الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية |  السنة الخامسة عشرة – العدد 180 |  جمادى الآخرة 1442 ھ – يناير 2021 م . 

31-01-2021

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس إنحرافاً عابراً

الإفساد هدف وغاية الاحتلال.. والسلاح الحقيقي لإستعباد الدول

 

 

– معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ بل تعتمد أيضا على الجوانب التشريعية والقضائية، والبناء الإداري والرقابي. فيجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعاً له.

– قوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالاً للأجهزة الأفغانية.

– بعد انتهاء المعركة مع (الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع (الاحتلال بالفساد)، والذي يحقق أهداف الاحتلال العسكري.. بدون حرب.

– لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتى تمضي أحكامه على أصحاب المراكز العالية، والانتماءات القبلية التي قد يحتمون بها ضد أحكام القضاء.

– ليس هناك معونات اقتصادية أو إغاثية، تقبلها الإمارة، قبل أن تبحثها الأجهزة المختصة ومجلس الشورى، للتأكد من مناسبتها من النواحي الأمنية والسياسية.

– الاستثمارات المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مدمر للقيم المعنوية للإمارة وروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا محور اهتمامها، ودعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات، بأفضل صورة ممكنة.

– يُحْظَر تشغيل مشروعات خارجية بغير مشاركة ورقابة الإمارة، وإلا فإن أمنها واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح. وقد يتحول مسئولوها إلى وكلاء علنيين أو مخفيين لشركات كبرى، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغنى دول العالم بالخامات الاستراتيجية.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

الفساد.. هو العنوان الكبير الذي يصف الحالة الراهنة لأفغانستان في ظل الاحتلال. بل إن أول وأكبر التحديات التي سوف تواجهها الإمارة الإسلامية بعد طرد الاحتلال هومكافحة الفساد، لتأسيس حياة جديدة لأفغانستان وشعبها.

يدَّعي النظام الحاكم أنه يحاول مكافحة الفساد. وأحيانا يُلقي بتهم بالفساد على بعض الموظفين الكبار، وذلك في إطار الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم. وإلا فإن الفساد هي المادة الخام التي بنيَّ منها النظام. فجيش الاحتلال الأمريكي وهو أكبر مؤسسة للإفساد على سطح الأرض، جاء لتأسيس الفساد بمعناه الشامل في جميع مرافق الدولة والمجتمع.

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس انحرافاً عابراً، بل برنامج شامل متكامل ترعاه قوة عظمى وتنفذه بكافة قدراتها الجبارة بما فيها الجيوش، وقوة شركاتها العظمى العابرة للقارات التي هي أغنى وأقوى من معظم حكومات العالم. وترعاه بقواها “الناعمة” من إعلام مرأي ومسموع ووسائل التواصل الاجتماعي. وترعاه بقوة المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة بلجانها ودعواتها المنافقة عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل، بينما هدفها إفساد كل هؤلاء.

فما كان لمن يرسل الجيوش لقتل الملايين وإهلاك الحرث والنسل أن يتكلم عن أي نوع من الحقوق. في ظل الاحتلال تصبح جميع أجهزة الدولة فاسدة، بل قائمة على الفساد. فأداة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وغيرها من المستعمرات المحتلة ليس هو الجيوش بل الفساد. فيمكن تسميته بدقة متناهية أنه (احتلال بالفساد). بل أن النفوذ الدولي للقوة الأمريكية قائم على قدرتها على نشر وتثبيت وتشريع الفساد في حياة البشر جميعا. فإذا استحكم الفساد من الدولة المستهدفة، قد يصبح الاحتلال بالقوات العسكرية غير ضروري، فإما أن تنسحب بالكامل أو أن يبقى منها أعداد قليلة. فالإفساد هو الهدف والغاية والسلاح الحقيقي لاستعباد الدول.

– لهذا يكون الفساد أكبر من مجرد انحراف أخلاقي، بل هندسة لبناء الدولة والمجتمع بحيث يقود نفسه بنفسه على طريق الانحراف، بدون الحاجة إلى جيوش ترغمه على الخضوع والاستسلام، فالمجتمع قد خضع ذاتيا للاحتلال بالفساد وانطلق في الإنحرافات بكل جموح.

– الفساد الاقتصادي هو الأكثر وضوحا في الدول (المحتلة بالفساد)،لأنه يظهر في معظم المعاملات اليومية بين الناس والأجهزة الرسمية للدولة، التي تم تركيبها بحيث لا تعمل بغير المعاملات الفاسدة، من رشاوي واستغلال.

وفي ذلك يعتبر نظام كابول هو الأكثر فسادا على مستوى العالم كله. وليس ذلك غريبا بعد كل هذا المجهود الخرافي الذي بذله الأمريكيون في بناء الفساد وتشييده بواسطة حرب دامت ما يقرب من 20عاما.

للمفتش العام ـ الأمريكي ـ لإعادة إعمار أفغانستان أقوال كثيرة تكشف عمق الفساد في البنيان الاحتلالي لأفغانستان. فيقول (الفساد لا رادع له في أفغانستان وقد راعينا نحن ذلك الفساد ).. فيالها من صراحة يحسد علها !!.

ومن المعلومات التي كشفها قوله: (الأموال التي أنفقت على الإعمار في أفغانستان تجاوزت 132 مليار دولار، وهذا أكثر مما أنفقته أمريكا على خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية). فأين ذهبت كل تلك الأموال ؟؟ إنها ببساطة ذهبت في صناعة الفساد.

فقوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية هي مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالا يحتذى للأجهزة الأفغانية الجديدة.

فالرشاوي وتجارة المخدرات والانغماس في النشاط الإجرامي لأهداف شخصية، واتخاذ الربح غاية من كل مغامرة الغزو والاحتلال. حتى إن الفئات المتنافسة والمتصارعة داخل النظام، تلجأ إلى الأجهزة الأمريكية العسكرية والاستخبارية للبحث عن العون والحماية.

– في الجهاز الإداري المحلي تباع الوظائف في مقابل المال. وبالمثل في أجهزة الشرطة والأمن. يعترف رئيس الدولة (أشرف غني) أن بيع الوظائف موجود في وزارة الداخلية. ومقاعد البرلمان لها بورصة للبيع والشراء. والمجلس التشريعي تديرة من قَصْرِها ” السيدة الأولى”. أما الوزارة التي تمثل الجهاز التنفيذي فإن إقرار تشكيلها يستلزم دفع مبالغ خيالية من الدولارات لأعضاء البرلمان، الذين عليهم تعويض ما خسروه من مال في شراء مقاعدهم.

وجميعهم ـ تقريباـ (نواب الشعب والوزراء) منخرطون في تجارة المخدرات وغسيل الأموال. ويستخدمون عصابات إجرامية للحماية الشخصية وتهديد الخصوم، وتسهيل بعض النشاطات المخالفة لقوانين الدولة التي وضعها البرلمان نفسه.

حتى المؤسسة التعليمية التي تربي أجيال المستقبل فهي على نهج الفساد ذاته، وفيها تباع الوظائف. والدفع إلزامي مهما كانت نتيجة اختيارات التوظيف. وفي ذلك إفساد للمستقبل يضاف إلى إفساد الحاضر بكافة جوانبه.

– أموال “إعادة الإعمار” والمشاريع”الإغاثية” مجال رحب جدا للفساد والإفساد. فالهيئات الاحتلالية والأجنبية التي تحمل الأموال هي ذات طبيعة فاسدة. والأجهزة المحلية وقنوات الإنفاق هي على نفس المنوال من الفساد، وغالبا ما تتحد مسارات الفساد الخارجية والمحلية ليصبحا مسارا أعظم للإفساد، تحت العناوين البراقة للإعمار والإغاثة الإنسانية.

يقول المفتش الأمريكي العام لشئون إعادة إعمار أفغانستان أن الوكالات الفيدرالية الأمريكية، ومنذ بدء حرب أفغانستان رصدت نحو 137 مليار دولار لإعادة بناء وتأهيل مرافق عامة داخل أفغانستان. وأن إهدار تلك الأموال يبدأ بدفع الرشاوي والإتاوات، وصولا إلى إقرار عقود لمشاريع كبيرة تحصل عليها الشركات الأجنبية (!!) ثم تتولى تنفيذها شركات محلية بأسعار أرخص بكثير، وبالتالي تنهار المشاريع بعد وقت قصير من إنجازها.

– أما الإفساد الأخلاقي والفكري فيتم بوحشية عبر أجهزة الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي وجيوش المرتزقة من الإعلاميين و(الذباب) الإعلامي.

وهناك نشر شبكات الدعارة، والشبكات الكَنَسيَّة، وجماعات”المجتمع المدني”، ومؤسسات استخبارية لا حصر لها تحت عناوين تَدَّعي العمل التعليمي أو الإعلامي أو الخيري. برعاية الاحتلال صار الفساد نمط حياة ومؤسسات دولة، وتيارات إجتماعية ناشطة ومدعومة بقوة من الإحتلال ودول الغرب.

– كل ذلك الركام العفن من الفساد هو ما تسميه أمريكا وكلاب الناتو المفترسة بالإنجازات. ويهددون بعدم الإنسحاب مالم تتعهد طالبان بالحفاظ عليها. إنهم يريدون استمرار الاحتلال تحت مسمى السلام، أي وقف الحرب وإدامة “الإحتلال بالفساد” في أفغانستان.

 

الإمارة الإسلامية هي الحل:

لا مخرج من تلك الطامة الكبرى إلا بعون من الله، وحكم الإمارة الإسلامية بمنهجها الواضح في تحقيق العدل الذي يفتقده شعب أفغانستان وصار حلما للبشرية جميعا. كانت غاية الإمارة في فترة حكمها الأولى كما سيكون في قادم الأيام هو إتباع الآية الكريمة: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ـ 82 القصص.

بداية التحدي ستكون مع أجهزة الدولة القائمة كلها وفق هندسة الفساد. حتى يكاد إصلاحها يكون مستحيلا. ولا نستبعد وجود أقلية من غير الفاسدين داخل تلك الأجهزة.

ولكن لابد من تغيير طريقة عمل الجهاز الحكومي، واستبدال القائمين عليه بقيادات جديدة تُمَثِّل المُثُل الأخلاقية للإمارة الإسلامية، خاصة من بين هؤلاء الذين خاضوا الحرب ضد الإحتلال. فبعد انتهاء المعركة مع(الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع(الاحتلال بالفساد)الذي يحقق أهداف الإحتلال العسكري ولكن بدون حرب.

– القيادات الجهادية في معركتهم الجديدة ضد الإحتلال بالفساد سيواجهون مشاكل وتحديات أشد صعوبة، وقد لا ينجح فيها البعض. لهذا ينبغي أن تدعمهم الإمارة بالإرشاد والتأهيل الفني إضافة إلي المتابعة والرقابة المنظمة الدائمة حتي لا تجتذبهم آله الفساد القديمة وتطحنهم بين تروسها. فالمعركة ضد الفساد لها صعوباتها وضحاياها حتى من بين القادة والكوادر الذين نجحوا في معركة السلاح ضد جيوش الإحتلال.

– لاستكمال أدوات المواجهة مع الفساد لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتي تمضي أحكامة على أصحاب المراكز العالية أو الإنتماءات القبلية التي قد يحتمون خلفها ضد أحكام القضاء.

– أما عن الفساد المصاحب لتدفق المعونات الخارجية، والهيئات الأجنبية العاملة في النشاط الإغاثي والإنساني، فإنه تحدٍ كبير لابد أن تتصدى الإمارة له بشكل حاسم ولا تترك له المجال كي ينشر المزيد من الفساد أينما ذهب وكيفما شاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

مراقبة العمل الإغاثي والمعونات الخارجية:

المعونات الخارجية والمشروعات الإغاثية لابد أن توافق عليها الإمارة ومجلس الشورى لبحث مطابقتها للشروط الموضوعة، وأنها لا تمس أمن أو سيادة الإمارة. فليس هناك موافقة تلقائية على أي معونات قادمة من الخارج سواء من مصادر حكومية أو أهلية. فغالبا ما يأتي السم في عسل المعونات الخارجية. كما ليس هناك ضمانة لإستمرارية أي مشاريع إغاثية كانت قائمة مالم يعاد فحصها أمنيا وسياسيا، فإن تمت الموافقة عليها وإلا تُوقَف فورا. ويمنع تشغيل أي مشروعات خارجية بغير وجود رقابة من الإمارة أو مشاركة فعلية في الإدارة والتشغيل، وإلا فإن أمن الإمارة واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح، وقد تتحول الإمارة إلي مجرد كيان إفتراضي، ويتحول مسئولوها إلي وكلاء علنيين أومخفيين لشركات كبري، فتتولي الشركات والهيئات الخارجية التحكم في الإقتصاد وبناء شبكات تجسس وجماعات ضغط داخل الإمارة لصالح إحتكارات إقتصادية خارجية، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغني دول العالم بالخامات الإستراتيجية، ومن أجل ذلك تحركت الولايات المتحدة لإحتلال أفغانستان لضمان إبتلاع شركاتها الجزء الأعظم من تلك الثروات.

– مشاريع الاستثمار الخاص، المحلي أو الخارجي، يشترط لقبولها ألا تتعارض مع خطط التنمية التي تقرها الإمارة كما لا يسمح بعمل برامج مخالفة للنظرة السياسية للإمارة، مثل إدخال مدارس أجنبية مغايرة للبرنامج الرسمي للإمارة. أو تشييد مرافق صحية باهظة التكلفة بحيث لا يتمكن من العلاج فيها إلا القلة من الأثرياء. أو بناء أحياء للصفوة، ومجمعات سكنية باهظة لا تتماشى مع متوسط حياة المواطن العادي.

فذلك الاتجاه لخدمة القلة التي تمكنت من تكوين ثروات طائلة في ظروف مشبوهة، إذا أطلق له العنان فإنه سيضر بالعلاقة بين الشعب والإمارة، ويشيع مناخ من انعدام الثقة في شعارات العدالة وتكافؤ الفرص، وأن الإمارة هي إمارة للأغنياء فقط.

إن الاستثمارات الباهظة المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مُدَمِّر للقيم المعنوية للإمارة، ولروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا هم محور اهتمامها، وتدعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات بأفضل صورة ممكنة، حسب طاقة الإمارة التي ستنمو باستمرار ببَرَكِة الإيمان، وبدعم ومحبة الشعب، والثروات الكامنة في الأرض الأفغانية.

 

الانحراف.. ومواجهة الانحراف:

من الطبيعي ظهور الإنحراف فذلك من طبيعة البشر. ولكن العبرة بالتصدي الحاسم له، من أي مستوى جاء، ثم حماية الجميع قدرالمستطاع من الوقوع فيه، وذلك بالتوجيه والمراقبة والمحاسبة العادلة والحاسمة على الجميع، مهما كانت مراكزهم أو تاريخهم أو قبائلهم. فذلك هو الفارق بين نظام الحكم في الإمارة، القائم علي شرائع الدين التي تتصدي للفساد وتتوقي منه، وبين أنظمة قائمة علي الفساد وتبذل كافة طاقتها لنشره واستشرائه بين شرائح المجتمع.

– أهم واجبات الإمارة هو تأهيل كوادرها الإدارية بالمعارف الحديثة اللازمة، ثم مراقبتهم بإستمرار، أثناء قيامهم بواجباتهم. وكبح أي إنحراف منذ بدايته المبكرة، وعدم إستثناء أي أحد مهما كانت عظمة سابقته في الجهاد.

– كتب أنس حقاني واصفا الأيام الأخيرة في حياة والده، العالم والمجاهد العظيم، مولوي جلال الدين حقاني، وكان جالساً يبكي، فسأله أولاده عمَّ يبكيه فأجابهم: {أنا أبكي لأني لا أعرف خاتمتي. وعندما أرى رفاقي السابقين في الجهاد كيف باعوا ضمائرهم وغيرتهم ووقفوا بجانب الكفار، أخاف أن تسوء عاقبة أعمالي. ياليت رفاقي يفقهون الآن ويتركون موالاة الكفار} ـ (مجلة الصمود عدد 177) ـ مولوي حقاني كان يقصد قادة من الصف الأول في الأحزاب الجهادية السابقة، الذين احترفوا العمل السياسي، ومن لحق بهم من قادة الجبهات الذين اجتذبهم قادة بيشاور لتدعيم أحزابهم، فابتلعتهم دوامة الفساد والسعي وراء المال. وعندما شاركوا في السلطة بعد سقوط النظام الشيوعي في كابول أضافوا لأنفسهم مكانة سياسية إلى جانب الثروات المالية. حتى أن أحدهم / وقد شارك في حكم العملاء لخدمة الاحتلال الأمريكي/ قال ممازحاً رفاقه: {أنا الآن أكثر غنىً من قارون، وأكثر عِلماً من إبليس} “!!”.

على حالته تلك قُتِل الرجل في معارك دارت في كابول. فمن يأمن مكر الله ؟؟.

– فليكن حرص الإمارة على استقامة من تولِّيهِم مسئوليات الإدارة أشد من حرصها عليهم في أوقات القتال ضد جيوش الكافرين. فمن المأثورات عن الصديق أبو بكر رضي الله عنه، أنه قال: ( لو أن لي قدم في القبر وأخرى خارجة، ما أمِنتُ مَكرَ الله ).

 

بالجهاد.. الأفغان في المقدمة:

يسير العالم صوب مصير غامض يشبه العَدْو في الظلام. ربما يقود إلى فوضى شاملة ودمار مجتمعات وتشريد ملايين البشر. فهل يكون ذلك سببا لرجوع الناس إلى رب الناس؟؟.

كان الشعب الأفغاني أسبق الجميع في السعي إلى الله، كسبيل وحيد للخلاص من الطغاة الذين أرسلوا جيوشهم لإستعباده، كما فعلوا بمعظم شعوب الأرض.

جاهد الأفغان في سبيل الله فرارا من عبودية العباد، ولإخلاص العبودية لله وحده لا شريك له.

– جهاد شعب أفغانستان ضد الطاغوت الأمريكي كانت هي التجربة الأكبر والأخطر في كل التاريخ الجهادي لذلك الشعب، الذي بدمائه إفتدى حريته وافتدى دينه، وأبقى على الإسلام الذي كاد أن يندثر بفعل الهجمات الطاغوتية على المسلمين وانحسار حقيقة الإسلام عن معظم بلادهم.

دافع شعب أفغانستان وحفظ الإسلام للبشرية جمعاء، ورسم بدماء أبنائه طريق الخلاص أمام البشرية التي قد تدخل نفق الفوضي الشاملة. ولكن الأفغان بجهادهم يرفعون مشعل الهداية في نهاية النفق المظلم.

إن طرد جيوش العدوان والحصول على الحرية والاستقلال هي بداية الطريق. ورغم صعوبة الوصول إلى تلك البداية بعد سنوات طويلة من الجهاد والتضحية وملايين الشهداء وأضْعَافِهم من المصابين. فإن طريق الخلاص الحقيقي هو طريق بناء الإنسان والمجتمع والدولة على ضوء من هدي الشريعة.

فالإنسانية في انتظار نموذج إسلامي حقيقي، يرشدها إلى سواء السبيل. فالعدالة هي السلعة المفقودة من حياة البشر منذ قرون، وذلك منبع جميع الرزايا.

فالعدالة تأتي إذا كانت شريعة الخالق هي مصدر الأحكام وليس طبقة متسلطة ولا عائلة طاغية تستأثر بالمال والسلطة، ثم تتصرف وكأنها خالق الخلق والمتحكم في مصير العباد لا راد لحكمها ولا دافع لقضائها ولا حدود لسلطانها. فذلك هو الطاغوت الذي حكم لقرون متطاولة فوق أرض الله طولا وعرضاً. حتى تأصل الفساد في البر والبحر.. وهو ينطق بلسان الحال: (أنا ربكم الأعلى).

الدولة الإسلامية مجرد وسيلة لبناء الإنسان، وتسهيل مسيرته في طريق يرضاه الخالق. فالإنسان لم يُخْلَق ليكون خادما للأشياء التي سخرها الله لخدمته.

فهو سيد الكائنات، وجُعِلَت الأشياء لخدمة مسيرته إلى الحق. فالدولة وسيلة لخدمة الناس. وهم ليسوا عبيدا لها، فالدولة ليست هي الغاية، بل هي وسيلة.

أما الغاية فهي تعبيد الناس للخالق بإقامة العدل والإحسان والمساواة في واقع حياتهم وليس فقط في الأحلام والأساطير.

 

الدولة.. وسيلة لخدمة الناس وليس لإستعبادهم أو إرهابهم:

بناء دولة للإسلام تكون في خدمة المسلمين ولحماية الدين، هي أصعب المعارك علي الإطلاق لأنها ليست معركة ضد معسكرين متمايزين فيسهل وقتها إتخاذ المواقف والقرارات، ولكن المعركة ستكون داخل كل إنسان وتضعه أمام حقيقة نفسه التي غالبا ما يجهلها. فالدنيا تتجاذب كل نفس. والنجاح في المعركة ضدها هو الأصعب، ولا يكون الفرد ناجحا علي طول الخط ولا يسير علي وتيره واحدة. والذي ينجح في معارك السلاح، قد ينجح أو لا ينجح في المعركة التالية عندما تخضع له الدنيا وتقبل عليه ـ أو يقبل هو عليها ـ إقبال المشتاق الجاهل بعواقب التنافس عليها. وقد كان وقت القتال يجهل أن الدنيا مغرية إلي هذا الحد. أو كما جاء في الحديث الشريف: {والله ما الفقرُ أخشي عليكم، ولكن أخشي عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت علي من كان قبلِكُم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلِكَكُم كما كما أهلَكَتهم}.

– في معركة الجهاد ضد السوفييت وما أعقبها من إنتصار(وحُكْم) تغير الكثير من الأبطال واندفعوا لحيازة الدنيا بكل الطرق، حتي بمخالفة بمبادئ الدين الذي حاربوا من أجله. ومضي بعضهم في سبيل الإبقاء علي مكاسبه من أموال أو سلطة سياسية ونفوذ إجتماعي إلي الإستعانة بأعداء الدين. بل عمل إلي جانب إحتلال جديد وجيوش كفر أخري، مادامت تحافظ له علي ما هو فيه من نعيم الدنيا وزخارفها !!!.

معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ علي أهميته المطلقة ـ بل تعتمد أيضا علي الجوانب التشريعية والقضائية والبناء الإداري والبناء الرقابي. فليست مقاومة الإمارة للفساد مجرد مجهود وعظي وتثقيفي، بل يجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعا له. والقدوة التي تمثلها القيادة لها دور كبير جدا على نتائج تلك المعركة الأكبر من كل ما سبقها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”




الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي




إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان (1)

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

(1 من 4)

تعاون إسرائيلى أمريكى لإرساء إستراتيجية جديدة لصناعة الهيروين 

 

– المماطلة التفاوضية إستراتيجية خليل زاد .. لكسب (قنبلة الوقت) .

–  إستقلال أوروبى منشود فى مجال المخدرات الأفيونية ، وأمريكا تقف وحيدة . وحرب مخدرات بين ضفتى الأطلنطى غير مستبعدة مستقبلا .

– قضية المخدرات توضع ضمن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لجنوب آسيا ، بما يتوافق مع أهداف الدولة الأمريكية .

– أمريكا تفسخ شراكتها مع أوروبا فى أفيون أفغانستان ــ ضمن خطتها الثابتة لفسخ الإتفاقات ــ وتبتكر إستراتيجية (قف وحيدا) ، مكتفية بإسرائيل شريكا أوحدا فى تجارة الهيرويين العالمية .

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

إنتهت الجولة الثامنة من المفاوضات بين أمريكا وحركة طالبان ، إنتهت ولكن بلا مفاوضات ـ مجرد عملية إلهاء متواصلة على هيئة جولات تفاوض عقيم وسط تصريحات وردية عن الإقتراب إلى حل (للنزاع) !! وقرب( إحلال السلام ) !!، فى حرب مصطلحات تسلب طالبان مشروعية جهادهم ، وتجفف منابعه الدينية ، إستنساخا لما حدث مع العرب فى فلسطين التى نجحوا فى تحويلها إلى شئ جديد إسمه (إسرائيل) . وتلك الإسرائيل أصبحت تظلل بلاد العرب جميعا من المحيط إلى الخليج . فابتلعت عدة بلدان ودمرت عدة بلدان آخرى ، وأصبحت مقدسات المسلمين جميعها داخل حدودها. تلك الحدود التى لا تظهرها الخرائط بل تحيطها جنازير الدبابات الإسرائيلية ، على حد قول مؤسسيها .

فى الأشهر الأخيرة أعلنت إسرائيل نفسها لاعباً أساسيا فى أفغانستان وأنها مع الولايات المتحدة يشكلان توأما سياسيا ملتصقا من الرأس حتى القدمين . وقالت بالصفاقة المعتادة أنها تقدم العون للجيش الأمريكى فى عدة مواقع من العالم “!!!” ، وأنها فى ركابه أينما سار ، بلا حاجه إلى دعوة من أى حكومة أو حتى أعلان عن ذلك التواجد. وبهذا بات واضحا أن      القواعد الأمريكية هى قواعد إسرائيلية بالضرورة . وأن الإتفاقات العسكرية مع أمريكا هى إعتراف وتطبيع وتعاون وثيق مع إسرائيل . ولعل ذلك يخرس الكثير من الألسن المنافقة .

قال الإسرائيليون بالعبرى الفصيح ، أنهم فى أفغانستان منذ اللحظة الأولى للغزو الأمريكى لذلك البلد ، وأنهم قدموا الحماية الأمنية لكرزاى أول “رئيس ديموقراطى” دخل أفغانستان على متن مروحية أمريكية . بل تواجد الإسرائيليون منذ الإحتلال السوفيتى فى الثمانينات وإلى الإحتلال أمريكى بمعاونة نفس القادة الأصوليين للأحزاب الجهادية (!!) .

نفس القادة الذين يجاهدون الآن لإبقاء الإحتلال الأمريكى ، وهم منهمكون الآن فى حجز مقاعد أمامية مع الإحتلال الإسرائيلى الذى سيملأ الفراغ الذى سيخلفه الإنسحاب العسكرى الأمريكى من أفغانستان(وليس الإنسحاب الإستخبارى). فقد كان ترامب صريحاً على غير العادة عندما قال أنه سيترك هناك وجودا إستخباريا قويا . ولكنه لم يذكر أن التلازم العسكرى بين أمريكا وإسرائيل ، يماثله تماما تلازما إستخباريا . فحيثما تواجدت CIA تواجد معها بالضرورة جهاز الموساد الإسرائيلى . ولكن العكس غير صحيح فى الحالتين ، بمعنى إن إسرائيل ممكن أن تعمل منفرده عسكريا وإستخباريا بدون الإلتزام بالتوأم الأمريكى الملتصق ، وهى مرونة لا يستطيع الأمريكى أن يتمتع بها.

 

 

إضاعة الوقت .. إستراتيجية خليل زاد :

خليل زاد يقود عملية إهدار متعمد للوقت بإطالة زمن المفاوضات مستخدما سياسة العصى والجزرة ، ولا يهدف مطلقا الوصول إلى حل . فالإدارة الأمريكية قررت (شراء الوقت ) فى عملية تظهر للمراقبين أنها تعثر فى المفاوضات ، أو تكرار ممل لجلسات طويلة بلا معنى أو نتيجة ، ويطوف خليل زاد بعواصم الإقليم ، ومنظمات دولية وإقليمية وإسلامية محاولاً ضمهم إلى موقفه المماطل الذى يضم نقطة جوهرية هى مفتاح للموقف كله ، ألا وهى مدة إنسحاب تمتد إلى ست أو خمس سنوات .

يحاول خليل زاد أن يجمع تحالفا دوليا سياسيا ومعنويا يضعط  به على طالبان للقبول بذلك المطلب (البسيط) فى مظهره والخطير فى حقيقته .

ولأنه يبدو بسيط المظهر فالأمل يراود خليل زاد فى إيقاع جميع العصافير بحجر واحد. يريد أن يربط معه فى ذلك المطلب الدول الإقليمية : الصين ، روسيا ، الهند ، إيران ، باكستان والهيئات الإسلامية خاصة منظمة المؤتمر الإسلامى .

يقول خليل أن هؤلاء يضمنون سلامة إنسحابنا من الهجمات . وبالطبع فإنه يريد (إحلال السلام بين الأفغان) أى تقاسم السلطة بين طالبان وبين نظام كابول بنفس المواصفات الحالية أى التبعية التامة للأمريكى وتسليمه ثروات البلد والتنازل له عن سيادة شعبها وحتى عن إسلامه .

– على الجانب الأفغانى المفاوض والذى يترأسه المقاتل الصلب( ملا برادر ) ، يؤكد على :

– ضرورة إنسحاب أمريكى شامل لجميع القوات الأجنبية بما فيها داعش ، ومرتزقة شركة بلاك ووتر (الإسرائيلية / الإماراتية ) .

– رفض وقف إطلاق النار، لأنه يعنى تفكيك القوات الجهادية ، وبالتالى ضياع فرصة المقاومة، فيتمكن العدو من أن يبقى فى البلد إلى الأبد .

– مدة الإنسحاب يجب ألا تتعدى  أشهرا قليلة وليس سنوات .

– ضمان سلامة القوات الأمريكية فى حال إنسحابها فقط . ولا يسرى ذلك على أى قوات لم تشرع فى الإنسحاب .

–  يشكو خليل زاد من جفاء المفاوض الأفغانى ، وأنه يتكلم من طرف أنفه مع الأمريكى . ومع ذلك فإن حديث المفاوض الأفغانى مع الأمريكى خليل زاد لم يوضح فهمه الحقيقى ( لقنبلة الوقت)، أى الخطورة الفائقة لعنصر الوقت الذى يسعى الأمريكى بكل طاقته لأجل المماطلة للحصول على المزيد منه . كما سنشرح خطورة ذلك لاحقا.

 تُظهر حركة طالبان حرصاً أساسيا لقضية إنسحاب القوات الأمريكية والمعتدية ، ولا يهمها من يشهد على تنفيذ ذلك الإتفاق من الجهات السابق ذكرها . ولا تعطى أهمية تذكر لكثرة الجهات التى يورطها خليل زاد فى الإتفاق ، رغم أن أمريكا لن يقيدها ذلك بشئ ولكنها سوف تستخدم كل هؤلاء الشهود فى الضط على حركة طالبان مستقبلا . وما حدث فى نقض الإتفاق النووى مع إيران غنى بهذا الدرس القيم ، وسلبية شهود الإتفاق شئ واضح أضر بإيران كثيرا، ولم يؤثر بأى شئ على عدوانية أمريكا وانتهاكها للإتفاق ولجميع القوانين الدولية.

وذلك يجعل الأمريكى يأمل فى أن يغفل طالبان عن(قنبلة الوقت) التى إن فقدها فقد تنسف ـ فعليا وليس مجازيا ـ البنيان الأمريكى / الإسرائيلى ، فى العالم وليس أفغانستان فقط .

 

 

معسكر تحالف الخلافات !!.

– لا تسير الأمور بسلاسة داخل المعسكر الأمريكى ، ولا بين أمريكا وحلفائها من إسرائيلين وأفغان وأوروبين ، ولا يعتبرون الخليجيين والعرب حلفاء ، بل مجرد أحذية للسير فى أوحال الحروب والأعمال القذرة ، وماكينات لدفع التكاليف . حتى أن الوضع داخل معسكر أمريكا وحلفائها يبدو وكأنه تحالف بين الخلافات . وأكثرها غير قابل للحل لكن الجميع فى حاجة إلى السير تحت وطأتها لأن البديل سيطحن الجميع ، والعالم كله قد يتغير وليس فقط لعبة المخدرات وتحالفاتها .

ــ بإعتبار ترامب قائدا للقطيع ، فمشاكله الداخلية ، خاصة مع الخابرات والجيش هى الأعقد والأخطر . لوبيات السلاح والنفط والمخدرات هى الأخرى تحديات قاتلة. وسيد اللعبة (إيباك) (لوبى الضغط الصهيونى)، يحاول التنسيق بين الجميع ، لتبقى السفينة الأمريكية طافية فوق أعاصير المحيطات الهائجة . ستغرق تلك السفينة حتما لأن مدة صلاحيتها إنتهت بالفعل ، ولكن السفينة الجديدة مازالت داخل حوض البناء فى القدس .

وماكينة صرف الوقت موجودة فى أفغانستان ، وتحت سيطرة طالبان . لو أحسنت إستخدامها ، ستغرق السفينة الأمريكية ، والكثير من السفن الكبيرة .

 

 

تشابك الخلافات الأمريكية :

الجيش الأمريكى هو بطل المأساة ، وضحية الخلافات وتضارب المصالح. ولديه رؤية جديدة لحل أصل المشكلة بناء على حقيقة خسارته للحرب عسكريا .

يعلم قادة الجيش جيدا أنهم فى أفغانستان لخوض حرب الأفيون الثالثة ـ تكملة لحربين شنتهما بريطانيا وباقى أوروبا وأمريكا ـ ضد الصين فى القرن التاسع عشر .

 فى البداية ،إتخذ الجيش والدولة كافة الإجراءات للفوز فى حرب سريعة وصاعقة كاملة الأرباح أى الأفيون والنفط وكافة الثروات المعدنية الهائلة فى ذلك البلد الفقير .

لم يحسن الأمريكيون تقدير الشعب الأفغانى ، وقاسوه على شعوب العرب . والنتيجة أن تخطى عمر الحرب 18 عاما فى إنتكاسه فضائحية لأطول حرب فى تاريخ أمريكا الإستعمارى وفى تاريخ إسرائيل القصير . بما يعنى أن إسرائيل قضت ربع حياتها فى قتال الأفغان ، ولم تعلن ذلك إلا منذ أشهر قليلة . وقد ظنت أنها ستنجح فى حرب مشتركة مع أمريكا و 50 دولة أخرى لإحتلال أفغانستان ، ثم تقاسُم أرباح الحرب مع الغول الأمريكى . وظنت أنها حرب ساعات أو أيام معدودة وينتهى كل شئ ، كما حدث فى فلسطين وباقى بلاد العرب الأمجاد .

إن الأفغان قاتلوا ضد إسرائيل 18 عاما ، أى أضعاف مضاعفة من المدة التى قاتل فيها العرب ضد يهود إسرائيل فى حروب يمكن إحصائها بالساعات بقياس زمن القتال الفعلى ، بدون الهدنات المعلنة وغير المعلنة ، والخيانات السرية والعلنية . حتى أصبحت الخيانة وساما يتباهى ويتغنى به بغايا السياسة العرب .

 – منذ عهد أوباما إلى عهد ترامب وهناك إجماع على ضرورة التخلص من الورطة العسكرية فى أفغانستان . وحاليا يجمع الحزبان الرئيسيان الجمهورى والديموقراطى على ضرورة الإنسحاب بسرعة من تلك الحرب .

الجيش تمكن من سحب معظم قواته . الأرقام الحقيقية محظورة ، وما يعلن غير صحيح لدواعى أمن القوات ومعنوياتها ، ولتفادى رفع معنويات طالبان .

ويعتقد بشكل عام أن تعداد القوات الأمريكية الآن تحت سقف السته آلاف جندى . والإنسحاب مستمر على دفعات مفاجئه وغير معلنة حتى بعد إتمامها .

فالقوات المتبقية الآن غير كافية لأى شئ حتى للدفاع عن نفسها ، أو عن قاعدة بجرام التى تشكل رأس الإحتلال الأمريكى العسكرى والإستخبارى والسياسى .

فالجيش الأمريكى فشل فى حمايتها ، وإضطر إلى توزيع عدد من قواته ومعداته الهامة على قواعد آخرى ليتجنب الإستهدافات المتزايدة. وبهذا تزلزل الإحتلال وزاد ضعفاً .

ذلك الوضع يمثل خطر على سلامة القوات الأمريكية ومعنوياتها بل وسمعة الجيش الأمريكى الذى هو عماد الهيبة العالمية لأمريكا، التى تنفق عليه أكثر من 700 مليار دولار سنويا كاستثمار لإكتساب سطوتها الدولية وحماية إرهابها الدولى الإقتصادى والسياسى والتخريبى .

وبما أن البنتاجون يدرك أنه يخوض حرب الأفيون ، فقد وضع خطة بديلة للإحتفاظ بأكبر قدر ممكن من ثروة الهيروين بعد الإنسحاب ، فأعلن عن إدخال المخدرات فى صلب الإستراتيجية العسكرية لجنوب آسيا .

– فبعد مؤتمر وزارى فاشل عُقِد فى جنيف حول أفغانستان فى نوفمبر 2018 صدر البيان الختامى بدون ذكر للمخدرات فى أفغانستان التى أكثروا من الحديث عنها قبل المؤتمر .

كان هناك خلافاً ، بل و(حرب مخدرات) وشيكة بين أوروبا وأمريكا. وكانت شرارة الخلاف واضحة فى أفغانستان .

الأمريكان وكأنهم تعمدوا إفشال مؤتمر جنيف لإبطال إتفاقاتهم الأفيونية مع الأوربيين ، كما أبطلوا معهم العديد من الإتفاقات الهامة بدأت بالمناخ ولن تنتهى بحرب الرسوم الجمركية على الواردات الأروبية . حتى قال ترامب يوما أن صادرات ألمانيا من السيارات تهدد الأمن القومى الأمريكى (!!) .

 

 

إستقلال أوروبى فى مجال المخدرات .. وأمريكا تقف وحيدة :

وليس بعيدا ذلك اليوم الذى سوف تستقل فيه أوروبا يإنتاج المخدرات الأفيونية الخاصة بها ، بتقنيات ومسميات جديدة . وسوف يكون ذلك إنفجارا هائلا فى سوق المخدرات الدولية له تبعات فلكية فى الإقتصاد والسياسة ، وربما حروب بالوكالة تكتسى بأسباب أخرى أكثر أخلاقية. وسوف تُغْلِق كليا أو جزئيا طرق تدفق الهيروين الأفغانى عبر تركيا والبلقان ، وعبر روسيا ، وطرق الكوكايين من أمريكا الجنوبية عبر الأطلنطى . ولكن طرق حشيش المغرب لا يبدو أنها ستكون مهددة نظرا لإعتبارات سياسية (وساطة إسرائيلية) ولمزايا ذلك المنتج من حيث الجودة والسعر. ومن الطبيعى فى مرحلة ما أن تضع دول أوروبا ثقلها وراء منتجاتها الأفيونية الجديدة لتسويقها دوليا نظرا لمميزاتها النوعية والإقتصادية .

ــ الجيش الأمريكى كان رده جاهزا فى الربع الأخير من عام 2018 ، بعد يقينه بفسخ الشراكة مع أوروبا ـ بل وإحتمال الحرب الأفيونية معها ، وبعد سحب إعتماده بالكامل من الحكومة الأفغانية الفاشلة فى كل شئ والفاسدة فى كل مجال . فأوقف (تقريبا) مساعداته المالية لها فى مجال مكافحة المخدرات . بل طلب منها حل وزارة مكافحة المخدرات ، فاستجاب الرئيس أشرف غنى وأصدر مرسوما بتوزيع صلاحيات تلك الوزارة بين وزارات أخرى فى الدولة من أجل تقويتها(!!)، وهو تعبير دبلوماسى عن حل وزارة عديمة القيمة سوى فتح بؤر جديدة للفساد الحكومى .

بلور الجيش الأمريكى إستراتيجيتة الجديدة لمكافحة المخدرات ، معطيا إياها عنوانا موحيا هو (قف وحيدا !!). وزارة الخارجية كتبت لها ديباجه مضلله كالعادة . ولكن جوهر الموضوع واضح ويصعب إخفاؤه . فقد صرحوا بدمج إستراتيجية مكافحة المخدرات مع إستراتيجية الإدارة الأمريكية العسكرية لجنوب آسيا . مع إعطاء القوات الأمريكية صلاحيات إستهداف معدات إنتاج المخدرات وشبكات تمويل “المتمردين ” ، حسب ديباجة الخارجية الأمريكية .

الجيش الأمريكى موقفه واضح وحاسم . لكن شركاء اللعبة الكبرى لا توافقهم تماما خطة الجيش بالإنسحاب المبكر من أفغانستان ، أو أن يتولى الجيش خطة للمخدرات لا تستدعى إحتلالا أوحربا لا نهاية لها . فشركاؤه الكبار فى الميدان الأفغانى وهما المخابرات الأمريكية CIA والمخابرات الإسرائيلية “الموساد” لهما رؤية مختلفة ، وخطط مغايرة .

فهما يطالبان ببقاء الجيش عامين أو أكثر حتى يتسنى لهم إتمام ترتيبات المرحلة الجديدة من إنتاج الهيروين ونقله من أفغانستان إلى العالم الخارجى .

المهم والأهم ، هو إتمام أكبر عملية فى التاريخ لغسيل أموال المخدرات !!. فالتوأم الإستخبارى فى حاجة إلى عدة سنوات وليس عدة أشهر والا فإن النتائج ستكون أكثر من مأساوية . وسوف تسقط السماء على كوكب الأرض بأجمعه ، بداية من الولايات المتحدة وإسرائيل وصولا إلى قرى أفريقيا وآسيا .

 

تنزيل المجموعة الكاملة من مقالات (إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان ) : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان 1

 




ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان

 

 

–  طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا من تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك .

–  أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها من دول المنطقة . كما تولت الإمارة عمليا أكثر مهام الحكم داخل بلادها.

–  نظام كابول يعيش درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته لصالح صفقات تسوية لأوضاع كبار مسئوليه مع الإمارة الإسلامية .

–  فى أيام العيد جنود الجيش يحصلون من حركة طالبان على تصاريح لزيارة أهليهم في قراهم المحررة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

( ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا ) :

يقف الرئيس الأمريكى المخنث كى يعلن منح إسرائيل ما يشاء من أراضى العرب ومقدسات المسلمين من القدس إلى الجولان المحتل . وهو ماض فى رسم خرائط دول العرب ، والسطو على ثرواتهم وتقرير حاضرهم ، وما تبقى لهم من مستقبل .

هو يفعل ما يشاء فى جغرافيا العرب وتاريخهم ، ويعيد تشكيل عقائدهم بما يخدم إمبراطورية يهودية فى طور التشكيل ، أوشكت على الإنتهاء فى بلاد العرب بمقدساتها الثلاث .  وتتكلم قيادات إسرائيل عن إمبراطورية عالمية تنطلق وترتكز على إمبراطوريتهم العربية. مجال تلك الإمبراطورية يطال أفغانستان ، لتهدد منها الصين وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى .

الجهاد فى سبيل الله كان حبل النجاه الذى عصم به الله شعب أفغانستان من الضياع والإندثار بفعل قوة الكافرين وأعوانهم .

–  فشلت مكائد عملية التفاوض التى كان من أهمها مكيدة وضع السلاح ، والخضوع لنظام الحكم الإستعمارى فى كابول تحت شرعية دستور كتبه المحتلون ليضمن مصالحهم ويضعف الإسلام ويستبعده تماما من مجالات العمل. ويترك ثروات أفغانستان فى أيدى أمريكا وشركاتها الكبرى وبعض عملائها الصغار . ويتبقى الفقر والجهل والمرض من نصيب شعب أفغانستان ، ويكفيه المئات من وسائل الإعلام التى تسحق دينه وتقاليده بهدف تحويله إلى شعب آخر، قابل للإستعمار فاقد للقيم الدينية والإجتماعية .

– النظر إلى ما يجرى فى فلسطين يرشدنا إلى طريقة عمل العدو فى أفغانستان . فالولايات المتحدة التى تقاتل الشعب الأفغانى هى إسرائيل الكبرى التى تحمى وتساند اليهود فى إحتلال فلسطين وتشريد شعبها، ثم تمارس إذلال العرب ونهب ثرواتهم وتعيد رسم حدود الفصل بين أمتهم الواحدة ، وتجزئتهم إلى أكبر عدد من الكيانات الهزيلة التى لا تصلح لشئ إلا لخوض الصراعات العقيمة فيما بينها .

–  وكما فى أفغانستان ، تطالب الولايات المتحدة الفلسطينيين بترك السلاح . على أن يتولى الجيش الإسرائيلى حماية الشعب الفلسطينى فى مقابل أموال تدفعها له الدول العربية النفطية. وأن يتفاوض العرب مع إسرائيل حول مقدار تلك الجزية .( تفاوض للإتفاق على مقدار الجزية المدفوعة لليهود ، وليس مفاوضات حول جلائهم عن فلسطين).

تفرض أمريكا فى مقترحاتها ـ صفقة قرن أو قرن الصفقات ــ  على المجاهدين الفلسطينين تسليم أسلحتهم للسلطات المصرية (التى تشارك اليهود فى حصار غزة منذ سنوات ). وبدلا عن الجهاد بالسلاح ، سوف يحصل المجاهدون (منزوعى السلاح) على رواتب شهرية من دول النفط العربية (!!) .

ترامب يطلب من العرب أن يدفعوا أموال للجيش الإسرائيلى ثمنا لحمايته للفلسطينيين . ويطلب من المجاهدين الفلسطينيين وضع السلاح فى مقابل رواتب شهرية يدفعها لهم إخوانهم العرب!!. التنظيمات الجهادية الفلسطينية التى ترفض العرض الأمريكى ، سوف يكون قادتها عرضة للإغتيال { وحسب قول الأمريكيين فسوف تدعم الولايات المتحدة إسرائيل فى إلحاق الأذى الشخصى بقادة تنظيمى حماس والجهاد الإسلامى } . وذلك يتطابق مع الموقف الأمريكى من حركة طالبان وقيادتها السياسية والعسكرية . فعندما رفضوا إلقاء السلاح فى مقابل رشاوى مالية ، أعطت الولايات المتحدة أوامرها لأصحاب شركات المرتزقة كى يطلقوا كلابهم المسعورة خلف قادة الجهاد لإغتيال من تستطيع منهم .على أمل أن يغير ذلك من موقفهم العقائدى إزاء الجهاد ، وأن يلين موقفهم التفاوضى ، أو أن تأتى قيادات جديدة تكون أكثر ليونة وإستجابة لمطالب المحتلين .

فى ذلك غباء مطلق ، لأنه خلال فترة الجهاد الماضية تم إستبدال معظم قيادات الإمارة الإسلامية فى كافة مستويات العمل الجهادى ، بسبب الإستشهاد فى غالب الحالات . فماذا كانت النتيجة ؟؟، لقد كانت إكتساب المزيد من القوة والتصميم على مواصلة الجهاد .

– والآن أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها كأمر واقع، ورغم أنها لم تتول بعد مقاليد الحكم بشكل رسمى ، إلا أنها تولت عمليا الكثير جدا من صلاحيات الحكم داخل بلادها، حتى أن الكثير من كبار قادة النظام الحالى وكوادره الفاعلة قد عقدوا صفقات تسوية لأوضاعهم  لما بعد رحيل جيوش الإحتلال الأمريكى . أى أن نظام كابل يعيش حاليا درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته.

فى أيام العيد ــ وبشكل غير معلن ــ يحصل جنود الجيش على تصاريح من حركة طالبان لزيارة أهاليهم فى القرى المحررة.

والنتيجة هى أن ولاء الجنود ينتقل تدريجيا إلى حركة طالبان ، والكثير منهم يفضلون التعاون مع الحركة من داخل وحداتهم العسكرية ، إلى حد القيام بهجمات من الداخل ضد الخبراء الأجانب أو الضباط الذين تمادوا فى التعاون مع الإحتلال .

هذا بينما الولايات المتحدة إعترفت “بعدم قدرتها على كسب حرب أفغانستان” . وتقول ذلك تفاديا لذكر كلمة (هزيمة عسكرية) التى هى واقع حالها فى ذلك البلد الذى تنفق فيه ميزانية حرب مقدارها 45 مليار دولار سنويا .

 

 

أفغانستان بداية الشرق الأوسط الجديد :

كانت حرب أفغانستان هى طلقة البداية لحملة صليبية على العالم العربى ، لبناء(الشرق الأوسط الكبير أو الجديد)، وهو كبير لأنه تخطى العالم العربى ليصل إلى الأطراف الإسلامية من حوله ، والتى تشمل إيران وأفغانستان . كما كان من المفروض أن تتحول تركيا إلى جمهورية عسكرية بإنقلاب يجعلها دولة جنرالات يخدمون إسرائيل بشكل عنيف ومباشر كما هو حادث فى عدة بلدان عربية . حرب أمريكا على أفغانستان كانت خطوة أولى وكبيرة لتحويل البلاد العربية إلى شرق أوسط جديد ، تقوده إسرائيل التى تحميها القوات الأمريكية .

فشل أمريكا فى إخضاع أفغانستان جعل “الشرق الأوسط” غير مستقر ، فأمريكا قفزت إلى مركز الأحداث فى العالم العربى بينما بشائر هزيمتها فى أفغانستان واضحة .

طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط ، بل جعلوا تحقيق المشروع الإسرائيلى فى بلاد العرب موضع شك ، وقابل للإنهيار فى أى وقت ، خاصة إذا تذكر أكثر العرب أنهم معنيون بفريضته الجهاد ، وأنها لم ترفع عنهم ، ولن ترفع حتى قيام الساعة.

منذ غزو أفغانستان ، وأكثر نشاط أمريكا السياسى والعسكرى فى العالم هو من أجل التمهيد لإمبراطورية عالمية لليهود يديرونها من”القدس” .

وبالمثل فإن النشاط الأمريكى فى كل الشرق الأوسط كان لإعادة صياغة ذلك الشرق العربى وتحويله إلى شرق خاضع ليهود إسرائيل .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الضمانات :

الضمانات مجال آخر للتشابه الكبير بين السلوك الأمريكى فى مفاوضات أفغانستان ، وبين سلوك إسرائيل مع ضحاياها من العرب .

فأمريكا تطالب فى مقابل قبولها بالإنسحاب من أفغانستان ، أن تقدم لها الإمارة الإسلامية ضمانات بألا تستخدم الأراضى الأفغانية منطلقاً لأعمال تهدد أمن أمريكا أو أصدقائها . أى أن المحتل الذى دمر أفغانستان وقتل مئات الألوف من شعبها ، يطالب بضمانات لأمنه إذا إنسحب بعد أطول حرب عدوانية خاضها فى تاريخة .

من جهتها ، إسرائيل فى شرقها الأوسط الجديد تطالب ضحاياها بضمانات تزيل مخاوف شعبها بأنه غير معرض للتهديد(!!) . أى أن ضحايا إسرائيل مطالبون بضمان أمنها ، وبطمأنة سكانها ، وازالة مخاوف جيشها الذى هو الأقوى من جميع دول الشرق الأوسط ، وحتى أقوى من كل الدول التى على محيط ذلك الشرق الأوسط الوسيع .

وكما فى أفغانستان عملاء يطالبون بطمأنة المحتل المعتدى . هناك بين العرب من يرى حقا لإسرائيل أن يقدم لها العرب فروض الطاعة والخضوع تحت مسمى ضمانات الأمن. ليفتح جميع المجالات أمامها من الأمن إلى الإقتصاد إلى الثقافة ، إلى المقدسات الإسلامية التى ستصبح متاحة أمام الإسرائيليين ـ كخطوة أولى ـ وبعدها تصبح ملكا خاصاً لإسرائيل ، تديرها كما تشاء وفق مصالحها السياسية وعقائدها ـ كما يحدث الآن فى المسجد الأقصى ، المرشح للإزالة والبناء فوق إنقاضه هيكل هو من أوهام نصوصهم “الدينية ” المزيفة.

ومكة المكرمة يدفعونها بالتدريج صوب الإستغلال السياسى لقيمتها الدينية والمعنوية ، لتكون منصة للدعوة إلى التطبيع مع المستعمرين اليهود وليس الجهاد لطردهم من أراضى المقدسات الإسلامية ، ومن جميع أراضى المسلمين التى يعيثون فيها فساداً .

–  بلادنا ومقدساتنا لن يحميها المستعمر ، من أن يقف رقيع مثل ترامب ليقول أنه (فقد عجيزته وهو يدافع عن الملك !!) . فيضحك ومن خلفه جمهور تزداد نشوته كلما تدفقت الإهانات من فم السفيه ترامب وهو يكيل التحقير لأذلاء يعتقدون أنهم يمثلون الإسلام الذى يكرهه ترامب ، خاصة عندما يقول فى ليونة رقيعة ( أنا أحب الملك !!) .

– ويقف وزير عربى يتمطى قائلا أن على الدول العربية أن تطمئن إسرائيل على مستقبلها ، وأن تبدد مخاوفها . ثم يسعى زملاؤه لإقناع الإمارة الإسلامية خلال معركة التفاوض أن تمنح المعتدى المحتل ما يحتاجه من ضمانات بعدم إعتدائها عليه مستقبلا . وكأن الإمارة هى التى إعتدت عليه فى البداية .

يطلبون ومن الإمارة الإسلامية العمل فى أفغانستان ، ليس وفقاً للشريعة الإسلامية ـ بل وفق الدستور الذى وضعه خبراء جيش الإحتلال ، فيما يشبه وضع العراق الذى يسير الحكم فيه وفق دستور جعل من العراق بلدا لا قرار سياسى له ، ولا إستقرار فيه ولا إجتماع حول أى شئ . وفى فلسطين نرى دستور الحكم الذى وضعة الإحتلال يجعل من العرب المقيمين هناك لا يتمتعون بحق المواطنة المنحصر فى اليهود فقط ، بإعتبار إسرائيل وطن قومى لهم دون غيرهم . تلك هى دساتيرهم لحكمنا ، فلا خير فيها عاجلا أو آجلا .

وفق صفقة أمريكا لهذا القرن فإنها تطلب من الشعب الفلسطيني بالتنازل عن أرضه ومقدساته  وكامل حقوقه ، فى مقابل مكافئات سخية يدفعها له أثرياء العرب”!!” لإنعاش إقتصاد الشعب الممزق والضائع . إنها صفقة لبيع أقدس البلاد فى مقابل أنجس الأموال .

–  فى أفغانستان فإن الضمانات الحقيقية المطلوبة هى ضمانات يقدمها المحتل الأمريكى بألا يكرر حماقته بالعدوان على أفغانستان مرة أخرى . وأن يقدم إلى جانب الإعتذار الرسمى تعويضات حرب عما لحق بالشعب الأفغانى من أضرار .

عندها  يمكن أن يحصل المحتل على ضمان من الإمارة الإسلامية بتركه ينسحب بأمان ، وفق جدول زمنى متفق عليه . فلا أحد يمكنه ضمان سلامة قوات الإحتلال أثناء فرارها من أفغانستان بدون إتفاق مسبق .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

ترامب .. خطة واحدة ، من فلسطين إلى أفغانستان