مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

 

أطفالٌ في سنّ الورود كانوا بهجة حيات آبائهم وأمهاتهم، كانوا فرحين جذلين، استحمّوا ولبسوا ملابسهم الجديدة، وزادت فرحة البنات بحناء العرس حيث نقشن ورسمن على أيديهنّ أجمل الرسومات والنقوش، وكان هؤلاء الأطفال يظنّون أنهم سيشاركون حفل عرس، يتمتعون ويرتعون ويلعبون فيه، يأكلون ويتلذذون من وليمة الزفاف، يجرون في الدار من هنا إلى هناك، يهتفون ويمرحون، يجرون مرّة إلى الدار التي فيها العريس والرجال وتارةً أخرى إلى الدار التي فيها العروسة والنساء، هذا ما كان يدور في خلد براعم حفل هلمند.

 

آهٍ يا الله … وفي غمضة العين تبّدلت الأفراح إلى كارثة ومشهدٍ أليم، مشهد مشحون بالرعب والدمار يوحي بأن “مذبحة” ارتكبت بقسوة، أطنان من الركام وأكوام من الحجارة والطين وبقع الدماء الجافة لا تزال شاهدة على تلك الجريمة الإنسانية التي ارتكبها أدعياء حقوق الإنسان.

 

حكاية دمار بدأت مساء الإثنين (۲۳ سبتمبر) عندما قصف  جنود الاحتلال الأمريكي برفقة عملائهم من جنود وحدة (۰۳) العسكرية بمداهمة المدنيين وقصفهم في منطقتي “كونجك وشواروز” قرب سوق مديرية موسى قلعة بولاية هلمند.

 

ونتيجة هذه الجريمة الإنسانية استهدفت سيارة من نوع ميكروباص، وسيارتين من نوع كرولا بوكس لأهل العرس وهدمت ۶ منازل بالكامل، وبعد هذا القصف الهمجي والوحشي تصاعد اللهب وسحابة دخان عملاقة من بيوت المدنيين، لترتقي معها أرواح ۴۰ شهداء، معظمهم الأطفال والنساء.

 

دقائق قاسية مرت على المدنيين الأبرياء الذين ساهموا في هذا الحفل، فالحجارة وشظايا ونيران القنابل القاتلة كانت تتطاير في كل مكان، فيما كسا الدخان المنطقة برداء أسود قاتم، وتناثرت الأشلاء والدماء في كل مكان، لتقف تلك النقاط الحالكة شاهدة على قسوة الظلم والقهر.

 

الجميع كانوا يحاولون الهرب لكن إلى أين؟ لم يكن هناك أي مفر؛ فمن نجا من الموت كان مصيره الإصابة ومن لم يصب جسده كفاه هول مشهد أشلاء الشهداء والدماء تنزف من أجساد أطفال ورجال يركضون بلا وجهة ولا هدف.

 

بدا أن عقارب الساعة ثابتة لا تتحرك لتبدد ذلك المشهد الأليم، ومرت الثواني كدهر قبل أن تنقشع سحابة الدخان وتتكشف تفاصيل “المذبحة”.

 

ومعلوم أنّ هذه الحادثة ليست أولى الجرائم، فقد سبقتها مجازر تقشعر منها الجلود إلا أنّ هذه الأخيرة كانت مفجعة للغاية وفريدة في نوعها، ولكنها مع الأسف البالغ لم تحرّك ساكنًا، ولم تُثر هائجًا، ولم تبعث على الغضب والاستنكار، وأنّ هذه المجازر لن تتوقف مادام المارد الصليبي ملقٍ بكلكله الثقيل على بلاد الأفغان.

 

وفي وسع القارئ أن يعرف بأنّ الأمريكان إنما اقترفوا هذه الجريمة النكراء ولم يفرّقوا خلالها بين طفل رضيع وبراعم في سنّ الورود والنساء والعجائز بل قتلوا جميعهم، وهدفهم المشؤوم وراء هذه المجازر وتحديدًا مجزرة موسى قلعه إخضاع الأفغان وإجبارهم على الاستسلام، ولكنهم ما دروا بأنّ هذا الشعب الأبي لا يقبل الضيم والخور وعرف يقينًا منذ أول يومٍ دخل غمار المعارك وبدأ بالجهاد النقي الصافي أنّ فاتورة العزة والكرامة غالية، تكاليفها الدماء والجماجم والأشلاء ولكنّ الطغاة لايدرون أنّهم يلهبون بمثل هذه المجازر قلوب الشباب بنار الثأر، وإنّ نيران الشهيد صفي الله بن عبد الحميد من سكان ولاية لغمان التي أردت ۱۲ جنديًا أمريكيًا قتيلا في قاعدة قندهار الجوية، أوّل الغيث، وما ترونه في قادم الأيام أنكى وأمرّ ويسوءكم بإذن الله.

 

بقلم  :
سعدالله البلوشي
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

 




فوهة البندقية .. نبع السلام

فوهة البندقية .. نبع السلام

مقدمة :

فى شهر سبتمبر من عام 1991 ، نُشِرَ هذا المقال فى مجلة منبع الجهاد التى كان يصدرها مولوى جلال الدين حقانى من معهد منبع العلوم فى ميرانشاة . وقتها كان قد تبَقَّى حوالى نصف العام على فتح كابل (فبراير 1992) . ونشط معظم العالم لمحاصرة الإنتصار الإسلامى فى أفغانستان ، تقودهم أمريكا ومنظومتها الدولية ، من أمم متحدة ومجلس أمن وهيئات إغاثة دولية ، كما نشط حلفاؤها الإقليميون من الباكستان إلى السعودية وباقى منظومة العملاء الذين مازالوا ناشطين إلى الآن .  ومعهم قادة الفساد والإنحراف فى أحزاب بيشاور الذين تجهزوا ، بل تسابقوا، سراً وعلنا ، لحجز مقاعد لهم فى الحكم القادم إلى كابل الذى رسمت ملامحة الولايات المتحدة على أساس أن يكون حكما مشتركا بين الإسلاميين “الحزبيين” عملاء أمريكا  وبين الشيوعيين ، بشرط ألا ينفرد المجاهدون بالحكم ، بل يشارك معهم من إستدعوا جيوش الإحتلال وقاتلوا إلى جانبها . فيستوى فى الحكم المجاهد الذى بذل الدم والمال ، مع من إستدعى المحتل وقاتل إلى جانبه بالسلاح والميليشيات والجنود .

فهل يعيد التاريخ نفسه ؟؟ . أم أنها ظاهرة تتكرر إذا تكررت نفس الظروف؟؟.

أوشكت كابل أن تجيب على السؤال ، وأن تفتح أحضانها لأبنائها المجاهدين الفاتحين .

…………..

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم اعمالكم) .

إذا كان السلم يعنى : إقرار الظالم على ظلمه فهو مرفوض شرعا وعقلا . وقد مرت بالمسلمين فترة من الزمن أرغموا فيها على تجرع كأس المهانة والذل .

وقبلوا بظلم الكافرين لهم . لكن ذلك لا يعنى جواز التنازل التام لهؤلاء الكافرين وإقرارهم على ظلمهم وعقد سلم معهم هو فى حقيقته إستسلام وإهدار لحقوق المسلمين فى الدنيا ، بل وتفريطا فى الدين الذى إرتضاه لهم خالقهم .

فالسلم الحقيقى لا يكون إلا بإقرار الحق بمفهومه القرآنى الصحيح لا بمفهومات منحرفة إخترعتها مؤسسات الكفر كى تفرضها على الضعفاء كرها وبقوة السلاح . وما المؤسسات الدولية التى تحاول أن تغتصب لنفسها صفة الشرعية والقانون إلا إدوات فى أيدى الأقوياء الذى يفرضون شريعتهم الظالمة على الشعوب المستضعفة بقوة الإرهاب الدولى .

وأحرى بالمجاهدين والشعب الأفغانى بشكل خاص بعد أن منَّ الله عليهم بالنصر المؤزر على أكبر قوة ملحدة فى التاريخ ، ألا ينخدعوا بدعاوى السلام الزائف التى تروجها أبواق الكفر الظالمة كى تهضم حقوقهم وتترك بلادهم مستباحة للملحدين المارقين .

وبفضل الله ثم إيمان الشعب الأفغانى وبطولاته وتضحياته التى لا تحصى ، سقطت إمبراطورية الشر فى الإتحاد السوفياتى ، وتحررت شعوب فى قارات الدنيا كلها من نيران الشيوعية الملحدة، لكن إرادة الظلم والكفر الدولية تريد لهذا الشعب المجاهد أن يظل رازحاً تحت نيران الشيوعية فأى عدل وأى شريعة يدَّعونها لأنفسهم ؟؟ ونحن لا نعجب فى أن تتكاتف قوى الكفر الدولية كى تمنع الشعب الأفغانى المسلم من إقامة دولته الإسلامية المستقلة على أرض بلاده ولكننا نعجب لإناس من بنى جلدتنا ويدينون بما ندين به يسعَوْن جهدهم لإقرار شريعة الكفر على البلاد تحت دعوى السلام الزائفة .

فالذين خارت عزائمهم والذين يلهثون خلف بريق السلطة ولو بمشاركة الكافرين فيها ، وهؤلاء الذين يتمرغون على أعتاب القوى الكبرى بحثاً عن دور حقير يشترونه بثواب الآخرة ، كل هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم .

فنحن على يقين من نصر الله لعباده المؤمنين المجاهدين وإن قل عددهم وعتادهم ، وحتى إن إجتمعت الدنيا عليهم ورمتهم عن يد واحدة .

أما عن السلام فى أفغانستان فشعبنا يعرف الطريق إليه جيدا .. الطريق إلى السلام ينبع من فوهة البندقية ويبدأ بخضوع الكافرين لحكم الله خضوعا تاما ، عندها فقط يبدأ السلام وتعود الطمأنينة كما كانت فى ربوع أفغانستان المسلمة .

أما التسليم للكافرين أو مقاسمتهم السلطة فإنه لن يكون إلا إذا تمكن الكافرون من إبادة شعبنا المسلم عن بكرة أبيه .

وحتى هذا لن يرهبنا فنحن نؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، فهل يتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ؟ .

فإلى بنو جلدتنا الذين يتمرغون على الأعتاب ، وإلى اللاهثين خلف سراب القوة والسلطة بأى شكل وتحت أى ظروف نقول لهؤلاء جميعا إن إخوانكم فى “خوست” “وتخار” قد عرفوا الطريق الصحيح وأجابوا على دعاوى التسليم بالشكل الملائم .

وهم الآن يدقون أبواب “جرديز” التى بدأت تترنح تحت وطأة ضرباتهم . وها هى “جلال آباد” تنتظر الفاتحين ومثلها “قندهار، وغزنى ، وهيرات “. أما كابل فهى لن تسلم قيادها إلا لمن يستحق .. لن تسلم “كابل” إلا لأبنائها الفاتحين الذين يقتحمون الأهوال ويصرعون الباطل الدولى تحت أسوارها العنيدة .

أما الذين تحملهم حراب الباطل وقوى الطاغوت الدولى إلى كراسى الحكم فإن شعبنا سيلقى بهم فى هاوية التاريخ ، حيث يرقد أسلافهم من “أمان الله” إلى “تراقى ” إلى “كارمل” .

فالشعب الذى حمل السلاح منذ أكثر من عقد من الزمان دفاعاً عن دينه لن يكون من السهل خداعه وسرقة إنتصاره قبل دقائق قليلة من حصوله عليه .

وكم من ظالمين ومارقين دفنهم الأفغان فى جبال الهندكوش !!.

وكم من نظام دولى كافر لفظ أنفاسه على أرضنا!! . وكم من قوة عظمى دخلت بلاد الأفغان ولم تخرج منها أبدا !! .

هناك دفنت جيوش الإمبراطورية البريطانية قبل أن تغيب عنها الشمس ، وهناك ضاع الجيش الأحمر وتحللت الأمبراطورية السوفيتية وضاعت شمسها إلى الأبد .

ولكن يبدو أنها لن تكون الإمبراطورية الأخيرة التى يقضى عليها أبطال الأفغان المجاهدين .

” وسيعلم الذين كفروا أى منقلب ينقلبون ” .

 

نقلا عن ( مجلة منبع الجهاد ) السنة الثانية – العدد13 / ربيع الأول 1412 هـ 1 سبتمبر 1991 م

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 




القاعدة فى وزيرستان .. تأسيس الداعشية الجديدة

رياح السموم .. القاعدة فى وزيرستان ( 6 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان . ( 6 من 6 )
القاعدة فى وزيرستان .. تأسيس الداعشية الجديدة
فى وزيرستان تواجدت القاعدة ـ أو ما تبقى منها ـ ومعها شبيهات أخرى من بلاد العرب. وبرفقتهم جماعة الإيجور من تركستان الشرقية “الصين ” وتنظيمهم الإسلامى ، الذى جاء وهابيا منذ نشأته الأولى على أيدى مهاجرين قدماء فى السعودية . ومعهم أيضا تنظيم “الجماعة الإسلامية الأوزبكية” ، الذى رفض مؤسسه محمد طاهر الوهابية وتمسك بمرجعية المذهب الحنفى ، فاعتبره الوهابيون مشركاً . فالوهابيون لا يخفون عدائهم الخاص للمذهب الحنفى .

فمنذ قدومهم الأول إلى أفغانستان  جاهر بعضهم بعدم شرعية أى دولة إسلامية تقوم على المذهب الحنفى ، وإدعى آخرون أن الإمام أبا حنيفة النعمان ، مؤسس المذهب ، قد خالف متعمدا صحيح السنة النبوية فى عدة مواضيع فقهية . متحمسون آخرون جاهروا بأن الدافع لقدومهم إلى أفغانستان هو توجيه ركلة إلى المذهب الحنفى لهدمه لأنه يشبه الجدار المائل .

أقوال من هذا القبيل تصدى لها بن لادن ، ثم إستعان بمفتى تنظيم الجهاد المصرى والأمير السابق للتنظيم ، الذى دعم موقف بن لادن . ولكن موجة التطرف التى إجتاحت تنظيم الجهاد لاحقا إضطرته إلى الإستقالة من إمارة التنظيم .  وباقى التنظيمات السلفية تصاعدت فيها موجة الغلو بما فيها القاعدة ، خاصة بعد بعد نشوب الحرب على أفغانستان وإختفاء بن لادن .

كان الخليط المهاجر إلى وزيرستان غير متجانس ، خاصة بوجود طاهر وجماعته . فاستأنفت القاعدة / مدعومة بالوهابيين الآخرين / الجهاد ضد طاهر وجماعته . مألبين عليهم القبائل ، ساعين إلى عزلهم فى أضيق الظروف . كانت طائرات (درون) منزوعة الطيار تقوم بعمليات قنص مستمرة ضد الأهالى والجماعات المهاجرة بلا تمييز . فقدت القاعدة عددا من أفضل كوادرها ، وكذلك الملتحقين بها من غير المندمجين تنظيميا . كما ركز القصف الأمريكى على المدارس الدينية باعتبارها الأساس لما تقابله أمريكا من جهاد ومقاومة فى المنطقة .

البيوت التى يشتبه فى أنها  تأوى  المهاجرين تم تدميرها من الجو ، وسيارات نقل الركاب ومناسبات الأفراح والعزاء أستهدفت كالعادة . المجازر الأمريكية من الجو تقتل يوميا من ” يشتبه فى أنهم إرهابيون” أو “عناصر مسلحة” إلى آخر التعبيرات الأمريكية عن مجازر الجو . لم يقصر الجيش الباكستانى فى قصم ظهر المهاجرين ومن يأويهم من قبائل وزيرستان بالضربات الجوية والبرية ، حيث حشد نصف جيشه لهذا الغرض ، تاركا حدوده مع الهند مكشوفة ، لأن الهند تحولت إلى حليف غير معلن فى حرب باكستان ضد الإرهاب الإسلامى ، كما تحولت إسرائيل إلى حليف للعرب لنفس الهدف المقدس لدى الجميع بأكثر من تقديسهم لأى دين ، خاصة الدين الإسلامى .

– القاعدة فى وزيرستان أسست عمليا لموجة ” الداعشية الجديدة ” خلال تواجدها هناك منذ عام 2002 إلى مايو 2011 عندما أغتيل ( أو أختطف) أسامة بن لادن فى باكستان .

ثلاث خطوات تأسيسية كبرى أنجزتها القاعدة خلال تلك الفترة ـ سواء كان ذلك عن تخطيط متعمد ، أو أن سياق الأحداث هو الذى أملاها . حتى ظهرت الموجة الداعشية العالية التى بدأت بأعلان ” الدولة الإسلامية فى العراق ” ثم أضيفت إليها الشام ” ليظهر مصطلح داعش الذى صار علما ورمزا أكثر من كونه إسما . الخطوات الثلاثة لم تكن تراتبية بل ربما بدأت جميعها فى وقت واحد أو متقارب .
فى منطقة وزيرستان القبلية كانت الخطوات التـأسيسية للقاعدة هى :
1 ـ متابعة الحصار والضغط على الجماعة الأوزبكية لتحويلها إلى خط (الوهابية القتالية) ، أو طردها نهائيا من المنطقة . فالقاعدة مثل جميع تنظيمات الوهابية القتالية لا تسمح بغير الإسلام الوهابى (أو السلفى بالتعبير المخفف) ولا يقبلون جهادا إسلاميا ، فقط القتال الوهابى هو الجهاد الوحيد فى نظرهم .

فلا يعترفون بحركة جهادية على أى مذهب كان ، ويعلنون عليها الحرب بشكل خفى أو علنى إلى أن تغير طريقها أو تختفى من الوجود . وكما سنرى فقد نجحوا مع الحركة الأوزبكية التى أستشهد مؤسسها ، ورحل معظم أفرادها من وزيرستان صوب أفغانستان مرة أخرى ، كما غيرت مسارها وانضمت الى داعش وتقاتل باسمها ضد طالبان أفغانستان . فأى نجاح أكبر من ذلك ؟؟.

2 ـ تحويل مسار ” طالبان باكستان ” إلى الوهابية القتالية ـ وكانوا إمتدادا طبيعيا لطالبان أفغانستان ـ ويقاتلون معها أو لصالحها من الأراضى القبلية فى باكستان . وكانوا من أتباع المذهب الحنفى ومتبعى الصوفية الممتدة فى كل آسيا تقريبا . فالصوفية هى الوعاء التقليدى للإسلام فى آسيا وأفريقيا . لذا كان الهدف الحقيقى من تحطيم الصوفية هو تحطيم الإسلام نفسه فى تلك القارات .

فالموجات الدعوية الكبرى وحروب الجهاد ضد الإحتلال الأوروبى كانت جميعها صوفية . بينما أول جهاد سلفى (وهابى) هو الذى بدأ بالقاعدة وصولا إلى داعش ، محققا الإنجازات التى نشهدها حاليا فى الوطن العربى ، وتزحف الآن بإصرار صوب أفغانستان لتحطيم أى جهاد حقيقى فى أى مكان . وإنجازاتهم فى الشيشان والعراق والشام واضحة للعيان . وجاء دور إقتحام أفغانستان إما زحفا بقوه السلاح كما تفعل داعش بأيدى الأوزبك وطالبان باكستان المتحولين ، أو زحفا بالخديعة والتزلف كما تفعل القاعدة مع القيادة الجديدة لطالبان أفغانستان بعد الملا عمر .

3 ـ  تدريب الكثير من المجموعات الدولية ، من الشباب المتسللين إلى منطقة القبائل قادمين من أنحاء العالم خاصة أوروبا (!!) . وعندما كان العمل القتالى فى العراق يتم بإسم القاعدة ، كانت وزيرستان تعتبر المركز الأهم لإدارة حرب (وهابية) ضد شعب باكستان . وتستخدمها الآن داعش والقاعدة كركيزة للقفز على أفغانستان ، مع وجود صراع هناك بينهما ، فداعش ترى أنها دولة بدرجة (خلافة) ، لها أرض واسعة تحت سيطرتها ، بينما القاعدة مازالت تنظيما مبعثرا غير مجسد على الأرض فى شكل دولة .

لذلك تزحف القاعدة للإحتماء بالإمارة الإسلامية فى أفغانستان لتستقوى بها على داعش ، وتنفذ نفس المهام فى أفغانستان لكن من باطن الإمارة الإسلامية . فإشعال الحرب مع الولايات المتحدة عام 2001 لتحطيم أفغانستان لم يكن كافيا ، فالهدف النهائى هو إخراج الإسلام التقليدى من أفغانستان (القائم على المذهب الحنفى والصوفية) وإحلال الوهابية مكانه .

#  فبدلا من أن يقاتل الشعب الأفغانى كله ضد المحتلين الأمريكيين ، سيتحول ذلك الشعب إلى قتال بعضه بعضا حول قضية مصطنعة بين التوحيد والشرك . فمهمة الإسلام الأولى فى نظر الوهابية هى تحطيم القبور ، وأصنام ما قبل التاريخ التى توقف الناس عن عبادتها منذ عشرات القرون . تاركين شرك شركات النفط والشركات متعددة الجنسيات التى تحكم وتتحكم فى البشرية كلها بمن فيهم المسلمين قاطبة بلا إستثناء واحد ،

وتتناسي تحكم إسرائيل فى بلاد العرب قاطبة ، وتحكم أمريكا فى جميع بلاد المسلمين . هؤلاء المسلمون المتخلفون المعدمون ، فاقدى الحرية والكرامة الإنسانية ، والمتمتعون بكل إمتيازات الفقر والجهل والمرض ، كل هؤلاء لا يساوون عند الداعشية الوهابية هدم ضريح واحد أو تحطيم أحد أصنام الحضارات المندثرة . فتلك هى وظيفة الدين عندهم ، وليس هداية البشر أو تحريرهم من حكم الطاغوت الحقيقى الذى يستعبدهم ويتحكم فى حاضرهم ومستقبل أجيالهم القادمة ، فارضا عليهم كل صنوف الإنحطاط والإنحراف ، بنعومة الغواية أو قهرا بالعنف المطلق .
لقد أخذت الوهابية القتالية الإسلام إلى المقابر وغياهب ما قبل التاريخ ، تاركين الحاضر “للآلهة” الأرضيين المتحكمين فى مصائر العباد والبلاد . تلك هى “داعش” وأخواتها التى تقاتل بإسم الإسلام لدفن الإسلام واستبعاده من حياة البشر .

ــ تدريب المجموعات الصغيرة ، من أنحاء العالم خاصة أوروبا ـ هو الآخر هدف استراتيجى لأوروبا نفسها ـ وقبلها الولايات المتحدة ـ لأهداف داخلية وخارجية فى آن واحد . لتحويل المشاكل الداخلية فى أوروبا إلى عدو خارجى هو الإسلام ، أو عدو داخلى لاحول له ولا قوة وهم المهاجرين الأجانب عموما والمسلمين بوجه خاص .

بهؤلاء المتدربين الذين ترسلهم حكومات أوروبا “سهوا” إلى وزيرستان ، تصبح الغزوات الأوربية للعالم الإسلامى وانتهاك سيادته وثرواته وحرياته ، لها مبررها القوى وهو محاربة الإرهاب الإسلامى ورمزة الأكبر حاليا هو داعش ورمزه السابق (القاعدة) . وهكذا تحتل دول وتدمر دول أخرى ، وتتحول شعوب إلى مشردين فى الصحارى أو غارقين فى مياه البحار ، وشعوب تسلب حرياتها وتخنق ، حتى لا يعلو صوت آلامها فوق صوت المعركة على الإرهاب . واختلطت الصفوف فالإخوة صاروا شر الأعداء ، وأعداء الماضى والحاضر والمستقبل أصبحوا أقرب الحلفاء . وكما وفرت القاعدة ذريعة للحرب على أفغانستان ، وفرت داعش ذريعة لحرب الغرب على المسلمين والعالم المستضعف كله ، بدعوى تطهيره أو حمايته من الإرهاب الإسلامى .

ــ  المجموعات الصغيرة التى تدربت فى وزيرستان هى أصل تلك المجموعات التى جاءت من كل فج عميق فى أوروبا كى تنضم إلى حرب داعش ضد شعوب المنطقة ، فتشرد حوالى نصف الشعب السورى ، وما يماثل ذلك من تعداد الشعب العراقى .

كان يمكن منع هؤلاء المتدربين لو أن الإجراءات الأمنية التى إتبعت فى أعقاب حادث 11 سبتمبر ظلت سارية ، سواء فى باكستان أو فى أوروبا ، أو عبر بلاد العالم ومطاراته ، فتسببت فى إيذاء عشرات الألوف من المسلمين الأبرياء سجنا وقتلا . ولكن فى الفترة الداعشية من حياة وزيرستان كان القائمون بذلك النشاط يتمتعون بحرية ملحوظة تنبئ عن حماية رسمية غير معلنة ليس فقط من الأمن الباكستانى ، بل من جهات أمنية عديدة بما فيها بلاد العرب .

ونتيجة الفوضى التى تعم منطقة وزيرستان سقط عدد من القائمين على تنسيق ذلك النشاط بما يمكن إعتباره “إصابات عمل” . فما يقال عن الدقة الجراحية لعمليات الطائرات بدون طيار ليست صحيحة تماما . فعمليات تلك الطائرات لإسناد قوات داعش الزاحفة نحو جلال آباد فى الربع الثانى من عام 2015 أدت لسقوط ضحايا من الدواعش والمدنيين . فالجميع من وجهة نظر أمريكية عبارة عن كائنات لا قيمة لها ومن السهل إستبدالها ، والمطلوب قتلها فى مرحلة ما من مراحل العمل .

القاعدة وإفساد حركة طالبان الباكستانية :
الغزو الأمريكى لأفغانستان جاء من داخل الأراضى الباكستانية الصديقة ، التى إحتضنت المجاهدين الأفغان ضد الجيش الأحمر السوفيتى فى ثمانينات القرن الماضى ، والتى كان يستخدمها المجاهدون فى حركة رجالهم ومعداتهم . ونفس الأجهزة العسكرية والأمنية الباكستانية التى قدمت العون للمجاهدين الأفغان سابقا ، وضعت نفسها بالكامل فى خدمة القوات الأمريكية ، وأمدتها بالجنود المقاتلين والمعلومات .

ولكن قبائل الحدود كان لها موقف آخر ، فظلت على مساندتها للشعب الأفغانى التى هى جزء منه قبل أن تفصلهم عنه إتفاقية الحدود التى عقدها الإنجليز مع الأفغان خلال الحملات الإستعمارية على أفغانستان تحت إسم إتفاقية ديورند عام 1893 .

نشبت فى وزيرستان شبه ثورة على تحركات الغزو الأمريكى وإمداداته القادمة من ميناء كراتشى عبر أراضيهم صوب أفغانستان . وشنوا عليها هجمات قاتلة . طلاب العلوم الشرعية فى تلك المناطق نظموا أنفسهم فى “حركة طالبان” خاصة بهم على غرار إخوانهم فى أفغانستان ، وذلك بهدف إسنادهم قتاليا ولوجستيا .

أطلق الجيش الباكستانى نصف قواته البرية لقمع قبائل وزيرستان ، تدعمه طائرات باكستانية ، وأخرى امريكية بدون طيار تعمل من فوق أراضى باكستان . كل ذلك للحرب ضد “الإرهاب الإسلامى” فى منطقة القبائل ، والمقصود هم المجموعات العربية والأوزبكية والإيجور ، من مدنيين ومجاهدين . والأهم كان إستهداف قوات طالبان باكستان التى تهدد سلامة إمدادات جيوش الغزو فى أفغانستان .

كان موقف قبائل وزيرستان هو ما عرف عنهم تاريخيا فى مواجهة الغزاة ، بحيث صاروا مثالا أسطوريا لدى الانجليز . وبقدر مماثل من العظمة والإبهار كان إحتضانهم للمهاجرين القادمين من أفغانستان . وبشكل جماعى تكفلت القبائل بتقاسم أعباء إيواء الأسر جميعا من عرب وأوزبك وإيجور ، فقدموا لهم منازلهم ، والنفقات كلها من دواء وكساء وطعام وتنقلات ، ودافعوا عنهم بالسلاح ضد هجمات الجيش الباكستانى ، وأخفوهم فيما بين عائلاتهم بعيدا عن رصد الطيران الأمريكى والمخابرات الباكستانية ، معرضين أنفسهم وعائلاتهم لأفدح الأخطار التى فتكت بالكثير منهم ، لكنهم أبدا لم يتخلوا عن رجولتهم القبلية المفعمة بالإسلام النبيل .
كان الموقف متماسكا ورائعا رغم قسوة الظروف وتساقط الشهداء يوميا ، إلى أن بدأ النشاط الوهابى المعتاد فى تخريب صفوف المسلمين وإحياء الفتنة والوقيعة بين الأشقاء .
1 ـ بدأت القاعدة بالعمل ضد الأوزبك والوقيعة بينهم وبين القبائل حتى صاروا المجموعة الأكثرعزلة من بين المهاجرين ، وسقط من رجالهم عدد كبير من الشهداء ، حتى وجدت أحيانا ثمان عائلات مجتمعين ليس فيهم رجل واحد ، ولم يتبق سوى النساء والأولاد .
عندما ضاق الحال كثيرا بالأوزبك ، وكان المزيد من الأراضى الأفغانية قد تحررت من قوات الإحتلال والقوات الحكومية ، فسمحت الإمارة الإسلامية فى أفغانستان بدخول العائلات الأوزبكية إلى المناطق المحررة فى عدد من المناطق من الشرق والجنوب والغرب .

فى تلك الأثناء إستشهد القائد الأوزبكى محمد طاهر ، وكان نائباه والعديد من كوادره من السلفيين بتأثير من المهاجرين القدماء فى السعودية ، فارتمى التنظيم بين أحضان داعش . ومن المناطق التى إستضافته فيها الإمارة الإسلامية بدأ “جهاده” ضدها ، بعد أن قام باللازم من واجب التكفير مصطدما مع القبائل ومجاهدى حركة طالبان ، الذين طردوه من معظم المناطق التى إستضافوه فيها سابقا .

2 ـ الضربات الظالمة التى تعرضت لها قبائل وزيرستان ، أودت بحياة رجال وأطفال ونساء ، إضافة إلى إختطاف شباب منهم وشحنهم إلى جوانتانامو وسجون سرية حول العالم . كل ذلك جعل التربة القبلية قابلة لأقصى درجات العنف ضد المعتدين ، فوجدت أفكار القاعدة قبولا ، ساعد على ذلك الإفراج عن بعض الشباب من الشخصيات القبلية الكبيرة من السجون الأمريكية خاصة جوانتاناموا .
فاعتنق هؤلاء أقصى الخيارات الفكرية والعملية التى عثروا عليها . فانضموا إلى القاعدة فى البداية ، ثم تحول العديد منهم الى داعش عند ظهورها .

فى تلك الفترة كان تيار القاعدة العامل بين القبائل يعتنق نفس الأساليب والأفكار التى تبنتها داعش بعد ذلك بسنوات . وبدلا من التركيز على قوات الإحتلال ، إنتقلت القاعدة إلى الضربات الداخلية ضد مساجد ومواكب ومشاهد الشيعة والصوفية ، وأهدافا مدنية باكستانية . وإنتقاما لشهدائها من المدنيين إستهدفت أسواقا ومدارس .
جغرافيا وصلت العمليات إلى عمق باكستان ، فانقلب الرأى العام ضد حركة طالبان باكستان واعتبروها عدوا همجيا ، رغم أن الرأى العام الباكستانى هو الأكثر كراهية لأمريكا والأكثر إعجابا بأسامة بن لادن وقت إحتدام مواجهاتة معها .  ظل قطاع من حركة طالبان باكستان مواليا للإمارة الإسلامية فى أفغانستان ، مركزا ضرباته  على قوات الإحتلال وخطوط إمدادها العابرة لمناطق القبائل ، وصولا إلى داخل الحدود الأفغانية ، مع تقديم دعم لوجستى كامل للحركة المجاهدة فى أفغانستان .

ــ    فى مناطق القبائل ومع مجموعة طالبان باكستان التى تحالفت مع القاعدة ، تولى العرب القضاء و تطبيق الحدود ، وتوقيع عقوبة الإعدام على من إتهموهم بالتجسس ، وكان من بينهم عناصر من حركة طالبان الأفغانية (!!) .
3 ـ القاعدة ومن بعدها داعش لم تتوقف لحظة ـ حتى قبل وقوع الحرب عام 2001 عن مجهودات تجنيد الأفغان فى صفوفها . وعندما بدأ الجهاد ضد الأمريكيين واصلت القاعدة مجهودا كبيرا لبناء تنظيمها الخاص من الأفغان داخل أفغانستان بالتوازى مع حركة طالبان بل وكبديل لها . وصل طوحها إلى درجة مفاتحة شخصيات عسكرية قيادية فى الإمارة للإنضمام إلى القاعدة .
وحرصت الإمارة على كتمان صراعها مع القاعدة التى أفسدت عملها فى وزيرستان وحرفت مسارة ، ثم تحاول أن تفعل نفس الشئ داخل أفغانستان نفسها .

كانت بداية تواجد القاعدة فى منطقة وزيرستان مجرد مرحلة تمهيدية لظهور داعش وتجهيز جبهة إسناد خلفية لها ، وأختبرت فيها الأفكار وأساليب العمل والتدريب العسكرى وبناء شبكة دولية من المتدربين الوافدين ” سرا ” إلى المنطقة تحت ملاحظة دقيقة من أجهزة الأمن الباكستانية وحليفاتها فى الغرب والمشرق العربى .
إتضح جدوى كل ذلك بعد ظهور داعش فى العراق وسوريا ، وتوافد الآلاف من أوروبا للقتال إلى جانبها . وجميع ما تم ابتكاره فى معمل وزيرستان وتجربته فى المدن الباكستانية جرى التوسع فيه مرة أخرى فى المدن العربية ، فتأكدت بشكل قطعى ونهائى أهم ملامح الإسلام الوهابى الداعشى الذى يستهلك طاقته فى هدم الأضرحة وتحطيم التماثيل وضرب الرقاب .

 

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 /9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world




القاعدة : النجم الساطع على بحر من دماء الأفغان

رياح السموم .. القاعدة : النجم الساطع على بحر من دماء الأفغان ( 5 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 5 من 6 )
القاعدة : النجم الساطع على بحر من دماء الأفغان


بن لادن .. ثورة على إنحراف الإخوان
:
تواطؤ الإخوان فى اللعبة الدولية حول أفغانستان تخيله بعض شبابهم المستنير والمتحمس على أنه نوع من التقصير أو القصور . للأسف هؤلاء قلة فى صفوف الإخوان كما فى أى جماعة إسلامية أخرى . من هؤلاء كان أسامة بن لادن الشاب الثورى المتحمس والإخوانى المندفع .
ساندهم بأموال كثيفة عندما فتحوا جبهة فى سوريا فى بداية الثمانينات ، واستمر خلفهم حتى أوصلوا القافلة السورية إلى مأساة مازالت كوابيسها مستمرة فى ثنايا أحداث اليوم . عندما إستمعنا إليهم فى أفغانستان أشار معظم الشباب السورى الذى قاتل هناك وقتها إلى أن القيادة الإخوانية تتحمل الوزر الأكبر فى الكارثة .

وأنها كانت تستثمر الحدث لمصلحتها لا لمصلحة الشعب ولا لمصلحة الإسلام . والبعض كانوا يقسمون على إغتيال قياداتهم الذين تسببوا فى الكارثة ، عند أول فرصة تسنح لهم .

فى بداية دعمه ” للجهاد الأفغانى ” كان بن لادن يتسلل خفية إلى مدينة لاهور فى باكستان كى يقدم دعمه المالى للجماعة الاسلامية الباكستانية لتتولى توصيله إلى المجاهدين الأفغان ،وتحديدا للجناح الإخوانى وعلى رأسه سياف رئيس الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان فى ذلك الوقت . وبتشجيع من الدكتور عبدالله عزام تجرأ بن لادن على دخول أرض أفغانستان فى منطقة جاجى الحدودية . هناك كان أول موقع بناه سياف لنفسه داخل أفغانستان كى يمارس “الدجل الجهادى” على المتحمسين العرب الأغرار القادمين من بلاد الخليج .

وبمهرجان من اللعب بالنيران نجح فى جمع ملايين الدولارات التى نشط هؤلاء الشباب لجمعها من بلادهم بكل همة لتحقيق ما وعد به “أمير الجهاد الأفغانى” ، كما أطلقوا عليه ، بدخول كابل مباشرة بعد أن يقتحم تلك القلعة الطينية على أطراف وادى جاجى . طالت الكذبة كثيرا حتى فترت الهمم .  بوصول بن لادن إلى هناك ، على أعتاب فصل الشتاء (1986/ 1987) ، وجد أن المنطقة شبه خالية من الرجال ومن أى تجهيزعسكرى .

وسمع شكاوى مريرة ممن تبقى هناك من مجاهدين يطالبون بكل شئ ويحتاجون لكل شئ . فأدرك الخديعة وقرر أن يعمل منفردا فى جاجى ولكن بعيدا عن وصاية سياف ، وبعيدا عن إشراف الدكتورعزام ، الذى يدير مكتب الخدمات الذى أسسه بأموال بن لادن لمساعدة المجاهدين الأفغان ، ولكنه غرق فى بيروقراطية عربية ، وقدر من الفساد الإدارى التقليدى المصاحب لها .

ثورة بن لادن على فساد سياف وقصور إدارة عزام كانا السبب المباشر لبداية مسيرته فى جاجى التى قادته إلى معركة منتصرة ضد القوات الشيوعية (سوفيتية ومحلية) ، فكان هو الإنتصار الأكبر فى حياته الجهادية ، أعقب ذلك بالشروع فى تأسيس تنظيم القاعدة ، كأول تنظيم جهادى أممى . فكرته الأولية كانت تجميع المجاهدين العرب فى أفغانستان فى كيان قتالى واحد . ثم تطورت أهداف المشروع بقوة الإندفاع الذاتى للمؤسسين ثم بضغوط ومطالب المتطوعين والملتحقين من جماعات عربية وغيرعربية .

وهذه نقطة هامة للغاية فى مسيرة الجماعات الجهادية . فاسترضاء مزاجية الشباب المتحمس والمزايدة فى ذلك بين الجماعات المنافسة يلعب دورا هاما فى مسيرة الجماعة ومصيرها . وحيث أنها جماعات مسلحة وتنخرط من حيث تدرى أو لا تدرى فى قضايا دولية شائكة ، فإن تلك المزاجية الحادة تؤثر فى شعوب ودول . وفى مسيرة القاعدة عبر بالغة الدلالة تسببت فى محن خطيرة لأفراد الجماعة وأفراد الجماعات الأخرى . وقد عانت أفغانستان أكثر من أى شعب آخر من جراء سياسة إسترضاء الجمهمور الشبابى المتحمس ، الذى إجتذبته الجماعات الجهادية خاصة القاعدة .

 جـاذبـيـة الإنـدفـاع :
ــ  الإخوان المسلمون كانت لهم معاناتهم الخاصة من جراء إندفاع المجموعات السلفية الجهادية وعلى رأسها القاعدة (ما قبل ظهور داعش) . فقد إجتذبت إندفاعة القاعدة ومغامراتها المبهرة قلوب الشباب المتحمس حول العالم . فانزوت جماعة الإخوان المسلمين ، ولم تغير من شعاراتها غير المقنعة حول (الوسطيه والإعتدال وفقه الواقع .. الخ ) . فمهما قال شيوخ الجماعة العجزة والمحطمين ،

فإن قولهم لم يقنع أحدا من جيل الشباب السلفى الغاضب على كل شئ ، والجاهز لإقتحام أى تهلكة مسلحة فى أى مكان . كان الإندفاع ملهما للشباب ومثيرا لعواطفهم التى لا تسندها عقول مستنيرة ولا ثقافة كافية .
لقد إستكملت القاعدة وجماعات السلفية الجهادية ، وصولا إلى داعش الأعجوبة ، ما بدأه الإخوان المسلمون فى أهم نقطتين ، وهما

:
أولاــ تحطيم الإسلام التقليدى بعلمائه ، ومذاهبه الأربعة الموروثة .
فبدلا من إشعال جذوة إجتهاد حقيقى يجابه التطورات والتحديات فإن التحطيم كان أسهل . فتحطم مورث الأمة الفقهى قبل أن تتحطم المدن والدول على أيدى” وهابية جهادية” لا تبقى ولا تذر .
ثانيا ــ تفكيك البنية الإجتماعية التقليدية الحاضنة للإسلام .
فخصصوا للإنتماء التنظيمى مرتبة تتقدم الإنتماء للإسلام نفسه . فتقسمت المجتمعات والقبائل إلى ( ملتزمين وغير ملتزمين) بعد أن كانت جسما إجتماعيا واحدا يربطه الإسلام . ثم وضعوا الإنتماء للأيدلوحية الوهابية (هى غالبا إجتهادات فقهية شاذة أو خلافية) قبل الإنتماء لأساسيات الإسلام الجامعة . فتقسمت الوحدات الإجتماعية من القبيلة حتى الأسرة الصغيرة إلى “موحدين ” و” كفار” أو”مشركين”.
ثالثا ــ  إرباك المجتمع وضرب مكوناته ببعضها بخدعة بسيطة هى العبث بالأولويات .
 فإذا كان البلد تحت الإحتلال ، وجيوش أمريكا والناتو تعيث به فسادا ، يأتى ” الموحدون ” ويرفعون راية محاربة البدع والشركيات ، ويبدأون فى الهجوم ـ ليس على قوات العدو ـ ولكن على المقابر والأضرحة ، فينسفونها ، أو يسرقون الرفات ويرمون بها ليلا إلى حيث لا يدرى بمكانها أحد . فينقسم المجتمع وتشتعل معركة جانبية بين فئات المسلمين . وبالتحديد بين ” الموحدين” أى الوهابيين ، وبين  “المشركين ” الذين هم كل من يقف خارج التنظيم الوهابى

.ثم الإدعاء بأن تقسيم المجتمع وتصادم مكوناته جاء على إعتبار عقائدى لا يقبل حلولا وسطا ، فتكون الوهابية فى جانب والصوفية والشيعة على الجانب آخر . أما إذا تعذر ذلك وكان المجتمع أكثر تجانساً

( كما فى مصر مثلا) إذ الصوفية ضعيفة وشكلية ، والتشيع غير موجود تقريبا ، فيجعلون المعركة هى تطبيق الشريعة ومقاومة العلمانيين والمسيحيين .

ــ    خلال فلتان الربيع العربى كان المجتمع كله يقف إلى جانب شعارات سياسية وإجتماعية (خبز ، حرية ، كرامة ، عدالة إجتماعية ) . لكن الإسلام السياسى ( إخوان / قاعدة / دواعش / جهاديين من أصناف شتى) أحبطوا المسعى الشعبى نحو تلك المطالب العادلة . فعلوا ذلك بإسم الشريعة ، وكأن المطالب الإنسانية من تلك الشاكلة تمثل عدوانا على الشريعة أو تطعن فى عقائد المنادين بها . وفى النهاية فشل الشعب فى تحقيق طموحاته ، وفشل الإخوان فى الثبات على كرسى الحكم سوى لأشهر معدودات ، سقطوا بعدها غير مأسوف عليهم من أحد سوى أنفسهم  .

ــ    فى سوريا جاء “الربيع” قريبا من الوضع المصرى ، فخرج الناس ثائرين مطالبين بأشياء مماثلة لمطالب المصريين ( الخبز والحرية والكرامة والعدالة ) فدخل الإسلام ” الوهابى” من الإخوان حتى الدواعش مرورا بالقاعدة ، مشاغبين بشعارات (الشريعة والدولة الإسلامية) ، وبدلا من الثورة الشعبية السلمية ، رفعوا السلاح من غير دراسة أو إستعداد أو حتى ضرورة ،

فدارت معركة حطمت سوريا وشردت شعبها فى أكبر هجرة بشرية شهدتها المنطقة . وتغيرت طبيعة المواجهة من مطالب مشروعة لشعب إلى صراع دولى وإقليمى لأهداف لا تفيد الشعب السورى ولا تفيد أى مسلم بأى حال ، سوى فائدتها للقوى الأكبر الطامعة فى الثروات والمواقع الإستراتيجية ، ومفيدة أيضا لأصحاب توكيلات الخراب وتجارة الدم المسفوح هدراً .

يمكن إيجاز فلسفة وجود تنظيمات الوهابية القتالية بالتالى :

ــ تشويه رسالة الإسلام نفسه ، وتحويله من دعوة هداية إلى دعوة ذبح ودمار .

ــ إحلال الوهابية محل الإسلام ، وإلغاء المذاهب السنية الأربعة ، مع الإدعاء بأن الوهابية هى المدافع الحصرى عن ” أهل السنة والجماعة إزاء تهديد وجودى يشنه الشيعة عليهم” . وإيهام المسلمين والعالم بأن الوهابية هى الإسلام الحقيقى . يفيدهم فى ذلك سياسة تأميم الإسلام بواسطة أنظمة مستبدة فاسدة هى موضع سخط من شعوبها ، وسخرية من العالم .

ــ المشاغبة بشعار تطبيق الشريعة فى مواجهة مطالب الشعوب بالحرية والعدالة والعيش الكريم وتحويل شعار تطبيق الشريعة إلى أداة تصدى لمحاولات التغيير وحرف مسارها إلى العنف الطائفى والدينى .

ــ المشاغبة بشعار الدولة الاسلامية ، لإحداث تفتيت كامل فى الكيانات القائمة فى بلاد المسلمين ، بدعوى تنقية العقائد ومحاربة (الشرك) وهدم الأضرحة والقبور . فبينما العالم يسير نحو التوحيد ضمن كتل الكبيرة للحصول على مزيد من القوة والمكانة فى دنيا السياسة والإقتصاد ، وهكذا تفعل أوروبا ، وتحاول دول آسيا فى تكتلات عديدة بعضها يسعى إلى العالمية . نجد العالم الإسلامى (والعربى خصوصا) غارق فى التفتيت تحت مطارق “الوهابية القتالية” بدعوى مخادعة عن التوحيد وتنقية العقائد من الشرك والبدع .

ــ إفشال عمليات الجهاد ضد الأعداء الحقيقيين ، مثل الإحتلال اليهودى لفلسطين وجهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى الأوروبى لبلادهم ، أو دفاع حزب الله ضد الغزوات الإسرائيلية لجنوب لبنان .
ــ تحويل مسار العمل الجهادى نحو الفتنة الطائفية والقبلية ، كما حدث فى العراق بتحويل جهاد العراقيين ضد الغزو الأمريكى البريطانى إلى فتنة طائفية وعرقية ودينية .

ــ ثم مؤخرا إستنفار داعش لمرتزقتها من أجل قتال حركة طالبان التى تقود جهاد شعب أفغانستان ضد العدوان الأمريكى منذ 14 عاما .
ومحاولات السلفية إحداث فتنة فى غزة بإعلانها ” دولة إسلامية ” وإرباك صمود حماس فى ذلك الجزء اليتيم من فلسطين الذى مازال يحمل بندقية جهادية ضد الإحتلال اليهودى .

ــ تحويل إتجاه بنادق الجيوش العربية والإسلامية من الخارج إلى الداخل لقتال “الإرهاب” / فى تحول واضح لعقائدها القتالية / فنجد أهم تلك الجيوش منغمس فى قتال داخلى (إسلامى/ إسلامى) ، دور إسرائيل فيه إما دور الحليف أو دور الصديق ، فلم يعد هناك شيطانا أكبر أو أصغر سوى ” الإرهاب الاسلامى ” الذى تعطى داعش مصداقية الإدعاء بوجوده .

فلسفة وجود تنظيمات “الوهابية القتالية” ، تتطابق مع أهداف الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة ، التى هى متورطة تماما فى تصنيع ذلك التيار الإسلامى الفوضوى ، لتحقيق أهداف كبرى ، يكاد يكون من المستحيل تحقيقها بوسيلة أخرى أكثر كفاءة أو أقل تكلفة .

كثيرة هى ومعقدة مجهودات أمريكا فى تصنيع ذلك التيار بالقوة والخديعة والتوريط أو عبر حلفاء إقليميين . فالتعامل الأمريكى مع ذلك التيار يتم حسب الإحتياج والمصلحة ، لذا لا يسير فى خط مستقيم ، ولا يبنى دائما بل يهدم أحيانا ، حسب تطور المواقف . فيضيف أدوات و يحذف أخرى ، أو يقاتل بعض “الشوائب” الإسلامية التى لا ترغب فى الخضوع ، أو لا ترى أن أمريكا هى الإله المعبود .

مسيرة أمريكا مع القاعدة  :
لم تؤسس الولايات المتحدة تنظيم القاعدة ، كما هى الكذبة أو التشنيعة الرائجة . فتأسيس القاعدة تم بمجهود أسامة بن لادن وإمكاناته وقدراته الخاصة ، فى ظرف كان مواتيا للغاية ، وتوافر له مساعدان يمتلكان قدرات مناسبة لذلك العمل كما كان يتخيله بن لادن ، وكما تخيل معه هذان الشبان المصريان ، وهما بطلا معركة جاجى الشهيرة التى قاداها مع بن لادن .

معركة جاجى عام 1987 كانت بداية الفكرة الطموحة لإنشاء تنظيم جهادى دولى على هامش الجهاد فى أفغانستان . فنجاح بن لادن ومن معه من الشباب كان مذهلا للجميع حتى لأصحاب الإنتصار أنفسهم ، ولكافة من تابعوا أجوائه من قريب أو بعيد . بدأ تشكيل التنظيم بعد تلك المعركة بقليل ، فى أجواء حماس منقطع النظير ، وترحيب بزعامة بن لادن كقيادة شابة وميدانية ـ وسلفية جهادية معتدلة . وكان ذلك متوافقا مع الاستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان.

ــ شن الأمريكيون حربا دعائية ونفسية ضد السوفييت على نطاق العالم لتشويه صورته التى حرص عليها ، مصورا نفسه كدولة مساندة لكفاح الدول الضعيفة ضد الإستعمار ، ومساندا للعرب فى كفاحهم ضد إسرائيل . كان الإخوان هم التنظيم الإسلامى الأول فى الحرب الدعائية والنفسية ضد السوفييت ، وهاهى القاعدة كتنظيم قتالى شاب يثبت جدارته فى معركته الأولى فى الميدان الأفغانى ضد السوفييت . كان ذلك توافقا أمريكيا غير مباشر مع القاعدة وتآمرا أمريكيا مباشرا مع الإخوان .
بداية القاعدة ـ على هامش حرب أفغانستان ـ كانت براقة جدا وسريعة بشكل مبهر ، حتى إعتقد كثيرون أنها الإنعتاق الإسلامى الذى جاء أخيرا .

فتسارع الأفراد والجماعات لأداء البيعة لأمير التنظيم بن لادن ، حتى بلغ تعداد المنتسبين حوالى 12 ألف شخص خلال أسابيع قليلة . وهذا يشبه الإندفاع نحو داعش فى الوقت الحالى . فظروف العالم الإسلامى ، خاصة شريحه الشباب تتجاوب مع الدعوة إلى الإسلام خاصة من باب ” الجهاد ” واستخدام القوة ضد العقبات ومسببات الإنحدار ، وضد القوى التى ظلمت وأهانت الأمة . فالشباب يتوق إلى العظمة والقوة والإنعتاق من الضعف المهين . وهنا يتولى التنظيم الجديد ، سواء كان القاعدة أو داعش أو غيرها ، بتقديم لائحة الأعداء وأساليب العنف المعتمدة ضدهم ” جهادا فى سبيل الله ” . ومن هنا تبدأ الكوارث التى نعيشها الآن .

توجيه أمريكى غير مباشر :
أول تسلل أمريكى صوب القاعدة إستهدف استدراجها إلى مسار محدد فى الرؤية الأمريكية لدور” الورقة الإسلامية ” ليس فقط ضد السوفييت ، بل فى العالم العربى و الإسلامى ثم العالم بشكل عام  .
ــ جاء التسلل الأول عبر التدريب العسكرى . فقد كانت القاعدة فى حاجة إلى تدريب كوادرها إلى مستويات أعلى . فى الساحة وقتها كان هناك معسكرا تابعا لمكتب الخدمات الذى يديره عبد الله عزام ، وكان يعانى من قصور الرؤية لدور التدريب ومستواه المطلوب ، ومعرضا لضغوط سعودية لمراقبة البرامج والمتدربين . ورغم وجود مدرب سورى ممتاز وهو ضابط سابق ، إلا أن المعسكر كان أبعد عن تلبية الإحتياجات المطلوبة .

عن طريق تنظيم الجهاد المصرى المندمج وقتها فى القاعدة تم إستقدام ضابط مصرى يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل ضمن قوات مكافحة حروب العصابات فى أمريكا اللاتينية ، لتدريب التنظيمين التوأم . ولكن برامج التدريب كانت “ملغومة” وتتخطى ما هو مطلوب فى حرب أفغانستان . إذ إحتوت وبشكل ملفت للغاية على برامج حروب الإرهاب فى المدن من مراقبة واختطاف وتدمير ، وصولا إلى … إختطاف الطائرات !! .

لم يكن الأمر فى حاجة إلى ذكاء عالى المقدرة لفهم أن ذلك يعنى تأهيل ” المجاهدين العرب ” لمهام مستقبلية بعد حرب أفغانستان . بل أن بعضهم سارع بترك الساحة الأفغانية لتطبيق المهارات الجديدة فى ميادين أخرى . كان ذلك قبل أكثر من عام كامل من إنسحاب السوفييت فى مارس 1989 . وقبل إثنى عشر عاما من غزوة طائرات منهاتن فى 11/9/ 2001 .

ــ  كانت التدريبات تجرى فوق الأرض الأفغانية طبقا لرؤية لا شأن لها بأفغانستان بل أضرتها ضررا بليغا . لم يكن ذلك شأن القاعدة وحدها بل شأن جميع التنظيمات الجهادية التى نبتت بعد ذلك مثل الفطر على سطح الماء الراكد ، خاصة بعد معركة جلال آباد الفاشلة عام 1989 ، فنشرت معسكراتها على جانبى طريقها الدولى القادم من باكستان .

ــ ولابد من الإعتراف وبوضوح أن الفكر الوهابى المسيطر على الساحة الاسلامية قد دخل بالناس إلى متاهات مهلكة دمرت المجتماعات وعقدت مشكلاتها ، فخلق مشكلات أعوص ، إلى درجة تعرض الآن وجود الأمة لخطر الزوال بعد خلط المفاهيم والمسير الخاطئ فى مجال السلم كما فى مجال الحرب .

 

الثأر الوهابى من أفغانستان :

ولم تنشط الوهابية فى المجال العام أيا كان ـ خاصة المجال الجهادى ـ إلا وانتكست مسيرة الشعوب وتدهورت من كارثة إلى كارثة أشد وأعقد  . والأمثلة أصبحت الآن أكثر من أن يشار إليها ، والمسيرة بدأت بأفغانستان ويبدو أنها تتهيأ للعودة إليها الآن ـ بعد رسائل الغزل بين الظواهرى والأمير منصور فى منفاه الباكستانى ، بينما داعش ترسل كتائب الموت إلى “خرسان” لتكفير طالبان ونسف الأفغان أينما تمكنوا منهم.
وهابية داعش والقاعدة تستأنف فى أفغانستان رسالتها التقليدية فى إنهاء الإسلام التقليدى الذى يحمله علماء أفغانستان بدعوى أنه شرك وقبور . وإنهاء الحاضنة الطبيعية للإسلام التقليدى هناك ، أى إنهاء القبائل بتقسيمها إلى مسلمين” أتباع داعش”  وكفار “أتباع العلماء الأفغان” . ثم إنهاء الجهاد غير الوهابى والذى تتصدره حركة طالبان .
أى بإختصار تحقيق ما عجزت عنه الحملات العسكرية الغربية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم ، حملات الجيوش البريطانية ، والروسية ، والأمريكية والأوربية .
من وجهه نظر داعش فإن القاعدة أثبتت فشلها حيث لم تفعل سوى إسقاط حكم طالبان وإدخال الجيوش الأمريكية إلى البلاد . داعش والقاعدة معا إذا تمكنا من إكمال برنامجهما المشترك وتقسيم الأدوار بينهما تحت رعاية الحكومة الباكستانية ،  فإنهما قد يتمكنان من إقتلاع الإسلام نفسه وتدمير مقوماته الإعتقادية والإجتماعية من آخر قلاع الإسلام فى العالم ( أفغانستان ) .

ــ      التسلل الأمريكى الثانى إلى القاعدة كان بالتأثير غير المباشر على مسيرة قائدها “بن لادن” بمنعه من مغادرة السعودية بعد عودته إليها فى أعقاب معركة جلال آباد غير الناجحة فى يوليو 1989 . وخلال ذلك الإحتجاز تم إغتيال عبد الله عزام فى بيشاور .
ثم تمكن بن لادن بصعوبة بالغة من العودة إلى باكستان بدعوى تصفية أعماله هناك . وخلال الفترة القصيرة التى قضاها أدرك بوضوح أن باكستان لم تعد تصلح له ، وأن حياته ستكون مهدده ” فى الأخير كانت نهاية بن لادن فى باكستان ، مقبرة الإسلام ” . وأخذ يتنقل داخلها بشكل مستمر وسريع من مكان إلى آخر ، ولم يكن يريد العودة إلى السعودية حتى لا يوضع مرة أخرى قيد الإقامة الجبرية ، فكانت السودان خيارا وحيدا . وكان قد نقل معظم أفراد وكوادر القاعدة إلى هناك إضافة إلى ما أمكنه الحصول عليه من أمواله المجمدة فى السعودية .

 

ــ      إستمر الضغط الأمريكى شديدا ومتواصلا لدفع بن لادن إلى المكان الذى ترغب الولايات المتحدة أن تبدأ فيه برنامجاً موسعا ، ويحتاج إلى مواصفات بن لادن كى يلعب أمامها دورالشرير فى أفلام رعاة البقر . عنوان الشر فى هذا الإستعراض هو “الإرهاب الإسلامى” وكان بن لادن وقتها أكبر الرموز العربية للجهاد الأفغانى ضد السوفييت ، والأشهر عالميا كأكبر “داعم للإرهاب” وممول للمجموعات الجهادية فى عدة بلدان عربية ، والمتهم بإدارة معسكرات تدريب فى السودان والصومال وأفغانستان . وفى النهاية إتفقت الحكومتان الأمريكية والسودانية على نقل بن لادن إلى أفغانستان ، واصفين ذلك بالحل الأفضل بالنسبة للجميع حتى بن لادن نفسه ، وذلك بديلا عن تسليمه إلى السعودية ـ التى أسقطت عنه الجنسية السعودية ـ أو تسليمه لأى حكومة آخرى .

 

كان الهدف الأمريكى هو أفغانستان منذ البداية ، والشركات الأمريكية الكبرى ركزت أعينها على ثروات أفغانستان الطبيعية (وفى مقدمتها الأفيون)، والمشكلة كانت وجود عدة آلاف من المتطوعين العرب. فبدأوا بطردهم من أفغانستان ومطاردتهم دوليا . ولكن وبشكل غير متوقع ظهرت حركة طالبان التى إستولت على الحكم بعد وصول بن لادن إلى أفغانستان بعدة أشهر . يتضح الآن أن الخطة الأمريكية كانت هى إستخدام القوة المسلحة للإستيلاء على أفغانستان وثرواتها ، وسحق طالبان بذريعة إيواء قائد ومحرك الإرهاب الإسلامى فى العالم ” أسامة بن لادن”.
لم يكن تنفيذ ضربة كبرى ضد أفغانستان ممكنا بدون إستفزاز كاف يعطى المبرر لذلك .
قام بن لادن بمهمة الإستفزاز خير قيام موفرا ما يكفى من ذرائع لأسوأ هجمات الغزو والعدوان التى تعرضت لها أفغانستان فى تاريخها . وكان ذلك موضوع الصراع الخفى بين “بن لادن ” والإمارة الإسلامية .
الضغوط التى وقعت علي السودان إنتقلت أضعافا مضاعفة على أفغانستان وأمارتها الإسلامية الناشئة . بن لادن وحده أصبح مصدرا لما لا يمكن تصوره من ضغوط خارجية ، من الولايات ومن خلفها معظم دول العالم ، إحتجاجا على تصريحات بن لادن فى مؤتمراته الصحفية التى عقدها على الأرض الأفغانية (بدون علم أو تصريح الامارة) . وكان إعلانه ” الجهاد فى جزيرة العرب لتحرير المقدسات الإسلامية ” قد أسبغ خطورة خاصة على كل ما يتصل به ، وبات العالم يترقب شكل هذا الجهاد ، والجماعات الإسلامية فى العالم العربى هاجت وماجت ما بين أقلية مؤيدة وأكثرية معارضة ، تشعر بالخوف على مكانة تنظيماتها من أن تتلاشى بفعل عاصفة بن لادن التى قد تبتلع الجميع وتسحب البساط من تحت أقدام قضت عقودا على طريق إنشاء تنظيمات تحقق لها الشهرة والمكانة السياسية .
كانت الإمارة الوليدة فى أفغانستان تخوض حربا ضارية ضد تحالف الشمال الذى يشمل طيف المعارضة كلها بدعم دولى ، ومن دول الجوار القريبة مثل إيران وروسيا . كانت الحرب تهدد بتقسيم البلد إلى كيانات عرقية ومذهبية .

ــ      معاملة “الملا محمد عمر” كانت مثالية مع المهاجرين العرب ، ومعظمهم جاء حديثا بعد وصول بن لادن فى مايو 1996 ، والقليل منهم لم يستطع مغادرة أفغانستان منذ إنتهاء الحرب ضد الشيوعيين وسقوط نظامهم فى أبريل 1993 . كان العرب موضع تقدير عام من الشعب الأفغانى لوقوفهم إلى جانبهم فى أصعب مراحل القتال ضد السوفييت والشيوعيين ، وفيها كان الشباب العربى مثالا عاليا فى البطولة والتضحية ، كما بذلوا مجهودا كبيرا فى مجالات الصحة والتعليم والمعونات الإنسانية المقدمة للمهاجرين .

ولولا غلبة الأفكار السلفية على هؤلاء الشباب لأحدثوا تغييرا كبيرا ، ليس فى أفغانستان فقط بل أيضا فى المنطقة وربما العالم ، ولكن الشباب إفتقدوا إلى الفكر الدينى والدنيوى المناسب ، وإلى قيادات على مستوى الحدث الأفغانى بأبعاده الدولية الخطيرة .
وما زال ذلك هو حال المتطوعين العرب فى كل مكان : سلفية معرقلة ، وجهل سياسى معيب ، وقيادات دون المستوى بكثير أو بلا مستوى على الإطلاق .

ــ    فى البداية طلب الملا عمر من بن لادن أن يتوقف عن المؤتمرات الصحفية وأن يلزم الصمت لأن ظروف أفغانستان لا تحتمل كل تلك الضغوط القادمة عليها بسببه . ثم طيب خاطره قائلا بأن الإمارة ترحب به وبكل العرب الذين وفدوا إليها وجاهدوا مع شعبها ، وأنها وطنهم وهم فيه أحرار مثل كل مواطنيه ، وأن الإمارة لن تسمح بأن يصيبهم أى مكروه . كان كريما وعاطفيا وصادقا . ولكنه لم يصادف معاملة مماثلة من العرب ، كما أن بن لادن لم يلتزم بما طلبه منه أمير المؤمنين .

بل هدده فى إحدى المقابلات برفع قضيته أمام محكمة شرعية بسبب منعه من التحرك فى قضيته الجهادية . وكانت صدمه للأمير أعقبها فتور طويل فى العلاقة بينهما .
لتهدئة بن لادن وإيقاف تصريحاته النارية ضد الولايات المتحدة ، وتحذيره من توجيه أى أعمال عدائية ضدها ، نظرا لظروف أفغانستان الحرجة ، أشرك الملا عمر فى مجهوده عددا من المسئولين والمستشارين ، منهم رئيس الوزارء “ملا محمد ربانى” ووزير الخارجية محمد حسن ثم وزير العدل محمد حسن ترابى ، ثم الملا جليل المستشار السياسى للملا عمر .
أما المولوى الشاب / وكيل أحمد متوكل وزير الخارجية فقد تابع ملف بن لادن بتركيز لأكثر من عام فى نهاية حكم الإمارة . ولم يجد كل ذلك نفعاً إلى أن وقع حادث 11 سبتمبر ونشبت الحرب التى مازالت دائرة حتى الآن ، على إمتداد 14 عاما قاتلة .

ــ     أثناء وجود بن لادن ومئة ممن معه ، بمن فيهم من نساء وأطفال ، توجهت حملة مسلحة من الأشقياء عبر الحدود مع باكستان مستهدفة مقر إقامة هؤلاء العرب على أطراف مدينة جلال آباد . فأحبطت حركة طالبان المحاولة واعتقلت عددا من القائمين عليها .

وأفادت المعلومات أن الهجوم رتبته باكستان والسعودية (!!) .
إنتقل بن لادن ومن معه إلى قندهار ليكون تحت حماية أوثق من الإمارة . ولم يكن الدرس كافياً . فاستمر بن لادن على ما هو عليه ، واستمرت الإمارة فى موعظته مع الإمتناع عن مضايقته بأى شكل . ولم تكن تلك هى السياسة المثلى ، كما أثبتت الأحداث اللاحقة ، إذ أن وضعه قيد الإقامة الجبرية كان الأفضل له ولأفغانستان . وهو ما رفضت الإمارة فعله .

ــ    محنة آخرى تعرضت لها الأمارة دفاعا عن بن لادن ، وتصدى لها الملا عمر بصبر وإصرار . عندما وصل إلى قندهار على ظهر طائرة بوينج خاصة تركى الفيصل مدير المخابرات السعودية ، وبرفقته السفير السعودى لدى باكستان وأفغانستان ، والذى كان ممنوعا من دخول أفغانستان بأمر من الملا عمر بسبب سوء تصرفه . هدف الزيارة كان المطالبة بتسليم بن لادن ومن معه لحملهم إلى السعودية . وتفاصيل الحوار الخشن أصبحت مشهورة ، وانتهت باستحكام الأزمة بين البلدين .

وأصر الملا عمر على عدم تسليم بن لادن طالما لا يوجد دليل مادى يدينه بأى شئ ، إضافة إلى أنه لم يعد مواطنا سعوديا بعد أن أسقطت عنه جنسيتها .

ــ     فى يوليو من عام 1998 وقع حادث التفجير المتزامن ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام بأفريقيا . ورغم أن القاعدة لم تعترف بمسئوليتها عنه ، إلا أن أمريكا قصفت بصواريخ كروز عدة أهداف داخل أفغانستان ، منها معسكران لتنظيم القاعدة ، ومعسكر مجاور لهما يعود لجماعة باكستانية ، ثم قاعدة جاور الشهيرة التابعة لجلال الدين حقانى ، وهى ليست بعيدة من المعسكرات السابقة التى جميعها تقع فى منطقة خوست فى جنوب شرق أفغانستان .

ــ      فى عام 2001 وقع حادث 11 سبتمبر ، ولم تعترف به القاعدة بشكل مباشر . وطالبت أمريكا مباشرة وعبر حلفائها ، خاصة باكستان، بتسليم بن لادن ، ولكن الملا عمر أصر على موقفه القديم وطالب بالأدلة ، ولكن أمريكا ترى أن ما تقوله يكفى ولا يحتاج إلى أى أدلة.

ــ حادث 11 سبتمبر كان عملا غاية الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية حول العالم ، وربما تزيد أهميته عن حادث “بيرل هاربور” الذى أتاح لها دخول الحرب العالمية الثانية بعد أن كان الرأى العام الأمريكى يعارض أى تورط جديد فى حروب القارة العجوز بعد مأساة الحرب العالمية الأولى .
ــ فبعد حادث سبتمبر أصبح المسلمون مستباحون على طول العالم وعرضة ، شعوبا ودولا ودينا .. حاضرا ومستقبلا .. وإلى قيام الساعة.

تم فرض اللعبة فقبلها العالم عن طيب خاطر ، كل يبحث عن نصيبه من الغنيمة . حتى المسلمون أنفسهم أقبلوا عليها ، عن جهالة أحيانا أو بحثا عن فتات بين أحذية الكبار فى أحيان أخرى . وهناك نجد جماعات وتنظيمات وأحزاب ومشايخ ورؤساء وقادة ومجاهدين ، وإسلام سياسى وغير سياسى ، دراويش ودواعش ، وقوفا وقواعد .

# وكما كانت بيرل هاربر إستدراجا لليابان عبر إجراءات الحصار الإقتصادى الخانق ، الذى لم يترك لها خيارا سوى شن الحرب على الولايات المتحدة بديلا عن الإستسلام غير المشروط . بالمثل جاء إعلان بن لادن الجهاد على الولايات المتحدة ، نتيجة لسلسلة من الضغوط القاسية التى لم تترك له خيارا آخر سوى إعلان الجهاد على تلك الدولة ، التى أخرجته بيته بجوار الحرمين الشريفين ، لإخراجها هى من جزيرة العرب وتحرير الحرمين الشريفين وجزيرة العرب من جيوشها ، لأن الخيار الآخر كان الإستسلام للجلاد الأمريكى .

لقد أرغم بن لادن على ترك معظم أمواله فى السعودية التى بادرت بإسقاط جنسيتها عنه . ثم أرغم على مغادرة السودان تاركا ما تبقى من أموال أراد استثمارها هناك لبناء دولة إسلامية مزدهرة . وها هو الآن شبه معدم فوق جبال تورابورا وسط حفنة قليلة من الشباب المطاريد ، الذين أغلقت فى وجوههم فجاج الأرض ، وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ، فكان خيارهم هو الهجوم بديلا عن الإستسلام .

 { تجدر هنا ملاحظة أن “بن لادن” فى بيانه الأول ، طالب بتحرير المقدسات الإسلامية وفى مقدمتها الحرمين الشريفين كما طالب بتحرير جميع الجزيرة العربية . ولم يعلن الجهاد للأسباب الوهابية التى شاعت من قبله ومن بعده ، أى لتحطيم الأضرحة والأصنام ، أو إبادة الشيعة أو القضاء على الصوفية ، أو محو المذاهب الأربعة لأهل السنة بإحلال الوهابية مكانها ، أو تطبيق الشريعة بالفهم الوهابى للشريعة على أنها فقط قانون العقوبات الشرعية من قطع وقتل ورجم . وهى عقوبات مشددة يسبقها حتما تشييد حكم إسلامى قائم على العدل والمساواة والرعاية الإجتماعية للجميع ، حتى تنتفى ضغوط الحاجة على الفرد بحيث تدفعه إلى الخروج عن إطار أحكام الشريعة ــ وهذا مالا تذكره الوهابية بل تقاتل من ينادى به وتتهمه بالشرك أو الكفر . لهذا كان يمكن إعتبار بن لادن وقتها ، شخصا مستنيرا ، وسلفيا معتدلا }.

فكرة “غزوة مانهاتن ” لم تأت من داخل تنظيم القاعدة ، وكذلك التخطيط للعملية وأيضا معظم إجراءات التنفيذ . وفى هذا الإطار المتشعب لعمل خطير إستمر الإعداد عدة سنوات ، كان نفاذ العدو إلى مفاصل العملية أمرا واقعاً ، وفتح العدو أمامها السبل ، وقام بنفسه بخطوات جوهرية فى العمل الذى تلبسته القاعدة ، وسيظل المسلمون يحملون ـ ظلما ـ وزره إلى قيام الساعة ، وأفغانستان تدفع يوميا من دم أبنائها ، حتى الآن ، ثمن تلك الغزوة المليئة بالألغاز .

لقد أدى بن لادن البيعة ” للملا محمد عمر” بصفته أميرا للمؤمنين . تمت البيعة بصعوبة ولم تحترم بشكل كامل ، وأخترقها بن لادن متسببا فى حرب أحرقت أفغانستان وأسقطت حكم الملا عمر وإمارته الإسلامية .
باقى التنظيمات المماثلة للقاعدة والمتنافسة معها ، كانت مسيرتها فى أفغانستان مشابهة لمسيرة القاعدة ، ليس فقط فى عدم إحترام البيعة ـ فبعضهم لم يبايع أصلا ـ لكن الجميع كان فى حاجة إلى مأوى لتجميع عناصرة ، وفى حاجة لمعسكر تدريب خاص ،

وفى الأخير سعوا إلى تجنيد عناصر من حركة طالبان فى صفوف تنظيماتهم ـ ونجحوا جميعا بدرجات متفاوته ـ وكادت أن تصبح الظاهرة مـألوفة ، وهى وجود آحاد من عناصر أو كوادر طالبان يعملون بشكل قريب جدا ، أو حتى كعناصر منظمة ، مع التنظيمات العربية .
كان هناك تسابقا محموما على إستقطاب عناصر من طالبان . وبعض الوهابيين العرب عقد جلسات تثقيفية لعناصر من طالبان لتوضيح الإنحرافات الشرعية ـ والشركيات ـ التى تحتويها المناهج الدراسية التى يتلقاها طالبان فى مدارسهم المعتمدة “!!” .

ــ    القاعدة أنشأت “معهدا علميا ” فى قندهار لتدريس العلوم الشرعية واللغة العربية ، وصادف نجاحاً ملحوظا فى أوساط الكوادر العاملة فى الإمارة حول أمير المؤمنين ، وكان ذلك أخطر الإختراقات .
ولكن إتجاهه كان منصبا على توثيق الروابط الشخصية أكثر من تركيزه على تصحيح (العقائد المنحرفة) لدى طالبان ، كما فعلت التنظيمات الأخرى . ولكن نشاطات التجنيد لدى القاعدة كانت قوية ونشيطة بين طالبان وبين أوساط العرب سعيا لضم أكبر قدر منهم إلى صفوفها ، التى كانت تعانى من نقص فادح فى قواها البشرية منذ ذهابها إلى السودان .

حاولت القاعدة ضم تنظيمات بكاملها إلى صفوفها وترى أن ذلك من حقها بعد الشهرة الكبيرة التى نالها التنظيم وقائده وبعد الضربات الناجحة التى وجهها إلى الولايات المتحدة فى أفريقيا وعدن وفى النهاية ” غزوة منهاتن ” فى 11 سبتمبر .

أكثر ما أزعج القاعدة كان القائد الأوزبكى (محمد طاهر) قائد الجماعة الإسلامية المهاجرة إلى أفغانستان . وكان طاهر قريبا جدا من أمير المؤمنين محمد عمر . وتنظيمه كان أكثر حيوية وأدق من أى جماعة عربية فى الساحة . والأخطر كان حرصه على إبعاد تنظيمه عن السلفية وتمسكه بالمذهب الحنفى السائد فى بلاده كما فى أفغانستان . توترت العلاقة بين القاعدة والتنظيم الأوزبكى حتى كادت أن تصل يوما إلى إشتباك مسلح فى كابل على إثر حادثة ذات بعد مذهبى ، تراجع فيه طاهر متسامحا فقابلته القاعدة بالمزيد من التعنت . زاد من كراهية القاعدة ” لطاهر” حصول قائده العسكرى ” جمعه باى ” على قيادة القوة المشتركة للمتطوعين الأجانب بناء على إختيار الملا عمر شخصيا

–  لعلها نقطة إيجابية فى كارثة الغزو ، أن أدت الهجمة الأمريكية على أفغانستان إلى طرد كافة التنظيمات العربية . وقبلها كانت مسألة وقت فقط حتى تنقسم حركة طالبان إلى عدة منظمات وهابية متصارعة ، بعدد المنظمات العربية الموجودة فى أفغانستان .
بالطبع لن يسير شعب أفغانستان خلف منظمة وهابية حتى لو كان إسمها طالبان ، وبالتالى سيقع الصراع بين شعب أفغانستان وبين طلبة العلوم الشرعية الذين هم تلامذة علماء أفغانستان ، فأى مستقبل مظلم كان ينتظر الإسلام فى ذلك البلد ؟؟ .
لقد إنتصر الأفغان فى كل مرة واجهوا  فيها جيوش الكفر الغازية ، ولكن مع برابرة الوهابية فإن الغزو سيتم بإسم الإسلام ، من داخل الصفوف المسلمة التى سيكفر بعضها بعضا ، ويضرب بعضهم رقاب بعض ، على عكس ما حذر منه رسولنا الكريم بقوله ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .. ) وهذا ما يحدث الآن فى كل بلد نشطت فيه “الوهابية القتالية” ، فلم يشهد تاريخ المسلمين ، فى غير غزوات التاتار ، أن خربت ديار المسلمين بهذا الشكل الهمجى ، أو كان الإسلام أضعف فى دياره ، من زمن الفوضى الوهابية تتلك .

ــ  و إستطال الزمن فى أفغانستان بمنظمات ” الوهابية القتالية ” فهل كان وضعها سيكون أفضل مما حدث فى مناطق وزيرستان القبلية التى إستقر بها جزء من تلك المنظمات بعد فرارهم من أفغانستان ؟؟ . فماذا فعلت القاعدة وتنظيمات الوهابية القتالية فى وزيرستان ، بعد الإحتلال الأمريكى لأفغانستان عقابا لها على “غزوة منهاتن” التى لم تدر عنها شيئا ؟؟!!.

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 / 9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world




الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

رياح السموم .. الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية ( 3 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 3 من 6 )
الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

إن شئنا التحديد فإن ما جرى الإصطلاح عليه بأنه ( الإسلام السياسى ) هو ما نعنيه هنا برياح السموم التى هبت من بلاد العرب فأربكت المشهد الأفغانى وأضعفت من قدراته التاريخية فى التصدى للغزو الخارجى ، معتمدا على تراث دينى عريق متوارث ، وعلماء يحظون بمكانة إجتماعية عالية جدا ، ثم القوى الإجتماعية الراسخة والمتمثلة فى القبائل ، التى يمكن أن تختلف على أى شئ ما عدا إثنين من المقدسات الجامعة وهما الإسلام ، والحرية .

بإختصار فإن الإسلام السياسى موجه أساسا لإضعاف البنية الإسلامية الحقيقية فى المجتمع لإستبعادها ، إما مباشرة وفورا : كما تصنع السلفية بأنواعها وصولا إلى الحركة التكفيرية الوهابية التى تكفر كل البنيان الإسلامى التقليدى ، وتهدمه فورا بإعمال السيف فيه .

= والطريقة الأخرى هى ما يتبعه تيار “الإسلام السياسى المعتدل” وترأسه جماعة الإخوان المسلمون ومشتقاتها. وأسلوبها فى ضرب الإسلام التقليدى وقواه الإجتماعية الحاضنة هى :

أولا : الإستمرار فى تمثيل الدين وإدعاء التجديد والحداثة ، وبذلك يضعف العلماء التقليديون وتبقى الكتلة الإجتماعية الحاضنة بدون حماتها ومرشديها التاريخيون . وتضم الجماعة فى صفوفها بعض هؤلاء العلماء الذين يقبلون بالجلوس فى الصفوف الخلفية للجماعة بدون سلطات أو صلاحيات ، سوى الجلوس كعرائس خشبية ، لإيهام الجمهور أن “العلماء” يدعمون الحركة .

وهذا ما فعلته أحزاب الإخوان المسلمين فى أفغانستان ، إذ استقطبت بالخديعة والإغراء من استطاعت من علماء مجاهدين ، وأبعدتهم عن قبائلهم وعن جبهات القتال ، وشغلتهم بمهام فرعية أو تشريفاتية فى كواليس تلك الأحزاب .
والذين رفضوا اللعبة الحزبية للإخوان وأصروا على البقاء وسط قبائلهم ومجاهديهم ، منعت عنهم المعونات. (( وتلك هى كلمة السر العظمى فى قضايا الجهاد الذى تموله جهات خارجية كما حدث فى الجهاد ضد السوفييت ، وكما هو حادث الآن فى عمليات الجهاد فى دول الربيع العربى من ليبيا إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا )) .

الحزب أولا : قبل الإسلام وقبل القبيلة .
أسس الإخوان وتنظيماتهم الحزبية فى أفغانستان لقاعدة جديدة فى القيادة ، التى كانت سابقا وقفا على علماء الدين وزعماء القبيلة وأبنائها المميزين . فأصبحت القيادة ” للحزب” القادر على الإمداد بالمال والسلاح فى مقابل الولاء الحزبى فقط ، بصرف النظر عن القتال ضد المستعمر الذى لم يعد هو العدو الأول بل يسبقه أو حتى يستبدل بعدو آخر هو الأحزاب المنافسة ، العاملة فى نطاق نفس القبلية أو فى الجوار الجغرافى . فصار القتال داخليا بين الأحزاب رغم الإنتماء القبلى الواحد وقبل ذلك الإنتماء الدينى الواحد . فتزايدت الصراعات الداخلية وضعفت رابطة الدم داخل القبيلة ، كما ضعفت الرابطة الإسلامية بين القبائل . حتى القبيلة الواحدة تجزأت بعدد الأحزاب التى إخترقت صفوفها لتجنيد الأتباع تحت إغراء المال والسلاح ، فصارت القبيلة الواحدة سبعة قبائل على الأقل ، وتباعدت القوميات عن بعضها حيث إكتسبت بعض الأحزاب صبغة عرقية إلى جانب الصفة الدينية . مثل الحزب الإخوانى المسمى بالجمعية الإسلامية الذى كان يقوده برهان الدين ربانى أكبر الإخوان سنا ـ وكان من القومية الطاجيكية ـ وقد إكتسب حزبه حتى الآن تلك الصفة القومية .

جميع الأحزاب الجهادية لعبت أدوارا سلبية كثيرة ، كان أبرزها تفريق صفوف الشعب الأفغانى ، وجعل القضية الأولى هى الحزبية ـ وليس الحرية والإستقلال والتخلص من الإحتلال . وعلى نطاق واسع فهم الشعب الأفغانى الدور السلبى للأحزاب ولكنه كان مضطرا للقبول بها كأمر واقع لا يمكن دفعه ، لأن الإستفادة مما توفره الأحزاب من إمدادات للقتال ، هو أمر أكثر فائدة من محاولة مقاومتها والإنغماس بالتالى فى قتال داخلى ، وخيم العواقب من كافة الوجوه  .

ولو أمعنا النظر لاكتشفنا أن فرق الإسلام السياسى / من أقصى التكفير الوهابى الى أقصى الأكروبات السياسى للإخوان / جميعا تفرق الشعوب ولا تجمعها ، وتضعف الحالة الإسلامية المتوارثه بدون أن تقدم عنها بديلا أو أن تطورها وتقومها .
كما أنها جميعا تصرف أنظار الشعوب عن قضاياها وأعدائها الحقيقيين ، إلى أهداف ثانوية وأعداء مخترعين . فلا نندهش إذن من ترحيب إسرائيل بهؤلاء الإخوان والجهاديين التكفيريين ، ونفهم دفاع أمريكا والغرب عن الإخوان المسلمين والسعى لإعادتهم إلى قمة الساحات التى فشلوا فيها خلال عواصف “الربيع العربى” نتيجة لحماقاتهم وإدمانهم على العمالة المنقادة وليس القيادة الرائدة .
وندرك أيضا تمسك أمريكا بالإخوان المسلمين كشركاء على قمة السلطة فى أفغانستان المحتلة أمريكيا ، كما تمسكت بهم على قمة الأحزاب الجهادية وقت الإحتلال السوفيتى ، ثم على قمة السلطة فى كابول فى حكم مشترك بعد إنسحاب السوفييت ، إلى أن أسقطتهم حركة طالبان ، فتدخلت أمريكا مباشرة لإسقاط إمارة طالبان الإسلامية بعد عملية 11 سبتمبر المفتعلة ، فى حملة عسكرية بالغة العنف أعلنها جورج بوش حربا صليبية بلا حياء أو مواربة .

ــ  ذلك هو جانب واحد من جوانب الآثار المدمرة لرياح السموم العربية التى ضربت أفغانستان ، وهو للتذكير : { ضرب الإسلام التقليدى وتفتيت البيئة الإجتماعية الحاضنة له } . بمعنى إستبعاد وإضعاف العلماء ودورهم فى المجتمع ، ثم تفكيك المكونات التقليدية للمجتمع إلى شظايا متناحرة غير قادرة على حمل رسالة الدين أو حمايته .

ذلك هو دور الإسلام السياسى بجميع أطيافه ، من الإخوانى وحتى التكفيرى الفوضوى ، وهى تيارات تؤدى هذا الدور عن جهل مطبق على مستوى القواعد والكوادر ، وليس على مستوى القيادة العليا التى تمسك بمفاتيح التمويل والتوجيه الحركى ( أى القرار السياسى للحركة ) . تلك القيادات تمارس دورها المدمر بوعى كامل .

تكامل دور الأنظمة الحاكمة التى فرضها الإستعمار مع دور الإسلام السياسى فى تحقيق ذلك الهدف الإستراتيجى ، إلى أن ضعف دور العلماء فأصبحوا غثاء ملحقا بالسلطة التنفيذية الحاكمة وداعما لدورها القمعى ومبررا لسياساتها مهما كانت . أما المكونات الإجتماعية فقد ضعفت القبائل كثيرا بفعل الأنظمة التى جاءت بعد الإستعمار .

والمجتمعات التى كانت تتمتع بعائلات كبيرة (كبقايا من القبائل) تحللت فيها العائلة الكبيرة لصالح العائلة بالغة الصغير ، وحتى تلك أصبحت تواجه صعوبة كبيرة فى الإستمرار ، فتضاعفت نسب الطلاق وتفككت العائلات كنتيجة حتمية لتفشى الفقر والإنحلال الأخلاقى فى مجتمع إستهلاكى قائم على الفردية ومفتوح على مصراعيه أمام غزو ثقافى جارف من الثقافة الأمريكية .

وفقد المجتمع أى مؤسسات شعبية تشارك فى السلطة وتراقب أداء الحكومات .
الجهاد فى سبيل أمريكا  :
يمكن القول أن الأحزاب الإخوانية الثلاثه كانت هى عماد ” الجهاد الأفغانى ” ضد السوفيت ، أما الأحزاب الثلاث الأخرى ، من علماء ملكيون ، فكان تواجدهم ثانويا ولمجرد تملق الرأى الشعبى الأفغانى . وبين المجموعتين يجئ ” حزب إسلامى ” بقيادة مولوى يونس خالص  الذى ضغطوا دوره حتى صار حزبا موضعيا إنحصر معظم نشاطه فى ولاية واحدة بعد أن كان مرشحا لدور كبير وإقبال شعبى غير عادى .

فالرجل من العلماء ، وقد استفاد إلى حد ما من طرق العمل الإعلامى والسياسى التى أدخلها الإخوان المسلمون فى مواجهة التيار الشيوعى فى كابول فحقق شعبية مرموقة ، وكان مقبولا من الإخوان والعلماء التقليديين معا . ولكن الجميع إنقلب عليه عندما لاحظوا تنامى شعبيتة ، التى أقلقت العيون الأمريكية اليقظة لكل شاردة وواردة ، والأيدى الباكستانية الممتدة عميقا فى أحشاء التنظيمات الجهادية الأفغانية.

ــ كانت تجربة الجهاد الأفغانى فرصة ذهبية لم يسبق وأن أتيحت للإخوان الدوليين . فارتفعت أسهمهم الدولية بعلاقات وثيقة ومميزة مع الولايات المتحدة التى إرتضت بمكانتهم الأولى على رأس الجهاد الأفغانى ، ووافقت مع باكستان على تخصيصهم بحصة الأسد من إمدادات السلاح مع الأموال المتدفقة من دول الخليج العربى . الجانب السلبى لذلك هو توجس النظمة العربية القوية من ذلك التقارب وتحسبها لأن يحتل الإخوان / والسلفية الجهادية/ مكان الحظوة لدى أمريكا ، فيتولون مستقبلا زمام الحكم فى العالم العربى . وهذا التوحس ثبتت صحته بعد ذلك فى العقد الثانى من القرن التالى “الحادى والعشرين”.

وخلال تلك الفترة تلقى تيار الإسلام السياسى مضايقات لا تحصى والعديد من الضربات المؤلمة من جانب عدد من الأنظمة العربية المتوجسة شرا . أما تنظيمات السلفية الجهادية فتحولت تدريجيا إلى الوهابية الجهادية أو حتى الفوضوية بتأثير ضغوط الأنظمة والدفع المدروس والعنيف صوب المزيد من التطرف بفعل الأجهزة الأمريكية المستفيدة ليس فقط بإمكانات العلم والتكنولوجيا بل أيضا بدراسات علوم الطب الحديث وعلوم النفس والإجتماع ، فأوصلتهم بتلك الجهود الأمنية والعلمية / وأحيانا العسكرية / إلى نقطة التطرف التى تتيح لها الإستفادة الكاملة منهم .
ــ فى ثمانينات القرن الماضى ، تمكن الإخوان من شحن الرأى العام العربى والإسلامى خلف قضية المسلمين الأولى ، أى أفغانستان وليس فلسطين بالطبع ، فانهالت الفتاوى بأن الجهاد فى أفغانستان فرض عين . وفتحت المطارات للعبور ، والسعودية كانت مركزا لنفرة المجاهدين صوب أفغانستان ، فتمكن الشباب من الحصول على تذاكر سفر مجانية أو مخفضة ، وإقامة مجانية وكريمة فى المملكة ، وتزكية إلى بيوت الضيافة فى إسلام آباد وبيشاور فى باكستان ، ومن هناك تتولاهم قنوات أخرى لتوصلهم إلى جبهات قتال . مع ملاحظة أنه بعكس الشائع فإن تدريب الشباب المتطوع لم يكن مرغوبا فيه من أى أحد ، ومعظمهم دخل إلى الجبهات خالى الوفاض من أى تدريب . ولم تبدأ موجة التدريب الحقيقية إلا على يد أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المندمج وقتها مع تنظيم الجهاد المصرى . فبدأت موجه التدريب بجهود ذاتية مضنية ولم يتمكن أحد من إيقافها ، بل نجحوا فى عرقلتها كما نجحوا فى خلق معسكرات للتدريب الوهمى ، مثل معسكر تدريب كونار التابع للقائد السلفى (جميل الرحمن) والذى أشرفت عليه جهات سعودية معنية بالأمن .

ولكن الإخوان لم يساهموا فى ذلك المجهود التدريبى خوفا من الأنظمة العربية ، فصاروا موضع تندر من الشباب العربى فى بيشاور ، خاصة حينما قال مرشد الجماعة ( حامد أبو النصر ) عندما زار بيشاور وسأله الشباب عن سر غياب الإخوان عن ساحات القتال واكتفائهم بأعمال الإغاثة الطبية والغذائية ، فقال ما معناه ( كنت أتمنى أن تسمح لنا حكومتنا بالجهاد .. ولكنها لم تفعل) . ولكن بمجهودات فردية بحتة تسرب بعض شباب الإخوان إلى الجبهات وبأعداد لا تذكر . وفى مجال التدريب يمكن بالكاد حصر أقل من خمسة مدربين إخوان طوال فترة ذلك الجهاد ، شاركوا بالفعل فى عمليات التدريب ولكن لفترات محدودة جدا ولا تكاد تذكر أيضا .

لقد أشعل الإخوان حماسة شباب المسلمين للجهاد بالنفس فى أفغانستان ، ولكنهم لم يجاهدوا سوى بالبطاطين والأدوية وتركوا ضريبة الدم لغير شباب الإخوان .  

ولكن بعد أن قرر الأمريكيون أن المولد قد إنفض وانتفت الحاجة إلى مثل ذلك الصنف من الشباب ، أعطوا إشارة البدء بالهجوم والمطاردة ونعت المتطوعين الشباب بالإرهاب والتطرف . كان الإخوان أول من ردد الإتهامات وعرضوا أنفسهم كقوة إعتدال قادرة على قمع تطرف من أسموهم (العرب الأفغان) ، الذين وصفت دورهم فى كتاباتى بأنهم مثل “بغال التحميل” التى تقتل رميا بالرصاص بعد إنتفاء الحاجة إليها .
ــ كان التقارب على أشده بين الأمريكيين والإخوان بعد نجاح التجربة فى أفغانستان بدرجة فاقت الوصف، فلقد أنتهى الإتحاد السوفييتى وكان الأمل فى البداية إستنزافه وإحراجه دوليا ، وأن تكون أفغانستان مثل كوبا ، أى مشكلة دائمة منخفضة المخاطر ، تتيح لأمريكا تدخلا دائما فى المنطقة بدعوى حماية دولها من المد الشيوعى . وبالنتيجة شعرت الأنظمة العربية بالخطر من التقارب الإخوانى الأمريكى والعلاقة الفعالة والناجحة التى أثبتت نفسها بجدارة فى المجال الدولى ، فكانت مدخلا لهزيمة السوفييت بل وزوالهم . ومن يومها بدأت تلك الأنظمة سياسة دفاعية ضد تقدم الإخوان ، تتراوح تلك السياسة بين الإستيعاب والقمع المحدود ، وليس الإبادة كما حدث مع متطوعى أفغانستان الذين واجهوا حربا طاحنة أضطروا إلى خوضها أو تورطوا فيها بغباء معتاد من قياداتهم الرعناء .
لقد أتقن الإخوان سياسة إستخدام بغال التحميل ،  أو ” المجاهد لمهمة واحدة ” والذى ظهر فى أفغانستان ، وهو المتحمس الجاهز لبذل روحه فى الجهاد فى سبيل الله ( حسب نيته الشخصية ) أو ( الجهاد فى سبيل أمريكا ) حسب نية الإخوان وقيادات الجهادية الوهابية التى يمكن للإخوان أو دول الخليج التأثير عليهم . وظهر التحالف جليا منذ أحداث الربيع العربى فى عام 2011 وحتى الآن .
وتجلت مهارة الإخوان / فى تشغيل أو إدارة أو توريط / الوهابية القتالية ، كما فى اليمن وليبيا وسوريا . ولا يمكن الجدال حول أهمية الدور الذى إحتله الإسلام السياسى الذى توسع ليشمل ـ أحيانا ـ تحالفا بين الإخوانية الدولية والجهادية العابرة للقارات ، فى إطار السياسة الكونية للولايات المتحدة ، التى أصبح ” الحرب على الارهاب ” محفزا رئيسيا لمنابع قوتها : عسكرية / أمنية / مالية / استراتيجية / فى آن واحد . ولكل طرف دولى أن يأخذ من ذلك الإرهاب أو يعطى ، يمنح أو يمنع ، يستفيد منه أو يضر منافسيه ، حسب طاقته وقدراته ومصالحة .

للإخوان مكانة متقدمة جدا من كل ذلك ـ منذ الحرب الأفغانية / السوفيتية وإلى الآن . ورغم نكسة الإخوان فى مصر وتراجعهم فى سوريا ، إلا أنهم منتشون جدا فى اليمن وليبيا وحتى فى العراق ـ أما السلفية الجهادية أو بالأحرى ( الفوضية الوهابية) فقد زادت خبراتها المكتسبة من سنوات الممارسة التى بلغت الآن حوالى ثلاثة عقود ، ولكنها لم تصل إلى درجة النضج التى وصلها الإخوان الأكثر عراقة وخبرة فى لعبة (الإسلام السياسى) أى المتاجرة بالاسلام فى سوق السياسة ، كسلعة تضمن تواجدا شعبيا فى العالم العربى الذى يفتقر الى أى تواجد سياسى غير حكومى . وذلك راجع إلى الطبيعة القمعية للأنظمة ، وإلى التربة الإجتماعية التى لا تتقبل حتى فكرة الأحزاب التى نبتت أصولها فى ظروف المجتمعات الغربية ونقلت تعسفا إلى التربة العربية ذات الثقافة المغايرة .

ــ نجاح الإسلام السياسى فى سوق السياسة الدولية والإقليمية ـ بدأ منذ عصر عبد الناصر وفرار الإخوان من مصر مهاجرين صوب دول الخليج النفطى تحت ثقل المطرقة الأمنية الناصرية . فكانت بداية مزدهرة (لإسلام السوق) الذى به تحولت ليس فقط الجماعات الإسلامية إلى مشاريع تجارية مربحة ، بل وحتى الدعاة المشهورين والمؤسسات الدينية الكبيرة ، توجهوا جماعيا صوب الخليج لمقايضة ” الإسلام الوسطى” بالإسلام الوهابى فى مقابل عمولات مالية مجزية .

ــ ” الجهاد ” بدوره تحول إلى فريضة (وهابية) وليس إسلامية . فالمنظمات الوهابية تشن حربا لاهوادة فيها ضد أى حركة جهادية غير وهابية ( وأهمها وأخطرها أثرا فى تحولات العالم الجديدة هى حركة طالبان فى أفغانستان) لهذا تتسابق داعش والقاعدة للإستحواذ على أفغانستان والتمركز فيها كرأس رمح فى حرب أمريكية/ أوروبية ضد النظام الأسيوى الجديد . حربا أهدافها الداخلية فى أفغانستان :

1ـ ضرب حركة طالبان بإعتبارها جهادا غير وهابى .

2ـ ضرب العلماء الأفغان بإعتبارهم عماد المذهب الحنفى والعقبة الأكبر أمام فرض الوهابية فى أفغانستان تحت دعاوى محاربة الشرك والقبور .
والأهداف الخارجية لتلك الحرب هى :
زعزعة الإستقرار والأمن فى كل من إيران والصين كخطوة أولى ، ثم إسقاط النظامين وتقسيم البلدين على المدى الطويل . ويمكن قول نفس الشئ عن الهند وروسيا الإتحادية . ولا يمكن تصور أن أمريكا ودول الغرب بعيدة عن تأييد ذلك المسعى ، بل أنها الداعم الأول له ـ كما سيجرى بحثه فى موضع آخر .

 

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 / 9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world




الإخــوان الــمـسـلـمـون

رياح السموم .. الإخــوان الــمـسـلـمـون : ( 2 من 6)

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 2 من 6)
الإخوان المسلمون
الإحتلال الأمريكى يستنجد بعصابات داعش لإستكمال سلسلة الفوضى فى أفغانستان . وهى فوضى متعددة الأذرع والأدوات ، بعضها تكلف إنشائه مليارات الدولارات ـ ولكنها تتصدع بسرعة مع تصدع قوات الإحتلال بفعل المقاومة الجهادية لقوات طالبان .

ولمجرد التذكير : فلقد أنشأ الإحتلال عددا من التشكيلات المسلحة لتكون ركائزا لخلق الفوضى العاصفة فى البلاد . ولكن تأكد له بعد سنوات من الفشل ، عجزها عن فرض الإذعان على الشعب وقبول الإحتلال ، أو فرض الهدؤ بعد رحيله وخلق بيئة مستقرة وآمنة لعمليات النهب الإقتصادى الذى تقوم به المافيات الإجرامية والشركات الدولية لثروات أفغانستان .

ـ الجيش بالطبع على رأس تلك القوى ، وهو يكلف الإحتلال ستة مليارات دولار سنويا ، ويراعى فيه التركيب العرقى لحفر أخاديد الصراع فى المجتمع ، فكلما زاد نشاط الجيش تصدعت الوحدة الوطنية والعرقية . وفى ذلك تكرار لتجربة الجيش العراقى الذى أكد إنقسام العراق طائفيا ، ولم يساهم فى ترابط مكوناته ، ولم يقم بالدفاع عن الوطن ، بل كان له دور كبير فى تقوية داعش وتسليحها وإمدادها بقيادات عسكرية خبيرة .

ولن يكون مفاجئا لو قام الجيش الأفغانى بدور مشابه فى تقوية ميليشيات الفتنة سواء داعش ، أو أى فصيل آخر ربما ينشأ فى أى وقت إذا سنحت له الظروف .
المنظمة العالمية لحقوق الإنسان ـ رغم طبيعتها المنحازة للإحتلال ـ إلا أنها تستغيث ولو ظاهريا من الطبيعة الوحشية لذلك الجيش “الوطنى” وهى وحشية تكتسى بطابع عرقى أو مذهبى حسب طبيعة مسرح نشاطها . فهذا هو رئيس أركان الجيش ” قديم شاه شهيم ” يصرح بأن قواته لن تخضع لقوانين الحرب ، وأنها غير مقيدة بأى حدود فى إستخدم القوة ضد المدنيين ، ولن يتعرض أفرادها لأى مساءلة أو تحقيق من أى جهة كانت “!!” .

ومن المعلوم أنه طبقا للتقسيم المعتمد أمريكيا فإن وزير الدفاع ينبغى أن يكون من البشتون الموالين للرئيس الليبرالى ” أشرف غنى ” أما رئيس الأركان فهو من تحالف الشمال وتحديدا من حزب الجمعية الإسلامية ” الإخوانى” .

ــ  أما قادة الأمن فى المحافظات فهم الشق الثانى لمنظومة الإنقسام الداخلى وإثارة الفتنة خدمة لمصالح الأطماع الخارجية فى ثروات البلاد الطبيعية وقيمة أفغانستان الاستراتيجية . قادة الأمن الأقوياء بما فيهم وزير الداخلية ” نورعلومى” يطالبون جنودهم بعدم إعتقال أحد من المعارضين بل قتلهم على الفور “!!” .

العديد من قادة الأمن الداخلى الكبار ينتمون إلى تنظيمات الإخوان المسلمين من جماعتى سياف وحكمتيار .

ــ    هناك أيضا جهاز الإستخبارات ذو الطبيعة الوحشية القابع خارج السيطرة ، بقيادتة الإخوانية حيث ترأسه (أسد الله خالد) وهو من رجال عبد الرسول سياف زعيم إخوان ذلك البلد ، وأحد أعمدة نظام كابول الموالى للإحتلال الأمريكى .
ــ    يضاف إلى كل ذلك عدد كبير من شركات المرتزقة المحلية ، والمنظمة على هيئة شركات أمنية يشرف عليها مجرمو حرب سابقين من إنتماءات عرقية ومذهبية وسياسية متنافرة . منها الشيوعى والإخوانى ، ومنها السنى والشيعى ومنها الطاجيكى والأوزبكى والبشتونى .هذا غير شركات “الأمن” الدولية العاملة لصالح الإحتلال فى ذلك البلد ويبلغ عدد مرتزقتها حوالى الخمسين ألف من القتلة المحترفين .
إلى جانب ميليشيات محلية أسسها الأمريكيون ويشرف عليها الجيش والسلطات الحكومية للأقاليم ، ومشهورة محليا باسم ” الأربكية ” وهم لصوص وقتلة محليون من مطاريد القبائل .

ذلك الركام من الأجهزة المسلحة الضخمة وعالية التكلفة لم تكن ذات تأثير حاسم فى وجة المقاومة الشعبية بقيادة حركة طالبان ، خاصة بعد فرار معظم قوة الإحتلال ومغادرتها البلاد .

نتيجة لفشل تجربتهم مع كل هذا الخليط الضخم من أجهزة العنف المنظم والإجرام البدائى ، وجد الأمريكيون أن الأمر يحتاج إلى قوة عالية الصوت منعدمة الرحمة ذات صبغة عقائدية ، فكان لابد من إستيراد داعش من الشرق الأوسط العاصف بالعنف والفوضى .

فلبت الدعوة وأعلنت إنشاء ولاية خراسان ، وتحدت وجود حركة طالبان وإمارتها الإسلامية فى أفغانستان. الفارق مع العراق هو أن داعش لا تتمتع بأى إمتداد عقائدى أو فكرى بين شعب أفغانستان ، وليس لها قاعدة قبلية يعتد بها . كما أن الكتلة السلفية فى ذلك البلد متواجده فى حيز جغرافى ضيق وشديد الوعورة فى شرق البلاد ، ومعظمهم متعاون مع حركة طالبان . وبشكل عام لا يجنح سلفيو أفغانستان إلى التطرف العقائدى ، وهم منخرطون بقوة فى الجهاد ضد قوات الإحتلال والقوات المحلية الموالية له .

بوصول داعش إلى أفغانستان وإعلانها (ولاية خراسان) ، وتعيين “والى” من طرفها لذلك البلد ، يكون قد إكتمل “القصف الحركى” لأفغانستان ، والذى يقوم به الإسلام العربى السياسى فيما نطلق عليه رياح السموم العربية التى تهب على أفغانستان .
ذلك القصف الذى بدأ ـ فى ثوبه الحديث ـ بحركة الإخوان المسلمين . وأهم تحرك لها كان فى سبعينات القرن الماضى ، من دارسين أفغان فى الأزهر الشريف ، إنتقلوا الى كابول لتأسيس حركة إسلامية تواجه التحرك الطلابى الشيوعى فى الجامعات والدوائر الحكومية خاصة فى الجيش والأمن . كثيرون فى قيادات الإخوان قتلوا فى تلك الصراعات ، وحاول الباقون تأسيس حزب يجمعهم لمواجهة التنظيمات الشيوعية المدعومة من موسكو . ومع الإنقلاب الشيوعى فى أبريل 1978 ثم الغزو الغزو السوفيتى فى ديسمبر 1979 ، وبحلول عام 1980 كان للإخوان المسلمين ثلاثة تنظيمات (أحزاب) جهادية إستقرت فى مدينة بيشاور الباكستانية القريبة من الحدود مع باكستان .
منذ عام 1980 وإلى الآن كانت مسيرة التيار الإخوانى فى أفغانستان مليئة بالعبر والدروس ليس للأخوان فقط بل لجميع المسلمين . ولو أن تلك الدروس تم إستيعابها والإستفادة منها لتمكن الإخوان والعرب من تفادى الكثير جدا من الكوارث التى حاقت بمسيرتهم فى مرحلة الإضطرابات المشهورة أمريكيا بإسم “الربيع العربى” ، وأفضل توصيفاته أنه كان عبارة عن “عملية إجهاض متعمد لحالة ثورية لم يكتمل نضجها” . وقد ساهم الإخوان المسلمون /عمدا/ فى عملية الإجهاض تلك . وشاركهم فى ذلك تيارات السلفية بأنواعها من الدعوى إلى الملكى ، وصولا إلى الجهادى التكفيرى ، الذى رمزه الأشهر حاليا هو حركة داعش التى تطلق على نفسها عنوان الدولة الاسلامية .

ــ    يمكن قول نفس الشئ عن تجربة التنظيمات السلفية الجهادية العربية فى تلك المرحلة من تاريخ أفغانستان ، أى مرحلة الجهاد ضد الإحتلال السوفيتى ، وأشهر تلك التنظيمات وأبلغها أثرا هو تنظيم القاعدة بقيادة مؤسسه ” أسامة بن لادن” . تلك التنظيمات أظهرت منذ ذلك الوقت جميع مؤهلاتها وقدراتها وعيوبها .

قبل الدخول فى مرحلة تنظيم القاعدة فى أفغانستان نشير إلى ملامح تجربة الإخوان بشكل سريع وموجز :

ــ  مرحلة تأسيس المجموعات الإخوانية وصدامها مع التنظيمات الشيوعية فى الجامعات ، كانت مرحلة المثالية العقائدية ، وفيها دفع شباب الإخوان أثمانا باهظة من الدماء والسجون والمطاردات حيث كان الشيوعيون فى وضعية قوية جدا داخل الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية ودعم السفارة السوفيتية فى كابل.

ــ     فى عام 1973  وقع إنقلاب رئيس الوزراء “محمد دواد ” إبن عم الملك ، فاستولى على السلطة وأعلن البلاد جمهورية . حاول الإخوان الصدام المسلح مع الدولة ، ورتبوا أكثر من إنقلاب عسكرى ، جميعها فشلت نتيجة إنعدام الخبرة أو الدعم الخارجى . وحتى محاولة بدء جهاد مسلح فى الجبال فشلت أيضا لأن العلماء التقليدين فى معظمهم لم يكونوا مقتنعين بضرورة ذلك .

فالشعب الأفغانى بوجه عام كان يحترم دواد الذى ترأس الوزارة لحوالى عقدين من الزمان ، رغم أنه المؤسس الحقيقى للتواجد الماركسى فى البلاد بتركه المجال كاملا للتنظيمات الشيوعية ، واقترابه الشديد من جيرانه السوفييت.

كان الإخوان المسلمون هم الأسرع إلى التصدى ، سابقين تيار العلماء التقليدين فى أفغانستان ، الذين كانوا مطمئنين كثيرا بالحكم الملكى ، متغاضين عن تجاوزات رئيس الوزراء داود طالما أن الملك ظاهر شاه على رأس الدولة . القبائل كانت فى عزلتها لا يكدر صفو حياتها المتوارثة أى تدخل يذكر من الحكومة المركزية ، وللقبائل القول الفصل فى مصير أى نظام فى كابول .

الإخوان المسلمون تصادموا بعنف مع نظام دواد الجمهورى فأرغمهم على الفرار نحو باكستان ، فكانت فرصة لمحاولة تنظيم صفوفهم . القليل من العلماء التقليديين إنخرطوا فى جهاد مسلح ضد جمهورية داود وحلفائه الشيوعيين ، لكن القبائل فى الجبال لم تتجاوب معهم ولم توفر لهم الحماية الكافية من مطاردات الجيش والأمن ، التى كانت مفرطة العنف ، ومزودة بأسلحة حديثة لم تسمع بها القبائل من قبل .

ــ    فى باكستان تعرض المهاجرون الجدد من الإخوان لتيارات السياسة الإقليمية والدولية ، وبادرت باكستان بإستثمار الوضع لصالحها وضد جارتها اللدود فى أفغانستان .

فشل قادة الإخوان المسلمين فى إيجاد كيان واحد لجماعتهم ، لخوض حرب مسلحة ضد نظام داود الجمهورى ، أو النظام الشيوعى الذى أعقبه فى إنقلاب 27 أبريل 1978 .

توالت الإنشقاقات وعظم التدخل الباكستانى فى أمور الإخوان ، خاصة بعد وقوع الغزو السوفيتى . فلم يكن من مصلحة باكستان وجود جبهة أفغانية قوية وموحدة تنطلق من فوق أراضيها ، وفضلت دوما أحزابا متناحرة ضعيفة يسهل توجيهها . واختارت الإخوانى (حكمتيار) كشخصية أولى بالرعاية وزودته بالجانب الأهم من المساعدات التى جاء معظمها من الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج . باكستان أحكمت خيوطها حول جميع التنظيمات الجهادية ولم تفرط فى أحد منهم .

السعودية بدورها فضلت الإخوانى “سياف” ، الذى على حد وصف الصحفى والمؤرخ الأفغانى عبد الرحيم ثاقب :

          {{ تمكن من النجاة  والهروب بطريقة  مريبة وعجيبة من سجن بول تشرخي الشهير وذلك بمساعدة حفيظ الله أمين  الذي استلم زمام السلطة قبيل مقتل نور محمد تراقي مؤسس الحكم الشيوعي في أفغانستان . حفيظ الله أمين كان من ضمن الشيوعيين الدارسين في الولايات المتحدة الأمريكية ، واغتاله السوفييت في ديسمبر 1979 بحجة عمالته لوكالة الاستخبارات الأمريكية في أفغانستان ، بعد أن حكم البلاد لمدة تزيد قليلًا عن ثلاثة أشهر.


كان حفيظ الله أمين تربطه العلاقة القومية وعلاقة الجوار بسياف حيث كانا من عائلة واحدة ومنطقة واحدة (عائلة خروتي في مديرية بغمان) فلذلك ساعده حفيظ الله أمين في الخروج من السجن . لكن بعض الكتاب من الأفغان يشيرون إلى وجود علاقة سياسية بين سياف و بين حفيظ الله أمين حيث كان سياف قد إستلم منحة دراسية في برنامج Legal Training “التدريب القانونى” من أمريكا ، وبينما كان يسافر إلى أمريكا عام 1974  قبضته السلطات الأمنية ، وحكمت عليه بالسجن 6 سنوات . ومع وصول الشيوعين إلى الحكم حكموا عليه بالإعدام  وتم بالفعل تنفيذ الحكم على كل من كان من رفاق سياف من تنظيم الإخوان لكنه أخرج من السجن رغم كونه محكوما بالإعدام وذلك بإيماء أمريكي ومساعدة حفيظ الله أمين الذي كان حاكما لأفغانستان في ذاك الوقت ثم اغتاله السوفيت .


إن تأييد ووقوف سياف بجانب الأمريكان بعد مرور 36 سنة من إخراجه من السجن بمساعدة حفيظ الله أمين يؤكد رأي الكتاب الذين يرجحون وجود إيماءة ومساعدة أمريكية في إخراج ونجاة سياف من تنفيذ حكم الإعدام عليه و إرساله إلى بيشاور و جعله من أشهر قادة المنظمات الجهادية ، رغم وصوله متأخرا إلى الساحة الجهادية في ذاك الوقت}}.

وراهنت السعودية عليه بمعظم معوناتها المالية ، ودفعت الإخوان المسلمين الدوليين لدعمه كزعامة أولى وإن حاولوا بلا نجاح لجعلها زعامة مطلقة ، أو على الأقل زعيما لتيار الإخوان الأفغان الذين تشققوا إلى ثلاثة أحزاب متناحرة وشخصيات كبرى متنافسة ( سياف ـ حكمتيار ـ ربانى ). ذلك التيار الإخوانى المتصارع فشل فى إحتواء تيار العلماء التقليديين الذين مثلتهم أربعة أحزاب ضعيفة ، لم تكن متصارعة كما هو الحال لدى الإخوان ولكنها تنظيميا وإداريا أكثر ضعفا ، والمعونات الخارجية المتوجهة إليهم كانت أقل بكثير من نظيرتها لدى الإخوان . وكان ذلك قرارا أمريكيا فى الأساس ، وتنفذه باكستان .

كان الإخوان أكثر إتصالا بالعالم الخارجى نظرا لدعم التنظيم الدولى ، فكان وجودهم الإعلامى كبيرا فى العالم العربى والإسلامى والغربى عموما . العلماء التقليديون كانوا هم الأكثر فعالية فى حشد القبائل وخوض الصراع المسلح ضد السوفييت ، ولكن صدى ذلك فى الإعلام يذهب لأصحاب القدرات الإعلامية وهم الإخوان ، فنالوا أمجادا دفع تكلفتها غيرهم من المجهولين فى شتى أرجاء أفغانستان .

لم يظهر هؤلاء المجهولون إلى العلن إلا فى عام 1994 عندما أعلنت حركة طالبان عن تشكيل صفوفها لتنطق بصوت من لا صوت لهم ، وفرض إرادة من قمعت إرادتهم طوال فترة هيمنه الإخوان على ” الجهاد الأفغانى” ، فأعلنوا إمارتهم الإسلامية التى نجحت فى السيطرة على الحكم بدخولها العاصمة فى أكتوبر عام 1996 بعد قتال عنيف مع التنظيمات الإخوانية التى كانت تسيطر على الحكم متحالفة مع الميليشيات الشيوعية الأوزبكية ، وميليشيات أخرى بشتونية .
ــ  وفى عام 2001 كان الإخوان المسلمون / خاصة سياف وربانى / هما رأس تحالف الشمال الذى تعاقد على غزو أفغانستان مع الولايات المتحدة فى مقابل خمسة ملايين دولار مع ضمان مكانة سياسية عالية ضمن السلطة القادمة فى ظلال الإحتلال ( وليس فى ظلال القرآن ) . وهو ما تم بالفعل ، فحصل الإخوان على مواقع مؤثرة على رأس الهيئة التشريعية وفى أجهزة الجيش والأمن والميليشيات . وسياف / رأس الإخوان/ يعتبر السلاح الإسلامى الأول فى يد الأمريكيين لنقض الأسس الدينية للجهاد القائم ضد جيوش الإحتلال ، وله أقوال مشهورة تطالب بشنق المجاهدين على أبواب مدينة كابول .
ــ  يمكن القول أن معركة الإخوان المسلمين مستمرة ضد شعب أفغانستان ولصالح الإحتلال الأمريكى ، وذلك منذ وصولهم إلى الحكم فى أبريل 1992 وحتى الآن . وتاريخيا تعتبر حركة طالبان هى الرد الشعبى على إنحرافات الإخوان وخيانتهم للوطن تحت شعار الدين . وقد فرطوا فى الوطن والدين معا فى سبيل المزيد من المال والسلطة التى يجود بها الإحتلال الأمريكى .

 

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 /9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world