الحركة الجهادية : أزمة الواقع و البحث عن مخرج (3 من 3)

الحركة الجهادية : أزمة الواقع و البحث عن مخرج (3 من 3)

الحركة الجهادية : أزمة الواقع و البحث عن مخرج .

(3 من 3)

عناوين  :

–  إستمرت حركة طالبان فى نجاح متصاعد لمدة 17 عاما من الحرب الضروس ورغم الحصار وتجاهل القريب والبعيد لها .

–  إنتصار غزنى المبهر لا يمكن أن يتم بغير إسناد شعبى منقطع النظير .

–  قبول حركة طالبان لبيعة الحركات السلفية الجهادية خطأ ناتج عن عدم إكتمال فكرة طالبان عن تلك التنظيمات .

–  لم تلتزم القاعدة بتعهداتها مع الملا عمر، وهى تعيش تحت سلطان الإمارة ، فكيف      الآن وهى بعيدة كل البعد ، وتفرعت عنها جماعات منها داعش ؟؟ .

– فى أفغانستان ،  من يروجون الإشاعات عن حركة طالبان هم المستفيدون من دوائر الفساد الهائلة التى أنشأها الإحتلال .

–  كيف نعرف صديقنا ونعرف عدونا ؟؟ .

–  إسرائيل أصبحت بيننا ، وفى مواقع القرار السيادى ، والتأثير الثقافى ، والتحكم الإقتصادى ، والتوجيه التعليمى .

– اليهود أكثر تركيزا الآن على السعودية وجزيرة العرب . وتقوم السعودية والإمارات بشطب شعب اليمن من المعادلة العربية والإسلامية .

– التحالف من الموضوعات الهامة جدا فى الحرب والسياسة وحتى فى الحياة اليومية .

–  التحالف بين المسلمين يقوم على أساس الدين والمصالح المشتركة .

– التنظيم القتالى المحترف بلا أفق سياسى ، يبحث لنفسه عن مستأجر وليس حليف.

– طبيعة المعركة أصبحت واضحة والتمايز سهل ، وبالتالى تسهل عملية التحالف ، حتى أن التفرد والإستقلال يصبح مدانا .

 

بقلم  :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

 

14 ــ  نسمع أن الأستاذ مصطفي حامد من أعمدة الإعلام الجهادي و بشكل خاص في حركة طالبان . أشعر أحیانا أنه یبالغ بالدفاع عن الحركة رغم أخطائهم السياسية و ارتكابهم لمجازر متتالية . نسمع دائما عن قتلهم للأبرياء و تطبيق أحكام قمعية باسم الشريعة في مناطقهم . ما الفرق بينهم و بين القاعدة و داعش و النصرة مثلا ؟.. تهاجم القاعدة من جهة و تمدح طالبان من جهة اخري!. كيف و أنت أكثر واحد تعلم أن القاعدة و باقي السلفيات المفسدين مبايعين حركة طالبان؟ أليس هذا إنكار الواقع و تناقض كبير؟ .

 – رأيت مقالكم في مجلة الصمود، فإنه يدل على أنكم تؤيدون حركة طالبان، ولكن إني رأيت كثيرا من الوجهاء وعامة الناس لا يؤيدون هذه الحركة ويتكلمون فيها بما لا يبنغي، ويقولون إن الحركة تقتل المدنيين وعامة الناس والعزل، فما رأيكم وتعليقكم على هذه الأقاويل والمقالات، فالمرجو منكم أن تشرحوا وتوضحوا لنا ما نرى ونشاهد، وتزيلوا وترفعوا هذا الإبهام من الحركة إن كانت على الصواب.

 

 

بالنسبة للإتهامات الموجهة إلى حركة طالبان فى مجال عملها الداخلى فى أفغانستان ، فإنها مبالغات لا مكان لها من الصحة ، والدليل العملى على ذلك قدرة الحركة على الإستمرار طول هذه المدة (17 عاما) فى القتال ضد أقوى جيوش العالم (الولايات المتحدة) وضد قوات أكبر تحالف عدوانى إستعمارى فى التاريخ (حلف الناتو) ، إضافة إلى عدد من الدول الذليلة التى أرسلت قواتها نفاقا ومجاملة لإسيادها الأمريكيين.

الحركة إستمرت بنجاح متصاعد رغم الحصار الذى فرضه عليها العدو ، ورغم تجاهل القريب والبعيد لها ، وإنقلاب معظم من ساندوا شعب أفغانستان ضد السوفييت على ذلك الشعب فى جهادة ضد الأمريكيين وحلفائهم . وانكشاف وجه علماء السوء وكلاب السلاطين واستخدامهم الدين بعكس معانيه نفاقا وطمعا فى دولارات معدودات .

ــ كل هذا ليس إفتراضات نظرية أو حماسية ، ومن حسن الحظ أن الإجابة على هذا الإستفسار جاءت بعد معركة غزنى المجيده فى 11 أغسطس 2018 ، والتى إستولت فيها الحركة على تلك المدينة الهامة فى مدة قياسية ، فغنموا مالم يتخيله أحد من مكاسب مادية ومعنوية .

ولا يمكن أن يتم ذلك الإنتصار الكبير والصمود الهائل وبالامكانات الذاتية بدون إسناد شعبى كبير ، بل يمكن القول أنه دعم نادر المثال .

ـــ ومع ذلك فإن إرتكاب الاخطاء شئ وارد ، من أى حركة جهادية بل من أى إنسان . ولكن الخطأ العابر الناتج عن قصور مؤقت ، يختلف عن أن يكون الخطأ هو منهج عمل ثابت .

ولابد من الإشارة إلى الخطأ عند وقوعه ، ومن واجب الحركة إصلاحه على الفور . وذلك يختلف عن التشنيعات الى يطلقها العدو وتروجها الأوساط الموالية له بهدف طعن الحركة وصرف الناس عنها . فذلك عمل هجومى يزيد ضرره عن العمليات العسكرية.

– تقول ما هو الفرق بين طالبان والقاعدة وداعش والنصرة ؟

وتقول أننى أهاجم القاعدة وباقى سلفيات المفسدين بينما هم مبايعون لحركة طالبان وأن فى ذلك تناقض كبير .

ــ إذا كانت الإتهامات التى تقولها صحيحة فلا فرق بين طالبان وباقى سلفيات المفسدين ، ولكنها مجرد إفتراءات تكذبها الوقائع وليس الكلمات . وإستمرار الحركة ومجاهديها مع الشعب ، لأنهم جزء أصيل منه وليسوا وافدا دخيلا ، لهذا تصمد وتنتصر الحركة .

أولا: عن قبول حركة طالبان لبيعة جماعات سلفية جهادية ، فلا أظنه عملا صحيحاً ، وقد تورطت فيه الحركة بسبب عدم إكتمال فكرتها عن تلك التنظيمات ودوافعها وما تفعله على الأرض من إفساد بإسم الجهاد . وحركة طالبان تتصور أن كل من يصف نفسه بوصف مجاهد هو كذلك بالفعل . بينما الإستدلال على صحة أى حركة ينبغى أن يقوم على صحة أعمالها على الأرض وبين الناس . وأعمال السلفيات الداعشية هى أعمال إجرامية تديرها جهات معادية للإسلام والمسلمين ، بداية من مشيخات النفط وصولا إلى أمريكا وإسرائيل .

ثانيا: لقد جربت طالبان مبايعة القاعدة فى زمن الملا محمد عمر ، وأن القاعدة لم تلتزم ـ كما لم تلتزم باقى جماعات العرب فى أفغانستان ـ بأهم شروط الملا عمر عليهم وهو عدم القيام بعمليات عسكرية خارج أفغانستان إلا بعد مشاورته .

فكانت عمليات 11سبتمبر التى تمت بدون إخطاره ، وجاء العدوان على أفغانستان بتلك الذريعة التى لا دخل لأفغانستان فيها .

وكانت القاعدة متمركزة فى أفغانستان وتحت سلطان الإمارة الإسلامية فكيف إذن مبايعاتها وهى الآن بعيدة كل البعد ، وأعمالها إزدادت غرابة عما كانت من قبل ، وتفرعت عنها جماعات إجرامية مثل داعش وما تلاها من أمثالها . كيف تتحمل الإمارة مسئولية أعمال لا تعرفها ولا تسمع عنها ولم يستشرها أحد حول تنفيذها ؟.

 فى ظنى أن ذلك خطأ لا شك فيه ، ولا أدرى حجة حركة طالبان فى ذلك . فلا شئ يجمع حركة طالبان بتلك السلفيات الجهادية ، لا فى الأسس الشرعية ولا فى النشاط العملى والأهداف . فالمبايعة على ماذا إذن ؟؟، على مجرد المشاركة فى التبعات عن جرائم تنظيمات منحرفة ، أو على أحسن الأحوال تمضى على طريق السلاح بعشوائية.

فى السؤال : بعض الناس يروجون الأقويل التى تشاع حول طالبان .

نقول أن ذلك يرجع إلى أحد سببين : الأول أن من يروجون هم مجموعات من البسطاء المعزولين عن مجرى الأحداث . قد يشاهدون بعضها ثم يسمعون التفسير من مصادر الإحتلال والحكومة العميلة ، فيصدقونها وينصرفون إلى كدحهم اليومى .

والنوع الآخر ممن يصدقون ويروجون تلك التشنيعات الكاذبة هم أصحاب المصالح ممن إرتبطت مصالحهم مع الإحتلال الأمريكى ضمن دوائر الفساد الهائلة التى أنشأها . فمعلوم أن الإدارة الحكومية فى أفغانستان حاليا هى واحدة من أفسد الحكومات فى العالم. وأمريكا تنفق على (الأمن!!) فى أفغانستان مبلغ 45 مليار دولارسنويا.ولا ندرى لماذا وكيف وأين ينفقون ذلك المبلغ الجنونى .. وكل عام !! . لكن هناك المليارات تقتنصها فئات من داخل وخارج الحكومة . هؤلاء يخشون على مليارات المال الحرام من أن تعود حركة طالبان إلى الحكم وتحاسبهم على ما جنته أيديهم ، وتسألهم (من أين لك هذا؟؟) . إنهم بالإشاعات والأكاذيب يدافعون بألسنتهم عن مصالحهم . وهم أضعف من أن يدافعوا عنها بأيديهم .

 

 

15 ــ الأنظمة عميلة و الجماعات عميلة و غبية و مستعملة ! طيب نعمل إيه الآن ؟

– كيف نعرف صديقنا و كيف نعرف عدونا يا شيخ ابوالوليد ؟ . 

–  ما هو الصراع القادم و ما علينا أن نفعله ؟.

–  ماذا نفعل مع السعودية و كيف نقاوم التطبيع ؟.

أولا ــ   كيف نعرف صديقنا ونعرف عدونا ؟

أهم الأسباب المادية لكسب الحرب هى قاعدة ( إعرف نفسك واعرف عدوك ) بدون تطبيق ذلك بدقة فالهزيمة مؤكدة ، أوعلى الأقل النصر غير مضمون .

ما نريد أن نعرفه عن أنفسنا هو : من نحن ؟ ـ ماذا نريد ؟

ثم .. ما هى إمكاناتنا المتاحة لنا حاليا ؟. ماهى مكونات معسكرنا؟

وماذا نريد من كل عنصر من هذه المكونات : أفرادنا وكوادرنا ـ الأصدقاء ـ الحلفاء .

إذا أجبنا على أول سؤالين : من نحن .. وماذا نريد ؟

سيكون من السهل أن نتعرف على أصدقائنا وعلى أعدائنا .

فمن له نفس مصالحنا فهو من الأصدقاء وربما من الحلفاء . ومن له مصالح تناقض ما نريده فهو من الأعداء . ولا يكفى أن يكون له مصالح مختلفة ، فذلك طبيعى ولكن التعارض والتناقض يعنى العداوة .

وأيضا العداوة لا تستلزم الحرب دوما . فربما يمكن تجاهل طرف معادٍ لنا أو نتحاشاه . أما إذا كان ما نريده نحن ، ولا يريده هو ، ضمن مسألة حيوية جدا للطرفين ولا يمكن التفاهم أو التجاهل أو التأجيل ، فإن الصراع يصبح مؤكدا . قد نعرف الطرف الآخر بأنه عدو . لكن إذا تم حل موضوع الصراع مع الزمن ، بعد حروب أو مفاوضات ، تتحول العلاقة إلى صورة أخرى قد تكون صداقة وتعاون ـ أو صداقة وتنافس سلمى فى مجالات الإقتصاد والتجارة والثقافة .

ــ وأوضح الأمثلة هو ما حدث فى أوروبا من حروب طاحنة على طول تاريخها الدموى . وعلى الأخص الحربين العالميتين الأولى والثانية . والآن نرى أوروبا متعاونة وشبه موحدة . ومتنافسة بلا عداوة ولا إحتمال قريب لحرب مسلحة .

 وهذا ما نطالب به فى عالمنا الإسلامى . ونقول أن دواعى الوحدة ونبذ الصراع المسلح والدخول فى تحالف على أى درجة هو المطلوب دينا وعقلا . لأن التحديات التى تواجه المسلمين هى تحديات مصيرية ، على مستوى الدين والمعتقد ، وعلى مستوى الحقوق والثروات ، وحتى على مستوى التواجد المادى للأمة . ونحن نرى الطرد من الأوطان ، ومسخ الدين وتغيير شرائعه ، وزحف اليهود على مقدساتنا (مكة والمدينة) فبعد أن إبتلعوا القدس وهضموها تحولوا إلى جزيرة العرب .

وصراعهم الآن هو لتغيير الإسلام نفسه ، ومن نفس أماكن إنبعاثه فى مكة والمدينة ، بالتعاون مع المرتدين فى جزيرة العرب على إختلاف مواقعهم فى السلطة أو خارجها . بل أن أنظمة العرب التى تسير فى نفس الطريق ، بدأت عمليات تغيير للشريعة ، وليس فقط تجاهل تطبيقها .

ــ إذن الصراع القادم ، قد وصل إلينا بالفعل . فإسرائيل لم تعد داخل حدود فلسطين فقط ، ولا حجة لمن كان يقول كيف نصل إلى فلسطين حتى نجاهد اليهود المحتلين . فاليهود الآن فى بلادنا ، عندنا وسط صفوفنا ، وفى مراكز القرار السيادى (!!) والتمكين الإقتصادى والتأثير الثقافى ، والتوجيه التعليمى . ذلك بكل وضوح فى بعض البلدان ، وأقل وضوحا ـ ولكن ليس أقل قوة ـ فى بلدان آخرى .

واليهود أكثر تركيزا الآن على السعودية وجزيرة العرب ويعتبرون اليمن جزءاً من جزيرة العرب ، ولابد لهم من تأمينها حتى يُأَمِّنوا تواجدهم فى السعودية وعلى شوطئ النفط فى الجزيرة . وتقوم السعودية والإمارات عسكريا بشطب شعب اليمن من المعادلة العربية والإسلامية .

 تلك هى المعركة ، وتلك هى ميادينها ، ولكن كيف نخوض الجهاد؟ .

وهنا ندخل إلى الإجابة عن السؤال الذى يقول :

– الأنظمة عميلة والجماعات عميلة وغبية ومستعملة ، طيب نعمل إيه الآن ؟.

 كما ذكرنا فإن طبيعة المعركة تغيرت والتحديات أصبحت أخطر بكثير ، حتى أنها تطال جوهر الدين ، والوجود المادى للأمة الإسلامية .

وثبت منذ بداية الموجة الجهادية الحديثة (السلفية الجهادية) فى سبعينات القرن الماضى وإلى اليوم ، أنها لم تعالج أى مشكلة بل أضافت مشاكل وتعقيدات جديدة ناتجة من عوامل متعددة ، نابعة كلها من التكوين الفقهى للحركة ، وما نتج عنه من نشاط جهادى ودعائى وتنظيمى ومعارك خارج طاقة التنظيمات ، ونابعة من قرارات تملى عليها بحكم التبعية السياسية والمالية والعقائدية لمشيخات النفط .

ــ المطلوب الآن جهاد جديد تماما . ليواجه تحديات جديدة، واستبعاد التنظيمات القديمة وأساليبها فى العمل وبنيانها الفكرى المتيبس الجامد والمعادى للمسلمين ، والميال إلى الدموية المفرطة والفوضوية . ناهيك عن تبعيتهم الفعلية “لأمراء الإسلام” فى الخليج أو فى واشنطن وتل أبيب .

زعيم الصين الشيوعية ( ماوتس تونج) بعد 30 عاما من الحكم بدون تحقيق شئ يذكر من أهدف الثورة ، قال ما معناه (إذا مشيت 30 عاما فى طريق ولم تصل ، فإن عليك أن تغير الطريق لأنه خاطئ ) .

وطريق السلفية الجهادية إنقضى عليه أكثر من تلك المدة ولم يحقق شيئا بل أنه ونتيجة أخطائه دفعنا إلى الخلف ، إلى أسوأ ما كنا عليه فى البداية .

ــ لا ينبغى بدء العمل قبل الإعداد له جيدا ، خاصة الإعداد النظرى والفكرى . ثم العمل على توحيد العمل الجهادى على كامل الرقعة العربية والإسلامية لأن المعركة واحدة والعدو هو نفسه ، ويواجهنا بخطط موحدة . قد يستغرق ذلك منا بعض الوقت . ولكن أن تتأخر فى العمل خيرا من تبدأ بلا دراسة وأعداد فننتهى إلى كوارث جديدة .

القتال له توقيت مناسب تحدده القيادة المناسبة . ولنتأمل فى نص وتفسير الآية الكريمة { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } ( 77 ـ النساء) فالقيادة الكفؤة تعرف متى وكيف يبدأ الجهاد وإلى أى مدى ينبغى أن يسير .

ولكن تنظيماتنا السلفية جعلت من القتال الدائم شعارا لها تستنفر به الشباب ، وتزج بهم إلى التهلكة فى معارك متنقلة ومستمرة من بلد إلى آخر ، ولا تخدم سوى أعداء الإسلام كما رأينا فى أكثر من بلد .

وكأن واقع حالهم يقول( أنا أقتُل إذا أنا مسلم ) . المسألة ليست قتالا من أجل القتال . بل القتال من أجل أن تكون كلمة الله هى العليا . وتكون عليا بإقامة العدل ومحق الظلم والظالمين. وتكون عليا بإغاثة الملهوف والدفاع عن المظلوم ، وإعادة حقوق الأفراد إلى أصحابها ، وحقوق الأمة ممن إغتصبوها ، وأن يعيش المسلمون كاملا وفى مساواة، تحت راية وأحكام الدين الذى إرتضوه لأنفسهم وإرتضاه الله لهم .

وتحطيم إصنام الشرك الحديث ، وعلى رأسها البنوك الربوية التى أذل بها اليهود رقاب البشر إجمعين بما فيهم المسلمين .

ومؤسسات وأحلاف البغى والعدوان وسرقة أقوات الشعوب . والجور على الفقير وزيادته فقرا ، والأنحياز إلى أغنى الأغنياء ومضاعفة ثرواتهم إلى مالا نهاية ، من دماء البشر وحقهم فى الحياة .

أعرف نفسك .. وأعرف عدوك .. تلك هى بداية النجاح . أما أصل النجاح فهو المسجد والارتباط الروحى والتعبدى والسلوكى بمانح القوة والنصر ، الخالق سبحانه وتعالى. حكيم الحرب(صن تزو) منذ عدة الآف من السنين قال : إننا نكسب الحرب فى المعابد قبل أن نكسبها فى ساحات القتال .

وبالنسبة للمسلمين فإنهم يكسبون حروبهم فى المسجد قبل ميدان المعركة . فأين مساجدنا الآن .. ومع من هى ؟؟ .

وبإيجاز نقول : على شباب الأمة ، وعلى أوسع نطاق ممكن ، التأسيس لعمل جهادى جديد ، يناسب التحديات الراهنة ويتجنب أخطاء الماضى وخطاياه .

وذلك واجب على كل من له قدرة فى التأسيس الفكرى والحركى ، العسكرى والسياسى والدعوى .

هذا العرض بسيط جدا ، ولكن التنفيذ صعب للغاية ، شأن التأسيس لأى عمل خطير وجديد ، فى ظروف غاية الصعوبة على كل المسلمين ، خاصة المجاهدين منهم .

–  ماذا نفعل مع السعودية وكيف نقاوم التطبيع ؟ .

السعودية هى أهم الأدوات التى تستخدمها إسرائيل فى موجة هجومها الجديد على الإسلام كدين ، وعلى العرب كأمة واحدة رغم واقعهم الممزق .

وكما إستفاد البريطانيون من تسلط عملائهم السعوديين على الحرمين الشريفين فى إسقاط الإمبراطورية العثمانية ، والإستفراد بفلسطين وتسليمها لليهود ليقيموا فيها دولة إسرائيل ، الآن إسرائيل تستفيد من نفس العناصر ( سيطرة آل سعود على المقدسات) لبدء “علمنة ” طابع المدينتين مكة والمدينة ، كخطوة أولى لتهويد قادم لهما ، ثم تغيير شرائع الدين . مع البدء بتجريم فريضة الجهاد، كما فعلوا فى مؤتمرات تجريم جهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى . ويلى فى القريب تجريم الجهاد ضد اليهود فى فلسطين أو السعودية واليمن ومصر والأردن وأفغانستان وأندونسيا والمغرب.. إلخ.

السعودية هى رأس الحربة الصهيونية حاليا . ويدعمها ويسير خلفها معظم حكومات العرب خاصة مشيخات النفط ، ودول (الإعتدال !!) مصر والأردن والمغرب . وهى الدول المرشحة قبل غيرها لتكوين تحالف عسكرى ” ناتو عربى” مع إسرائيل وأمريكا لمكافحة الإسلام ، ولتثبيت دعائم الحكم اليهودى للعالم العربى، وإعادة فتح العالم الإسلامى تحت قيادة إسرائيل .(إنظر إلى محاولة الفتح الإسرائيلى لليمن تحت راية سعودية مزيفة ، والفتح الإسرائيلى لأفغانستان تحت راية أمريكية وحلف ناتو إسلامى/صليبى، يضم عدة دو لإسلامية وعربية منها تركيا وقطر والأمارات والأردن. وهذا هو المعروف حتى الآن .. والليالى حبلى بحكومات السِفَاحْ العربية ).

إن الإقامة الحقيقية لدولة إسرائيل بدأت واقعيا عند تأسيس الدولة السعودية الأولى فى القرن الثامن عشر . وعودة إسرائيل إلى السعودية هى عودة الظل إلى الأصل . فالسعودية هى الحكم الصهيونى الأساسى والأسبق تاريخيا .

إن مقاومة السعودية وإسرائيل ، وعملية تهويد العالم العربى ، بل وتهويد المقدسات الإسلامية (القدس ـ مكة ـ المدينة) بل وتهويد شرائع الإسلام وإستبدالها بدعاوى مضللة مثل (تجديد الشعار الدينى) الذى بدأوه بتغيير ثوابت فى الشريعة الإسلامية وليست إجتهادات خاطئة أو (خطاب دينى ) متطرف .

مقاومة كل ذلك ينبغى أن يشملها مشروع جهادى إسلامى شامل ، يبدأه العرب فهم الأكثر حاجة إليه . وتبقى الأسئلة العملية : كيف.. متى .. أين ..من .. ماذا .؟؟.. الخ .

على القيادات الجهادية الجديدة أن تجيب على كل ذلك . أو على الأقل أن تحضر مشروعات الإجابات عليها ، قبل ما يلى من خطوات مثل الدعوة والتظيم والتخطيط .

 

 

 

16 ــ  ما الفرق بين التحالف مع إيران أو مع السعودية ؟ في الحالتين نصبح دمية يتلاعب به لصالحهم .

التحالف من الموضوعات الهامة جدا فى السياسة ، كما فى الحرب وحتى فى الإقتصاد والإعلام والثقافة عموما . ونادرا ما تجد مجالا من مجالات الحياة الشخصية أو الحركية أوالدولية يخلو من تحالف .

وفى السيرة النبوية يوجد موضوع التحالف رغم أنه لم يحظ بما يستحق من دراسة ، للإستفادة منه فى ظروفنا الحالية .

رسولنا (صلى الله عليه وسلم) تحالف فى المدينة مع اليهود وقبل بالتواجد المُلتَبِس للمنافقين طالما لم يظهروا العداء . وتحالف مع مشركين فى مكة التى جاء فتحها كنتيجة مباشرة لعدوان قريش على حلفاء النبى من المشركين .

للتحالف أهميتة التى قد تجعله مفيدا ـ أوضروريا ـ أو حتميا ـ طبقا لمواقف مختلفة . ومن جانب آخر قد يؤدى إلى خسائر ــ أو إنجاز لا يستحق ما تمت التضحية به. وقد يفضى إلى سيطرة أو تبعية سوف نرى أن لها ما يبيرها أحيانا ، أو تكون كارثة لا مبرر لها فى أحوال أخرى .

لعل أهم التحالفات العالمية فى العصر الحديث هو ما كان فى الحرب العالمية الثانية . فى معسكرين ، الأول تقوده أمريكا ومن تبعها من دول أوروبا وأسموا أنفسهم بالمعسكر الديموقراطى . فى مقابل تحالف ضم ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الإمبراطورية العسكرية .

ولولا تدخل أمريكا فى الحرب لوقعت أوروبا كلها فى قبضة الألمان . فكان الأوربيون مجبرون على التحالف مع الأمريكيين ، مع ما بالأمريكان من غرور وجهل وغطرسة حتى على أقرب الحلفاء .

“ونستون تشرشل” الإستعمارى العتيد ورئيس وزراء بريطانيا فى ذلك الوقت ، لخص فى كلمة خبير مسألة التحالفات التى عاصرها فقال :

{ الأسوأ من وجود حلفاء أقوياء ، هو عدم وجودهم } .

وفى النهاية ، وبالمقارنة بين عدة خيارات ، قررت بريطانيا الرضا بتبعية شبه إندماجية مع الولايات المتحدة على أساس أنهما قادة الحضارة العالمية القائمة على العنصر الأبيض الانجلوساكسونى  البروتوستانتى ، وهى عناصر تجمع البلدين معاً بدون باقى الأوروبين . ورفع تشرشل شعار اللغة الإنجليزية كرابطة حضارية بين الشعبين ، وهى اللغة الأولى للحضارة التى تحكم العالم ، طبقا للمواصفات السابقة الذكر .

التحالف بين الدول ، أو بين حركات التحرر ودول معينة ، أو بين حركات جهادية ودول مجاورة أو صديقة ، أو حليف إجبارى بحكم مصالح مشتركة مؤقته أو دائمة .

كل ذلك ليس جمعية خيرية ، إلا فيما ندر عندما يصبح الإعتبار العقائدى هو الأساس.

السؤال يدل على أنه يدور عن تحالفات الحركة الجهادية الحالية مع الدول .

وبما أن تلك الحركة غير ناضجة فكريا . وتتخذ من القتال أسلوب حياة تريد مواصلتة بأى شكل لأنه الرابط التنظيمى ، وتوقفه سيؤدى إلى تفكك التنظيم وتوقف الطلب على خدماته ، وبالتالى توقف التبرعات من(المخلصين فى الخليج) .

فليس لدى الحركات الجهادية هدف محدد سوى شعارات عامة براقة ولكن بلا مضمون أو مفهوم عملى محدد . مثل شعار الدولة الإسلامية ، أوتطبيق الشريعة ، أومقاومة الشرك والعلمانية .

ويُفَسَّر كل شعار منها وقتيا حسب الإحتياج الدعائى والحشد الجماهيرى . لأن الجدول العملى للتنظيم يأتى من دوله خارجية تمول عملياته ومشروعه العسكرى ، فلا قدرة للتنظيم على وضع هدف محدد خاص به إلا أن يوافق عليه الممول .

بحالة مثل هذه يكون التحالف غير ممكن ، بل التبعية هى الشئ الوحيد الممكن . فأينما ذهب مثل ذلك التنظيم ، وفى أى إتجاه كان ، فإما أنه سوف يُرْفَضْ من الوهلة الأولى ، أو أن سيكون مطَّية لقوى أكبر وأقوى تستخدمه . فالتنظيم القتالى المحترف وبلا أفق سياسى ، إنما يبحث لنفسه عن مُسْتأجِرٍ وليس حليف .

لأن التنظيم لا يملك من القوى الذاتية غير دماء أتباعه ، فلا خطة ولا هدف محدد ، وتلك هى مواصفات الميليشيات المستأجرة .

فى التحالف بين المسلمين ، يكون الدين والمصالح المشتركة معا ، هما أرضية التحالف . لذا يكون ذو مدى أبعد ومجالات عمل أوسع .

وأما التحالف الإسلامى مع أطراف غير إسلامية ، فيقوم على المصالح المادية المشتركة ، وفى أحسن الإحوال قد يمتد إلى مفاهيم معنوية مشتركة ، مثل نصرة المظلوم أو تحقيق العدالة فى قضية معينة أو درء مخاطر تهدد الإنسانية عامة . والتحالف دوماً أمر أكثر صعوبة ، وفى حاجة إلى توفر إمكانات أكبر فى القيادة وقدراتها السياسية والقيادية .

ومع أن موضوع التحالف معقد وصعب ، إلا أن وجود أخطار تهدد الجميع بشكل واضح ، تسهل كثيرا قرارات التحالف ، وتختصر عملية التعريف بالمعسكرات  “معنا أو ضدنا “. مثل حالات الإحتلال الأجنبى للبلاد . كما هو وضع أفغانستان عند تعرضها للإحتلال السوفيتى ثم الإحتلال الأمريكى .

وقتها فإن التضليل والأدعاء والكذب يسهل أن يكتشفها الموطن العادى . فمن يرفعون السلاح ضد الإحتلال هم معسكر الأصدقاء (حتى لو كانوا مجموعات متعددة). ومن يقفون مع الإحتلال بالقول أو بالفعل هم معسكر الأعداء حتى لو كانوا أيضا جماعات وفرق متعددة .

 وفى ظروفنا الإسلامية الحالية فإن التمايز أصبح سهلا بعد الإنسياح اليهودى فى جزيرة العرب وباقى الدول العربية ، فى صور متعددة تزداد وضوحا يوما بعد يوم .

وما دامت طبيعة المعركة واضحة ، وأطرافها فى معظمهم بارزون ، فإن الصفوف الإسلامية تكون واضحة والتحالفات بينها سهلة لأن المعركة كلها ورغم تشعباتها الكثيرة جدا هى دينية . فالإسلام يأتى أولا ، ومعه مصالح المسلمين العاجلة والآجلة.

وهنا فمحاولات التفرد والإستقلال تصبح مدانة ، كون الإنتماء الشامل سيكون للإسلام كدين وليس كمذاهب ، أو تقسيمات جاهلية للأجناس والأقوام .

والقيادة تكون للمسلم الأكثر قدرة على تلك المسئولية الخطيرة . أو للتنظيم الأقدر والأكثر خبرة وتمرسا بالأرض والقضية الجهادية فى منطقة الصراع .

فلو ذهبنا مثلا إلى أفغانستان للجهاد، فمن الطبيعى أن تكون القيادة لحركة طالبان لإعتبارات كثيرة ، منها الأسبقية والخبرة ، ومعرفة الأرض والأرتباط الوثيق بالوسط السكانى ، وامتلاك شبكة علاقات كفؤة للعمل العسكرى داخليا ، وخبرة مع دول الجوار .

ويمكن القياس على ذلك فى أى منطقة تستدعى دعما خارجيا من مسلمى الجوار القريب أو البعيد .

–  القضية المحورية الآن ومستقبلا هى فلسطين ، ووقف الإنسياح الإسرائيلى فى المنطقة العربية والإسلامية ، ومطاردته وتصفيته . وفى خطورة تالية ، متابعة المطاردة على الأرض الفلسطينية ذاتها ، وصولا إلى التحرير الكامل لتلك الأرض المقدسة .

وعلى ذلك فالقضية واضحة والمعسكرات واضحة “مع وضد” . والتحالفات بالتالى واضحة وسهلة وقليلة التعقيد . هذا إن صدقت النيات بالفعل .

 

 

–  ماذا نفعل ياشيخ أبو وليد بعد اللى حصل فى سوريا ؟.

–  بتقول إن المشكلة فى العقيدة السلفية !! طيب تعمل ايه إذا المذاهب السنية الأخرى متصالحة مع الطواغيت وأذنابهم ؟. 

ما يجب فعله فى سوريا واضح . فى البداية لابد من إخراج العائلات من نساء وأطفال حشروا فى تلك التهلكة بفعل جنائى من أناس يجب محاسبتهم بشدة فى وقت ما . وعلى الشباب أن ينقذ نفسه من تهلكه الحرب العالمية فى سوريا والتى تورط فيها بالخداع وبغير إطلاع صحيح على حقيقتها .

وشباب الأمة وعقلائها مطالبون برسم طريق جديد للجهاد نحو الهدف الصحيح وبتخطيط سليم ، جهاد على أساس إسلامى وليس جهادا طائفيا . فجهاد المسلمين طوال تاريخهم هو جهاد إسلامى وليس (جهادا سلفيا) كما أطلقت على نفسها تلك الموجة الطائشة ، التى إبتدعتها السعودية لهدر دماء الشباب فى معارك لا تخدم سوى أمريكا و إسرائيل ـ كما حدث فى سوريا .

ما بين موت وتشرد وضياع فقدنا فى أفغانستان وما تلاها ثلاث أجيال من المجاهدين وذرياتهم . مع أن القضية كانت عادلة وصحيحة . ولكن زمام القيادة الفعلية وتحريك الأحداث كان سعوديا .

ويجب العمل على ألا يتمادى ذلك الهدر فى سوريا أكثر من ذلك . والخروج من التيه الذى دفعتنا إليه السعودية  بتخطيط إسرائيلى أمريكى . ويجب البحث عن مسار جهادى جديد يخدم الإسلام ، ويوجه طاقات الشباب إلى وجهتها الصحيحة .

– لم أتكلم عن (عقيدة سلفية) فذلك تعبير يفهم منه الكثيرون أنها عقيدة ( أهل السنة والجماعة ) ، ولكن أتكلم عن (منهج ) سلفى أسسه إبن تيمية ، ومضى به قدما إبن عبد الوهاب صوب تكفير كل من عدا أتباعه ، فأهدر دمائهم وأموالهم . ذلك التحالف بين شطط المنهج مع شطط سيوف بدو نجد الذين سفكوا أنهارا من دماء أهل جزيرة العرب والعراق والخليج .  ذلك التحالف بين سلاطين الدماء (آل سعود) مع شيوخ الدم والتكفير الوهابى ، أدى إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية ،آخر خلافة للمسلمين ، ثم ضياع فلسطين نتيجة لذلك ، مع تفتيت بلاد العرب إلى شظايا لا قيمة لها سوى أن تكون معتقلات لأهلها ، ومطية للإستعمار ، وبردا وسلاما على اليهود المحتلين لفلسطين .

–  ترك المسلمون الجهاد/ والعرب تحديدا/ ولكن مذاهب أهل السنة لم تترك الجهاد، فمازال موجودا فى بطون الكتب الأساسية لتلك المذاهب ، لأنه فريضة إسلامية ثابتة وليس مجرد إجتهاد فقهى قابل للصواب أو الخطأ . كما أن جهاد شعب أفغانستان / وهم أحناف فى أغلبهم/ متعددوا الأعراق والمذاهب، ومن بينهم شيعة أفغان وسلفيون أفغان . ولكن أحدا منهم لم يعرف جهاد تلك البلاد تعريفا مذهبيا أو طائفيا أو عرقيا . فمن حسن حظ الإسلام والمسلمين أن أفغانستان كانت بعيدة عن السعودية وعن “كيبوتزات” الخليج .

 وليس صحيحا القول بأن (السلفية ) تجاهد ، وباقى المذاهب تركت الجهاد . فالمذاهب لا تجاهد بل إتباعها يجاهدون . وهم يتحملون تبعة نشاطهم الجهادى صواباً كان أم خطأ ، والمذاهب لا تتحمل شيئا من ذلك . لذا ينبغى إبقاء باب الإجتهاد فتوحا لإستيعاب مستجدات كثيرة وخطيرة حدثت فى ظروف الجهاد السياسية والعسكرية والإقتصادية . فكثير من العثرات التى تقابل العمل الجهادى سببها قصور العقل الإجتهادى المعاصر وليس قصور المذاهب نفسها .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




معركة غزنى علامة فارقة فى مسيرة تحرير أفغانستان

معركة غزنى علامة فارقة فى مسيرة تحرير أفغانستان

(( عندما كتب الله العزة للإسلام ، إختار الأفغان حتي يكونوا مسلمين ))

معركة غزنى علامة فارقة فى مسيرة تحرير أفغانستان 

 

– عجز الأمريكيين كان مهينا على طريق كابل غزنى الدولى ، والكسر المتكرر لهجماتهم  المدعومة جوا يعطى مؤشرات خطيرة عن إمكاناتهم على الأرض .

و تأثير ذلك سيكون مدويا عند أى قتال أرضى ضد الجيش الأمريكى حول العالم ، أو ضد الجيش الإسرائيلى عند بدء تحرير فلسطين .  

– قطع جميع الطرق البرية الواصلة إلى غزنى ، وإستخدام الكمائن على الطريق الدولى ، مع هجمات فرعية لشل المراكز الحكومية القريبة من الطريق ، كان تطبيقا متقنا ومبدعا لفن إسقاط المدن .

– إقتحام المدن وسيلة فعالة لتحرير أسري المجاهدين . وفي غزني تم تحرير 400 أسير لطالبان.

– طالبان تركوا المدينة حرصا على حياة المدنيين من غارات الطيران الأمريكى الذى أزهق حياة العشرات من أهالى غزنى الأبرياء . وانتشروا على بعد ثلاثة كيلومترات من مركز المدينة. ولاية غزنى ثلاثة أرباعها محرر بالكامل وتحت حماية طالبان .

– خسر العدو 240 قتيلا ، 350 جريحا ، بالإضافة إلى مصرع 30 من القوات الخاصة المحلية وثلاث  طيارين أفغان مع طائرتهم المروحية .

– الغنائم من معركة غزنى فاقت المتوقع والمتصور ، وما هو موجود يكفى للعديد من العمليات الكبرى ضد المدن الهامة ، ولم يتوفر مثله لحركة طالبان حتى وهى فى الحكم .

– قدم مجاهدو طالبان كل عون ممكن للأهالى ، ومن الممتلكات الحكومية عوضوا خسائر السكان الناجمة عن قصف الطيران .

– علاقة طالبان بسكان غزنى كانت وما زالت مثالية ، بما فى ذلك الشيعة الذين لهم تواجد كبير فى المدينة والولاية كلها . وذلك تسبب بصدمة لحكومة كابل وإنكشاف فاضح لدعياتهم  بأن مجازر سوف ترتكب ضد الشيعة فى غزنى . ولكن ساد التفاهم والتعاون بين مجاهدى طالبان وجميع السكان ومن بينهم الشيعة . 

– عملية القفز من سفينة النظام الغارقة تتسارع فى أوساط الجيش والحكومة والتشكيلات المسلحة بما فيها الشرطة والميليشيات . ونفوذ طالبان داخل أجهزة الدولة المدنية والعسكرية ينافس نفوذ الحكومة وقوات الإحتلال ، ويتفوق عليهما فى الكثير من القطاعات .

– الولاء الشعبى لطالبان مكنهم من إسقاط إستراتيجية ترامب الأمنية فى أفغانستان ، فلا الإحتلال ولا النظام يسيطران على السكان فى المدن . وطالبان تشكل الهاجس المرعب الذى يلاحق المحتلين أينما كانوا .

–  وفى النتيجة :  الحكومة أختزل دورها فى مجرد إدارة نظام لوجيستي لخدمة سكان المدن الذين تحكمهم حركة طالبان ، وإطعام المدنيين وتوفير مستلزماتهم المعيشية ، بينما يفوز طالبان بالولاء والتواجد المستتر أو شبه العلنى داخل المدن ، مع التواجد العسكرى فى محيطها الخارجى ، إلى أن تحين لحظة التحرير الشامل .

– مدن أفغانستان أصبحت رهينة لدى طالبان ، ومعركة غزنى أمدتهم بالخبرة والقدرة والثقة والتأييد الشعبى ، وتأييد معظم الجنود والكثير من الرتب العسكرية المختلفة .

– فشلت الخطة الأمريكية فى إستخدام داعش للتصدى لطالبان أو تشويه صورتهم بضربات ضد الأهالى والشيعة . فتحولت داعش إلى جزء من منظومة الفساد فى الدولة ، فتتعامل مع الكبار فى السلطة لتنفيذ عمليات إجرامية عادية ، أو لتصفية حسابات شخصية ، أو للتغطية على عمليات فساد بواسطة تفجيرات وحرائق .

– تغريدة ترامب حول تسليم أفغانستان لشركات مؤسس “بلاك ووتر” ، تدل على بحث أمريكى عن غطاء مناسب للفرار من أفغانستان ، بعد إستفاذ جميع القوى المتاحة عسكريا ، وجميع الحيل الممكنة سياسيا ، وفشل الضغط الدينى وتجريم الجهاد الأفغانى بواسطة كتيبة “بغال الإفتاء” التابعة “لعجل بنى إسرائيل” فى السعودية .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

كانت معركة غزنى علامة فارقة فى مسيرة تحرير أفغانستان ، كما أنها علامة فارقة فى مسيرة الأداء العسكرى لحركة طالبان ، تأتى على رأس مجموعة من الإبداعات التى جددت عددا من أساسيات حروب العصابات ، فى ظروف القتال ضد جيوش دول عظمى تمتلك أعلى مستويات التكنولوجيا . وحالة من الحصار الإقليمى حول الحركة مع تواطؤ دولى كامل .

وعلى العكس تماما ظهر تهافت الأداء العسكرى الأمريكى على حقيقته ، وفى وضح النهار وأمام العالم كله فى معركة كبرى جذبت الإنتباه وفتحت الأعين .

الجيش الأمريكى على الطريق الدولى يزحف تحت تغطية جوية من أنواع الطائرات الحديثة ، وفى مقدمته يزحف جنود جيش المستعمرة الأفغانية ، ثم درع آخر من المرتزقه الدوليون .

بعد محاولات متعددة على مدى خمسة أيام يفشل الجيش الأمريكى بقواته الخاصة وسلاح طيرانه ومرتزقته من عبور كمين للمجاهدين فى مقابل ولاية (ميدان وردك) . وبعد كل محاولة يسحب الأمريكيون جثث قتلاهم ويعودون إلى كابل فى خزى وذهول .

طالبان فى كمين (ميدان وردك) أرسلوا جزء من مجموعاتهم لضرب أقرب المراكزالعسكرية من الطريق ، حتى تلتزم الهدؤ ولا تتدخل فيما  لا يعنيها على الطريق الدولى .

الطائرات الأمريكية بكل أنواعها فشلت فى تحطيم الكمين أو حتى التقليل من حدته .

– ولتغطية أزمة (الجيش الأمريكى) أمام مجرد (كمين لحركة طالبان) ، إضافة إلى ما حل به من كارثة فى مدينة غزنى (150كم غرب كابل) وهى المدينة الاستراتيجية ، وأحد ثمان مدن ـ بما فيهم العاصمة ، تشكل رموز السلطة ، فى الإقتصاد والأهمية الاستراتيجية والتاريخية .

فى( 15/8 ) توجهت القوات الأمريكية الخاصة المحمولة جوا إلى أقصى الغرب فى ولاية فراه وهاجمت أربع قرى، واقتحمت بيوت القرويين وقتلت 16 فردا ، منهم نساء وأطفال . ثم يعود الكومانوز إلى كابل منتصرين ، حتى تعتدل الصورة التى تمزقت على الطريق الدولى فى مقابل ميدان وردك . وحتى ترفع أمريكا معنويات الجنود الذين أقصى إنتصاراتهم التى يباهون بها عند عودتهم إلى بلادهم هو غاراتهم على القرى ليلا وقتل سكانها وأسر الشيوخ والأطفال والنساء . فيتقلدون الأوسمة العسكرية على إنجازهم لجرائم الحرب تلك.

ــ وكان من المرجح أن شخصيات أمريكية هامة (أو إسرائيليون شركاء فى الأفيون والماس واليورانيوم ومشاريع الإستخبارات) متواجدون فى غزنى . لقد بدأ العدو بإرسال القوات الخاصة الأفغانية لجس نبض الدفاعات ، فإذا كانت ضعيفة بما فيه الكفاية أرسل قواته المحمولة جوا لتسجيل “لقطات” البطولة فى معركة لم يخوضوها . لكن أول مروحية أفغانية وقعت تحت طائلة الرشاشات الثقيلة لحركة طالبان فسقطت محترقة ، وقتل جميع من فيها .

ــ فى غزنى لجأ الأمريكيون إلى الحل السحرى الذى ليس لديهم غيره فى المعارك الحقيقية . سلاح الطيران الذى يدك الأسواق والأحياء السكنية ، فيحولها إلى مقابر جماعية .

فإذا ضاع منهم موقع عسكرى ولم يتمكنوا من إسترداده ، طارت قواتهم الخاصة إلى القرى النائية . وفى ظلام الليل يظهرون بطولات فى الإقتحام والحرق وتهديم البيوت والمساجد وإطلاق الكلاب المتوحشة على السكان المذعورين الذين جمعوهم فى ساحات القرى فى حفل شيطانى للرعب ، قتلاً وذبحاً ونهشا بالكلاب التى تمزق وتأكل جثث الشهداء . ثم ينتهى الحقل بتحميل “الأسرى الإرهابيين” من شيوخ من نساء وأطفال فى المروحيات صوب أماكن مجهولة.

ذلك هو الجيش الأمريكى الذى تجمعت مواهبه وقدراته كلها فى معركة مدينة غزنى . ولأن لهيب المعركة كان مرتفعا جدا ولأنها لا تدور فى مدينة بعيدة ، بل فى مركز أفغانستان ، وليس لساعة أو إثنين ، بل لخمسة أيام أو أكثر من المعارك المتواصلة ، التى إمتدت من كابل إلى غزنى شرقا. ومن غزنى صوب ولاية زابل غربا ، حيث قطع المجاهدون الطريق الدولى هناك حتى لا تتقدم من قندهار أى نجدات صوب غزنى . كما قطعوا الطرق التى تصل ولاية غزنى مع الولايتين الحدوديتين باكتيا وباكتيكا .

 

أكبر مناورة عسكرية فى تاريخ الجهاد :

ولأول مرة ينسق المجاهدون معركة معقدة ، وممتدة بين ثلاث ولايات {من ميدان وردك إلى غزنى إلى زابل } ليس لساعات بل لأيام متواصلة ، وبإصرار3 عنيد وتنفيذ دقيق . لقد كانت تدريبا حيا ومناورة بالذخيرة الحية على نموذج حقيقى لتحرير كابل .

ذلك التنسيق الواسع بين عدة ولايات فى إطار عملية واحدة . لم يحدث ولو لمرة واحدة خلال الجهاد ضد السوفييت . فقد منع التدخل الباكستانى والأحزاب “الجهادية” الفاسدة المستقرة فى بيشاور من حدوث أى تعاون عابر للولايات ، أو حتى بين أكثر من قبيلة ، إلا فيما ندر .

ــ أوجه القصور العسكرى والنفسى فى الجيش الأمريكى ، والإبداع المقابل له من حركة طالبان ، إذا إجتمعا معا فى تحليل واحد فسوف يتضح الكثير من معالم صدامات عالمية متوقعة . يحمل لواءها الجيش الأمريكى محميا بسلاح طيرانه من أعلى ، وفى مقدمته على الأرض جنود المستعمرات (ناتو ـ عرب ـ مسلمون ـ مرتزقه دوليون ) . وفى الجانب الآخر المسلمون المعرضون لمزيد من القهر العسكرى والسياسى والسطو الإقتصادى. إن ما يحدث فى أفغانستان منذ حرب السوفييت وحتى حرب الأمريكيين ، وصولا إلى المَعْلَم الهام فى معركة غزنى هو دليل لجهاد قادم لتحرير فلسطين . لذا فإن إستيعاب تلك الدروس هو فريضة جهادية مقدسة.

– لم يكن هناك أى مشكلة أمام بقاء طالبان فى مدينة غزنى بعد أن هدأت الأمور بها ـ فيما عدا موضعين أو ثلاثة ـ كانوا تحت الحصار والتصفية . وقد قاتلت قوات الأمن بداخلها قتالا شديدا ، ولكن يائسا ، إذ إستحال وصول النجدات إليهم براً أو جواً .

– وقد تمكن مجاهدو طالبان من تحرير 400 من أسراهم من سجن المدينة الذى إقتحموه وحرروا جميع من فيه ، ليضيفوا فائدة كبرى إلى فوائد تحرير المدن ، وهى تحرير الأسرى الذين يرفض العدو الإفراج عنهم أو حتى الإعتراف بوجودهم عنده .

–  فى أواخر اليوم الثالث للتحرير بدأ الطيران الأمريكى برنامجه المعتاد بقصف الأسواق ، ثم أحياء المدنية . فأدرك مجاهدو طالبان أنه ينبغى عليهم الإنسحاب من المدينة حفاظا على حياة المدنيين وأرزاقهم  فى الأسواق ، بعد أن قتل عشرات المدنيين وأحرقت عشرات المحلات .

–  وبالتفاهم مع المدنيين بدأت القوات المنتصرة فى الإنسحاب من المدينة ، والتوزع حولها على بعد حوالى ثلاث كيلومترات من مركزها ، حيث معظم الولاية خاضع لحكم مباشر من حركة طالبان (75% من الولاية حسب تقدير المجاهدين) .

– ذلك يلخص العقيدة العسكرية / السياسية للإستعمار الأمريكى . إذ يستهدف المدنيين فى جميع حروبه . إما بالقتل فى الحروب المباشرة مثل أفغانستان والعراق واليمن وسوريا ، أو تجويعا بالحصار الإقتصادى الخانق كما يحدث مع إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية . وفى الحالة الأولى يتحول الشعب من مساند للمجاهدين إلى عنصر ضغط عليهم ليتوقفوا أو يبتعدوا ، حفاظا على حياة المدنيين.

وفى الحالة الثانية يستمر الضغط إلى أن تحدث ثورة شعبية ضد النظام الذى أيده الناس فى البداية ، أو تنشب حرب أهلية ، أو يخرج الناس غاضبون فيتولى عملاء البنوك الدولية قيادة الجماهير فى(ثورة ملونة) أو (ربيع أسود) يكون دمارا على الشعوب . ثروات الأمم هى المستهدف الأول فى كل عدوان أمريكى ، سواء كان عدوانا عسكريا سافرا ، أو حربا إقتصادية ظالمة . وعند أى مواجهة مع الإستعمار الأمريكى والإسرائيلى يجب أن توضع تلك الحقيقة على رأس الحسابات ، قبل وأثناء مواجهة العدو .

 

حماية سكان المدن :

– طور مجاهدو طالبان أساليب إمتصاص تأثيرات الغارات الجوية على مواقعهم وخلال عملياتهم . ولكن طرق حماية المدنيين تختلف، وتقتضى تغييرا فى إستراتيجية عمليات المدن . وكبديل مؤقت عن إقتحام المدن / وربما تمهيدا لذلك الإقتحام/ ، تحول المجاهدون إلى أسلوب السيطرة على المدن من داخلها ، رغما عن وجود قوات الحكم العميل وتمركز قوات الإحتلال فى القواعد الجوية ، التى تشكل سلاح الردع لكبح عملية التحرير وتجميدها عند أعتاب المدن ، فلا تتخطاها .

–  ومعركة غزنى كانت تطبيقا مثاليا لإستراتيجية الطرفين . الأسلوب الأمريكى فى تحطيم عملية التحرير عند أعتاب المدن ، وأسلوب طالبان فى السيطرة على المدن من داخلها وتحويل الإدارة الإستعمارية للمدن إلى مجرد جهاز لوجستى يخدم المواطنين ويلبى إحتياجاتهم المعيشية ، بدون أن يسيطر عليهم فى الحقيقة . فطالبان موجودون فى كل مكان ، فى تواجد سرى يصل إلى أعماق الإدارات المدنية والعسكرية . مع تواجد آخر شبه سرى ، لا يجرؤ أحد على التصدى له ، وتتحاشاه الحكومة . لأنه يمثل قمة جبل النار الذى إن تحرك إحترقت شواطئ الحكم وموانئه . والجبل موجود فى الأرياف وممتد حتى حواف المدينة . وهذا هو وضع غزنى قبل الإجتياح ، وقد عادت إليه مرة أخرى ، إلى حين قفزة استراتيجية قادمة ، أكثر تطورا بعد الإستفادة من دروس غزنى القيمة .

 

غنائم للقتال  و للتعويضات :

غنائم القتال كانت هائلة وغير مسبوقة ، فيما عدا غنائم المدن التى سقطت بعد الحكم الشيوعى فى أفغانستان ، والتى تسابق على نهبها عصابات أحزاب العاطلين عن الجهاد ، وجيوش الغلول من لصوص مناطق الحدود مع باكستان ، فكان المجاهدون الذين قاتلوا هم الأقل نصيبا منها . أما هذه المرة فالوضع يختلف ، فلا صراع ، ولا غلول ، ولا تدخل باكستانى ينظم عملية الفساد ويديرها لمصلحة الأمريكى .

لم تتوفر لحركة طالبان هذا القدر من الأسلحة والمعدات العسكرية حتى عندما كانت فى الحكم . وحسب مصادر طالبان فإن عدد المدرعات والمركبات العسكرية التى غنموها تعدت المئة . وأن الأسلحة ملأت أكثر من ثلاثين شاحنة عسكرية . والذخائر لم يتم حصرها بعد لضخامتها .

ويمكن ذكر أموال غنموها من مركز إدارى للجيش ، وكانت عبارة عن غرف مليئة بأوراق النقد بينما جنود الجيش لم يستلموا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر . ولما علم طالبان بذلك أحضروا عددا من الجنود ليشاهدوا أموال الجيش ، ويدركوا مدى فساد الحكومة وظلمها للجنود .

وبالشاحنات التى غنموها نقل طالبان أعداد كبيرة من الجنود الذين إستسلموا طواعية إلى مواقف الباصات خارج المدينة حتى يعودوا إلى مقاطعاتهم . ترك الجنود أسلحتهم والملابس والأحذية العسكرية .

     بدأ العدو فى قصف المدنيين فى الأسواق أولا ، فعوضهم المجاهدون من الممتلكات الحكومية فى المدينة ، وبعض الغنائم العسكرية مثل ألواح الطاقة الشمسية . والعلاقات سادها الود والتعاون بين طالبان وسكان المدينة بما فيهم الشيعة الذين لهم تواجد كبير فى مدينة غزنى وعموم الولاية . وكان نظام كابول يشيع عن مذابح مرتقبة فى المدينة سيرتكبها طالبان ضد الشيعة . ولكن ما حدث كان صدمة للحكومة وإعلامها الذى يروج للفتن بين فئات الشعب .

 

داعش جزء من النظام :

تعامل حركة طالبان مع الشيعة فى مدينة غزنى والولاية كلها ، كان إسلاميا منصفا ، كما هو تعاملهم مع جميع الشعب الذى تعتبره  ذخيرة لجهادها وعماد إنتصاراتها بعد سلاحها الإيمانى .

داعش فشلت فى إحداث الفتنة الطائفية التى إعتبرها الأمريكيون مطلبا أساسيا لتحقيق إنتصارهم فى أفغانستان . حتى أن أى ضربة لداعش ذات هدف طائفى او عرقى ، كان الشعب يتعرف على مصدرها الداعشى فورا ، من قبل أن تستنكرها حركة طالبان . الآن تحولت داعش بعد فشلها فى تخريب سمعة المجاهدين وإيقاع الفتنة ، إلى التعامل الإجرامى المتعلق بالصراع بين مراكز القوى داخل النظام . شمل ذلك عمليات إغتيال وتفجيرات أو هجمات منسقة مع عمليات نهب أو إحراق وثائق ومستندات متعلقة بالفساد وخروقات قانونية خطيرة . ما جعل داعش أحد أهم قوى الفساد داخل النظام السياسى . فالكل سيحتاج خدماتها يوما . ويخشى من أن يستخدمها الغير ضده . مديرو داعش إكتسبوا تلك الميزات ونفس العيوب ، فهم أصدقاء الجميع وأعدائهم فى نفس الوقت . والإحتلال دخل حلبة اللعبة ، فاستخدم ذلك التنظيم وفقا لسياساته المتقلبة تجاه باقى الشركاء فى النظام ، ويصب جام غضبه وعقابه على التنظيم إذا تصرف بحماقة زائدة تضر بمصالح أمريكا وحلفائها.

 

تغير فى مهام النظام :

كما ذكرنا فقد  تغلغلت حركة طالبان داخل المدن ، وفى مقدمتها العاصمة . والتواجد الذى معظمه غير معروف ، له إمتداد مسلح قوى خارج المدينة ، وأى تحدى لذلك التواجد يهدد بمشاكل لن يتحملها النظام ، خاصة وأن الإحتلال ، يتفادى القتال الأرضى المباشر فى مناطق الريف ، فما بالك بالمدن وتعقيداتها المخيفة .

الإدارة الفعلية والولاء الحقيقى لمعظم السكان يتوجه إلى حركة طالبان . وحتى تكتسب الحكومة شئ من المبرر لوجودها فإنها تواصل عملها فى تقديم الخدمات وتيسير الأعمال داخل المدينة . قد تجنى شيئا من الضرائب ولكنها لا تحصل على الولاء . أى أنها مجرد جهاز خدمات لوجستية يعمل لخدمة حكومة طالبان الخفية فى المدينة . بهذا يأمن السكان من بطش سلاح الجو الأمريكى .

معركة غزنى زادت من القدرة التى إكتسبتها قوات طالبان من غزو المدينة الكبيرة خلال ساعات ( لا شك فى أهمية الدعم الذى لقيته من جهازها المبثوت فى المدينة ، وأفرعه فى كل مكان رسمى وشعبى). أضافت تجربة غزنى ضرورة الإنسحاب السريع من المدن وإخلاء الغنائم وتوزيعها فى أماكن بعيدة حتى لا يقصفها الطيران . تلك الغنائم تزيد من فرص هجمات أخرى على مدن كبيرة أو صغيرة . وفى كل مرة ستضيف الغنائم مزيدا من القوة للمجاهدين ، ومزيدا من السيطرة داخل المدن . وبتطوير تلك الاستراتيجية مستقبلا ، ستصل إلى إمكانية التحرير الكامل ، وفقا لمعادلات الحرب غير المسبوقة فى أى تجربة أخرى .

 

أين الباكستانيون ؟؟

بعد خمسة أيام من السيطرة على المدينة ، إنسحب المجاهدون إلى خارج المدينة ، على بعد حوالى ثلاث كيلومترات من مركزها . ورفعت الكمائن عن الطريق الدولى فى مقابل ولاية (ميدان وردك) فأرسل الجيش المحلى إلى غزنى حوالى 5000 جندى معظمهم ذهب بالمروحيات . والباقى ذهب اليها براً ومعهم حوالى 100 مدرعة وسيارة (بيك أب) .

عند وصول جنود الجيش إلى غزنى كانوا يسألون المدنيين”أين الباكستانيون الذين كانوا هنا ؟؟ ، فقال الأهالى : لم يأت إلى هنا باكستانيون بل أفغان يتكلمون الباشتو .

فسألهم جندى مستغربا : باشتو مثل الذى نتكلمه ؟؟.  قالوا له : نعم .. مثلنا تماما .

مضى الجنود مستغربين ، لأن قادتهم لقنوهم فى كابل أن غزنى تعرضت لهجوم باكستانى .

 

أين القافلة العسكرية ؟؟

فى وقت إحتدام المعارك فى غزنى أذاعت الحكومة أن قافلة من الجيش المحلى توجهت لإنقاذ غزنى . الطريق يحتاج من القافلة إلى حوالى ثلاث ساعات. ولكن مضت عدة أيام والقافلة لم تظهر فى أى مكان ، لا فى غزنى ولا فى ميدان وردك ، حتى صار الناس يتندرون قائلين : إن قافلة الجيش الأفغانى تاهت فى الطريق . ولكن بعد الإعلان عن إنسحاب المجاهدين من غزنى ، ظهرت القافلة على الطريق ، بدون أن تعلن عن سر الإختفاء أو مكانه .

 

أين الكوماندوز ؟؟

واحد من أسرار تلك المعركة هو إختفاء قوة من الكوماندوز الأفغان ، كانوا قد هبطوا من المروحيات على أطراف غزنى ، وكان عددهم يتراوح ما بين 70 إلى مئة جندى . لكن أحدا منهم لم يصل إلى غزنى ، ومازال البحث عنهم مستمرا ، والأرجح أنهم الآن فى قراهم يحرثون حقولهم .

لقد أثارت معركة غزنى الكثير من علامات الإستفهام حول الجيش الأفغانى ، وأنهيار معنوياته وتفشى حالات الفرار، خاصة إذا كانت المعركة قائمة أو محتملة . بتاثير من معركة غزنى عمليات الإستسلام زادت وكذلك “الإختفاء” من الخدمة .

و زاد معتنقى حكمة كبراء القرية الأفغان ، عند إقناعهم شابين بوقف القتال بينهما ، وكان أحدهما من حركة طالبان والآخر من الجيش ـ واتفق جميع من فى القرية على أن {الكفار زائلون وشعب أفغانستان باق} . توقف الكثير من الجنود عن القتال والباقون منهم فى حاجة إلى الراتب لإعالة عائلة كبيرة وفقيرة ، ولكنهم لا يقاتلون . وهكذا سقطت مدينة كبرى مثل غزنى فى غضون ساعات قليلة .

     وتقول حركة طالبان أن رسالتها إلى الإحتلال : إن غزنى تجربة سوف تتكرر فى مدن آخرى ، وأن ( كابل لنا ) وسندخلها بالقوة حتما ، ما لم يبادر العدو بالإنسحاب .

 

تغريدة ترامب :

يصح فى هذا الرئيس السمين قول العرب (أجسام البغال وأحلام العصافير) . ذلك العصفور السمين يكثر من التغريد ، حتى صارت تغريداته نشرة أخبار صباحية بمصائب العالم القادمة .

غرد ذات مرة بأنه ينوى تسليم أفغانستان إلى السيد (برنس) مؤسس شركة بلاك ووتر والعديد من أمثالها ، والذى أقام مؤسسة دولية للمرتزقة فى أبوظبى ، يعتقد بأن دورها كبير للغاية فى حرب اليمن . وأنها موجودة فى أفغانستان ضمن عقد شراكة مع الجيش الأمريكى . ولكن ترامب ينوى تسليمها مفاتيح أفغانستان ، ليغادرها بلا رجعة ، من أجل العناية بمزرعة أبقاره فى السعودية ومشيخات النفط . فهناك أموال بلا حصر ، تنتقل إلى جيبه بمجرد النظر .

     كان واضحا منذ البداية أن الذى أسماه ترامب (استراتيجية جديدة) فى أفغانستان ، أنها مجرد إستمرار لما سبق من فشل استراتيجى للرئيس أوباما ومن قبله بوش . أطلق ترامب العنان لكامل وحشية الجيش الأمريكى فى قتل المدنيين بكافة السبل واختطافهم وتعذيبهم وقصف البيوت والمدارس . فزاد إقبال الناس على حمل السلاح فى صفوف طالبان ، وتوسعت مساحة المناطق المحررة . وخرج الملايين من تحت سلطان الحكومة العميلة والوحوش الأمريكية .

مناورات التفاوض فشلت كلها ، لأن معناها الوحيد كان الإنخراط فى النظام الحاكم فى كابول والمشاركة فيه ، مع بقاء قوات الإحتلال فى صورة معاهدات دفاع مشترك وتعاون (!!).

وفشلت الحملة الدينية التى حركها وموَّلها (عجل بنى إسرائيل) فى الرياض . ونال “بغال الإفتاء” لعنات المسلمين فى كل مكان ، وحتى الأطفال فهموا أنهم “شيوخ للإيجار” ولا قيمة لهم .

إقتحام غزنى المبهر جاء ردا على كل التخرصات الأمريكية ، وإنذارا واضحا بإقتحام كابول مع القدرة على ذلك . وأن حسابات إقتحام العاصمة لم تعد تتعلق بالجهد العسكرى المطلوب بل بسلامة المواطنين من عواقب المعادلة التى وضعها الإحتلال للتجميد الموقف الحالى ضمن معادلة : ” سلامة المدنيين فى مقابل سلامة المدن ” . أى إبتعدوا عن المدن حتى لا نبيد المدنيين ونحرق المدن .

– فالعدو الأمريكى أثبت فى غزنى للمرة الثالثة أو الرابعة ما أثبته فى مدن أخرى حررها مجاهدو طالبان ، خاصة فى قندوز وفراه . لقد إنتظر فى غزنى لمدة ثلاثة أيام بدون قصف إنتقامى لسبب مجهول يفترض أنه البحث عن مصير شخصيات هامة أمريكية أو إسرائيلية كانت فى المدينة . ولكن خلال 18 ساعة الأخيرة ـ من مدة خمسة أيام سيطر فيها المجاهدون على المدينة ـ بدأ القصف الوحشى المعتاد . فاستشهد عدد كبير من المدنيين وأحترقت المئات من المحال التجارية ، وأصيب إقتصاد المدينة فى مقتل .

– ورغما عن ذلك فإن الحقيقة هى : إما أن ينسحب الأمريكيون من أفغانستان أو سيواجهون الإبادة التى عصفت بحملة بريطانية فى القرن التاسع عشر .

قد يقبل السيد (برنس) بصفقة إحتلال أفغانستان وقمع شعبها ، فينتهى المطاف به وبرجاله معلقين على أعمدة الإنارة فى كابول ، إلى جانب كبار العملاء فى النظام الحاكم .

يومها سيحول ترامب الهزيمة إلى فرصة . ويلقى باللائمة على البرنس متهما إياه بالتقصير والإخلال بشروط العقد المبرم بينما . ثم يوقف صرف مستحقات شركته ويجمد حساباتها وأصولها فى بلاده ، مدرجا إسمها فى لائحة العقوبات الأمريكية التى تتسع بإستمرار حتى تشمل العالم كله ، ماعدا أمريكا نفسها .. وإسرائيل معها .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world