ( الاستراتيجية ) وتحركاتنا ( التعبوية ) وخططتنا ( التنفيذية “التكتيكية” ) .. لإعماء العدو عن رؤية: الحشود ( تركيز الجهود ) ..  اتجاه التقدم للمناورة .. نقاط الاندفاع ..

7- العامل المعنوي: الإيجابي لوحداتنا النابع من معتقداتنا والمشبع بالحماسة وروح التضحية والفداء .. والسلبي لوحدات العدو وشعبه كما أسلفنا في دور المخابرات ..

من المفيد التنبيه على عيب يواجه الحرب الخاطفة وهو صعوبة توفير الإمدادات الإدارية والإسناد الناري المباشر .. وعلاج ذلك يكمن في السرعة والمفاجأة والتفوق المحلي والأمن ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -16- (استراتيجية الهجوم الخاطف)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

بسم الله الرحمن الرحيم

15- استراتيجية الاستخبارات

الإشارات التي يطلقها الناس تبين حركتهم التالية لمن يلتقطها ويقرأها؟ .. حينما سأل الأسد العجوز الثعلب الواقف على فوهة الكهف: لماذا لا تدخل؟ قال الثعلب: كنتُ دخلت لو لم أرى الكثير من آثار الخطوات الداخلة إلى الكهف دون أي خطوات خارجة .. بعد غزو العراق للكويت قال بوش الأب لصدام حسين: دعنا نرسم خطاً .. حينما سأل مراسل أمريكي الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله عن خطوته القادمة فقال له: الجواب ما تراه لا ما تسمعه .. ووفى بها كما وفى من قبل هارون الرشيد .. عندما عُرض على سيد العصر في الوفاء الملا عمر رحمه الله بيع الصنم قال: لأن ينادى علي يوم القيامة أين عمر هادم الصنم؟ أحب إلى من أن ينادى علي أين عمر بائع الصنم؟ .. ووفى بها كما وفى من قبل محمود الغزنوي .. ما نقوله أو ما تخطه أيدينا يجعلنا كتاب مفتوح فكل إناء يفيض بما فيه ..

أربعون عام وأفغانستان “قاهرة الامبراطوريات” تقاوم بكبرياء .. في نهاية عام 1838 غزا الانجليز أفغانستان لأنها ستؤمن مصالح بريطانيا ضد الروس .. كما أن نجاح الحملة مضمون فرجال القبائل الأفغانية يحملون أسلحة بدائية .. والجيش الإنجليزي سيقدم نفسه على أنه محرر لأفغانستان من الغشم الروسي .. وكجالب للتقدم والتحضر والدعم  .. وسيضعون وكيلاً لهم يرعى مصالحهم ( الشاه شجاع ) ملكاً على أفغانستان .. وعندها يغادر الجيش ويصبح النفوذ البريطاني غير مرئي للشعب الأفغاني .. هكذا كانت رؤية مخطط الحرب الانجليزي ( ماكناتن ) فما الذي حدث حتى أبيد الجيش البريطاني عن بكرة أبيه؟!! ..

الذي رأه الشعب الأفغاني ولم يلحظه قائد الحملة ( ماكناتن ) أن الشاه بداً مع كبر سنه خاضعاً للمحتل .. الحاكم السابق لأفغانستان ( دوست محمد ) يعد جيشاً في الجبال لطرد المحتل .. أهان المحتل القبائل في الجنوب وسلب أراضيهم من أجل الطعام .. استدعى قائد الحملة مايربوا على 12 ألف هم عائلاتهم وخدمهم وجنود إضافيين .. شاهد الأفغان أيضاً في شوارعهم عادات غريبة “الخمور – سباق الخيل – المسرح …إلخ” .. خفض المحتل رسوم العبور في المناطق القبلية التي تُدفع للقبائل إلى النصف .. اتبع المحتل سياسية فرق تسد بين القبائل في محاولة فاشلة برشوة سياسية لأحد قادة القبائل ..

أما الحاكم البريطاني ( مكناتن ) فكل الذي رأه أن ( الشاه شجاع ) بلا شعبية فقرر عدم مغادرة أفغانستان للحفاظ على مصالح بريطانيا .. لم ينصت للأصوات التي حذرته من نشر العادات الغربية في الشارع الأفغاني .. تعلل بأن كل شيئ سينسى ويغتفر عندما يغادر الجيش وما أن يشعر الأفغان بفوائد الحضارة الإنجليزية حتى يزداد امتنانهم .. تجاهل نصيحة ( الشاه شجاع ) حول اغتيال خصومه ..

في نهاية 1841 أحرق الشعب الأفغاني ( الكسندر بورنيس ) المسؤول عن السياسة البريطانية بكابل في بيته الذي أكلته النيران .. وانتشرت الثورة على الإنجليز .. فعقد ( مكناتن ) علناً اتفاقية يخرج بموجبها الجنود الإنجليز ومرافقيهم من أفغانسان في مقابل تأمين الأفغان الطعام لهم خلال انسحابهم .. وفي نفس الوقت أعد حيلة تساعد على بقاء النفوذ الإنجليزي في أفغانستان .. فأرسل سراً عارضاً رشوة سياسية على أحد زعماء القبائل بجعله حاكماً على البلاد وسيموله بسخاء للقضاء على الثورة ..ولتأكيد الاتفاق ذهب ( مكناتن ) للقاء الزعيم القبلي ( أكبر خان ).. ولأن معدن الأفغان نفيس قبض ( أكبر خان ) على ( مكناتن ) وأرسله للسجن .. وفي الطريق احتشد الأفغان وقاموا بتقطيع ( مكناتن ) لأشلاء وساروا بأطرافه في كابل وعلقوا جذعه على خطاف الجزار في سوق كابل ..

وأجبرت القبائل الأفغانية ذات التسليح البدائي الإنجليز القوة العظمى ذات التسليح الحديث والمهول على الانسحاب من طريق ( كابل – جلال آباد ) 160 كم فقط .. وخلال الطريق وبمعية الله قضى الأفغان والطقس السيء على 17000 جندي إنجليزي مع عائلاتهم وخدمهم .. مسطرين بالدماء نهاية الحملة الأولى الفاشلة للإنجليز على أفغانستان التي لم تتجاوز سنتين وأشهر قليلة ..

في 13 يناير 1842 وصل إلى الحدود الأفغانية الهندية بجلال آباد حصاناً يشق طريقه وسط الثلوج باتجاه البوابة .. كان راكبه نصف الميت هو الدكتور ( ويليام برايدون ) الناجي الوحيد من الحملة البريطانية الملعونة لأفغانستان .. فهل اتعظ الأمريكان؟ ..

لقد أغلق ( مكناتن ) عينيه وأصم أذنيه فلم يرى الاشارات كما لم يسمع التنبيهات والنصائح .. ولو أنه تواصل مع الهنود الذين عاشوا بأفغانستان لأخبروه أن الشعب الأفغاني من أكثر الشعوب كبرياء واستقلالية على وجه البسيطة؛ وأن منظر القوات الأجنبية في طرقاته هي إهانة لا تغتفر .. وأن محاولة تغيير عادتهم لما يراه هو تحضراً عندهم فسق وفجور وخروج عن العرف والتقاليد .. أما سلبه لأموالهم وأرضهم هو خط أحمر لا تحمد عقبى تجاوزه .. وأسوء ما هداه إليه عقله تخيله أن المال وجاذبية المصلحة الذاتية تشتري له الولاء بين الأفغان .. أن ترى من منظورك أنت!! وتفهم كما تحلم أنت!! وتريد أن تجبرهم على تبني مشروعك!! وتديرهم كما يحلو لك!! فأين هم من كل ذلك بل أين أنت؟ إنه عمى البصيرة لنفس مريضة وهكذا المحتل دوماً وكذلك الطغاة قال الله تعالى  عنهم {… قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ {29}..

الأفغان غير قابلين للتطويع بل تكمن عزتهم في المواجهة والصراع .. وهذا هو أسلوب حياتهم: إله يعبدونه .. دين يفخرون برفع لواءه .. وأرض صلبة يعشقونها ويحرسونها .. وجبال وعرة يمتطون قممها ويروضونها .. وهواء نقي يتنفسونه .. فمن يجرؤ على أن يسلبهم حريتهم أو يعكر عليهم صفو حياتهم ..

لقد مر على أفغانستان الاسكندر المقدوني فلم يهنأ فيها .. وتبعه الإنجليز فما عاد منهم إلا برايدون .. ودَفن الروس في أرضها أشلاءً أطلق عليها يوماً الاتحاد السوفيتي .. واليوم تجتهد أمريكا في الفرار لتبقى متحدة وهيهات فلعنة أفغانستان أصابتها .. كما أصابات الإمبراطوريات قبلها .. إنها مقبرة الغزاة فمن يجرؤ على العودة؟ .. بل راياتها السود تخرج فاتحة للغرب قريباً إن شاء الله ..

وبقيت كلمة: ليس بالسلاح وحده ننتصر وإنما بهذا الدين .. القدرة على تحقيق النصر ليست بحداثة السلاح وتطوره .. ولا بالصواريخ والطائرات والدبابات .. ولا بالتقنية الحديثة .. ولا باسم الامبراطورية إنجليزية أو روسية أو أمريكية .. إنما بهذا الدين الذي عمرت به قلوبهم .. وبهذه اليد الصابرة المحتسبة التي تمسك بالسلاح .. هؤلاء هم الأفغان المسلمون .. البلد والشعب الذي أذل أعتى الامبراطوريات .. لا أحد يقدر عليهم طالما أن الله معهم ..

في لعبة السياسة من الأهداف الاستراتيجية “شخصية متخذ القرار” سواء كان شخص أو مجموعة .. ادرس بعمق شخصية القائد وبطانته المؤثرة في القرار .. تعرف عليهم عن قرب .. حدد نقاط ضعفهم .. ليس بالضرورة أن تكون النساء أو المال .. ربما رغبته في إثارة الإعجاب أو حرصه على إخفاء بعض المظاهر الجسمانية أو حلمه بأن يقبل به المجتمع السياسي كند .. أو توقه لأن تقبله الطبقة الاجتماعية الأعلى كعضو .. أو حرصه على احترام نفسه …إلخ .. فحتى أقوى الرجال لديهم نقاط ضعف إنسانية ..

الجزء الثاني في اللعبة هي إعطاء هذه القيادة ما تريده بشدة لتنال منها ما تريد .. فرجل المخابرات يمنح إعجابه لمن يطلب الإعجاب ليجعله يستمر في الثرثرة والإدلاء بالمعلومات أو لتوجيهه بشكل غير مباشر لما يضره أو لتخويفه فلا يقوى على الخطوة التالية .. كما أن القيادة التي ترغب في أن ترفع من طبقتها الاجتماعية فربما تداوى ببعض المال أو بالزواج من إمرأة من الطبقة الأعلى .. وهكذا يمكن اكتساب ثقتها ومن ثم إدارتها عن بعد لحتفها .. هكذا فعلت أوروبا بنابليون “عبقري الحرب” حتى قضت عليه .. فحينما تقضي على القائد تتوه القوات .. وقديما قيل “اضرب الراعي تتفرق الخراف” ..

 

وبقيت نقطة:

في اللعبة الدولية الحديثة حينما تحاول بعض الشعوب أن تفلت من وطأة الامبراطوريات المستعمرة تلجأ الأخيرة إلى الخيار شمشون “علي وعلى أعدائي” وتنفذ ذلك من خلال الحكمة الإنجيلية “اضرب الراعي تتبدد خراف الرعية” فتقوم بإثارة الفتن الداخلية فتُدخل البلاد في متاهة وحالة من الفشل تتبدد معها الثروات وتضيع كثير من الفرص .. وللخروج من هذا المأزق لجأت لإعادة صياغة الحكمة السابقة – فالإنجيل على كل حال محرف ولا يضره زيادة البلل – كالأتي: “اكسب الراعي تكسب خراف الرعية” .. أليس هذا ما تعيشه اليوم بلادنا الإسلامية؟ ..

 

الاساس في نشأة أجهزة الاستخبارات هو رغبة القيادة في معرفة:

أولاً: نفسية القيادة المعادية ونفسية بطانتها والمؤثرين في اتخاذ القرار .. فمن المهم أن نعرف كيف تفكر وما هي المرجعية التي تحكم مسيرتها .. والضوابط العامة والخاصة لشخصية القائد وأعوانه المتنفذين .. وخلاصتها أن تجعل الخصم كتاب مفتوح يمكنك توقع تصرفاته بدقة عالية ..

ثانياً: الحصول على المعلومة الخام لتحركات العدو ليس العسكرية فقط وإنما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية .. إلخ فكل خطوة يخطوها في كل منها هي مؤشر على مجموعها النهائي .. وهو الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه وربما الذي كلفت بتحقيقه! ..

ثالثاً: رؤية الاشارات التي تنبئ بالخطوة القادمة للعدو .. جرت العادة أن لدى البشر رغبة مكبوتة في كشف نواياهم ولهذا فمن خلال ملابسهم ومن خلال لغة الجسد وتصرفهم بعقلانية أو بعصبية أو بدعابة أو حتى بالرقص ( البشير ) ورؤية بث عيونهم .. أو بتحديدهم أيام خاصة للقاءات الإعلامية .. أو صياغة عبارات لها دلالة خاصة أو مستوحاة من كتبهم ( المقدسة ) أو لها معنى ودلالات من خلال الحكم والأمثال والقصص الشعبية والأساطير القديمة .. فكل هذه رسائل يكشفون بها عن نوايهم .. وربما عن حيلهم! ..

التعرف على نفسياتهم تجعلهم كتاباً مفتوحاً .. المعلومة الخام هي الواقع العملي .. رؤية الاشارات تكشف النوايا .. وكلها تكسبنا الرؤية والاحساس بالأمن أو الخطر .. وتجعلنا نتنبأ بالخطوة أو الخطوات القادمة ..

 

نصائح مخابراتية:

– في العمل المخابراتي المطلوب من عنصر المخابرات إحضار المعلومة الخام كما هي .. على أن يدون تحليله الشخصي في تقرير منفصل ..

– نوعية المعلومة أهم من كميتها .. خاصة النفسية منها .. فمعلومة صغيرة تفيد بأن الخصم شخص عصبي يسهل استفزازه .. فنحن أمام شخص نادراً ما يفكر بطريقة صحيحة ويمكن سوقه والسيطرة عليه وإفقاده توازنه لاتخاذ المزيد من القرارات الخاطئة ..

– الأزمات تكشف نقاط ضعف العدو خاصة تلك التي يجتهدون في إخفاءها .. ووضع الخصم في موقف دفاعي يجعل رد فعله فاضحاً لأكبر مخاوفه التي سيبذل الوسع في سترها ..

– المعلومات القيمة هي ثمرة شبكة من الأصدقاء والحلفاء .. الأبواب الخلفية التي يدخلون ويخرجون منها تساهم في الحصول على أثمن المعلومات كما تساهم في تسوية الكثير من النزاعات .. ولا غنى عن هذه الشبكة غير الرسمية ..

– جرت العادة أن تضم شبكة المعلومات الرسمية: بخلاف أصحاب النفوس الضعيف يمكن ضم الشخصيات المناهضة للعدو وترغب في التعاون .. المنبوذون والمهمشون .. الأقليات الطامحة للتحرر والاستقلال .. القبائل التي تم إذلالها .. كل من له ثأر مع نظام العدو وله رغبة في القضاء عليه ..

– لا يمكن الاعتماد على نوع واحد من الشبكات .. كما لا يمكن الاعتماد على معلومات يأتي بها عنصر واحد ..

– قراءة مؤلفات القادة تجعلهم كتاباً مفتوحاً للمدقق .. مثل هذه المؤلفات تحتاج إلى دراسة عميقة ..

– العدو ليس أحمقاً ولا جامداً لا يتفاعل أو يتغير .. هو أيضاً يمارس نفس ما تفعله .. والصراع بين عقلين متجدد ومتغير .. إن عمق المعرفة بنفسية العدو لا تغني عن حداثة المعلومة خاصة إذا كان العدو يعتمد على المؤسسات وليس على الأشخاص الذين يتواجدون على قمتها لفترة من الزمن ..

– اعرف عدوك جيداً قبل اتخاذ أي خطوة .. فالقائد الانجليزي ( مكناتن ) تغافل باستعلاء عن فهم الشعب الأفغاني ولم يرى عزة نفسهم وكبريائهم وبالتالي لم يلمح بريق سيوفهم إلا عندما شرعت في تمزيق جسده ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

بسم الله الرحمن الرحيم

14- الحرب الهجومية

 

تشابه عناوين مبادئ الحرب بين المسلمين وغيرهم لا يعني أن جوهر الحرب متشابه .. فالفارق في المضمون والغاية كبير جداً .. جوهر الصراع عند غير المسلمين هو المصلحة .. ومحركها الجشع والحسد .. وغايتهم سرقة ثروات الأخرين واستعبادهم .. ولا يختلف بقايا أهل الكتاب عن غيرهم في ذلك .. فنصوص التوراة المحرفة تدفعهم لابادة خصومهم .. وما يمنعهم أحيانا عوامل ليست أخلاقية كما يزعمون .. ربما تكافئ القوى .. ربما الحاجة الاقتصادية لهذه الأيدي .. ومنعهم مؤخراً استغلالهم كحقل تجارب أو قطع غيار بشرية .. قال كبيرهم “لا يوجد صداقةأو عداوة دائمة ولكنها المصالح” ..

المسلمون[1] حينما خرجوا جهاداً في سبيل الله حملوا رسالة الحب والخير والحرية للبشرية .. وهدفهم من الحرب ومازال تحطيم أغلال العبودية لغير الله .. وتصحيح العقيدة فيعبدوا الله الواحد الأحد .. ولصبغة مسيرتهم إليه سبحانه وتعالى بشريعته .. ودربهم بمنهجه .. إن جوهر الصراع قائم على تحرير العقل .. برفع كل الحجب المادية والنفسية عنه ليتلقى الرسالة ويختار الطريق ..  

 

قبل الشروع في العمل العسكري يجب أن ننتبه للفارق الكبير بين الدين الاسلام كمحرك وضابط للنظام الذي يتبعه وبين بقية الأنظمة الحاكمة الأخرى بالعالم .. فالغاية في الاسلام هي أن تدين البشرية بالوحدانية لله والعمل بشريعته سبحانه وتعالى ولذلك استهدف الاسلام العقل والروح ووجه إليهما رسالته .. وخاطبهما بالحكمة والموعظة ووفر لهما  كل سبل الاقناع الدعوية والجهادية .. وعلى العكس من هذا استهدفت كافة القوى الأخرى الجانب المادي فهددت وجود الإنسان وما يملك وعمدت إلى الاستيلاء على الارض وما بها من خيرات وثروات أو الابادة للبشر أو استعبادهم ..هذه المقدمة هامة حتى نفهم ويفهم خصومنا أيضا منهج الإسلام في الصراع مع الأخر ( كل من لا يدين بالاسلام من: أهل الكتاب أو الوثنيين أو اللادينين وغيرهم ) ..

 

مبادئ الهجوم:

1- الغاية والمهمة والمحافظة عليهما:

في ضوء الدين الإسلامي وفهم غايته يدار الصراع {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {193} البقرة.. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39}الأنفال .. تقوم القيادة السياسية بتحديد المهمة وتسندها للقيادة العسكرية وتراقبها لتظل محافظة عليهما ..

تقوم القيادة العسكرية بالأتي:

أ- تقيم المهمة في إطار فهم التأثير المطلوب إحداثة ومقارنة ذلك مع الإمكانات المادية والتقنية المتاحة .. وفي ضوء ذلك تقوم بالعمل على استكمال النقص أو بناء القوة المناسبة لتنفيذ المهمة .. “إعرف نفسك ونقاط قوتك ونقاط ضعفك” ..

ب- بالتوازي مع البند ( أ ) تقوم القيادة العسكرية بتقدير الموقف، حيث يقوم القادة بدراسة العدو دراسة شاملة لتحديد جوانب القوة والضعف .. “إعرف عدوك ونقاط قوته ونقاط ضعفه” ..

ج- التخطيط لتنفيذ المهمة وإحداث الأثر المطلوب .. وذلك وفقاً للظروف التي ستخوض فيها المعركة: “الوقت والمناخ وطبوغرافية الأرض …إلخ” .. وتهيئة القوات للقتال معنويا .. والقيام بالحشد الإداري .. وفق خطط زمنية محددة لتصل للجاهزية عند ساعة الصفر ..

د- المتابعة للمحافظة على الغاية باستمرار سواء عند التخطيط أو الإدارة .. ومراجعة المهام مع القرارات التنفيذية للمحافظة على الاتجاه وعدم الانحراف نحو أهداف أخرى ..

 

2- المعلومات:

لا يتوقع النجاح في أي معركة دون توفر معلومات متجددة وحديثة عن العدو وإمكاناته وتحركاته .. لتحديد نقاط قوته وضعفه ومعرفة نواياه .. ويتم جلب هذه المعلومات من خلال:

– الاستطلاع: لجلب المعلومات في ميادينه الثلاث البري والجوي والإلكتروني من خلال الدوريات والطيران والأقمار الصناعية وغير ذلك للحصول على معلومات تكتيكية وعملياتية واستراتيجية ..

يستهدف الاستطلاع التكتيكي جلب المعلومات الدقيقة عن تحركات ومواقع العدو قبل التماس معه مباشرة “حجم القوات .. المواقع .. الأسلحة .. الثغرات .. الحواجز (الموانع) .. طرق الامداد .. مقرات القيادة .. مراكز الرصد .. أرض المعركة .. مصادر المياه … إلخ” ..

أما الاستطلاع العملياتي فيستهدف عمق العدو بغية كشف نواياه ويجمع معلومات حول “الاحتياطي وأماكن حشده .. قواعد العدو الجوية .. بطاريات الدفاع الجوي .. طرق امداد .. مراكز التموين والمستودعات الخلفية .. طبوغرافيا مسرح العمليات .. انتشار الأنساق الخلفية” ..

ويستهدف الاستطلاع الاستراتيجي جميع المعلومات عن أهداف العدو الحيوية الاقتصادية والعسكرية في العمق الاستراتيجي مثل ” المطارات .. المصانع الحربية .. الجسور الرئيسية .. مصافي النفط .. محطات توليد الكهرباء .. السدود والموانع المائية .. محطات الردار .. مراكز تكديس الأسلحة والذخائر والعتاد …إلخ” ..

– الاستخبارات: وذلك من خلال العيون التي تعمل على اختراق العدو وتقوم بالحصول على المعلومات من الخرائط أو العملاء المجندين من صفوف العدو .. ويمكن أيضاً من خلال خطف عناصر كبيرة للعدو واستجوابها .. وكذلك استجواب الأسرى .. وأيضاً من خلال الاختراقات على مستوى القيادة السياسية للعدو .. أو التفاهم مع بعض القبائل أو سكان المنطقة .. وتجمع المخابرات أيضا المعلومات على المستويات الثلاث التكتيكي والعملياتي والاستراتيجي ..

 

3- المفاجأة:

وهي مباغتة العدو ومبادئته بطريقة مبتكرة تخالف توقعاته .. في الزمان أو المكان أو التكتيك أو التعبئة أو السرعة الحركية .. وتصدمه وتربكه وتمنحنا مزيداً من الوقت لاستثمار الصدمة في التغول في عمق العدو والوصول للهدف المطلوب تحقيقه .. استثمار الصدمة يعني ألا يسمح للعدو باستعادة السيطرة أو تنظيم دفاعه بل تدفعه الصدمة لاتخاذ قرارات ارتجالية خاطئة تحت الضعط طوال الوقت ..

إن أهم العناصر لتحقيق المفاجأة هو إخفاء نوايانا ( التنفيذية ) بسرية أعمال التحضير للمعركة ويساعد على نجاح ذلك خطة الخداع الإعلامية “عملية التضليل بالمعلومات” .. وخطة الخداع التكتيكية “إخفاء اتجاه المجهود الرئيسي” .. وكذلك الأمن والسرية “باستمرار الحركة العادية للقوات والتغطية على التحركات الحقيقة والسيطرة على الاتصالات من خلال شفرة قوية” .. كما تساندها أعمال القوات الخاصة والاستخبارات “العمل خلف خطوط العدو أو احداث انشقاقات مفاجئه في صف العدو” .. وأيضاً تساهم نوعية السلاح والمعدات وعدد القوات المستخدمة في الهجوم والروح المعنوية العالية والانضباط في التنفيذ في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية ..

وبقيت كلمة: “المفاجأة والمبادأة والخداع ثلاثة مبادئ يصعب فك الارتباط بينها .. فكل منها داخلاً في الأخر ومنتج له” ..

 

4- الأمن ( الحراسة والسرية ومكافحة التجسس ..إلخ ):

الأمن يعني عدم إعطاء العدو الفرصة للمباغتة وله شقين: الأول تعليمي للقيادات والجنود والشعب .. والثاني إجراءات عملية لها أجهزة محددة المهام .. فحماية الثغور تحرس وجود القوات من تسللات العدو الاستطلاعية والهجومية .. ومكافحة التجسس تحرم العدو من تشكيل طابور خامس من المنافقين الذين يمارسون أعمال التخريب المادي والمعنوي وتحد من الاغتيالات ونقل المعلومات .. كما أن تحصين القادة والجنود بالثقافة الأمنية يساهم في صون المعلومة من أن تقع بيد الأعداء .. وفي الهجوم يتولى الأمن حماية التحركات وضمان سريتها لمباغتة العدو أو لتفادي الوقوع في كمين .. كما يحمي القوات من أي إغارة على نقاط التجمع أو أثناء وقفات الاستراحة ..

الأمن والاستطلاع يكمل أحدهما الأخر وهما وجهان لعملة واحدة  ( المعلومات ) .. ويجب التنسيق وتبادل المعلومات بينهما فالأمن عمل داخلي وعلى مشارف المحيط الخارجي والاستطلاع عمل خارجي وفي عمق العدو ..

 

5- التكنولوجيا:

قد تصل الحرب إلى حالة من الجمود تحرم طرفيها الحسم في ميدان القتال .. وهذه الحالة يتم التغلب عليها من خلال التطوير في الأسلحة والمعدات وبالتالي في المناورة قريبة وبعيدة المدى .. وفي هذا العصر بلغ التقدم العلمي مبلغاً غير مسبوق فلم تتطور الأسلحة والمعدات الحربية العاملة في الميدان فقط .. ولكن التقنية أضافت للصراع عناصر مساعدة من خارج مسرح العمليات حققت تفوقاً يضمن توفير المعلومة بل وتحديد الأهداف وإصابتها من خارج ميدان العمليات .. وبدون اللجوء إلى استنزاف العنصر البشري .. من خلال الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار في الاستطلاع والقصف ومضادات الدبابات والطيران المحمولة على الكتف والصواريخ السابحة متوسطة وبعيدة المدى والعابرة للقارات وتقنيات التجسس والاختراق عن بعد من خلال شبكة الانترنت …إلخ .. وبقدر ما تنفق الدول على تقدمها العلمي بقدر ما تجعله عنصراً حاسماً في الحرب الهجومية والدفاعية .. وهذا موضوع القرن الذي يجب أن تبذل فيه الجماعات المجاهدة وسعها فلا تكتفي باستخدام مصنوعات العدو أو وسائل اختراقه وإنما تعمل على بناء جهاز من النابهين موضوعهم التقنية الحربية ..

 

6- التدريب:

تقدر خبرة الجيش والجنود بتاريخهم العسكري وبرقي التدريب واعتماده على التمارين العملية الهجومية المتنوعة .. مثل التسلل والإغارة والكمائن ومناورات الهجوم المختلفة .. كذلك التدريب على مقلدات الأسلحة ووسائل المحاكاة فهي فضلاً عن توفيرها للذخائر ذات الكلفة العالية فإنها تعمل على برمجة الجندي حال تعرضه لظرف مشابهة .. هذه النقطة غاية في الأهمية حيث يكون رد فعل الجندي آلياً في الميدان بعيداً عن الخوف والتردد كما تجعله واثقاً من نفسه ورفاقه والسلاح الذي بين أيديهم .. وبقدر ما تهتم القيادة باعداد وتدريب جنودهم بقدر ما تظهر كفائتهم العملية في ميدان القتال ..

إن الهدف الرئيس من التدريب هو إدخال الجنود في تجارب قريبة لما سيواجهونه لإثناء تقدمهم في أرض المعركة بحيث يلمون بنسبة مقبولة عن ظروف القتال ومناخه وتكون عقولهم حاضرةً لأي مفاجئة محتملة .. وقديما قالوا العرق في  التدريب يوفر الدماء في الميدان ..

 

7- الحشد:

هو حشد الجهود “المادية والمعنوية” في الوقت والمكان الصحيحين لإنجاز المهمة .. ومجال الجشد يكون في: البشر والتجهيزات والأسلحة والذخائر والتموين والخدمات الطبية وبقية الإداريات …إلخ  .. والحشد بطبيعته لا يبلغ المثالية والنقص الناتج في بعض النواحي الثانوية لا يضر طالما تمكنا من تحقيق تفوق في الجوانب الرئيسية ..

هذه التعبئة يتم ضبطها بالتوافق مع عدد من المبادئ مثل: الاقتصاد بالقوة ونسبة القوات والزخم والانتشار .. نظراً لأن الموارد المادية المتاحة لأي دولة محدودة فالحشد يكون محكوما بالاقتصاد .. كما أنه محكوم أيضلً بنسبة القوات في حالتي الدفاع والهجوم مع قوات العدو حيث يجب حشد العدد النسبي .. والحشد لا بد أن يوفر الإمدادات النارية والبشرية المطلوبة في المعركة حتى لا يفقد الهجوم زخمه وتكون النتائج عكسية .. كما أن الحشد يجب أن يتم توفيره في نقطة التعبئة التي تنسجم مع حالة الانتشار للقوات ..

 

8- الزخم:

أحد العناصر الهامة في العملية الهجومية إذ يجب المحافظة على زخم وعنفوان القوة النارية حتى تنتهي القوات المتقدمة من احتلال الهدف .. وأي توقف للزخم الناري قد يفشل العملية الهجومية ويحدث خسائر في القوات المتقدمة .. ولهذا فقصف القوات الجوية والمدفعية الخفيفة والثقيلة والضرب المباشر للدبابات والمدرعات المتقدمة مع المشاة ورشقات الأسلحة الرئيسية المصاحبة للوحدات المتقدمة والمتمركزة على منصات أرضية حاكمة عليها أن تستمر في صب نيرانها بشكل مكثف أثناء عملية التقدم على خطوط العدو الأمامية ثم تبادر برفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوات الهجوم باقتحام الهدف وتطهيره وتأمينه ..

الدقة في التوقيتات وحسن تواصل وحدات الإسناد وسلاح الجو مع قائد عملية الاقتحام يقلل من الأخطاء والفوضى التي تصاحب الاقتحام خاصة عند طلب رفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوة الاقتحام باحتلال الهدف ..

 

9- الواقعية:

وهو التعامل مع الواقع بدون تجميل .. أن نعرف من نحن ومن عدونا وطبيعة الأرض والمتاح من امكانات …إلخ في ضوء هذه المعرفة تبنى الخطة وفق ضوابط أخرى .. فلا يجب أن تكون خطة الهجوم طموحة جداً أو كثيرة التعقيدات حتى يمكن للجنود فهمها وتنفيذها في الواقع .. كما أن الإمكانات المتاحة المتوفرة تحت أيدينا تلزمنا بتحديد نوع الهجوم ( مباشر أو غير مباشر ) .. الفرق بين الأهداف والأمنيات هو الفرق بين النجاح والفشل فكلما كان الهدف المطلوب تحقيقة واقعياً ومتناسب مع قدراتنا كانت نسبة التوفيق أعلى .. ويجب أن تسير العمليات العسكرية لتحقيق المناخ اللازم للوصول إلى فاصل المفاوضات ( والتي قد تكون إملاءات المنتصر ) .. وقمة المهارة أن تفرض على عدوك الواقع الذي يجعله يلجأ للمفاوضات دون قتال .. علينا أن ندرس ( فتح مكة ) بعمق لندرك أن الصراع حتمي كما أن المفاوضات التي تعقبه هي التي تنهي حالة الحرب ..

 

10- المرونة:

إن المرونة ضرورة لمواجهة المفاجأت المحتملة التي قد تصادف خطة الهجوم .. ولذلك لابد من دراسة كافة السيناريوهات المتوقعة وإعداد خطط بديلة تجابه المخاطر المحتملة .. ولذلك من المهم أن تكون الخطط بسيطة وغير معقدة ليصلح التنقل بينها بمرونة دون حدوث أي  اضطرابات .. تتحقق السيطرة بساطة الخطة والمرونة في الانتقال بين البدائل .. الخطط المعقدة وعدم وضع خطط بديلة عندما تواجه ظرف غير متوقع تفقدنا السيطرة على الجنود ومن ثم على الوضع بالكامل ..

 

11- استثمار الفرص .. واستثمار النصر:

المفاجأة التي يتسبب فيها الهجوم المفاجئ تؤدي إلى انهيار سريع في معنويات العدو وتصيبه بحالة من الهلع تجعله يفر من موقعه بشكل فوضوى .. هذا الوضع يجب استثماره فيتم تطوير الهجوم لتعميق خسارة العدو وكسر إرادته وعدم منحه الوقت لإعادة تنظيم قواته .. هذا من أساسيات خطة الهجوم ..

تتم عملية استثمار النجاح عادة بوحدات الاحتياط فتدفع في الاتجاه المطلوب ضربه أو دعمه بحسب رؤية القيادة في الميدان .. الاستثمار لا يجب أن يتجاوز حدود المسموح به بدون توفير غطاء مدفعي وجوي .. والا سيتم تعريض القوات لمخاطر كبيرة ..

 

12- إعادة التنظيم:

ما أن تنتهي العملية الهجومية بدفع العدو للخلف واحتلال المنطقة المستهدفة تبدأ مرحلة غاية في الخطورة .. فلا بد من استعادة السيطرة على الوحدات المتقدمة وإعادة توزيعهم بسرعة ودقة لصد أي هجوم معاكس .. كما تبدأ الأعمال الإدارية لإعداد الموقع للدفاع حال تقرر البقاء فيه فترة أطول .. أعمال الحفر والتحصين وترتيب الواجبات الدفاعية وتوزيع أقواس الرماية للأسلحة الرئيسية .. وتبديل القوات بقوات حصلت على قدر من الراحة .. وإرسال الداوريات للاستطلاع  وللكمائن المتقدمة .. والتنسيق مع المجاورين …إلخ سلسلة الأعمال الدفاعية ..

كذلك إخلاء الجرحى والشهداء وإرسال الأسرى للخلف وتعويض المصروف من الذخائر واستكمال الخسائر من الأسلحة .. وإرسال التقارير عن الوضع وانتظار الأوامر الجديدة ..

 

– – – –

[1] كتاب الصراع ورياح التغيير الجزء الثاني فصل الاستراتيجية صفحة 199 .. وأنصح بقراءة فصل الاستراتيجية ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

عنوان المقالة : سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -14- (الحرب الهجومية)

 

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

بسم الله الرحمن الرحيم

13- الاستراتيجية الشاملة

 

الانشغال بردود الفعل اليومية يلهي عن رؤية الصورة الكاملة لخارطة الصراع .. ففي الوقت الذي تشغل عدوك بالتفاصيل اليومية والمعارك الجزئية .. صف ذهنك للتركيز على الهدف الأساسي والتخطيط لتحقيقه .. عليك بالنظر لصورة مسرح الصراع من كل زواياها .. ثم .. قسمه لأجزاء تستولي عليها تباعاً .. حارماً العدو من استقراره النفسي وعناصر قوته ومصادر طاقته وإمكاناته وتحلفاته ضارباً مصالحه لإضعافه وإنهاكه ومن ثم انهياره ..

الحماسة والمبالغة فيها تقلل من قدرة القيادة للسيطرة على عاطفتها وتشوش على أفكارها .. وبالتالي تحرمها اليقظة التي تمكنهم من رؤية المشهد الكامل .. على القيادة أن تحذر من الحماسة المفرطة وتحافظ على يقظتها وحذرها لتبصر ما لا تراه رأي العين وتسمع ما ليس في نطاق سمعها .. لتكون حاضرة وجاهزة لقهر أعداء الله .. كيقظة أبي بكر الصديق t وحراسته للمدينة .. ولا تنسى القيادة أن الحماسة للجنود كالحشوة الدافعة للصاروخ ..

 

الإعداد الجيد للقيادة يؤهلهم لتولي مهامهم باقتدار عندما يحين وقتهم .. حينما توفي رسول الله  رمت العرب المدينة عن قوس واحدة .. ارتد من ارتد من العرب ومنع بعضهم الزكاة ونجم النفاق في جزيرة العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية .. وعلى مشارف المدينة جيش أسامة t متأهب لمهمته .. حينها أشار أهل الرأي على أبي بكر (رضي الله عنه) بالتريث وتأخير إنفاذ جيش أسامة (رضي الله عنه) .. لكن أبو بكر (رضي الله عنه) الذي استحضر المشهد كاملا عدل عن رأيهم إلى خطة محكمة: فلم يمنح وساوس المتربصين وقتا حتى أحبطهم وأجهض مخططاتهم بإنفاذ بعث أسامة (رضي الله عنه) إلى الروم فأحجمت بمسيره المناطق الشمالية عما حدثت به نفسها .. ثم أمن أبو بكر (رضي الله عنه) المدينة فجعل كبار الصحابة (رضي الله عنهم) يرابطون مع المقاتلة على منافذ المدينة وجعل بينهم وبينه مراسلين لنقل الأخبار وجمع أهل المدينة في المسجد استعداداً لأي طارئ ونفع الله بذلك؛ فعندما طرقت الغارة الأنقاب وجدت عليها المقاتلة والمراسلين الذين نقلوا الخبر لأبي بكر (رضي الله عنه) الذي سار إليهم بأهل المسجد فردوا الغارة وغنموا عدوهم .. ولما رجع جيش أسامة (رضي الله عنه) غانماً عقد أبو بكر (رضي الله عنه) أحد عشر لواءً لقتال المرتدين ومانعي الزكاة في كل أنحاء الجزيرة فهزمهم بإذن الله .. وانتهت حروب الردة .. فعاقب من استحق العقاب وعفا عمن تاب وآب ..

على الرغم من قصر مدة خلافة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) إلا أنها مرت بمرحلتين رسمتا ملامح الاستراتيجية الاسلامية .. التزم فيها أبو بكر (رضي الله عنه) درب صاحبه ومعلمه .. في المرحلة الأولى توجه نحو توحيد جزيرة العرب ليجعل منها قاعدة انطلاق  للقوة الإسلامية التي دفعها في المرحلة التالية لفتح العالم المعروف أنذاك فوجه الجيوش إلى فارس والروم ..

والمتتبع لسير الفاتحين يجد تشابها بين انطلاقاتهم وبداية عهدهم بعد وفاة المؤسس .. نجد هذا واضحاً مع المسيرة العسكرية للإسكندر المقدوني .. لقد وحد والده الملك فيليب اليونان ( باستثناء اسبرطة ) ولما اغتيل الملك بادرت أثينا للانسحاب من الاتحاد وتبعها غيرها .. واعتلى الإسكندر الشاب العرش فنصحه الجنرالات والسياسيون أن يتحرك ببطء ليعزز وضعه في الجيش وفي البلاد ثم يعيد إصلاح الاتحاد باللجوء إلى المكر والقوة معاً .. لكن الإسكندر رفض ذلك ولم يمنح أعداءه الفرصة لينظموا قواهم فقاد الجيش بقوة وقسوة وحزم فدمر طيبة وردع أثينا وأعاد توحيد اليونان .. ثم توجه بجنوده في خطوة جريئة نحو الفرس فهزمهم في ( غرانيكوس ) ولم يتعقبهم شرقاً كما لم يمنحهم الوقت .. فسار جنوباً إلى مصر ليحرم الفرس من غلالها الوفيرة ومواردهم الأساسية ويساعد على استقرار الاقتصاد الإغريقي .. كما حرم الإسطول الفارسي من شواطئه الغربية فجعل الإسطول بلا قيمة .. وأرسى قواعد العدل مع شعوب المنطقة وأظهر رحمة أكسبته قبولاً عاماً .. وما لبث أن تحرك شرقاً ليضع الفصل الأخير من حكم داريوس الذي فقد موارده وقواته البحرية ودعم شعوب المنطقة .. لقد كانت حياة الإسكندر قصيرة مع إنجازات كبيرة ..

 

نلخص ذلك في عدة نقاط:

1- توحيد الجبهة الداخلية في إطار وحدتها الجغرافية وهي جزيرة العرب .. وحتى نفهم أهمية ما قام به الصديق(رضي الله عنه) في حال لم يبادر إلى تنفيذ أمر رسول الله بإنفاذ بعث أسامة (رضي الله عنه) وإصراره على قتال المرتدين ومانعي الزكاة لعمت الفوضى ولما بقي من المسلمين إلا قلة بالمدينة ولتناقصت الشريعة ولم تصل لنا .. ولعاد العرب إلى جاهليتهم ولحرم العالم من نور الإسلام ..

2- الانطلاق بمن وحدهم إلى خارج جزيرة العرب .. في حال بقاء الإسلام محصوراً بالعرب لأكلته الصراعات الداخلية .. فدفعهم للخارج حول التنافس بينهم وقوداً لفتح العالم بدلا من التردي في الصراعات الداخلية .. ولم تخرج انطلاقة الإسكندر عن ذلك إلا لتحقيق حلم الانتصار على عدوهم التاريخي ..

3- رؤية المشهد الكامل لمسرح الصراع وبناء الاستراتيجية الشاملة .. فلم يغتر الإسكندر بالنصر الذي حققه فركض خلف داريوس؛ ولكنه فطن لخطر طول خط إدارياته والجيوب التي ستكون خلفه وعلى مجنباته ولذلك جرد عدوه من الأطراف والموانئ والجزر التي اعتمد عليها سابقاً في الهجوم على اليونان كما استولى على مصادر الدعم في مصر الغنية بالخيرات وحرم منها داريوس .. ثم انطلق شرقاً للقضاء على عدوه ..

4- مارس السياسة كما علمه أستاذه أرسطو فلم يسلب عدوه الأرض والخيرات فقط ولكن عقول وقلوب الناس أيضاً فكان كريماً رحيماً معهم فكسب ولائهم وأمن شرهم .. وأعاد بناء نظامه على الأسس الفارسية متفادياً النواحي القاسية وغير الشعبية .. وأفضل من هذا ما فعله الفاتح المسلم حيثما حل؛ فأقام العدل وملك قلوب العباد حتى أطلق على المسلمين اسم الفاتح الرحيم ..

5- القدرة النفسية الرائعة في السيطرة على الانفعالات الشخصية: فأن تعاقب وبعنف رادعاً من تسول له نفسه الردة أو التمرد أو الشح فيما فرض عليه .. كما أن تعفوا عمن تاب .. وأن تكون سمحاً كريماً مع أهل البلاد المفتوحة .. وأن تأخذ من نظامهم ما يناسب دولتك .. فهذا كله دليل على عدم التعصب أو التشنج أو الرغبة في الثأر والانتقام فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها ..

6- الرسالة التي حملها المسلمون للعالم افتقر إليها الإسكندر فقد عالجت الرسالة الوضع بعد الحرب .. أسست لمرحلة جديدة للوجود البشري على الكوكب .. أخذتهم رسالة الإسلام من تفاعلاتهم البشرية وانتماءاتهم القبلية إلى مفهوم الأمة وأعطتهم منهج يقيم حياتهم فبعد تجاربهم العديدة لمناهج صنعتها أيديهم عانو منها وابتلوا بها غيرهم .. رسالة الإسلام كانت كاملة وكانت نعمة تلبي كل متطلبات النفس البشرية .. الرسالة التي ارتضاها الخالق I للناس مهرها بقوله {… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا … {3}المائدة ..

7- لهذا أصبحت هداية سكان الكوكب الهدف السياسي الرئيس للمسلمين وهو هدف يمكن تحقيقه بجوادي الدعوة والجهاد .. فمن يقبل بالدعوة لا ترفع عليه السيوف .. ومن استحق الجهاد انطلق إليه ليرفع عنه ما يعيق رؤيته للدعوة وليحرره من اختيارات أئمة الكفر ليختار حراً لأخرته ما يقيمها أو …. عن تميم الداري t قال سمعت رسول الله يقول ( ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر ) ..

8- هجوم “تيت” لم يكن هو العامل الحاسم في إخراج القوات الأمريكية من فيتنام .. لكن آثاره غير المباشرة هي التي أتت أكلها .. لقد صدم حجم انتشار ضربات الفيتكونج في طول البلاد وعرضها الشعب الأمريكي الذي عمل على إيقاف الحرب .. الدور الإعلامي ونقل الصورة وكذلك الخطاب السياسي للعالم هو سلاح ذو حدين لا يهمل ولا يستعمل برعونة .. رسالة الحضور الشامل لهجوم “تيت” تركت انطباعاً سلبياً لدي الشعب عن قدرة قواته على حسم الحرب أو حتى الاستقرار بعدها .. ما فعلته داعش كان على النقيض فقد حملت رسائلها رعباً للعالم فتحالف عليهم .. اختيار الهدف رسالة .. والخطاب السياسي رسالة .. وما يفعل أو يقال لقوات العدو ليس عينه ما يقال لشعبه .. والفارق كبير بين من يفجر في دور العبادة وبين من يهاجم صحيفة أساءت لنبي الهدى ﷺ. لدينا قضية عادلة ندافع عنها كما لدينا دين ندعوا إليه هذه هي العناوين التي توجه للشعوب اليوم ..

9- على المسلمين اليوم أن تكون لهم رؤية شاملة ذات مراحل: المرحلة الأولى يعملوا فيها على إضعاف العدو العالمي والقضاء على عملائه في بلدانهم وفق وسائل التغيير المناسبة لكل قطر وإقليم .. والثانية أن يتفقوا على لم شمل الأمة تحت مظلة توحد قوتهم وتجعلهم قدوة فتفتح المجال أمام قوتهم الناعمة للانطلاق نحو العالم .. والثالثة أن ينطلقوا لأقاليم العالم دعاة هداة على هدي أجدادهم ومجاهدين رحماء كما كانوا في عهد نبيهم ﷺ .. إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولاً .. والدعوة لدين الله مستمرة قبل وأثناء وبعد كل المراحل ..

10- إن بناء الاستراتيجية المناسبة لتحقيق أهداف المراحل السايقة لا بد أن تخضع لرؤية شاملة تجمع بين العمل المباشر وغير المباشر بحسب طبيعة كل أرض وكل شعب من شعوب الأمة والخيارات أمامهم مفتوحة “الدعوة .. الثورة .. الانتفاضة المسلحة .. حرب العصابات .. العمل السري بالمدن .. وحتى الانقلابات العسكرية … الخ” .. المهم إحسان اختيار الوسيلة وإحسان استخدامها وهذا يتوقف على إحسان التحضير والإعداد الجيد للقيادة حتى إذا حان الوقت كانوا رجال زمانهم ..

11- على المسلمين ألا يقنطوا وأن يكونوا على يقين أن حكام هذا الزمان وبطانتهم وجنودهم هم جزء من العدو لهم مهمة واحدة وهي خنق الإسلام وشنق المسلمين وتسليم البلاد والعباد لأتباع الشيطان في ظل الصراع المرير منذ خلق آدم عليه السلام .. وأن القضاء على هؤلاء الحكام وبطانتهم وجنودهم ومن وراءهم؛ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني آدم هو جوهر مهمتنا وساعتها يتحقق النصر على إبليس وجنده فهو العدو الأول والأخير .. قال الله I {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ {6} فاطر..{قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً {62} الإسراء..{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا {117} لَّعَنَهُ اللّهُ م وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا {118} وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا {119} يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا {120} أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا {121}النساء ..{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {22} إبراهيم .. { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ {16} الحشر ..{ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا {76} النساء ..

على الحكام أن يجهزوا بلادهم للاحتلال .. عليهم أن يفقروا بلادهم بسياسات زراعية واقتصادية فاشلة .. على شعوبهم أن تعيش أزمات متلاحقة لاصابتهم باليأس .. التسبب بفساد اجتماعي بالتضيق عليهم في الرزق ليعدو الزواج بعيد المنال فتداوى الشهوات بالفاحشة وتدمر مؤسسة الأسرة .. على الشعب أن يفقد قوته بعزله عن السلاح وجعل أمر القتال بيد طائفة تم برمجتها للطاعة وليس للتفكير أو الاختيار .. يجب أن تكون الصناعات استهلاكية وليست تنموية حتى يظل الشعب تابعاً للغرب وخاضعاً لتقنيته وبالتالي مبهوراً بقوته الناعمة فيسهل اعتناقه لما يعرض عليه .. القضاء على المدارس والتعليم والتربية الإسلامية وهدم مؤسسة القضاء الإسلامي ليفشو الجهل وتسلب المرجعية الشرعية منهم .. على الحكام اغتيال المرشحين للقيادة قبل أن ينضجوا لتضيع الخبرة وتظل الرعية بلا راعي ويفقد البناء أساسه .. بدون مرجعية وبلا قوة تدافع ولا قلم يعلم ولا لسان يقود معركة الوعي ومناخ مشحون بالفاقة والعوز ومجتمع ضائع في التيه بلا راعي .. بمثل هذا تخنق البلاد ويشنق العباد .. هكذا بدت استراتيجية الأعداء الشاملة بعد المقاومة الباسلة من أجدادنا لحملاتهم عبر الزمان .. لقد خرجوا وتركوا مخلفاتهم وراءهم لتنفذ ما فشلوا به .. فحرب الإسلام علانية واحتلال آراضيه بالقوة تجربة محكومة بالفشل ولن تمكن لهم في الأرض .. ولكن حصان طروادة مع تغريب المسلم عن دينه سيمنحهم لفترة ما يريدون .. ولن تدوم .. إلى أن يجدوا داءً جديداً يقتل الغيرة ويخنق الوطنية ويزيفوا به التاريخ ..

الحاكم وأهل العلم والرأي هم الدولة .. الأمة بكل أطيافها هي الجنود .. والدين هو الروح التي نفخت في بدنهم يسوسهم ويقودهم .. ولا يجب على العاملين لله اليوم أن يهملوا أي منهم ..

 

مبادئ الاستراتيجية الشاملة:

واقعية الأهداف والتركيز عليها: ويمكن إيجاز أهداف الرسالة الإسلامية في خمس موضوعات: توحيد الخالق وإفراده بالعبادة .. سياسة الدنيا بإقامة العدل والتكافل بين بني آدم كافة وفق تشريع سماوي منصف رحيم سواءً للمسلمين أو من بقي على كفره من أهل الكتاب طالما هم يحيون داخل دار الإسلام وفق التشريع الإسلامي .. حراسة وجود المسلمين وحفظ أموالهم وتأمين انطلاقتهم لنشر عقيدتهم .. تحرير العقل برفع الضغوط والحجب عنه لتمكينه من الاختيار وتأمين العقول المسلمة من سلبها فكرياً أو حسياً وحفظ العقول من أي مؤثر يشوش عليها أو يضر بها أو يحجب رؤيتها .. وعمارة الأرض باستثمار نعم الله في الكوكب على أحسن وجه ممكن ..

السمة المهمة التي يجب أن تتصف بها الأهداف أن لا تكون أمنيات .. كما يجب أن تكون الأهداف واضحة واقعية متجذرة بعيدة المدى وتمنح جميع الأفعال ثبات الاتجاه .. وهي نقطة يفقدها القادة بمرور الوقت ويدورون حولها ..

 

– الرؤية الشاملة: ساحة الصراع كبيرة ومعقدة والنفس البشرية أكثر منها تعقيداً .. والصراع لا يكون في مسرح العمليات فقط بل يتخطاه إلى البطن الرخو للدولة ويمد أذرعه لتصل إلى الحلفاء في الإقليم وخارجه .. وليس بالضرورة تبني برنامج عسكري لهم .. فمنهم من تستوعبه السياسة .. ومنهم يغير الإعلام قراره .. ومنهم من ترده الدعوة والهداية وانشراح الصدر .. ومنهم من يقبل بمنح اقتصادية .. وكثير منهم يردعهم التهديد .. وهناك من يتعظ بغيره .. بعد احتلال العدو الأمريكي وحلفاءه العراق قام القذافي بفك مفاعله النووي دون أن يشهر أحد في وجه سكين .. من فقه التهديد أنه ليس بالضرورة أن يؤدي بالكل إلى الاستسلام بل يكفي اصابة البعض بالخوف على مصالحهم ويتم تحيدهم من الصراع ..

 

– قطع الجذور:  أي قطع رأس الأفعى فحكام هذا الزمان تم توليتهم بإرادة خارجية ولا أوضح من أن يقول الرئيس الأمريكي أنه وضع رجلهم في سدة الحكم بالرياض .. ولله در القاعدة حينما عمدت لضرب الرأس .. لقد غزا “هنيبال” إيطاليا ولم يتمكن جنرالاتها من هزيمته .. فقط “سيسيبو أفريكانوس” نظر للصورة الكاملة وأدرك أن جذور “هنيبال” تخرج من قرطاج .. فقام بغزوها واجتاحها ودمرها فلم يكتفي برد “هنيبال” عن روما وإنما أخرج قرطاج من المنافسة معها ..

 

أن تسلك الطريق المباشر أوغير المباشر للهدف رهن بعوامل كثيرة .. والمفاضلة بينهما تخضع لمناقشة عميقة .. حينما عمد الجنرال جياب للعمل المباشر في هجوم “تيت” ولد انطلاعاً سلبياً كما أسلفنا لدى الشعب الأمريكي عن الحرب فأوقفها .. في حين أن الهجوم الياباني المباشر في بيرل هاربور جاء على النقيض فقد ولد لدى الشعب موجة من الغضب لم يطفأ حرها إلا القنبلة الذرية .. ويظل الاختيار غير المباشر محمود الأثر فالحرب خدعة وتعتمد تحركاتها الحاسمة على السرية .. أن تحرم العدو من معرفة نواياك وأهدافك وقمت بخداعه فلا يعرف أين تذهب ولا أين الهدف الرئيسي وجردته من الرؤية فقد ملكت زمام المبادرة ..

تواجه الاستراتيجية الشاملة عدة مخاطر: أهمها خطر النجاح الذي يفقدنا الرؤية وتخدعنا بعض الانتصارات فلا نراجع أنفسنا أو برامجنا في حين أن عدونا يطور من نفسه .. لا بد أن نعتاد على النقد الذاتي طوال المسيرة لإصلاحها وضمان عدم سقوطها في فخ النجاح ..

خطر آخر مخيف ويكمن في حالة التردد التي تنتج من المعرفة الكثيرة .. حينما ترى كثرة الاحتمالات وتفقد القدرة على اتخاذ القرار ويصعب التحرك وتصاب بحالة من الجمود .. القائد الفذ هو الذي يخطط قدر ما يستطيع ويرى أوسع وأعمق ويتقدم في الوقت المناسب ..

سيظل الواقف فوق القمة يرى أبعد من القابع في الوادي .. وسيظل الواقف تحت الشجرة يرى بعضها حتى إذا خرج من محيطها رأى الصورة الكاملة .. هذه الأمثال هي أساس فلسفة الاستراتيجية الشاملة ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

12- استراتيجية فض أو رفض الاشتباك

 

أثناء الصراع قد تواجه قواتنا ظروف اشتباك غير مواتية .. وفي إطار ربح الحرب يتعين علينا أن نتجنب بعض المعارك التي إن خضناها تسببت في أذى مادي ومعنوي لقوتنا يستغرق وقتاً طويلاً لجبره ( جاور – كوباني – حلب – حماة ) .. هنا لا بد من مقايضة المكان بالزمن .. الدفاع والهجوم ليسا وجها الحرب فقط فالانحياز وجه آخر .. “الانسحاب .. الانحياز .. التراجع” اسماء تدل على عمل عسكري منظم لا علاقة له بالفرار  .. الفرار حالة من الفوضى تؤدي إلى كارثة في الأرواح والمعدات ( 1967 ) .. الانحياز مناورة عسكرية منظمة بدقة عالية وتخطيط راق .. يتخذ قرار الانحياز عندما يختل ميزان القوى بشكل ملحوظ .. ويستمر التراجع حتى الوقت الذي ترى فيه القيادة أن الانحياز حقق توازن القوى من جديد .. سواء تم ذلك بوصول قوات دعم .. أو الوصول إلى أرض شديدة الوعورة .. أو تبعثر قوات العدو واصابتها بالاجهاد خلال المطاردة .. أو طول خطوط امداد العدو وضعف حمايتها .. حين تكثر أخطاء العدو فهذا وقت انتهاء الانحياز والعودة لتسديد الضربات المرنة والسريعة ..

 

الانحياز يبدأ بأعمال خداع تساهم في تغطية قطع التماس مع العدو .. وتتم العودة إلى الخلف بانتظام بهدف: الاختفاء مؤقتاً لتجنب خوض معركة حاسمة مع العدو ( حرب العصابات ) .. أو بغرض احتلال موقع أفضل لمتابعة القتال ( انحياز قندهار – المكلا ) .. أو العودة لقاعدة الانطلاق ( انحياز زورمت – مناورة فض الاشتباك في مؤتة ) .. أو من أجل كسب الوقت وتعديل الوضع وتدعيم التعبئة أو استدعاء الاحتياط ( الانسحاب التكتيكي ) .. أو العودة بعد تنفيذ مهام قتالية ( كمين – إغارة – استطلاع – تسلل للخطف أو التخريب ) … الخ ..

و يتم الانحياز في وقت يمنح القوات المنسحبة غطاء من الرؤية الضعيفة ( الليل أو الضباب ) ليحرم العدو من أي تفوق .. وتحدد فيه محاور الانحياز بدقة متناهية مع توفير حماية لهذه المحاور .. الحماية جزء من مناورة التراجع وأسلوبا من أساليب القتال التأخيري ..

 

مبادئ الانسحاب:

– المرونة : يجب أن تكون الخطة قابلة للتطوير لتواجه أي مستجدات أثناء عملية الانسحاب ..

– البساطة : ينبغي أن تكون الخطط واقعية ومنطقية وسهلة لكي يمكن فهمها وتنفيذها ..

– السرية : وتشمل سرية التوقيت وخط السير وخطة الانسحاب…

– العمل التعرضي : ينبغي أن لا ينسى الفرد أن الانسحاب ينبغي أن يستهدف تحطيم العدو مثال ذلك المواضع التي ينبغي مسكها والقتال فيها . الكمائن ومصائد المغفلين، حقول الألغام، مناطق شن الهجوم المقابل  . . .الخ . ينبغي تذكير الجنود باستمرار حول الطبيعة (التعرضية) لأي انسحاب جيد التخطيط والتنفيذ .

– المعنويات : إن خير محرك للمعنويات في مثل هذه الظروف هو أن تبقي رجالك على اطلاع تام بما تنوي خطتك تحقيقه لا تخفي الحقائق غير السارة فان بإمكان الجنود ذوي الضبط العالي إبداء المساعدة في استعادة الموقف ولكن ينبغي أن تكون قاسيا في قمع الإشاعات والمبالغة .

– السيطرة : ابدأ بخطة بسيطة، وضعها بدقة وبصورة مباشرة ثم قم بالإشراف على تنفيذ الأجزاء المهمة فيها وبصورة مباشرة مثل الاستطلاع المبكر والمفضل للطرق والمثابات ونقاط التفقد . . .الخ .. تعويض العتاد في مختلف المراحل، تأمين وجبات طعام حارة كلما كان ذلك ممكنا . المحافظة الدقيقة على الوقت الارتباط الفعال مع الوحدات الساندة والتي في الأجنحة .

– الأمن : ينبغي التأكيد على الأمن باستمرار كما ينبغي معالجة أية ثغرة في الأمن بسرعة وبحزم من اجل المحافظة على سلامة الخطة وعلى أرواح أولئك المشتركين فيها .

يرى المؤلف[1] “روبرت جرين” أن الهجرة النبوية مثلت نوعا من فض الاشتباك الدعوي ورفض الاشتباك العسكري .. ففي مشهد الصراع الفكري الداخلي مع قريش والعداء الأعمى لأي تغيير لم تعد مكة خصبة بالقدر المناسب لنجاح الدعوة .. كما أن العداء بلغ قمته حين قرر كفار قريش اغتيال النبي صلَّ الله عليه وسلم .. ولذلك جاء القرار الاستراتيجي بالهجرة للمدينة حيث وفرت أرض خصبة مثلت القاعدة الصلبة لانطلاق الاسلام للعالم أجمع .. كذلك خروج نبي الله موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر مثلت أيضا شكلاً من فض الاشتباك مع قوة قاهرة وانتقل إلى الأرض التي أعاد فيها بناء نفسية بني إسرائيل خلال سنوات التيه ..

ثم خلص “جرين” إلى أن استراتيجية فض أو رفض الاشتباك تمنح القدرة على التفكير السليم لأنك تبقى بعيداً عن عنف المعتدي متحرراً من رد الفعل الثأري والذي يعيق رؤية المشهد الكامل ويحصر الحركة في الفعل ورد الفعل بعيداً عن تحقيق الهدف الرئيس .. فجاءت الهجرة لتحصن المسلمين من الانغماس في اشتباك يستنزفهم ويقضي عليهم .. وعوضاً عن ذلك منحتهم الوقت الكافي لتخلص نفوسهم من عبء مرحلة وتدخل لمرحلة البناء والنمو ثم العودة ليس للثأر ولكن لتحقيق الهدف العام وهو نشر الاسلام بإخلاص وتجرد وشفافية ..

إن استراتيجية فض أو رفض الاشتباك تمنحنا المسافة الفعلية لنرى الأمور على حقيقتها بدلاً من الانغماس الذي يحد من رؤيتنا فنفقد القدرة على احسان التفكير والتدبير .. الشجرة لا يراها الواقف تحتها ولكنه إذا تحرك عنها يراها كاملة ..

من منتصف القرن الماضي وإلى يومنا الحاضر مثل السجن نوعاً ما من فض الاشتباك الإجباري بين التيارات الإسلامية وأنظمة الحكم في كافة الدول الإسلامية .. بدأ بالإخوان المسلمين ومروراً بغيرهم .. وقد منحهم السجن كثيراً من الوقت لتقييم التجربة وإعادة إخراج رؤيتهم للصراع .. وبطبيعة الحال فمناخ السجن المفتقر للحرية والمعبأ بالقهر والإذلال[2] والتعذيب وبأفكار معلبة .. فرض عليهم اتجاهات محددة من الاستسلام أو المسايرة ماراً بالمراجعات السلبية والانعزالية إلى التكفير العام .. مناخ السجن مشحون بهواء مسموم لا يجعل فض الاشتباك حقيقياً وإنما يجعله اشتباكاً مأسوراً ومقهوراً .. هذا المناخ لا يساعد على الخروج برؤية سليمة للتغيير وإنما فلسفة تمنحهم نوعاً من الحياة وفق برامج عمل مشوهة وفاسدة .. ولأنها أنتجت في ظلال الأسر والقهر فسوف تكون رؤية مأسورة بقوانين وفلسفات لا تسمح لها بالتغيير مهما تماهت مع طبيعة نظرية النظام الحاكم لتبادل السلطة .. وهذا مشاهد من العقد الأخير للقرن الماضي ومطلع القرن الحالي .. وحتى عندما أوصلت الثورات الأخيرة بعضهم للسلطة وبعضهم لمناخ المنافسة عليها جاءت مسيرتهم متوافقة مع النفسية المقهورة المهزومة ..

وهنا نلحظ الفارق الكبير بين فض أو رفض الاشتباك الذاتي في مناخ حركي حر باللجوء إلى مناطق منيعة على العدو تمنحنا الوقت الكافي لاستعادة المبادرة .. والعودة مرة أخرى لتحقيق الهدف العام .. المناخ الحر يجعلك تلحظ الفارق بينك وبين الآخرين أن تفهم نفسك وأنصارك وعدوك .. ترى المشهد الكامل وعلى حقيقته وهذا ليس سهلا أثناء الاشتباك أو في ظلام السجن .. ولذلك تأتي البرامج في المناخ الحر استكمالا لما سبق وعلى نفس الدرب .. ولكن .. بوعي ونضج أكثر فتصحح ما وقعت به من أخطاء وتسد الثغرات .. كما تسعى لتحصيل ما يمكن من اسباب للتمكين غفلت عنها سابقاً .. وتحسن التوكل على ربها وترجو منه التوفيق والرعاية فالنصر منه سبحانه وتعالى {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}آل عمران ..

قد يكون هناك فريق من التيار الإسلامي بحاجة لسنوات التيه ليخرج من أصلابهم من هو أشد منهم عوداً .. ولكن هناك أجيال آخرى نمت على ربا الحرية في أفغانستان والصومال واليمن والمغرب امتلأت صدوهم بعبير الحرية ورياح التغيير .. وإن شاء الله لن يذهب جيل أحفادهم حتى يقطفوا ثمرة ما غرسه أجدادهم ..

 

– – – – –

[1] بتصرف وليس نصاً ..

[2] ما وقع للنساء في سجون الطواغيت حطم إرادة كثير من المخلصين وحملهم فوق طاقتهم .. وأثر على قرار الصراع عندهم .. ولهذا حاولوا تجنب كل ما قد يجرهم لتجربة السجن ثانية .. وفي ضوء هذه الجملة يحكم عليهم البعض بقسوة ويعذرهم أخرون ..

 

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)




33 استراتيجية  للحرب -11- (استراتيجية الردع)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -11- (استراتيجية الردع)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -11- (استراتيجية الردع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

11- استراتيجية الردع

 

الردع هو: “امتلاك حقيقي أو نفسي لقدرات تكبح جماح العدو وتمنع نشوب الحرب المباشرة على أرض الدولتين .. لكنها لا تمنع من اكمال الصراع في قطاعات أرضية أخرى” .. الردع النفسي لا يعتمد على قدرتنا على خداع العدو فقط وإنما على سمعة وتاريخ ملئ بالمواقف القوية والصادقة وسوابق في تنفيذ التهديدات .. من المهم بيان أن مجرد امتلاك قدرات للردع لا يمنع اعتداء العدو  .. الذي يمنع العدو من العدوان هو يقينه من أنك ستقوم فعلا باستخدام ما تملك من قدرات للردع .. وهذا يعني ببساطة أنه سبق وقمت باستخدامها ولا يوجد ما يمنع من استخدامها مرة أخرى .. هنا فقط تتحقق القاعدة التالية [ امتلاك سلاح للردع يغني عن استخدامه ] .. من الردع أيضا القدرة على تحقيق خسائر كارثية في أهداف العدو الحساسة أي ما يكون نوع الهجوم ( العمليات الفدائية نموذجاً ) .. من هنا نجد أن تحويل العمليات الاستشهادية من سلاح استراتيجي إلى سلاح تكتيكي بالجبهات هو خطأ فادح فما يمكن تحقيقه بقذيفة لا تهدر عليه الأرواح ..

 

 

من التعريف السابق نرى أن الردع هو امتلاك لوسائل القوة والتلويح أو التهديد باستخدامها في إطار حوار الإرادات ليصبح الردع عملية نفسية تستهدف إرادة قيادة العدو .. وسبق وبينا في دروس التكتيك أن النصر في المعركة يتحقق بالقضاء على إرادة الخصم القتالية وليس باحتلال آراضيه فقط ..

ويمكن للاختصار حصر الردع في شكلين:

الأول التهديد باستخدام القوة الخشنة: “بالعقاب .. أو بالحصار .. أو بالحرمان” ..

الثاني: التلويح باغراءات القوة الناعمة: ” المنح.. الحماية .. التقنية” ..

ولكي يؤدي الردع مهمته فلا بد من تغطية عدد من المبادئ والإلتزام بها كما جاء في التعريف:

إمتلاك قدرات: قد تكون قدرات “عقدية .. عسكرية .. اقتصادية .. سياسية .. جغرافية” وكل شكل مما سبق صالح في تحقيق ردع يحقق الهدف المرجو منه.. شريطة الوفاء بتنفيذ التهديد في حالة عدم استجابة العدو .. وهذا ينقلنا للمبدأ التالي..

–  المصداقية: وقد عبرنا عنها في المقدمة بأنك فعلا صادق في تنفيذ التهديد وذلك وببساطة لأنه سبق وقمت باستخدامها ولا يوجد ما يمنع من استخدامها مرة أخرى .. قد تخسر المصداقية لمجرد وجود تناقض بين كلماتك وأفعالك فهذه كلها رسائل يدرسها العدو بعمق ويبني قراره في ضوء فهمه لنفسيتك أيضاً ..

العقلانية: الواجب توافرها في طرفي النزاع خاصة إذا كان على نفس القدر من امتلاك عناصر القوة والقدرة على استخدامها فمن خلال الحوار – وهو بعد غاية في الأهمية في مسألة الردع أو الردع المتبادل – يتوصل الطرفين لاتفاق مناسب لكليهما .. وكذلك الحال إذا كان أحد طرفي النزاع أقل قوة .. الحوار العقلاني يمثل وجه القوة الناعمة التي تؤدي لتحقيق الردع المطلوب ..

المعلومات: لا بد من توفر معلومات دقيقة عن قيادة الخصم على المستوى النفسي .. وما هو الإسلوب الذي يناسب نفسيته ( التهديد أم الإغراء ) .. وبطبيعة الحال المقصود بالقيادة هي مجموعة الصقور والحمائم المساهم في صنع القرار .. فبدراستهم نصل لمدى تأثير كل عضو على الباقين وما يمكن أن يحققه ذلك لنا..

الإعلام: السري والعلني .. فما يتحقق “بالوشوشة” لا ترفع فيه الاصوات .. وللإعلام جانب هام في بيان قدراتنا وما يمكن أن نفعله .. فالإعلام يقدمنا للعالم كله ويعرض هويتنا ودعوتنا وقدراتنا ولكن لا للإعلام الذي يفضح ما ينبغي أن يبقى مستوراً .. فالإعلام عليه أن يستعرض ما يؤكد مصدقيتنا ويستر ما نخبأه من مفاجأت ..

السيرة النبوية مليئة بنماذج كثيرة لاستراتيجية الردع وقد باشروا المبادئ السابقة ونجحوا في فرض إرادتهم على خصومهم ..

 

قد تنجح بعض العمليات العسكرية الذكية والتي يقف خلفها دهاة الحرب في أن تكون حاسمة في ردع العدو .. فقد نضطر للقيام بمناورات محسوبة ذات درجة مخاطرة عالية .. هذه المناورات كإجراء عسكري قد تحدث أثراً  يمثل نوعاً من الردع بحيث يمنع العدو من القيام بما خطط له .. مثال ذلك: بأن يقوم العدو بدفع قوات عسكرية من مناطق مختلفة للتجمع في منطقة عمليات للقيام بهجوم عام لضرب مركز ثقل قواتنا .. وفي حالة إتمام العدو لعملية التجمع سيملك تفوقاً  كاسحاً قد يقضي على قواتنا بالكلية .. في مثل هذه الحالة تقوم القيادة العسكرية لقواتنا بدفع وحدات صغرى ذات حركية عالية وتدريب راق للقيام بمناورة سريعة للوصول إلى مقرات إنطلاق هذه القوات ومهاجمتها بشراسة وبزخم وأكثر من مرة أو مهاجمة أجناب أو مؤخرة الوحدات المتحركة لمنطقة التجمع أثناء تقدمها .. هذه المناورة تربك حسابات العدو ويصيبه الكثير من الشك ويرغب في تأمين قواعده؛ فلو كان خصمه ضعيفاً لما قام بمناورات قوية في العمق ولما هدد قواعده بهذه الشراسة .. هذه المناورات تجعل العدو يستدعي الوحدات التي انطلقت للتجمع للدفاع عن مقراتها ويعيد تفكيره في عملية الهجوم العام ..

بهذا الشكل ردعت هذه المناورات العدو عن تنفيذ مخططاته .. ورغم كونها قوة تقليدية إلا أنها عملياً تحولت إلى سلاح ردع أحبط هجوم العدو .. ( مناورة جاكسون 1862 الحرب الأهلية الأمريكية )

 

المناورة السابقة اعتمدت على:

– فهم نفسية الخصم والتأثير فيها: فمن المهم جداً كيف يراك العدو؟ ..حينما تكون قيادة العدو حساسة وحذرة إلى درجة الوسوسة وتخشى من الأخطاء وما يترتب عليها من لوم ومسائلة .. فالتحركات الأرضية الواعية السريعة على نقاط ضعف الخصم أو على وحداته المتحركة .. مع قوة الهجمات وغزارة النيران .. تؤثر في تصور الناس لتخلق صورة مرعبة عنك تتضخم آلياً وتشكل وهماً مخيفاً في عقل قيادة العدو يربكها ويحبط مخططاتها .. ولقد نُصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر ..

– التحركات الأرضية المحسوبة: كالانطلاق لضرب قواعد القوات المتحركة .. أو العمل على مجنبات أو مؤخرة القوات المتحركة نفسها .. أو التحرك في اتجاه مقر العدو الرئيس .. أو عاصمته .. يجعل العدو يعيد حساباته سواء حول القوة التي تهاجمه أو مركز الثقل الذي رغب في القضاء عليه .. وببساطة فإن ظهورك بجرأة في الوقت الذي يظن العدو أنك ضعيف فيه قد صعب عليهم فهم تصرفاتك .. هذه الحالة تثمر قلقاً وكثير من الخوف عند خصمك .. تمنحك السمعة التي ترعبهم وتزيد من حلفائك .. كما تمنحك الوقت الكافي للتحضير لمعركة تفرضها أنت عليهم ..

– فهم ميدان المعركة استراتيجياً مع توفر قوات ذات جاهزية حركية ومدربة جيداً: تجعلك تضعهم في المكان والزمان المناسبين دائما لتنفيذ مناورات في العمق .. فحينما يهاجم العدو الريف الداعم لك .. فالخطوة المناسبة هي أن تقوم بضرب الريف الداعم والموالي له وبنفس القوة .. فالعين بالعين .. ويجب أن تعاني مدنه كما تعاني مدننا .. وأن ما يفعله في ريفنا لن يمر دون ثمن موجع ومؤلم .. وعليه أن يتوقع في مقابل كل هجوم نتعرض له هجوم يلحق به أضرار مضاعفة .. وهذا لا يمكن تحقيقه بدون قوات معدة جيداً ورؤية خريطة الصراع كاملة وليس أجزاء منها .. ( تكتكات العصابات – بروس اسكتلندا ) ..

– فرق بين الرسائل السياسية القوية وشكوى الضعيف .. عندما تكون عرضة للهجوم وتسارع لتطلب من العدو التوقف أو أنك تهدده أنك سوف تفعل كذا أو كذا إن لم يتوقف  .. فهذه رؤية محدودة تنم عن الضعف كما تفضح نواياك .. كذلك إن أرسلت له كلمات دبلوماسية مهذبة تنقل له فيها مخاوفك فهذه شكوى لا تسمن ولا تغني .. المطلوب أن تكون على قدر المسؤلية جاداً في جعل أقوالك أفعال فليكن ردك يحمل التلميح الذي يجعله يتصور الباقي .. إلى نقفور كلب الروم الجواب ما تراه لا ما تسمعه .. هكذا تكون الرسائل ..

وبقيت كلمة مفادها “إذا فقد الردع مصداقيته فإن عناصره تتحول آلياً إلى نقاط تحفيز ترفع من معنويات الخصم” ..

 

النقد الذاتي والإصلاح والتغيير للردع:

عندما تسير المناورات السياسية والعسكرية باطراد ملحوظ في اتجاه مسدود .. وتصبح الرؤية ضبابية والتخبط سمة عامة للعمل .. والفشل مصاحب للمجموعة القيادية ولا يغادر ركابهم .. والهزائم والانكسارات والانشقاقات تتوالى .. والقرارات يائسة وعواقبها مهلكة وكارثية .. وخيمت ظلال الاحباط على النفوس ولا شعاع ضوء في نهاية النفق .. فلا بد هنا من وقفة للمراجعة  والإصلاح ..

وأول خطوات الإصلاح تتم بسنة الاستبدال أي تنحية الفاسدين والفاشلين .. وهذا الأمر ليس مقصوراً على الحكومات والطواغيت فقط .. فكثير من الجماعات والتنظيمات وفصائل التيار الإسلامي تعاني من المظالم والفساد وتحتاج إلى إصلاح حقيقي على يد أبنائها .. أي من الداخل لتعالج الآفات التي ابتليت بها بفعل المؤثرات الخارجية .. لكن .. عندما يواجه الإصلاح عناد ومقاومة من الفاشلين ويصبح برنامجهم الرئيس مناهضة محاولات الإصلاح وإفشالها .. فلا بد من ردعهم بوقفة للتغيير ..

ولا بد أن يكون التغيير أيضاً من الداخل .. هذا نموذج مصغر لثورة داخلية لا بد منها: أهم صفات القائمين على التغيير كونهم اصحاب تقوى ودين .. وعلى وعي واطلاع بالواقع .. وأعرف بمواطن الخلل وأوعى بالعلاج وجرعاته وتوقيتاته .. عليهم أن يشكلوا شبكة داخلية من الحلفاء المخلصين الراغبين في التغيير والمسيطرين على بعض المفاصل .. وعليهم أن يحظوا برعاية وتأييد أهل الفضل الأقوياء ولا يحرموا أنفسهم من نصحهم وتجربتهم .. وعليهم أن يكونوا قريبين من الجنود كاشفين لهم مواطن الخلل وسبل العلاج .. وعليهم أن يدركوا متى وكيف وأين يتم الانتقال بين السيف والدرع لردع الظالمين ..

فالقيادة قد تكون هي السيف الذي يضرب في وقت وقد تكون الدرع الذي يحمي في وقت آخر .. وكذلك الجنود تارة يكونون السيف وتارة يكونون الدرع ..

ولو أن تنظيماتنا الإسلامية عامة والجهادية منها خاصة مارست النقد الذاتي وباشرت الإصلاح ونقت صفوفها من شوائب وآفات الداعمين والمتآمرين لكان في ذلك ردع لكل مجموعة قيادية غرقت في أوهام اليقظة أو دجنتها أيدي العابثين ..

 

 

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -11- (استراتيجية الردع)

 

 




33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

بسم الله الرحمن الرحيم

10- استراتيجية الهجوم المضاد

 

“الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث” عمر بن الخطاب رضى الله عنه .. قمة المهارة في الدفاع حينما نتحول للهجوم المضاد بسرعة وبزخم محسوب دون أن يترك مجال للعدو ليلتقط أنفاسه ليعيد تنظيم قواته .. القائد العبقري هو الذي ينتظر بصبر وبرودة أعصاب وإرادة فولاذية [ نقطة الانقلاب ] التي تتبادل فيها كفتا الميزان الارتفاع .. من الدفاع إلى الهجوم المضاد مدمرين قوات العدو  مسببين له حالة من الإرباك والإنهيار  .. ولطالما كان خالد بن الوليد  رضي الله عنه بارعا في اكتشاف نقطة الانقلاب ..  عباقرة الحرب هم الذين يجيدون المزج بين الدفاع والهجوم والتنقل بينهما لسحب أو إغراء العدو ليندفع إلى الموضع المناسب للهجوم المضاد للقضاء عليه .. التحول من الهجوم إلى الدفاع ومنه مرة أخرى للهجوم  عملية غاية في الدقة والحساسية  .. الهجوم المضاد يعتمد على وجود قوات احتياط لديها قدرات حركية عالية ..

 

 

الهجوم المضاد هو أحد ركائز الخطة الدفاعية .. والهدف منه هو منع قوات العدو من أن تستغل النجاح الذي حققته في اختراق موقع دفاعي لتجعله نجاحا حاسما .. ويسهل تحقيق هذا الهدف حينما يصبح العدو مشتبكاً وعالقاً في الشبكة الدفاعية .. ولا يتم دفع قوات الاحتياط للهجوم المضاد إلا بعد التأكد من أن الخرق ناتج عن هجوم حقيقي .. لأن الهجوم المضاد آخر ورقة تحتفظ بها القوات في المعركة الدفاعية ..

يشن الهجوم المضاد بواسطة الأنساق الثانية بدفع إحتياطي الأسلحة المشتركة بهدف اعادة الوضع الدفاعي إلى ما كان عليه أو الانتقال إلى الهجوم المضاد العام إن كانت الفرصة سانحة وأسباب نجاحها قائمة..

تعتمد الخطة الدفاعية والهجوم المضاد على وجود عمق دفاعي وشبكة من الخطوط التي تعمل على امتصاص زخم الهجوم وتشل حركية العدو .. وهذا بلا شك يحتاج لعنصر الوقت ولا بد من منحه للقوات للتحضير الجيد للمعركة ..

من عناصر نجاح المعركة الدفاعية المتعلقة بالهجوم المضاد:

– تعتمد الخطة الدفاعية لتنفيذ هجوم مضاد فعال على معلومات استطلاع ميدانية دقيقة .. وكذلك معلومات استخباراتية للتأكد من نية العدو بالهجوم ( كورسك 1943 ) .. أو من خلال خطة خداع يتم فيها تسريب معلومات للعدو تغريه بالهجوم .. لابد من دراسة العدو ومعرفة قدراته وأسلوب قيادته ونفسياتهم .. كذلك لابد من جاهزية قوات الاحتياط وحسن تدريبها والمحافظة على الروح التعرضية لها بعيدا عن روح الخنادق ..

– الاختيار السليم للأرض التي توفر الحماية لقواتنا وتصعب مهام قوات العدو وتعيق تقدمه وتحصره في قطاع يحقق التفوق للقوات المنفذة للهجوم المضاد ويسهل القضاء عليه ..

– تنسيق التعاون وتوزيع الجهد بين الأسلحة المشتركة في الدفاع والهجوم المضاد لتحقق:-

– توفير إسناد ناري قوي ومحبط على قوات العدو المهاجمة ..

– استهداف قوات الاحتياط لدى العدو لحرمانها من المشاركة في المعركة ..

– القيام بإجراءات التأمين لقوات الهجوم المضاد ..

– من أهم بنود الأمن في المعركة الدفاعية إعداد خطة تخفي وتمويه غاية في السرية لأمرين:-

الأول: إخفاء نية القوات المدافعة بالترتيب لهجوم مضاد ..

الثاني: إخفاء قوات الهجوم المضاد عن عيون جواسيس العدو ..

– يجب أن يتم اتخاذ قرار تنفيذ الهجوم المضاد في الوقت المناسب بحيث تكون قوات العدو أنهكت في الشبكة الدفاعية .. ووجود قواتنا للهجوم المضاد في الأماكن المناسبة على أجناب ومؤخرة العدو ..

الهجوم فاضح .. فالذي يبادر للحركة أولا يفتح الباب لتوقع حركاته التالية .. وما قد يكون خبأه كمفاجأة يصبح محتملا في عقل القيادة المدافعة .. وبالنجاح في صد الضربة الأولى يصبح المهاجم في غاية الضعف .. وهذا يسهل مهمة الإعداد للهجوم المضاد .. سواء كان هجوم العدو حقيقي على الأرض أو محتمل فالخطة الدفاعية الجيدة تعالج فيها كافة السيناريوهات ..

العقل السياسي والعسكري المتزن والحليم يتمتع بمرونة مع عمق في فهم العمليات العسكرية ويسخرها لتحقيق النصر في المعركة .. فهو قد يمارس سلسلة من العمليات متنقلاً من الدفاع للهجوم للانسحاب للدفاع ثم العودة للهجوم ببراعة وقوة وثبات جنان ورابطة جأش .. مع مصاحبته وانسجامه مع سلسلة من القيادات الأصغر التي تمتلك الخبرة والتجربة .. وجنود تم إعدادهم لتنفيذ المهام المختلفة في أوقات متقاربة ..

وعلى مستوى أعلى من المعركة الميدانية نرى نضجه وبراعته في تحديده لنظرية الحرب المناسبة لطبيعة الصراع .. فقد يختار العمل بنظرية العصابات ويسير في مراحلها بقوة في مناطق وقد يستخدم في مناطق أخرى مبادئ  الحرب النظامية .. وقدراته النفسية والذهنية تجعله يتمتع بمرونة كافية للانتقال بين المراحل أو التملص من خطأ النظرية وتصحيح المسار ..

حالة الجمود والانكماش التي تمر بها التجربة الجهادية في سوريا .. والانشغال بالقتال بين شركاء الأمس .. تجعلنا نلاحظ بُعد القيادات السياسية والعسكرية عن المرونة الذهنية التي تمنعهم حتى من التوقف لإعادة التفكير: في أسباب الانكسارات المتتالية حيث يجب اعادة النظر في استراتيجية الحرب .. أو ما يترتب على القتال بينهم من ضعف للصف الداخلي وانكسار لقلوب الأمة وتفوق لعدوهم .. أو العمل على إعادة الروح والأسباب التي ساهمت في انتصاراتهم السابقة .. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمهم رشدهم ويأخذ بأيدهم لما فيه الخير للإسلام .. قال تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ {152}..

حينما يمتلك العدو قوة أو امتيازاً نفتقر إليه .. فأحد اركان خطتنا أن نعمل على تحييد هذه القوة من خلال: تهيئة مناخ يمنع العدو من استخدامها أو يحد من فاعليتها وفي نفس الوقت نعالج نقطة الضعف هذه عندنا بزيادة مهارتنا في ضوء المتاح من إمكانات ..

بشكل عام تتمثل قوة العدو ونقطة ضعفنا في الحركية .. العدو يمتلك سلاح الطيران فعلينا أن نمتلك مهارة التخفي .. السلبي والإيجابي .. عند التقدم للقتال يجب تحقيق تماس أثناء الهجوم مع سرعة اختفاء وبراعة وتشتت أثناء الانحياز .. هذه الخطة تعتمد على حساب الوقت المتاح من اتصال قوات العدو لاستدعاء الطيران من قواعده وحتى وصوله لنقطة الهجوم هذا أيضا خاضع للخبرة من خلال التجربة وحساب الزمن المرتبط بالمسافة بين موقع العدو وقواعد الطيران التي ينطلق منها .. ترتبط فاعلية الطائرات بدون طيار بسلوكنا الخاطئ على الأرض بتفلت المعلومات للجواسيس النشطين أو الاستخدام المنفلت لتقنيات الاتصال ..

أحد عناصر قوة العدو هي الاستخبارات وبالتالي يجب أن يكون عنصر القوة عندنا هو الأمن واحتراف مهاراته ..

أحد نقاط قوة العدو هو الإعلام وقدرته على خلق رأي عام موالي .. فيسعى العدو ليبرر انتهاكته واعتداءاته – التي يحاول ويجتهد في إخفائها – من خلاله بالظهور بمظهر الضحية .. وبدلا من أن يقوم إعلامنا بهذا الدور فإنه يساهم في خلق رأي عام معادي بالظهور كقاتل بلا ضمير لا يراعي مشاعر الامتدادات الاجتماعية لمن يقتلهم .. ولا يحسن خطاب شعوب الأعداء لبيان نزاهة وعدالة قضيته باللغة التي تظهر الحقيقة  .. نجح الجنرالات في فيتنام في كسب الرأي العام على أرض العدو وفي بيئته وحولوا الإعلام لسلاح يخدم قضيتهم .. ما حدث في تجربة العراق صف العالم كله وحتى التيار المجاهد أيضاً ضدهم .. وبذلك خسروا معركتي السمعة والميدان ..

الاستفزاز وإثارة الخصم وتهيجبيه بالوسائل العسكرية والدعائية .. مع خطة خداع ذكية وطُعم تم إعداده بدقة .. في إطار تنوع عملياتي بين الدفاع والهجوم والانسحاب .. مع مظلة أمنية تخفي نوايانا وتستر تحركاتنا .. تمثل خطة استدراج .. تثمر عن سحب العدو للأرض التي نجيد العمل عليها لاستهلاكه واستنزافه حتى يتم القضاء عليه ..

الاستفزاز والإثارة والتهيج يجعل الخصم في حالة عدم اتزان ذهني .. ويدفعه هذا لارتكاب سلسلة من القرارات الخاطئة والتي يصعب علاجها .. وهجومهم عادة ما يكون هشاً تم التجهيز له على عجل .. بهذا الاستدراج يتم استخدام قوة العدو ضده فهو وإن تملك قوة عسكرية كبيرة إلا أنها تدار من خلال قيادة مستفزة ومتعجلة تسيئ التخطيط وتندفع بلا عقلانية لما خططنا له آنفاً .. حيث تنتظره وحدات الهجوم المضاد ..

لا يمكن تطبيق استراتيجية الهجوم المضاد تحت كافة الظروف .. فقد تلجنأ بعض الظروف للمبادرة إلى الهجوم بدلا من الانتظار .. وقد تضطرنا بعض الظروف للانحياز بدلاً من تدمير أنفسنا بصمود يفتقر للحكمة .. وهكذا نحمي أرواح جنودنا ونحافظ على قواتنا لنقاتل في يوم آخر ..

الحلم ( السكينة والرزانة والصبر ) يفسح المجال لاستثمار أخطاء العدو .. ويفتح الباب أمام العديد من الخيارات .. مفتاح النجاح على المستوى النفسي أن تتمتع ببرودة أعصاب مع خصم تغلبه طبيعته البشرية وتدفعه للانفعال ..

لازلت معجباً بالانحياز الرائع من المكلا للمجاهدين باليمن .. وأدعوا لهم بالتوفيق في معركتهم الأمنية والإعلامية .. كما أنتظر هجومهم المضاد حينما تتهيأ الأسباب ويحين الوقت .. فالإيمان يمان والحكمة يمانية ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)




33 استراتيجية  للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجزء الثالث

9- الحرب الدفاعية

 

الدفاع والهجوم وجهان لعملة واحده هي الحرب .. والحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة هي التغيير .. القبطان الخبير يعرف كيف يستفيد من ظاهرة المد والجزر للإبحار أو الإرساء .. الهجوم والدفاع أشبه بحركة المد والجزر وكلاهما يأتي ثمرته إذا استخدم في الزمان والمكان المناسب .. القائد الماهر وهيئة أركانه يعرفون متى يتوجب عليهم الإقدام أو الإحجام لتحصيل الثمرة .. والإقدام أو الإحجام في المناورات السياسة يؤتي ثماره إذا استخدمنا أي منهما في الوقت الصحيح .. والدعوة والجهاد كلاهما يأتي بثمرته إذا استخدما بالقدر المناسب وفي المكان المناسب والزمان المناسب ..

 

الحرب الدفاعية:

الدفاع هو الشكل الأكثر حكمة وحلما في الحرب .. استراتيجية المعارك الثلاث الأول للمسلمين ( بدر وأحد والخندق ) كانت استراتيجية دفاعية .. وقد خضعت بشكل عبقري لمبادئ الحرب والدفاع في ذلك الزمان: الاستطلاع الجيد لميدان المعركة .. احتلال الأرض الحاكمة وذات الموارد الحيوية .. الشؤون الإدارية الخفيفة مع قصر خطوط الإمداد .. الأمن والسرية .. المفاجأة .. الخداع .. الروح المعنوية ..

يرتب الدفاع في الحرب النظامية وفق مبادئ وأسس عسكرية “نسردها في المشاركة الثالثة” .. في المعركة الدفاعية يترك للعدو القيام بالخطوة الأولى .. ثم يتولى المدافع تحطيم قواته وامتصاص زخم هجومه في عمق الدفاعات .. وحينما تطول أو تقطع خطوط إمداده وتنهك قواته وتنهار معنوياته عندها يقوم المدافع بالهجوم المضاد .. هذه الكلمات البسيطة تعني إمتلاك المبادأة والتحول من الدفاع للهجوم ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) ..

حرب العصابات في إنطلاقتها تتبنى استراتيجية دفاعية ( فالعصابات موجودة وغير مرئية ) .. تظهر لتضرب ولا تقف لتلقي الضربات .. تختار ميدان وزمن المعركة ولا تستدرج لها .. تمارس عمليات الإغارة والكمائن والتسلل فتقتل وتدمر وتخطف وتغنم .. وتنسحب إلى اللامكان* برشاقة واحترافية .. ومطاردها يتوه في تقفي أثرها في اللامكان .. وهي تكمن له في منعطفاته وأوديته تتخطفه وتغنم وتحيل طاقة هجومه إلى فشل وإحباط ورعب .. وتعيده مهزوماً مقهوراً يائساً فاقداً الرغبة والإرادة في العودة إليها ..

– ( وحدات العصابات تظل متحركة في منطقة كبيرة دون أن تتخذ لها مكان ثابت تأوي إليه .. من هنا أطلق مصطلح اللامكان للدلالة على حركيتها ) ..

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ( الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث ) .

 

مبادئ الحرب:

هي حقائق أساسية تؤثر على كيفية تنفيذ الحرب وهي عبارة عن مجموعه من الآراء المنطقية المعقولة التي نتجت من تجارب عديدة ومن خلال الحرب ..

 

(1) الغاية ( انتخاب وإدامة القصد ):

تحديد الغاية من القتال هو المبدأ الأهم .. فلا معنى لبقية المبادئ الأخرى إن لم يكن للصراع هدف محدد ومستدام .. وهدف القتال في الإسلام ملخص في قوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {193}.. والغاية ذات بعد سياسي وهو إقامة الدين .. والحرب جزء من السياسة ولكن بوسائل عنيفة ..

 

(2) المبادأة ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) ..

الدفاع يهيئ الظروف المناسبة لإحراز المبادأة .. الهجوم هو وسيلة لتحقيق المبادأة وحرية العمل .. والقيادة السياسية تعمل على إحراز المبادأة بوسائل دعوية وتقنية ونفسية بدرجة تكافئ في أهميتها وتأثيرها الهجوم المادي للقوات العسكرية ..

 

(3) المرونة

هي المقدرة على تبنى خطط وإحداث التغيرات المناسبة فيها لمواجهة التطورات المحتم حدوثها في الغايات السياسية .. وهي توفر حلولاً تبادلية لمختلف المشاكل والمواقف الطارئة في الميدان ..

 

(4) الحشد

هو دفع القوة اللازمة والمتوازنة المادية والمعنوية في المكان الحرج والوقت المناسب لتحقيق مصالح وأهداف الأمة .. التفوق الكمي أو النوعي ليس شرطاً حتمياً لإحراز النجاح طالما أمكن تحقيق تفوق أخطر على العدائيات الرئيسية الأكثر خطورة ..

 

(5) الاقتصاد في القوى

الموارد المعنوية والمادية المتاحة ليست دائمة .. لذلك فالحشد من النقاط الهامة التي تتطلب الاقتصاد في استخدام الموارد المتاحة .. وأندر عناصرنا هو المقاتل العقائدي فلا يستهان بدمه خاصة وقد انتشرت العمليات الاستشهادية التي تحتاج إلى ترشيد .. ولا بد من دراسة جدوى تحويلها من سلاح استراتيجي إلى سلاح تكتيكي ..

 

(6) المناورة

إن مصطلح المناورة يعني تحقيق الانسجام بين ثلاثة عناصر النار والحركة والأرض .. حركة المناورة المخفية والمطبقة بشكل سليم تسهم مباشرة في تحقيق المفاجأة واستثمار النجاحات وتقليل التعرض.

 

(7) المفاجأة

استخدام غير تقليدي أو معتاد للقوات لإفقاد العدو توازنه وإرباكه .. وتتعلق بالمكان والوقت والتكتيك والسلاح .. واقترانها بالسرية والخداع والجرأة يمكنها أن تغير توازن القوى بشكل حاسم .. وتمهد لانتصارات أضخم بكثير من قدرة القوة المتاحة ..

 

(8) الاستثمار “استغلال النجاح”

إن مبدأ الاستثمار يزيد القوة الدافعة، ويتيح توسيع وتعزيز المكاسب والإخلال باتزان العدو وإجباره على الدفاع.

 

(9) الأمن

الأمن يحافظ على القوات .. ويمنع العدو من معرفة نوايانا ويقلل من فرص تدخله .. والأمن وقت الصراع هو الذي يوفر الحماية للأهداف الحيوية وللشعب ولمؤسسات وموارد الأمة وللقوات المسلحة من كل الأخطار والمفاجآت الخارجية والداخلية في السلم والحرب.

 

(10) البساطة

تعنى الوضوح وعدم التعقيد أو الضبابية .. الأوامر المحددة الواضحة تقلل من الاضطراب وسوء التقدير .. فمن السهل تنفيذ خطه بسيطة بدلا من تنفيذ خطه معقده والخطط البسيطة عادة مرنه ويسهل السيطرة عليها  ..

 

(11) توحيد القيادة

بمعنى أن الاستفادة القصوى من القوة الفعلية للقتال تتطلب توحيد الجهد تحت سيطرة قائد واحد بهدف إيجاد التماسك والتلاحم بين الغاية والجهد والسيطرة .. وتوجيه كل طاقات ومصادر القوى المادية والعقلية تجاه الغاية المنشودة بفضل قوة السلطة والسيطرة المُحكمة ..

 

(12) الشئون الإدارية

هي التي تضمن ضخ الدماء في شرايين المعركة حتى تضع الحرب أوزارها .. وتمكن القطاعات الميدانية من تحقيق هدفها خلال العمليات ( الاتصالات والمواصلات والإمداد والإخلاء ….إلخ ) ..

 

(13) التعاون :

المعركة اليوم أصبحت معركة أسلحة مشتركة ( القوات البرية والبحرية والجوية ) فلابد من المزج بين القوى القائمة لإخراج عمل عسكري سليم .. ويجب تنسيق التوقيتات وتنظيم التعاون مع المجاورين وقوات الاسناد الأرضي والجوي والبحري تفاديا للأخطاء ..

 

(14) الروح المعنوية

الروح المعنوية هي مصدر الإرادة القتالية وتتجسد في روح الفريق وحب الوحدة والتصميم والعزيمة .. وتنبعث من القيادة والانضباط واحترام الذات والإيمان الراسخ بعدالة الدوافع والأسباب .. أهم عناصر تؤثر في إدامة المعنويات: الإيمان بالله عز وجل والرضي بالقضاء والقدر .. المنهج الرباني الذي تساس به الأمة .. الثقة في القادة علي اختلاف مستوياتهم  .. الثقة في كفاءة التدريب واستخدام السلاح مع الجماعة .. إن كمال الإيمانيات والروح الدينية هما المحرك الرئيسي للعمل في الميدان ..

 

 

ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ :

1- التعامل مع الأرض:

ذات الأهمية التعبوية (وتعرف بالأرض الحيوية) وهي التي إذا ما احتلها المهاجم أصبح المدافع في وضع لا يتمكن فيه من خوض معركة دفاعية ناجحة في منطقة مسئوليته ويجب إعادة احتلالها .. فلا بد من ﺇﺣﺘﻼﻝ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﺍﻟﺘﻤﻮﺿﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻴﺔ الرئيسية ﻣﺮﺗﻜﺰﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺴﺘﻔﻴﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺨﻔﻀﺎﺕ ﻟﻀﺮﺑﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻭﺿﺮﺏ ﺍﻟﻔﺮﻭﻉ ﺍﻟﻤﺆﺩﻳﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ ..

 

2- ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺑﺎﻟﻌﻤﻖ ( العمق الدفاعي):

ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ فشل ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺍﻟﺨﻄﻲ .. ﻷﻥ ﺧﺮﻕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻂ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﺃﻭ ﺍﻹﻟﺘﻔﺎﻑ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺤﻮﺭ ﻣﻌﻴﻦ ﻳﻌﻨﻲ ﺇﻧﻬﻴﺎﺭ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻭﺭﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻂ ( ﺧﻂ “ﻣﺎﺟﻴﻨﻮ” ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ-ﺧﻂ “ﺳﻜﻔﺮﻳﺪ” ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ-ﺧﻂ “ﺑﺎﺭﻟﻴﻒ” ﺍﻹﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻲ ) .. ﻟﺬﻟﻚ ﺃﻋﺘﻤﺪ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻭﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﻤﻖ ..

 

3- ﺍﻟﻤﺴﺎﻧﺪﺓ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻟﺔ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﻳﻔﺮﺽ ﺷﺮﻭﻃﺎً ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ، ﺇﺫ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﺓ ﺟﺒﻬﺎﺕ ﺟﺎﻧﺒﻴﺔ ﻭﺃﻣﺎﻣﻴﺔ ﻭﺧﻠﻔﻴﺔ، ﻟﺬﻟﻚ ﻳﺠﺐ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻗﻄﺎﻉ ﻋﻤﻞ ﻛﻞ فصيل ﻭﻫﺬا الفصيل يساند الفصيل ﺍﻟﻤﺠﺎﻭﺭ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺃﺣﺘﻠﺖ ﺃﻭ ﻗﺼﻔﺖ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺗﻌﺮﺿﻬﺎ ﻟﻬﺠﻮﻡ ﻗﻮﻱ ﻭﺍﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﻴﺢ ﺇﺫ ﺃﻥ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﺴﺎﻧﺪ ﻳﺠﻌﻞ الفصائل ﻛﺨﻼﻳﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﻌﻄﻲ ﺑﻌﻀﻪ ﺑﻌﻀﺎً ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺳﺘﻤﺮﺍﺭ .

 

4- ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻹﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ( الدفاع الدائري):

يصمم الدفاع مبدئياً لصد هجمات العدو على أكثر طرق اقترابه احتمالاً .. إلا أنه يجب اعتبار إمكانية قيام العدو بهجوم من اتجاه غير متوقع مما يلزم القائد أن يخطط دفاعه لجميع الجهات كما تملي عليه الأرض .. بعض الوحدات التي تعمل كجزر مكتفية ﺫﺍﺗﻴﺎً يجب أن ﺗﺆﻣﻦ ﻗﺘﺎﻻً ﺩﺍﺋﺮﻳﺎً ﺣﻮﻝ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻔﺎﺟﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﻮﻥ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺟﻬﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻮﻗﻌﺔ ..

 

5- ﺗﺄﻣﻴﻦ ﺍﻟﺤﻴﻄﺔ:

هي الإجراءات التي تمنع العدو من استطلاع مواقعنا ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻤﻮﻳﻪ ﻭﺍﻹﺧﺘﻔﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻦ .. ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺳﻠﺒﻲ .. ﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻲ ﻓﺈﻥ ﻗﺎﺋﺪ الموقع يتحتم عليه أن ﻳﺮﺳﻞ ﺩﻭﺭﻳﺎﺕ إستطلاع  للمحاور الأرضية .. ﻭﻳﺮﻛﺰ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺎﻡ ﺩﻭﺭﻳﺎﺕ ﺛﺎﺑﺘﺔ ( كمائن ) ﺗﺴﻤﻰ ﺑﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻹﻧﺬﺍﺭ ﺍﻟﻤﺒﻜﺮ..

 

6- الانتشار:

انتشار القوات والمواقع الدفاعية محكوم بشرط ﺃﻥ ﻻ ﻳﺆﺛﺮ ﻫﺬﺍ الانتشار ﻋﻠﻰ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﻴﻦ ﺑﻞ ﻳﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻣﺮﻭﻧﺘﻬﻢ ﻭﺻﻼﺑﺘﻬﻢ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ .. ومن الضروري تجهيز خنادق وخطوط المواصلات ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻳﺼﻠﻮﻥ ﻧﻘﻄﺔ بأخرى .. إن ﺍﻹﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﻴﻢ ﻭﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﻭﺍﻹﺭﺗﺒﺎﻁ ﺍﻟﻮﺛﻴﻖ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﻳﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﻧﻴﺮﺍﻧﻨﺎ ﻭﻳﻘﻠﻞ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﻧﻴﺮﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻭ .

 

7- ﺍﻟﻮﻗﺖ:

الوقت مؤثر في إعداد الدفاعات وبقدر توفره يختار بين الدفاع المجهز أو الدفاع على عجل .. ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺇﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗﺼﺎﻋﺪ ﻫﺠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﺮﺍﻓﻘﻬﺎ ﺗﺼﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺩﻓﺎﻋﺎﺕ ﻭﺣﺪﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﺔ .

 

8- ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ:

ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻹﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﻤﺘﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺿﺔ ﻓﻲ أرض المعركة .. ويظهر أثرها في عمليات تدمير العدو على الخطوط الدفاعية والانتقال من موضع لأخر إلى وقت انطلاق للهجوم المضاد .. ﻭﺗﺘﻠﺨﺺ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺳﺘﺠﺎﺑﺔ بفاعلية ﻋﻨﺎﺻﺮ الاحتياط ﻟصد موجات الهجوم ﻭﺇﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻬﻜﻴﻦ ﻣﻊ الحفاظ على خطوط ﺍﻟﻤﻮﺍﺻﻼﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﺩﻳﻔﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻘﻰ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺟﺎﺭﻳﺎً ﺑﻜﻞ ﻣﺒﺎﺩﺋﻪ.

 

9- ﺍﻟﻀﺮﺍﻭﺓ:

ﻛﻠﻤﺔ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻤﻘﻴﺎﺱ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻭﺭﺓ ﻭﺍﻹﺳﺘﻤﺎﺗﺔ ﻭﺗﻌﻨﻲ ﻋﻤﻠﻴﺎً ﺇﺳﺘﻨﻔﺎﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻘﺘﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﺇﻟﻰ ﺩﻓﺎﻉ ﻣﺮﻥ ﺇﻟﻰ ﻫﺠﻮﻡ ﺭﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﻧﺴﺤﺎﺏ ﺟﺰﺋﻲ ( خالد رضي الله عنه ومعركة مؤتة ) .. ﻭﻳﺠﺐ ﺍﻹﺑﺘﻌﺎﺩ ﻛﻠﻴﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺛﻤﻨﻪ ﺍﻹﺳﺘﻤﺎﺗﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ .. ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﺍﻭﺓ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﻴﺖ.

 

10- ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ:

ﺗﻌﻨﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﺍﻟﻤﺪﺭﻭﺱ ﻟﻜﻞ ﺷﺒﻜﺎﺕ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺑﻐﻴﺔ ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﺍﻟﻔﻌﺎﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﺔ ﻭﺿﺮﺏ ﻛﻞ ﺍﻟﺰﻭﺍﻳﺎ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺒﺴﻄﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻨﻔﺮﺟﺔ ﺿﻤﻦ ﺧﻄﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﻳﺮﺍﻋﻰ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭﺍﻹﻳﻘﺎﻉ ﻭﺍﻹﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻳﺔ مع مراعاة ﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻟﻠﻨﻴﺮﺍﻥ ..

 

 

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

 

 




33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

بسم الله الرحمن الرحيم

8- استراتيجية الاقتصاد في القوى

الاقتصاد لا يعني الشح أوالتبزير فكلاهما قد يكون سببا في الاخفاق .. الاقتصاد هو الإحسان في إدارة الموارد والإمكانات .. ليس ما تملكه هو الذي يحقق لك النصر بل كيف تستعمله .. الوفرة والثراء يفقدان الاحساس بالحدود .. المجاهدون معنيون بالواقع وحدوده .. حين تملك أقل فستتعلم كيف تحسن استعماله وعندها يصبح الزمن حليفك ..

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا {29}

أن تحلم بما تريده ثم تحاول العثور على الوسائل لتحقيقه هي وصفة جاهزة للانهاك والهدر والهزيمة .. السعي المبكر لامتلاك ما هو عند العدو يحولك لنسخة أضعف وستفقد روح الابتكار .. ابتكر وامتلك من الفكر والوسائل ما يفقد قوة العدو زخمها ويحيدها في الصراع .. فكر فيما لديك واستعمله بمهارة ..

 

 

الاقتصاد في القوة أحد أهم مبادئ الحرب .. والتاريخ ملئ بالعبر لقادة بارعين في الحرب .. ورغم انتصارهم في كل المعارك إلا أنهم خسروا الحرب لعدم مراعاتهم لهذا المبدأ واضطروا إلى التوقف والانسحاب .. هذه الانتصارات التي بطعم الهزيمة أو الموازية للهزيمة يطلق عليها ( نصر بيروسي ) .. فرغم أن الملك بيروس انتصر في معاركه على الرومان إلا أن تكلفة هذه المعارك كانت كارثية .. فالقوات التي انتصرت لم تعد كافية لشن حملة تحسم بها نتائج الحرب مما اضطرها لإنهاء الحملة .. وأهم عناصر التكاليف كان في أعداد القادة أصحاب الخبرة والتجربة الذين قتلوا في الحرب .. هذه تكلفة لا يمكن تعويضها في الحال ..

قبل وأثناء سير المعارك هناك إشارات ترشد وتنبئ بما هو ممكن أو ما هو متوقع .. تقارير وحدات الاستطلاع والمخابرات عن قوة العدو أو فساد الحلفاء فيها إرشاد لاستغراق وقت أطول في الإعداد للمعركة أو لتأجيها وحتى إلغائها واستغلال القوة المتاحة لتهيئة أجواء التفاوض لتحقيق تسوية مناسبة .. وفي الحرب حساب التكاليف من أهم تلك الإشارات التي يجب أن تلهمك متى تستمر ومتى تقف .. عندها يمكنك توفير مواردك ومعداتك وتحافظ على الخبرات والأرواح ..

القائد الذي لا يتمكن من ضبط نفسه وكبح جماحها وينساق وراء حظها وينصت لتزيين الحلفاء ويستدرجه إغراء الهدف والمكاسب المحتملة ويرى فقط ما يريد رؤيته .. ويتعامى عن المصاعب والخسائر المحتملة أو يظن وجود إمكانية لتعويضها .. وكلما مضى في أوهام اليقظة أبعد متجاهلا الحسابات والتكاليف كلما توغل في منحدر الخسائر وارتكب المزيد من الأخطاء .. التي تقود لمعضلات جديدة تتسبب بتكاليف جديدة لم تكن في الحسابان .. وأي نصر يتحقق بتكلفة عالية في الأرواح والمعدات والموارد لا معنى له ..

أضف لذلك هناك حسابات غير منظورة وأخرى غير ملموسة ولكنها باهظة الكلفة .. منها تهديد الاستقرار الاجتماعي للحاضنة أو الشعب .. فقد الرصيد السياسي الطيب .. ضياع الوقت والذي كان يمكن استثماره لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر وأعمق .. استهلاك وهدر الموارد بلا فائدة ترجى أو تعويض مناسب .. الحالة النفسية للأمة التي راهنت على قدراتك .. رغبة الثأر لدى الكثيرين الذين تجاهلتهم أو قمت باستغلالهم وخذلتهم وحتى أؤلئك الذين خسروا في المعركة .. التاريخ والناس لا يرحمون من يتجاهل التكاليف .. قم بحساباتك اليوم كاملة وأحسن التحضير لتقاتل في يوم آخر ..

ستظل قائمة الأعداء واضحة في عين القيادة التي تبصر أيضا الأعداء الذين يتخفون في لباس الحلفاء والأصدقاء .. أي كيان أو شخص لديه ثلاث قوائم أساسية: قائمة الأصدقاء والموالين .. قائمة المحايدين المتربصين .. قائمة الأعداء الألداء .. والحكيم من يراقب حركة القوائم ليزيد من عدد الأصدقاء ويقلل من عدد خصومه .. ويدرك أن الانتقال داخل القوائم من أعلاها لأدناها أو الانتقال من قائمة لأخرى يعتمد بالدرجة الأولى على قدراتنا الذهنية والنفسية لإدارة الصراع .. فنحن لا ننزلق لأي صراع ما أن تُدق طبوله .. فهناك مسيرة طويلة يجب أن نخطوها قبل أن ننخرط في الحرب .. وعندما يتوجب علينا خوض الحرب فلا بد أن يتم ذلك وفق شروطنا ..

الوقت هو العنصر الأكثر أهمية والذي بحسن استثماره يمكننا من بناء أنفسنا في مقابل زيادة عناصر التفتت في منظومة العدو .. دراسة العدو وإدراك نقاط ضعفه المخفية وراء قوته العاتية عنصر لا يقل أهمية عن الوقت ففي ضوء ذلك يمكننا من بناء استراتيجية ناجحة لإدارة الصراع فالنصر في الحرب يتحقق بمحصلة القوتين الخشنة والناعمة .. الاستخبارات الفعالة عنصر آخر في طريق النصر والسعي من خلالها لمعرفة نوايا العدو لا يقل أهمية عن معرفة عناصر قوته وضعفه الظاهرة .. مع دفع العناصر الذكية “الدهاة” إلى المناورة النفسية عالية السرية لتخذيل الأعداء وغرس بذور الشك بينهم وتهيئة مناخ من انعدام الثقة لفك تحالفهم ( نعيم بن مسعود نموذجاً ) .. العمليات النوعية كاملة السرية لضرب مفاصل العدو لتعميق نقاط ضعفه وإثارة كبرياء الخصم تزيد من حدة تفاعل عملية التفتت الداخلي لمنظومة العدو .. بناء القوات العسكرية المناسبة لخوض الحرب لا علاقة له بالحجم والضخامة وإنما بالحركية والقدرة على المناورة في ميادين الحرب المختلفة .. لنتخيل صورة نبي الله “داوود” عليه السلام وهو يواجه بالمقلاع العملاق المدجج بالسلاح “جالوت” ويصرعه به { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ }.. الحرب الاعلامية لخلق اضطراب في مناخ الرأي العام الداخلي لجماهير العدو تتسبب في أزمات داخلية ( من المعارضة السلبية إلى الثورة الحقيقية ) مما يدفع العدو لتوجيه جهوده للسيطرة الداخلية فينشغل بها عنا .. أو خلق مناخ ضاغط لإيقاف الحرب ( الجنرال جياب فيتنام ) مما يمنحنا مزيداً من الوقت .. أو دفع الإعلام لاستعراض عدالة قضيتنا وصدقها ونبلها وأنها لخير البشرية جمعاء بلا تمييز، ولبيان تعدي وظلم الأعداء وفسادهم وجشعهم لإشباع شهواتهم المادية التي تدمر البشرية جمعاء .. المبادرة إلى المناورات الاقتصادية لفك تحالف الأعداء أو تحييد بعضهم ( مقترح عرض ثلث الثمار على غطفان خلال أجواء غزوة الأحزاب ) .. الضربات “العسكرية الاقتصادية” للبنية المالية الهشة لأي عدو تستهلكة وتستنزفه وتنتف ريش زهوه ريشة ريشة .. المعارك العسكرية والضغوط الاقتصادية والحيل النفسية والقلاقل الاجتماعية والاضطرابات الأمنية والهجوم الإعلامي هي أدوات بيد القيادة السياسية تديرها وتناور بها وفق الاستراتيجية “الخطة العليا” التي تعمل على تحقيق الهدف العام للصراع وفق مراحل متتالية .. من المهم أن نفقه المرحلة التي نمر بها لنحقق أهدافا متتالية تشكل مرتكزاً لبعضها البعض لبلوغ الهدف العام .. ففي مرحلة الضعف نهدف لتحقيق توازن استراتيجي واقعي مع العدو .. وفي مرحلة التوازن نهدف لتحقيق تفوق استراتيجي على العدو .. وفي مرحلة الحسم نعمل للقضاء على إرادة العدو القتالية .. وهذه المراحل طال وقتها أو قصر مرتبطة عضويا بالصراع أي كانت استراتيجيته أو وسائطه ..

الاقتصاد بالقوة يعني ترشيد الصراع وذلك بدفع القوة المناسبة بخطة مناسبة لتحقيق هدف محدد .. فلا يستخدم السيف في موضع العصا .. فإذا أحسنا إدارة الصراع وترشيده من خلال التزامنا بالشروط السابقة فإن كثير من الأعداء بمرور الزمان يفضلون الانتقال إلى قائمة الحياد وبمزيد من الوقت ينتقلون منها إلى قائمة الأصدقاء .. علينا الاهتمام بالوقت لفسح المجال أمام المناورات السياسية وأدواتها لضخ مزيد من القوة الناعمة واستعراض القوة الخشنة سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور ..

إن البدهية العسكرية ( هاجم نقاط ضعف العدو بنقاط قوتك ) إذا اعتمدنا مبدأ الاقتصاد في القوة تدعونا لجعل الحرب للعدو أكثر كلفة كما تدعونا للعمل على إبقاء كلفة الحرب منخفضة من خلال تبني استراتيجية واعية وواقعية يمكن تطبيقها .. لا توجد قوة في العالم ليس لها نقاط ضعف غير محمية أو غير متطورة .. حتى ضخامة القوة وتكاليفها العالية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف تهزمه ( الاتحاد السوفيتي ) .. المطلوب أولاً: تحديد نقاط ضعف العدو والعمل عليها ومنها: عدم الاستقرار السياسي الداخلي .. التفكك الاجتماعي والانحراف الأخلاقي .. التعددية العرقية والنزاعات بينها .. الموارد الاقتصادية الضعيفة .. جنون العظمة عند قائده .. تحيد داعميه الاقتصاديين أو ضرب المرتكزات التي تدعم اقتصاده بضرب طريق الحرير البحري للبضائع التجارية وللنفط ثمرة عمليات النهب التي تدعم اقتصاده ( الولايات المتحدة الأمريكية ) .. والمطلوب ثانياً: إبقاء نقاط ضعفك الخاصة خارج المعركة وتحفظ قوتك على المدى الطويل ..

حين نكشف نقاط ضعف أعدائنا ونستهدفها ستمثل ضربة كبيرة تحط من معنوياته .. وترهقه .. وساعتها ستنكشف لديهم نقاط ضعف جديدة لا بد من استثمارها .. وهكذا ..

يمكن فهم مبدأ الاقتصاد بالقوة من خلال عقد مقارنة بين نفسية المجتمعات البشرية الفقيرة وأسلوب إدارتهم لما لديهم وبين نفسية المجتمعات البشرية الغنية وأسلوب إدارتهم لما لديهم .. الاحساس بالحاجة وإدراك الواقع والحدود يدفعنا لحسن استثمارها .. فقد هذا الاحساس يدفعنا للحياة داخل أحلام اليقظة حيث لا واقع ولا حدود .. الحالمون بالسيطرة ( بن زايد وبن سلمان ) يتوهون في أوهام يقظة وينفقون مدخرات الأمة على أعدائها لتحقيق أوهامهم وسيفيقون منها حين يستبدلون إن شاء الله ولا مستقبل لهما .. المجاهدون المتفاعلون مع الواقع ( باليمن والصومال ) عليهم ألا يتركوا الانهيار القادم يسقط بيد عدو الله والأمة الحلف اليهودي الأمريكي وعلى المجاهدين أن يحضروا أنفسهم ويجتهدوا للسيطرة واستثمار الفرصة .. علينا أن نركز على ما هو بين أيدينا وأن نحسن إدارته .. متى نظهر ومتى نختفي .. متى نكثف الضربات ومتى نقتصد فيها .. التحرر من النظر تحت أقدامنا لنبصر إلى حدود الأفق وندرك ما وراءه .. التعلق بالانفاق لتوفير امكانات تشابه امكانات العدو تستنزفنا وتستهلكنا وتحولنا إلى نسخة مصغرة منه تلعب في ميدانه ووفق تكتيكاته وبإمكانات محدودة تسبب هدر الموارد كما تؤدي إلى انتكاسات لا تنتهي ( الشام ) .. الاستفادة مما هو بين أيدينا وفق استراتيجية وتكتيكات تناسبنا تحول ضعفنا إلى قوة مهما طال وقت الصراع ( الصومال ) .. حينما يملك العدو التفوق الجوي؛ علينا أن نمتلك التفوق الأرضي من خلال هجمات نوعية تحط من معنويات العدو وتخلق رأي عام مناصر لايقاف الحرب ( فيتنام ) ..

الاستراتيجية هي موازنة بين الوسائل والأهداف .. لابد أن نضع في اعتبارنا المعطيات لنا ولجيش العدو .. التناسببين بين الجيشين إذا كنا نخوض حرب نظامية .. الانسجام بين قوتنا والأرض التي سنحارب عليها .. استعمال الخداع من خلال جمع المعلومات المخابراتية والتنفنن في الدعاية .. الروح المعنوية لجنودنا .. استثمار الطقس .. الامتيازات السياسية المتوفرة .. كل هذه العوامل لا تضع أساس للخطة فقط بل تحدد النتائج التي يجب تحقيقها من المعركة ..

ما يجعلنا ننتصر في الصراع ليس تراكم القوة العسكرية .. ولكن أولاً: إيماننا بالله والتزامنا بشريعته وروحانيتها وإحسان التوكل عليه سبحانه { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .. ثانياً: المنهج الإسلامي ( السليم من الإنحراف والتمييع ) ونموذجه البشري الذي يقود الصراع بإنسانية ورقي والمطروح كبديل للمنهج الاستغلالي السائد ونموذجه البشري الشاذ .. ثالثاً: اجتهادنا في عالم الأسباب بالسعي لتحصيل أسباب القوة حسب الاستطاعة { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .. رابعاً: فهمنا لعدونا واستثمار نقاط ضعفه وحسن إدارة الصراع باقتصاد لتعميقها وتحضيره للإنهيار ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)