جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد ( 156 ) | جمادى الآخير 1440 هـ / فبرابر 2019 م .            

23/02/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 6 )

– مغامرات مع المجموعة الأولى من المتطوعين المسلمين فى أفغانستان .

– طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب ، وتدمر مواقع العدو المقابلة لنا .

– حقانى فى قرية شاهى كوت يجهز لفتح قرية تعمير فى وادى زورمات فى أهم مواجهة مع السوفييت فى ولاية باكتيا .

– حقانى يُجْرَح فى معركة تعمير مع  40 مجاهدا ، لكن فكرة فتح المدن ترسخت لديه ، أما قابلية السوفييت للهزيمة فقد أصبحت من البديهيات .

– دبابات ورشاشات ثقيلة وملابس شتوية وأطعمة ، من غنائم معركة تعمير فى الوقت الحرج لدخول الشتاء .

– التوجه صوب خوست : كان التحول الإستراتيجى الأهم فى مسيرة حقانى العسكرية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

مجموعات المتطوعين المسلمين كانت موضوعا حساسا فى الحرب الأفغانية ، وأصبحت أكثر حساسية بعد نهاية الحرب وإنقلاب الغرب والعرب على هؤلاء المتطوعين ، الذين تحول الكثير منهم إلى منحى أكثر عنفا وتطرفا فقهيا . وذلك موضوع هام للغاية مازال يكتب فيه الكثير من الآراء المتضاربة التى يخضع أكثرها لحسابات ومصالح سياسية وإقتصادية ، حيث أن موضوع” الجهاد الإسلامى” بعد أن إختطفته أيدى غير إسلامية صار عاملا مؤثرا فى النظام الدولى ككل.

حقانى كان الأكثر نجاحا فى التعامل مع تلك الظاهرة وأول من إحتك بها وسخرها بشكل إيجابى ، كانت الظاهرة يدة تماما على الأفغان ، والعرب  والمسلمين . وكان الجميع يراقبون بدهشة فى محاولة للتبع والفهم .بالغريزة القتالية الحادة تمكن حقانى من إدراة من قدم إلية من المتطوعين من جنسيات مختلفة ، وتمكن من إسخراج أفضل مالديهم من عطاء قتالى ، وقد كان كثيرا متدفقا بسخاء مع دماء شابة قدمت من أجل التضحية فقط

 

مغامرات مع أول مجموعة جهادية دولية :

ــ  وكنت مع رشيد والشباب الباكستانيين الذين معنا وعددهم حوالي خمسة أشخاص تقريبا .

 كنا جميعا مرشحين بجدارة كي نكون ضمن تعداد القتلى في ذلك اليوم . إذن لخسرت أفغاستان أول مجموعة (دولية) من المتطوعين المسلمين ، ولا أدري كم كان ذلك سيؤثر على مسيرة  الجهاد الطويلة في أفغانستان ،  سلبيا أم إيجابيا، فالمهم أننا لم نقتل . وفي الواقع أن الصاروخ (سام7) قد وضعنا جميعا في مأزق خطير فقد حملنا الصاروخين ، وتسللنا إلي سفح جبلي منبسط مواجه لسهل جرديز ، وكمنا لمروحيتين (مي ـ24) كانتا تصبان  الحمم على الخط الأول للمجاهدين . كان أحد الصاروخين جاهزا للإستخدام وكان رشيد هو الذي يحمله وكنت أقوم بدور مساعد الرامي  ، بينما الشباب الآخرون يحملون الصاوخ الثاني ويقومون بالحماية من قريب . كما ذكرنا مر صاروخنا مرور الكرام من خلف ذيل الهيلوكبتر الأخيرة . فواصلت الطائراتان سيرهما إلى نهاية الوادي وإنحرفت الأولى عائدة إلى المدينة أما الطائرة الأخرى فقد إستدارت راجعة نحونا . توجست شرا من تلك الإستدارة ، أما رشيد فقد جن جنونه وإنتابته عصبية شديدة حتى أنه فشل في تركيب البطارية الخاصة للصاروخ الثاني . وهي عادة تركب بسهولة.

 ونتيجة للعصبية إستعصت، فتجمع الشباب حول الصاروخ ولكني طالبت بمغادرة المنطقة بسرعة . رفض رشيد ورفض الآخرون ، بل أنهم أعطوني بنادقهم حتى  يتفرغون لهذا الصاروخ وبطاريته المشاكسة. كان تكدسا خطرا ومحزنا. حلقة من الشباب تصارع صاروخا كأنه بغل جامح . لم أرفع نظري عن الهيلوكبتر وبات واضحا ـ لي فقط ـ أنها  تتوجه إلينا . ومن جانبي أرسلت إلى المجموعة بيانات مقتضبة وتحذيرات ولكن لا مجيب . مسحت المنطقة بعيني لإختيار المكان المناسب كى أتواجد فيه خلال الأزمة القادمة لا محالة بعد ثوان .

 وعدت بنظري إلي الطائرة. وخيل إلي أن نظراتي إلتقت بنظرات الطيار ويالها من نظرات ، إن أحدنا على وشك أن يقتل الآخر ، ولن أكون أنا سوى القتيل .

 لم أرفع نظري عن خصمي وأنا أصيح في جماعتنا بصوت كالرعد ولكن بلغة إنجليزية سليمة  (إجرى)!! . وتابعت القول بالعمل وجريت في إتجاه متعامد على خط إقتراب الطائرة ـ ولا أدری هل كان ذلك بناء على تفكير سليم مسبق أم أن قدماي قد إكتسبتا خبرة ـ إضافة إلى غريزة فطرية قوية  في الهروب السديد وإختيار المكان المناسب في الوقت المناسب . تحركت بسرعة لا بأس بها إذا وضعنا في الإعتبار أنني كنت صائما كما أنني كنت أحمل على كتفاي بنادق المجموعة كلها تقريبا . أما باقي المجموعة  فقد تحركوا إلي أعلى السفح حيث كتلة ضخمة سوداء من الصخور ، لقد غامروا بالتحرك في نفس خط تحرك الطائرة ، ولكنهم نجحوا في الحصول على مكان أفضل من الذي فزت به . فقد وجدت نفسي محشورا في شق ضيق حفرته مياه السيول وعمقه أقل من قدم ولكنه طويل جدا ومتعرج .

ولمدة عدة قرون وهي المدة التي تخيلتها للمعركة غير المتكافئة بيني وبين الهيلوكبتر وكانت معركة من جانب واحد كما هو واضح ..معركة صراع بقاء ومنافسة بين أفضل تكنولوجيا عسكرية في عالم طائرات الهيلوكبتر وبين غريزة الإنسان في التخفي والإختباء النابعان من حب  البقاء . لقد تغطيت بالرداء الأفغاني (الباتو) وحاولت المناورة بالزحف وتغيير مكاني بين كل زخة نيران ترشقها الطائرة على جانبي الحفرة . وبعد كل تغيير أتلقى عددا آخر من الزخات كدليل على أن رامي الرشاش يراني بوضوح كامل . ومن حسن الحظ أن هذا الطيار (الحاقد) كان قد أفرغ صواريخه جو/ أرض في رماياته السابقة على مجاهدينا في الخط الأول، وإلا فإنني وإخواني عند الصخرة كنا قد فزنا بمنازل الشهداء في يوم الثالث من رمضان عام 1401هـ ، وياله من يوم مبارك، ولكننا لم نكن في المستوي اللائق لنيل درجة الشهادة ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم جاء بعده حتى لحظتنا هذه.

 نجحنا في مغادرة المكان بعد إنصراف الطائرة التي أفرغت كل مخزونها من الطلقات حتى أصبحت خالية من الذخيرة . ولكن لم نلبث أن وقعنا فی ورطة مع القصف المدفعي حتی عادت الطائرات بعد ساعة أو أكثر .

ولكن القوات الحكومية تجمدت في أماكنها ثم تراجعت تماما بعد العصر . وحامت الطائرات النفاثة فوق مواقعنا لكنها لم تشارك في الإحتفال لسبب مجهول . وهكذا فشلت التكنولوجيا ـ متمثلة في صاروخ سام7 ـ في أن تتوائم معنا . وتكرر ذلك معنا في السنوات التالية مع أجهزة أخرى ومناسبات مختلفة. ولم تمض سوى أيام حتى إكتمل الدرس أمام أعيننا ، وظهر سلاح آخر ـ ضد الطيران أيضا لا يعتمد على التكنولوجيا ولكن إعتمد على عوامل غيبية نعجز عن فهمها . ولنضع هذا الحادث  إلى جانب حادثة (سام7) ثم نقارن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب !!.

في التاسعة صباحا من ذلك اليوم الرمضاني المشرق كان جميع من في المركز نائمين،حيث لا نوم تقريبا أثناء الليل . كنا في خيمة أعلى الجبل  . صوت الطائرة النفاثة المنقضة فوق الخيمة أثار فزعنا ونقمتنا .

 أحد المجاهدين دخل الخيمة غاضبا وإستل مسدسه وأطلق عدة طلقات في أعقاب الطائرة ، فلم أتمالك نفسي من الضحك . وحتى الآن أبتسم كلما تذكرت الموقف . دارت الطائرة وهي تتمايل حول قمة جبلنا ولكن على إرتفاع مناسب ربما تفاديا لمسدس صديقنا.  إنصرف الطيار بعد أن إستعرض مهارته في إغاظتنا . إختفى ولم يرم علينا قنابله رغم أننا لا نشك في أنه رآنا . لعبت الوساوس في رأسي وسألت رشيد عن رأيه فيما حدث ، وبالأحرى فيما سوف يحدث .

وجدته هو أيضا في قلق ويتوقع شرا . فإقترحت أن نفعل شيئا تحسبا للأمر.  من أعلى الجبل (الحائط) نزل بسرعة رجل يحمل رسالة من رشيد إلي المجاهدين في المركز بالإنتشار وتجهيز الدوشيكا للطوارئ . وبعد عشرين دقيقة تماما من إختفاء الطائرة الأولى ظهرت ثلاث طائرات واضحة الفخامة ذات لون رمادي ـ على غير عادة الطائرات الشيوعية ذات اللون الفضي ـ تعرف رشيد على الطائرات بأنها من طراز (ميج ـ 23) .

مرت الطائرات من فوق خيمتنا البيضاء ثم شكلت حلقة تدور حول قمة جبلنا . لم يعد هناك مجال للتخمين ، لقد جاء (الكبار) للقضاء علينا . لم تكن الطائرة الأولى سوى صبي شقي نقل الخبر إلى إخوانه الكبار . كل من يحمل سلاحا منا أطلق في إتجاه الطائرات، نعرف أننا لن نصيبها ، ولكننا سوف نقتل على أية حال..  هكذا تصورنا .  كمن رشيد مع صاروخ سام7, ولكني لم أكن مستعدا لتكرار المأساة ورأيت أن الكلاشنكوف أكثرمصداقية، وبدأت في إستخدامه ضد الطائرات .

 بعد عدة دورات إختفت الطائرات الثلاثة في إتجاه الغرب ، ولعدة دقائق حبسنا فيها الأنفاس، فنحن على يقين بأنهم سوف يعودون ولكن كي يقصفونا مباشرة بلا أي لف أو دوران .

وأخذت أتلو كل ما أعتقد أنه ينفعني عندما ألقى الله بعد دقائق معدودة . سمعنا صوت طيران بعيد نسبيا ثم تكبيرة هائلة من القمة القريبة يطلقها مجاهد أخذ يتقافز طربا،صائحا (زنده باد إسلام)، ثم صوت إنفجارات تأتي من جهة الوادي. أسرعنا إلى القمة القريبة فكان منظرا لا يصدق . الطائرات الثلاث التي نتوقع أن تقصفنا تقوم بعمل غير معقول !! إنها تقصف مواقع العدو على جبل(جوجارى) على بعد حوالي عشرة كيلومترات فدمرتها شر تدمير . كانت مواقع العدو تستخدم للترصد وحماية المدخل الشرقى للوادي ، فالجبل منيع ومرتفع ويقع معظمه في الوادي بحيث يسهل الدفاع عنه وتموين قواته.

كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عملية قصف جوي بهذا الجمال. كان منظر الطائرات رائعا وهي تدور ثم تنقض على هدفها ثم أعمدة الدخان والنار تتصاعد من الإنفجارات ، وما أن تفرغ طائرة من إنقضاضها حتى تتبعها الثانية ثم الثالثة .

ولا يمكن تصور حالة الذعر التي أصابت القوات الشيوعية فوق الجبل ، لأن آخر ما كانت تتوقعه هو أن تتعرض لقصف جوي . وقد وصلتنا في اليوم التالي معلومات عن خسائر العدو

وأقل ما توصف به أنها كانت فادحة . ذلك هو العامل  الغيبي الذي لم يحطم طيران العدو ، بل حوله إلي العمل لصالحنا .

ولم أشهد حادثا مثل هذا بعد ذلك . ولكن شاهدت فيما بعد كيف مكننا الله من تدمير طائرات العدو وهى على الأرض (أى وهى فى أضعف حالاتها) ، ولذلك قصص أخرى .

لم نلبث إلا عدة أيام حتى تحولنا إلى شاهي كوت وهي قرية ساحرة جنوب وادي زورمات ومقابلة تماما لمركز تعمير ـ الهدف القادم للمجاهدين ـ  شاهي كوت قرية جبلية ولكنها وفيرة المياه وأشجار الفاكهة وذات جمال يطول وصفة ويطول وصفها . ويمكن القول أنها إحدى الجنات المجهولة التي تزخر بها أفغانستان. بيوتها جميعا طالها الدمار الكامل أوالجزئي . كانت أشجار التوت والمشمش تملأ الطرقات الضيقة وأفنية البيوت المهجورة .

وكميات هائلة من الثمار مطروحة أرضا لا تجد من يلتقطها . وجدنا في القرية أسرة واحدة فقط . مجاهد واحد مع زوجته وطفل وطفلة، كلاهما تحت السادسة من العمر يقفان في ذهول وسط الطرقات المقفرة ، والحقول المليئة بالأعشاب البرية الموحشة.

كان منظر الطلفين لا يقل وحشة وحزنا عن منظر القرية المدمرة . تخيلت هذا المكان قبل الحرب وكم كان مرح الأطفال وسعادتهم في وسط كل هذه الأشجارالمثمرة الظليلة وجداول الماء التي تروي العطش ولا يرتوي منها النظر . تخيلت أطفالي لو جاءوا معي إلى هذا المكان. تبسمت لهذا الخاطر كم ستكون صعوبة أن أجمعهم مرة أخرى من فوق الأشجار وجداول الماء ، وحتى من الحقول المهجورة ذات الأعشاب الوحشية .

زارنا مولوى جلال الدين في القرية وعقد جلسة شورى موسعة مع مجاهدي المنطقة وما تبقى من السكان ، وأخبرني عن وفد ذهب إلى باكستان كي يقنع أهالي شاهي كوت بالعودة التدريجية على أن يعود الرجال أولا مع بعض النساء لزراعة الأرض. أفلحت مجهودات التشبث بالأرض لفترة محدودة ثم إنهارت للأسباب التي ذكرناها .

وقد عدت مرة أخرى إلى شاهي كوت عام 1988م ، ولم أجد فيها سوى المجاهدين فقط وبدون أثر لحياة مدنية للسكان . إنها سياسة الأرض المحروقة ، و تفريغ الأرض من السکان ، والتي تكاتف على تنفيذها السوفييت وقادة الأحزاب في بيشاور مع (منظمات الإغاثة الإنسانية) بسياساتها الخبيثة . بالتدريج بدأت تتضح فكرة الهجوم على مركز تعمير. وكما ذكرنا فإن الروح المعنوية كانت في قمتها . فضربات المجاهدين ناجحة بإستمرار والمبادرة العسكرية في يدهم دائما ، والعدو في حالة إحباط وهجماته فاشلة ، وسلاحه الجوي يبدو كأنه فقد تأثيره حتى تعود الناس على الإفلات منه وتحمل تواجده كضيف ثقيل … ضار أحيانا. عقدت العديد  من جلسات الشورى داخل بيوت شاهي كوت المدمرة، تمتعت خلالها بأكل أكبر وأشهى كمية من فاكهة المشمش والتوت . كنت مسرورا أكثر من أي شخص آخر، ليس من أجل الفاكهة فقط ، ولكن لكوني أرى إتحادا حقيقيا بين المجاهدين ، إتحاد يتخطى القبيلة والحزب. لم أكن واهما في ذلك فقد أثبتت معركة تعمير أن ما كنت أراه كان حقيقة.

فالمعركة كانت أكثر من رائعة ، وكانت أكبر تحدي للسوفييت في باكتيا . القتال كان في منتصف وادي زورمات فسيح الأرجاء ، حيث الغلبة العسكرية لمن يسيطر على الجو ويمتلك الدبابات . المعركة أثبتت العكس . الكفة كانت (للمسلمين المُتَحِدين) الشجعان الفدائيين . تجمع قادة المجموعات في أيام وليالي رمضان يتناقشون ، وتجمعت الإمكانات وكانت الحصيلة مذهلة بمقياس ذلك الوقت. تجمعت لدى المجاهدين ست دبابات إضافة إلى عدة مدافع ميدان عيار 122مم ومدافع جبلية عيار 76مم .إضافة إلى عدد كبير من المجاهدين شاركوا في الهجوم. لقد تأخر الإتفاق كثيرا ولم تنفذ العملية إلا بعد عيد الأضحى. وإنتهاء جميع المناسبات الدينية التي تستدعي إجازة إجبارية من العمليات، لذلك لم أستطع حضورها.  وأبلغني رشيد بنتائجها تليفونيا. كما تلقيت رسالة كتابية من حقاني حول نتائج المعركة. بعثت بها إلى جريدة الإتحاد مع شرح موجز لأهمية نتائج المعركة والتحديات الخطيرة التي تمثلها.

لقد تركت تلك المعركة تأكيدا في نفوس من خاضوها بأن الروس قابلون تماما للهزيمة. وهي نتيجة كان من العسير إقناع الناس بها، فبقيت حكرا على المقاتلين فقط . لذلك إختلفت كثيرا حسابات خطوط القتال مع حسابات بيشاور والمتعاونين معها . وأظنني تبنيت وجهة النظر الأولى وتصادمت بشدة مع معتنقي الرأي البيشاوري . كونت رأيا مفاده أن المساعدات يجب أن تصب مباشرة في الداخل وأن يتواجد المتطوعون العرب هناك ، كي يقوموا بمهمة مزدوجة . فمن جهة يساعدون على إقامة إتحاد حقيقي بين المجاهدين الحقيقيين ، ومن جهة أخرى ينظمون أنفسهم ويقاتلون إلى جانب إخوانهم الأفغان. وكنت أرى أن دور الإخوان المسلمين مازال ضروريا لتنظيم العمل العربي نفسه .

 

 

عن معركة تعمير(1981 ) مرة أخرى :

إستمرت المعركة خمسة أيام متواصلة . حوصر فيها الموقع ، وحاولت قوة عسكرية من جرديزالقريبة أن تفك الحصار فأوقعها المجاهدون في كمين ودمروها .إستمرت المعركة أربعة أيام إضافية فتح فيها المركز.

 وأمامي الآن قائمة الغنائم وكانت :

دبابتين سليمتين من طراز (تي ـ54) ــ ومدفعين من عيان 76مم ــ مع 3 رشاشات ثقيلة  من طراز دوشكا . و 7 صناديق قنابل يدوية و 122 ألف طلقة كلاشنكوف و 6 رشاشات خفيفة. مع عدة سيارات محملة بالأغذية والملابس الشتوية(كان الشتاء على الأبواب).

وقد جرح حقاني في هذه المعركة ومعه 44جريحا آخر .

أما عدد الشهداء فكان ثلاث عشر شهيدا . إستمر المجاهدون في وادي زورمات أكثرمن شهرين ـ قبل وبعد العمليات ـ وقطعوا تماما الطريق بين جرديز وغزني وقطعوا أيضا إتصال جرديز مع كابل . أي أن جرديز قضت فترة من الحصار البري الكامل . وفشل الروس في تطهير وادي زورمات الفسيح طوال عدة أشهر بل فشلوا في صد هجمات المجاهدين على مواقع رئيسية في ذلك الوادي وفي مقدمتها  مركز تعمير . هل كان ذلك يعني شيئا آخر سوى أن السوفييت ليسوا سوى نمور من ورق وأنهم قابلون للهزيمة ؟ ..لقد ولدت فى تعمير وترعرعت فكرة فتح المدن الكبيرة ، وبعد أن كانت طيفا شاحبا قبلها ، أصبحت بعد تعمير فكرة معقولة . لم تبارح تلك الفكرة الطموحة ذهن جلال الدين حقاني. وسوف نتحدث عن نمو تلك الفكرة وتطورها في برامجه العسكرية حتى حقق أكبر إنجاز عسكري في حرب أفغانستان متمثلا في فتح مدينة خوست . هذا الكلام يتعلق كثيرا بما ذكره محمد يوسف في كتابه فخ الدب وإدعاءاته كضابط مخابرات ـ بأن أفكار الدفاع الثابت عن القواعد الإستراتيجية للمجاهدين كانت فكرته ، وأنه ساند مشروعا للهجوم على خوست عام 1985م قام به المجاهدون ولكنه تكلل بالفشل . وسوف نتعرض لكل ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

التحول الإستراتيجى الأهم:   التوجه إلىى خوست .

من أهم التحولات فى العمل العسكرى لحقانى كان نقل ثقل عمله العسكرى من جرديز عاصمة ولاية باكتايا إلى منطقة خوست الحدودية والتى تضم أهم المراكز العسكرية والإستخبارية فى أفغانستان  فى ذلك الوقت . وفرت خوست لحقانى خطوط إمداد أقصر  مرتكزة على المدينة الحدودية ميرانشاة ، وفيها سوق للأسلحة والذخائر ، مع توافر مشتقات النفط والأغذية ومقدار بسيط للخدمة الطبية ، تعاظم مع السنوات وتوافد بعض منظمات الإغاثة “الإسلامية”.

ما أن هبطت الثلوج في جرديز فى شتاء 1981حتى نزل حقاني إلى الجنوب وبدأ نشاطه العسكري في خوست ، حيث البرودة أقل قسوة ويمكن للمجاهدين العمل فيها أثناء الشتاء فتمكن من الإستيلاء على حصن (دابجي) الذي يتحكم في أحد الممرات الطبيعية الواصلة بين وادى خوست والأراضي الباكستانية .

أتاح هذا النصر حرية حركة أوسع للمجاهدين من خلال ذلك المنفذ .ولكن الإستفادة منه لم تكن كبيرة للغاية لسببين:

الأول بعده النسبي عن ميرانشاه  الباكستانية والتي كانت المعقل الصديق خلف الحدود ، حيث

الإمداد ومراكز القيادة والإدارة لمنظمات المجاهدين . والسبب الثاني والأهم أن قبائل من منطقة (ميرعلي) الباكستانية القريبة من ذلك المنفذ الحدودى لم تكن متعاونة مع المجاهدين ،وكانت تتلقى دعما ماليا وتسليحا من حكومة كابل الشيوعية .

وفي هذه الأيام ـ وقت كتابة هذه الأسطر ـ أشعربالأهمية العالية لفتح حصن (دابجي) بأكثر مما كنت أشعر به فى وقت حدوثه.

عقيد الإستخبارات(محمد يوسف) عبر في كتابه وبشيء من الإحتقار لتلك الفتوحات الحدودية .

 وقال عنها أنها كانت محببة لدى (قومندانات) ـ قادة ـ المجاهدين الميدانيين لكونها قريبة من

مراكز الإمداد داخل الحدود الباكستانية كما أنها تضمن لهم الثناء والمكافأة من الحكومة الباكستانية والسمعة العالية في الخارج عبر وسائل الإعلام . كان ما يقوله العقيد صحيحا في بعض الحالات، سوف يرد معنا ذكر بعضها. ولكن فتح  (دابجي) لم يكن من تلك الحالات. أقول … أدركت الآن أهمية تلك الفتوحات الحدودية وضرورتها لتأمين منافذ آمنة ومحمية يستخدمها المجاهدون في العبور . وقد عاصرنا في العامين الأخيرين (1993م ـ 1994م)

 مأساة المجاهدين في طاجيكستان وهم لا يجدون تلك المنافذ ، فقد إتخذ الروس من نهر جيحون (آمو داريا) عائقا طبيعيا أقاموا خلفه نقاط الحراسة والدوريات مانعين المجاهدين من

 العبور .

وخلال هذين العامين لم يكن العبور ممكنا إلا بدفع رشوات محترمة للضباط الروس ، مع وجود مخاطر دائمة أثناء عبور المجاهدين الذي يستمر أحيانا بطول ستين كيلومترا على طوال النهر وتحت ملاحظة الروس حتى ينحرف المجاهدون شمالا إلي عمق البلاد .

كانت الحدود الأفغانية دائما تستعصي على الإغلاق لطبيعتها الجبلية وطولها الذي يستحيل تغطيته . وليس الحال كذلك ـ بكل أسف ـ في حالة طاجيكستان في جهادها الراهن . لهذا لم يشعر (العقيد) بأهمية ذلك العمل، فقد وصف محاولات الروس إغلاق الحدود الأفغانية مع باكستان بأنها مثل محاولة إغلاق صنبور المياه بوضع اليد على فوهته . لقد حاصر حقاني حصن دابجي لمدة شهر ونصف  ومنع كل النجدات القادمة من خوست ودمرها.

 وفي النهاية فرت حامية الحصن في جنح الظلام تاركين العديد من القتلى والجرحى وكميات من الأسلحة والعتاد من بينها دبابتان من طراز (تي ـ 34) ومصفحة واحدة . وقد بذل جلال الدين حقاني جهودا كبيرة حتى أقنع السلطات الباكستانية بنقل تلك الدبابات عبر الأراضي الباكستانية وإدخالها مرة أخرى إلى أفغانستان عبر ممر (صدقي(أو ممر(غلام خان) القريب منه وكلاهما يؤديان إلى مناطق نشطة وحساسة عسكريا . وكان لتلك المعدات تأثير كبير في عدد من الصدامات الهامة مع القوات الشيوعية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

23/02/2019

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 5

جلال الدين حقانى 5

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (155) | جماد الأولي 1440 هـ / يناير2019 م.            

18/01/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 5 )

– الرحلة الثانية إلى مقر حقانى (1981 ) .. ملامح الجهاد تتشكل .

– حقانى : الخطر ليس من الجيش السوفييتى ، بل من غياب الوحدة بين المجاهدين .

– حقانى يتخطى القواعد العامة لحرب العصابات ، من أجل الوصول إلى القوانين الخاصة للحرب فى باكتيا.

– حقانى : موقف الجيش السوفيتى فى أفغانستان عام 1981 أضعف من موقف القوات الشيوعية قبل الغزو السوفيتى .

– حقانى المهندس الأول للطرق العسكرية فى الجبال .

– شهدنا آخر معركة من التراث الحربى لقبائل باكتيا .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

جميع السمات الخاصة بالجهاد فى أفغانستان كانت تتشكل فى سنواته الأولى ،منذ نجاح الإنقلاب الشيوعى فى إبريل 1978 وإلى عام 1981 .جميع المزايا ، ونواحى القصور ، ومواطن القوة ، ومخابئ الضعف التى تتربص بالعمل الجهادى حتى تقضى عليه .

– خلال رحلتى الثانية لملاقاة مولوى حقانى فى مركز سرانا بالقرب من جرديز ،حيث كان لقائنا الأول ، فى صيف عام 1979 كتبت فى أوراقى عن تلك الرحلة ما يلى :

كان من السهل ملاحظة حالة إنتعاش عام بالمقارنة مع الصورة السابقة عام 1979م . كان  عدد المجاهدين أكثر ومعنوياتهم أعلى ، والقرى مازالت عامرة رغم عمليات الهجرة التي تمت، ويبدو أنها كانت هجرة إنتقائية ـ أو بقاء إنتقائي ـ بمعنى أن الذي هاجر كان من الفئات الضعيفة التي لا تتحمل الحياة في ظل حالة الحرب . وبقت عناصر قوية قادرة على العمل والقتال معا.  مضى يومان ومازلنا في منتصف الطريق بين الجبال الشاهقة ، وفي أحد المقاهى المرتجله على جانبى الطريق وتسمى “السماوات” . تمددت كمن يتهيأ للإنتقال إلى السماوات العلى . لم أكد أتذوق طعاما منذ غادرنا ميرانشاه . وإلتهاب الحلق جعلني أشرب الماء بلا حساب حتى أنهكني الضعف.كان يرافقنى فى الرحلة شابان فى مقتبل العمر ، وهما من طلاب العلوم الشرعية (طالبان) وصار لهما شأنا كبيرا فيما بعد فى معارك باكتيا ضمن مجموعات جلال الدين حقانى .الأول كان (حنيف شاه) الذى أصبح قائدا ميدانيا رائعا تميز بالشجاعة والإبتكار ، وهو من قبائل تاناى . والآخر هو سيف الرحمن والذى عمل فى قسم الإمداد العسكرى لجبهات حقانى إلى نهاية الحرب . (سيف الرحمن) أحضر لي  قليلا من التوت ـ لا أدري من أين حصل عليه ـ ودفعه لي وأنا في شبه غيبوبة . ولما علمت أنه (توت) إنتابني شيء من النشاط وإلتهمته بالسرعة الممكنة ، وطلبت المزيد ، وإستبشر الفتيان وأحضرا كمية أخرى، وتحسنت أحوالي قليلا. زاد من نشاطي ما أخبراني به أننا على وشك النزول إلى الطريق العام المؤدي إلى جرديز ومن هناك سنركب شاحنة إلى مكان قريب من سرانا .

أدهشني النبأ ودفعني الفضول إلى الحركة وأنساني آلام المرض . الشاحنة الضخمة تقف إلى جانب الطريق تحت الجبل و مغطاة بعناية خوفا من الطيران .

المسافرون تحت الأشجار وإلى جانب الصخور في إنتظار موعد الإقلاع ـ أقصد الحركة ـ وكان عند إصفرار الشمس تفاديا للطيران كما يحدث تماما في العمليات العسكرية . كنت أتوقع أن تحملنا الشاحنة الضخمة ـ وهو ما حدث فعلا ـ ولكن لم أتوقع أن أحمل كميات من المتاع ومن الإخوة المسافرين فوق رأسي وقدمي وصدري ، وكل ما تيسر من جسمي حسبما تتيحه ظروف الطريق . ولكونها التجربة الأولى من نوعها فقد أنستني الدهشة سلبيات الرحلة. وقد رأيت في السنوات اللاحقة رحلات (آلية) أسوأ من تلك بكثير ، ويمكنني الآن أن أقول بأنها كانت رحلة درجة أولى رغم أن ذلك لم يكن رأيي وقتها .  تقابلت مع الشيخ جلال الدين في سرانا وكان قد مضى عام تقريبا منذ آخر لقاء لنا في أبو ظبي أثناء زيارته مع الوفد الذي ترأسه سياف .

كان أهم ما يشغلني موضوعان : الأول ما هو الوضع العسكري؟ ..وكيف إستطاعوا الصمود إلى الآن ؟ وكان قد مضى عام ونصف على التدخل العسكري السوفييتي, فهل يعتقد بإمكانية الإستمرار؟. الموضوع الثاني : ما هو رأيه في وضع (الإتحاد) الآن وهل هناك أمل في اتحاد حقيقي بين المجاهدين؟ .. وماهو دور سياف وكيف يمكن دعمه ؟ . بالنسبة للوضع العسكري كان (جلال الدين) متفائلا ويرى أنه قد تحسن عن ذي قبل ، وأن الروس لم يكونوا مخيفين إلى تلك الدرجة التي أشيعت عنهم وأن هزيمتهم ممكنة جدا لو توافرت بعض الشروط وعلى رأسها إتحاد المجاهدين في الجبهات إتحادا حقيقيا . وأن العقبة الرئيسية أمام ذلك هم قادة  الأحزاب في بيشاور ، الذين يبذلون أقصى جهد لمنع إتحاد المجاهدين في الداخل ويهددون من يفعل ذلك بمنع المساعدات ، بل ويحرضون أتباعهم في الداخل لمقاتلة أتباع الآخرين.

وهذا أكثر ما يخشاه على مستقبل الجهاد . أما السوفييت فليسوا هم المشكلة الرئيسية. هكذا كان الموضوعان مترابطان، فالتقدم على الجبهة العسكرية مرتبط تماما  بتحقيق ترابط في

المجال السياسي . والعكس يبدو صعبا، وإن كان هو البديل الوحيد  وهو أن يكون التقدم العسكري وسيلة ومدخلا لتحقيق تماسك سياسي . سواء تم هذا التماسك في بيشاور ـ أو كما خطر في  بالنا لاحقا أن يتم تماسك سياسي داخلي ،أي إتحاد سياسي بديل في الداخل ، وإلغاء دور زعامات  بيشاور ، وهذا بدوره لم يحدث مطلقا .

عن الوضع العسكري في باكتيا  أخبرني مولوى (جلال الدين) بأن الروس لم يستطيعوا تغيير الأوضاع السابقة ، وأن المجاهدين إستطاعوا إحباط محاولات السوفييت لتغيير الموازين العسكرية في الولاية . وأهم العلامات أن الجيش الأحمر فشل في توصيل الإمدادات إلي مدينة خوست من الطريق البري . سواء عبر مناطق (زدران) وهي قبائل جلال الدين، أو عبر الطريق المار في مناطق (منجل) وهي قبائل في شمال وشرق المحافظة . إن المجاهدين ـ كما يرى حقاني ـ أصبحوا أكثر جرأة على الروس. وقد ذكر مثلا لطيفا على ذلك فقال بأن هناك قولا لدى الأفغان بأن الإنسان يجب أن يحذر من الكلب الذي يرقد صامتا، أما إذا بدأ الكلب في النباح فلا تهتم به. وضحك حقاني قائلا لقد نبح الروس ، فسقطت هيبتنهم في نفوسنا.

أخبرني حقاني بأن باكستان بدأت في إعطاء بعض المساعدات للمجاهدين. وأن أسلحة صينية و مصرية قد وصلت إلى المجاهدين عن طريق باكستان وأن من ضمن هذه الأسلحة صواريخ سام7 المضادة للطائرات وأن حقاني تسلم منها أربعة صواريخ، كما تسلم عددا من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات . وقد رأيت في مركز سرانا إثنان من تلك الرشاشات أحدهما مدفع دوشكا ذو أربعة سبطانات من صناعة الصين ، ومدفع رشاش آخر زيكوياك وهو صناعة صينية أيضا .

أما المدفع البلجيكي القديم الذي كانت تنحشر فيه الطلقات فلم أعد أراه، بل أن العديد من الرجال الذين قابلتهم في العالم الأول لم يعد لهم وجود فقد لاقوا الله شهداء. غير أن وجوها جديدة في صفوف المجاهدين بعضهم شباب دون العشرين من العمر قد ظهروا في الجبهات والصفوف الأولى .  سألت عن المدافع التي تقصف جرديز فأخبرني أنها مدفعان فقط أحدهما مدفع ميدان(أوبوس) عيار 122مم  والآخر مدفع جبلي عيار 76مم . وكلاهما من الغنائم وكذلك قذائفهما.

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

الضابط رشيد :

تشغيل المدافع يقوم به ضابط باكستاني متطوع ، يشارك المجاهدين في عمليات أخرى مثل التدريب على المدافع أو الهجوم على المواقع . أما عن قصة ذلك الضابط ـ وإسمه رشيد ـ قال حقانى أنه ذات يوم بينما هو في ميرانشاه  يتهيأ لعبور الحدود إلي أفغانستان أخبره بعض رجاله أنهم شاهدوا شابين باكستانيين أحدهما يقول أنه ضابط في الجيش بينما هما يساومان البائع  في أحد دكاكين الأسلحة ، لشراء بندقيتين لهما ويطالبان بتخفيض السعر لأنهم مجاهدان في سبيل الله . أرسل حقاني رجاله لإستدعاء الرجلين وتعرف عليهما ، إنهما الرائد (رشيد) وابن أخته (وحيد) وهو شاب في المرحلة الثانوية . قدم  رشيد نفسه إلى حقاني على إعتبار أنه رائد سابق في الجيش الباكستاني إستقال مؤخرا من الخدمة لرغبته الإلتحاق بالمجاهدين ، لأنه يرى أنه يخدم بذلك باكستان  ويدافع عنها أكثر من بقائه ضابطا في الخدمة وبعيدا عما يحدث في أفغانستان، وأن السوفييت إذا لم يتم إيقافهم في أفغانستان فلن يستطيع أحد إيقافهم بعد ذلك، وأن باكستان سوف تضيع لا محالة.

تعرفت على رشيد بعد ذلك ، فقد رحلت إليه في جبال (ساتي كندو) . تحدثنا كثيرا وأعتقد أننا أصبحنا أصدقاء . وكان من أكثر من إستفدت بمعرفتهم خلال سنوات الحرب . فقد ساعدتني نقاشاتي معه في تبين الكثير من أساسيات الموقف العسكري والسياسي للحرب الأفغانية .

كان موقف القوات الشيوعية واضح الحرج وشعر الأهالي بذلك فارتفعت المعنويات وزاد عدد المتطوعين في مراكز المجاهدين .

أما حقاني فقد خطر له الهجوم على جرديز والإستيلاء عليها وقد صارح رشيد بذلك الخاطر .

والعجيب أن رشيد أيده في ذلك ، ولكنه طلب أن يضع حقاني تحت إمرته ثلاثمائة مجاهد . (القوة الضاربة التى إقتحمت خوست عام 1991 كان عددها ثلاثة آلاف مجاهد تقريبا حسب تقديرى وقتها)..وأخبرني رشيد أن برنامجه للقصف المدفعي هو تمهيد لذلك الهجوم .

والهدف من القصف هو إضعاف دفاعات العدو ومعنوياته . لم يخامرني شك وقتها بأن حقاني لو حاول فسوف ينجح . ويرجع ذلك الإعتقاد إلى قلة خبرتي من ناحية وإرتفاع معنوياتي بشكل كبير من ناحية ثانية ، ثم إنتصارات المجاهدين ضد والجيش الحكومي من جهة ثالثة، وأخيرا ثقتي في جلال الدين ورجاله المؤمنين الشجعان. فكرة الهجوم على جرديز في ذلك كالوقت كانت سابقة جدا لأوانها ، والغريب إنها خطرت على ذهن حقاني في ذلك الوقت والجيش السوفييتي مازال طازجا لم تستنزف قواه أو معنوياته وغريب أيضا أن يوافق رشيد على رأيه، وهو الضابط المحترف. على أية حال لم تنفذ الفكرة وأستبدلت بالهجوم على (تعمير) وهي قرية حديثة تستخدم لإدارة منقطة واسعة والإشراف عليها وعسكريا ، وهي في الطرف الجنوبى الغربي لجرديزعلى بعد حوالي عشرة كيلومترا ويخترقها الطريق الرئيسي الواصل بين جرديز وغزني .

كان هجوم تعمير ناجحا للغاية وقلب الكثير من المفاهيم كما سيأتي شرحه. ولكن نعود إلى فكرة الهجوم علي جرديز لكون ذلك معلم من معالم التفكير العسكري لجلال الدين حقاني ، الرجل الأهم في  باكتيا حتى نهاية الحرب ، وامتدادا لتقاليد الأبطال من مقاتلي قبائل البشتون. فقد كان للبطولة والشجاعة عند حقاني مكانة عالية جدا. فالهجوم مهما كانت المخاطر ، والثبات أمام العدو مهما كانت العواقب كانت مفاهيم قوية في ذهنيته العسكرية.  الشجاعة في الهجوم ، والثبات في الدفاع صفات جيدة بلا شك إذا إستخدمت في مكانها الصحيح . وهو ما يفعله قائد ناجح مثل جلال الدين . وبالنسبة للتعامل مع الجيوش الحديثة وأسلحتها الجديدة . تطبيق مثل تلك المفاهيم ـ من جانب قائد لحرب العصابات ـ يحتاج إلي كثير من الحرص حتى تعطي تلك المفاهيم نتائج إيجابية ولا تتحول إلي العكس. فالهجوم الشجاع بدون خوف قد يكون مفيدا للغاية، وقد يكون مدمراً وذو عواقب وخيمةعلى صاحبه. والدفاع المستميت قد يكون مفيدا مهما بذل فيه من تضحية، وقد يكون وبالا وسببا في هزيمة قاتلة.

لقد تعلم المجاهدون الأفغان كثيرا من تجاربهم .وكذلك حقانى من خلال الصواب والخطأ.

تعلم الكثير وإمتلك ميزانا صحيحا لتقدير الأمور. وبالطبع كان هناك ثمنا لتلك المعرفة،  ثمنا من  الدماء قبل أي شيء آخر . مع هذا ظلت تقاليد أبطال البشتون حية في ذهنه وسلوكه، وكذلك كان معظم القادة الممتازين في أفغانستان .

 

حقانى ، يتخطى القواعد العامة لحروب العصابات ،

وصولا إلى القوانين الخاصة بالحرب فى باكتيا .

كان لجلال الدين قرارا خطيرا ــ مخالفا لمبادئ حرب العصابات ــ حين قرر الدفاع عن مكتسباته من الأرض وعدم الإنسحاب والبدء من (الصفر) حتی لا تدمره  القوات الروسية .

كما أشار عليه بذلك الرأي الرائد (جولزراك) الذى كان مساعدا عسكريا له ـ وهو من نفس القبيلة ومدرس سابق في الأكاديمية العسكرية في كابل ـ كانت تلك المشورة في عشية إستيلاء  السوفييت على كابل. ومشورة جولزراك صحيحة فنيا وأكاديميا . ولكن وجهة نظر حقاني كانت الأكثر صحة بالنسبة للواقع الأفغاني . وقد كانت مبررات رفضه لمقترحات جولزراك كما أخبرني بعد ذلك هي كالتالي : أ ـ إن فك مجموعاتنا القتالية الكبيرة وإخفاء أسلحتنا الثقيلة في مخابئ سرية ، والعودة إلى أسلوبنا الأول في الضرب والإختفاء كان سيحرمنا من مكتسبات عامين من القتال . ولم يكن مقاتلينا ليتحملوا تلك النكسة وكانت تعني بالنسبة لهم الهزيمة والإستسلام للعدو . وما كانوا لينهضوا بعدها للقتال . وهذه نقطة هامة بالنسبة لمعرفة القائد لنفسيات مقاتليه.

فالإنسحاب الواسع كان سيؤدي إلى هزيمة معنوية وإستسلام للعدو. إذن في هذه الحالة يكون خيار القتال هو الأصوب حتى لو حمل في  طياته مخاطرا الإبادة . هكذا فكر حقاني وكان مصيبا تماما . ونستنتج من ذلك أن قواعد الحرب وقوانينها ليست مقدسة بل يمكن تعديلها أو تخطيها بل يكون ذلك واجبا في بعض الحالات الخاصة، كالحالة التي نحن بصددها الآن.

ولايمكن سوى للقائد الفذ أن يستنتج “قوانين الحرب الخاصة” والتي تتعلق بأوضاع غير عادية فى أحد الحروب، كما فعل حقاني في هذه الحالة.  لا بد من الإعتراف أن العديد من القادة الأفغان المقاتلين قد طوروا قوانين الحرب بما يناسب “الحالة الأفغانية” من حيث طبيعة الشعب فكريا ونفسيا وسلوكيا.  وكان العديد من هذه التطويرات عبقريا ، وبعضه الآخر أدى إلي كوارث لأنه  كان خاطئا . وعلى وجه العموم ظل الأفغان يقاتلون (بطريقتهم الخاصة) طوال مدة الحرب ، لذلك كان عسيراجدا على غير الأفغان من المتطوعين ـ عرب أو غيرهم ـ أن يتواءم  مع الطريقة القتالية للأفغان التي لا يمكن إستساغتها أو مجاراتها في معظم الأحوال . من أجل ذلك لجأ العرب في مراحل متأخرة إلى تكوين مجموعات قتالية خاصة، تقاتل بالتعاون مع مجموعات أفغانية ، وفي أحيان قليلة قاتلوا منفردين.   ب ـ أضاف حقاني، دفاعا عن قراره، قائلا: إن الإنسحاب مرة أخرى إلى أعماق الجبال ـ كما  بدأنا أول مرة ـ  كان سيتيح للسوفييت فرصة الإستيلاء السهل على الطرق الرئيسية التي تخترق مناطقنا صوب حدود باكستان. وبالتالي سوف يقطعون خطوط إمدادنا ويعرقلون حركتنا، ويسيطرون بسهولة علي التجمعات السكانية التي سوف تكون أسيرة لديهم ، حتى أولئك الذين  تحرروا في السنتين الماضيتين.

فإذا تحقق للسوفييت ذلك فسوف يطاردوننا في الجبال ويتصيدوننا واحدا واحدا كما تصاد الوحوش البرية . إن قرار البدء مجددا من الصفر في حرب عصابات بدائية كان سيقودنا إلي هزيمة سريعة بلا مقاومة. بينما رجال القبائل أصحاب الغيرة على الدين والأعراض كانوا سيقاتلون  باستمرار ضد السوفييت إذا نحن ثبتنا في أماكننا للدفاع .

وهذا بالضبط ما حدث فنجحنا بذلك فی إحباط المجهود العسكري السوفييتي في مناطقنا. حتى أن وضع السوفييت حاليا (1981م) أضعف من موقف الجيش الشيوعي قبل تدخل السوفييت.

ــ  هذا وسوف نمر في سردنا خلال هذا الكتاب علی التجاوزات الخلاقة لقوانين الحرب،والتی كانت بحثا ملهما عن (القوانين الخاصة) للحرب على الساحة الأفغانية ، وهو ما تحتاج إليه كل حرب عصابات ناجحة . وهي مهمة القيادة وكوادرها العاملة ،  وكل من له بصيرة في القتال . ــ إن الدفاع حتى الموت عن مكتسبات المجاهدين في باكتيا والنجاح في ذلك عام(1980م) ــ ثم القرار الطموح للغاية بالهجوم على جرديز (1981م) دليل على ترسخ أسلوب قتالي لدى القادة الأفغان البارزين خاصة حالة حقاني التي نحن بصددها .

وسبب تفصيلنا فى هذه النقطة هو إدعاءات وردت في كتاب فخ الدب الذي سبقت الإشارة إليه ـ وهو كتاب خاضع لوجهات نظر صاحبه كضابط مخابرات سابق ـ وهو لم يكن يوما، ولن يستطيع،أن يكون مجاهدا يخوض حرب عصابات عقائدية ضد عدو ساحق التفوق. فقد كان العقيد محمد يوسف مجرد العبد المأمور تحت إدارة قائده الجنرال أختر عبد الرحمن رئيس جهاز الإستخبارات الباكستانية(ISI) الذي كان بدوره عبد المأمور تحت إمره رئيسه الجنرال ضياء الحق رئيس الدولة، ويمكن أن نسترسل إلى حلقه أعلى لنقول أن ضياء الحق كان أيضاً عبد المأمور لدى الولايات المتحدة،  وإن كان كما ذكرنا ـ عبدا على وشك التمرد ـ وقد دفع ثمن تمرده ،إذ دمره الأمريكان في طائرته مع أختر عبد الرحمن وغيرهم من كبار ضباط باكستان وحتى مع السفير الأمريكي نفسه.

ـــ    لقد إدعى محمد يوسف في كتابه أنه كان صاحب فكرة الدفاع الثابت عن منطقة (علي خيل) في جاجي (معرکة 1987م) ، وعن قاعدة جاور التابعة لحقاني (معرکة 1986م). والإدعاءات نابعة من الغرور والتعالي الذي يميز رجال الإستخبارات خاصة أولئك الذين قاموا  بمهام كبيرة في يوم ما . وإدعى العميد أنه خالف بذلك القواعد التقليدية لحرب العصابات فتعرض لإنتقادات مرؤوسيه. سنتعرض لاحقا لحالتي “جاور” و”جاجي” ، وكيف أن الأسباب الحقيقية للدفاع الثابت عنهما تعود في الحالة الأولى إلى حقاني شخصيا وأسلوبه القتالي ، وملابسات القتال في باكتيا والعوامل الشخصية والقبلية فيه .

أما في حالة جاجي والقتال الثابت عنها فالذي يقف خلفها هو شخص عربي هذه المرة ، وتلك ظاهرة نادرة وفريدة في الحرب الأفغانية ،ذلك الشخص هوأسامة بن لادن .  وسوف نتعرض بشيء من التفصيل للحالتين لكونهما من معالم الحرب الأفغانية وأغناها  بالدروس المستفادة. وكما أن مكتسبات الجهاد الأفغاني سقطت في أيدي غير إسلامية،  كذلك كل الميزات العسكرية التي حدثت، تحاول تلك الأطراف أن تنسبها إلى نفسها . فالأمريكان ينسبون النصر إلى أنفسهم وأموالهم وصاروخهم العجيب (ستنجر) وحتى إلى البغال الأمريكية التي أرسلوها كي تحل مشاكل اللوجستيك لدى المجاهدين !! . أما خدمهم من الباكستانيين فادعوا بأنهم هم الذين خططوا ودربوا وقادوا . ولم يتركوا للأفغان سوى التنفيذ الذي كان مليئا بالسوءات كما يدعى كتاب فخ الدب.

{ فى مسألة إبداع وإبتكار القوانين الخاصة للحرب ، خَلَفَ “سراج الدين” والده حقانى فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى ، كرئيس للجهاز العسكرى لحركة طالبان . فأضاف إلى ميراث والده فى فنون ذلك العلم ما يتناسب مع التطورات التكنولوجية والقتالية والإستخبارية لدى المحتل الأمريكى ، الذى جعل من الحرب المسلحة واحدا ضمن مجموعة حروب مجتمعة يخوضها فى نفس الوقت على نفس الساحة . يضاف إلى ذلك التطور الهائل والنوعى فى الأسلحة ، خاصة فى سلاح الطيران والطائرات بدون طيار ، والذخائر الموجهة ، و مناظير الرؤية الليلية . فأصبح على حرب العصابات المطلوبة للمواجهة أن تتمتع بدرجة أعلى من التعقيد ، وعلى إبتكارات أعمق وأشمل مما كان موجودا فى الجهاد السابق ضد السوفييت . وإلى جانب سراج الدين حقانى ، وهو الرمز الأكبر فى المرحلة الراهنة ، كما كان والده فى المرحلة السابقة ، هناك عشرات بل مئات من القيادات الشابة الموهوبة من حركة طالبان ، الذين حشروا أقوى جيوش الأرض فى زاوية الهزيمة والعجز حتى عن الفرار }  .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

حقانى المهنس الأول للطرق الجبلية  :

الطريق الذي شقه حقاني لعبور (الحائط الجبلي) خلف مركزنا في “ساتي كندو” كان هو الآخر من الإنجازات التي لا يلتفت إليها كثيرون . وكان أول طريق”غير قانوني” شقه المجاهدون  لخدمة العمليات. وأمثال تلك الطرق أدت دورا حيويا في عمليات المجاهدين ، وكان ذلك  ظاهرا للغاية في ولاية باكتيا . وقد برع حقاني في ذلك النوع من (الهندسة)  .وكنت أعتبره  أكبر (مهندس فى باكتيا) . ليست المسألة مجرد براعة فنية ، حيث أن المعدات الحديثة لشق الطرق لم تظهر إلا في وقت متأخر جدا .

وشق طريق في مثل تلك الجبال الوعرة ليس فنيا بالشيء السهل .  والأهم من ذلك إختيار مكان الطريق وخط سيره بحيث يلبي عدة متطلبات في آن واحد . أهمها بالطبع خدمة أكبر عدد من الأهداف العسكرية، ومنها عدم إكتشافه من قبل  مراكزالعدو الأرضية ، وإذا كانت المنطقة مأهولة نسبيا فإن موافقة السكان القريبين من الطريق تعتبر ضرورية . وقد تستدعي الموافقة دفع بعض الأموال للأهالي أو الإنحراف بالطريق بعيدا عن قراهم ، أو مجرد إقناعهم بأهمية الطريق للمجاهدين . والسبب هو أن التجربة أثبتت أن الطريق مهما كان بدائيا فإنه يعتبرهدفا لهجوم الطائرات .

والقرى التي يخترقها أو يمر قريبا منها تعتبر هي الأخرى أهدافا محتملة . لقد أهدر الطيران الشيوعي ألاف  الأطنان من القنابل على أمثال تلك الطرق بدون أى نتيجة ملموسة ، لأن إصلاح الطريق أو الإنحراف قليلا إلى أحد الأجناب ـ بعيدا عن حفر القنابل ـ ليس بالشيء العسير ، حتى أن بعض الحفر الضخمة للقنابل كانت تدفن بلا مجهود بواسطة الرمال والصخور التي تحملها مياه السيول والأمطار .

والملاحظ أنه لم تكن هناك إنتصارات كبيرة خاصة في مرحلة العمليات المتوسطة والكبيرة بدون وجود شبكة طرق مناسبة من ذلك الطراز (غير القانوني) . هناك ملاحظة الإرتباط المتبادل بين كثافة العمليات وكثافة شبكة الطرق (غير القانونية) وهو إرتباط جدير بالتأمل. فقد تؤدي شبكة طرق من هذا النوع إلى إعطاء أهمية عسكرية لمنطقة لم تكن مهمة سابقا ، والعكس أيضا صحيح، فقد تتحول منطقة هامة جدا عسكريا إلى منطقة خاملة لعدم وجود طرق مناسبة بها. بل إن كثافة شبكة الطرق تؤثر في التخطيط الإستراتيجي للعمليات. فقد كان ملاحظا في معركة فتح خوست أن وجود شبكة طرق جيدة في القطاع الجنوبي من الجبال(منطقة باري) قد فرض على مُخطِطْ عمليات  الهجوم ـ جلال الدين حقاني ـ أن يرتكز على ذلك القطاع في عملية الهجوم الرئيسي على المدينة. بالطبع لم تكن شبكة الطرق هي الإعتبار الوحيد . ولكنها من أهم تلك الإعتبارات التي جعلت باري منطلقا للهجوم الأخير والناجح على خوست .

 

معالم جديدة فى موقعنا القديم :

نعود إلى الطريق غير القانوني الذي كان يربط مركزنا بالعالم الخلفي، من حيث يجيء متخطيا الحائط الجبلي الرهيب . ذلك الطريق لم يجعل الإمدادات أمرا سهلا فحسب بل جعل المناورة بتحريك المدفعية أمرا ممكنا ومذهلا للعدو بحيث كان في كل مرة تحدث له مفاجأة جديدة ، من حيث مكان الرماية ومن حيث التوقيت.

فشلت مدفعيات العدو ورماياته الكثيفة في أن تنال من مدافع المجاهدين . كذلك فشلت عدة محاولات للطيران ، حتى أنه لم ينجح في مجرد تحديد أماكن إختفائها . ولكنه تمكن أخيرا  من إرسال بعض الجواسيس حددوا له مكان المدفع بدقة ، وكان يوما غير سعيد . ويمكن تخيل ما حدث لنا في ذلك اليوم ، ولكن بفضل الله لم يصب أحد ولكن مدفعنا الثقيل  (122مم) أصيب بعدة شظايا غير مؤثرة ولكنها خدشت كرامته فتوقف برنامجه لعدة أسابيع، إستخدم خلالها الهاون غرناي (120مم) والمدفع الجبلي (76مم) وكلاهما أيسر نسبيا  من حيث المناورة خاصة المدفع الجبلي ذو العجلات الكاوتشية الذي يمكن قطره بسيارة بيكاب وحتى يمكن دفعه بواسطة الأفراد .

أما الغرناي فما زلت أعتبره من أغبى الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها رجال حرب عصابات . ولم تستخلص تلك النتيجة في أفغانستان فقط ، بل في تجارب أخرى أيضا. ولما كان ذلك المركز يعتبر الأهم والأقوى في باكتيا كلها فسوف أعدد أهم الأسلحة ـ الجديدة ـ التي وجدتها فيه مقارنة بما كان موجودا في العام 1979م .

أولا :المدفعية : – مدفع واحد أوبوس عيام 122مم روسي الصنع من الغنائم . – مدفع واحد جبلي عيار 76مم روسي الصنع من الغنائم . – مدفع عديم الإرتداد عيار 82مم صيني الصنع. – هاون غراناي عيار 120مم مصري الصنع . ثانيا: المضادات الجوية : – عدد 2صاروخ أرض جو “سا م 7″من مصر . هذا بالإضافة إلى عدد من بنادق كلاشنكوف مصرية وصينية ، بحيث أصبحت البنادق

الإنجزية القديمة من طراز (لي انفيلد) قليلة التواجد في الأيدي نسبيا . ولم تكن الدفاعات الجوية تحتوي إضافة إلى صاروخي “سام” إلا على رشاش دوشكا عيار 12.7مم روسي الصنع كثير الأعطال أيضا وكالعادة . أما هاون عيار82مم الذي كان نجم 1979م في نفس المنطقة فلم أشاهده ويبدو أنه أصيب .

كان في المركز حوالي أربعين مجاهدا ، وكنا في شهر شعبان ، لذلك كان العدد مرشح اللإنخفاض  وهذا ما حدث فعلا . وقد هاجم العدو مركزنا هجوما كبيرا في اليوم الثالث من رمضان وكان هدفه الأول تدمير المدافع وهدفه الثاني دفعنا إلي الخلف لتأمين المدينة .  ولكنه أخفق في كلا الهدفين .

 

صاروخ  سام7 تلميذ بليد :

ولكننا أيضا أخفقنا في إصابة إحدى طائرات العدو المروحية بواسطة صاروخ سام7 . والأرجح أن سام هو الذي أخفق، فقد تمت الرماية في ظروف مثالية ومسافة مناسبة تماما  ضد طائرة هيلوكبتر(مي ـ24) ومر الصارخ على بعد عشرة أمتار من ذيل الطائرة  بدون أن يبذل أدنى مجهود لمتابعتها ـ والأرجح أن جهاز الصاروخ للبحث الحرارى لم يكن يعمل ـ وفي الواقع أن معظم صواريخ سام التي أرسلت إلى أفغانستان كانت تعاني من نفس العيب. كون تلك الصواريخ قديمة ومخزنة منذ فترة طويلة ، والأجهزة الدقيقة داخل الصاروخ/ الباحثة عن الحرارة/ تتلف بعد مدة محدودة .

وعلى أية حال فإن صواريخ سام أوحت إلى المجاهدين بفكرة عبقرية وهي إستخدام القاذف المضاد للدروع (RPG7 ) ضد الطائرات الهيلوكبتر بوجه خاص.  وكانت النتائج ناجحة جدا فقد أخافت تلك القذائف الطيارين، وأحرزت نفس نسبة إصابات صواريخ (سام7).. فلم تسقط أي طائرة .{ نجاح صاروخ سام7 كان نادرا طوال الحرب ، وبالمثل قاذفRPG7 ضد الهيلوكبتر المتحركة }.

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

معركة من المتحف التاريخى للحروب الأفغانية :

كانت الحملة العسكرية ضد مركزنا من الطراز التقليدي ، وإستغرقت نهارا واحد من بعد  صلاة الفجر إلى قرب المغرب . بدأت بالقصف المدفعي الشديد على مركزنا وعلى المناطق التي سوف تحتلها القوة في بداية المعركة . وفي العاشرة صباحا بدأت أفواج من سكان القرى  تأتي للمساعدة في صد القوات الحكومية . وكان منظرا مؤثرا للغاية . فقد سمعوا قصف المدفعية الشديد وفهموا ـ بالتجربة ـ أنه هجوم واسع . فحضروا مع بنادقهم القديمة يسألون عن مكان العدو كي يتوجهوا إليه . وكان مقاتلوا كل قرية يتوجهون في كتلة واحدة صوب المكان المحدد. سكان بعض القرى جاؤا بالطبول يقرعونها  بقوة ويلوحون بالبنادق القديمة .

كانت صورة تاريخية للحروب الأفغانية القديمة محفوظة في المتحف التاريخي لأفغانستان .  كان تعداد مركزنا قد إنخفض قبل الهجوم بسبب مغادرة المجاهدين إلى قراهم ،  حسب تقاليدهم الثابتة ، فإنخفض عددنا إلى أقل من النصف. ولكن عند الظهر كان عددنا أكبر من مقداره الأصلي. كثيرون أخذوا مواقع أمامية للدفاع عن مركزنا ولم  نكن نعرف أكثرهم ، ولكن جميعهم كانوا من مناطق الجوار . كان مشهدا مؤثرا للغاية، وغنيا بالدلالات ولم أشهد مثله أبدا بعد ذلك.  بل شاهدت عكسه تماما في عام 1990م عندما توافد الناس من باكستان لنهب المدن المفتوحة

وقد ظنوا وقتها أن خوست على وشك الفتح . فجاءوا في عشرات من السيارات ومئات أو آلاف من البشر ولحسن الحظ فإن المدينة لم تفتح وقتها . لم يقتل أو يجرح أحد من أفراد مركزنا ـ ولكن بعض سكان القرى جرحوا .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

18/01/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى