1

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 33

مجلة الصمود الإسلامية عدد 184

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 184 | شوال 1442 ھ – مايو 2021 م.   

28-05-2021

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (33)

حقاني في الخط الأول: التراجع ممنوع في هذه المعركة

 

–  “ماليزي” مفاجأة معركة الفتح، والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات.

–  حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو، وينقل المحور الرئيسي للعمليات إلى ماليزي في الشرق بدلا من غرب تورغار.

–  عند الفجر احتل المجاهدون جبال ماليزي بسهولة، ولكن العدو اقتلعهم ظهراً بعنف. فذهب حقاني إلى الخط الأول وقال لمجاهديه: إنه باقٍ إلى أن يستردوا جبال ماليزي المفقودة.

–  شباب”وردك” الفقراء قلبوا موازين المعركة. ورئيس الدولة يفاوضهم ويسبهم على الهواء.

–  حقاني قبل معركة فتح خوست يفقد أقرب ثلاثة من أفراد من أسرته.

–  “إبراهم” شقيق حقاني تقيأ دماً بعد فقدان والدته وشقيقه، ولم يتبق مع حقاني سوى الأخ الأصغر “خليل ” الذي كان جيشاً كاملا، وكنا نتعجب منه قائلين (لا يفل الحديد إلا خليل).

–  التجار يهددون حقاني إن لم يرفع الحصار عن خوست، ويدفع الديون المستحقة عليه.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

مركز ماليزي وراجمة البدو كانت أول خطوة عملية لنا في المشروع الجديد. خلف مركز البدو بحوالي ثلاثمئة متر، كانت سلسلة منخفضة من التلال، اتخذ فيها مركز مجبور موقعا جديدا ليكونوا أكثر قربا من منطقة “لاكان” التي حاولوا العمل فيها ضد المطار الجديد، ولكنهم فشلوا في الإستمرار. فاستعرنا منهم مغارة ذات بوابة حديدية لتكون مركزا لتخزين الصواريخ لعمليتنا القادمة، خاصة لراجمتنا في ماليزي.

في الجبهة الشرقية كان التحدي الأكبر. والمشهور أن هناك اتفاقا سريا بين “المجموعات الجهادية” هناك وبين العدو في ميثاق عدم اعتداء (على أقل تقدير). أي ألا تُستَخدم منطقتهم لإيذاء العدو، الذي لن يتعرض لهم في المقابل.

في المنطقة لا توجد مغارة واحدة، ولا خندق واحد سوى الخنادق والحُفَر التي كانت تستخدمها القوات الحكومية، وجميعها مكشوفة من جهة المدينة، أي لا تصلح لاستخدم المجاهدين.

بدأنا بأقصى طاقتنا في حفر ثمانية مغارات دفعة واحدة. أربعة منها لاستخداماتنا وأربعة لمجموعات “المجاهدين” في الخط الأول. وكانوا قد طالبونا بحفر مغارات لهم عندما شاهدوا العمل عندنا. ورحبنا بحالة الحماس التي رافقت ذلك العمل.

كان ذلك الخط فقيرًا جدًا في الرجال والمعدات. فهناك أربع مجموعات تتبع أربع تنظيمات مختلفة وإن كانوا جميعا من أهل المنطقة.

أحد هذه المواقع يشغله شيخ في حوالي السبعين معه خمسة من أحفاده دون السادسة عشر من عمرهم. مواقع أخرى كان عدد أفرادها لا يزيد عن خمسة أفراد.

الجميع مسلحون بأسلحة خفيفة وهناك هاون واحد ومدفع واحد عديم الارتداد. بعد جولة سريعة في ذلك الخط أيقنت أنهم سوف يفرون في أول فرصة تتاح لهم، أو أنهم سينقضون علينا إن هَزَمَنا العدو.

قيادات المنطقة كانت سيئة جدا، لكننا قابلنا الكثير من المجاهدين وسكان المنطقة وكانوا من الطيبين الشجعان، مثل أغلب سكان الجبال، وقد عاملونا بترحاب ومودة.

من المفاجآت الحسنة أن قابلت هناك “الضابط كمال” الذي تعرفت عليه في معركة ليجاه عام 1982ـ وقد تحول إلى حزب حكمتيار، وظل شقيقه الأصغر، وكان من القلائل الجيدين، ظل ضمن جماعة حقاني.

كان والدهما ـ عبد القيوم خان ـ من أعيان منطقة لاكان وأغنيائها المعدودين وهو شخصية جهادية تاريخية في المنطقة، لكونه أول من اصطدم بالسلاح مع الشيوعيين في خوست عند بداية عهدهم المتغرطس والدموي عام 1978.

عند وصولنا إلى منطقة لاكان وقبل أن نعبر نهر شمل كان منزل عائلة عبد القيوم أول مراكزنا للاستراحة وتناول الطعام الذي كان دومًا من نوعية جيدة، مع استقبال حميم من رجال الأسرة ومجاهديها.

ما إن نعبر نهر شمل ونصبح في الجبهة الشرقية حتى ننحرف مئة متر إلى اليسار حيث أحد البيوت المهجورة التي اتخذها المجاهدون قاعدة إدارية لهم، وسمحوا لنا باستخدامها.

عندما وصلنا البيت ليلا لم ألاحظ أن أحدا يحرس المكان، فقد تركوا المهمة لجرو صغير جداً في حجم الكَفْ. وما أن دخلنا حديقة البيت حتى وجدته ينبح بشدة وقد التصق بقدمي يريد أن ينهشها. لم أكن متعودا على الكلاب ومزاحهم الثقيل. لذا هممت أن أوجه رفسة إلى هذا الجرو التافه فأطيح به إلى العدو في هضبة متون.

وما أن تهيأت لفعل ذلك، حتى سمعت زمجرة، ولمحت على بعد خطوات قليلة إلى اليمين وفي الظلام كلبة مهولة في حجم أسد كبير تربض في وضع الاستعداد، فقد كانت تلك السيدة هي والدة الأستاذ الجرو العزيز. فاعتدلت في وقفتي وابتسمت بنفاق للجرو اللطيف، وصرت من ليلتها من محبي الكلاب وأنصار حقوق الحيوان.

أطلقت على هذا الجرو المفترس اسم “نصف نعل” وصار ذلك إسماً لمَقَرِّنا الإداري الجديد، نستخدمه للتمويه عند الحديث على المخابرة.

 

 

جيش وردك للحفريات:

حقيقة كانوا جيشاً عظيم الأهمية ـ وقلما انتبه أحد إلى خطورة دور هؤلاء الشباب الفقراء على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

سبق وأن تحدثنا عن”شركات ” الحفريات التي شكلها شباب من ولاية وردك (غرب كابول). ولما كانت خوست هي ذروة العمل العسكري في أفغانستان، فقد توجه إليها عشرات من الشباب الذين تربطهم وشائج القربى والجيرة، كي يعملوا معا في سلسلة “شركات” لحفر المغارات في جبال خوست.

القصف الهستيري بالطائرات وصواريخ سكود، أقنع المجاهدين تماما أن لا مجال لأي عنتريات، وأن العمل وفق ” الأصول” هو خير سبيل لتجنب الإبادة بل ولتحقيق النصر.

لقد أدركوا بالتجربة الطويلة، والفِطْرَة القتالية المرهفة صحة الحكمة الصينية القائلة:

“عندما تكون قويا انقض من أعلى مثل العُقاب، وعندما تكون ضعيفا احفر عميقًا في باطن الأرض”.

الرئيس نجيب الله “كان ممن قدروا الدور الخطير” لجيش وردك”، فمنحهم لقب “الفئران أولاد الفئران”، متهماً إياهم بإفشال المجهود الجوي لقواته، وبالتالي نجاح المجاهدين في قضم المواقع الحكومية حتى ضاقت الأرض بقواته في خوست.

ثم وعدهم “نجيب” بإجزال العطاء لهم إن هم تركوا خوست وحضروا إلى كابول. كان الوقت قد تأخر كثيرا، فلا أحد يثق في النظام، ولا مدينة خوست قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالهجوم النهائي على وشك أن يبدأ.

قدمنا تسهيلات كبيرة لرجال الحفريات حتى ينجزوا أعمالنا في الجبهة الشرقية بأسرع ما يمكن فقد كنا في سباق محموم مع الوقت. واشترينا لهم كافة مستلزماتهم، ووعدناهم بترك كل ما اشتريناه من معدات هدية لهم بعد إنجاز العمل.

فأنجزوا المطلوب في وقته المحدد، وكانوا سعداء بما قدمناه من أجر وهدايا، فكانوا يعطون أعمالنا أولوية مطلقة.

في مواضعنا القديمة “للمطار90” حفروا لنا مغارة جديدة في موقع الراجمة رقم5 (مركز أبوالأهوال) احتياطا لاحتمال عودتنا إليه، إذا استدعى الأمر، للعمل ضد المطار القديم مرة أخرى. ولكن لحُسْن الحظ أن ذلك لم يحدث أبداً.

ولحسن الحظ أيضا أنه لم تحدث فتنة بين العرب والبدو بسبب تلك المغارة. فقد كان شابا عربيا ـ من القاعدة ـ يتابع عملية الحفر هناك عندما جاء صبي من البدو ليرعى قطيعا من الأغنام فوق هضبة قريبة، وكان يعزف لأغنامة عن مزمار معه.

طلب منه العربي التوقف عن العزف لأنه “حرام”. الصبي لم يفهم ما يريده العربي فواصل العزف. صاحبنا العربي جن جنونه وكاد يطلق النار على البدوي، لولا وصولنا في الوقت المناسب. ولما عرفنا منه المشكلة، نقلناه إلى مكان آخر بعيداً عن المزمار، وحتى لا يتحول مسار الأحداث في خوست من عملية اقتحام لفتح المدينة إلى عملية إطفاء لفتنة عمياء بين العرب وبدو المنطقة.

 

 

حقاني قبل المعركة:

تلقى حقاني كمية من الصدمات القاسية في العام “1990”، قبل أشهر من عمليات الفتح. بعض تلك الضربات كانت على المستوى العائلي الحميم.

بدأت بفقده أخاه أسماعيل، أحد أشقائه الثلاثة، وكان شخصية محورية لحماية منطقة زدران والعمل ضد عاصمة الولاية “جرديز”. فأتاح ذلك فرصة لحقاني نفسه أن يركز عمله في منطقة خوست بدون أن يخشى طعنة خطيرة تأتي من جرديز أو زدران حيث ثقله القَبَلي والبشري.

تلي ذلك وفاة والدته التي كانت عماد الأسرة وملاكها الحارس. بل وكانت كذلك بالنسبة لجميع الاُسَرْ في منطقة المهاجرين التي يعيش فيها حقاني في ميرانشاة. فكانت القوة الروحية المُلهِمَة بالأمل والشجاعة لجميع المجاهدين الذين ينطلقون من ذلك الحي صوب جبهات القتال في شكل جماعي أو منفرد.

كانت المربي والمؤدب لجميع أطفال الأسرة والحي، ولجميع النساء. فهي تحل المشاكل وتضبط التوترات الداخلية، بحزم ورقة الأم العطوف.

كانت خسارة حقاني لشقيقه إسماعيل ووالدته الكبيرة خسارة فادحة حقا. وكانت كذلك بالنسبة للكثير جداً من الأسر والرجال المجاهدين.

لم يلبث إبراهيم ـ الشقيق الثاني لحقاني ـ أن تفاقمت حالته الصحية بعد الوفاة المتتابعة لإسماعيل والأم الكبيرة. فأخذ يتقيأ دما فنقلوه بسرعة إلى المستشفى العسكري في روالبندي.

لم يتبق مع حقاني من قوته العائلية الضاربة سوى شقيقه الأصغر “خليل “.

ولكن الأخ الأصغر يبقى دائما “أخاً أصغر”. ولكن خليل تجاوز جميع التوقعات في معركة خوست ثم في معركة جرديز التي تلتها بعد ذلك بعدة أشهر. لقد كان جيشا كاملا واستحق بجدارة وصفا منحناه إياه حين قلنا متعجبين من أدائه:” لا يفل الحديد إلا خليل”.

هكذا كان خليل بدون أي مبالغة، بل بكل تواضع أيضا. وعندما علم شقيقه “إبراهيم” أن معارك خوست الحاسمة أصبحت على الأبواب قطع علاجه وحضر إلى ساحة المعارك، ليُكَوِّن مع أخيه خليل أعظم ثنائي شهدته معارك خوست، ثم معارك جرديز.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

التجار يهددون حقاني:

– تجار ميرانشاه بدأوا يشكلون أداة ضغط خطيرة على أعصاب حقاني. فهم الآن لا يتذمرون، بل يهددون. فحصار المدينة ومطاردة عمليات التهريب إليها، يهدد مصالحهم التجارية الهائلة القائمة على تهريب النفط والسلع الغذائية للمدينة المحاصرة. وبدون حياء قالوا لحقاني أنهم استثمروا ثرواتهم كلها في شراء تلك السلع، ومنع التهريب سيؤدي إلى إفلاسهم، وأنهم لن يسكتوا حتى يشاهدوا خراب بيوتهم، بل سيتحركون ضده !!.

– التجار الذين يقرضون حقاني السلع الغذائية والنفط وحتى السيولة النقدية، بدأوا يتذمرون، بل ويهددون ـ إن حدود الائتمان المسموح بها لهذا القائد الكبير قد تجاوزت حد المعقول. وبدأوا يطالبونه بالسداد لأنهم بصراحة بدأوا يشكون في إمكان ذلك بعد انحسار التأييد الحكومي الباكستاني، والعداء الدولي للمجاهدين وللعمل العسكري في أفغانستان.

– المخابرات العسكرية (ISI ) بدأت هي الأخرى عهدا جديدا من العداء المكتوم على مستوى القيادة العليا خاصة رئيسها “دوراني” الذي رفض حقاني استدعاء وجهه إليه.

” الجنرال إمام” الذي رافق المجاهدين معظم الفترة الماضية، تم تغييره بوجوه جديدة ناعمة ومريبة. بعكس “إمام” الخشن الملتحي الذي يقابل المجاهدين بالوجه المتدين الملتزم، ويحتفظ بالوجه الآخر ـ الحقيقي ـ للأمريكان ورؤسائه في روالبندي وإسلام آباد.

معونات الأسلحة والذخائر توقفت فعليا ـ إلا القليل من الذخائر التي تُبْقي على” شعرة معاوية ” سليمة تحسباً لتقلبات الزمان.

– ظروف حقاني القاسية، ربما أغرته بالركون إلى نوع من الأمنيات الخادعة.

فهناك “عميلا ” له في المدينة أوهمه أن المعدات المتوفرة لدى سلطات خوست لا تصلح لإتمام المطار، سوى لطائرات خفيفة جداً مثل الطائرات الرياضية.

وكانت خدعة سيئة أدت إلى إطالة أمد المعركة سته أشهر أخرى. فتأجيل سقوط المدينة من عام”90″ إلي العام”91″.

ـ أمنية أخرى بأن الخط الدفاعي الأول عن المدينة سوف يستسلم بدفع الأموال. فدفع عدة ملايين لكن الخبر تسرب، كما هي العادة دوما، فأحبطت الحكومة المحاولة وتدخل الطيران مع المدفعية ساعة التنفيذ، فقُتِل العديد من الضباط وفر آخرون إلى المجاهدين، وفشلت المحاولة. وكان خط الدفاع المرشح للتسليم هو الخط الجنوبي على امتداد تورغار إلى جهة الشرق. وسوف نرى كيف استولى عليه المجاهدون في معارك الفتح. وكيف أنه كان ركيزة الزحف صوب مركز المدينة.

 

أحزاب بيشاور.. خيانات مستمرة:

– الطعنات القريبة أكثر إيلاما. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي توجه أحزاب بشاور “الجهادية” طعناتها لحقاني، ولعديدين غيره من قيادات الداخل الناجحين.

لم يخبر حقاني أحداً بأنه ينوي اقتحام المدينة، بل أعلن أنه ينوي شن هجمات كبيرة عليها (ولكنه قبل العمليات بحوالي أسبوعين همس لي بأنه ينوي فعلا اقتحام المدينة).

قبل عمليات بهذا الشكل يخوض حقاني بكل صبر وسعة صدر مفاوضات موسعة مع قادة المجموعات حول خوست، تتناول المفاوضات كل ما يتعلق بالمعركة القادمة وطرق التعاون وتحديد المهام وطريقة توزيع الغنائم.. الخ.

كل ذلك يتم بناء على العلاقات الشخصية والقبلية بعيدا عن بشاور وأحزابها.

بعد إتمام كل ذلك أو معظمه شعرت قيادات بشاور “بالمؤامرة” فأرسلوا تهديدات شديدة اللهجة بالطرد والحرمان وكل العقوبات الممكنة ضد كل من يساهم في المعركة القادمة أو يتعاون مع حقاني في أي شيء!!.

انسحب القادة الميدانيون من اتفاقهم الذي أبرموه مع حقاني. وذهب أحدهم إلى بشاور لمراجعة قائده الأعلى هناك (سياف). ولكنه سمع نفس الكلام بلهجة أشد. ومن هناك اتصل مع حقاني تلفونيا معربا عن أسفه وانسحابه من أي اتفاق سبق إبرامه.

كان حقاني في أشد الثورة وقتها. ولكنه بقدرته الفائقة على كبح مشاعره تمالك نفسه، ولم ينْجَر إلى مهاترات أو معارك ثانوية مع أي أحد، وظل محافظا على هدفه الرئيسي ـ فتح خوست. وتلك ميزة أخرى من مزاياه الكبيرة.

الذين انسحبوا من الاتفاق مع حقاني، لم ينسحبوا من مواقعهم، فالذي يحدث عادة بالنسبة للمجموعات التي لا تشارك في المعارك هو اتخاذ موقف “التربص” تمهيدًا للانقضاض على غنائم المعركة.

فإن فاز “المجاهدون” كان “المتربصون” هم الأسبق إلى مواضع الغنائم الدسمة. لأن “المجاهد” يتحرك وفقاً لضرورات المعركة ومتطلباتها التكتيكية أما “المتربص” فعينه دوما على مواضع الغنائم فينقض عليها فوراً. وكانت تلك القاعدة صحيحة طول مدة الجهاد.

وأثناء اشتعال المعارك يتمكن المتربصون من اصطياد أي غنيمة طارئة حتى ولو من إخوانهم المجاهدين، وهذا من التصرفات المعتادة. وإذا فاز المجاهدون أو فازت “الحكومة ” فإن للمتربصين أوراقا يمكن الاعتماد عليها مع كلا الفريقين.

إذن “فالمتربص” فائز على جميع الوجوه، ومنتصر دوما ولكن بلا حرب (على طريقة الرئيس الأمريكي نيكسون).

 

 

عمليات فتح خوست

 

الإثنين أول رمضان 1411 ـ (17 مارس 1991):

في هذا اليوم بدأت عمليات “فتح خوست”. كان يمكن أن يبدأ حقاني العمليات قبل ذلك بعدة أيام بعد أن صار كل شيء جاهزا، ولكنه فضل الاستفادة من الأجواء الروحانية في شهر رمضان، حيث تكون معنويات المجاهدين في أعلى درجاتها.

 

حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو معاً:

منذ عدة أشهر والمجاهدون ـ والعدو أيضا ـ يتوقعون هجوما رئيسيا ينطلق من الطرف الغربي لجبل تورغار. واستعد الجميع لذلك استعدادا كبيرا ـ المجاهدون والعدو معاـ حتى إن العدو استدعى قوات خاصة عالية التدريب ومزودة بصواريخ سلكية حديثة، سوفيتية الصنع مضادة للدبابات. وحشد عددا كبيرا من قواذف الصواريخ المضادة للدبابات. هذا إضافة إلى الحشد المدفعي الموجه على هذا المحور تحديدا.

ماليزي مفاجأة معركة الفتح ـ والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات في ماليزي كان البدو متواجدين منذ عدة أشهر في خطين:

الأول سلسلة جبال على بعد أمتار من الخط الأول الجبلي للعدو.

والثاني خط إسناد خلفي على بعد نصف كيلومتر خلف مجموعة تباب منخفضة لكنها توفر مواضع ممتازة للأفراد والهاونات.

العيب الكبير في ماليزي كلها كان عدم توفر الماء، فكان البدو يرسلون سيارتهم إلى قرية “لاكان” للتزود بالماء من نهر شمل هناك.

الطريق كان طويلا وصعبا عند المطر وخطر أحيانا. قَدَّرْنا وقتها أنه إذا اشتدت العمليات وتعذر تزويد مراكز البدو بالماء فقد ينسحبون من المنطقة فتكون كارثة. فقررنا حفر بئر ماء لهم على نفقتنا. وشرعت إحدى شركات “وردك للحفريات ” في العمل بهمة. ولكن وصل الحفر إلى عشرين مترا ولم يعثروا على الماء وبدأت المعارك، وبسرعة وصل البدو إلى نهر شمل من مناطق قريبة منهم في ماليزي.

كان الشاب البدوي الشجاع (الحاج محمد أفريدي) وقت العصر قد أعلن ساعة الصفر للعدو أثناء حملة من الشتائم والتحديات على جهاز المخابرة، لا يقطعها سوى فاصل من نيران مدفعه “الدوشيكا” أو هاونات العدو ورشاشاته. ومن حسن حظ المجاهدين أن العدوّ لم يلق بالا إلى تهديدات الشاب الشجاع واعتبرها (إحدى حماقاته)، كما كانوا ينظرون إلى شجاعته الخارقة) ويضحكون منها ويسبوه. فطلب منهم البدوي الشجاع ألا يهربوا لأنه قادم لذبحهم في الساعة الرابعة فجرا.

ويبدو أن حقاني قد أخبر تلك المجموعة (مجموعة جولاب) بالاستعداد للهجوم على سلسلة الجبال الموجهة لهم عند الرابعة فجرا. فلم يطق “الحاج أفريدي” صبرا، وأفضى بمكنون صدره إلى جنود العدو وهو يتبادل معهم الشتائم والرصاصات.

 

 

حقاني في جبال ماليزي: التراجع ممنوع

وبالفعل.. في الرابعة من فجر ذلك اليوم تحركت قوة مشتركة من البدو (الكوتشي) من جماعة جولاب، ومجموعة أخرى من كتيبة (غوند) أبو جندل. والهدف كان الاستيلاء على جبال ماليزي.

كان الجو باردا وممطرا، وتم الهجوم بدون تمهيد مدفعي. وفوجئ العدو بالمجاهدين فوق رأسه، ففر الجنود لايلوون على شيء. وبهذه السهولة سقطت جبال ماليزي.

غادر الكوتشي الجبل وتولي رجال أبو جندل حمايتة.

عند الظهر في هجوم صاخب ساندته المدفعية والطيران استعاد جنود الحكومة الجبل في هجوم كاسح، فعصفت بالمجاهدون حالة معنوية سيئة. انتقل حقاني بسرعة إلى ماليزي واجتمع بالمجاهدين وقادة المجموعات وكان حازما في كلامه: { في هذه المعركة غير مسموح بالتراجع عن أي موقع يتم تحريره}. وقال حقاني أنه باق في الخط الأول من ماليزي إلى أن تتم استعادة سلسلة الجبال المفقودة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 33)

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (23)

حقاني يروي أسرارًا و تفاصيل

عن معارك غرب وادي خوست

 

– هاجم المجاهدون (قلعة نادرشاه كوت ) بدبابتين. وضربوا الباب والبرج بالقذائف، فخرج الجنود مستسلمين.

– جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل “دوامندو” وافقوا على الاستسلام ، وعلى أن ينْزِلوا كافة الأسلحة والذخائر من فوق الجبل الشاهق .

– أصبح لدى المجاهدىن 6 دبابات، هاجموا بها موقع “دراجي” وسيطروا عليه بسهولة، فبدأ تساقط مجنون لصواريخ سكود، وغارات طيران بالقنابل العنقودية.

– إبراهيم ـ شقيق حقاني ـ على رأس قوة من 34 مجاهد، يقعون في كمين . وخليل يصاب بعشر طلقات فشعر أن عظامه تحطمت، ولكنها لم تخترق جسمه !!.

 – أخبار سربها حقاني تسببت في إلغاء العدو لفكرة هجوم معاكس كبير .

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

مقدمــــــة

بدأ مولوي جلال الدين حقاني في تنشيط العمليات العسكرية غربي وادي خوست، وحقق نجاحات كبيرة جدا أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأرض بحيث اتصلت مناطق المجاهدين فزادت قوة، وقلت المسافات اللازمة لنقل وتموين المجموعات، والأهم أن الاتصال بين مجاهدي خوست ومجاهدي جرديز صار سهلا للغاية عبر الطريق الأسفلتي الذي دارت عليه أعنف معارك الحرب، وأخذت سيارات المجاهدين تعبره من الاتجاهين بسهولة، بدلاً عن أيام كانوا يقضونها سيراً في الجبال للانتقال من مكان إلى آخر.

معارك جلال آباد التي بدأت في مارس 1989 مع ضجة إعلامية عالمية ضخمة ، أسفرت عن خسائر فادحة للمجاهدين. وتقدموا أكثر في صحارى واسعة جعلتهم مكشوفين للطيران وضربات صواريخ سكود. وبحلول خريف نفس عام ساد اليأس بين عموم مجاهدي أفغانستان بعد شحن إعلامي دولي بأنهم سيصلون كابول بعد معركة سريعة في جلال آباد.

لهذا فإن انتصارات حقاني في خوست في خريف عام1989 كان تأثيرها المعنوي كبيرا، بانتصاراتها وغنائمها وبطولاتها، وكان ذلك مدعاة لاستمرار الجهاد ليس في خوست فقط بل ومناطق أخرى كثيرة. وغطى ذلك على نكسة جلال آباد.

الدول الغربية والإعلام الدولي سحبوا تأييدهم للمجاهدين الأفغان وبدأوا يبشرون بوقف القتال، وإحلال السلام، وحكومة مشتركة في كابول، وقتال عرقي بين البشتون والطاجيك، بدلا من الجهاد ضد الحكم الشيوعي.

فبعد معارك غرب الوادي بأشهر قليلة سيطر حقاني على جبل تورغار الاستراتيجي جنوب خوست. صحفي أوروبي كان في خوست وقتها سألني متعجبًا لقد هدأت أفغانستان .. فلماذا يقاتل حقاني إلى الآن؟

قلت له: إنّ النظام الشيوعي مازال قائمًا، وأن حقاني لن يتوقف إلا بعد إسقاط ذلك النظام، ووصول المجاهدين إلى السلطة في كابول.

 

تمرد وفرار من حصن نادر شاه كوت :

بعد سنوات أضاف لي حقاني المعلومات التالية: كانت مجموعه قد خانوا المجاهدين وتعاونوا مع الروس في حملة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق زدران، في شتاء (87 ـ 1988م).

وكان الروس وحكومة كابول قد وعدوا هؤلاء بأن يجعلوهم (ملوكاً)على المنطقة. وكان العدو أعجز من أن يحقق لهم أحلامهم، بل إنه عجز حتى عن سيطرة الطريق أو تأمين المدينة.

وبقي هؤلاء وعائلاتهم يعيشون في خوف وقلق في الطرف الغربي من الوادي قريباً من حصن دوامندو. وأرادوا أن يُكّفِروا عن ذنبهم ويحسنوا علاقاتهم مع حقاني، فسارعـوا إلى ربــط علاقات بينه وبين الضابط المسئول عن حامية (نادر شاه كوت). وهو ضابط ذو ميول إسلامية ومن قبائل وزير التي يعيش معظمها في باكستان. لم يكن من المستطاع أن يتقابل حقاني مباشرة مع ذلك الضابط، الذي أرسل رسائله عن طريق هؤلاء المنفيين من قبيلة زدران، الذين لم يحوزوا على ثقة حقاني. وربما لأجل ذلك أهمل رسائل ذلك الضابط الذي طالب حقاني مراراً بأن يهاجم (حصن دوامندوا) وأنه سوف ينسحب مع قواته من الحصن وينضم إلى المجاهدين تحت غطاء ذلك الهجوم.

حقاني لم يأخذ الأمر بجدية حتى اضطر ذلك الضابط في النهايه إلى القيام بتمرد، عاونه فيه (40) من الجنود المخلصين معه وقتل عدداً من الضباط الشيوعيين، وأحرق المخازن التابعة له في المنطقه ثم فرّ مع جنوده إلى أقرب مراكز المجاهدين إليه وهو مركز مولوي حنيف شاه. كان ذلك في شهر مارس من عام 1989م.

أي قبل سته أشهر تقريباً من الهجوم الكبير النهائي على حصن (نادرشاه كوت). واصلت جماعة زدران في المنطقه نقل التطورات إلى حقاني وتحريضه على الهجوم على المنطقه، وأخبروه  أن عدد الجنود في الحصن لا يزيد عن 30 جندياً وأن باقي القوة قد توزعت على طول الشريط الجنوبي المهدّد بدءً من دراجي وحتى ماليزي في الشرق. هذا عن خلفية الهجوم.

 

هجوم كاسح متعدد الاتجاهات :

وفي يوم الهجوم هاجمت دبابتان للمجاهدين الحصن وضربت الباب الرئيسي والبرج القائم إلى جانبه بقذيفتين، فخرج الجنود مستسلمين رافعين أيديهم في الهواء.  جبل (توراغري) إلى الغرب من الحصن، على بعد حوالي كيلومتر والأكثر ارتفاعًا من جبل تورغار العتيد ويمتاز بأشجار الصنوبر الكثيفة التي تتوج قمته وتمتد تلك الغابات الصنوبرية إلى عمق مناطق زدران إلى أن تطل على وادي جرديز إلى الشمال. هذا الجبل الهائل ظل يقاوم حتى الغروب، وكان مضيق دوامندوا قد سقط قبل الظهر، فلما أدرك المقاومون ذلك استسلموا أيضًا بدون معارك شديدة لأن المجاهدين لم يروا ضرورة لهجمات حادة على جبل منعزل تمامًا. غنم المجاهدون دبابة صالحة للعمل من حصن نادرشاه كوت، فتوجهوا بقيادة مطيع الله صوب المضيق الغربي لوادي خوست عند دوامندو متحركين على الطريق الأسفلتي القادم من المدينة.

يقول حقاني: إن أحد دبابات المجاهدين ضربت الحصن الرئيسي للقوة الواقع على يسار الطريق فإخترقت القذيفة المبنى من الطرفين. فخرجت القوة التي بداخله رافعين أيديهم في الهواء كما حدث في الحصن في نادرشاه كوت، وكان إلى جانب حصن دوامندو دبابة لم تشارك في الدفاع لكونها قد أصيبت سابقاً بعد غارة للمجاهدين على الحصن.

دارت مفاوضات من أجل التسليم بين المجاهدين أسفل جبل دوامندو وبين جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل، ولكن محاصرة إلى درجة اليأس، أسفرت عن موافقة الجنود على عدم المقاومة والنزول من فوق الجبل. واشترط عليهم المجاهدون أن يحضروا معهم كافة الأسلحه والذخائر التي في مواقعهم، وافق الجنود، مع أن ذلك ليس بالأمر الهيّن إذا استدعى صعودًا وهبوطًا متكررًا ومرهقًا للغاية. وقد وصف حقاني حالتهم بأنهم عملوا كالحمير في ذلك العمل الشاق.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

تسريب متعمد للمعلومات:

وبعد أن نجح المجاهدون في فتح دراجي فكرت الحكومة في استعاده توازنها في ذلك القطاع الغربي الذي أثر بخطورة على التوازن الاستراتيجي في كل منطقة خوست. فعزمت قيادة الجيش على إعاده احتلال المواقع الضائعة بواسطه عملية إبرار جوي أي بقوات تحملها طائرات الهيلوكبتر يكون هدفها الأول القمم الشامخة في دوامندوا على المضيق الغربي ثم توراغري إلى الغرب من حصن نادر شاه كوت وحتى الحصن نفسه كان ضمن البرنامج. وصلت الخطة إلى حقاني فأمر المجاهدين بتخريب المواقع الحكومية فوق تلك الجبال وتفجير الخنادق ومرابض الأسلحة، وقد شاهدت القوات في خوست تلك التفجيرات فوق الجبال وتعمد حقاني تسريب خبر استعداداته إلى العدو، فتراجع عن برنامجه.  وعن استشهاد مطيع الله يقول حقاني: إن مطيع الله خرج بسيارته لإنقاذ مجموعة من الرجال انفجر لغم في سيارتهم، وبينما مطيع الله ورجاله منهمكون في ربط السيارة المعطوبة بسيارتهم لجرها بعيدًا، داس أحد الرجال، ويدعى وزيرجول، على لغم مضاد للأفراد كان متصل بلغم آخر مضاد للدبابات فانفجر اللغمان.

فاستشهد وزيرجول ومطيع الله وثلاثة أو أربعة آخرين من رجاله، كما جرح في الانفجار القائد حكيم خان (الذي استشهد بعد ذلك بعدة أشهر في معارك منطقة إسماعيل خيل ).

 

حقاني يروي عن  معركة دراجي:  ( شهر صفر 1409هـ ــ سبتمبر 1989م )

يقول حقاني قائد تلك المعركة: إن السيطرة على دراجي تمت في محاولتين. المحاوله الأولى: بدأت قبل طلوع الفجر. حين تقرب المجاهدون إلى خطوط العدو ليلاً وعند الفجر هاجموا “البوسطات” “المواقع العسكرية” مع أول ضوء وكانت تدعمهم ثلاث دبابات اثنتان في الهجوم والثالثة تضرب من الخلف لحماية مؤخرة الهجوم من أي محاوله التفاف من العدو  في نفس الوقت كان المجاهدون يهاجمون موقعين هامين في نظام الدفاع عن درجي وهما موقع (سيدجي) و( موسى خان) ومع المجاهدين ثلاث دبابات أيضاً.

ولكن ذلك الهجوم لم ينجح واستطاع العدوّ أن يدمّر إحدى الدبابات المهاجمة واستشهد وجرح من فيها، فتراجع المجاهدون عن الموقعين، فانكشفت بذلك مجنبات المجاهدين المشتبكين في (دراجي) وزاد ذلك من سوء موقفهم الذي كان غاية الصعوبة. فبعد نجاح أوّلي ضد دفاعات الخط الأول للعدو، حيث عبرت الدبابات فوق ثلاث خنادق للعدو في الخط الأول وسحقت من فيها من الجنود بواسطة (الجنازير).

وبمشقة كبيرة سيطر المجاهدون على (مدينة) دراجي، وكان للعدو مواقع قريبة منها ظلت تطلق على المجاهدين نيران حامية وكذلك مواقع العدو في( سيدجي) و (موسى خان)، إضافة إلى المدفعيات من عمق دفاعات العدو كانت أقسى الأوقات هي ساعة الشروق عندما اكتشف  المجاهدون تحت أشعة الشمس أنهم مكشوفون تماماً لنيران تأتي من ثلاث جهات في أرض شبه مكشوفة وقد تحطمت كل الأبنية، ودمرت المواقع ولاشيء يحميهم من رمايات العدو، وفي ساعة واحدة سقط منهم بفعل نيران العدو 25 شهيداً وثمانون جريحاً .. وقرب نهاية اليوم وصل عدد الجرحى إلى 130 جريحاً.

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 

نكسة مؤلمة بعد انتصار كبير :

يقول حقاني: لقد كانت نكسة مؤلمة لنا بعد انتصار نادرشاه كوت. تمكن أكثر المجاهدين من الانسجاب من دراجي قبل الغروب ساحبين معهم جثث الشهداء وحاملين معهم الجرحى. بينما ظل في القرية 30مجاهداً فقط والدبابتان، وكان يقود إحداها خليل الرحمن (شقيق حقاني)، والأخرى يقودها إسماعيل التركستاني. تشاور القائدان في الموقف الصعب الذي يكابدانه، كانت الدبابتان في خطر جسيم من رمايات العدو التي لم تكد تهدأ طول اليوم. بينما كل القوة التي بجوزتهما لا تتجاوز30مجاهداً فقط أصبحوا في غاية الإرهاق وكادت ذخائرهم أن تنفذ، كانت ضخامة الخسائر التي دفعها المجاهدون حتى يستولوا على دراجي عائقاً يمنعهم من التفكير في الانسحاب ولكن لم يكن هناك أي حل آخر سوى الإبادة. فرضخوا للأمر وقرروا الانسحاب وبدون أن يتحدثوا بذلك على المخابرة حتى لاينشط العدو في شن هجوم معاكس عليهم قد لاينجو منه أحد. فحادثوا حقاني والآخرين أنهم باقون في دراجي وأن موقفهم جيد، فخدعوا بذلك العدو بل خدعوا حقاني نفسه الذي لم يكتشف حقيقة الانسحاب إلا في ضحى الغد، عندما شاهد بمنظاره المقرب جنود الحكومة يتجولون في أنحاء دراجي المدمرة.

 فاتصل مع إبراهيم وإسماعيل يستوضح الأمر فأخبراه أنهما انسحبا تحت جنح الظلام وأنهم الآن في ليجاه. وكان إسماعيل أول من غادر الموقع في دبابته قبل أن يكتمل ظلام المكان عند الغروب. كانت خسائر الطرفين عالية، فالعدوّ فقد الكثير من جنوده ليس فقط بضربات المجاهدين بل أيضاً لدخولهم حقول الألغام أثناء فرارهم. أعلنت إذاعه كابول استعادة (دراجي) وتوقف الطيران عن قصفها، وارتفعت معنويات العدو كثيراً. بينما قضى المجاهدون ثلاثه أيام عصيبة  تبادلوا فيها الاتهامات بالتقصير. وتلاوم رجال التنظيمات كل منهم يتهم الآخرين ويدفع عن نفسه تهمة التقصير. فقرر حقاني معاودة الهجوم قبل أن يتمكن العدو من إعاده بناء استحكاماته مرة أخرى.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

المحاوله الثانية:

هاجمنا هذه المرة بدباتين يقود إسماعيل التركستاني واحدة، ويقود خليل الرحمن الدبابة الثانية. وكان إبراهيم “شقيق حقاني” على رأس هجوم المشاة. كالمرة السابقة كانت دبابة تحمي المؤخرة، ودبابتان في الهجوم على “سيد جي” “وموسى خان”.

وصل إسماعيل وخليل بالدبابتين إلى مواقعهم المحددة تحت جنح الظلام. أما إبراهيم مع 34من المجاهدين فقد وصل إلى موضعه المحدد مع طلوع الفجر ثم شرع في التقدم مع ازدياد الضوء صوب خط الدفاع الأول للعدو، ولكنه فوجئ بنيران رشاشات العدو تنهمر عليه هو ورجاله فيسقط منهم 4 شهداء على الفور، ويصاب هو بحوالي عشر طلقات في جسده شعر بأنها حطمت عظامه تحطيماً.. ولكنها لم تخترق الجسد. اكتشف إبراهيم أنه وقع في كمين متقدم للعدو وأن أحد المرابض الجديدة قد أوقعه تحت جحيم من النيران جعله لايستطيع الحركة في أي اتجاه، فاتّصل بأخيه جلال الدين حقاني بالمخابرة قائلاً: لقد وقعت في حصار. فسأله شقيقه ـ أين أنت؟.. وماذا نستطيع أن نفعل لك؟ فأجاب إبراهيم وأصوات الرشاشات تلعلع من حوله: أنا في مقابل بوسطات العدو أسفل من “دراجي” أرسل لي خليل وإسماعيل بالدبابات، فبدونها لا يمكن أن نخرج من هنا. وبالفعل تحركت إليه الدبابات بسرعة ودمرت كمين العدو بنيرانها فتقدم إبراهيم ومعه 30 مجاهداً وعبروا خط الدفاع الأول ووصلوا إلى القرية وسيطروا عليها بسهولة لم يكونوا يتوقعونها. ولم تقع بهم خسائر غير تلك التي حدثت في الكمين الأول. كان المجاهدون في نفس الوقت تقريباً قد نجحوا في اقتحام موقعي (سيدجي) و(موسى خان) والذي قاد المجاهدين فيه مولوي حنيف شاه، ومعه شقيق الشهيد مطيع الله، فغنموا دبابة للعدو ضموها إلى قوة الدبابات التي ترافقهم واستخدموها جميعها ضد قوات العدو في دراجي وحولها، فبلغ عدد الدبابات مع المجاهدين 6دبابات حتى استقرت المنطقة نهائياً في يد المجاهدين. وبدأ تهاطل مجنون لصواريخ سكود، وغارات الطيران بالقنابل العنقودية. ولم يؤثر ذلك بشيء على المجاهدين.

 

 

أزمة في المستشفى .. ومجلة على خط الجبهة:

يوم الجمعة 12يناير1990  / 14 جمادى الثانية 1410هـ .

ركبت في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف متوجهة نحو ميرانشاه، مع عدد من الأطباء الأفغان التابعين للحكومة المؤقتة “حكومة مجددي” كي يديروا مستشفى ميرانشاه الذي بقي معطلاً بعد أن تركه الهلال الأحمر الكويتي إثر خلافات حادة مع المجاهدين.

وكانت الخلافات مبعثها التشدد الســلفي لأطباء تلك الهيئة وتعاملهم المتعالي مع الأفغان. صاحبني في الرحلة الضابط الشاب(أعلي داد) وهو ضابط اتصالات يعمل مع حقاني ومن نفس قبيلته.

عندما وصلنا إلى بداية المنطقة القبلية في نهاية مدينة “بنون” وجدنا سيارة بيــك آب مليئـة بالحرس قد أرسلهم حقاني لاصطحاب الأطباء إلى مدينة ميرانشاه، على بعد ساعة من بنون.  أمطرت السماء بشدة فانتقل الحراس إلى الركوب معنا داخل سيارة الإسعاف التي صارت مثل علبة السردين المسلحة بأشواك من بنادق الكلاشنكوف.

توقفت السيارة أمام المستشفى وكان البرد والمطر قد فرض حظراً للتجول في الساحة المقابلة والطرق المحيطة، فلم أتبيّن، كما هي العادة، شدة المعارك من حجم ازدحام الناس والسيارات أمام بوابة المستشفى.

توجهت بسرعة إلى بيت العرب، وهي مضافة من طابقين تحتوي الكثير من الغرف، سألتهم بلهفة عما لديهم من أخبار الجبهة، فأكدوا لي فشل الهجوم على تورغار وأن تفاصيل بــاقي المعارك مازالت مشوشة.

توجهت بعدها إلى”المكتب الثقافي” وهو غير بعيد عن بيت العرب ويفصل بينهما ساحة متسعة نسبياً وحولها أكداس من البيوت المتراكمة في قبح معماري نادر المثال. وقد ملئت الطرقـات بالأوحال وبرك من مياه الأمطار، وهو ما يجعل السير في الطرقات الضيقة، والمسقوفة أحيانا، عملية عسيرة. ولكن الميزة الوحيدة لتلك الأوحال والبرك أنها تخفي الصفوف الممتدة على مجنبات تلك الطرق مع ما يحط عليها من أسراب الذباب السـمين والكسول، الذي لا يتحرك إلا تحت وطأة التهديد الجدي.

من المفروض أن تكون لمجلتنا الجديدة غرفة خاصة في الطابق الأرضي من ذلك البيت الواسع والذي تشاركنا فيه الإذاعة ومكاتبها، وغرفة ضيافة واسعة في الطابق الأعلى تحتوي على”متحف” من مخلفات معركة جاور فيه قطع من معدات وملابس وأوراق رسمـــية لجنود سوفييت وكوماندوز أفغان قتلوا في تلك الحملة.

إضافة إلى خريطة كبيرة مجسمة للقطــاع الجنوبي من الجبهة يظهر فيه جبل تورغار. لم يكن أحد من أفراد طاقم المجلة موجـوداً في المبنى، بل إنّ أكثر الناس كانوا فعلاً داخل الجبهات. نمت وحيداً في إحدى الغرف البـاردة، ولكنها كانت مليئة بالأغطية، فوضعت فوقي كومة منها، وما أن شعرت بالدفء حتى رحت في نوم عميق.

 

 

حقاني يودع الشهداء في مقبرة ميرانشاه:

(السبت 13 يناير 1990 / 15 جماد الثانية 1410)

منذ الصباح الباكر بدأت في تحري أخبار الجبهات فعلمت أن الهجوم على تورغار قد فشـل، وأيضاً الهجوم على إسماعيل خيل الذي جرح فيه 65 من المجاهدين. ومن قادة الهجوم جرح حنيف شاه، صديقي القديم، واستشهد زميله حكم خان. كانت الأخبار سيئة والوجوه متجهمة. ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتي للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل حاجي إبراهيم مساعدي في العمل  بالمجلة. وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة “زورمات” في قرية “شاهي كوت”. وعمله الرسمي معي في المجلة مترجماً، وكان شاباً دمث الخلق ذكياً وشجاعاً محبوباً من جميع الأفغان، لذا فقد ساعدني كثيراً سواء في شؤون المجلة أو في العمليات التي اشتركنا فيها معاً، كما سنرى.

حضر حاجي إبراهيم صباحاً، وكان كل منا سعيداً بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه خبراً جديداً عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذي غمر الجمــيع.  فخرجنا سوياً إلى السوق لنشتري بعض احتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة.

اشتريــت عشرة أفلام ملوّنة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبي دوماً كاميرا صغيرة من طراز حديث، وفي أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهي أيضاً من نوع حديث ولكنها كانت أمانة عندي من صديق.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقاني سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديداً حول المقبرة، التي ازدانت مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عدداً منهم من أفضل أصدقائي القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصري، ومولوي أحمد جول ومولوي فتح الله ومولوي شاكرين وغيرهم كثير. أما ابني خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة “ماتشز” حيث يسكن صديقي حاجي إبراهيم.

حضر مولوي حقاني وألقى كلمة مطولة في جموع المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تماماً لتعبئة الناس نفسياً، ورفع معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوي الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة، وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسي. قليل منهم يبكي أثناء تلك المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسي كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات متعمداً، بل أفضل أن أراقبها وحيداً من على بعد حتى أدع عواطفي تنساب على سجيتها بدون اعتبار لتواجد الآخرين، فمن المخجل للرجل أن يراه أحد حين يبكي.

ذهبت مع إبراهيم قبل العصر إلى مضافة حقاني الملاصقة لمنزله، وكانت عبارة عن صالــة

كبيره للضيوف، أحد أطرافها يمكن فصله بواسطة ستارة سمكية فيصبح غرفة صغيرة منعزلة تحف جدرانها المقاعد وتتوسطها طاولة صغيرة عليها تلفزيون وفيديو، فهي إذن صـالــة عرض الأفلام التي التقطها عدد من المصورين التابعين لحقاني أثناء المعارك. في الطرف الآخر من البهو المتسع هناك باب يفضي إلى غرفة صغيرة بها سريرين وعدد من المقاعد وهي مخصصة لكبار الزوار ومرفق بها حمام خاص.

وللمضافة حديقة متوسطة الحجم، معتني بها، ومحاطة بحاجز من الأسلاك لحمايتها من أطفال  العائلة، الذين يتسللون إليها دوماً فيتعرضون إلى زجر الحراس والأقارب، ولكن زهور الحديقة تدفع الثمن غالياً بوصول هؤلاء الأطفال إلى المضافة.

قابلنا الشيخ في المضافة الكبيرة الخاصة بالضيوف، وكان برفقته أخواه إسماعيل، وخليــل الرحمن الذي كان مصاباً في كفه على أثر المعارك الأخيرة. لم أتمكن من الحديث مع حقاني الذي تجهز للتحرك إلى “باري” وطلب مني أن ألقاه هناك.

غادر حقاني المضافة وكذلك معظم الحاضرين، وبقيت مع إبراهيم لاستكمال الحديث مع بعض من حضروا المعارك الأخيرة. وكان منهم مصطفى اليمني الذي كان مع مجموعته اليمنية في طرف إسماعيل خيل، وكان منهم أبو محمد السوري أحد أفراد المجموعة القيادية في جماعة أبوالحارث. ( وكان في مركز أبو الحارث في الطرف الغربي لسلسة جبل تورغار).

ذلك المركز عبارة عن عدد من المغارات ضيقة المدخل وبعضها متصل من الدخل بقنوات ارتباط، وفتحات المغارات مواجهة للغرب، وذكر أبو محمد أن صاروخ من راجمة BM41 قد أصاب موقعهم فقتل رامي الهاون وزميله.

أما مصطفى اليمني وكان يقود مجموعة مدعومة من بعض شيوخ اليمن من بينهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني، فقال بأنه ومجموعته قد شاركوا في الهجوم الذي بدأ في السادسة صباحاً على قرية إسماعيل خيل وبدون تمهيد مدفعي حتى تتحقق المفاجأة للعدو.

وقال بأنه مع ارتفاع الشمس كان المجاهدون قد حوصروا بالميليشيات، وفي البداية هرب الرجال من القرية، وبقيت النساء تدافعن بشراسة حتى أن بعضهن كنّ يستخدمن مدافع الهاون من داخل أسوار البيوت.

كما أن طائرات الهيلوكبتر هاجمت المجاهدين بشجاعة كبيرة، وقال إن مدفعيات المجاهدين تدخلت وقصفت المراكز الخلفية لمدفعية العدوّ. وذكر أيضاً أن عدد الشهداء كان خمسة فقط والجرحى كانوا 75 جريحاً. ولم يكن لديه تفاصيل أكثر من ذلك.

ولكن جريدة “المسلم” الباكستانية ذكرت في عددها اليوم أن هجوماً للمجاهدين بهدف الاستيلاء على مدينة خوست قد فشل، وأن جرحاهم في ذلك الهجوم الفاشل كان156 شخصاً، أي ضعف العدد الأصلي تقريباً. في الواقع لقد انحسر كثيرًا تأييد الإعلام الباكستاني للمجاهدين، وبعض الصحف أظهرت عداءً صريحاً. لقد كانت رئيسة الوزراء “بي نظير بوتو” تكشر عن أنيابها ناصعة البياض المتلألئة خلف شفاه مصبوغة بلون الدم، وربما كان دم عبدالله عزام. من بين شهداء الأمس سائق دبابة كان يعمل مع خليل في قصف جبل تورغار من الخلف (جهة الوادي) وأثناء خروجه من الدبابة سقطت قذيفه هاون “120 مليمتر” فوق البرج فقتل السائق في الحال وأصيب خليل الرحمن في كف يده.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23