1

إنها أفغانستان أيها الغبي !

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !

– على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ، حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

– تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية، هو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية.

– العلاقات الجيدة، والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الإقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها.

– تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب والخامات النادرة، ومنابع نهر جيحون التي تنسج إسرائيل من حولها خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

– الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها، وتراجعاً نسبياً في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

لم تلجأ الولايات المتحدة إلى التفاوض مع الإمارة الإسلامية إلا بعد أن واجهت هزيمة حتمية في ميدان المعركة، قادتها إلى قرب نقطة الجلاء الشامل عن أفغانستان وسحب جميع قواتها بدون مفاوضات.

وإذا اعتمدنا على الأرقام التي تذيعها أمريكا ـ مع تحفظنا الكامل على صحتها ـ فإن أمريكا بدأت حربها باستخدام مئة الف جندي من قواتها. أما قوات حلف الناتو فإنها بلغت حوالي ثلاثين ألف جندي.

فتكون أمريكا قد بدأت حربها بحوالي 130,000 جندي على أقل تقدير، وهو رقم يقترب من عدد قوات الجيش الأحمر الذي غزى أفغانستان في أواخر ديسمبر 1979. مع الفارق الهائل في مستوى تطور الأسلحة ـ خاصة سلاح الطيران ـ والذخائر التي استخدمها، مثل قنابل اليورانيوم، ذات قوة التدمير غير المعهودة مع التلويث الإشعاعي طويل الأمد. وأنواع لا حصر لها من القنابل والصواريخ، وصولا إلى (أم القنابل) ذات الأحد عشر طنا وهي أكبر قنبلة تقليدية في العالم.

تقول التقارير الأمريكية أن الرئيس أوباما خفض عدد قواته في أفغانستان حتى وصل إلى 8400 جندي بنهاية فترة رئاسته الثانية ـ أوباما كان قد وعد بإخراج قوات بلاده من أفغانستان (بحلول 2014) وكان قد اغتال بن لادن في أول مايو 2011.

ثم أجَّلَ أوباما موعد الانسحاب إلى نهاية 2014. ثم تجاهل أيضا ذلك الموعد، إلى أن تسلم الرئاسة منه ترامب، الذي أحدث تغييراً شاملا في استراتيجية الحرب على أفغانستان لتصبح بالكامل حرب تتولاها شركات (المتعاقدين) أي المرتزقة.

في البداية رفع ترامب عدد قواته في أفغانستان إلى 14000 جندي لتفادي انهيار القوات الأمريكية والحليفة لها. ولكن مع اكتمال التحول إلى نموذج حديث من حروب المرتزقة، لم يجد ضرورة لكل تلك الأعداد من الجيش النظامي، فخفض عدد قوات بلاده حتى وصل به إلى 2500 حسب تصريح الأمريكيين.

كان الجيش الأمريكي وحلفائه في مسيرة محتمة نحو هزيمة عسكرية، وخسارة متزايدة ليس في الأرواح والمعدات فقط، بل أيضاً في تحقيق أهداف العدوان. أي تحويل أفغانستان إلى أكبر مصنع للهيروين وتصديره إلى العالم.

بمجهود شعبي وجهادي انكمش ذلك الهدف تحت أرجل العدوان، وأصبح العائد المتبقى في أيدي الأمريكيين غير مُجْزٍ في مقابل حرب كبيرة بهذا الشكل. ومع ضعف الأمريكيين عسكرياً تدخل عدد كبير من المنافسين والطامعين والأعداء فيما تبقى من غنيمة الأفيون. فأصبحت الحرب (غير اقتصادية) بالنسبة للأمريكيين، ناهيك عن فضائح خسارة الجيش الأمريكي التي بدأت تتسرب إلى العالم، بعد حرب طويلة واستخدام أسلحة هي الأرقى والأخطر في العالم، ولكنها كانت الأكثر فشلاً في إخضاع شعب فقير معظم أفراده يعيشون على الحافة بين الحياة والموت. ويقوده في تلك الحرب الحديثة المعقدة شباب طلاب العلوم الشرعية، الذين ارتقوا في استيعاب فنون الحرب لدرجة جعلت من جيوش أمريكا والناتو يظهرون كجيوش من القتلة الفاشلين.

 

هروب نحو التفاوض

لجأت أمريكا إلى المفاوضات تحت ضغط فشلها العسكري، ومسيرتها المؤكدة نحو هزيمة عسكرية ستكون وبالاً على مكانتها الدولية.

وما كان ينبغي مسايرة الأمريكيين في طريق التفاوض، وكان الأولى مواصلة الضغط العسكري عليهم لإرغامهم على الانسحاب في ظلال الهزيمة العسكرية.

لكن أمريكا نجحت في تكتيل عدد كبير من الوسطاء وأدوات الضغط السياسي والدعائي في الداخل والخارج تدعو إلى التفاوض. وكان هدفها استدراج الإمارة الإسلامية بعيدًا عن ميدان الحرب نحو ميدان لا يجيدون السير فيه. فخبرات المجاهدين الأفغان منذ الغزو السوفيتي كانت محصورة تقريبًا في المجال العسكري، أما الجانب السياسي فكانت تتولاه عادة الدولة المضيفة للأحزاب أو الممولة لهم وتحتضن مجهودهم الدعائي والإعلامي.

ربما لأول مرة خلال قرن من الزمان أو أكثر، تتولى حركة جهادية التفاوض بالأصالة عن نفسها. لهذا كان من الطبيعي أن تحدث أخطاء. ولكن المجاهدين تعلموا الدروس بسرعة أدهشت الأمريكيين الذين ارتَدَّت عليهم الكمائن السياسية التي جهزوها للقضاء على الإمارة الإسلامية، وتبديد ثمار جهادها الناجح في العقدين الأخيرين. أكبر هذه الكمائن كان مؤتمر اسطنبول الأخير الذي رفضت الإمارة الإسلامية حضوره. فسقط الأمريكيون في الكمين الذي جهزوه بأنفسهم للإمارة الإسلامية.

المسافة الفاصلة بين موقف الإمارة الإسلامية من مؤتمر اسطنبول، وبين أهداف الولايات المتحدة من عقد ذلك المؤتمر توضح مدى الكارثة السياسية التي وقعت فيها الولايات المتحدة. يتضح ذلك فيما صرح به الدكتور محمد نعيم وردك المتحدث الرسمي للمكتب السياسي للإمارة مُذَكِّراً بثوابت الموقف السياسي للإمارة، وهي:

1 ـ استقلال البلاد.

2 ـ انسحاب القوات الأجنبية.

3 ـ إقامة نظام إسلامي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

أما المطالب الأمريكية.. فمحاورها الأساسية هي:

1- تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية. وهو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية التي تدار وفقاً للنموذج المشوه الذي تدير به أمريكا دولة العراق، بأقل قدر من قوات الاحتلال، مع تحقيق كامل لجميع أهدافه السياسية والاقتصادية، ومطاردة أي مقاومة مسلحة، مع إشعال الصراعات الداخلية المذهبية والعرقية، وتغيير شامل لثقافة المجتمع وما تبقى فيها من آثار للإسلام، وإحلال الثقافة الغربية مكانها، تحت إدعاءات (الحقوق) ما بين حقوق امرأة ـ وطفل ـ وأقليات ـ وحريات تعبير واعتقاد. وترويج وحماية الفساد كمظلة عامة للمجتمع، أو بالأحرى ديانة جديدة تشمل كافة نواحي الحياة.

واضح أن النموذج الاستعماري في حكم العراق يتعارض بالكامل مع النموذج الإسلامي للإمارة الإسلامية المحدد في مطالب (د.نعيم): أي استقلال البلاد ـ انسحاب القوات الأجنبية ـ وإقامة نظام إسلامي.

2- ثاني الأهداف الأمريكية الكبرى من مؤتمر اسطنبول كان إلغاء مبدأ الانسحاب العسكري. وخروج المؤتمر بسلسلة قرارات أهمها إجبار الإمارة الإسلامية (وحركة طالبان) ولو بقوة السلاح للإنخراط في حكومة مشتركة مع نظام كابول العميل.

وكما تناسى أوباما وعوده بالانسحاب في 2014، يتناسى بايدن تعهد بلاده في اتفاق الدوحة بإنجاز انسحاب كامل لجيوشها من أفغانستان بحلول أول مايو2021.

3- ترغب أمريكا بالإبقاء على تواجد عسكري صغير نسبيًا ومتفوق نوعيًا وتكنولوجيًا، للإشراف على برامجها في أفغانستان ـ خاصة برامج النهب الاقتصادي. وبرامج إخراج الإمارة الإسلامية من دائرة التأثير فى شؤون قارة آسيا، بما يتناسب مع عظمة انتصارها العسكري، كما حُرِمَ المجاهدون سابقًا من الثمار السياسية لانتصارهم على السوفييت. وما يخيف أمريكا أكثر هو التطور الكبير للقوى الأسيوية خاصة الصين وإيران وروسيا، واتجاههم نحو استقلالية وندية في مواجهة أمريكا. وأن الضغوط الأمريكية على أفغانستان سيجعلها تقترب أكثر إلى محيطها الأسيوي وليس إلى تحالفها التقليدي مع أمريكا وأوروبا ودول النفط العربي.

يُقلق أمريكا كثيرًا وجود الإمارة الإسلامية على أحد أهم محاور طريق الحرير، يربط بين الصين وإيران. وموقعها المتوسط كأهم حلقة اتصال في آسيا بين دول الجنوب والشمال الأسيوي وشرق آسيا وغربها، بما يضمن تفوقاً فى الجغرافيا السياسية لأفغانستان، واحتمالات إمتلاكها لقوة عظمى في الاقتصاد والتأثير الثقافي، وإمكانية تشكيل مركز روحي وثقافي تلتف حوله الأقليات المسلمة في دول آسيا الكبرى، التي تحتفظ بعلاقات متوترة أو ملغومة مع مواطنيها المسلمين.

العلاقات الجيدة والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الاقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها، حتى لو استمرت الضغوط لعشرات السنين. الجغرافيا هنا تلعب دورًا مركزيا. وسياسة الإمارة الخارجية مع دول الإقليم ودول الجوار ستكون العنصر الحاسم لإبطال سلاح الحرب الاقتصادية التي سوف تشنها أمركيا على الإمارة الإسلامية التي تتمسك بجدية الالتزام بمبادئها.

4- التصور الأمريكي لحل مشكلة أفغانستان (وهو حكومة مشتركة) يضمن احتلالها للبلاد بأرخص التكاليف، وبلا مقاومة مسلحة، بل وتخريب مرتكزات الجهاد فتجعله، فكرة غير قابلة للتنفيذ مستقبلا. وقد نجحت في ذلك في الكثير من الدول الإسلامية والعربية. هذه المرة تتصور أمريكا أفغانستان محتلة بنظام فاسد ومجتمع فاقد الهوية، تَرَاجَعْ فيه الإسلام تحت ضغوط شتى من الحرب إلى الدعاية. دولة تدور في الفلك الأمريكي وتسيطر عليها إسرائيل. أي مجرد دولة شرق أوسطية ولكن في وسط آسيا.

5- على رأس المشاريع الاقتصادية / السياسية لأمريكا في أفغانستان يأتي التنظيم الجديد لتجارة المخدرات في ظل ظروف الهزيمة العسكرية وإعادة صياغة الاحتلال العسكري. فإلى جانب تسهيل استخدام ثوري للحشيش في العالم، شرعت منذ فترة داخل قواعدها الجوية في أفغانستان ابتكار مخدرات صناعية (خطيرة أو عالية الخطورة)، وأخرى نصف صناعية، لتعوض خسائرها في السوق الدولي للمخدرات نتيجة لتَزَاحُمْ المنافسين حتى من الحلفاء أنفسهم. الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها وتراجع نسبي في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

6- ولاية بدخشان تحتل مكاناً في مقدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للاحتلال الذي يخطط له الأمريكيين في أفغانستان. فمن ناحية اقتصادية تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب، إلى الخامات النادرة. إلى منابع نهر جيحون الذي تنسج إسرائيل حول منابعه خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

ومن ناحية الجغرافيا السياسية لبدخشان فإنها مرشحة لتغيرات خطيرة قد تقود الى حروب مدمرة ومزمنة، لأسباب منها تغيير الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان. وبين كل من الهند وباكستان مع ولاية بدخشان. وإغلاق ممر واخان في وجه طريق الحرير المزمع امتداده من الصين عبر أفغانستان صوب إيران وصولا إلى الخليج الفارسي وبحرالعرب.

وحاليا تشهد بدخشان حرباً طاحنة مرشحة للتصاعد وربما التوسع إقليميا أو حتى دوليا. فإسرائيل تُعامِل بدخشان على أنها الحدود الشرقية لإمبراطوريتها اليهودية العالمية التي مركزها القدس الشريف.

حدود بدخشان (الإسرائيلية) لها صفة العالمية، بدعم من القوة العسكرية الأمريكية. فهي تجاور بل (وتهدد!!) الصين، القوة الأولى الوشيكة للعالم. وتلاصق الهند، الدولة الأسيوية الأولى في عدد السكان، والثالثة اقتصادياً، والحليف الأسيوى الأوثق لإسرائيل بفضل الحكم الهندوسي المتطرف في نيودلهي. يزمعون (أمريكا وإسرائيل) اقتطاع جزء من الحدود الجبلية الجليدية بين الصين وكل من الهند وباكستان، وضمها إلى بدخشان. وبذلك ينقطع الاتصال البري بين الصين وهذين البلدين، كجزء من حصار الصين ومنع وصولها إلى مياه بحر العرب عن طريق باكستان.

مهما كانت المخططات الأمريكية (الإسرائيلية) طموحة ومحكمة وشيطانية، إلا أن من وضعوها سوف يسقطون فيها، ويغرقون في أفغانستان. مقبرة الإمبراطوريات الغازية ـ والحصن الأعظم للإسلام.

فما زالت بنادق البريطانيين، التي غنمها الأفغان في حروبهم ضد الحملات البريطانية، موجودة ضمن مقتنيات الكثير من العائلات الأفغانية ـ بل وقاتلوا بها ضد الانقلاب الشيوعي عام 1978.

والأسلحة السوفيتية التي غنمها المجاهدون من الجيش الأحمر كانت هي أساس المقاومة الجهادية التي صفعت وجوه الأمريكيين وحلفائهم عام 2001.

والأسلحة الأمريكية المكتسبة من غنائم الجهاد ضد الحملة الصليبية الأمريكية، هي نفسها التي تحرق تلك الحملة الآن، وتحرق أولا بأول مسيرة الحملة الإسرائيلية لاحتلال أفغانستان(تحت حماية أمريكا وحلف الناتو).

إمارة أفغانستان ليست إحدى إمارات النفط في الشرق الأوسط. وجهادها جهاد حقيقي نابع من إسلام حقيقي، يعتنقه ويدافع عنه بالأرواح رجال حقيقيون، وليسوا أشباه رجال.

على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !




الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي