الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 176 ) | صفر ١٤٤2ھ – أكتوبر ٢٠٢٠م .  

02-10-2020

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

– وفد الإمارة الإسلامية يوضح دور الإقتصاد فى إقامة الدولة ودعم تطبيق الشريعة .

– الإمارة إقتصادها إسلامى : يقيم العدالة ويحقق المساواة ويحارب الفقر وينمى الثروات.

– بالإقتصاد السليم نقيم أقوى مشروعات البناء والخدمات الإجتماعية والتعليم والصحة ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

– جميع الحقوق مرجعها الشريعة سواء للمرأة أو الرجل أو أى كائن عاقل أو غير عاقل.

–  لا جدوى من التفاوض مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

كان وفد الإمارة إلى مفاوضات الدوحة الأخيرة، قوياً فى تركيزه على النقاط الأكثر حيوية لأفغانستان . وذلك من أجل ضبط مسيرة التفاوض . لهذا ركز الوفد كأولوية على أن  معيار إسلامية الدولة هو تطبيق الشريعة وليس مجرد إسم الدولة.

فنظام الحكم القادم مع الإمارة الإسلامية هو حكم الإسلام . والذى يتحدد بشرط أساسى هو تطبيق أحكام الشريعة فى جميع مناحي الحياة الشخصية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدفاعية . فليس الإسلام مجرد كلمة توضع فى نهاية إسم الدولة فتصبح الدولة إسلامية ، سواء أطلقوا علها جمهورية أو مملكة أو أى شئ آخر . والنتيجة أنه لا مجال مطلقا للحديث عن تشكيل نظام حكم مشترك بين الإمارة وحكومة كابل. فبينما الإمارة ترى الإسلام تطبيقا شاملا متكاملا فى كافة مناحى الحياة ، يراه النظام العميل مجرد صفة يكفى إلصاقها بأى شئ ليصبح إسلاميا.

 

 

إقتصاد إسلامى :عدالة ــ مساواة ــ تنمية ــ محاربة الفقر .

وفد الإمارة الإسلامية ، كان رائداً فى توضيح العلاقة بين الدولة الإسلامية والإقتصاد ، ودور الإقتصاد الإسلامي فى إقامة الدولة وتقوية المجتمع والإسهام فى دعم تطبيق أحكام الشريعة.

فالإقتصاد الإسلامى يحقق أهداف الشريعة فى الأموال والثروات العامة :

–  بمنع إحتكار مصادر الثروة والمتمثلة فى : (مناجم /مياه / أرض/ نفط/ تجارة).

– وظيفة الإمارة الإسلامية الحفاظ على الثروات ومنع تبديدها أو التفريط فيها للغير.

تنمية الثروة وتحقيق العدالة الإجتماعية لصالح الجميع ، وضمان عدالة توزيع الثروة العامة ، والمساواة فى إتاحة فرص إكتساب الرزق للجميع .

 

 

الإمارة الإسلامية تحقق العدالة فى الإقتصاد :

الثروات العامة تتبع بيت المال الذى تديره الإمارة لصالح المسلمين ، ويضم :

ــ الثروات الإستراتيجية، مثل [ المناجم / النفط والغاز/ المياة/ الأرض]. 1

2 ــ البنية التحتية للإقتصاد [مثل الطرق والجسور وسدود المياه والكهرباء].

3 ــ وسائل الإتصال”تليفونات وشبكة إنترنت”، وشبكة النقل العام من قطارات و باصات عامة، وطائرات نقل ومطارات.

– فاحتكار منابع الثروة ، أو البنية التحتية للإقتصاد، محظور تماما ـ فالناس سواسية فى فرص الإستفادة من عوائدها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

الإمارة مسئولة عن تنمية الثروة العامة :

بواسطة النهوض بالزراعة وتوسيع الرقعة الزراعية وتنظيم الرى وتوفير مصادر المياه ، لتلبية مطالب الطعام الأساسية لجميع المواطنين . ثم توفير عائد من تصدير فائض الإنتاج الزراعى.

– الشروع فى بناء قاعدة صناعية فى أفغانستان بالإستفادة من المصادر الهائلة من الخامات اللازمة للصناعة مثل النفط والغاز والفحم ـ الحديد ـ النحاس .. وغيرها.

إستخراج وتصنيع وتسويق الخامات النادرة عالميا مثل اللثيوم والبلاديوم ، وغيرها. وهى مواد حساسة للغاية بالنسبة للصناعات المتقدمة. لذا فإنها ثروة كبيرة للغاية ماليا واسترتيجيا وسياسيا. وفى أفغانستان كميات هى الأعلى دوليا من بعض تلك المواد .

– إسترداد مناجم اليورانيوم من المحتلين الإنجليز، والإستفادة منها لصالح الشعب بعد تنقيته وتخصيبه إلى درجة مناسبة قبل تسويقه دوليا. وهى ثروة هائلة ماليا وسياسيا واستراتيجيا.

– إسترداد مناجم الماس والذهب والأحجار الكريمة الأخرى/ والتى تذهب إلى تجار يهود بأسعار شبه مجانية / وإعتبارها ضمن الثروة العامة وتدخل إلى بيت المال لتديرها الإمارة.

– تأسيس بنك على أسس إسلامية بعيدة عن الربا . يشرف على إصدار العملة المحلية ومراقبة سعرها فى السوق، والتدخل عند الضرورة . وتقديم قروض للمستثمرين الصغار، والمشاركة فى المشاريع الشعبية لتقويتها.

– تشرف الإمارة على جزء هام من التجارة الخارجية والداخلية، لمنع الإحتكار أو التلاعب بالأسعار.

– التعامل الخارجى مع الإقتصاد المحلى يتم فقط عبر قنوات تحددها الإمارة الإسلامية ، وإلا اُعْتُبِرَ تدخلا غير مشروع، ويتم التعامل معه على هذا الأساس.

 

 

 القضاء على الفقر :

بالسيطرة على الإقتصاد لصالح الشعب يمكن القضاء على الفقر الذى هو أخطر الآفات التى تفتك بأى مجتمع . وهو مانع من تطبيق العديد من الأحكام الشرعية. ويمكن بالإقتصاد القوى إقامة أكبر مشاريع الخدمات الإجتماعية فى كافة المجالات ، خاصة فى التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية والإعمار ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

بالإقتصاد القوى نصنع مجتمعا إسلاميا قويا. وإمارة إسلامية قوية يمكنها دعم المسلمين ونصرة الإسلام.

 

 

موقع المرأة من المفاوضات :

نجح وفد الإمارة فى تجنب الوقوع فى مجادلة فارغة حول ما يسميه الغرب “حقوق المرأة”. فتلك مسألة حددتها الشريعة التى يخضع لها الجميع ـ رجالاً ونساءً ـ وهى شريعة عادلة لا تحابى شخصا أو جنساً ، فالجميع سواسية رجالاً ونساءاً بعضهم من بعض. والإختلاف هو فى الوظائف التى إختصهم بها الخالق ، وهذا الإختلاف هو لتكامل وإستمرار النوع الإنسانى ، وليس لتفضيل صنف منهما على الآخر ، لأن الفضل عند الله هو للأكثر تقوى، سواء كان ذكراً أو أنثى . وهو نفس المعيار الذى تنظر به الإمارة إلى الموضوع .

فحقوق الرجل أو المرأة لا نبحث عنها خارج الشريعة المقدسة . وليس من حق أحد أن يضع لنا شريعة أخرى من إختراعه غير تلك التى فرضها الله علينا ، ونتعبد إليه سبحانه وتعالى بها .

أى نقاش حول الحقوق ــ للمرأة أو الرجل أو أى مخلوق كان عاقلا أو غير عاقل ــ مرجعه هو الشريعة . ونقبل إفتراض حدوث خطأ ، من حيث فهم النص الشرعى ، أو تطبيقه . ضمن هذا المجال يكون النقاش مقبولا، أما غير ذلك فهو مرفوض تماما ، بل ويعتبر من نواقض الدين . فليس هناك نقاش حول صحة الحكم الشرعى أو الطلب بتخطيه أو تعديله ، تحت أى تهديد أو إغراء ، لأن ذلك يعنى التخلى عن الدين بإجماله .

 

 

مفاوضات مع نظام ميت :

 بشكل عام أوضح وفد الإمارة أنه من أجل مفاوضات واقعية : فإن نظام كابل لا يعنيه الإسلام فى شئ ، ولا تعنيه حقوق المرأة إلا فى حدود مكاسب مادية معينة . وغير ذلك فهو نظام مصنوع من الفساد والظلم ، ويعانى من سكرات الموت تحت ضربات الإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان.

 لهذا ركز وفد الإمارة على أن تقتصر المفاوضات الحقيقة على مصيرالشخصيات الحكومية المشاركة. حيث لا مجال لإضاعة الوقت فى تفاوض زائف مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان




الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم .

{ التبعية لأمريكا ـ التسول الإقتصادى ـ الخضوع الثقافى }

هذا ما تحمله لأفغانستان إتفاقية السلام ومكتب الدوحة .

– بدأت بالفعل/ وحتى قبل أن تبدأ مباحثات السلام فى الدوحة/ الموجة الثانية من الحرب على أفغانستان ، بقيادة CIA  والموساد، وبإسناد مالى من قطر. بهدف وضع مناطق الأفيون فى أيدى صديقة تعمل مستقبلا على حصر التعامل السيادى فى محصول الأفيون بالجانب الأمريكى وحده ، فى مقابل مزايا  للمتعاونين تشمل أسعار مجزية للأفيون وتسليح جيد ، وتمثيل سياسى فى النظام القادم ، وعقود غاية فى السخاء فى مجالات الإنشاءات وإعادة الإعمار، والسمسرة وتوكيلات تجارية تم توزيع العديد منها بالفعل على متعاونين أقوياء فى أفغانستان وباكستان والدوحة ومناطق أخرى) .

–  قبل التوقيع على بيان السلام فى الدوحة كانت تهديدات هى الأشد قد وصلت إلى حركة طالبان ، ومفادها أن أمريكا ستحصل على المخدرات التى تريد وإلا محت كابل من الوجود . ثم هدد ترامب بضربة تبيد عشرة ملايين أفغانى وتنهى الحرب خلال أيام .

– المعادلة الأمريكية تجاه أفغانستان فى غاية البساطة وهى : (الأفيون أو الحرب) ــ  (الأفيون فى مقابل السلام) ــ و بمعنى آخر: (الأفيون لنا أو الموت والدمار لكم) .

– الدولارات القذرة تبنى مدناً ومشاريعاً إستثمارية وسياحية عظمى ، وتشترى موانئ على ممرات المياه الإستراتيجية ، وتدعم أنظمة وتهدم دولاً .

– الدولار الأفيونى ــ بعد غسيلة ـ أصبح أكثر بياضا ، وإنتصر على الدولار النفطى القديم ، ويدعم نظام أحادى القطبية ، ترعاه الولايات المتحدة  وتدير به العالم .

–  بعد إحتلالها لأفغانستان قفزت أمريكا بمحصول الأفيون إلى أكثر من 40 ضعفا . وأدخلت إلى الزراعة بذور مُعَدَّلة وراثيا لتعطى إنتاجاً مضاعفاً ومحتوى مُخَدِّر أعلى . كما أدخلت تحسينات فى تكنولوجيا تحضير الهيروين ، فصارت نقاوته تامة 100% بعد أن كانت عالميا فى حدود 52% قبل الإحتلال .

– الأفيون مشكلة عالمية عظمى، تفوق طاقة أى حكومة تتولى أمر أفغانستان. وهو موضوع يمس مصالح الدول الكبرى، ويؤثر مباشرة فى النظام المالى والبنكى العالمى . فالأفيون شأن عالمى تماما ، وليس محلياً بأى حال .

 – من خلال المصالح المشتركة ، والحاجة الجماعية إلى الإستقرار والأمن والتنمية ، يمكن للإمارة أن تبنى أفغانستان كدولة قوية وغنية ، ذات إقتصاد إنتاجى ، متكامل مع المحيط الأسيوى، ويحقق أكبر قدر من الإكتفاء الذاتى الزراعى والصناعى للشعب الأفغانى . بهذا الترابط والتفاعل الإيجابى مع المحيط الأسيوى العملاق  تعيد الإمارة إعمار أفغانستان ـ بتعاون إقليمى متكافئ .

– إستقلال أفغانستان وهويتها الحقيقية سوف يحددها دورها الفعال مع عمالقة الإقليم الأربعة : الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند ، وسياستها الذكية فى إدارة دورها الفعال لبناء أفغانستان بالتفاعل مع تلك الدول بعيدا عن الصدامات . أما البعد الدولي (الأمريكى ــ الأوروبى) فلن تحصل أفغانستان منه سوى على الحصار والعقوبات ، والتخريب والحرب النفسية.

– مكتب الدوحة خرج عن مهمته الأصلية التى من أجلها أسسته الإمارة. فبعد أن كان مكتبا تابعاً للإمارة ، أخذ يتصرف كطرف بديل عنها . ويقرر فى مسائل جوهرية للغاية لا يمكن مناقشتها خارج نطاق القيادة العليا للإمارة (مثل مسألة شكل نظام الحكم القادم ).

– يتمنى الأمريكيون وسماسرة الإحتلال، التخلص من الإمارة الإسلامية بإزاحتها جانباً، كخطوة أولى، ثم إلغائها فى خطوة لاحقة ، بطريقة تبدو ديموقراطية جذابة للغرب وجالبة لمعوناته.

 

 

مقدمة :

بالتعاون مع مؤسسة إعلامية فرنسية قدمت قناة الجزيرة فيلماً “إستقصائيا” بعنوان {أفغانستان الحرب والسلام } . خلال 40 دقيقة إستعرض “الإستقصاء” ذلك الموضوع الخطير برؤية فرنسية قطرية . فأدلى العديد من الشخصيات الفاعلة بآراء تتناسب مع أهمية أدوارهم . وكان الأهم من بينهم السيد “سهيل شاهين” الذى تم تقديمة على أنه “المتحدث بإسم حركة طالبان منذ فترة طويلة” ، وأنه “دبلوماسى محنك شارك فى رسم إتفاق السلام مع الأمريكيين” .

إذن هو شخصية محورية ليس فقط فى عقد ذلك الإتفاق التاريخى ، ولكن أيضا شخصية محورية ( أو أحد الشحصيات المحورية القليلة ) التى ترسم مستقبل أفغانستان فى مكتب الدوحة . فأطْلَعَنا على المستقبل القادم لأفغانستان، وكذلك فعل السيد “جون سبوكر” المفتش الأمريكى العام لإعادة إعمار أفغانستان. وبنفس القَدْرْ أطلعتنا الصحفية “آشلى جاكسون” على ما هو مطلوب من طالبان حتىنسمح لهم بالمشاركة فى الحكم وأن يحصلوا على معونات وأنيقيموا علاقات دبلوماسية طبيعية“. فكان ما قالته متطابقا مع الإستراتيجية المستقبلية التى أوضحها جون سبوكر، والسيد سهيل شاهين . مذيعة البرنامج فى تعليقها المستدام مع الفيلم”الإستقصائى” أضافت أبعاداً غاية الأهمية خاصة فيما يتعلق بالنساء والموسيقى وركوب النساء للدراجات والجلوس فى مقاعد الدراسة مع الشباب. ثم هناك جيل جديد “يناضل” من أجل الحريات على الطريقة الأوروبية، ويرسم لَوْحات ضخمة على الجدران فى كابل، مطالباً بحرية التقبيل “كنوع من الإحتجاج السياسى”.

– ولأن التقرير “الإستقصائى” كان “متوازنا” فقد قابل مجموعة من مجاهدى طالبان فى إقليم وردك المجاور للعاصمة . وزار مستشفى للأطفال فى مدينة جلال آباد ـ فكان ما ظهر فى المستشفى من ومضات الواقع ، يهدم بدون قصد كل ما سعى لإقراره الفيلم الإستقصائى ،

ألا وهو المستقبل المبهر للسلام ، كما يتصوره السيدان “سبوكر” و”شاهين” .

 

 

سلام ثلاثى الأبعاد :

الفيلم إستقصى عملية السلام ورؤيته المستقبلية من المنظور الأمريكى و الأوروبى ، والجانب الأفغانى الذى يمثله ” مكتب الدوحة” . وطاف التقرير على ثلاثة معالم :

الأول: رؤية إتفاق السلام وهى أربعة ” أجزاء ” ذكرها شاهين ، وسوف نمر عليها لاحقا.

الثانى: رؤية الجانب الأمريكى / بتأييد من مكتب الدوحة / لأفغانستان كدولة تعيش على المعونات الأمريكية والغربية ، وستظل كذلك فى المستقبل .

الثالث : حرية المرأة الأفغانية كما يفهمها الغرب. وهى ميدان صراع بين الغرب ونظام أفغانستان القادم، الذى قد تكون حركة طالبان واحدا من مكوناته. وتلك الحقوق شرط أساسى لحصول أفغانستان على المعونات الغربية .

 

  إنها رؤية ثلاثية الأبعاد لأفغانستان المستقبل، كما استشرفها الفيلم ، عبر وجهات نظر لخبراء وأصحاب قرار من المشاركين . ثلاث جوانب مترابطة ومتكاملة ، هى :

الجانب السياسى :  تلخصه عبارة شاهين : “طي صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة من العلاقات الحسنة مع الغرب” .

الجانب الإقتصادى : تلخصه حصراً وتحديداً عبارة “المعونات التى يقدمها المانحون الدوليون”. وهو مبدأ مقدس أجمع علية كل المشاركين فى البرنامج .

الجانب الإجتماعى : ويعنى حصرا حسب الإستقصاء ، توفير”الحريات” بالمفهوم الغربى/ للنساء بشكل خاص ، وللشباب عموما .

 

وبتعبيرات أكثر تركيزاً فإن أفغانستان المستقبل ، حسب الإستقصاء هى دولة تتمتع بمزايا : التبعية السياسية ، وتسول المعونات الغربية المشروطة ، والتحلل الإجتماعى .

إتفاق الدوحة لإرساء السلام هو إطار تلك الرؤية وحارسها الأمين . لهذا يحاط ذكر الإتفاق بالتاكيد الجازم على أنه : إتفاق نهائى ، ومشروع شهدت عليه الأمم المتحدة ، وحضر حفل زفافه فى الدوحة مندوبون عن ثلاثين دولة دعتهم أمريكا وحركة طالبان “!!”.

ذلك التهويل والتعظيم ما كان ليحدث لو لم يكن ذلك الإتفاق هو إعادة صياغة للمطالب الأمريكية ، أشرف عليها مجموعة من مخضرمى الطرفين : الأمريكى برئاسة خليل زاد ، وبومبيو . وفى مقابلهم المخضرمان من مكتب التفاوض “شاهين” و”ستانكزاى” . فجاء إتفاقاً بكل ذلك القدر من العبقرية، حتى كاد أن يتم (تعميده) فى كامب ديفد لولا الخشية من أن تتسرب الروائح العفنة من قاع القِدْر .

الإتفاقية قد لا تأتى بالسلام حسب الصحفية “المخضرمة” آشلى جاكسون، كما قالت فى “الإستقصاء” . كونها ترى أن حركة طالبان عليها تقديم “ضمانات”. لأن طالبان حسب نص قول الصحفية {{ يريدون أن ينظر لهم كحكومة منتظرة وليس حركة تمرد أو جماعة إرهابية. ومن هنا تنبع أهمية الشرعية لأننا سنسمح لهم بالمشاركة فى الحكم (!!) . فلا تقتصر أهميتهم على قوتهم العسكرية فى ميدان المعارك ، فالكيفية التى يتلاءمون بها مع المجتمع هى التى ستضمن أيضا تمكنهم من أن يكونوا جزءاً من الحكومة (!!) ، وأن يحصلوا على معونات (!!) وأن يقيموا علاقات طبيعية (!!).}}

 

باللغة العربية الفصحى تقول المخضرمة آشلى جاكسون ما يلى :

– “نحن” ــ تقصد الأمريكيين والغرب ــ الذين سنسمح لطالبان بالمشاركة فى الحكم .

– يجب على طالبان التصالح مع القيم الغربية التى ظهرت فى المجتمع الأفغانى .

– بتلك الإشتراطات يمكن ان يحظى طالبان بمعونات الغرب (إقتصاديا ) والتمتع بعلاقات طبيعية معه (سياسيا) .

– قوة طالبان العسكرية غير ذات قيمة فى كل ذلك .

وهكذا كشفت آشلى عن محتويات (قِدْرْ السلام الملغوم ) وليس فقط قاعة المتعفن .

 

 

الإمارة الإسلامية : أول وأكبر ضحايا إتفاقية الدوحة “للسلام” !!.

المخضرم سهيل شاهين يحدد أربعة أجزاء ” لإتفاق إرساء السلام” . الذى لا نعلم له وثيقة رسمية ، أو نصوص ثابتة . فأمام كل حادث يتم ذكرجزء من الإتفاق ، بما يوحى بأنه إما فضفاض للغاية ، أو أنه يحتوى على الكثير من الأسرار والنصوص المخفية ، أو المتفق عليها شفويا .

الأجزاء التى أعلنها “شاهين ” رغم خطورتها ـ وسوف نمُرُّ عليها سريعاً فيما بعد ـ لكن الأخطر هو مالم يتم الإعلان عنه كتابة فى الإتفاق ، ولكن ذُكِر بكل وضوح فى المداولات التى سبقت صياغة الإتفاق “التاريخى” عن رغبة أمريكية أكيدة بإلغاء الإمارة الإسلامية . فقد صرح بومبيو بوقاحته المعتادة أن بلاده لا تعترف بالإمارة الإسلامية . لكنها تعترف بحركة طالبان ، وتعترف بمكتب الدوحة كممثل لحركة طالبان ( وليس ممثلاً للإمارة الإسلامية ) !! .

  لهذا لم يُذكَر مطلقاً إسم الإمارة الإسلامية فى نصوص إتفاق الدوحة . كما لم يتم الإشارة إليها ولو بحرف جر فى الفيلم الإستقصائى . وكأنها شبح غير مرئى لا يمكن رصده . أو أنها كانت مجرد خطأ تم التراجع عنه أوالتوبة منه. والذى قيل بعد ذلك من أقطاب الدوحة ومشاركيهم ، أن شكل النظام القادم فى أفغانستان سيجرى التباحث بشأنه لاحقا. أى أن “الإمارة الإسلامية” مستقبلها مهزوز إلى هذه الدرجة . والثابت الوحيد هو مكتب الدوحة ـ وما ينتج عنه من إتفاقات ورؤية مستقبلية لأفغانستان القادمة التى تناولها الفيلم الإستقصائى، والتى أبعادها : التبعية السياسية ، والتسول الإقتصادى ، والتحلل الإجتماعى.

“الإمارة الإسلامية” أعربت بشدة عن الإلتزام بإتفاقية الدوحة للسلام ، ربما حتى لا تبدو فى تضاد مع مكتب الدوحة الذى من المفترض أنه تابع لها، فأصبح يمتلك صلاحيات الإمارة دوليا ويسعى لإزاحتها داخليا. فالواقع الجديد الذى رسمه “خليل زاد” إستبعد الإمارة عمليا لصالح (مكتب الدوحة) الممثل الشرعى (عالميا)، والذى /حسب خليل زاد/ يعبر عن حركة طالبان كقوة عسكرية تبحث عن إعتراف دولى ومشاركة سياسية مع نظام كابول الحالى .

مكتب الدوحة أصبح يمتلك أوراق السيادة بعيدا عن السلطة الفعلية للإمارة ـ رغم الإعتراف النظرى بها كنوع من الإحترام المؤقت ـ فالمكتب يمتلك الإعتراف الأمريكى والغربى والدولى ، واعتراف ضمنى من الأمم المتحدة التى إعترفت بإتفاقية “السلام” التى عقدها مع أمريكا بإسم حركة طالبان (وليس الإمارة الإسلامية) .

لاتجرؤ الدوحة الآن على إزاحة الإمارة إلا بعد إتفاق نهائى مع نظام كابل. تنشط الدوحة بأموالها المتدفقة بعنف على الداخل الأفغانى، وبإتصالات مُوجَّهة من بعض المخضرمين داخل مكتب التفاوض، بهدف إزاحة الإمارة عن التأثير على الأحداث الداخلية ، فيصبح الإستغناء عنها مستقبلا أمراً لا يمكن التغاضى عنه .

– منذ إعلان إتفاقية مكتب الدوحة ، إتضح عالميا أن ذلك المنظور لمستقبل أفغانستان هو القادم الحقيقى ، وأن ذلك المكتب هو جهه الإختصاص للحديث مع العالم بدعم أمريكى وتمويل قطرى وإسناد أوروبى . وأن الإمارة / وكما أرادت لها أمريكا / إنزوت إلى مجرد ضيف على المشهد له قيمة شكلية مؤقتة ، إلى أن يتم إقصائها بتسوية نهائية بين حركة طالبان(يمثلهم مكتب الدوحة، كما أرادت أمريكا أيضا) وبين حكومة كابول”العميلة”.

ليس مكتب الدوحة منعزل داخل أفغانستان ، خاصة بعد إنفاق قطر لمئات ملايين الدولارات: لإحداث فتنة داخلية / لتفتيت صفوف المجاهدين/ وشراء من هو قابل للشراء من بين القبائل / وحتى محاولات لتفتيت النظام الداخلى للإمارة الإسلامية نفسها / ومن أجل مزيد من الإضعاف ومزيد من الفتن الداخلية .

 

 

الإمارة تتراجع .. ومكتب الدوحة يتقدم :

 منذ توقيع إتفاق الدوحة “للسلام” والإمارة الإسلامية يتراجع رصيدها من إعتمادية دول العالم عليها ، كما تراجعت ثقة دول الإقليم فى قدرتها على صنع واقع جديد لأفغانستان غير ما يرسمه لها بومبيو وخليل زاد ومعهما مخضرمى مكتب الدوحة للسلام.

 ولعل البند الوحيد الذى نفذته الولايات المتحدة فى الإتفاق المذكور كان إقناع دول الجوار بدعم رؤية السلام كما حددها إتفاق الدوحة . وهو البند الذى كان نصه ما يلى:{ تدعم واشنطن خلق بيئة داعمة لإحلال السلام النهائى بأفغانستان من خلال دول الجوار}. وهو سلام قائم على مشاركة بين حكومة كابول ومكتب قطر ممثلاً لحركة طالبان (حسب الرغبة الأمريكية).

– وهنا تحذير يقول أن الإمارة منذ إتفاق الدوحة للسلام خسرت الكثير من سمعتها الدولية والإقليمية . ويجرى سحب البساط من تحت أقدامها فى الداخل . وسوف تستبعد نهائيا من المشهد الأفغانى إذا سار مخطط التآمر الأمريكى المسمى (إقرار السلام) حتى نهاية الشوط المقرر له .

 

رباعية السلام كما ينشدها مكتب الدوحة للسلام :

سبق التعليق على إتفاق الدوحة ــ فى مقال على هذا الموقع تحت عنوان “السلام المراوغ..وإتفاقية إحلال السراب” ــ وفيه تعليق حول أحد عشر بندا أذيعت وقتها فى إعلام قطر . والآن يذكرالسيد شاهين ما أسماه (أربعة أجزاء). سنعلق عليها بإيجاز، حيث علقنا سابقا بالتفصيل فى المقال المشار إليه .

 

فى الجزء الأول من الرباعية يقول شاهين :

{ سحب جميع الجنود الأمريكيين من أفغانستان ومما حولها!!.} . “سألته المذيعه : كلهم ؟. فأجاب بسرعة : كلهم “. ولعل التعبير خانه فى جملة “ومما حولها” ، فليس لها محل من الإعراب. أو أنه يقصد أن الإنسحاب هو من مدينة “كابل” وما حولها ، وليس من أفغانستان .

السيد شاهين سقط متعمدا فى تدليسات خليل زاد . فليس لأمريكا جيش يقاتل فى أفغانستان ولم يَعُدْ لها غير قوة من الإداريين وحُرَّاس القواعد العسكرية (خاصة قاعدة بجرام). فالإتحاد الإستخبارى بين CIA والموساد هو من يدير الحرب ويختار القوات التى تناسب المهمة، ومنها:

ــ قوة ضاربة من الشركات الدولية للمرتزقة (بلاك ووتر/ بن زايد ــ برنس) .

ــ قوات محلية أسستها المخابرات الأمريكية وتتبعها مباشرة.

ــ فرق الموت التى تديرها إسرائيل ضد المدنيين فى القرى .

ــ ميليشيات محلية ، خاصة ما يدعى (الأربكية)، التى تمولها وتسلحها المخابرات الأمريكية  وتديرها عبر الأمن الوطنى الأفغانى .

ــ وهناك الميليشيات بأنواعها القبلية والعرقية .

ــ وهناك (بلاك ووتر الداعشية ) والتى تديرها CIA مع مجموعة من الأمن الوطنى الأفغانى .

 (( وبعد ذلك يقول جون سبوكر فى التقرير الإستقصائى أن بلاده أنفقت على “إعادة الإعمار” وحده مبلغ 132 مليار دولار. ويقول أنه مبلغ أكبر مما أنفقته على إعادة إعمار أوروبا فى مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية. ويَدَّعى سبوكر أن السبب يعود إلى الفساد الحكومى.

ولكن رغم ضخامة الفساد إلا أن الإنفاق على تدمير أفغانستان وإنشاء الكثير من الأجهزة المسلحة التابعة للمخابرات الأمريكية هو الذى إستنفذ أموال أمريكا ، متحالفاً مع الفساد المحلى فى إهدار 2 ترليون دولار هى تكلفة الحرب. والجدير بالذكر أن الفساد فى الجانب الأمريكى تزيد كلفته بمراحل عن الفساد فى الجانب الحكومى الأفغانى )) .

لم يتحدث شاهين، كما لم تذكر إتفاقية السلام شيئا عن مستقبل كل تلك القوات . ولا المرتزقة الذين بدأوا يتعاقدون مع حكومة كابل .

ولم يتكلم شاهين عن مصير إتفاقية الدفاع المشترك “أو التعاون الإستراتيجى” بين الولايات المتحدة وحكومة كابول التى سيصبح “مكتب الدوحة للسلام” شريكا معها فى الحكم ، إما بشكل مباشر أو بواسطة أفراد موثوقين لديه.

ولم يتكلم عن جيش المخابرات الذى يدير الحرب ، منCIA  والموساد . وهم غير تابعين رسميا للجيش الأمريكى ولا يرتدون ملابسه الرسمية . ويمكنهم بسهولة إستخدام ملابس الجيش الأفغانى ، تحت إسم خبراء أجانب أو مدربين أو حتى (أصدقاء فوق العادة للدولة الأفغانية !!) .

 

فى الجزء الثانى من الرباعية ، يقول شاهين :

{عدم السماح لأحد بأن يستخدم الأراضى الأفغانية لشن عدوان على أمريكا أو أحد من حلفائها}. السيد الدبلوماسى المحنك (حسب وصف التقرير) أسقط بذلك أفغانستان فى بئر لا خروج منه .

فهو أولا وضعها سياسيا تحت مراقبة الولايات المتحدة ، لرصد إتصالات الحكومة الأفغانية بالجهات الخارجية . والإعتراض على أي منها .

الإتهامات لن تتوقف، والعقوبات والحصار والتشنيع ومحسابة السياسة الخارجية للإمارة، ومصادرة سيادتها فوق أراضيها، والسيطرة على حركة الدخول والخروج إلا بموافقة أمريكية.

وأيضا رقابة أمريكية على النشاط المالى للإمارة مع البنوك الداخلية والخارجية . والعلاقات الإقتصادية والصفقات الإقتصادية ، بحجة منع أى دعم مالى لإرهابيين معادين للولايات المتحدة وأصدقائها (الذين هم إسرائيل على وجه الخصوص)، ومعاقبة أى شخصيات أفغانية لا تروق للسياسة أمريكية . والتوسع فى القوائم السوداء، التى كافح المفاوض الأفغانى لإعفائه منها، أكثر مما كافح لأجل إستقلال بلاده ، كما هو واضح من الإتفاقية التى فرَّطَت فى سيادة واستقلال أفغانستان . وحتى الآن لم يحصل المفاوض المستميت على إلغاء القوائم الأمريكية بالمنع من السفر، ولن يحصل عليها إلا بعد موافقة إسرائيل وتطبيع العلاقات الأفغانية الإسرائيلية.

– من مخاطر ذلك “الجزء” من الإتفاقية أنه يقر ضمناً بمسئولية الإمارة الإسلامية عن هجمات 11سبتمبر . ويفتح الباب أمام أمريكا لتطالب مستقبلا بتعويضات فلكية. فى نفس الوقت الذى تَحْرِم فيه الجانب الأفغانى / بصفته المُعتَدى/ من المطالبة مستقبلا بتعويضات حرب أو حتى بإعتذار أمريكى عن جرائمه فى تلك الحرب.

 نلاحظ تهديد أمريكا للسعودية بدفع غرامات عن حادث سبتمبر. ومع تهاوى أسعار النفط ربما لا يكفى ثمن بيع شركة (أرامكو) العملاقة لسداد تلك الغرامات إذا تم إقرارها . أى أن نفط السعودية وهو المخزون الأعظم فى العالم ، سيكون مرتهنا بقضية عقوبات 11 سبتمبر ، فأى شئ سوف تَرْهَنهُ أفغانستان فى مقابل مسئولية أقرتها ضمنا عن حادث سبتمبر؟؟. مع ملاحظة أن السعودية لم تقر بمسئوليتها لا ضمنا ولا صراحة .

بدون التوسع فى تفاصيل الثروات الأفغانية التى تريد أمريكا أن تصادرها ، نقول أن فى صدارتها يأتى محصول الأفيون، بأن تفرض أمريكا نفسها كمحتكر له ومتصرف وحيد فيه . ليس ذلك إفتراضا، بل هو ما تمهد له أمريكا الآن عسكريا وسياسيا .

 فقد بدأت بالفعل/ وحتى قبل أن تبدأ مباحثات السلام فى الدوحة/ الموجة الثانية من الحرب على أفغانستان ، بقيادة CIA  والموساد، وبإسناد مالى من قطر. بهدف حصر مناطق الأفيون فى أيدى صديقة تعمل مستقبلا على حصر التعامل السيادى فى محصول الأفيون بالجانب الأمريكى وحده ، فى مقابل مزايا  للمتعاونين تشمل أسعار مجزية للأفيون وتسليح جيد ، وتمثيل سياسى فى النظام القادم ، وعقود غاية فى السخاء فى مجالات الإنشاءات وإعادة الإعمار والسمسرة وتوكيلات تجارية تم توزيع العديد منها بالفعل على متعاونين أقوياء فى أفغانستان وباكستان والدوحة ومناطق أخرى).

– من مخاطر ذلك الجزء من الإتفاقية أنه لا يقود فقط إلى الإعتراف بإسرائيل ، بل يجعل الطرف الأفغانى مسئولا عن الدفاع عن أمنها. ويستلزم ذلك تنسيقاً أمنيا ، بل تبعية أمنية لإسرائيل التى هى القوة الإحتلالية الثانية من حيث الفعالية والقوة فى أفغانستان .

أى أن إعتراف النظام القادم بإسرئيل ، لن يكون سوى كشف لجزء من الأمر الواقع ، وجعله قانونياً . وقتها تسفر الوجوه القبيحة عن حقيقتها اليهودية ، كما حدث فى العديد من بلاد العرب.

يقول السيد شاهين فى الجزء الثالث من الرباعية : {الشروع فى مفاوضات بين الأفغان} .

ويقول فى الجزء الرابع منها: {إجراء مباحثات بشأن إطلاق النار} .

وبما أن المفاوضات بين الأفغان هى شئ آخر غير مباحثات “وقف” إطلاق النار، فإن المفاوضات بين الأفغان تعنى الإتفاق على تقاسم السلطه بين”الجميع”. لتكون طالبان مجرد جزء من هذا “الجميع” . ولكنها الجزء سئ السمعة (دوليا) ، ومتهم بالعنف والتطرف والتجاوز على حقوق النساء وحريات الشعب التى حصل عليها خلال سنوات الإحتلال السعيدة . أو كما جاء فى الإستقصاء (حقوق الناس فى سماع الموسيقى وحرية البنات فى ركوب الدراجات ، والجلوس على مقاعد الدراسة الجامعية مع الشباب) .

 

الحرية الغربية بديلا عن تحرير الوطن .. وثقافة القبلات بديلا عن الشريعة :

وحسب رؤية راسم لَوْحات جدارية فى كابل، وزميله مؤلف أشعار تلك اللوحات، فإن تبادل القبلات فى أفغانستان هو تعبير عن موقف سياسى “!!”. ويقول فى أشعاره بالحرف (سأقبِّلُكِ أمام طالبان ، لإننى لست خائفاً منهم ). ونسأله لماذا لم يفعل ذلك حتى الآن بينما هو ينعم بحماية قوات الإحتلال؟.

لقد أدار الغرب دفة الصراع ضد المستعمر بهدف تحرير الوطن، إلى “نضال تحررى” من أجل إباحة القبلات فى الشوارع . فزمن التحرير قد ولى بعد أن تم إستبدال المصطلحات والتوصيفات. فصار المحتل حليفاً وشريكاً استراتيجياً وممولاً للشعب الفقير، ومعيلاً لدولة التسول والفساد ، وحاميا لأكبر عملية تحول ثقافى وتحلل إجتماعى فى كل تاريخ أفغانستان.

وكما أخفوا ذِكْر الإمارة الإسلامية، تكتموا على ذِكْر الجهاد ، ونسوا لماذا كان منذ البداية ؟؟.

 – ستكون حركة طالبان فى الزاوية الأضعف من الحكم المشترك. ولابد لممثليها فى الحكومة والبرلمان وأجهزة الدولة (ممثلى مكتب الدوحة فى حقيقة الأمر) ، أن يتبرأوا من ذلك الماضى {{ وأن يتكيفوا مع الأوضاع الجديدة لأن صفحة من التاريخ قد قُلِبَت وزمن الظلام قد ولَّى ، وأن شمس قضيتنا المشروعة قد أشرقت على العالم كله ) .. ( وآن الأوان بأن تَخْرُج جميع الجهات الداخلية والخارجية من عالم الدعايات والتبليغات الكاذبة التى مارسوها طيلة السنوات الثمانية عشر الماضية }} ــ حسب إقتباسات من بيان منشور على موقع الإمارة الإسلامية بعد الإعلان عن إتفاقية مكتب الدوحة للسلام .

 بيان يحتفل فيه مكتب السلام الملغوم ، بما قدمه من تنازل لأمريكا عن القضايا الجوهرية وبكل سهولة . بل ومساعدتها فى التغطية والتضليل خاصة فيما يتعلق بإنسحاب القوات المحتلة ، وما يتعلق بحتمية الإعتماد على الغرب فى الحصول على المساعدات التى لا حياة لأفغانستان بدونها (حسب التقرير الإستقصائى والمشاركين فيه) . وما يستدعيه ذلك من علاقات وثيقة مع الغرب، وضمانات حسن سير وسلوك فيما يتعلق بالحريات التى حصل عليها الشعب الأفغانى تحت ظلال الإحتلال . خاصة حريات المرأة فى (ركوب الدراجات ، التقبيل فى الشوارع ، ومقاعد دراسية مختلطة فى الجامعات). مع تأجيل إقرار بند الحريات فى وثيقة رسمية إلى مرحلة لاحقة ، تجنباً للإحراج الذى قد يعرقل باقى التنازلات المتعلقة بالتبعية الإقتصادية والسياسية .

 

التسول الإقتصادى ضرورة إنسانية ( حسب الإستقصاء) !!

محور آخر خطير إقتحمه التقرير الإستقصائى المشترك (فرنسى/ قطرى)، حول ضرورة المعونات الخارجية ، وأن حياة الشعب الأفغانى وصحته ستكون فى خطر إذا ما حُرِمَ من ذلك الإحسان الوفير.

تلك الفقرة من الإستقصاء لا تقل أهمية وخطورة عن الفقرات التى تناولت السياسة والإقتصاد . بل تدعم تلك المحاور من جانب عاطفى وإنسانى للتأكيد على أن التبعية للغرب والخضوع لشروط المحتل هى ضرورة إنسانية ، وأن من يعارضها مجرم فى حق شعبه ، وحق الأطفال المرضى والأمهات الجوعى الذين لا عائل لهم غيرالغرب الرحيم وتبرعاته الإنسانية الخالصة لوجه الله.

   تقول مذيعة البرنامج فى مقدمة تلك الفقرة (الإنسانية / السياسية ) :

{{ دورة العنف تُشْعِر الدول المانحة بالإحباط . وأفغانستان دولة تعيش على المعونات الخارجية  فمنذ عام 2014 خففت الحكومة الأمريكية معوناتها لأفغانستان بمقدار النصف.

نموذج على حاجة أفغانستان (للمعونات الخارجية) نتوجه إلى جلال آباد، المستشفى العام بالمدينة وحدة طب الأطفال . الأطفال يعانون من سؤ التغذية الشديد. تعتمد الوحدة كليا على اليونيسيف فى الأجهزة والعلاج وحتى الطعام ـ وقد تنضب مواردها قريبا جدا }}.

طبيب أفغانى يقول فى”الإستقصاء”: { إن يونيسيف إستصرخت العالم كى يمول برنامج الطعام لكن لسؤ الحظ لم تتلق معونات تذكر} .

وفى موضع آخر يقول : { الناس فقراء. تعانى الأم من سؤ التغذية أثناء الحمل ، وعند الولادة لا تستطيع إرضاع طفلها . قالت لى والدة الطفلة : كيف نطعمها ونحن أنفسنا لا طعام لنا ؟.}

 ثم تقول المذيعة : { إن 2 مليون طفل يعانون من سؤ التغذية فى أفغانستان }.

 ((ونحن نضيف الى معلوماتها أن هناك 800,000 أمرأة أدمنت على المخدرات ــ إضافة إلى ثلاثة ملايين شاب أدمنوا على الهيروين )) .

وفى نهاية تلك الفقرة الإنسانية / السياسية ، تقول المذيعة الفرنسية :

{ بعيدا عن الصفقات الدولية مازال الأفغان الأكثر ضعفاً يدفعون ثمن الحرب . ويَرْجُحْ اليأس ، وضرورة وضع حد للمعاناة ، فى أذهانهم ، على المحرمات القديمة (!!) . ولديهم رغبة بسيطة واحدة، هى أن تنتهى معاناتهم ، حتى وإن إستدعى ذلك تقديم تنازلات إلى أعدى أعدائهم(!!) }

الكثير يمكن أن يقال حول تلك الفقرة ، التى تفتح المزيد من الجراح النازفة . لهذا نكتفى الآن بالإشارة إلى أن (المحرمات القديمة) يقصد بها المحرمات الدينية. وأن تقديم التنازلات لأعدى أعدائهم تتعدى التنازلات السياسة . وهذا يكفى الآن على الأقل .

 

هل أفغانستان دولة فقيرة .. و متسوِّلَة ؟

هذا ما يؤكده شاهين فى الإستقصاء التلفزيونى ، بما يؤكد تلك الإهانة المتعمدة التى يقدمها الإستقصاء على أنها حقيقة غير قابلة للنقاش . كما أكد الأمريكى (جون سبوكر) ــ المفوض الأمريكى لمراقبة إعمار أفغانستان ــ وزميله الأوروبى “رولاند كوبيا” المبعوث الخاص للإتحاد الأوروبى فى أفغانستان الذى يرى أن : { من يريد أن يعقد صلحاً فعليه أن يصافح حتى الشيطان}  ويقول كوبيا أن : { الفقر إنتشر فى أفغانستان نتيجة للحرب وأن بلد مضطرب كأفغانستان ممكن أن يصبح أرضية خصبة للجماعات الإرهابية التى تخطط وتشن عمليات فى بلدان بعيدة ، وما يهمنا هو الأمن فى أفغانستان لكى نضمن الأمن لأوروبا كلها }} ـــ وهكذا يرى الغرب فى أفغانستان ، مجرد فقر واقع وإرهاب محتمل .

– المفوض الأمريكى ( جون سبوكر) قال فى الإستقصاء:

 { لا تستطيع الدولة فى أفغانستان بمفردها أن تحصل على أموال تكفى للإنفاق الحكومى . فهى تحصل سنويا على ما يتراوح ما بين 2 إلى 2,5 مليار دولار من العائدات والضرائب . وإنفاقها على الجيش والشرطة يتراوح ما بين 4 إلى 5 مليارات . فضلا عن مليارات أخرى تنفق على القطاعات المدنية . وإذا ما حجب ذلك الدعم الإقتصادى فسوف تدور مشكلة تؤثرعلى ديمومتها ، وهى لا تستطيع أصلا أن تنفق على جيشها }.

إذن حسب سبوكر يجب أن تعيش أفغانستان مستعبدة للغرب نظرا لحاجاتها إلى أموالة .

شاهين يؤكد ذلك مع المذيعة الفرنسية ـ فى آخر فقرة من الإستقصاء والتى دارت كالتالى :

المذيعة : { أتخشى أن يسحب بعض المانحين الدوليين ـ مثل الإتحاد الأوروبى ـ أموالهم من البلاد إن عادت طالبان إلى السلطة ؟؟} .

شاهين : { نعم بالطبع ـ لذلك فإننا نريد أن نغلق هذا الفصل من الحرب ، ونبدأ فصلا من التعاون والعلاقات الطيبة معهم . عليهم ان يدفعوا تلك الأموال لشعب أفغانستان وإلى البلد نفسه لتنميته وإعماره}.

السيد شاهين يخشى أن يقطع الغرب “مساعداته” المالية لأفغانستان . لهذا يريد طي صفحة الحرب .(التى كانت تسمى جهادا فى الزمن القديم ، زمن الظلام ، قبل أن تشرق شمس مكتب الدوحة للسلام) وبدء صفحة من التعاون والعلاقات الطيبة . أموال الغرب يجب ـ فى رأيه ـ أن تأخذ مساراً آخر إلى البلد لتنميتة وإعماره . فهناك أيدى جديدة جاهزة لتلقى المعونات لتنفقها بشكل أفضل . ومعلوم دوليا أن المعونات الخارجية يترافق معها الفساد. إذن كلام السيد شاهين يعنى إعطاء خريطة جديدة للفساد وعنوان جديد للفاسدين.

ولعله يرى بذلك { أن صفحة التاريخ قد قُلِبَت ، وزمن الظلام قد ولى، وشمس قضيتنا المشروعة قد أشرق فى العالم كله}. فالمشكلة كما يراها مكتب الدوحة للسلام، هى فى نوع اليد التى تستلم المعونات، ومن ثمَّ تمارس نفس الفساد . ويظل مبدأ التسول ثابتأً ، وكذلك مبدأ التبعية السياسية لأمريكا والغرب، بضمانات القبول بالإذلال الثقافى والتنازل عن ثوابت الدين والتقاليد.

 

التحقيقات حول حقوق المرأة .. وليس عن حادثة سبتمبر

الجيش الأمريكى وقوات حلف الناتو لم يهاجموا أفغانستان لتوزيع الحلوى على الأطفال ، أو لإطعام الجوعى، أو لبناء ما دمرته الحرب السوفيتية وحروب الفتنة التى أشعلها الغرب فى أفغانستان . أو من أجل أن تركب الفتيات الدراجات وتتبادل القبل فى الشوارع مع الشباب.

 فأحداث 11 سبتمبر لا علاقة لطالبان أو الأمارة الإسلامية بها من قريب أو من بعيد . ومعلوم على نطاق واسع أنها من ترتيب المخابرات الأمريكية وشقيقتها الموساد . وأن الولايات المتحدة لم تكشف عن النتائج الفعلية للتحقيقات ، ولم تسمح بتحقيق دولى مستقل . ولكنها دخلت فى حرب صليبية ضد المسلمين ، أعلنها بوش من كتدرائية فى واشنطن . وحتى أنها لم تسمح بأى تغطية إعلامية مستقلة لأحداث سبتمبر ، ولا لحربها فى أفغانستان . ولكن المذيعة الإستقصائية تعترض على السيد شاهين ، بحماس قائلة فى تعليقها على موقف طالبان من المرأة : { فى عهد طالبان اُغْلِقَتْ أفغانستان فى وجه التحقيقات الخارجية ، ولم تُدْلِ أى منظمات غير حكوميه بشهادة عن العنف ضد النساء ، ولم تبين أى إحصاءات ما عانينه} .

 ولعل أحداً آخر يسألها: وهل سمحت الولايات المتحدة بإجراء مثل تلك التحقيقات الخارجية غير الحكومية عن أحداث 11 سبتمبر التى نتج عنها حربا طاحنة ما زالت مستمر فى أفغانستان منذ 20 عاما ، وامتدت نيرانها فطالت العراق ودول عربية عديدة ؟؟.

ولماذا رفضت أن يُحاكم جيشها على جرائم حرب أرتكبها فى أفغانستان وتوفرت حولها دلائل تتيح رفع قضايا جنائية ضده؟ . وبدلا عن ذلك عاقبت أمريكا المحكمة الجنائية الدولية واتهمتها بالتحيز ضدها وضد شقيقتها إسرائيل التى تواجه إتهامات مماثلة إرتكبتها فى فلسطين المحتلة.

مكتب الدوحة للسلام وحرصا منه على بناء الثقة مع أمريكا، لم يقدم كلمة تأييد أو شكر للمحكمة الدولية، وكأن الأمر لايخصه فى شئ ، رغم أن تسميته فى البداية كانت هى (المكتب السياسى للإمارة الإسلامية)، فأسقط المكتب السياسة من إعتباره، كما أسقط الإمارة الإسلامية نفسها، ولم يعد يذكر غير كلمة واحدة هى “السلام” وما يتعلق به من “بناء الثقة” و”المعونات الغربية”.

 

ثروات أفغانستان : الأفيون أولا .

ليس من المبالغة القول بأن أفغانستان واحدة من أغنى دول العالم . وأن ذلك ما جلب لها الغزو الأمريكى مدعوما بحلف شمال الأطلنطى”الناتو” . فأرض أفغانستان تحتوى على ثروات تزيد قيمتها عن 2000 مليار دولار. من ضمنها خامات نادرة وحيوية بالنسبة للصناعات التكنولوجية عالية التطور. ومواد خام تتيح لها إنشاء صناعات ضخمة تقليدية أو متطورة ، بل وأن تكون دولة رائدة فى الصناعات النووية السلمية . فلديها مخزون هائل من اليورانيوم الذى تنهبه بريطانيا العظمى يوميا من منطقة سنجين فى لاية هلمند ، الغنية باليورانيوم والأولى عالميا فى إنتاج الأفيون.

فأفغانستان تنتج أكبر محصول للأفيون فى العالم (حوالى 90 % من الإنتاج العالمى فى المتوسط). ومئات مليارات الدولارات المتولدة سنويا من الأفيون ومنتجاته تصب فى خزائن البنوك الأمريكية والإسرائيلية والأوربية . وعندما أوقفت الإمارة الإسلامية زراعة الأفيون ، تعجلت أمريكا بقرار الغزو ، بذريعة أحداث سبتمبر التى رتبتها مع الإسرائيليين .

 سابقة وقف زراعة الأفيون تعتبر سبباً رئيسياً فى إصرار أمريكا على إستبعاد الإمارة الإسلامية من مستقبل أفغانستان ، وإستبدالها بمكتب قطر للتفاوض والسلام ، خشية أن تُكَرِّر الإمارة “خطئها” السابق بوقف زراعة الأفيون ، الذى يعنى كارثة مالية تصيب الولايات المتحدة وإسرائيل وغرب أوروبا ، وبالتالى النظام البنكى والمالى العالمى ، والأهم توجيه ضربة قاضية للدولار الذى تبنى عليه أمريكا عظمتها الورقية فوق عالمنا المتهافت.

أما مكتب قطر فهو المفضل أمريكيا لأن طموحاته تتوقف عند تلقى المعونات الأمريكية، فى مقابل تقديم التنازلات المناسبة فى مجالات الإستقلال والسيادة والثروات والثقافة الأفغانية .

 

الولايات المتحدة جادة بالنسبة لثروات الهيروين التى تصب فى بنوكها . فمن أجلها إحتلت أفغانستان ـ ولأجلها تستمر فى حرب لا أمل فى ربحها .

وقبل التوقيع على بيان السلام فى الدوحة كانت تهديدات هى الأشد من نوعها قد وصلت إلى حركة طالبان ، ومفادها : أن أمريكا ستحصل على المخدرات التى تريد ، وإلا محت كابل من الوجود . ثم وهدد ترامب بضربة تبيد عشرة ملايين أفغانى وتنهى الحرب خلال أيام . ثم إدعى أنه لا يريد ذلك !! .

فالقضية الحقيقية إذن هى أفيون أفغانستان وليس النفاق الغربى عن حقوق المرأة وركوبها الدراجات وتبادل القبلات فى الشوارع ، والجلوس مع الشباب فى مقاعد الدراسة .

القضية هى الهيروين الذى تنتجه المخابرات الأمريكية فى قاعدة بجرام الجوية ويُدِر فى تجارة عالمية دخلاً سنويا يشارف الألف مليار دولار ـ تتضاعف مع توالى عمليات الغسيل (!!) .

القضية تمس أيضا دول أوروبا الغربية ـ وتصل إلى أعصاب النظام الدولى الذى تديره أمريكا ، وتلتصق بالعمود الفقرى للبنوك اليهودية العظمى .

المعادلة الأمريكية تجاه أفغانستان فى غاية البساطة وهى : (الأفيون أو الحرب) ــ (الأفيون فى مقابل السلام) ــ و بمعنى آخر: (الأفيون لنا أو الموت والدمار لكم) .

بعد إحتلالها لأفغانستان قفزت أمريكا بمحصول الأفيون إلى أكثر من 40 ضعفا . وأدخلت إلى الزراعة بذور مُعَدَّلة وراثيا لتعطى إنتاجاً مضاعفاً ومحتوى مُخَدِّر أعلى . كما أدخلت تحسينات فى تكنولوجيا تحضير الهيروين فصارت نقاوته تامة 100% بعد أن كانت عالميا فى حدود 52% قبل الإحتلال.

تضاعفت كميات الهيروين وصارت نوعيتة مثالية . وتوزيعه صار دوليا وفى غاية السهولة عبر سلاح الجو الأمريكى الذى يُقلِع من أفغانستان فى أجواء الكون الشاسعة المفتوحة أمامه. ولو أن هناك كائنات فى الكواكب الأخرى لوصلها الهيروين الأمريكى محمولا فى سفن الفضاء. بينما الأساطيل الأمريكية فى البحار ــ والتى تكافح القرصنة “!!” ــ توزع الهيروين فى موانئ المحيطات جميعاً. والصراع على حيازة وبناء موانئ على سواحل أفريقيا (على سبيل المثال لا الحصر) هو تنافس على حيازة محطات بحرية دولية لتوزيع المخدرات بأنواعها.

 وعندما خسرت أمريكا المزيد من حقول الأفيون التى حررتها حركة طالبان ، وتعَثَّر إنتاج الهيروين فى القواعد الجوية (خاصة بجرام) نتيجة الحصار والضغط والإختراقات والتخريب ، إزدحمت أفغانستان بزبائن الهيروين ، الذين جاءوا فزعين لضمان حقوق (شركاتهم) عابرة القارات . ليأخذوا ما يستطيعون الحصول عليه ، بأى وسيلة ممكنة . لا يهم كيف ولكن المهم أن تكون الوسيلة مجدية !!.

 

 

بازار للهيرويين .. وبنوك تغسل الدولار أكثر بياضا :

من السوق السوداء حصل الوافدون غير القانونيين إلى أفغانستان على مبتغاهم من المسحوق الأبيض أو البلورات كاملة النقاء . فأنعقدت الأسواق فى مدن شتى ، والتجارة التى كان يحتكرها الجيش الامريكى تولاها ضباط فى CIA والموساد ، مع كبار موظفى الأجهزة المحلية “الوطنية” من جيش ومخابرات وسياسيين وزعماء ميليشيات .

أما بنك كابول فبالكاد يكفى وقته لغسيل الشلال القذر من دولارات الهيروين . ومنه تتدفق أفرعاً كثيفة إلى دولة الإمارات وفقاعات الخليج الأخرى ، وإلى أصدقاء أمريكا فى شرق آسيا وأراضى فلسطين المحتلة .

حول العالم ، الدولارات القذرة تبنى مدناً ومشاريعاً إستثمارية وسياحية عظمى ، وتشترى موانئ على ممرات المياه الإستراتيجية ، وتدعم أنظمة .. وتهدم دولاً .

بإختصار.. الدولار الأفيونى ــ بعد غسيلة ـ أصبح أكثر بياضا ، وإنتصر على الدولار النفطى القديم ، ويدعم نظام أحادى القطبية ، ترعاه الولايات المتحدة  وتدير به العالم .

عندما لاحظ البعض ذلك الإنتعاش الهائل ـ أو ثورة الهيروين العظمى ـ التى أشعلها الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، إمتعضوا على إستحياء . ولكن الرد الأمريكى كان واضحا ومتبجحا : (إننا لم نذهب إلى أفغانستان من أجل مكافحة المخدرات ) ــ وأخيرا صدق الكذوب .

وظن الأمريكى أنه كسب ملايين المزارعين الأفغان فى صفه ، بعد أن ساعدهم فى زراعة الأفيون ، ورفع أسعاره بالنسبة للسابق بعد أن كانت الإمارة الإسلامية قد أوقفت زراعته  فوقع المزارعون فى أزمة إقتصادية وإجتماعية هائلة .

 رصدت أجهزة الأمم المتحدة إنتاجاً قدره 185 طن فى عام 2001 الذى توقفت فيه الزراعة، فى مقابل 3600 طن قبل ذلك . ثم تصاعد الإنتاج إلى أكثر من 10000 طن فى سنوات الإحتلال ـ فى المتوسط الفعلى ـ وليس بأرقام الإحتلال الذى يخشى من الحسد ومن المنافسين .

الخلاصة هى أن الأفيون مشكلة عالمية عظمى، تفوق طاقة أى حكومة تتولى أمر أفغانستان. وهو موضوع يمس أمن ومصالح الدول الكبرى . ويؤثر مباشرة فى النظام المالى والبنكى العالمى . فالأفيون شأن عالمى تماما ، وليس محليا بأى حال .

– إنطلاقاً من تلك الحقيقة فإن الإمارة الإسلامية فى عهد حكمها القادم يجب أن تتحمل تلك المسئولية العالمية . ولكن بإدارة مركزية قوية واعية حتى لا يختل الأمن داخل أفغانستان أو فى الدول المحيطة بها . وحتى لا تتعرض أفغانستان لغزو عسكرى جديد من الدول العظمى ــ والقوى العالمية المتحكمة ــ إذا أضيرت مصالحها المالية نتيجة حظر الإمارة زراعة الأفيون.

 

الإمارة الإسلامية أمام تحدى داخلى ومسئولية دولية :

ستكون أفغانستان ( الإمارة الإسلامية ) فى وضع مالى وإنسانى يمكِّنها من إقامة جهاز إدارى جيد ، وقدرة عسكرية وإستخبارية للإضطلاع بتلك المهمة ، وضمان أمن وسلامة أراضيها، وأمن وسلامة الجيران والعالم ، بتنظيم دور تلك السلعة “المالية” الحيوية للنظام العالمى.

 

من نتائج ذلك على الدولة الأفغانية ما يلى :

 إحباط الحرب الأمريكية المضادة التى سوف تجابه الإمارة الإسلامية فى حال نجاحها فى تصفية الوضع الإستعمارى الحالى ، وطرد قواته الأجنبية وقواته المحلية وقوات المرتزقة، و طرد عملائه فى النظام الحاكم ، كما طُرِدَ من قبل نظام نجيب الله الشيوعى.

ومن إجراءات الحرب الأمريكية ضد الشعوب التى تريد الإستقلال بإدارة شئونها :

1 ـ ضرب العملة المحلية ، فترتفع الأسعار بجنون .

2 ـ حصار مالى ، وحظر التعامل التجارى مع الخارج .

3 ـ عمليات تخريب وإغتيال ، وإشعال فتن داخلية وحركات إنفصالية وحرب نفسية ودعائية.

كل ذلك ـ أو أكثر منه ـ سوف يحدث ضد الإمارة الإسلامية عند عودتها ، بعد تحرير البلاد وطرد المحتل.

ولن يكون أيا من تلك الأساليب مجدياً للأسباب التالية :

1 ـ قوة الإمارة داخلياً، والإجماع الشعبى حولها، والذى تجلى فى دعم شعبى لجهادها ضد جيوش الإحتلال طوال عقدين من الزمان . وقبل ذلك دَعَمَها الشعب ضد نظام أحزاب الفساد الذى أقامته أمريكا وأعوانها فى كابول بعد سقوط النظام الشيوعى .

2 ـ تتوسط أفغانستان مجموعة من أقوى دول آسيا والعالم ، وتمثل أفغانستان حلقة الإتصال البرى والجوى فيما بينها . بما يُشَكِّل مصالح إستراتيجية وأمنيه وإقتصادية لتلك الدول جميعاً. ونخص بالذكر الصين (عملاق العالم) وروسيا وإيران والهند .

3 ـ فأى ضرب لإستقرار أفغانستان أو تهديد لأمنها ، أو عرقلة لدورها فى النظام الأسيوى الكبير كرابط برى وجوى بين (الصين و إيران) من جهة ، وبين (روسيا و الهند) من جهة ثانية ، سيكون ذو تأثير خطير على أمن القارة الأسيوية والعالم أجمع .

ومن خلال المصالح المشتركة والحاجة الجماعية إلى الإستقرار والأمن والتنمية ، يمكن للإمارة ان تبنى أفغانستان كدولة قوية وغنية ، ذات إقتصاد إنتاجى ، متكامل مع المحيط الأسيوى، ويحقق أكبر قدر من الإكتفاء الذاتى الزراعى والصناعى للشعب الأفغانى . بهذا الترابط والتفاعل الإيجابى مع المحيط الأسيوى العملاق  تعيد الإمارة إعمار أفغانستان ـ بتعاون إقليمى متكافئ .

– وغنى عن القول أن إستقلال أفغانستان وهويتها الحقيقية سوف يحددها دورها الفعال مع عمالقة الإقليم الأربعة : الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند . وسياستها الذكية فى إدارة دورها الفعال لبناء أفغانستان بالتفاعل مع تلك الدول بعيدا عن الصدامات . أما البعد الدولى (الأمريكى ــ الأوروبى) فلن تحصل أفغانستان منه ، سوى على الحصار والعقوبات ، والتخريب والحرب النفسية ، إلا إذا إنصاعت للرؤية التى أقرتها الولايات المتحدة ومكتب الدوحة.

– إذن أفغانستان لن تكون فى حاجة إلى الولايات المتحدة، ونظامها للإستعباد الدولى، وما يرافقه من حروب وحصار إقتصادى وعقوبات أرهقت العالم .

 فى مثل ذلك الترابط بين أفغانستان مع محيطها الأسيوى ، فإن الولايات المتحدة ، إذا عاقبت أفغانستان ستكون قد عاقبت نفسها فى حقيقة الأمر.

وستكون أمريكا ــ ودول حلف الناتو ــ مجبرة على إقامة علاقات طيبة مع أفغانستان كأفضل وسيلة للحصول على مبتغاها من محصول الأفيون ـ ولكن طبقا لشروط وإشراف حازم من الإمارة الإسلامية.

ولن يطول الأمر كثيرا حتى يأتى نظام عالمى جديد ، بلا ولايات متحدة، وبلا معادلتها القاتلة : ( الأفيون لنا .. أو الموت والخراب لكم ) .

 

تجديد البيعة للإمارة الإسلامية :

( نستفيد هنا بعدد من الأفكار التى وردت فى مقال بمجلة الصمود، عدد رقم 174 ، تحت عنوان إستفتاء البقاء واستفتاء الإلهاء) .

– رؤية الإمارة الإسلامية للحكم الإسلامى إتضحت خلال فترة حكمها الأولى (1996 ــ2001)، بأن أهم واجبات النظام الإسلامى هى تطبيق العدالة بين الجميع ، ومكافحة الفقر.

وفى الحقيقة فإن  تطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس وإلا فلا يمكن تطبيق أكثر الحدود الإسلامية فى ظل الفقر المدقع أو المجاعات التى تشكل شبهة مُخَفْفِة أو حتى مانعة لتطبيق الحدود.

إذن تنمية الإقتصاد هى العمود الفقرى لإقامة شرع الله. فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر فيجب منع إحتكار الثروات، وتنظيم الزكاة ، والتصدى لناهبى ثروات المسلمين.

فالمسلمون ليسوا فقراء، أو فى حاجة لمن يعولهم ، بينما ثروات البلاد منهوبة وتصب فى خزائن الكافرين أموالا طائلة.

– يعمل الأمريكيون ، ومعهم سماسرة الإحتلال الأجنبى ، على التخلص من الإمارة الإسلامية وإزاحتها جانباً، كخطوة أولى ، ثم إلغائها فى خطوة لاحقة ، بطريقة تبدو ديموقراطية جذابة للغرب وجالبة لرضاه ومعوناته.

 متخطين بذلك أصحاب الحق الشرعى فى إقرار نظام الحكم ، الذين أقاموا الإمارة الإسلامية واختاروا لها الملا محمد عمر أميرا للمؤمنين .  ويمتلك ذلك الحق القوى التى جاهدت لإزاحة نظام البغى والفساد فى كابول منذ عام 1994 إلى عام 1996 حين أعيد فتح كابول وطُرِدَ منها المنافقون والمرتدون الذين عملوا داخل النظام .

 بعد رحيل الإحتلال الأمريكى وملحقاته ، فإن الإمارة الإسلامية هى من سيتولى سلطة الحكم ، بناءً على شرعية إستفتاء جهاد شعبى ، إستمر عقدين من الزمن ، مؤيداً لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الإستفتاء الحقيقى للأمم المجاهدة . وليس واحدا من إستفتاءات النفاق الغربى، لتسويق الفاسدين بقوة المال الأجنبى وأجهزة الدعاية.

 إختيار الإمارة الإسلامية  كنظام لحكم أفغانستان قد تم بالفعل خلال عشرين عاما من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فلن يشارك فى النظام القادم ، وعليه إما البقاء تحت قوانين النظام الإسلامى ، أو الرحيل مع قوات الإحتلال ليقيم مع سادته فى بلادهم.

– بعد تحرير كابول ، وخروج الإحتلال الأمريكى وأعوانه ، يحين الوقت لتجديد البيعة لحكم الإمارة فى مرحلة الجهاد القادمة لإعاة بناء أفغانستان وإزالة آثار الإحتلال ثقافيا واقتصاديا. عبر مؤتمر جهادى عام من المجاهدين والعلماء وقادة القبائل من كل أفغانستان / مثل ذلك المؤتمر الذى أسس لقيام الإمارة / يجتمع فى مدينة أفغانية ، وليس أى مكان خارج أفغانستان ، لتجديد البيعة للإمارة ، ولزعيمها أمير المؤمنين . وطبقا لمبادئ الإمارة وأميرها المؤسس : فإن الصدارة محجوزة لمن رفع السلاح وجاهد بالنفس والمال. والأفضلية هى للتقوى والجهاد وليس للأموال الخارجية أو الدعم الأمريكى. وأن من يتصدرلإمارة المؤمنين ، يختاره المؤمنون وليس المنافقون ، وعليه أن يدخل إلى الحكم فقيرا ويخرج منه فقيرا، كما فعل الملا عمر رحمه الله . دخل بردائه القديم وبه خرج من الدنيا الفانية . رحم الله الملا محمد عمر، فقد أتعب من بعده .

 

 

مكتب الدوحة خارج المسار الشرعى :

إن مكتب الدوحة قد خرج عن مهمته الأصلية التى من أجلها أسسته الإمارة. فبعد أن كان مكتبا تابعاً للإمارة ، أخذ يتصرف كطرف بديل عنها ، ويقرر فى مسائل جوهرية للغاية لا يمكن مناقشتها خارج نطاق القيادة العليا للإمارة (مثل مسألة شكل نظام الحكم القادم ).

لقد تصورت وزارة الخارجية الأمريكية ـ التى إختطفت مكتب قطر ، وغيرت من طبيعة مهامه من مكتب سياسى إلى مفاوض دائم للسلام ، ثم إلى بديل عن الإمارة وشريك مستقبلى فى حكم أفغانستان بصفته ممثلا لحركة طالبان ، التى لم تفوِّض مكتب الدوحة بشئ ، بل فوضت الإمارة الإسلامية وزعيمها أمير المؤمنين.

 والمعلوم أن الإمارة الإسلامية قائمة على دعامتين أساسيتين :

الأولى : تفويض عام من حركة طالبان ، وقادة المجاهدين الذين ساندوها ، وقادة القبائل الذين فتحوا لها أراضيهم . وذلك فى مؤتمر عام ضم أربعة آلاف من القياديين ، قرروا نوع النظام (الإمارة الإسلامية ) وإختاروا الأمير (الملا محمد عمر) .

الثانية : تفويض شعبى واسع يدعم الإمارة ، وقوتها الضاربة الممثلة بحركة طالبان، فأمدوها بالرجال والمال والسلاح ، وتحملوا معها أفدح الخسائر فى قتال الإحتلال الأمريكى وأعوانه الداخليين والخارجين ، طوال عشرين عاما وإلى الآن . وفى ذلك تفويض وإنتخاب وتجديد بيعه لا جدال فيهما.

هاتان الركيزتان لا يمكن للخارجية الأمريكية ـ وصبيانها فى الخارجية القطرية ، أو عدد محدود جدا من المنحرفين فى مكتب الدوحة { للتفاوض والمعونات وعقود إعادة الإعمار} ـ لا يمكن لذلك الليل المظلم أن يغير الحقيقة الساطعة ، وهى أن الإمارة الإسلامية وزعيمها المنتخب ـ أمير المؤمينين الملا هبة الله ـ هما القوة الرئيسية فوق كامل التراب الأفغانى بتفويض ودعم من شعب أفغانستان . وأن التوجه الإسلامى الحقيقى للدولة، وقرار الحرب والسلام ، هى من صلاحيات الإمارة وأميرها ـ حصريا ـ منذ أن أنشأ الشعب إمارته ـ وحتى يوم التحرير والنصر القريب بإذن الله .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

06-08-2020

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم .

 




ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

– جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو في أفغانستان، من تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي.    

– الارتزاق العسكري .. وتوأمه الارتزاق الترفيهي، من القرية الخضراء إلى قاعدة بجرام الجوية.

تبدأ حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية قبل عام من الإدلاء بالأصوات. ولكن حملة ترامب الأولى عام 2016 لم تكد تهدأ حتى الآن . فهو الرئيس الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. وهو أسوأ الرؤساء بشهادة أغلبية مساعديه ومنافسيه وأعدائه على حد سواء. والذي قيل فيه لم يسبق له مثيل لأي رئيس أمريكي أو حتى رئيس من الدرجة الثالثة في العالم الثالث.

الطعن في الرئيس شمل سجاياه (اللا أخلاقية) وضعف قدراته العقلية، وضعف فهمه للسياسة بل وحتى للمسائل العادية. حتى قال عنه وزير الدفاع السابق ماتيس (إن ترامب يفهم الأمور وكأنه طالب في الصف الخامس أو السادس ويتصرف على هذا الاساس) .

وترامب نفسه قال ذات مرة : (إن وسائل الأعلام تتعامل مع الكلب أفضل من تعاملها معي). ويقصد ذلك الكلب”المعجزة” المدعو كونان، والذي نسبوا إليه أكذوبة المساهمة في تصفية “البغدادي” زعيم تنظيم داعش .

ذلك الرئيس الأسوأ ، يرجح كثيرون بأن حظوظ فوزه بفترة رئاسية ثانية هي الأعلى بين المرشحين. ولديهم أسباب لقول ذلك، رغم اعترافهم بكل نقائصه كرئيس وكرجل عادي.

ومن أخطر المآخذ عليه هي إحداثه انقسام عميق في المجتمع الأمريكي، بدرجة تهدد بوقوع حرب أهلية. حتى أنه لوَّح بذلك التهديد في وجه أعداء الداخل. فهو يمثل كتلة دينية شديدة التطرف، ويعادي بكل وضوح كل الكتل الاجتماعية الأخرى، على أساس ديني وعرقي، وهو ما ينافي فلسفة المجتمع والدستور الأمريكي.

 

ومن مآخذ الأمريكيين على رئيسهم داخليًا:

وصوله إلى السلطة بخداع الناخبين. وأنه واصل الخداع وإساءة استخدام سلطاته كرئيس، كما حدث في قضية أوكرانيا التي حاول مقايضة رئيسها على المعونات الأمريكية في مقابل محاكمة نجل منافس ترامب الانتخابي.

واتهموا ترامب بالعمل لصالحه الشخصي ومصالح المجموعة الأكثر ثروة في أمريكا، وأنه استمرّ في إدارة أعماله التجارية وهو على كرسي الرئاسة مخالفًا بذلك القانون.

وأنه يعمل ضد مصالح الفقراء. فبينما أعطى تخفيضات هائلة في ضرائب الأغنياء، هاجم المعونات الغذائية المقدمة للفقراء.  وقالوا: إنه معادي للأقليات الدينية والعرقية لصالح العرق الأبيض “المتفوق”. فاعتبروه (خطراً وجوديا، وتهديدا لهوية الأمة الأمريكية).

إيجابيات ترامب داخليا، يتكلم عنها أنصاره، ومن يحاول الإنصاف من المعسكر المضاد له. وتكاد تنحصر فى المسيرة الإيجابية للاقتصاد الأمريكي. فنسبة البطالة الآن هي الأدنى منذ 50 سنة.  وانتعشت أسواق الأسهم والسندات. وسعر جالون البنزين لا يتجاوز دولارين ونصف. وإنه حقق ما وعد به في حملته الإنتخابية من تحسين الاقتصاد الداخلي، والعودة بأمريكا إلى قيادة العالم إقتصاديا.

ترامب يتصدى لمعارضيه بهجوم مضاد، فيقول أن ما يقومون به ضده ليس إجراءات عزل بل هو انقلاب لنزع السلطة. ويشير الواقع إلى أن الشعب الأمريكي يفقد ثقته في الديمقراطية الأمريكية وفي الأحزاب . أو كما قال كاتب أمريكي مشهور (إنها أفضل ديموقراطية يستطيع المال شراءها)، لذا جاء ترامب من خارج السرب . وتبدو فرصته عالية للفوز بفترة حكم ثانية رغم الخلافات من حوله وبسببه ــ إلى جانب أخطائه السياسية ــ التي أدت إلى إنقسام سياسي واجتماعي وصفه البعض بأنه (الانقسام الأسوأ من الانقلاب). بينما يصف ترامب معارضيه بأنهم منقلبون على الديموقراطية الأمريكية.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

لا عقوبة على الجرائم الخارجية:

لا شيء من كل ذلك يدعو إلى تفاؤل الدول المستضعفة. لأنه في طول تاريخ أمريكا لم يتعرض أي رئيس إلى عقوبة نتيجة جرائمه وحروبه في الخارج. ولم تدفع أمريكا أي تعويض مالى عن حروبها وسياساتها التخريبية المخالفة للقوانين الدولية . سواء في عهد الرئيس ترومان صاحب قرار القصف النووي اليابان عام 1945 . أو ليندون جونسون الذي ضاعف حدة حرب فيتنام فضاعت أرواح آلاف الجنود الأمريكين وملايين من أهل البلاد. أو جورج بوش صاحب حروب أفغانستان والعراق لأسباب مزورة، فأزهاق أرواح الملايين من البشر.

– المواطن الأمريكي لا يتفاعل كثيراً مع الأحداث الخارجية طالما لا تؤثر على أحواله المعيشية. وهو يتبع آراء الإعلام الذي هو في قبضة القوى المالية الكبرى التي تشتري السياسيين والإعلاميين وتقف خلف إشعال الحروب في العالم. وتدعي الإدارات الأمريكية أسبابًا كاذبة حول الدوافع الحقيقية لتلك الحروب، وتخفي حجم خسائر الحرب والفساد المالي والأخلاقي المتلازم معها . وإن تسرب شيء من ذلك إلى الرأي العام الأمريكى فلا يتسبب في ملاحقات قانونية للمسئولين، وسريعًا ما يزول تأثيره عن الجمهور الذي لا تشتغله إلا رفاهيته المعيشية. والحقائق إن ظهرت في وسائل الإعلام فإنها تظل محدودة الأثر على قرارات الإدارة الأمريكية.

قليلًا ما تصحو ضمائر الإعلام ـ بعد فوات الأوان ومرور الزمن وانكشاف الوثائق الحكومية ـ وتظل الكتلة الرئيسية للإعلام ملتزمة بإثارة الغبار والتغطية على الحقائق حفاظا على مصالح أولياء نعمتها من الرأسماليين الكبار .

وحتى يحقق ترامب أهم انتصارته الداخلية ـ في مجال الاقتصاد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن ـ ارتكب أكبر خطاياه التي أدت إلى فقدان بلاده لمصداقيتها وإخلاص أقرب حلفائها في العالم . لقد حقق بالفعل مكاسب مالية ضخمة ، لكن في مقابل فقدان الثقة والمصداقية، حتى أصبحت أمريكا أكبر خارج عن القانون الدولي والمجرم الأول في العالم، فلم تعد لها أي قيمة أخلاقية.

ومن أجل تحقيق المكسب المالي ــ الهدف الأول لسياسات ترامب الخارجية ــ لم تعد هناك أي قيمة للاتفاقات أو القوانين الدولية . ورفع ترامب شعار (أمريكا أولا) الذي عزل أمريكا ومصالحها عن باقي العالم، بل جعل من تلك المصالح نقيضا للعدالة والمساواة بين الأمم.

 

 تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي:

ولم يعد لأمريكا شركاء ، بل أتباع منصاعون للإملاءات . سواء الأوربيون في “حلف الناتو” الذين يطالبهم ترامب بالمزيد من دفع الأموال لقاء حمايته لهم من أخطار متوهمة. وصولا إلى دول الخليج التى يراها مجرد كائنات “حلوبة” إلى درجة الجفاف المؤدي إلى الذبح.

الأوربيون يرون أن “الناتو” صار تابعا لأمريكا تستخدمه في مغامرات دولية لا شأن لأوروبا بها ، بل ربما تضر بمصالحها . وتذمرت فرنسا من طريقة إدارة ترامب للأزمة في سوريا وتنسيقه مع تركيا خارج نطاق التشاور مع الحلف . حتى أن الرئيس الفرنسي (ماكرون) أطلق قوله الشهير عن حلف الناتو بأنه توفي (بالموت الدماغي)، مما أشعل الموقف بينه وبين الرئيس التركي (أردوغان) الذي تمتلك بلاده ثاني أقوى جيش في “الناتو” . كما أن القوات التركية (المسلمة) كانت الأكثر عددا بعد القوات الأمريكية عند احتلال أفغانستان . ومازالت تشغل نفس الترتيب حتى الآن.

ورغما عن صدامهما العابر فقد جربت الدولتان ــ فرنسا وتركيا ــ مسارات استقلالية داخل الحلف بعيدة نسبيا عن الهيمنة الأمريكية . فبينما  فرنسا تقود دعوة إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك بعيدا عن السيطرة الأمريكية، فإن تركيا تخطت بالفعل العديد من المحاذير، باعتمادها جزئيا على السلاح الروسي في الدفاع الجوي، بشراء منظومة(400 ــ S)، وربما تشتري أيضا طائرات (سوخوى ــ 35) الروسية المتطورة ، كبديل عن طائرات(35 ــ F) الأمريكية، التي تشارك تركيا في إنتاجها، ولكن أمريكا تمانع في تسليمها ، وفرضت شروطا تمس السيادة التركية لضمان انصياع سياسي أوضح في مقابل الحصول على سلاح أمريكي متطور.

وفي خضم ذلك التنازع داخل حلف الناتو ونزوع تركيا صوب مسيرة مستقلة، فمن حق الشعب الأفغاني أن يطالب إخوانه الأتراك بسحب جيشهم من أفغانستان والتوقف عن دعم العدوان الأمريكي المستمر منذ 18 عاما على شعب أفغانستان المجاهد.

فمعظم قوات حلف الناتو غادرت أفغانستان بالفعل، ولكن بعض الدول أبقت على قوات رمزية. ولتركيا الآن 800 جندي بدلا عن عشرة الآف شاركوا فى بداية الغزو. وآن الأوان لسحب تلك القوات، ووقف استخدام مطارات تركيا في تصدير مرتزقة داعش إلى أفغانستان. على تركيا  إفساح المجال أمام الشعب الأفغاني المسلم المجاهد للحصول على حريته.. فتركيا مثل باقي دول حلف الناتو ليس لها مصلحة في تلك الحرب، ناهيك عن رابطة الإسلام التي تربطها مع شعب أفغانستان .

ونفس القول يصلح لدول عربية تشارك / سرا أو علنا / بقواتها ، وبتسهيلاتها العسكرية الممنوحة للعدو الأمريكي، بل وتمويلها، لحربه ضد الشعب الأفغاني.

–  تجربة حلف الناتو في أفغانستان كانت تجربة مريرة أثبتت تبعيته السياسية والعسكرية للولايات المتحدة بدون وجود أي مصلحة أمنية (أو اقتصادية) لدول الحلف في تلك الحرب. النتائج العسكرية لمشاركة حلف الناتو في أفغانستان كانت ضعيفة جدا، ولم توقف تقدم مجاهدي الإمارة الإسلامية ولم تمنع توسع سيطرتهم على الأرض واتباع الناس لهم . فاكتشفت دول (الناتو) إنها في المكان الخطأ والمعركة الخاطئة، لذا انسحبت مصحوبة بعار الهزيمة. هذا بإستثناء بريطانيا التي، وبتصريح أمريكي، تتمتع بحصة محدودة من أفيون “هلمند” مع صلاحيات واسعة لسرقة خام اليورانيوم من تلك المحافظة.

 

جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو :

بمغادرة قوات الناتو(أو معظمها) لأفغانستان، دخلت الولايات المتحدة فى مرحلة جديدة من الحرب في ذلك البلد. فاعتمدت على (قوات المرتزقة) التي صارت عماد العقيدة العسكرية الأمريكية في أفغانستان ، بل و”الشرق الأوسط” ، بساحاته في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

 أمريكا ــ وبإشراف مخابراتها المركزية ــ أعطت توكيل حرب أفغانستان لجيش من المرتزقة الدوليين عماده شركة بلاك ووتر في ثوبها الإسرائيلى الإماراتي، ولجيش مرتزقة داعش بجناحيه : الباكستانى ( داعشتو ــ أى دواعش معسكر شمشتو). وجناح داعش الإقليمى المكون من(إيغور/أوزبك/طاجيك). ناهيك عن الكتلة العددية الأكبر من مرتزقة الجيش الأفغاني (الوطني) والميليشيات المحلية (المناطقية والعرقية). ذلك الغثاء العددي يزيد عن ثلث المليون!! ويستزف المال الأمريكي، وطاقاتها الإدارية والاستخبارية، لتكون الحصيلة النهائية لصالح الإمارة الإسلامية.

 سوف يسجل التاريخ تحول العمل العسكري إلى عمل ارتزاقي على يد الولايات المتحدة خاصة في عهد ترامب. وأهم التطبيقات كانت في أفغانستان . حتى أن بعض الدول فاقدة القيمة حولت جيوشها إلى قوات (مرتزقة) معروضين تحت الطلب في سوق الحروب، كمصدر لجلب الأموال بالعملة الصعبة ، ولضمان الدعم السياسي الأمريكي.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

الارتزاق العسكري .. وتوأمه الترفيهي:

– بتحويل الحرب إلى نشاط اقتصادي ارتزاقى، ظهرت صناعة الارتزاق بالدعارة المنظمة، التي أطلقوا عليها إسما منافقا هو الترفيه. وتديرها جيوش الإحتلال للترفيه عن قواتها وعن المرتزقة الدوليين . بعض الحثالة من الدول حولت الترفيه إلى صناعة وطنية، عمادها الإرتزاق الجنسي الذي تديره الدولة للترفيه عن المحتلين فوق أراضيها ( مدنيين وعسكريين) أو لتصديره إليهم في ساحات الحروب الارتزاقية التي تنشرها أمريكا حول العالم.

لقد أصبح الإرتزاق الدولي الذي ابتدعته أمريكا واستخدمت كامل قواها لنشره ، أصبح ثقافة ومفهوما “حضاريا” ونشاطاً اقتصاديا جالبا للثروة ، ومفهوما تتبناه أنظمة ودول تتاجر بدماء شبابها وأعراض نسائها، في نشاط ارتزاقي يشمل تلك التجارة الشيطانية بشقيها القتالي والترفيهي.

وفي عهد ترامب ظهرت بوضوح ظاهرة الدول التي حوّلت جيوشها (الوطنية) إلى قوات مرتزقة. وترافق معها ظاهرة عسكرة الدعارة ـ كجزء من العمل اللوجستي ـ للترفيه عن جيوش المرتزقة.

الولايات المتحدة ــ في عهد ترامب أيضا ــ كانت السباقة في دمج النشاط الارتزاقي كله تحت إدارة عسكرية موحدة . فاتخذت من قاعدة بجرام الجوية في أفغانستان مقرا لتلك القيادة الارتزاقية ــ القتالية والترفيهية ــ تحت سلطة استخبارية عسكرية موحدة. والأسطول الجوي العسكري يقدم خدماته لتلك القيادة. وعندما حاولت تلك القيادة المشتركة أن تطل برأسها خارج قاعدة بجرام أتتها الضربة الصاعقة على أيدي أبطال الإمارة الإسلامية الذين دمّروا مقر الرذيلة في (القرية الخضراء)، وهي التسمية المنافقة لأكبر مقر إستخباري عسكري  “ترفيهي” للأمريكيين . فانكمش نشاطهم إلى داخل القاعدة الجوية في بجرام، التي لن يكون مصيرها أفضل من مصير القرية الخضراء.

– حتى الجيش الأمريكي نفسه تحول إلى أكبر قوة ارتزاق عسكري في العالم، حيث يؤجر خدماته للحلفاء مقابل دفعات مالية مناسبة. ولا يخجل ترامب من مطالبة حلفائه (من أوروبا .. إلى اليابان وكوريا .. إلى الخليج ) بدفع المزيد من المليارات “ثمنا لحمايتهم” بقوات وأسلحة أمريكية .

* فلابد من إثارة أزمات وحروب لجلب المزيد من طلبيات إستئجار قوات أمريكية للدفاع . فتزداد صفقات شراء الأسلحة ، وتنتعش الصناعات العسكرية الأمريكية .

* العقوبات المالية والتجارية ـ أي الحروب الاقتصادية ـ تجلب المعاناة والفقر على الشعوب المستهدفة . فتزداد حاجتها إلى القروض. والجهات المانحة للقروض في العالم خاضعة للسطوة اليهودية بالشراكة مع الصهاينة المسيحيين في أمريكا.

وهكذاــ بالحروب العسكرية والاقتصادية وجيوش المرتزقة والصناعات الارتزاقية بالبشر رجالا ونساءً ــ ينتج الخراب المادي والأخلاقي، ويزداد الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. ليصبح عهد ترامب واحدا من عهود الازدهار الاقتصادي الأمريكي، مهما جلب ذلك من خراب ودمار على الإنسانية جمعاء.

إنها سياسة ترامب التي تقول بأن (أمريكا أولا) .. والمال قبل المبدأ .. والدولار هو المعبود الأوحد. فلماذا الاستغراب من أن تتمسك أمريكا بحربها على شعب أفغانستان، وتواصل حرباً في سبيل الأفيون، هي الثالثة من نوعها التي تشنها الحضارة الغربية على دول آسيا؟؟  مادامت تلك الحرب تجلب مئات المليارات سنويًا إلى سوق المال في الولايات المتحدة، وتجلب الرخاء للشعب الأمريكي، وتسجل نجاحًا لواحد من أفشل القادة، وقد يفوز بولاية حكم ثانية ، وقد طوَّر مبادئ جديدة لحكم أمريكا والعالم . وهي مبادئ الخراب والانتكاس بفطرة الإنسان التي فَطَرَه الله عليها .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية




مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (154) | ربيع الثاني 1440 هـ / ديسمبر 2018 م.       

24/12/2018

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

– القواعد العسكرية الأجنبية وظيفتها نهب الثروات ، والسيطرة السياسية ، وتوفير نفقات الإحتلال ، ومنع تطبيق شرائع الإسلام .

– بدأت أمريكا عملية جباية وتسول مسلح لم تستثن أحدا / من الحلفاء الكبار إلى الأتباع المُحْتَقَرين/ بدعوى الحماية من الأخطار الخارجية .

– “القاعدة العسكرية” للمحتل الأجنبى تحْكُم الدولة “المُضِيفَة” ولكن من وراء ستار .

– القواعد العسكرية الأمريكية تجلب مخاطر الحرب النووية ، خاصة بعد نشر أمريكا لصواريخ متوسطة وقصيرة المدى ، وتعرض أفغانستان لخطر الدمار النووى بسبب موقعها الجغرافى .

– قاعدة بجرام الجوية تنتج أنْقَى أنواع الهيرويين ، وتنشر السلاح النووى الموجه إلى جيران أفغانستان . فمن يضع المشنقة النووية حول رقاب الشعب الأفغانى ؟؟ .

 

يعتمد الإستعمار الحديث (الإمبريالية) على السيطرة الإقتصادية ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر ـ تاركا مهمة إدارة البلاد التابعة لحكومات محلية “وطنية” تتبع سياسة المستعمر فى أمورها الداخلية والخارجية ـ لذا فهى حكومات إحتلال بالوكالة ـ أى أنها تقوم بكل ما يرغب فيه المحتل من تسخير موارد البلاد الإقتصادية لمصلحة شركاته وبنوكه ، وفى السياسة الخارجية تكون تابعة لخطاه ، تعادى من يعاديه المستعمر وتحالف من يحالفه ، وتنضم إلى مغامراته العسكرية الدولية ، وتكون تابعاً له فى حربه وسلمه .

– مازالت دول الإستعمار القديم تحتفظ بقواعد عسكرية فى الكثير من مستعمراتها السابقة ، وذلك لأسباب عديدة :

أولا ـ حماية مصالحها الإقتصادية ، ومصالح شركاتها الكبرى فى ذلك البلد من الأخطار الداخلية أو الخارجية المحتملة ، ومن أى مزاحمة ـ غير شريفة ـ من الشركات الكبرى التابعة للدول المنافسة. تلك المنافسات الشرسة تدور حتى بين الحلفاء، تزاحما على الموارد الإستراتيجية، خاصة النفط والغاز أو الماس والذهب واليورانيوم ، أو المواد الخام النادرة التى تستخدم فى الصناعات المتطورة وصناعات الفضاء.

ثانيا ـ ضبط التفاعلات السياسية فى البلد المقام فيه القاعدة العسكرية . بحيث تضمن بقاء عملائها على قمة السلطة السياسية . وتكون جاهزة للدفاع عنهم ضد أى عمل إنقلابى أو ثورة داخلية . أو العكس بأن تستخدم الجيش “الوطنى” الذى تشرف هى على تدريبه وتسليحه وإختيار قياداته العليا والتحكم فى حركة الترقيات الداخلية فيه بحيث يبقى تابعاً لها تماما. فتستخدمه للحفاظ على الحكومة المحلية العميلة ، أو تضغط به على مؤسسات الدولة المضيفة أو حتى ينقلب عليها ليقيم حكما عسكريا مباشرا لصالح أصدقاء الإحتلال المحليين الأكثر إخلاصاً له ، والأقوى فى الدفاع عن مصالحه ، والأكثر إستجابة لمطالبه ، والأقل طمعا فى تقاسم الثروات معه أو مشاركته فى شئ من القرار السياسى .

ونضرب مثلا لذلك الغزو السوفيتى فى ديسمبر 1979 والذى جاء برئيس شيوعى جديد أكثر إخلاصاً لهم هو “بابراك كارمل” بديلا عن “حفيظ الله أمين” الذى راودته أحلاما بشئ من الإستقلالية رغم ضعفه فى السيطرة على البلد بعد إحتطافه السلطة فى إنقلاب شيوعى عسكرى ضد الرئيس السابق”نورمحمد طرقى” أول رئيس شيوعى لأفغانستان ـ وهكذا إضطرب زمام السلطة فى أيدى الشيوعيين ، وتصاعدت قوة المجاهدين المناوئين للنظام الشيوعى .

فأضطر الجيش الأحمر السوفيتى لغزو أفغانستان وتنصيب رئيس أكثر طاعة ، ولكنهم أضطروا للقتال حوالى عقد من الزمان فى محاولة إخماد الثورة الجهادية ، ولكنهم فشلوا وهُزِمَ الجيش الأحمر وإنسحب ذليلا عاجزا فانفرطت الإمبراطورية السوفيتية من بين يديه .

 

“القواعد العسكرية” هى إحتلال عسكرى رخيص الثمن :

ــ لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية فى عشرات الدول، ليس فيهم واحدة تتمتع بقدر معقول من الإستقلال السياسى ، أو الإقتصادى ، أو الثقافى .

وتظل “القاعدة العسكرية” هى عماد قوة الإحتلال ، وتحت تصرفها حكومة محلية “وطنية” تتبع السياسة الأمريكية ، وتُبْقى إقتصاد الدولة فى قبضة القروض الأمريكية وهيمنة الشركات الأمريكية الكبرى المتعددة الجنسيات التى لها باع طويل فى السيطرة الإقتصادية على معظم دول العالم المتخلفة .

– “القاعدة العسكرية” لدولة أجنبية، تفرض منهجا سياسيا وإقتصاديا وثقافيا تابعاً لها فى الدولة “المضيفة” . ونظرة على أحوال الدول التى تجثم فوق صدورها قواعد عسكرية أمريكية، أو لأى دولة أخرى من دول الإستعمار القديم مثل بريطانيا وفرنسا ، تثبت صحة ذلك حتى فى الدول القوية إقتصاديا مثل ألمانيا واليابان . ناهيك عن الدول التى لا وزن لها ولكن تحتوى أراضيها على ثروات من نفط أو غاز أو مواد خام هامة مثل الذهب والماس واليورانيوم ، وغيره .

–  التبعية السياسية والإستغلال الإقتصادى بواسطة القروض أو الشركات متعددة الجنسيات لم تعد تكفى الجشع الأمريكى الذى تخطى حدود المعقول نتيجة تدهور حقيقى فى وضع الإقتصاد الأمريكى رغم الثراء الظاهرى . وقد ظهر الضعف البنيوى الحقيقى فى الإقتصاد الأمريكى فى أزمة المالية الكبرى(2008 ـ 2009) والتى لم يشف الإقتصاد الأمريكى والعالمى منها حتى الآن رغم التحسن النسبى الذى لا يطال جذور المشكلة الإقتصادية .

الجشع الأمريكى تزايد مع إقتراب الإقتصاد من أزمة كبرى ، سيكون لها آثار خطيرة على المجتمع الأمريكى لدرجة قد تصل إلى حرب أهلية بين المكونات العرقية والدينية. أوروبا تعانى بدرجة مماثلة ، وإستجاب المجتمع الأوروبى بتمزقات ظهرت بوادرها فى فرنسا فى تمرد السترات الصفراء، التى تتوسع نحو دول أوروبية أخرى مثل هولندا وبلجيكا والبقية تأتى ، ومازال الأمر محدودا ولكنه ينذر بمخاطر جَمَّة .

أمريكا بدأت عملية (تسول مسلح) لم تكد تستثنى أحدا من الحلفاء الكبار أو الأتباع المحتقرين . خطوات التسول والجباية الأمريكية بدأت من الدول التى ” تستضيف!!” قواعد عسكرية أمريكية، حتى أنها طالبت الأوروبين بدفع أموال لقاء حمايتهم . مدعية أنها كانت سابقا تحميهم بلا مقابل، وعليهم الآن أن يدفعوا الثمن كاملا . وطالبت دول حلف الناتو بزيادة مساهمتهم المالية فى ميزانية الحلف(الذى إدعى الأمريكيون أنهم يدفعون معظمها) . وفى النتيجة وجدت أوروبا أنها مطالبة بسداد نفقات المغامرات الأمريكية حول العالم والتى لا تفيد مصالحهم بشئ ، بل العكس تتمدد أمريكا على حساب مصالح الحلفاء والأصدقاء فهى دولة حمقاء مارقة لا تعرف سوى أنانيتاها.

–  فاضطر حلف الناتو إلى ضم دول نفطية إلى “ما يشبه العضوية” لتشارك فى عملياته العسكرية ، العلنية والسرية ، على أن تدفع جزءاَ يتناسب مع ثرواتها لتمويل النشاط الإستعمارى الأمريكى حول العالم بما فيه أفغانستان .

 

الإحتلال بالقواعد العسكرية :

الإحتلال بالقواعد العسكرية أقل تكلفة إقتصادياً بالنسبة للدول الكبرى المحتلة . ويوفر عليها عبء المعارك المسلحة مع الشعب الضحية . ويترك للحكومات العميلة مهمة إخضاع شعوبها بجيشها “الوطنى” وقوات الأمن المحلية والسجون والمعتقلات والتعذيب ، وجهاز (بهتان إعلامى) مهمته ترويج الأكاذيب وتضليل الشعب وصرفه إلى اللهو والمجون، وتزين القبول بالإستعمار غير المباشر وبالقواعد العسكرية للمستعمرين ، وقبول التدخل الخارجى فى شئون البلد ، والأهم هو الإستنزاف الواسع للثروات لصالح الشركات الأجنبية (خاصة شركات الدول التى تمتلك قواعد عسكرية فى الدولة المنكوبة). والوضع الطبيعى فى نظام حكم مثل هذا هو أن يكون فاسداً قاسياً عميلاً ، يتسابق فى حصد الأموال عبر التفريط فى ثروات الوطن وحقوق الشعب . ويمكن القول أنه من المستحيل قيام حكم صالح وطبيعى فى حال وجود قواعد عسكرية لدولة أجنبية.

فالدولة (الوطنية) بحكامها وأجهزة حكمها، تكون فى خدمة الدولة الأجنبية صاحبة القاعدة العسكرية. ويحرس “الوطنيون!!” مصالح المحتل، ويحرسون حتى قواعده العسكرية بأموالهم ودماء شبابهم ، ويدفعون تكلفة قهر الشعب من دماء وأموال هذا الشعب الذى يحكمونه . أما المحتل فيتجنب المعارك ويكتفى بإظهار قوته من خلال قاعدته العسكرية ـ ويستمتع بمكاسب الإحتلال كاملة بدون أن يتجشم عناء الحرب تاركا مصائبها للشعب المحلى وحكومته “الوطنية” . فيبقى المحتل فى قواعده العسكرية الحصينة ، يقوم  بدور المشرف العام ، وربما الحَكَمْ بين أطراف الحُكْمِ المتصارعين دوما. ويدير من وراء ستار كل صغيرة وكبيرة تحدث فى الدولة ” الوطنية”. أى أن “القاعدة العسكرية” هى الحاكم الفعلى للدولة المضيفة ولكن من وراء حجاب . والأمثلة أكثر من أن تحصى فى بلاد موزعة على القارات الخمس ، من مسلمين وغير مسلمين .

–  إستنزاف موارد الدول الواقعة تحت إحتلال القواعد العسكرية ، لا يتوقف على ما سبق ذكره ، من إستباحة الموارد الإقتصادية بواسطة الشركات الأمريكية ، بل تطور الأمر فى خطوتين تاليتين إتخذتهما الولايات المتحدة ، هما :

الأولى : فرض صفقات أسلحة على الدولة المبتلاة “بالقواعد العسكرية ” . صفقات باهظة الثمن لا فائدة منها، ولا ضرورة لها فى الدفاع عن تلك الدولة ، ولكن لمجرد جنى الأرباح لشركات صناعة الأسلحة فى بلاد الإستعمار الجديد .

وإذا زاد تخزين الأسلحة حتى إمتلأت جميع المخازن ، وحتى لا تتوقف عملية شراء الأسلحة وتبقى مستمرة طالما إستمرت القواعد العسكرية واستمرت حاجة الحكم الوطنى لمستعمر يدافع عن بقائه فى الحكم ، أخترعت أمريكا حرباً ــ أو عدة حروب ــ تجبر النظام العميل على خوضها لإستهلاك مخزونات السلاح وشراء المزيد ، بدون أن يؤثر ذلك على نهب باقى ثروات البلد الضحية ، من نفط وغاز مواد خام أو مقاولات فى مشاريع إقتصادية أو معمارية لا فائدة منها عمليا سوى إستهلاك المال ونزحه إلى الدولة المحتلة ، أو إلى إسرائيل .

الثانية : إذا ظل هناك مخزون مالي لدى الدولة الضحية ، تستهلكه الولايات المتحدة بعقوبات متعسفة لإخطاء فى الحكم ، رغم أن الحكم قائم أساساً على الأخطاء ، بل هو فى حد ذاته خطيئة دينية وأخلاقية . ولكن العقوبات تكون ذريعة للنهب لا أكثر . وإذا ظل هناك فائض مالى فلابد من تحويله إلى السوق الأمريكية إما بالإيداع فى البنوك ، أو بإقراض الحكومة الأمريكية بشراء سندات الخزينة . وعلى أى شكل كانت الأموال التى ذهبت إلى السوق الأمريكية فإنها لن تعود أبدا ، وبأى ذريعة مختلقة سوف تتم مصادرتها أو تجميدها ومنع أصحابها من إستخدامها .

 

دور القواعد العسكرية الأجنبية فى الحرب على الإسلام :

–  أى دولة “إسلامية” ترزح تحت الإستعمار الأمريكى بالقواعد العسكرية فإنه غير مسموح لها بأى تطبيق حقيقى لشرائع الإسلام . بل يفرض عليها فتح أبوابها لبعثات التنصير وبناء كنائس ومعابد لشتى الملل والنحل، وإجبارها على إصدار تشريعات قانونية تبيح كل ما حرمه الإسلام ، مع التضييق الحقيقى على الدعاة المسلمين غير المنافقين. أما فتح الأبواب لليهود وإسرائيل فى كافة المجالات ، فهو ومنذ البداية شرط أساسى لتولى الحكم . وتبدأ العلاقات مع الدولة اليهودية المحتلة لفلسطين والمسجد الأقصى بشكل سرى إلى أن يحين الوقت لإعلان ذلك بعد إضعاف الروح الإسلامية وأشاعة الإنحلال فى مجتمعات المسلمين ، فيسهل تقبل المنكر على أنه معروف ، ويستنكر الناس المعروف معتبرينه منكرا لا يُحْتَمَل .عندها يصبح التعامل والتحالف مع إسرائيل علنيا ، بل والقتال باليد واللسان دفاعاً عنها يصبح موضع فخر وتبجح وكأنه الحق المنزل من السماء .

–  الدول المبتلاة بالقواعد العسكرية، أو تقبل بالمعونات العسكرية الأمريكية لجيوشها ، أو فتحت الأبواب للشركات الإستعمارية متعددة الجنسيات ،فتفرض عليها (ديانة الديموقراطية). ورغم أن الديموقراطية وهْمٌ حتى فى البلاد التى تدعى أنها أخترعتها ، إلا أنها فى بلاد المسلمين تعنى أبشع أنواع النفاق والقهر والتحلل الأخلاقى والثقافى والحرب على الله ورسوله فى كافة المجالات . حتى أن (الديموقراطية) ثبت من تجربتها فى بلاد المسلمين أن ضررها على المسلمين ودينهم وأخلاقهم ومجتمعاتهم وثرواتهم ، أشد ألف مرة من الخطر الشيوعى (المقبور بفضل الله وفضل جهاد الشعب الأفغانى المسلم ) .

ولا شك أن شعب أفغانستان (إمام المجاهدين فى العالم الإسلامى ، وعلى مر العصور) قادر بعون الله، على أن يدفن الديموقراطية الليبرالية، وينهى سيطرتها على المسلمين والجنس البشرى كله كما فعل ذلك مع الشيوعية .

إن الدعوة إلى إقامة قاعدة (أو قواعد) عسكرية أمريكية فى أفغانستان، ما هو إلا حيلة من المستعمر الأمريكى للإبقاء على الإحتلال فى صورة تُكَلِفَة أقل قدر من الدم والمال . وتتيح للمحتل أقامة سعيدة وأبدية فى أفغانستان ، مع دوام الديموقراطية الليبرالية المحاربة لله ورسوله ، والتى تذبح الدين والشعب وتنهب ثروات أفغانستان التى لا حصر لها. الثروات التى أهمها هو الشعب الأفغانى نفسه حامى حمى الدين ، الآن وعلى مر العصور.

 

القواعد العسكرية الأمريكية ومخاطر الحرب النووية :

التطورات الأخيرة فى العربدة الأمريكية على مستوى العالم ، جعلت الحرب النووية قريبة أكثر من أى وقت مضى . فالخروج الوشيك للولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ، جعلت الوضع الأمنى للدول القريبة من الحدود الروسية والتى “تستضيف” على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية ، فى أخطر الحالات .

فأمريكا تعتزم نشر صواريخها النووية ذات المدى القصير والمتوسط فى قواعدها العسكرية فى البلدان القريبة من الحدود الروسية ضمن مدى تلك الصواريخ ، خاصة فى أوروبا الشرقية. وخطورة أى قاعدة عسكرية نووية فى أفغانستان أنها قريبة من الحدود الصينية والروسية معاً ، ولا ترى أمريكا نفسها ملزمة بالاستئذان مع حكومات الدول التى ستنشر فيها صواريخها النووية قصيرة ومتوسطة المدى (من 500كم إلى 5000 كم ) لأن تلك حكومات ضعيفة وتعيش تحت الحذاء الأمريكى ، ولولا حمايته لتلك الأنظمة لسقطت بضغط من شعوبها فى أقرب وقت .

وبالتالى فأنها ستكون الأكثر عرضة لضربة نووية روسية فى حال نشوب حرب ، وهو إحتمال قائم حتى بسبب أخطاء تكنولوجية فى أجهزة الكمبيوتر. وفى حال الإنذار خاطئ من أجهزة الكمبيوتر فإن التأكد من صحة الإنذار من عدمه يجب ألا تستغرق أكثر من 20 دقيقة فى حال إطلاق صاروخ قصير المدى ، وبعدها لابد من إطلاق الضربة النووية الجوابية مهما كان الأمر ـ حتى لا تتحطم الدولة المستهدفة بدون إنتقام نووى ـ أما فى حال إستخدام الصواريخ النووية بعيدة المدى فأمر التحقيق من صحة الإنذار يمكن أن يمتد حتى 40 دقيقة قبل إطلاق الإنتقام النووى . وبالتالى فالصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى جعلت الحرب النووية أكثر قرباً ، بسبب قِصَرْ الفترة الزمنية التى لا يجب أن يتأخر عنها الرد الإنتقامى .

أفغانستان بموضعها الجغرافى تشكل خطورة وتهديدا على روسيا والصين بسبب نشر صواريخ نووية فى القواعد العسكرية الأمريكية. (نظريا يمكن لأمريكا أن تحطم معظم المراكز الإقتصادية الحيوية فى الصين بإطلاق صوارخ قصيرة ومتوسطة المدى من قواعدها العسكرية فى أفغانستان وكوريا الجنوبية ــ وأن تفعل نفس الشئ فى روسيا إنطلاقا من قواعدها القريبة من روسيا فى بولندا ومستقبلا من أوكرانيا ــ ثم من قواعدها فى اليابان شرقاــ ومن قواعدها فى أفغانستان التى موقعها أشد خطورة على الأهداف الحيوية فى روسيا ).

وهناك من يقولون أن تحت أرض مطار بجرام قد بنيت بالفعل قواذف للصورايخ النووية التى يمكن أن تطال روسيا والصين . وتحت أرض نفس القاعدة الجوية (بجرام) توجد مصانع لبلورات الهيروين الأكثر نقاوة فى العالم . وبهذا تجتمع فى أفغانستان أسلحة الدمار الشامل ، المتمثلة فى قنبلة الهيرويين والقنبلة النووية .

ولا شك أن الإحتلال الأمريكى سيفعل مع الحكومة العميلة فى كابول ما فعله مع إمثالها من العملاء فى بلاد المسلمين وغير المسلمين ، فسوف يطالبها بسداد فواتير القواعد والأسلحة النووية التى (يدافع بها عن أفغانستان مجانا) !!! .على حكومة كابل أن تدفع فواتير الدفاع عنها ضد ثورة شعبها، وفواتير الإنشاء والتشغيل والصيانة وثمن السلاح النووى ، ثم تحمل عواقب الحرب النووية ، من دمار شامل للأرض والإنسان .

فمن من الأفغان يشترى قواعد أمريكية مزودة بصواريخ نووية ، ومنتجة لأنقى أنواع الهيرويين فى العالم ؟؟ ، وكلاهما خطر يهدد أفغانستان والعالم ، فمن يقبل بوضع حبل المشنقة النووية حول رقاب الشعب الأفغانى ؟؟ .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world

 

 

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

 




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




المدنيون وحرب المدن / طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)

المدنيون وحرب المدن

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد 145 | رجب 1439 هـ / مارس 2018 م .

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)   

دراسة فى أنواع الثورات وتحدياتها :

المدنيون وحرب المدن

–  أساليب تزييف الثورات الشعبية والإنتفاضات المسلحة .

– مخاطر التحول من الثورة السلمية إلى المسار العسكرى .. وبالعكس .

– حركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، ليست طائفية ولا شعوبية . نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يسبق لها المرور بمثله .

– إذا حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات ، فكم يوما سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟.

–  فى تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات: عند تدخل طيران دولة عظمى فى الصراع المباشر .. حركة طالبان تعثر على الحل البديل للإستيلاء على المدن.

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

تزييف الثورات :

معلوم أن وسائل التغيير الجذرى فى أوضاع المجتمع لها سبيلان أساسيان هما :

1 ــ الثورة الشعبية .

2 ــ حرب العصابات .

( ونحن فى غنى عن تكرار القول بأن الإنقلاب العسكرى ليس سوى تجديد لصياغة الحكم المستبد الفاسد . فالجش هو الركيزة الأولى للأنظمة المستبدة العميلة للأجنبى . ولتغيير تلك الطبيعة القاتلة يجب تغيير الجيش نفسه وإنشاء جيش جديد موال للشعب وأهداف ثورته. ونفس الشئ يقال عن أجهزة الأمن والإستخبارات ).

كُتِبَ الكثيرعن هذين النوعين من التغيير الجذرى/ من اقع التجارب الكبرى الناجحة/ فى محاولة لإستنتاج القوانين الخاصة بكل منهما .

– ونلاحظ أن المعسكر الدولى الإمبريالى عالج مشكلة التغيير الجذرى فى البلاد المتخلفة والساعية نحو التحرر من سيطرته ، فابتكر نسخة مزورة من وسائل التغيير الجذرى تلك ، بحيث لا تصل إلى غايتها المنشودة بإحداث التغيير السياسى والإقتصادى والإجتماعى فى الدول الثائرة . بل ينتج عنها عكس ما كان متوقعا منها ، أى مزيد من المعاناة والتمزق والإنتكاس إلى حالة أشد بؤساً . والوقوع فى براثن أنظمة أشد قسوة وخضوعا للغرب الإمبريالى . مع أوضاع إقتصادية أسوأ ، بشركات عابرة للقارات تحكم قبضتها القوية على جميع مصادر الثروات الأساسية وتغرق الشعب فى ديون يستحيل سدادها إلى الأبد .

تلك النسخ المزورة ــ والمدمرة ــ مأخوذة من الوسيلتان التقليديتان أى (الثورة الشعبية ـ وحرب العصابات ) .

– فتحولت الثورة الشعبية فى نسختها المزورة إلى ثورة ملونة . (جورجيا ـ أوكرانيا ).

– وتحولت حرب العصابات إلى حرب بالوكالة (الحرب ضد السوفييت خاصة على مستوى الأحزاب الأفغانية ـ الحرب الأهلية الأسبانية 1936 ـ حروب عديدة فى أمريكا الجنوبية ) .

– ثم الثورة الهجين ـ وهى الأشد فتكا ـ فعندما تفشل الثورة الملونة تتحول إلى حرب بالوكالة ، أى تمرد مسلح فوضوى ، يتبع بعض تكتيكات حرب العصابات بدعم خارجى فتكون خسائر الشعب ومعاناته مضاعفة. ( سوريا ـ ليبيا ـ الجزائر فى التسعينات).

أساسيات التغيير الشامل :

رغم المسارات المختلفة لكل من الثورة الشعبية وحرب العصابات فإن لهما أساسيات واحدة :

1 ــ عقيدة إيمانية راسخة ، وثقة فى الإنتصار .

2 ــ وجود نظرية للتغيير الشامل والجذرى فى المجتمع ، من النواحى الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية.

3 ــ القائد الذى يجسد نظرية التغيير ويمكنه المواءمة بين مقتضياتها وبين الظروف المتغيرة فى مراحل الثورة .

4 ـ التنظيم الثورى الذى يربط ما بين القائد والشعب ، ويقود الثورة فى مختلف الميادين، ويتحمل معظم تضحياتها . مؤمنا بعقائده ، واثقا فى قيادته .

5 ــ حاضنة شعبية مستعدة للتضحية ، مؤمنة ، واثقة فى التغيير ، واثقة فى القيادة الثورية ، محبة لكوادر الثورة العاملين فى خلايا المجتمع .

إستحالة التحول من صورة إلى أخرى :

طبيعة الثورة الشعبية تختلف جذريا عن طبيعة حرب العصابات . لذا فإن طبيعة الإعداد لأى منهما يختلف ، سواء عند إعداد الكوادر أو شحن وتنظيم القواعد الشعية ، أو التجهيزات المسبقة للحركة . كما أن تركيبة التنظيم الثورى تختلف جذريا فى الحالتين . لهذا يكون من المستحيل التحول من صورة إلى أخرى ، بإستخدام نفس الآليات التنظيمية والتعبئة الشعبية .

ــ وفى حالة فشل إحدى الطريقتين ، وإتخاذ قرار بالتحول إلى الصورة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات ) يلزم مرور زمن كاف لبناء كل شئ من جديد، قبل البدء بالصيغة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات .. أو العكس) .

ــ مع العلم أن حرب العصابات يمكنها تدبير إنتفاضات ثورية محدودة جدا فى المدن لإضعاف النظام وتشتيت قواه ، وإثارة الحماس الشعبى . بدون التخلى عن أسلوب حرب العصابات كمسار رئيسى . مع مراعاة رد الفعل العسكرى على تلك المظاهرات الشعبية (تجربة هيرات فى أفغانستان عام 1979 والرد العنيف الذى أدى إلى إستشهاد 30,000 مواطن أفغانى).

 وبالمثل ، فالثورة الشعبية قد تستعين بضربات مسلحة محدودة فى المناطق النائية ، أو حتى فى المدن . وغالبا ما تكون عمليات إغتيال مدروسة أو عمليات تخريب ذات دلالة سياسية.

بداية مختلفة ، ومسار جغرافى متعاكس :

تبدأ الثورة الشعبية من المدن الكبرى وخاصة العاصمة ، ثم تمتد بالتدريج إلى الأرياف والمناطق البعيدة . بينما حرب العصابات تأخذ مسارا معاكسا : إذ تبدأ فى أشد المناطق وعورة من الجبال والغابات والصحارى ومناطق المستنقعات ، وأثناء تقدمها تتجه نحو الريف ثم المدن الصغيرة ، ثم العاصمة فى نهاية المطاف . ونلاحظ أن المسار متضاد فى الحالتين :

فشعار الثورة الشعبية هو : { من المدينة إلى الريف والجبل } .

وشعار حرب العصابات هو : { من الجبال إلى الريف والمدينة } .

 الإختلاف فى إستراتيجية الإنتصار :

  الثورة الشعبية تهدف إلى إحداث شلل فى أجهزه النظام بحيث يعجز عن إدارة البلاد. فتستولى الثورة على الحكم . وتبادر( كما هو الحال أيضا عند إنتصار حرب العصابات) بعملية تطهير آثار النظام السابق من سياسات وعناصر ، وبناء أجهزتها الجديدة وفق مبادئ ثورتها ، خاصة الأجهزة المسلحة من جيش وشرطة وإستخبارات ، وإعلام وتعليم ، مع ضرورة تغيير بنية الإقتصاد بما يتناسب مع رؤية الثورة ونظامها الإجتماعى الجديد .

بالطبع يتغير المسار السياسى للبلد ، بما يحقق الإستقلال وسلامة أراضى الوطن واسترداد حقوقه ، والتعاون خارجيا مع الدول التى هى أقرب إلى تفهم النظام الجديد والتعامل الإيجابى معه .

– يلاحظ أن الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) عند إستيلائها على السلطة تكون أجهزة الدولة سليمة ولكنها فاقدة المعنويات والثقة بالنفس. وقاعدة الإقتصاد والبنية التحتية سليمة  والخسائر بشكل عام محدودة.

– ما سبق معاكس لما تكون عليه الحال فى حروب العصابات التى تعتمد على تحطيم قوة الجيش والأمن تدريجيا عبر قتال طويل . كما أن البنية التحتية تتأثر بشدة نتيجة للعمليات العسكرية ، وبالتالى خسائر الإقتصاد تكون فادحة ، وأيضا الخسائر فى أرواح المدنيين نتيجة سياسات العدو الوحشية ، الهادفة إلى منع الشعب من دعم الثوار .

فإحدى القواعد العامة لحرب العصابات تقول { إن الشعب هو البحر والثوار هم الأسماك التى تسبح فيه} . وذلك للدلالة على حتمية الإرتباط والتواجد المادى للثوار فى أوساط الشعب ، وعدم الإنعزال عنه ، لا شعوريا ولا ماديا . فمن الشعب تأتى كافة أنواع القوة المطلوبة للمضى بالصراع حتى نقطة الإنتصار. فالثورة المسلحة تنجح إذا كانت تعبر عن آمال الشعب.

– يجب ملاحظة أن هذه القاعدة صحيحة أيضا فى حالة الثورات الشعبية( الإنتفاضة) ، بل هى الفيصل ليس فقط بين النجاح والفشل ، بل الفيصل بين الثورة الشعبية الحقيقية ، والثورة المزيفة والمسماه الثورات الملونة والتى وصلت إلى البلاد العربية تحت إسم (الربيع العربى) سئ الذكر والذى إنحدر بحالة الشعوب إلى الدرك الأسفل .

بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة :

– من الفروق الجوهرية أن مطالب الثورة (الإنتفاضة) الحقيقية لها طابع جذرى يمتد إلى جميع مفاصل الحياة . بينما الثورات الملونة تتبنى إصلاحات جزئية تتعلق ببعض الحريات الشخصية والإنفتاح الإقتصادى والسياسى ، بينما فى الإقتصاد بالكاد تطرقت إليه ، وعلى أساس الوصفة الغربية للدول المتخلفة إلى الأبد ، أى الإعتماد على السياحة والإستثمار الخارجى والقروض ، بدلا من الإعتماد على الموارد الذاتية وبناء إقتصاد إنتاجى حقيقى .

 مسار تلك الثورات يتطابق بالكامل مع فلسفة النظم الغربية ، لذا ينتهى بها المطاف إلى تبعية كاملة للغرب وتفريط كامل فى الثروات وضياع القرار السياسى والسيادة الوطنية .

– نلاحظ أن دول الغرب صفقت طربا لثورات الربيع العربى وتفاخرت بأنها ثورات ليبرالية صديقة للغرب. فقيادات تلك الثورات وجهوا خطابهم السياسي إلى دول الغرب أكثر من توجيهه إلى شعوبهم . وكانت القيادات تسعى إلى الحصول على رضا الغرب وتأييده أكثر من إعتمادها هلى تعبئة الشعب وحشده من أجل إحداث تغيير حقيقى .

– الغرب يستخدم الثورات الملونة لقلب أنظمة الحكم المعادية ــ أو تلك المنتهية الصلاحية ــ أو لإحداث تغييرات كبيرة فى وقت قصير بواسطة قوى عميلة نشطة وطموحة وقاسية .          أو لإستباق ثورات حقيقية محتملة ، فتأتى الثورة الملونة (المزيفة) كضربة إجهاضية تمنع حدوث الثورة الحقيقة وتقطع الطريق عليها . وقديما كان الإنقلاب العسكرى يؤدى تلك المهمة الإجهاضية (إنقلاب العسكرى الأول فى مصر عام 1952) ، وما زال يؤدى نفس الدور حسب توافر الظروف . وقد رأينا أن الإنقلاب العسكرى الثانى فى مصر( عام 2013) وقد جاء تاليا للثورة الملونة ، من أجل إكمال ما فشلت فى تحقيقة قيادة الإخوان الضعيفة والمهترئة .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة :

حرب التحرير هى ثورة شعبية مسلحة ذات أساليب عسكرية تأخذ شكل (حرب العصابات) . هذا المنحى العسكري الصعب للثورة تفرضه عدة عوامل هى :

1 ـ إستحالة أى سبيل آخر للتغيير ، وتيقن الشعب من ذلك .

2 ـ جغرافية البلاد تساعد على نشؤ حرب عصابات ناجحة .

3 ـ جاهزية الشعب للقتال طويل المدى ، مع تحمل كافة تكاليفه وتبعاته .

4 ـ من الأفضل (وليس من المحتم) وجود جوار صديق للثورة . ومن الأفضل أن تكون بداية الثورة قريبة من ذلك الجوار .

تعدد التنظيمات .. فى الثورة وحروب التحرير(العصابات) :

تعدد التنظيمات يتسبب فى تشتيت قوى الشعب ، ويؤدى إلى فشل الثورة الشعبية السلمية أو حرب التحرير(حروب العصابات) فى تحقيق أهدافهما والإنحراف عن المسار ونشوب حروب داخلية.

 – كعلاج مؤقت تلجأ الأحزاب المختلفة إلى عقد تحالف فيما بينها على شكل جبهة: (جبهة التحرير الجزائرية ـ منظمة التحرير الفلسطنية ـ الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ) .

وبينما إستطاع الجزائريون الإحتفاظ بجبهتهم حتى حققت هدفها من التحرير، فإن منظمة التحرير فشلت فى تحقيق الهدف منها ، وكانت مجرد ستار للتدخل العربى فى شئون الفلسطينين لإفشال نضالهم .

والإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، تحول إلى مجرد حزب عادى مثل باقى الأحزاب الفاسدة. والتى إجتمعت على شئ واحد بعد دخولها إلى كابول وهو الحرب الأهلية المدمرة ،  وإنشاء نظام فاسد خاضع لقوى خارجية متعددة ، ومنع ثورة الأفغان الجهادية من تحقيق شعارها بإقامة دولة إسلامية .

–  بالنسبة لتعدد التنظيمات خلال الثورات الشعبية ، ومخاطر تعدد التنظيمات فيها تحضرنا التجربة المصرية ، فحين سقط رأس النظام ، لجأ العسكر(المجلس العسكرى الحاكم) إلى حيلة بسيطة وهى فتح الباب لتشكيل الأحزاب . فتكون خلال فترة قصيرة للغاية حوالى مئة حزب سياسى . فتفرق الناس فى الشوارع شيعا وأحزابا إلى أن إستعاد الجيش زمام السلطة بشكل مباشر أشد قمعا وفسادا . وحتى اليوم لم يجتمع الناس على رأى حول سبل الخلاص . فقد فشلت الثورة ومضى زمانها  وكل ما تبقى منها هو الأحزاب المتنازعة !!.

– نتيجة لهذا التشرذم فى قوى الشعب الثائر سواء بإنتفاضة شعبية أو قتال مسلح ، فإن الباب يكون مفتوحاً على مصراعيه للتدخل الخارجى ، ويبحث كل طرف محلى عن داعم خارجى ، بما فى ذلك النظام الحاكم نفسه . فتتحول البلد الى ساحة صراع بين قوى خارجية متنافسة ، وتتحول جماعات الثوار ، وحتى النظام نفسه ، إلى مجرد “بغال تحميل” لقوى خارجية.  (أنظر الحال فى مصر بعد نجاح الإنقلاب العسكرى ، حيث هرب الإسلاميون إلى قطر وتركيا ، وهرب المعارضون العلمانيون إلى أوروبا وأمريكا ، بينما ذهب النظام إلى إسرائيل ودول الخليج الأخرى ) . ويمكن الإعتبار بالأحوال فى العراق وسوريا ، فكل تشرذم أخذ خريطة الإنتماء الأيدولوجى والسياسى الخاص به ــ وفى كل الأحوال كانت الشعوب هى الخاسر الأكبر ، وتمزقت الدول مع أمل ضعيف جدا فى التماسك مرة أخرى .

لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟ .

إذا تمكنت التنظيمات والأحزاب من تشكيل جبهة مشتركة من أجل إسقاط نظام قائم أو إخراج محتل أجنبى ، فإن ساعة الوصول إلى السلطة ، تكون هى ساعة الفراق . فتتصارع القوى المختلفة وتتزاحم على غنائم السلطة من أجل تطبيق برنامجها الخاصة . فالذى يصل أولا إما لأنه الأكثر قوة ، أو لأنه كان الأسرع قفزا إلى كرسى الحكم نتيجة مصادفات معينة ، فإنه يدافع عن إمتيازه مستخدما أدوات الدولة فى إقصاء الآخرين بالعنف ، فتبدأ الصدامات والتصفيات . فيقال وقتها أن الثورة تأكل أولادها .

ومع هذا فإن الصدامات كثيرا ما تحدث قبل الإنتصار ويكون ذلك أوضح فى الثورة المسلحة نتيجة توافر الأسلحة بين الأيدى ، فيكون الحوار بالرصاص والمتفجرات . حدث هذا فى أفغانستان سابقا كما حدث فى سوريا والعراق ، وفى ليبيا واليمن .

 فى مصر ، أكل الجيش جميع قوى إنتفاضة يناير وجميعهم إعتبروا الجيش أخاً أكبر وكيانا وطنيا مقدساً ، فسمح لهم الجيش بالعبث عدة أشهر ثم دمرهم جميعا ، منفردا بحكم يأمل أن يكون أبديا بعون إسرائيلى خليجى .

 المدنيون فى ساحة الصراع :

الشعب (المدنيون) هو مادة الصراع . فهو منتج الحياة ومستخرج الثروات ومادة الجيوش .

فتتصارع الرؤى على الطريقة المثلى لإدارة شئونه إما لخدمته أو لاستغلاله واستعباده . تتنزل الديانات للهداية وتتصارع الأهواء على الإستئثار بالقوة السياسية والمالية .

قد يحاول الشعب فرض حقوقه بالثورة السلمية (إنتفاضة) أو بالثورة المسلحة (حرب عصابات) ، فإما أن ينجح ، أو أن يفشل فيستمر الصراع حتى لو تأجل النجاح إلى حين .

المدنيون فى الثورة الشعبية :

أى ثورة شعبية أو حرب تقليدية أو غير تقليدية يصاحبها حتما ضحايا من المدنين . والثورة الشعبية تكون عادة الأقل من حيث خسائر المدنيين ، فهى تستغرق فترة زمنية أقل ، ولا يعتمد فيها الثوار على إستخدام الأسلحة ـ إلا فيما ندرـ لأن سلاح الثوار هو العصيان المدنى والتجمع بالملايين فى ساحات المدن بهدف شل قدرة الحكومة على إدارة البلد ، ويعملون على إمتصاص هجمات الجيش والشرطة بالمراوغة والصمود وتحمل الخسائر بدون التورط فى مواجهات مسلحة كبيرة إلا قرب النهاية ، عند الإستيلاء على مقرات الجيش والشرطة والإدارات الحكومية وتطهيرها من العناصر التى لم تستسلم بعد .

وتلجأ ( الإنتفاضة) أثناء مسيرتها إلى تكوين وحدات صغيرة مسلحة لحراسة المنشآت الحيوية التى تم الإستيلاء عليها ، ولحفظ أمن المتظاهرين من هجمات البلطجية . وتسلح حرسها بالغنائم من الأسلحة . كما تنشئ وحدات حرس مسلحة فى الأماكن السكنية ، وعلى الطرقات العامة لحفظ الأمن من المجرمين والعصابات الإجرامية التى تديرها الدولة وتدفع لها بسخاء.

فى نهاية الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) يكون لدى قيادة الثورة نواة مسلحة تبنى حولها جيشها الجديد وأجهزتها الأمنية والإستخبارية على أنقاض الأجهزة الحكومية التى لا يجوز للثورة إستخدامها مرة أخرى كونها أجهزة قمع مهيأه نفسيا وعمليا على قمع الشعب وخيانة الوطن .

– بشكل عام فإن سلاح (الإنتفاضة) الشعبية هو التكتلات الكبرى من المدنيين ، الذين بتجمعهم وبتحركهم المدروس يشكلون سلاح (الإنتفاضة) الأول والأساسى .

أى بجملة واحدة : { الجماهير هى سلاح المواجهة فى الإنتفاضة الشعبية }.

وهدف السلطة الحاكمة فى حالة الإنتفاضة الشعبية هو : إرعاب الجماهير لصدها عن التجمع والتمرد ، فتواجههم بعنف مفرط منذ البداية . ولكن مع تعاظم الحشود وإصرارها تتفكك أجهزة القمع ثم تسقط السلطة الحاكمة.

المدنيون فى حروب العصابات ( حروب التحرير) :

حروب العصابات تختلف جذريا فى مسألة دور المدنيين فهم بالنسبة لها كالماء بالنسبة للسمك. فالجماهير هم الوسط الحيوى الذى يمد المقاتلين بوسائل الحياة والإستمرارية حتى النصر.  فالماء ليس بسلاح حرب ، بل هو مجال للعيش يجب الحفاظ عليه وعدم تعريضه لأى مخاطر إذا أمكن ذلك . فالجماهير ليسوا (سلاحا) يستخدم فى معارك حروب العصابات ـ مثل ذلك الإستخدام الكارثى الذى حدث فى سوريا .

وبينما الثورة تدفع الناس إلى الشوارع من أجل المواجهة ، لأن قوة الجماهير فى كثره عددها . فثوار حروب التحرير يجنبون الجماهير حتى من مجرد إحتمال التعرض لعمل إنتقامى من جيش الإحتلال (الأجنبى أو الوطنى ) وميلشياته المسلحة . وسواء كان الشعب يعيش فى المناطق المحررة أو يعيش فى المناطق الخاضعة لسلطة الإحتلال ، فإن الثوار يحافظون على سلامتة ، ويتجنبون أى أضرار قد تلحق به ، بل قد يقومون بالدفاع عنه بالسلاح إذا أمكن ، أو الثأر لما لحق به من أضرار سببها الإحتلال . ويكون من أكبر مهام الثورة المسلحة هو الحفاظ على حياة مواطنيها وأمنهم وسبل عيشهم ، وقوة إرتباطهم بالثوار المجاهدين عن الطريق المعامله النظيفة العادلة.

وفى حروب التحرير يكون شعار (الصراع على عقول وقلوب الجماهير)هو الأوضح . وهو صراع يستخدم فيه النظام الحاكم كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق الفوز . فيستخدم قواة الناعمة كلها ، من إعلام ودعاية ومنابر الدعوة الدينية ، مع رشاوى إقتصادية وسياسية على شكل إصلاحات غير حقيقية ولكنها تعطى مجرد إنطباع شكلى بحدوث تغيير وأن النظام بدأ يتغير من تلقاء نفسه ، وأن الهدؤ والصبر كافيان لإصلاح سلمى بلا صدامات تؤذى الجميع .

ويستخدم نظام الإحتلال الوسائل القذرة لتشويه صورة الثوار ، فيقوم بعمليات قتل وسطو وقطع طرق وعمليات ذبح جماعية وتفجيرات فى أماكن مدنية مزدحمة ، وينسب تلك العمليات إلى الثوار وتقوم آلته الدعائية بالتهويل اللازم . وأصدقائه فى الخارج يروجون ويضخمون ويستخدمون المنابر الدولية لتشويه الثوار لكسب تأييد عالمى واسع لعمليات النظام ضد الشعب على إعتبار أنها أعمال ضد الإرهاب .

– من جانبهم يعمد الثوار إلى تجنيب السكان بطش جيش الإحتلال والجيش الحكومى وأعوانهما . فيبعدون مناطق عملياتهم ، وأماكن تجمعهم ، أو قواعدهم المؤقتة أو الدائمة ، عن القرى والمراكز المدنية قدر الإمكان حتى لا تتوجه إلى السكان ضربات إنتقاميه من العدو.

 

تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار :

أصبحت تلك الاستراتيجية شائعة فى مواجهة حروب التحرير . وقد طورها الجيش النازى فى حربه ضد عصابات المقاومة الشعبية فى أوروبا . والجيوش الإستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا توسعت فيها كثيرا لقمع التمردات المسلحة المطالبة بالاستقلال فى مستعمراتها.      والعصابات اليهودية فى فلسطين إستخدمتها بتوسع ضد السكان الفلسطينيين ، وكانت معتمدة رسميا ضمن استراتيجيتهم العسكرية . والأمريكيون فى فيتنام إستخدموا كل طاقتهم العلمية والتكنولوجية لضرب المدنيين أو حتى إبادتهم بالأسلحة الكيماوية التى تدمر كل شئ من إنسان ونبات ومازالت تلوث البيئة هناك حتى الآن . وقبل فيتنام قصفت أمريكا اليابان بالقنابل النووية حتى تهدم روح المقاومة لدى الشعب اليابانى .

والسوفييت فى أفغانستان دمروا البنية السكانية والإقتصادية وأرغموا أكثر من أربعة ملايين أفغانى على الهجرة من أوطانهم .

والأمريكيون إستخدموا فى أفغانستان جميع الأسلحة الحديثة المحرمة دوليا والتى كانت تستخدم للمرة الأولى ، من الغازات الكيماوية إلى قذائف اليورانيوم المخصب والمنضب ، وقنابل هى الأثقل فى العالم والتى بدأت من زنة ستة أطنان حتى وصلت إلى عشرة أطنان من المتفجرات المتطورة . ومنذ لحظات الحرب الأولى عمدت أمريكا إلى معاقبة السكان جماعيا بتدمير أى مركز سكانى تنشط قوات طالبان قريبا منه . وفى بداية الحرب طلب السكان من طالبان العمل بعيدا عن مناطقهم . والآن صار إستهداف المدنيين على قمة استراتيجية (ترامب) الجديدة حتى ينفض السكان عن تأييد طالبان ، ويتحولون من إداة دعم للثوار إلى أداة للضغط عليهم . ومعلوم أن الإحتلال الأمريكى فرض طوقا من الحصار والعزلة على شعب أفغانستان وحركة طالبان ولا يكاد يجرؤ أحد على تقديم الدعم لهم إلا بشق الأنفس . ولم تحظ الحركة حتى الآن بدعم رسمى من أى حكومة فى العالم ، نظرا للسطوة الأمريكية وقدرتها على تقديم الرشاوى الإقتصادية ، مع التلويح بالعقاب العسكرى المباشر أو غير المباشر . وحتى تعداد من قتلهم الأمريكيون أو من هجروهم من ديارهم فى مناطق إيواء داخلية ، غير معلوم بدقة . ويحظر على الصحافة التجول الحر أو الكتابه بعيدا عن الرقابة العسكرية الأمريكية وأجهزة الحكومة العميلة . لهذا تغيب صور المجازر الأمريكية عن أعين العالم ، وتغيب صور دمار البيوت والمزارع والمساجد .

 –  ويمكن إعتبار تعامل حركة طالبان مع المدنيين هو النموذج المثالى لكل ما هو معروف حتى الآن من تجارب فى حروب التحرير . فهى لم تستخدم مطلقا أسلوب الترهيب حتى تضمن الولاء . بل هى تضع مصالح المدنيين فى مقدمة الإعتبارات عند التخطيط العسكرى . لهذا نجحت فى تحطيم المشروع الأمريكى فى أفغانستان ، وهو فى طريقه لأن يصبح فشلا وسقوطا لمركزأمريكا الدولى كقوة أولى . فى تطبيق حديث للسقوط السوفيتى ، ولكنه سيكون أبعد أثرا فى شئون العالم .

– سياسات الإستعمار لمقاومة حروب التحرير تتلخص فى تجفيف الأنهار التى يعيش فيها الثوار . إما بإرغام السكان بالقوة والإغراء على العمل مع الإحتلال لطرد الثوار. وإذا تعذر ذلك فيعمد الإستعمار إلى تهجير السكان بعدة وسائل :

ـ إحراق المحاصيل وإتلاف الحقول وقنوات الرى .

ـ تدمير القرى وقتل السكان عشوائيا بالغارات الجوية أو الأرضية .

ـ تهجير السكان إلى الدول المجاورة أو إلى المدن الخاضعة للإحتلال بممارسة الإرهارب عليهم .

ـ حشد السكان فى معتقلات جماعية خلف الأسلاك الشائكة والحراسات العسكرية . وتركهم للموت البطئ بسؤ التغذية والأمراض .

فإذا جفت الأنهار ماتت الأسماك وإنتهت المقاومة . ولكن ماذا لو أن المقاومة وثوارها قاموا بتسميم الأنهار التى يعيشون فيها وأشعلوا فيها النيران ؟؟

يبدو هذا إفتراضا جنونيا غير أنه ما حدث بالفعل فى كل من العراق وسوريا .

المسئولية الأولى تقع على قيادة المقاومة . فالمقاومة العراقية الناجحة ضد الإحتلال الأمريكى ، تحولت إلى صراع طائفى على أيدى قيادات فاشلة ، وأحيانا عميلة لقوى خارجية. وفى سوريا حرفت المجموعات (الجهادية) القادمة من الخارج دفة صراع الشعب من أجل حقوق معيشية ، إلى الصراع الطائفى يستدعى القوى الإقليمية . وسريعا ما وصلت قوى دولية عديدة وساحة الصراع أصبحت دولية ، وهذا معناه خروج زمام السيطرة من أيدى القوى المحلية ، التى تحولت طاقاتها إلى الصراع الداخلى والدمار الذاتى للشعب وخراب مقدرات البلد ، بعد أن أصبح فريسة لصراعات خارجية لا تعنيه فى معظمها ، بل تعرض أمنه وثرواته وسلامة أراضيه لمخاطر كبرى فيتعرض للنهب والتقسيم ، وفقدان القيمة الجيوسياسية.

–   القيادات الفاشلة ـ تتحول إلى قيادات فاسدة ـ بفعل الإرتباط المصيرى مع الخارج . ثم يزحف الفساد من الأعلى نحو الأسفل ، أى من القيادة إلى قواعدها المقاتلة . وطبيعى أن تحاول تلك القيادات التملص من المسئولية وإلقائها على أطراف محلية أو قوى خارجية متناسية أن الكارثة قد بدأت من عندها تحديدا ، وهى تتحمل المسئوليه كاملة .

فوجود قوة طائفية فى المجتمع ليست مبرراً لأن تتحول حركة المقاومة إلى الإتجاه الطائفى ، لأن ذلك يعكس مسارها ويحولها إلى قوة دمار للمجتمع وفشل مؤكد فى إكمال أهدافها الثورية التى قامت من أجلها .

ـ وإذا عدنا إلى أفغانستان لأخذ الأمثلة من التطبيق الجهادى لحركة طالبان ، فإن الحركة أثناء زحفها من قندهار صوب المدن الكبرى فى البلاد وصولا إلى العاصمة كابول ما بين عامى 1994 ـ 1996 قابلت قوى مضادة قاتلت حتى راية عرقية وأخرى حاولت إستنفار الخلاف المذهبى . ولم يدفع ذلك حركة طالبان إلى الطرف المضاد بتبنى موقفا عرقيا أو مذهبيا مضادا (كما فعلت قيادات عراقيه وسورية فيما بعد ) بل أصرت على طرح إسلامى شفاف ونقى يستوعب جميع العرقيات وجميع الإجتهادات المذهبية . فقاتلت من قاتلها ولم تغير ذلك المبدأ حتى الآن عند قتالها ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بحوالى خمسين دولة أخرى . وقد نجحت الحركة فى الوصول إلى السلطة عام 1996 بعد عامين فقط من القتال . وهى الآن نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يمر بها قبل ذلك فى أى محنة سابقة .

فحركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، وليست طائفية ولا شعوبية .

–  ومن المرجح أنه لا توجد تجربة ثورية سبقت ثوار سوريا فى خطئهم التاريخى بالقتال من داخل المدن والتترس بسكانها . لذلك يتحملون الوزر الأكبر لهذه المأساة التى ترقى إلى درجة جريمة حرب من الطراز الأول .

ذلك رغم خلفيتهم السلفية ، وإدراكهم لحكم التترس بالمدنيين . عندما يحتمى بهم العدو ويتقدم صوب صفوف المسلمين ، حتى يتحرجوا من قتل إخوانهم فيحقق العدو إنتصاره .

فقد أفتى إبن تيمية بجواز قتل المسلمين الذين تترس بهم التتار . فإذا إنعكست الآية وتترس المسلمون بالمسلمين نجد أن موقف المجموعات الوهابية قد تبدل ، ويلقون بالمسئولية على أعدائهم مشهرين بهم وبوحشيتهم !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

خطر المجموعات الخارجية المسلحة : 

للمتطوعين الإسلاميين مزايا كبيرة إذا عملوا ضمن شروط صحيحة ، وليس بفرض أنفسهم ورؤاهم المذهبية والعرقية والسياسية على أصحاب الأرض والقضية الأصليين . فالقيادة بادئ ذى بدء يجب أن تكون لأصحاب الأرض . والسبب بسيط للغاية وهو أن الشعب قام بالثورة سيرا خلف أبنائه الذين يعرفهم ويعرف أصولهم وتاريخهم . ولا يتبع أشخاص غريبين عنه ، ناهيك أن يكونوا عدوانيين ومخالفين فى كل شئ .

المجموعات الوهابية ، المغالية فى الدين ، تتطوع لهدف مبدئى لديها وهو مكافحة الشرك وإنحراف العقائد . وسريعا ما تفتى بأن تلك الموبقات موجودة فى أهل البلاد الذين ذهبوا لمساعدتهم ، فيتهمونهم بالشرك ، ويتوجهون لمقاتلتهم قبل التوجه إلى العدو الخارجى . وما من ساحة ذهب إليها هؤلاء الغلاة إلا وتحول إتجاه البنادق إلى صدور أهل البلاد أنفسهم قبل الأعداء الخارجيين أو الداخليين . (أنظر تجربة داعش فى كل مكان ذهبت إليه).

فى كل مكان يذهب إليه الغلاة ، يبدأون بالتبشر لأفكارهم داخل صفوف المجاهدين المحليين وبين السكان ، فتبدأ بذرة الشقاق وتتعدد التنظيمات حين يحاولون إلحاق المجاهدين المحليين فى صفوف التنظيم (أو التنظيمات) الوهابية الوافدة .

 ومعلوم أن  تعدد التنظيمات هو خطوة مؤكدة للإقتتال الداخلى قبل الإنتصارأو بعده . وهذا ما حدث فى افغانستان وقت الجهاد ضد السوفييت . ولولا حيوية القوى الإسلامية فى أفغانستان وتخطيها لعقبات الإنقسامات الحزبية لبقى السوفييت فى أفغانستان إلى الآن ، ولبقيت إمبراطوريتهم وتوسعت .

وعندما شكلت أمريكا وأعوانها “حكومة أحزاب المجاهدين” التى دخلت كابول بعد التحرير ، كانت رسالة تلك الحكومة هى إستكمال ما فشلت فيه أثناء مرحلة الجهاد ، بإسئناف القتال الداخلى ، وتقسيم البلاد تمهيدا لإحتلال خارجى قادم ، ولكن من جهة الغرب وليس الشرق .

ولكن حركة طالبان أفشلت المخطط وأقامت إمارتها الإسلامية ، رغما عن الأحزاب جميعا وفوق أنقاضها . فلم يتبق أى مخرج أمام الأمريكيين سوى الدخول المباشر فى حرب ضد الشعب الأفغانى لتغيير ثقافته ودينه والإستيلاء على ثروات بلاده .

وقادة الأحزاب الجهادية المنحرفة فى وقت السوفييت ، كشفوا أقنعتهم فظهرت وجهوهم الحقيقية . والآن هم أعمدة الحكومة العميلة فى كابول ، وأحدهم ومن داخل موقعه فى النظام القائم يشرف على مجهودات داعش فى تدمير أفغانستان وخدمة الإحتلال .

 القتال بالمدنيين والإستهتار بسلامتهم :

فى أكثر من مكان ، فإن المجموعات الوهابية المسلحة ، القادمة من خارج البلاد لم تتحرج من التترس بالمدنين والقتال من داخل المدن . ولم تبال إطلاقا بسلامتهم ولا بأمنهم وأرزاقهم. فلديها الشجاعة لقتل كل كائن حى ، ولكن ليس لديها ما يكفى من الشجاعة الأدبية للإعتراف بالخطأ والإعتذار عنه وتحمل مسئوليته .

فقد غرهم الإسناد الدولى والإقليمى بالمال والسلاح ، والماكينات الدعائية الجبارة لدى حلفائهم ، فألقوا بتبعات جرائمهم على كاهل أعدائهم ، ولكن من أختار المدن كساحات قتال بأحدث الأسلحة هم هؤلاء الغلاة وليس أعدائهم .

وإذا عدنا إلى تجربة أفغانستان لأخذ الدروس من حركة طالبان نجد أنهم إلى الآن (مارس 2018) لم يحتفظوا بأى مدينة كبرى رغم أنهم فعلوا ذلك عدة مرات . ولكنهم أدركوا ضرر ذلك خاصة وأن سلاح الجو الأمريكى هو الذى يعمل فى سماء أفغانستان ، لحفظ نوع من التوازن يمنع طالبان من الإستيلاء على المدن ، حتى تبقى المدن فى يد أمريكا كورقة مساومة على وضع نهائى للحل .

تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات :

– وفى تجديد غير مسبوق فى إستراتيجية حروب العصابات فى ظل تفوق كاسح لسلاح جوى لدولة كبرى ، وإستحالة الإستيلاء على المدن بدون أن يلحقها تدمير شامل من ذلك الطيران ، فقد عثرت حركة طالبان على حل مثالى لتلك المعضلة :

 بأن تواجدت داخل المدن بشكل سرى ، واسع وعميق ، بدون الإستيلاء عليها . مع إثبات قدرتها على فعل ذلك ، بالضرب الموجع فى الأعصاب الحساسة للنظام الحاكم والإحتلال معا. ذلك هو الوضع فى عدد من المدن الأساسية وتجلى بشكل خاص فى العاصمة كابول ، مؤيدا بتصريح لقائد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، يفيد بأن قواته محاصرة داخل كابول ولا تجرؤ على الحركة على الأرض ، وتعتمد على المروحيات فى تنقلاتها .

فهل هناك دليل على الهزيمة أكبر من ذلك ؟؟ .

فماذا لو حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف ؟؟ .. فكم يوما بعدها سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟ .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




مصطفى حامد فى إجابات عن 8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل (1-2)

مصطفى حامد فى إجابات عن 8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل (1-2)

 

مصطفى حامد فى إجابات عن

8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل

(الحلقة 1-2)

 

– أمريكا لا تهتم بشكل نظام الحكم ، إسلاميا كان أم بوذيا ،ولكن ” ليبرالية الإقتصاد” همها الأول ، و إرتدادات ذلك على السياسة والدفاع والتعليم وحتى على الدين نفسه .

– برنامج الصواريخ والحرس الثورى هما أدوات الدفاع الإستراتيجى عن إيران ، ونزعهما يعنى فرض الإستسلام عليها .

– تخلى إيران عن فكرة التسلح النووى شجع أعداءها على المضى قدما بطلبهم نزع باقى أسلحتها الإستراتيجية ، أى الحرس الثورى والصواريخ .

– الدول الكبرى تخضع السياسة والإستراتيجية لإعتبارات الربح والخسارة الإقتصادية .

– التحالفات الدولية أصبحت زئبقية ، ولا يمكن الوثوق بحليف إلا فى أضيق نطاق من المصالح المشتركة .

– قبلت إيران بشروط مجحفة تتخطى المعايير الدولية ،  فيما يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم  وكثافة التفتيش على المنشآت النووية .

– البدائل الإستراتيجية لإيران عن غياب السلاح النووى ، لا تقل عنه فعالية .

 

اجابات مصطفي حامد ابوالوليد المصري علي الاخ (بهروز) باحث ايراني مستقل : (نص الرسالة آخر الصفحة)

السيد بهروز ..

يسعدنى الحديث مع باحث مستقل مثلك ، حيث أعتبر نفسى باحثا مستقلا عن الحقيقة.

إحتوت رسالتك على ثمانية أسئلة صعبة ، وأكثرها يمكن لغيرى أن يجيب عنها بطريقة أفضل وأدق .ولكننى مازلت أمتلك بعضاً من جرأة المبتدئين ـ لذا سأحاول الإجابة عنها جميعا رغم ما فى ذلك من مجازفة بحدوث قصور فى بعض الإجابات .

سأورد كل سؤال ثم أجابتى عليه .ونص السؤال الأول هو:

 

1 ــ لو ممكن تشرح لنا خلفيات استراتيجيه ترامب للتصدى لإيران (الملف النووى) (فيلق القدس بالحرس الثورى) ، (الصواريخ الباليستيه ) ؟ .

معلوم أن سياسة أمريكا فى المنطقة العربية هى مجرد تابع للسياسة الإسرائيلية . والعديد من كبار الكتاب الأمريكيين أكدوا تلك الحقيقة ، كما تؤكدها دوما أحداث تلك المنطقة المضطربة على مدى عقود .

وبما أنها منطقة فى حالة موات شعبى وسياسى وتدهور إقتصادى / أو حالة ضياع بتعبير أكثر دبلوماسية/ فإن محيطها الإسلامى المباشر إكتسب أهمية غير عادية نظرا لقدرته على النفوذ والتأثير ، بمايمنحها بعض الحيويةوالقدرة على التفاعل .

على المحيط الخارجى العربى نجد قوتان إسلاميتان أساسيتان هما تركيا وإيران .

تركيا دولة علمانية ـ بثوبها الإسلامى الفضفاض الذى يمثله نظام أردوجان حاليا . وهو زعيم قوى لا شك فى ذلك ، وأكثر إنحيازا لمصالح بلاده فى إطار علمانيتها ورغبتها الأكيدة فى الإلتحاق بأوروبا حضاريا . وتعلم تركيا أن إسرائيل هى المفتاح إلى عقل أوروبا وقلبها . ونفس الشئ بالنسبة للولايات المتحدة التى ظلت القوة الأولى المهيمنة على المنطقة العربية حتى وقت قريب ،إلى أن تولت إسرائيل عنها تلك المهمة بعد مؤتمر الرياض الشهير (مؤتمر البلورة السحرية) والذى من المفترض أن تعقبه موجة إعترافات بإسرائيل {عربيا أولا ثم إسلاميا } ثم التحالف العسكرى معها وتحت توجيهاتها ولخدمة مصالحها .

علاقات تركيا بإسرائيل وثيقة فى كل المجالات . وهذا يضمن لتركيا جسورا مفتوحة مع أوروبا وأمريكا ، وسقفا منخفضا للتناقضات معهما . وبالتالى يصنع جسورا ضيقة ومجالات محدودة ووقتية للتعاون مع الجارة ايران .

تركيا يجمعها حلف إقليمى مع قطر والإخوان المسلمين ضمن تصور لمشروع “شرق أوسط جديد” ومستقر فى تحالفاته الأمريكية وخضوعه لقيادة إسرائيل ، مع إقتصاد مفتوح للرأسمالية الدولية (والإسرائيلية أولا) ويترتب على ذلك أوضاع سياسية وإجتماعية مذكورة تفصيلا فى أدبيات (حاخامات) ومنظرى الرأسمالية المتوحشة (أو الليبرالية الجديدة) ـ ونظرة على أوضاع مصر كنموذح عملى تكفى للشرح السريع والواضح .

وتبقى فقط إيران فى المحيط الخارجى لما كان يسمى (العالم العربى) ، كقوة خارج كل ذلك المسار . وتتمسك برؤي خاصة إسلامية ووطنية تجعلها فى مواجهة حتمية مع وضعية (المنطقة العربية) التى تحولت إلى إمبراطورية صهيونية ممتدة من المحيط إلى الخليج .

ذلك الوضع الجيوسياسى الجديد للمنطقة العربية سيكون فى صدام دائم مع الوضع الإيرانى ونقيضا له ، بشكل لا يقبل التصالح إلا بأنهيار أحد النموذجين ، ودخوله فى حالة جيوسياسية جديدة ، متماثلة مع الآخر أو خاضعة له كليا .

ــ  بالطبع تريد إسرائيل وبالتالى الولايات المتحدة ضم إيران إلى (الإمبراطورية الصهيونية فى بلاد العرب) . ولن يتم ذلك إلا بتغيير النظام الإسلامى فى إيران ليعود إلى ما كان عليه فى العهد الامبراطورى من التطابق مع النسيج السياسى الخليجى ومعظم الأوضاع السياسية العربية آنذاك .

ــ  ليس المهم هو شكل النظام السياسى بل جوهرة هو المهم . فلا أظن أمريكا تصر على عودة النظام الإمبراطورى إلى إيران ولكنها تصر على (ليبرالية الإقتصاد) وتوابع ذلك فى السياسة والأمن والدفاع والثقافة والتعليم والبنيان الإجتماعى وحتى فى الرؤية الدينية. وليكن إسم النظام بعد ذلك ما يكون : إمبراطوريا ـ ملكيا ـ جمهوريا ـ إسلاميا أو بوذيا ـ سنيا أو شيعيا ـ فكل ذلك مجرد شكليات بالنسبة لها . فالجوهر هو(ليبرالية الإقتصاد) وانخراطه ضمن المنظومة الإمبراطورية الإقتصادية لليهود وضمن (القرية الدولية !!) التى وضعت القارات الخمس ـ أو هى على وشك أن تضعها ـ خاتما فى أصبع ملك بنى إسرائيل الموعود ، من مركز حكمه العالمى فى القدس (أورشليم ) التى تتجهز لجنازتها الكبرى عند هدم المسجد الأقصى وبناء (الهيكل اليهودى) فى موعد يبدو أنه يقترب بسرعة .

تلك الرؤية الصهيونية ـ هى الأيدولوجية التى تتحكم فى الصراع الدائر بين إسرائيل ومنظومتها ( الأمريكية / الخليجية / العربية ) وبين إيران برؤيتها الإسلامية المستقلة ، وبالتالى إستقلاليتها وتفردها فى جميع التفريعات من سياسة إلى أمن ودفاع وتعليم وثقافة .

ــ لدى إيران استرتيجيتها الخاصة لمواجهة ذلك الصراع المصيرى . ولدى إسرائيل ومحورها استراتيجية مضادة . فترتفع حدة الصراع من آن إلى آخر تحت عناويين يختارها العدو الإسرائيلى ، هى الآن ما جاء فى سؤالك الأول، عن (الملف النووى ) ، (فيلق القدس بالحرس الثورى ) ، (الصواريخ الباليسية).

ويجمع الثلاثه عنوان واحد هو : أدوات الدفاع الاستراتيجى لدى إيران . فإسرائيل تريد نزع تلك الأسلحة ، وبالتالى عدم تمكين  إيران من الدفاع عن نفسها .أى أنها ببساطة تطلب منها الإستسلام . لكن بما أنها تدرك إستحالة تنفيذ تلك المطالب فلماذا تطرحها الأن ؟؟. سنعود إلى تلك النقطه لاحقاٌ.

ـــ  فى البداية ، لقد شجعهم على دخول ذلك النطاق الإستفزازى ، تخلى إيران عن مجرد التفكير فى برنامج للتسلح النووى ،كضرورة لضمان بقاء نظامها الإسلامى فى وجه قوى نووية معادية لها وللمنطقة هما إسرائيل وأمريكا . هذا التراجع شجع الدولتين على المضى قدما فى الضغوطات أملا فى دفع إيران نحو الخضوع الكامل ، وإدخالها مع باقى دول المنطقة إلى بيت الطاعة اليهودى . فالقاعدة الثابتة هى أن أى تراجع أمام أمريكا أو إسرائيل ولو لنصف خطوة ، سوف يجر تراجعات تصل إلى الإستلام التام لهما .

لكن إيران لم تكن لتفكر فى برنامج نووى نتيجة إفتقارها إلى حليف دولى ـ من القوى الأساسية فى العالم ـ يمكن أن يغطى ويحمى مسارها نحو إمتلاكها للسلاح النووى .

ومثل ذلك الحليف شرط إساسى ، توافر لجميع القوى التى إمتلكت السلاح النووى بعد ما إمتلكته الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى بعد الحرب العالمية الثانية.

ــ  ولا زالت إيران تفتقر إلى ذلك الحليف ، رغم ما بلغته قوة التنسيق والتعاون مع روسيا الاتحاديه فى الميدان السورى . ولكن فى روسيا كما الصين وأوروبا ، وحتى الولايات المتحدة ، فإن السياسة وحتى الاستراتيجية ، أصبحت صفقات بالتجزئة ، تقاس بالربح والخسارة فى مجال الإقتصاد أولا ، ثم فى مجالات الأمن القومى الأخرى حسب ما حددته كل دولة لنفسها . وذلك يجعل التحالفات الدولية تأخذ طابعا مؤقتا وموضعيا وأحيانا (زئبقيا) حسب طبيعة كل ملف وظروفه الآنية .فإما أن الاستراتيجيات الدولية أصبحت زئبقة ،أو أن أساليب معالجتها هى التى أصبحت كذلك . فلا يمكن الوثوق فى الحليف الدولى إلا فى أضيق نطاق من المصالح المشتركة .

ــ ليست إيران فقط هى التى لا يمكنها الإعتماد أكثر من اللازم على حلفائها الدوليين ، بل أيضا الولايات المتحدة التى إهتزت كثيرا تحالفاتها مع أوروبا. ويحسب لإيران معالجتها الصبورة والذكية لمفاوضات ملفها النووى ، ما أدى إلى توسيع رقعة الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة ،رغم سلبية قبول إيران بشروط مجحفة ضمن الإتفاق النووى ، تتخطى الشروط الدولية لإتفاقية منع الإنتشار النووى ، خاصة فيما يتعلق بدرجة تخصيب اليورانيوم ومستوى التفتيش الفنى الجائر من خبراء الوكالة الدولية ـ وذلك فتح شهية أمريكا “ترامب”  لمعاودة الإبتزاز للحصول على تنازلات أكثر وأبعد مدى.

ومفهوم أن إيران لم تبتدع ذلك الخلاف الأمريكى الأوروبى ، ولكنها ساهمت فى إتساعه وتحديدا حول ملفها النووى ،وقد لا يكون الحال كذلك فى الملفات الأخرى .وهو خلاف حول المصالح الإقتصادية . عموما عرفت إيران أسلوب التعامل السليم مع التحالفات المعادية لها بفهمها الدقيق لخريطة مصالح كل طرف منهم على حدة .

ساعد إيران على التخلى عن برنامج نووى عسكرى ، إيجاده البدائل لا تقل فعالية ، ولكنها أقل إثارة للإستفزاز. فالبرنامج الصاروخى والحرس الثورى “فيلق القدس” هما من ضمن البدائل . وحزب الله لبنان بديل قوى قائم بذاته .إضافة إلى تحالفات إقليمية عديدة / أقل أهمية / ولكنها فعالة إذا استخدمت بشكل ذكى ومنظم . ومن الملاحظ أن إستخدم إيران لأوراق قوتها الاستراتيجية له سمات خاصة حققت نجاحاً كبيرا فى معظم المجالات وأكثر الأوقات حتى الآن على الأقل .

فهناك الجرأة والإبداع والروح الهجومية ، وعمق التحليل والفهم الصحيح للواقع الذى تتعامل معه. وفوق كل ذلك الإعتماد على عناصر القوة الداخلية للمجتمع و الدولة لتحقيق الحد الاقصى الممكن من الترابط الداخلى ، وإجماع معظم القوى الإجتماعية على صلاحية النظام وإمتلاكهم إرادة الدفاع عنه .وتلك فى الحقيقة هى القاعدة الصلبة لنجاح أى استراتيجية تتبناها أى دولة.

نعود إلى سؤال أجلناه أثناء تجوالنا فى هذا الحديث وهو : لماذا تضغط إسرائيل والولايات المتحدة الآن على إيران بإستخدام أوراق :(الملف النووى ) ، (الحرس النووى / فيلق القدس ) ، (برنامج الصواريخ ) .

 

أولا ـ الملف النووى:

لا مجال أمامهم للضغط بالملف النووى لأن مركز إيران فى ذلك الملف هو الأقوى ، ويحظى بدعم دولى كبير ليس من روسيا والصين (الأقرب إلى إيران) بل أيضا من أوروبا التى تخشى على مصالح شركاتها فى إيران ، كما تخشى على إنهيار النظام الدولى وضياع مصداقية الإتفاقات الدولية ، وفى ذلك إضرار بالسيطرة الغربية على العالم ، وإتاحة فرصة نادرة لتبلور سريع وحقيقى لنظام دولى جديد لا تتصدره أمريكا وأوروبا ، بل ستجتهدان للحاق به تحت قيادة للعالم الجديد قادمة من آسيا . وفرص إيران ـ وحتى أفغانستان الإسلامية ــ كبيرة ليكونا ضمن الصدارة ، حيث كانتا فى صدارة الهادمين للنظام الحالى . إيران بتفجير تناقضاته من الداخل بواسطة ملفها النووى وبمواجهات أخرى عسكرية غير مباشرة وسياسية مباشرة، وحركة طالبان أفغانستان بتدمير كرامة الجيش الأمريكى وهيبته فى العالم ، وهو العصا الأمريكية الغليظة وأداتها للإبتزاز الدولى .

 ــ فى حال فشل الإتفاق النووى بخروج أمريكا منه ، وبالتالى خروج إيران ،التى ستعود لتفعيل البرانامج النووى فى حدود السقف المسموح به دوليا ،أى ستصل بنسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20% ، ولن تستبعد نهائيا فكرة التسليح النووى خاصة إذا تمادت التهديدات الإسرائيلية / الأمريكية من جانب ، وتوافر غطاء من روسيا أو الصين أو كلاهما لمثل ذلك البرنامج من الجانب الآخر .فربما تكتسب العودة إلى برنامج نووى عسكرى شعبية أكثر فى إيران وتصبح موضوعا للإجماع الشعبى، وفى أوساط أصحاب القرار وراسمى الإستراتيجية.

 

ثانيا ــ (الحرس الثورى/ فيلق القدس) ، والبرنامج الصاروخى :

لا مجال إطلاقا لأى نقاش حول هذين الموضوعين ، لأن ذلك يعنى محاولة لنزع سلاح إيران واستسلامها بالكامل .وذلك لا يمكن أن يطرح على مائدة بحث الدولة الإيرانية .

إذن فلماذا تصر إسرائيل والولايات المتحدة على طرحهما ؟؟. السبب هو تشكيل ضغوط نفسية وتبرير عقوبات إقتصادية وعزلة دولية تجبر إيران على (تجميد ردود فعلها) إزاء التطورات القادمة لدى الجيران العرب (من المحيط إلى الخليج) بتحويلهم إلى رعايا فى إمبراطورية صهيونية لها طموحات دولية واسعة ، على وشك أن تظهر عمليا فى القريب.

المطلوب هو إنكفاء ايران على نفسها ، وإجبارها على تبنى سياسة إنعزالية عن محيطها الإسلامى وجوارها العربى (المتصهين ) . وبالإنعزال يتحقق الآتى :

1 ـ السياسة الإنعزالية سوف تطفئ جذوة التطور فى وسائل القوى الأساسية للدفاع ، وهى (الحرس الثورى / فيلق القدس) و(البرنامج الصاروخى) . وما يتعلق بهما من نشاط علمى وتكنولوجى وتصنيع عسكرى ومدنى ، وحتى تعليمى وثقافى .

2 ــ مع تبريد الصراع مع إسرئيل والولايات المتحدة سوف تشتد وتيرة الصراعات الداخلية فى إيران نفسها ، تطبيقا للقاعدة الشهيرة ( الأمة التى تفقد عدوها الخارجى توشك أن تتحول إلى عدوٍ لنفسها ) . ونرى مصداق ذلك فى الأمة الإسلامية ككل بعدما تركت صراعها الوجودى مع إسرائيل . ولكن إذا خضعت إيران لتلك القاعدة فسوف تصبح الحروب الإسلامية الداخلية خطراً أشد وتقود إلى نتائج كارثية وبسرعة .

ولكن الإعلان عن مرحلة دخول العرب كرعايا فى دولة صهيونية سوف يؤدى حتما إلى صحوة دينية حقيقية ، وليست مزيفة كتلك التى إصطنعتها أمريكا وإسرائيل والسعودية بعد حرب 1973. صحوة يكون الإنتماء الحقيقى فيها للإسلام ، كدين يجمع كل المنتسبين إليه ، ولا يصبح الإنتماء للمذهب أداة تفتييت ،وبوابة إلى الكراهية والحروب .

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world

نص رسالة الأخ بهروز ( باحث ايراني مستقل) :

السيد ابوالوليد

ــ لو ممكن تشرح لنا خلفيات استراتيجية ترامب للتصدي لإيران ( الملف النووي ) ( فيلق القدس الحرس الثوري) و (الصواريخ البالستية) ؟

ــ هل عقوبات الخزانة الأمريكية تؤثر علي الاقتصاد الايراني ؟

لماذا حتي الان اسمك مندرج علي قائمة المحظورين في (الخزانة الأمريكية) ؟ــ

https://www.treasury.gov/press-center/press-releases/Pages/hp1360.aspx

ــ لماذا تعمد ترامب في ذكر (نجل بن لادن) يعني (حمزه بن لادن) في سياق حماية إيران للارهاب ؟

ــ انت مقيم في ايران و كنت من أوائل المبايعين والمبادرين في بيعة الراحل (الملا عمر ). صديق المرحوم (بن لان) و علي علاقة أسرية به . اعتقد انك علي قائمة الإرهاب ايضا. لماذا يتجنبون ذكر اسمك رسميا دائما؟

ــ هل فعلا يوجد علاقة بين القاعدة و ايران ؟ هل فعلا كانت ايران داعمة للارهاب؟ هل فعلا القاعدة ارهابية؟

ــ ما رايك علي تصريحات روحاني بخصوص ترامب ؟ـ

ــ اخيرا .. ما هي اهداف موقع مافا السياسي ؟ و لماذا رجع الموقع مرة اخري بعد دخولك ايران؟

شكرا

باحث ايراني مستقل