الفساد المالى فى البنتاجون ، CIA ، هل من علاقة مع بنك كابول ؟؟

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (5)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 

(5)

 

1- ” بنك كابل” .. الضلع الثانى فى حرب الهيروين .

2- الفساد المالى فى البنتاجون ، CIA ، هل من علاقة مع بنك كابول ؟؟.

3- بنك كابول .. هدف مدنى أم هدف عسكرى ؟؟ 

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

إمبراطورية الهيروين التى شيدتها أمريكا فى أفغانستان تتكون من شقين :

الأول ــ هو الشق الصناعى فى قاعدة بجرام الجوية : وفيه يتم تحويل الأفيون الخام إلى هيروين كامل النقاء بنسبة 100% ، إضافة إلى حوالى 12 نوعا آخر من المخدرات الأفيونية ، بعضها يستخدم كسلاح للتدمير السريع لصحة المجتمعات المعادية .

الثانى ـ هو صناعة غسيل الأموال فى “بنك كابول” :  وفيه يتم تحصيل جزء معتبر من الناتج المالى لصناعة الهيروين . ويستقبل الأموال القذرة الناتجة فى صفقات الهيروين أو الأفيون الخام ـ ليقوم بغسلها داخليا فى السوق الأفغانى ، ثم ينقلها للإستثمار خارج أفغانستان عبر شبكة “المغاسل” الدولية . وعلى سبيل المثال فإن “بنك كابول” على علاقة وثيقة بعدد من البنوك والصرافات الخليجية والأمريكية ، وحتى شركات كبرى عابرة للقارات منها شركات للوجبات السريعة “!!” .

   – ويقوم البنك بعمليات مالية لصالح مجموعات أرهابية تعمل لصالح المخابرات الأمريكية. وذلك أحد سبل تمويل تلك المجموعات ، لكن تظل الطريقة الأهم هى إستخدام الهيروين كعملة لتمويل تلك المجموعات فى شتى بقاع العالم .

   – يجمع (بنك كابول) كل العملة الصعبة الواردة إلى أفغانستان ليستخدمها كعملة “نظيفة” أو كمسحوق لتبييض الأموال السوداء القادمة من تجارة المخدرات أو السلاح أو أى نشاطات أخرى كثيرة . وذلك فى مقابل عمولة للبنك تصل أحيانا إلى 50% من المبلغ القذر .

  – تصب فى (بنك كابول) العملة الصعبة الواردة إلى أفغانستان بشكل قانونى عبر هيئات الأمم المتحدة ، والمؤسسات “الخيرية” غير الحكومية ، ويمكن إفتراض أن الميزانية الأمريكية لحرب أفغانستان والبالغة 45 مليار دولار سنويا ، تصب فى ذلك البنك لرفع قدرته على غسل أموال المخدرات .

  – يمتلك البنك قدرة هائلة على سرقة أراضى الدولة ، عن طريق النظام الحاكم . وعندما كان كرزاى رئيسا كانت يده مطلقة فى الإستحواز على أراضى الدولة وأملاكها لصالح (بنك كابول) الذى كان يديره أخوه غير الشقيق (أحمد كرزاى) الذى أغتالته حركة طالبان فيما بعد. والآن تتعاون إدارات الدولة مع البنك بكل حماس نظرا لكرم الهبات المالية العائدة إليهم .

  – يحرص البنك على تقليل إستخدامه للدولارات النظيفة داخل أفغانستان ، وبدلا عنها يعطى قطعا من الأرض ، وربما أقام عليها مشاريع عمرانية بواسطة شركات يمتلكها البنك أيضا ، إذا رغب العميل فى ذلك ، وفى النتيجة نشأت مدن حديثة فى أفغانستان بأموال الهيروين القذرة ، وبمجهودات بنك كابول فى غسيل الأموال .

 

 

فساد البنتاجون ، CIA ، هل من علاقة مع بنك كابول ؟؟ :

معلوم أن الفساد يسير فى ركاب المخدرات . فإذا كانت المخدرات الخام والمصنوعة تمثل طوفانا كما فى أفغانستان ، فإن الدولة كلها تغرق فى الفساد سواء الدولة الرسمية أو المجتمع نفسه ( فى أفغانستان 3 مليون شاب مدمن على الهيروين).

الجيش والإستخبارات الأمريكية أصيبا بوباء الفساد العميق ، الذى يبدأ عادة من القيادات العليا نزولا حتى مستوى الجندى المتعاطى أو المدمن للمخدرات .

ضرب الفساد البنتاجون نفسه (أى وزارة الحرب) وليس القيادات الميدانية فى أفغانستان فقط . ورد خبر فى آواخرعام 2018 يقول أن تدقيقا ماليا كبيرا فى البنتاجون يشرف عليه الكونجرس الأمريكى. وذكروا أن هناك فضيحة كبرى تمثلت فى فقدان: {واحد وعشرين ألف مليار دولار”!!”} ــ هكذا ورد الرقم فى الخبرــ بلا أصول ، تم تبديدها منذ حرب أفغانستان حتى تاريخه . ولازال التحقيق مستمراً .

وماداموا قد ذكروا أفغانستان وأن بداية الحرب هناك كان بداية ظهور تسونامى فساد فى وزارة الدفاع ، فهل لذلك إرتباط مع (بنك كابول) بصفته المرفأ الآمن للأموال القذرة والمنهوبة بكافة أنواعها ؟؟ . فمن ذلك البنك تمتد شبكة أخطبوطية حول العالم ، مكونة من بنوك كبرى وشركات متحدة فى صناعة تنظيف الأموال وما يتفرع عنها من نشاطات تدميرية مثل الأرهاب والتهريب وتمويل كافة الأعمال الإجرامية وغير المشروعة .

فضيحة البنتاجون هى الفضيحة الأكبر بلا شك ، لكن هناك أمثالها ، مثل إختفاء 80 مليار دولار من أموال العراق زمن الإحتلال . وعشرات الأطنان من الذهب المنهوب من العراق وسوريا ، وبعضها ضبط مع فلول داعش ، وهو إما مسروق من بنوك محلية فى العراق وسوريا أو هو ثمن بيع الهيروين الذى تدفعه أمريكا ثمناً لخدمات التنظيم !!.

 

 

بنك كابول .. هدف مدنى أم هدف عسكرى ؟؟ :

   خلال سيطرة قوات حركة طالبان على مدينة غزنى فى صيف 2018 ، وقع فى أيديهم فرع بنك كابول . فظهر رأيان حول التعامل مع البنك، الرأى الأول يقول : أنه غنيمة حرب ، ويجب الإستيلاء عليه كما فعل المجاهدون عندما إستولوا لفترة محدوده على مدينة قندز .

الرأى الثانى يقول : إن الأموال التى فى البنك هى أموال الناس ولا ينبغى لنا الإستيلاء عليها . وللأسف إنتصر الرأى الثانى ، وترك المجاهدون البنك سالما إلى أن غادروا المدينة .

   فبعد خمسة أيام إستعاد العدو المدينة بقصف جوى عنيف ، مركزاً على الأحياء التجارية ، فدمر15 سوقاً داخل المدينة ، منها أسواقاً للسجاد الأفغانى الثمين والمشهور عالميا ، القصف أيضا طال إلى جانب المدنيين ، البيوت وسائر الأهداف المدنية. حتى شاع فى مدينة غزنى قول: {إن طالبان أضاعوا فى خمسة أيام ما بناه تجار غزنى فى 18عاما } .

فلولا هذا الإجتهاد الخاطئ بعدم الإستيلاء على أموال فرع بنك كابول لإستطاع مجاهدوا طالبان تعويض تجار المدينة عما أصابهم من أضرار وكذلك المدنيين المضارين من العدوان الجوى. وسيكون لذلك أثر كبير فى حل أحد العقد التى تواجه عملية تحرير المدن ، إذ هاجرت الحركة التجارية من المديريات الصغيرة حيث يدور القتال من أجل تحريرها ، وتركزت فى المدن الكبيرة ، التى تشهد عمليات فدائية نادرا ما تصيب التجار بأى أضرار .

يتهيب مجاهدو طالبان من السيطرة على المدن الكبيرة تفاديا للضربات الجوية التى تركز على الأسواق التجارية ، مع الممتلكات المدنية مثل الدكاكين الصغيرة والسيارات والبيوت .

 بينما الإستيلاء على أموال بنك كابول يضع قدره مالية فى أيدى طالبان تكفى لتعويض خسائر المدنيين والتجار ، بل وتمويل عملية فتح المدينة .

    – لابد أن تدرك مجموعات المجاهدين أن بنك كابول هو الذراع المالى للإحتلال الأمريكى ، وفيه يودع جزء أساسى من دولارات التى يضخها فى أفغانستان . وينميها بغسيل أموال الهيروين فى “بنك كابل”، المرتبط بشبكة دولية كبيرة تديرها المخابرات الأمريكية لغسيل الأموال وتهريب المخدرات ، وتمويل مجموعات أرهابية حول العالم ، وعمليات المخابرات الأمريكية .

   – بنك كابول يتعامل أساسا فى جميع الأموال الأمريكية النظيف منها والقذر، فى عملية غسيل متلازمة مع عملية تصنيع الهيروين والإتجار فيه . وبالتالى فإن أموال الناس فى ذلك البنك لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا ، وتكون سلطات الإحتلال ملزمة بالتعويض عن الأموال الفقودة من أى فرع من الفروع . وبالتالى لا خسائر إطلاقا تطال أموال المدنيين. فالبنك لن ينهار أو يتوقف عن العمل لمجرد فقدان أحد فروعه أو عدة فروع . وحتى لو سقط البنك بأجمعه فى يد المجاهدين فإن أموالا هائلة تعمل لحسابه حول العالم ضمن شبكة كبرى تشاطره نفس النشاط ، ويمكنها تغطية أى خسائر .

 

 

غنائم المال مضافة إلى غنائم الأسلحة:

فتح غزنى تصلح نموذجاً مفيدا فى كثير من النواحى . نكتفى منها بإشارات عن موضوع الترابط بين فتح المدينة وبين الغنائم المكتسبة ، والخسائر المصاحبة للقتال نتيجة الإنتقام الجوى للعدو .

إقتحم مجاهدو طالبان المدينة بفكرة تكتيكية رائعة ، وظهروا على أبواب مراكزه داخل المدينة بشكل مفاجئ فسيطروا على المدينة بسرعة قياسية غير متوقعة ، فيما عدا مركزان إداريان بقيا تحت الحصار . ولمدة ثلاثة أيام لم يتدخل سلاح الجو المعادى .

خلال تلك المدة تمكن المجاهدون إلى جانب أسر المئات من جنود العدو ، أن يغنموا كميات هائلة من الأسلحة بأنواعها مع معدات ثقيلة من المدرعات والشاحنات والدبابات، وإخراجها من المدينة إلى مناطق آمنة ، ومازالت سالمة وقيد الإستخدام لدى المجاهدين . وفى تلك الفترة حصل إختلاف حول”البنك” هل هو من الغنائم؟؟ أم هو من الأمانات؟؟ . وللأسف إنتصر الرأى الأخير نتيجة عدم إدراك إبعاد دَوْرَة إقتصاديات العدو فى أفغانستان ، والترابط الوثيق بين مراحل الهيروين الثلاث من إنتاج إلى توزيع إلى غسيل أموال . لعل الفكرة الأصوب الآن هى أن إحتلال المدن فى ظل الظروف الحالية / مالم يحدث تغيير كبير إستراتيجى أو تكتيكى أو سياسى/ فإن الإحتلال يجب أن يكون مؤقتا بما يكفى لنقل الأسرى والغنائم بما فيها الغنائم المالية من “بنك كابول” بإعتباره أحد المستودعات المالية للقوات المحتلة.

إن تجفيف المنابع المالية للعدو هى تخريب لمعنوياته وآلته العسكرية ، وجعل بقائه فى البلد مستحيلا . حتى أن أموال العدو فى(بنك كابول) لا فرق فى إستهدافها عن إستهداف جنوده ومعداتهم . ومهاجمة المخازن المالية للعدو فى (بنك كابول) تسفر كالعادة إما بالسيطرة على الغنائم سالمة ، أو إحراقها لحرمان العدو من إستخدامها .

 

 

سرقة أراضى الدولة :

   – إن جرائم بنك كابول لا تتوقف عند غسيل أموال الهيروين لصالح الإحتلال الأمريكى. بل يعتبر البنك أكبر ناهب لأراضى الدولة فى أفغانستان ، لإستخدامها فى عمليات غسيل الأموال ، برشوة كبار موظفى الدولة لتمرير عمليات سرقة الأراضى . فالأحياء السكنية الجديدة التى لم تكن قبلا على خريطة أفغانستان أنما بنيت لمهربى الهيروين والمرتبطين بتلك الصناعة أو بأحد أفرعها . وتلك الطبقة من الأثرياء الجدد ـ بالغى الثراء ـ قد يتحكمون بدرجة كبيرة فى رسم مصير أفغانستان المستقبل ، مستفدين من قوتهم المالية ومكانتهم الإجتماعية العالية . هذا إذا لم يتم تحجيمهم ومحاسبتهم وفقا للمعايير الشرعية، واسترداد مانهبوه من أموال الشعب ، أى من بيت مال المسلمين .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الفساد المالى فى البنتاجون ، CIA ، هل من علاقة مع بنك كابول

 




حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 157 ) | رجب 1440 هـ / مارس 2019 م .            

22/03/2019

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

– الحق أخلى مكانه للقوة ، التى أصبحت الحقيقة الوحيدة المعترف بها فى عالم اليوم .

– التفاوض المنفرد لا يعيد الحقوق . فالقوة ضرورية لإقناع الظالم أن هناك حقوقا يجب أن تُحْتَرَم.

– التفاوض يعكس موازين القوة فى ساحة القتال . والمُفَاوِض الماهر يمكنه الحصول على أكثر من ذلك ، وفقا لشروط .. فما هى ؟؟.

– ساحة القتال وطاولة التفاوض مترابطتان . وموازين التفاوض تتغير بتقلب موازين الصراع على الأرض .

– لا يمكن لطرف أن يقاتل نيابة عن طرف آخر . ولا يمكن أن يتولى التفاوض غير من قاتل معارك الأرض من أصحاب الحق الأصليين.

– التفاوض يُظْهِرْ الفرق بين ( الحرب بالأصالة ) و( الحرب بالوكالة ) ، وبين “المجاهد الحقيقى” و”المُرْتَزَقْ ” .

– لا يمكن الحديث عن السلام قبل إستعادة الحقوق ، وإلا كان نفاقاً وعوناً للظالمين .

– لدى القائد العسكرى وقائد التفاوض ، تأتى المهارة أولا ، قبل الإمكانات المادية المتاحة.

– القائد العسكرى يتخلص من الإشتباك إذا كانت شروط النصر غير متوفرة . وقائد التفاوض يتخلص من طاولة التفاوض إذا كانت شروط التفاوض غير مواتية . فالقتال والتفاوض فى حاجة إلى ظروف مناسبة .

– خطأ عسكرى واحد  فى الحرب قد يطيح بنتائج معركة واحدة . وفى التفاوض فإن خطأ واحدا قد يطيح بثمار الحرب كلها .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

التفاوض هو جزء من العمل السياسى ، الذى هو إمتداد للعمل القتالى ومكملاً له لكن بوسائل سلمية. فإذا كانت الحرب هى محاولة لإقناع الخصم بالإستجابة لمطالبنا مستخدمين معه منطق القوة ، فإن المفاوضات هى محاولة لإقناعة مستخدمين قوة المنطق.

وغالبا لا يكتسب المنطق قدرة على الإقناع إلا بعد إستخدام القوة أولا. فالمنطق المسالم منفردا، ومهما كانت صحته ، لا يقنع اللصوص بإعادة الحقوق إلى أصحابها. حتى أصبح شائعا بين الأمم أن ما يمتلكه  أى طرف من الحقوق يتناسب طرديا مع ما يمتلكه من قوة . وتَمَكَنْ ذلك الإعتقاد من النفوس حتى أخلى الحق مكانه للقوة ، لتصبح القوة هى الحق ، وهى الحقيقة الوحيدة فى حياة البشر اليوم .

– لهذا لا يمكن الحصول على الحقوق بالتفاوض وحده. إذ لابد من إستخدام القوة حتى يعترف العدو أن هناك حق ينبغى الإعتراف به والخضوع له . عندها يصبح التفاوض مجديا ومشروعا .

– التفاوض يعكس الموازين فى ساحة القتال . فكل طرف يحصل على تأثير فوق طاولة التفاوض يعادل ماله من قدرة تأثير فوق ساحة القتال . بمعنى أن الطرف المنتصر فى ساحة القتال يذهب إلى طاولة التفاوض كى يحصل على ثمار إنتصاره. أما المنهزم فعليه أن يدفع ضرائب الهزيمة .

فإذا كانت النتيجة على أرض المعركة غير محسومة ، فإن طاولة التفاوض هى ساحة للإتفاق على توزيع الغنائم والمغارم بما يتناسب مع موازين القوى على الأرض ، بصرف النظر عن من له حق فى ماذا.

 

حرب فوق طاولة التفاوض :

– لا يتم كل ذلك بصورة تلقائية ، لأن العمل التفاوضى هو أيضا معركة . والمفاوض الأكثر مهارة وموهبة وعزيمة قد يتمكن من الحصول على أكثر مما تتيحة له موازين القوى فى ميدان المعركة المسلحة .

لهذا فإن ساحة المعركة التفاوضية مليئة بالخدع والكمائن ، وتشتمل على عمليات هجوم وأخرى للدفاع . وقد تشمل على الإستعانة بحلفاء داخليين أو خارجيين . لذا وجب الإنتباه إلى أى ظرف سياسى طارئ قد يغير الموازين فوق طاولة التفاوض ، أو تطور عسكرى قد يغير موازين القوى فوق ساحة القتال فتتأثر عملية التفاوض على الفور.( لاحظ مثلا عملية الهجوم الساحق على قاعدة شورآب الجوية فى هلمند أثناء إحتدام التفاوض فى الدوحة). فالطاولة والميدان مترابطان، يؤثر كل منهما على الآخر، وهما متحدان فى الغاية.

لهذا قد يتعجل أحد الأطراف المتفاوضة التوصل إلى إتفاق خشية من ظروف داخلية فى بلده قد تكون فى غير صالحه . وبالعكس قد يعمد طرف إلى المماطلة والتسويف ، إما طمعا فى تطورات قادمة قد تفيد موقفه التفاوضى أو تضر بموقف خصمه { مثلا يتعجل الأمريكى الوصول إلى إتفاق فى مباحثات الدوحة / أو حتى وقف مؤقت لإطلاق النار/ قبل فصل الربيع حيث يشن مجاهدو طالبان هجومهم السنوى ، الذى يتوقع أن يكون أعنف من كل ما سبقه ، بحيث تعتبر عملية شورآب الساحقة مجرد دفعة صغيرة تحت الحساب } . وقد يسعى أحد الأطراف إلى إرهاق أعصاب الخصم واستنزافه معنويا (بالحملات الدعائية العنيفة وذلك نقطة قوة لدى الأمريكيين وحلفائهم ). أو ترقباً لتصدع صفوف الطرف الآخر بالخلاف والشقاق أو بالوعد والوعيد ، أو بحرف التفاوض عن مساراته الأصلية صوب قضايا ومشاكل ثانوية ، بحيث يصبح جلاء المحتلين عن البلاد أحد الإهتمامات التى يسبقها الكثير من القضايا الثانوية).

– القادة البارعون فى التفاوض يكونون مُسْتَهدَفين مثلما يُستَهدَف قادة المعارك البارعين ، إما بالقتل أو بالإختطاف ،أو بث الفرقة فيما ينهم ، أو بإستمالة من يمكن إستمالته منهم بإغراءات المال والسلطة أو بمكاسب للحزب أو للمنطقة.

– كما أنه لا يوجد طرف يقاتل نيابة عن طرف آخر ، فإنه لا يجوز أن يتفاوض طرف لم يقاتل نيابة عن طرف آخر تحمل أهوال المعارك . فالتفاوض يتولاه أصحاب الحق الأصليين الذين خاضوا معارك السلاح على الأرض . وذلك معيار أساسى للتمييز بين “المجاهد” و “المرتزق” ، كما أنه فرق بين ” الحرب بالوكالة” وبين”الحرب بالأصالة”. فالمجاهد هو من يتولى عملية التفاوض وإقرار المصير السياسى لقضيته ولا يترك ذلك الحق لجهة ــ أو دولة أخرى ـ مهما كانت صديقة أو حليفة. فالتفاوض هو عملية “جَنْى ثمار الحرب” و”رسم صورة المستقبل” ، والمجاهد لا يترك تلك الميزات لأى طرف آخر.

الحق فوق السلام :

( فلا تَهِنوا وتدعوا إلى السَلْم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتِرَكم أعمالكم)ــ 135 سورة محمد ــ التفاوض لدى المجاهد صاحب الحق ، لايهدف أبدا إلى إقرار السلام كأولوية مطلقة ، بل يهدف أولا إلى إقرار الحقوق المشروعة وإزالة الإحتلال ، واستعادة الأرض المغتصبة ، والثروات المنهوبة ، وإقرار الشريعة الدينية ، وتأكيد الهوية الثقافية المعرضة للزوال أو الإستبدال . فالحرب هى نتيجة للظلم الواقع ، والسلام هو قرين لإحقاق الحق المنشود. فأى حديث عن السلام قبل إقرار الحق وإعادة الحقوق إلى أصحابها هو نفاق ودعوة إلى الإستسلام لخدمة المعتدين الظالمين . ولن يعيش ذلك السلام المخادع طويلا ، فهو موعد مؤجل لحرب قادمة لا محالة.

المهارة أهم من الإمكانات :

– يمكن للقائد العسكرى الماهر أن يحقق إنتصارات فى المعارك أكبر بكثير من الإمكانات المادية المتاحة بين يديه . يرجع ذلك إلى مهارته العسكرية ، وقوة معنوياته ، وإيمان جنوده وإستعدادهم للتضحية مع قناعتهم بجداره القائد .

يمكن أن يحدث شئ مشابه فى عملية التفاوض ، أى إحراز نتائج أفضل مما هو متاح من قوة على أرض المعركة ، وذلك عن طريق إقناع العدو بأن الموقف كله على وشك أن يتغير إلى غير مصلحته مالم يبادر إلى الموافقه على ما هو متاح له الآن . فيسرع إلى الموافقه على أقل مما يستحقة بحكم قوتة العسكرية على الأرض .

والعكس أيضا صحيح أى أن القائد السياسى المفاوض إذا كانت تنقصه الجدارة ، فيمكن أن يخسر فى معركة التفاوض الكثير من الحقوق التى كانت متاحة له بحكم قوته على أرض المعركة .

– القائد العسكرى الناجح يعمل على توفير شروط النجاح قبل الشروع بالقتال فى أى معركة. فإذا وجد أن الشروط غير متوفرة للنجاح فإنه لا يخوض المعركة ، ويعمل على التخلص منها إذا فرضت عليه. ولا يَقْبَل بخوض غمارها إلا فى الظروف القاهرة حين تكون المعركة حتمية لا محالة . وحتى عندئذ يظل القائد يتابع إمكانية الإنتصار من خلال أى جزئية مواتية تظهر له على غير إنتظار خلال القتال . فهناك دوما إمكانية للنصر فى ظل أى ظروف. هذه القاعدة يمكن تطبيقها على العمل السياسى التفاوضى . فلا نبدأ التفاوض إلا إذا توفرت شروط نجاحه أو كان النجاح هو الإحتمال الأرجح.

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

الخطأ غير مسموح فى التفاوض :

– خطأ واحد فى الحرب قد يغير مصير المعركة ، وفى التفاوض فإن خطأ واحد قد يطيح بنتائج الحرب كلها . لذا فإن عملية التفاوض أكثر حساسية وخطورة من أى معركة عسكرية ، وينبغى ألا يتصدى لها غير الأفزاز من المفاوضين ذوى الخلفية العسكرية المتينة. فالتفاوض معركة مهارة وبصيرة ومعنويات ، وقوة أعصاب ، وليست أبدا خفة يد أو براعة خطابية.

وكذلك إمكانية الخسارة تظل ماثله فوق الرؤوس مهما كانت الظروف مواتيه والعمل العسكرى ناجح . فنتيجة المعركة لا تظهر إلا مع النهاية الكاملة للقتال وإستسلام العدو أو فراره خارج ساحة المعارك.

 

ساحة التفاوض الملغومة :

– قد تصبح شروط ميدان المعركة مواتية لعملية التفاوض حيث الطرف الجهادى هو المنتصر أو صاحب الكفة العليا والمبادرة فى ميدان القتال . ولكن ظروف أجراء عملية التفاوض غير متوفرة بشكل مناسب للخروج بالنتائج الصحيحة . كأن يكون مكان التفاوض غير محايد ، وتحت سلطة حكومة معادية أو عميلة للعدو . أو يكون الوسطاء منحازون للعدو ويعملون لمصلحته سراً وجهراً ، ويعملون كقوة ضغط على المفاوض الجهادى كى يقبل بشروط عدوه ، ويتنازل عن حقوقه التى أتيح له الوصول إليها طبقا لنتائج ساحة القتال وموازين القوة فيها .

( يجب أن يتوازن تمثيل الطرفين فى جلسات التفاوض . قد يكون التمثيل على مستوى رؤساء الوفود أو وزراء الخارجية . ولكن فى مقابل رئيس المكتب السياسى لحركة طالبان / وهى درجة تعادل وزير خارجية/ أرسلت أمريكا السيد “زلماى” الذى هو مجرد “زَلَمَة” لشركة “يونيكال” النفطية الأمريكية ، وموظف درجة ثالثة ــ أو مجرد مستشار موسمى بالقطعة لدى وزارة الخارجية الأمريكية . وفى ذلك غطرسة مرفوضة. لهذا رفض السيد (الملا برادر) رئاسة الوفد المفاوض أثناء الجلسات ، واكتفى بالمتابعة عن كثب).

وهكذا قد يجد المفاوض الجهادى نفسه يخوض معركته التفاوضية فى مناخ غير صديق وفوق أرض ملغومة سياسيا . ولكن تظل إمكانية النجاح فى العملية التفاوضية قائمة ضمن خيارات منها :

1 ـ الإستفادة من أى ظروف مستجدة على ساحة الصراع العسكرى .

2 ـ إلغاء عملية التفاوض والعودة إلى ساحة المعركة إنتظارا لظروف تفاوضية أفضل والحصول على ساحة تفاوضية أكثر حيادا.

3 ـ مواصلة القتال حتى يصاب العدو باليأس فينسحب بلا تفاوض معلنا أنه قد إنتصر فى الحرب ، لذا فإنه (ينسحب بكرامة!!) كما فعل الأمريكيون لتغطية هزيمتهم المهينة فى فيتنام. وسمعنا مؤخرا عضوان فى مجلس الشيوخ الأمريكى (أو الكونجرس) يطالبان بوضع قانون ينص على أن بلادهم قد إنتصرت فى أفغانستان(!!) . وفى ذلك إشارة إيجابية جدا ، فهو دليل على إمكانية إنسحابهم بلا قيد أو شرط ، تحت غطاء الإنتصار طبقا لقانون صادر عن الكونجرس الأمريكى (!!) .

4 ـ الشرائط السياسية فى المنطقة المحيطة بأفغانستان بدأت تتحول لصالح الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . وسوف يؤدى ذلك إلى تحسين المناخ التفاوضى مستقبلا. كما ينعكس إيجابيا على ساحة المعركة ، خاصة فى مجال التسليح وتحديث التجهيزات القتالية للمجاهدين . إذن فالرهان على المستقبل القريب أفضل من المضى فى عملية تفاوض ملغومة . وعلى أى حال العدو سوف ينسحب حتما بإتفاق أو بدون إتفاق . وانسحابه بدون إتفاق خير من إلزام المجاهدين بشروط /تحت مسمى ضمانات/ تكبلهم مستقبلا وتضعهم تحت رحمة العدو سواء فى سياستهم الداخلية أو فى تحركهم الخارجى سياسيا واقتصاديا.

– الوقت يعمل لصالح المجاهدين على مستوى العمليات العسكرية وعلى مستوى العمل السياسى . ويعمل عكس مصالح العدو فى نواحى كثيرة حتى داخل صفوفه التى تتفسخ بإستمرار مع إنحدار معنويات قواته ، وتزايد التأييد الشعبى الإيجابى لمجاهدى طالبان . كما يعمل ضد مصالح العدو فى المستوى الإقليمى وعلى مستوى العالم . حيث الولايات المتحدة منشغلة بمحاربة العالم أجمع تجاريا وسياسيا تحت شعار نازى هو (أمريكا أولا)، الذى وسع قاعدة عداء الشعوب والحكومات لها . وهى مهددة بإنفجار إجتماعى داخلى سيأتى حتما فى وقت ما ، وكلما تأخر كان أشد دماراً . ورئيس الدولة الأمريكية وصفة أقرب مساعدوه بالجنون والعنصرية والكذب وارتكاب مخالفات جسيمة للقانون والدستور قبل وبعد توليه الرئاسة . كما أنه لا يحظى بإحترام أو ثقة أحد داخل أمريكا أو خارجها ، سوى العنصريين القتلة فى الداخل ، وإسرائيل فى الخارج وخلفها قطيع من سقط المتاع ، ومن كلاب الصيد وأبقار الحليب.

(وإن غدا لناظره قريب ) .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/02/2019

www.mafa.world

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض




الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (155) | جماد الأولي 1440 هـ / يناير2019 م.            

18/01/2019

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

– تتشابه الصورة فى العراق مع ما يسعى إليه المحتل فى أفغانستان .

– من القواعد العسكرية يتحرك المحتل لتقسيم البلد “المُضيف” والتآمر على جيرانه .

– الدستور الذى وضعه المحتل يمنع ظهور حكومة قوية ، ويُبْقى على الصراع الداخلى ،

ويضمن للإحتلال وجودا مريحا رخيص الثمن .

– الإتفاقية الأمنية مع المحتل تزوده بالغطاء القانونى لجميع تجاوزاته ، وتتحول (القاعدة العسكرية) إلى مندوب فوق العادة لدولة الإحتلال .

– يريد الإستعمار الأمريكى منع تحول أفغانستان إلى مركز جغرافى وإقتصادى يتواصل ثقافيا مع كل آسيا لصالح المسلمين ، وحصرها فى مفهوم (إسرائيل جديدة) فى وسط آسيا، وقاعدة للعدوان والتخريب ضد الجيران .

–  قاعدة بجرام الجوية ــ إمبراطورية الهيروين المسلحة نوويا ــ يسعى المحتل لجعلها العاصمة الفعلية لأفغانستان ، ليهدد منها المنطقة والعالم .

–  إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم ، شرط أساسى لنجاح المخطط الأمريكى الجديد.

– بينما المجاهدون يقاتلون ضد النظام الشيوعى، كان سياسيون حزبيون فى بيشاور يشترون بذلات من أوروبا، تمهيدا لمقاسمة السلطة مع النظام الحاكم !! .

– أساسيات خطة العدو التفاوضية :

1 ـ  وضع التواجد العسكرى الأمريكى خارج أى نقاش .

2 ـ حصر التفاوض فقط بين الطالبان وحكومة كابول ، مع وساطات من أصدقاء أمريكا .

3 ـ تقسيم حركة طالبان ـ إن أمكن ـ وإدخال أحد الأقسام فى حكومة كابول ومنحهم الجوائز وإعلان الأخرين (إرهابيين) مطلوبين دوليا .

– المخطط الأمريكى محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

ترامب الرئيس المضطرب ، هو أفضل ما فى حقيبة الأقلية الحاكمة فى الولايات المتحدة . واضعوا الأستراتيجات فى ذلك البلد يعملون بعقلانية مختلطة بقدر من المغامرة والتهور . وذلك يتماشى مع شخصية رئيس مخبول وتجعله تجسيدا مناسبا للجانب المجنون فى استراتيجية بلاده .

إستراتيجية “الرجل المجنون” إتبعها أكثر من رئيس أمريكى كان منهم جورج بوش الإبن الذى شن حربا صليبية بدأت بأفغانستان وإمتدت بعدها إلى العراق ، ثم عدد من بلاد العرب، فصنعت مأساة أحرقت عدة دول عربية بمساعدة من أمريكا وإسرائيل ومحور عربى موال لهما . فاحترقت ليبيا ثم سوريا ثم اليمن . وهنا يتضح الترابط الوثيق بين مصير أفغانستان ومصير العالم العربى ، رغم الإختلاف الكبير فى طبائع الشعوب وقوة الإسلام فى الأوساط الشعبية والإستعداد للتضحية والفداء ، عندما يكون المَستهدف هو الإسلام أو الوطن أوالقيم الإجتماعية الراسخة .

ــ وتتشابه الصورة السياسية للعراق(شبه المحتل) مع ما يسعى إليه الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان ، من عدة نواحى منها :

ــ تحويل الإحتلال إلى صورة مستترة ، بدلا من الإحتلال المباشر الذى يستفز الشعب ويدفعه نحو المقاومة المسلحة . فمن الأفضل للمحتل أن يكتفى بالقواعد العسكرية للسيطرة على أمور الدولة كلها ، فيحولها إلى دولة صورية تابعة له فى كل شئ ، ومنها يؤثر على القرار السياسى والأمني، وفى تسليح وتدريب الجيش ، وفى علاقات الدولة الخارجية، منتهكا سيادة الدولة فوق أراضيها نفسها . فمن القواعد العسكرية للمحتل يتحرك لتقسيم البلد “المضيف” والتآمر على جيرانه، وخلق بؤر توتر تتيح له تسويق أسلحته وجباية الإتاوات فى مقابل الحماية من أخطار هو صانعها.

ــ  فى مقدمة الأولويات الأمريكية تأتى مصالح إسرائيل وخدمة مشروعها للهيمنة على بلاد العرب ، خاصة المشرق العربى ، وجنوبا إلى اليمن وذلك، ضمن مشروع أكبر للهيمنة اليهودية على العالم العربى بمقدساته الإسلامية (والمسيحية أيضا) وإخضاع المنطقة بثرواتها وسكانها ودينها وثقافتها لإسرائيل كممثل للصهيونية الدولية والإمبريالية الغربية .

ــ  من القواعد الأمريكية فى العراق ، قصفت الطائرات الأمريكية الأراضى السورية فقتلت المئات من المدنيين، وعملت على إنشاء كيانات سياسية جديدة تقطع إتصال العراق مع جارتها سوريا ، فلا تنتقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله ومنظمات فلسطينية جهادية .

ــ الدستور الذى وضعه المحتل للعراق يمنع ظهور حكومة قوية ، ويبقى حالة الصراع والتمزق الداخلى، لتظل إرادة المحتل طليقة يقرر ويفعل ما يشاء.

ــ مؤخرا، ترامب وزوجته زارا سراً وبدون إخطار مسبق ـ قاعدة “عين الأسد” فى غرب محافظة الأنبار، وتقابل مع جنوده هناك لتهنئتهم بعيد الميلاد . فوقعت حكومة بغداد فى ورطة وتصنعت الغضب ونادى عديدون بإستعمال القوة لإخراج المحتل وطالبوا بإلغاء إتفاقية التعاون الإستراتيجى مع الولايات المتحدة . ولكن لم تجرؤ حكومة البلد المستقل على الإحتجاج رسميا على الإهانة.

ــ جاهد العراقيون يدا واحدة فى بداية الإحتلال الأمريكى . ولما نجح المحتل فى تحويلهم إلى القتال الطائفى ، فتت قواهم وحول نيرانهم إلى صدورهم . كثيرون رأوا فى الإحتلال صديقا وحليفا ضد الإخوة فى الدين والوطن ، فوضع المحتل دستورا ونظام حكم ضمن له تواجدا فى العراق، ممتدا ورخيص الثمن.

“الإحتلال بالقواعد العسكرية” هو الأفضل للمحتل إقتصاديا وسياسيا . وتكفى إتفاقية أمنية بينه وبين الحكومة الشكلية فى العاصمة حتى يتمتع بالتغطية القانونية لجميع تجاوزاته ومشاريعه الإجرامية. وتتحول قاعدتة العسكرية فى البلد المنكوب إلى “مندوب فوق العادة” يمثل المحتل ، ويمتلك القدرة العسكرية على فعل أى شئ تأمر به دولة الإحتلال .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أحزاب لدعم الإحتلال :

لا يمكن أن تتم مقاومة الإحتلال بينما الأحزاب مزقت الوحدة بين فئات الشعب على أسس طائفية وحزبية. وصارت الوطنية شعارا يستخدمه المستعمر وأتباعه لمعارضة الإسلام ومقاومته داخل المجتمع، إلا إذا كان إسلاماً “أمريكيا / إسرائيليا” يرى فى الإحتلال جزءاً من نسيج الوطن. وأن مصالح الطرفين مندمجة معا، فإذا زال الإحتلال ضاع الوطن . فإرادة الإحتلال هى إرادة الوطن . والوطنى عندهم هو من يدافع عن الإحتلال باليد واللسان كما يدافع عن وطنه . والإسلام عندما يتعارض مع الإحتلال فيجب تنحيته تحت شعارات ربما كان أشهرها”تجديد الخطاب الدينى”، وتعديل المناهج الدراسية ، وتأميم المعاهد الدينية وتخصيصها لتخريج (علماء جدد). وإنشاء أحزاب وجماعات إسلامية ، قانونية أو خارج القانون ، قِبْلَتَهم الكنيست وغايتهم البيت الأبيض، والفوز بكراسى الحكم أسمى أمانيهم .

وهكذا يصبح للمسلمين دين جديد “وطنى إحتلالى صهيونى” ، وإسلام جديد يضع الدين والوطن فى خدمة الإحتلال الصهيونى/الصليبى . فتنتهى مشكلة التعارض والتطاحن بين (الوطنى) و(الإسلامى). فإسرائيل تُقَسِّم الدول والشعوب ، ولكنها توَّحِد الأيدلوجيات فى إطار صهيونى يسع الجميع .

إنسحاب لإعادة توزيع القوات :

إعلان أمريكا سحب قواتها من سوريا(2200 جندى) هو أقرب إلى عملية أعادة الإنتشار وليس الإنسحاب الحقيقى . فتتراجع تلك القوات إلى الخلف داخل الأراضى العراقية لتشديد القبضة على العراق ، وتجزئة أراضيها وتكثيف تواجدها العسكرى فى شمال العراق لدعم نزعة الإنفصال الكردية هناك . وتشديد الضغط النفسى والسياسى على تركيا ، كل ذلك بدون التوقف عن محاولة تقسيم سوريا وتجزئتها . وإذا لم تصل إلى ذلك الهدف فعلى الأقل إبقاء سوريا ضعيفه مهلهلة ، لتبقى السيادة والأمن مزايا خاصة بإسرائيل فقط لا يشاركها أى شعب فى المنطقة من النيل إلى الفرات، وعلى الأصح ما بين المحيط إلى الخليج ، فيما كان يسمى قديما بالعالم العربى . وفى مستقبل لا يرونه بعيدا قد يسيطر اليهود على المساحة والسكان ما بين طنجه إلى جاكرتا ، فيما كان يسمى قديما بالعالم الإسلامى .

أفغانستان والعراق فى رؤية واحدة :

فى أفغانستان أيضا تتبع أمريكا خطة شبيهة بما يحدث فى العراق . بإعادة صياغة أسلوب الإحتلال وتجديد العناصر التى يستخدمها فى تحقيق أهدافه، بدون تغيير تلك الأهداف. الإحتلال باق والأهداف الكبرى باقية(رغم الزعم بسحب نصف القوات الأمريكية من أفغانستان  خلال عام 2019). ولكن مع إحداث تغييرات تناسب الخصوصية الأفغانية، مثل ضعف المحتل ويأسه ، وقوة بأس الحركة الجهادية ، وإلتفاف الشعب خلف حركة طالبان التى بدفاعها عن الإسلام حافظت على وحدة المسلمين ووحدة التراب الوطنى لأفغانستان.

فى جعبة الإحتلال هذه المرة :

ــ  أفكار جديدة لتجديد إس

تراتيجيته .

ــ أسلوب لتنفيذ الإستراتيجية الجديدة، مع بقاء الأهداف الثابتة للإحتلال منذ البداية .

فى الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

تغيير الطبيعة السياسية لإفغانستان ، المتولدة من وضعها الجغرافى الفريد ، ومنع تحول دورها (الجيوسياسى) فى المنطقة إلى وسيط جغرافى إقتصادى متواصل ثقافيا مع كل آسيا، لصالح المسلمين فى تلك المنطقة التى ستصبح فى غضون سنوات (ربما عقد واحد من الزمن) مركزا للعالم وقدراته الإقتصادية وقوته السياسية والعسكرية.

بديلا عن ذلك الإشراق الحضارى والإسلامى لإفغانستان ، يريد الأمريكان تحويلها إلى (إسرائيل جديدة فى وسط آسيا ) لتقوم بمعظم ما تقوم به إسرائيل من وظائف ، لتدمير جيرانها وتهديم للإسلام وتشتيت شمل المسلمين فى أفغانستان نفسها ثم ما جاورها .

أفغانستان فى إستراتيجية الإستعمار الجديد المقترح : تعادى جميع الجيران وتكون مركزا للتخريب الإرهابى، خاصة ضد أعمدة النظام الدولى القادم، الذى من المفترض أن أفغانستان مركزه الجغرافى ، وعاصمة طرقه اللوجستية ، ومنارة الهداية الإسلامية فيه. الدول المستهدفة فى الأساس هى الصين وروسيا وإيران ، وربما الهند أيضا فى حال إنحرف مسارها بعيدا عن الإرتباط الإستراتيجى بإسرائيل والولايات المتحدة .

كشف عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل غزو بلاده لأفغانستان أن النية تتجه لجعل أفغانستان “إسرائيل المنطقة”. وهذا يعنى ربط أفغانستان بمحور”إسرائيل/ أمريكا” فى العالم العربى، فتطبع العلاقات مع إسرائيل عسكريا وأمنيا وإقتصاديا، وتعترف بشرعية إحتلالها لفلسطين والمسجد الأقصى . وتستبدل الجهاد بالفتن الداخلية (عرقية ومذهبية) والحروب الإقليمية التى تحقق أطماع المحتل الأمريكى على حساب أفغانستان ودول الإقليم .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أدوات تنفيذ الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

أولا ــ قاعدة بجرام الجوية :

يريد الأمريكيون تحويلها إلى العاصمة الفعلية لأفغانستان(كما هى القواعد العسكرية فى العراق وأى دولة أخرى ) فتتمركز القوات والسيادة والقرار داخل أسوار القاعدة العسكرية الرئيسية. وتبقى العاصمة لشكليات السلطة وألاعيب السياسات الحزبية والفئوية فى أدنى حالاتها .

قاعدة بجرام تعززت قدرتها العسكرية بتزويدها بقاعدة سرية للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى ، تهدد عمالقة النظام الأسيوى القادم، وروسيا أولهم بالطبع، ويليها إيران ثم الصين .

قد يسحب ترامب قواته المنتشرة فى عدة مناطق من أفغانستان، ويركزها فى بجرام ، كما فعل فى العراق بسحب قواته من سوريا إلى قواعده فى العراق التى سينشئ فيها ثلاث قواعد جديدة على الأقل . سيحاول ترامب الحصول على أكثر من قاعدة جوية فى أفغانستان لدعم السيطرة الأمريكية على البلاد ودعم إمبراطورية الهيروين القائمة على أكتاف بجرام التى يقويها وجود أكثر من قاعدة جوية أخرى ، خاصة فى مناطق زراعة الأفيون أو بالقرب منها .

وفى ظل سياسته الإستعمارية الجديدة فإن نصف تلك القوات يكفى لإنجاح برنامجه فى أفغانستان، نظرا للمدد الذى توفره قوات المرتزقة الخارجيين والداخليين .

فى بجرام تركيزهائل للقوة تكفى للسيطرة على أفغانستان ، وتهديد الإقليم الأسيوى من حولها، بل والعالم أجمع ، فالقاعدة تحتوى على :

1 ـ قوة نيران ، من طيران حديث ومعدات وأسلحة نوعية أرضية وجوية .

2 ـ قوة صاروخية نووية وتقليدية .

3 ـ هيروين نقى ومتنوع الأصناف ، ويلبى إحتياجات السوق العالمى لمدة عام مع إحتياط إستراتيجى يستخدم عند الطوارئ السياسية أو الكوارث المناخية التى قد تؤثر على زراعة الخشخاش.

ثانيا : قوات المرتزقة :

المرتزقة يشكلون القوة الأساسية لحراسة مصالح أمريكا فى أفغانستان وتواجدهم فيها ربما كان هو الأكبر عالميا بعد اليمن . ويمارسون قمع الشعب بأقصى عنف ممكن ، لإخضاعة لشروط الإستعمار فى صورته الجديدة.

أهم أنواع المرتزقة هم الشركات الأمنية الخارجية (بلاك ووتر وأخواتها). وهؤلاء تكاليف إستئجاهم عالية جدا . ويقومون بمهام عسكرية مختلفة بداية من العمليات الأرضية ضد المدنيين والمنافسين والمقاومين . وصولا إلى إدارة برامج الطائرات بدون طيار . وأعمال التجسس بالأقمار الصناعية ، وإدارة وتدريب شبكات الجواسيس على الأرض .

ثالثا : إعادة صياغة إمبراطورية الهيروين :

حماية مزارع الأفيون ، وتجميع المحصول من المزارع والتجار المحليين، ونقله إلى قاعدة بجرام الجوية . تلك السلسلة تحتاج إلى تعديلات تناسب حقيقة إنسحاب القوات الأمريكية من مناطق الأرياف .

فلابد من الإعتماد بشكل أكبر على المتعاونين المحليين ، وهؤلاء يعتمدون على إمكاناتهم الذاتية لحماية أعمالهم. فلديهم قوة من الميليشيات ، وتاريخ من الثقة والتعاون المشترك مع الإحتلال. هؤلاء سيزدادون قوة ، ونسبة أرباحهم سترتفع ، وتسليحهم سيكون أكثر تطورا لتحقيق قدرة ذاتية على الردع . وسيكونون أشبه بجيوش محلية صغيرة ، تحمى مصالحها الكبيرة ومصالح أسيادهم القابعين خلف المتاريس فى بجرام.

رابعا : إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم :

ذلك هو الشرط الأساسى والأهم فى نجاح البرنامج الإستعمارى فى المرحلة القادمة ، وبدونه ينهار كل المخطط سابق الذكر. فلا إختطاف لأفغانستان من وسطها الأقليمى، ولا أمبراطورية هيروين تدار من بجرام ، ولا مرتزقة يفتكون بأفغانستان وشعبها ويفرضون عليها مصيراً مظلما .

أساسيات الخطة التفاوضية للعدو:

ــ إخراج التواجد الأمريكى من أى نقاش . بإعتباره حقيقة ثابتة وغير قابلة للتغيير ، بذريعة أنه ضرورى للإستقرار والأمن والتنمية والرخاء .. الخ

ــ حصر المشكلة فى مجرد التفاهم بين حكومة كابل وبين حركة طالبان ، للوصول إلى تفاهم وحل وسط لتقاسم للسلطة . وتُقْبَل وساطة أصدقاء أمريكا فى هذا الخصوص.

لتصبح طالبان أحد المكونات فى حكم مشترك بين الليبرليين والمسلمين..{ مثلما إقترح السوفييت والأمريكين على المجاهدين تكوين حكومة مشتركة فى كابول بعد إنسحاب الجيش الأحمر. لكن مجاهدى الجبهات رفضوا، وإستمروا فى القتال حتى سقط الحكم الشيوعى. بينما سياسيون حزبيون فى بيشاور وافقوا سراً، وتجهزوا للمشاركة فى السلطة مع الشيوعيين وبعضهم إشترى لنفسه بذلات إفرنجية من أوروبا إستعدادا لممارسة السلطة السياسية!! } .

–  إن لم يكن ممكنا أن تدخل حركة طالبان كلها فى مخطط الإستيعاب بالمشاركة فى حكومة (ليبرلية / إسلامية )، فبمساعدة من دول صديقة للمحتل ، يجرى العمل على تقسيمها إلى أفرع مختلفة تتصارع . وينضم أحد أجنحتها إلى الحكم المشترك ويصبح الجناح الآخر(مارقا) تتجمع ضده الكثير من القوى المحلية والإستعمارية. وبالطبع سوف يصنف إرهابيا ، خصوصا من الحكومة المشتركة فى كابل ، وسوف يتلقى سيلا من الفتاوى الحارقة من علماء البنتاجون وعبيد الدولار.

بينما الجناح (المعتدل)(الواقعى)ــ إن وجِدْ ــ فسوف يحظى بنصيب من المال والسلطة السياسية والقبول الدولى ، والتجوال حول العالم فى مؤتمرات كبرى ، وجوائز عالمية قد يكون منها “نوبل للسلام” أو حتى “الأوسكار”. فالحركة الجهادية مطلوب منها أن تتحول إلى حزب سياسى ، وتنافس الآخرين على مقاعد البرلمان ومناصب الحكومة ، فى سباق ديموقراطى مع شخصيات ملوثة عملت مع المستعمر، وأهلكت الحرث والنسل ، وإرتكبت شتى الموبقات .

هذا ما يريده المستعمر الأمريكى ، ويزيّنه جنود الشيطان . ولكنه مخطط محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

18/01/2018

www.mafa.world

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




رسالة من الإمارة الإسلامية إلى الشعب الأمريكي!

رسالة من الإمارة الإسلامية إلى الشعب الأمريكي!

إلى الشعب الأمريكي، ومسئولي المنظمات الشعبية الحرة غير الحكومية وإلى أعضاء الكونجرس الراغبين في السلام!

نأمل أن تقرؤوا هذه الرسالة بتأنٍّ وأن تبحثوا في ضوء الحقائق المذكورة فيها مستقبل القوات الأمريكية ومصالحَكم وخسائرَكم!

أيها الشعب الأمريكي! تعرفون بأن قادتكم السياسيين غزوا بلادنا عسكريا قبل ۱۷ سنة، ولِتَبريرِ هذا الاحتلال الغاشم المخالف لجميع القوانين الشرعية والوطنية لبلدنا المستقل، والمخالف أيضا لجميع المقررات الدولية، قام مسئولوكم بإظهار هذه النقاط الثلاث بشكل بارز كمبررات قانونية:

۱- إرساء الأمن في أفغانستان ودحر ما يسمى بالإرهابيين.

۲- إنفاذ القانون بإيجاد حكومة وطنية.

۳- مكافحة المخدرات.

لكن تعالوا لننظر إلى أي مدى تمكن قادتُكم الراغبون في الحرب من تنفيذ هذه الشعارات الثلاث في حربهم غير الشرعية هذه.

تدهور الوضع الأمني وزيادة الحروب:

حينما أعطى رئيسكم السابق جورج بوش الابن أوامره بغزو أفغانستان في عام ۲۰۰۱ م، كان يبرر لاحتلال أفغانستان بوجود طالبان (الإمارة الإسلامية) والقاعدة هناك وأنه يجب تدميرهما.

لكن بعد استمرار الحرب الضارية لما يزيد على ۱۷ سنة، وبعد تكبد أمريكا خسائر مادية وبشرية قاصمة للظهر فيها، ومن أجل إدامة هذه الحرب الطويلة غير المشروعة اعترف رئيسكم الحالي دونالد ترامب بتدهور الوضع الأمني في أفغانستان أكثر وأكثر، وبأنه تم تأسيس جماعات أخرى مع الإمارة الإسلامية (طالبان).

ادعاء ترامب واعترافه هذا جاء خلال إعلان إستراتيجيته الحربية حول أفغانستان وجنوب آسيا في الـ 23 من شهر أغسطس الماضي، وبعد مرور ۱۷ سنة أمر مجددا بإدامة الاحتلال والحرب غير المشروعة ضد الشعب الأفغاني،وبما أن مسئوليكم يعترفون بوجود عدة منظمات عسكرية في أفغانستان، فهذا إثبات لتصريحنا بأن الأمريكيين من خلال احتلالهم الغاشم وتدمير حكومة طالبان القوية والموحدة يريدون فقط تهيئة الأجواء للفوضى العارمة في المنطقة.

مهما حاول مسئولوكم -غيرُ المعنيين بمصالحكم- تبريرَ حرب أفغانستان وتسميتها بمختلف الأسماء، فإن الحقيقة الثابتةَ هي أن جيشَكم قتل عشرات الآلاف من الأفغان العزل من بينهم النساء والأطفال، وأصابوا مئات الآلاف بجروح، وزجوا بآلاف الشباب في غوانتنامو وباغرام وباقي السجون العلنية والسرية حيث يرتكبون في حقهم فظائعَ تخجل منها البشرية، ولا تتَّسِقُ بأي شكل من الأشكال مع مزاعم الرُّقي والتمدن الأمريكي.

في هذه الحرب غير المتساوية وباعتراف رسمي لمسئوليكُم العسكريين قُتل ۳۵۴۶ جنديا أمريكيا وأجنبيا، وجرح أكثر من ۲۰۰۰۰ جندي أمريكي، وأصيب عشرات الآلاف الآخرين باضطرابات نفسية ومشكلات عصبية، وفي الحقيقة فإن خسائركم أضعافُ ما تم الإعلانُ عنه، لكن يتم التعميةُ عليها وإخفاؤها عنكم من قبل مسئوليكم، كما تم إهدار تريليونات الدولارات لبلادكم في هذه الحرب وبذلك اعتبرت هذه الحرب الأطولَ والأكثرَ دمويةً والقاصمة للظهر اقتصاديا بالنسبة لبلادكم.

 

انعدام القانون، والنظامُ الأكثر فسادا على مستوى العالم:

مع أن مسألة القوانين في الدول الأخرى وإقامة الأنظمة لهم ليست من وظيفة أمريكا، إلا أن الذريعة الثانية بالنسبة لجورج بوش الابن لاحتلال أفغانستان آنذاك كانت إيجاد حكومة ما تكون قانونية في ظاهر أمرها، وفي هذا الجانب بعد 16 سنة من الحرب الأمريكية التي قتل وجرح فيها عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين وبعد إهدار مليارات الدولارات؛ تم إقامة نظام في أفغانستان تفوق في المجالات الإدارية والقانونية والعسكرية والسياسية على النحو التالي:

– حصل على المقام الأول في الفساد الإداري والمالي على مستوى العالم.

– حصل على المقام الأول على مستوى العالم في انتهاك حقوق الإنسان.

– تصدر قائمة الأنظمةالغاشمةِ في غصب الأراضي ونهب وسلب المساعدات الدولية.

– حصل على المقام الأول من بين الأنظمة الأكثر عنفا مع المرأة.. الخ.

وآخر ما يتميز به نظام الفساد القائم نتيجة الاحتلال الأمريكي هو أنه النظام ذو الرأسين الذي لا مثيل له في العالم وفق القوانين المعلنة لتشكيل الحكومة.

 

ازدهار زراعة وإنتاج المخدرات:

كانت الذريعة الثالثة لجورج بوش الابن لاحتلال أفغانستان هي مكافحة زراعة وإنتاج المواد المخدرة، تعالوا لنلقي نظرة على حجم إنتاج المواد المخدرة في أفغانستان بعد ۱۷ سنة من الحرب.

وفق معلومات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة(UNODC)  كانت زراعة الخشخاش قبل الاحتلال الأمريكي على أفغانستان ۱۸۵ هكتارا فقط، وذلك أيضا في المناطق التي كانت تحت سيطرة المخالفين لطالبان، كما كان معدل الأفراد الأفغان المدمنين على تعاطي الهيروين يساوي الصفر، لكن بعد الاحتلال الأمريكي على أفغانستان ازدادت زراعة الخشخاش من ۱۸۵ هكتار لتبلغ إلى ۳۲۸ ألف هكتار، كما بلغ عدد المدمنين في أفغانستان على المخدرات خلال ۱۷ سنة من الاحتلال إلى ۳ملايين شخص.

كما نشرت منظمة مكافحة المخدرات للأمم المتحدة تقريرا في ۲۱ من شهر ديسمبر لعام ۲۰۱۷م أعلنت فيها زيادة ۸۷ % في إنتاج المخدرات و ۶۳ % في زراعة الخشخاش عام ۲۰۱۷ م، حيث بذلك بلغ إجمالي إنتاج المواد المخدرة لـ ۹۰۰۰ طن.

أيها الشعب الأمريكي! يا من تدعون التمدن والحضارة، بما أن الحكومة الحالية التي هاجمت الأفغان هي من صنعكم فإننا نترك لكم الحكم عليها أيضا، هل ضمائركم تعتبر وجود مثل هذا النظام الفاسد والتغييرات المرتبطة به كانعدام الأمن، ونسف القوانين، وزيادة ۸۷% في إنتاج المخدرات وغيرها من الجرائم والانتهاكات، هل تعتبرونها إصلاحات أم جرائم ضد البشرية؟

مسؤولوا حكومتكم يدعون صرف عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع إعادة إعمار أفغانستان، طبعا هذه المبالغ الطائلة هي من أموال الضرائب التي تؤخذ منكم وتنتهي هنا في جيوب اللصوص والقتلة المفسدين.

هل أنتم راضون عن صرف أموالكم التي كسبتموها بجهد ومشقة على نظام فاسد يقوم فيه المفسدون الحكوميون بنهب وسرقة ۹۰۰ مليون دولار من بنك كابل في جريمة واحدة ؟

هل تنفيذ القانون في ثقافتكم الأمريكية وقاموسكم هو أن يكون المساعد الأول لرأس النظام شخص يقوم-بعد تورطه في مئات الجرائم- بالاعتداء الجنسي على شيخ مسن يبلغ من العمر ۷۰ سنة؟

هل هذا هو التمدن والحضارة والقانون الذي تدعون قيادتَه في العالم؟

هل قتل ۳۵۴۶ من جنودكم في أفغانستان لأجل تحكيم مثل هذا النظام؟

هل لدى أهل الخبرة والعلم والمحللين المنصفين من شعبكم إمكانية الإجابة لأسئلتنا هذه؟

يجب أن تعرفوا بأن شعبنا يرى بأم أعينه جميع هذه المصائب والآفات ويراقبها عن كثب، لذلك لا ينظر إلى النظام القائم في ظل مساندتكم العسكرية وإلى اللصوص المفسدين المجتمعين فيه على أنهم حكومة شرعية، بل يعتبر الشعب هذه الحكومة عصابة مكونة من غاصبين ولصوص، وعناصر مافيا وتجار مخدرات ويعتبر المواجهة مع هذه العصابة ومقاومتها فريضة شرعية، وأخلاقية، ووطنية.

العناصر الواقفون معكم في تثبيت هذا النظام هم بنظر الأفغان خونة لشعبهم ومصالحهم الوطنية، وفي المقابل من يقومون بالمقاومة المسلحة ضد نظامكم الفاسد هذا هم المدافعين عن بلادهم، وعن مصالحهم الوطنية وهم الأبطال في سبيل استقلال أرضهم واستعادة الحرية والاستقلال، ولهم مكانة عظيمة في قلوب عامة الشعب الأفغاني، وما ينشره الإعلام الأمريكي من إشاعات حول المقاومة الأفغانية بأن المقاتلين فيها ليسوا أفغانا بل إرهابيين أتوا من الخارج هي إشاعات جوفاء عارية الصحة وغير منطقية، ينشرونها من أجل التستر عن هزيمتهم، ولتكذيب هذه الإشاعات نذكر هنا أنه إن كان لدى القوات الأجنبية فرصة للنجاح في أفغانستان لكان النصر حتما حليف الغزاة الأمريكيين وحلفائهم كونَهم يملكون دعما سياسيا واقتصاديامن قوة عظيمة كالولايات المتحدة الأمريكية ودعم عسكري قويا من منظمة كحلف الشمال الأطلسي (الناتو).

 

أيها الشعب الأمريكي! نريد أن نختصر رسالتنا لكم في هذا الجزء كالآتي:

الأفغان الذين يقاتلون اليوم ضد جنودكم وضد أي محتل آخر يقاتلون لأنهم مكلفون بذلك شرعا وأخلاقا،وعليهم مسؤولية وطنية للحفاظ على بلادهم، ومهما كانت قواتكم مجهزة وقوية، وحتى إن ساندتها جميع قوى الشر والاحتلال سيستمر الأفغان في المقاومة وأداء واجباتهم الشرعية والوطنية، لأن الشعب الأفغاني يعتبر هذه المقاومة تكليفا مقدسا للدفاع عن دينهم وبلادهم، ويعتبرون التنازل عن ذلك بمثابة ترك إسلامهم وجميع قيمهم الإنسانية، ولن يقبل أي مسلم غيور أفغاني هذا الذل والعار.

الأفغان يحترقون منذ ۴ عقود في حروب فُرضَت عليهم، وهم متعطشون للسلام ولنظام عادل، لكنهم لن يمَلوا أبدا من المقاومة الشرعية والدينية والدفاعية والوطنية ضد قوات بلادكم المحتلةالراغبة بالحرب، لأن الشعب الأفغاني قدم كل التضحيات بالأمس واليوم من أجل الحفاظ على قيمه الدينية وعلى الاستقلال، ولو باع اليوم استقلاله فذلك سيكون غدرا كبيرا وجفاء مع تاريخه المشرف وخيانةًلأسلافه الأبطال.

أفغانستان هي الدولة التي عاشت دائما حرة مستقلة على مر تاريخها الذي يمتد لآلاف السنين، وحتى في القرنين الـ ۱۹م والـ ۲۰م حيث احتل فيها المحتلون الأوروبيون معظم بلاد العالم الإسلامي؛ بقيت أفغانستان الدولة الوحيدة ضمن جيرانها التي تمكنت من الحفاظ على استقلالها، وفشل الاستعمار البريطاني حتى بعد ۸۰ سنة من الجهود الاستعمارية من احتلال هذا البلد، هذه الجذبة الفطرية للحرية في قلوب وعقول الأفغان وهذه الروح والتسلسل التاريخي هو الذي يدفع اليوم هذا الشعب الأبي للمقاومة المستمرة ضد قواتكم الاحتلالية بصدور عارية، وليست من المبالغة بل هي حقيقة معلومة بأن الاستشهاديين الأفغان الغيورين يتسابقون فيما بينهم لتنفيذ الهجمات الفدائية على جنود قواتكم في الوقت الحالي.

المقاومة الدينية والوطنية للأفغان هذه ليست معركة بلا مكاسب بل يتم التقدم يوميا ويحرر فيها الأفغان مناطق من بلادهم،وحاليا يعترف رئيس الإدارة الأمريكية الخاصة للتفتيش في قسم المساعدات المقدمة لأفغانستان (SIGAR) بأن ۶۰ % من أراضي أفغانستان خاضعة لسيطرة طالبان (الإمارة الإسلامية).

لقد أثرت على بعض دول العالم إشاعاتمسئوليكم العسكريين إبان الغزو الأمريكي على أفغانستان عام ۲۰۰۱ م وكانوا متحالفين مع إستراتيجية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن آنذاك، لكن الوضع مختلف الآن ونرى فعليا خسارة حكومتكم لذلك التضامن الدولي، بل وحتى دول كثيرة داخل تحالفكم العسكري سحبوا جنودهم من أفغانستان بعد إدراكهم الحقائق ويبحثون عن تفاهم وتسوية سياسية، المجتمع الدولي يساند حاليا دعاية ومطالب شعبنا ضد الاحتلال الأمريكي الغاشم، وإذا أصرت حكومتكم على إدامة الحرب في أفغانستان بإيجاد ذرائع واهية لا أساس لها لذلك، ستوجه ضربة كبيرة لمكانة ووجاهة أمريكا على المستوى الدولي.

أيها الشعب الأمريكي! بما أنه في مجتمعكم الأمريكي يكون اختيار الحاكم والحكومة في أيدي الشعب، وينتخب الحكام المسئولين بأصوات المواطنين، فإن إمارة أفغانستان الإسلامية بمثابة الممثل لإرادة الشعب الأفغاني تطلب منكم أيها الشعب الأمريكي ومن أعضاء الكونغرس الراغبين للسلام أن تطلبوا من قيادتكم وضع نقطة النهاية لحرب أفغانستان عبر الضغط المباشر عليها، لأن الإصرار على إدامة الحرب في أفغانستان وبقاء حكومة بلا إرادة كنظام كابل الفاسد سيكون له عواقب وخيمة لاستقرار المنطقة بأسرها ولأمريكا أيضا.

إن الأفغان يأسفون لكون الشعب الأمريكي بأكمله ضحيةَ سياسةٍ حربية لعدد محدود من الحكام المتغطرسين، وتزداد الكراهية تجاههم كل يوم على مستوى العالم!

عليكم أيها الخبراء المدنيون، وأعضاء الكونغرس الراغبين بالسلام، ومدراء ومسئولي المنظمات المدنية الحرة أن تسألوا مسئولي حكومتكم عن سبب انعدام الأمن للشعب الأمريكي وسبب الكراهية الزائدة تجاهه في الداخل والخارج مع كل وجاهته العالمية؟

إلى متى ستكون بلادكم المتقدمة وأولادكم ضحية السياسات الحربية لمسئوليكم الراغبين في الحرب؟

أخيرا.. ما فائدة السياسة الساعية للحرب بالنسبة لبلادكم؟!

أيها الشعب الأمريكي! رئيسكم وجميع المسئولين العسكريين والسياسيين السائرين على خطه الحربي لا زالوا يتكلمون بفوهات الأسلحة، بلوينشرون أرقاما مزيفة لصالحهم حول الحرب الدائرة ويذرون الرماد في أعينكم وأعين العالم بأسره، في الوقت الحالي الذي أخذ التفاهم السلمي في السياسة المعاصرة مكان القوة والسلاح، ولا يتم كسب المعركة بالأكاذيب.

حسب اعتراف القوات الأمريكية فإنها شنت ۷۵۱ غارة جوية في شهر سبتمبر الماضي وفق إستراتيجية ترامب الجديدة، إلى جانب استخدام كافة قوتها الأخرى في أفغانستان، اسألوا جنرالاتكم إن كانوا قد تمكنوا من استعادة شبر واحد من طالبان مع استخدام كل هذه القوة المفرطة، أم أن طالبان ازدادت قوة وثباتا؟!

إن لم تظهر لكم بعد أيها الشعب الأمريكي السياسة الفاشلة لرئيسكم ترامب ومستشاريه الحربيين عديميالتجربة؛ فانظروا إلى قرارهم غير المعقول لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الذي جعل أمريكا تقف ضد أكثر من۱۲۸ دولة بالعالم، وضد جميع الشعوب العربية والإسلامية والحرة.

إنه من العار يقينا أن يواجه شعب متقدم كالشعب الأمريكي مثلَ هذه المقاطعة الدولية، حيث أنه نتيجة سياسته الحربية أوقع نفسه في صدام واضح مع أغلب دول العالم، ولا زالت أمريكا تصر على هذه السياسة الجنونية.

لقد طالبت الإمارة الإسلامية أمريكا من البداية بأن تحل مشاكلها مع الإمارة الإسلامية عن طريق المفاوضات، استخدام القوة له عواقب وخيمة، وربما أدركتم الآن العواقب السيئة للاحتلال الأمريكي لأفغانستان، ولو جربتم القوة مائة سنة أخرى وجربتم مئات الاستراتيجيات الجديدة الأخرى فنتيجتها ستكون كإستراتيجية ترامب الجديدة التي شاهدتموها في الأشهر الست الماضية.

بنظرنا لا زال هناك وقت ليدرك الشعب الأمريكي بأن الإمارة الإسلامية بتمثيل شعبها تستطيع حل المشكلة مع أي جهة أخرى عن طريق السياسة السليمة والمحادثات، استخدام القوة بلا هوادة يعقد المسألة أكثر، وتبعد حلها وتخرجها عن نطاق التحكم بمآلاتها،الإمارة الإسلامية هي تلك القوة التي لا يمكن التخلص منها بالقوة، جذورها متينة وراسخة في أفغانستان، ومع ذلك فلا تزال هناك فرص للمحادثات، وعلى الشعب الأمريكي أن يدرك هذه النقطة: وهي أن الإمارة الإسلامية في سبيل الحل السليم للمسائل ما لها وما عليها وتتحمل المسئوليات المَنوطة بها، لكن ذلك لا يعني أبدا أننا تعبنا أو ضعفت إرادتنا، إنما هو موقفنا الثابت في استخدام المنطق قبل السلاح، وما يتم الحصول عليه عن طريق المنطق يجب أن لا يُخسر باستخدام القوة، واعتبرت الإمارة الإسلامية أن من واجبها أن تخبركم وتفهمكم أيها الشعب الأمريكي هذه الحقائق.

يجب أن نقول بأن إمارة أفغانستان الإسلامية تبذل جهودا مشروعة من أجل تحرير بلادها، من حقنا الطبيعي والإنساني أن يكون بلدنا مستقلا من غير احتلال، طلب تحرير بلدنا وإقامة نظام إسلامي فيه وفق عقيدة شعبنا لا يمكن اعتباره إرهابا في أي قانون،جدير بالذكر أنه ليست لدينا أجنداتلأعمال تخريبية في الدول الأخرى، وقد أثبتنا ذلك عمليا خلال السنوات الـ ۱۶ الماضية، كما لا نأذن للآخرين من استخدام أراضي أفغانستان ضد باقي الدول، الحرب فُرضت علينا ولم تكن خيارَنا، نفضل حل مسألة أفغانستان سلميا، على أمريكا أن تنهي احتلالها وأنت تعترف بحقوق شعب أفغانستان المشروعة ومنها إقامة نظام موافق لعقيدته، بعد الاستقلال نريد أن نبني علاقات جيدة وبناءة مع دول العالم والجوار، ونرحب بمساعداتهم في مجالات إعادة الإعمار وإنعاش البلاد، ونريد أن نلعب دورا بارزا في ثبات وسلام المنطقة والعالم.

وأن نوفر البيئة المناسبة للتعليم المعياري الراقي، وأن نوفر فرصَ العمل لأبناء شعبنا، وأن يتمتع النساء والرجال والأطفال والشيوخ بجميع حقوقهم الإنسانية والشرعية.

وأن ينجو شبابُنا من المخدرات والفساد الأخلاقي، وأن توفَّر فرصُالعمل لكل شخص حتى لا يُجبر مواطنونا على ترك وطنهم والفرار لدول أخرى.

باختصار، الإصرار على إدامة الحرب في أفغانستان وإبقاء القوات الأمريكية هنا ليست من مصلحة أحد وأولهم أمريكا، بل يعرّضُ ذلك استقرارَ العالم بأسره للخطر، وهذه حقيقة واضحة لا ينكرها سوى مسئولوكم المغرورون.

إن كنتم من الساعين للتفاهم السلمي مع الأفغان ومع العالم فعليكم أن تُفهموا رئيسَكم ومسئولي الكونغرس والبنتاجون الحربيين هذا الأمر، وأن تجبروهم على اختيار سياسة المنطق السلمي السليم حيال أفغانستان!.

هذه أفضل خطوة بالنسبة لكم وللأفغان وللعالم بأسره، وما علينا إلا البلاغ..

إمارة أفغانستان الإسلامية

۲۸/۵/۱۴۳۹هـ ق

۲۵/۱۱/۱۳۹۶هـ ش ــ 2018/2/14م




جهاد شعب أفغانستان ، معركة حقيقية لتحرير فلسطين

جهاد شعب أفغانستان ، معركة حقيقية لتحرير فلسطين

 بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية السنة الثانية عشر – العدد 142 | ربيع الثاني  1439 هـ / يناير 2018 م

 

جهاد شعب أفغانستان

معركة حقيقية لتحرير فلسطين

 

تحميل مجلة الصمود عدد 142 : اضغط هنا

 

ــ صمود الأفغان عرقل مشروع الشرق الأوسط الكبير . وأمريكا تتلظى فوق الحديد الأفغانى المشتعل ، وهذا سر إستعجالها المفرط فى دفع المشروع الإسرائيلى قدما ، بما سيؤدى إلى سقوطه وإنهياره .

ــ قاعدة باجرام الجوية شمال كابل ، أكبر مصانع الهيرويين فى العالم وأكثرها تحصينا. ومزودة بنظام مضاد للصواريخ ، مع 18 طائرة F-16 للدفاع عانها .               

ــ تحصين القواعد الجوية الأمريكية يتناسب مع أهمية دورها فى تصنيع ونقل الهيرويين ، وليس لأغراض عسكرية .

ــ أمريكا أكبر قلاع الظلم الإجتماعى فى العالم ، والمسلمون والعرب وشعوب العالم فى أنتظار إنتصار الأفغان عليهم ، حتى تمتلئ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن ملأها الأمريكيون واليهود ظلما وجورا .

 

 

منذ أكثر من 16 عاما وشعب أفغانستان يقف فى الصف الأول المقاتل لأجل فلسطين . متصديا للولايات المتحدة التى تمثل القوة الأساسية والأعظم فى العدوان على ذلك البلد المسلم، فمن أمريكا يستمد يهود إسرائيل جميع إحتياجاتهم اللازمة لدوام إحتلالهم لفلسطين والعدوان على ما جاورها من بلاد العرب ـ فالسلاح الأمريكى هو السلاح الأساسى فى يد اليهود المحتلين ، وبه يكونون الأقوى عسكريا من جميع جيوش العرب . والأموال الأمريكية التى تصب بإستمرار فى الخزينة الإسرائيلية هى أساس قوتهم المالية . والدعم السياسى الأمريكى هو الذى يبقى إسرائيل محصنة ضد أى قانون دولى . وفى النهاية فإن النفوذ اليهودى فى الولايات المتحدة هو العنصر الأساسى الموجه لسياسات ذلك البلد فى الداخل والخارج ، بما يجعلها وإسرائيل كيانا واحدا ، فنادرا ما تظهر الإختلافات الكبيرة بينهما .

 لذلك فإن جهاد شعب أفغانستان ضد الإحتلال الأمريكى هو جهاد ضد المكون الرئيسى للقوة الإسرائيلية. وفى نفس الوقت فإن الوجود الإسرئيلى فى أفغانستان إلى جانب الوجود الأمريكى ومن داخله هو أمر مؤكد ، وفى كافة المجالات العسكرية والسياسية والإقتصادية . لذا فإن أى إنجاز للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان فإنه يحسب تلقائيا كإنجاز إسرائيلى . والعكس صحيح فإن كل إنتصار للمجاهدين وكل ضربة يوجهونها للإحتلال الأمريكى فإنها تصل إلى القلب اليهودى قبل أن تصل إلى الأمريكى. ولا شك أن إسرائيل تطمع فى تحويل أفغانستان إلى إسرائيل ثانية فى وسط آسيا ، كما صرح بذلك أحد نواب الكونجرس الأمريكى قبل العدوان على أفغانستان . ولولا خشية الحكومة العميلة فى كابل من شعبها ومجاهديه لأعترفت مذ لحظتها الأولى بإسرائيل وطبعت العلاقات معها . وهذا شأن العديد من الحكومات “الإسلامية” التى تنتظر اللحظة المواتية كى تظهر فى العلن ما تفعله سرا من تطبيع للعلاقات مع إسرائيل .

والسبب الذى منع أمريكا من الإنسحاب من أفغانستان حتى الآن / رغم قناعتها التامة بإستحالة إخضاع الأفغان / هو أن مشروع (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير) ، لم يتم إنجازه بشكل كامل حتىى الآن نتيجة لبعض النكسات التى منى بها . كما أن عدم إخضاع أفغانستان للإحتلال الأمريكى وبالتالى إخضاعها لبرنامج”تهويد” ، كان ضمن عوامل عرقلت مشروع الشرق الأوسط الجديد الذى هو عبارة عن إمبراطورية إسرائيلية تمتد فوق بلاد العرب التى من المفترض أن يتحول أكثرها وفق ذلك المشروع إلى مجرد “مستعمرات” إسرائيلية. ومعلوم أنه من الخطر على سلامة المشروع أن تظهر إلى العلن حقيقة الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان ، فذلك سوف يشجع العرب على مزيد من المقاومة لمشروع التمدد اليهودى فوق خريطة بلادهم. إن أمريكا تقف عارية القدمين فوق الحديد الملتهب فى أفغانستان، فى إنتظار إنجاز المشروع اليهودى فى بلاد العرب . وهذا من أسباب الإستعجال المفرط فى خطوات تنفيذ المشروع ( ومنها خطوة الإعتراف الأمريكى بالقدس كعاصمة لإسرائيل). ذلك التعجل سوف يؤدى إلى سقوط المشروع الذى لم تنضج شروط نجاحة بعد . فإلى أى مدى تستطيع أمريكا الصمود فى أفغانستان قبل أن يتفسخ بنيانها داخل أمريكا نفسها ؟؟ ، أو أن يتمكن العرب والمسلمون من تهيئة قوة مقاومة كافية لإحباط المشروع اليهودى الكبير؟؟.

إلى جانب المقاومة الداخلية فى بلاد العرب ، فإن المقاومة الأفغانية هى متسبب أساسى فى عرقلة مشروع تهويد المنطقة العربية وابتلاع إسرائيل لها. لقد أبقت الولايات المتحدة نفسها رهينة فى أفغانستان حتى يتم تنفيذ المشروع اليهودى فى بلاد العرب. وقد تسقط أمريكا وتنفذ قدرتها على مداومة إحتلال أفغانستان ولا يتم مشروع الشرق الأوسط الجديد .

تحميل مجلة الصمود عدد 142 : اضغط هنا

حملة صليبة واحدة ضد الأفغان والعرب معا :     

الحملة العظمى التى أعلنها جورج بوش الإبن على أفغانستان ، من داخل كتدرائية فى واشنطن ، واصفا إياها بالحملة الصليبية ، كان توصيفا حقيقيا ودقيقا للجوهر العقائدى للحملة. فتلك الحملة كانت دينية وشاملة . بدأت من أفغانستان لإعتبارات دينية وإقتصادية واستراتيجية ، ثم إنساحت صوب العالم العربى ، بدءاً بالعراق حتى وصلت إلى ليبيا واليمن بعد أن أحترقت العراق ثم سوريا .

كل ذلك كان خدمة لإسرائيل ، وتمهيدا لهيمنتها المطلقة على كل تلك المناطق ، وإعدادها للقدس لتكون عاصمة لإمبراطوريتها التى لن تقف عند بلاد العرب ، بل يتكلم اليهود عن حدود الصين كأحد حواف إمبراطوريتهم القادمة .

وإسرئيل ـ لو وصلت إلى ذلك المدى من التوسع كطليعة للإستعمار الغربى كله ـ الأمريكى منه والأوروبى ممثلا فى حلف الناتو ـ لن تكون جارا طيبا للصين أو روسيا أو إيران . حيث يعمل داعمى إسرائيل لحصارالصين بحريا ، وحرمانها من إستخدام المحيطات والبحار فى حاله الحرب ، أو للتضييق على تحركاتها التجارية العملاقة عند توتر العلاقات أو نشوب حرب تجارية . لهذا لجأت الصين إلى التركيز على أحياء (طريق الحرير)، وهو شبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية تربط الصين بأجزاء شاسعة من آسيا وأوروبا .

ومن الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية على العراق وسوريا هو منع طريق الحرير من المرور فى تلك المناطق وصولا إلى تركيا أو البحر الأبيض المتوسط ، أى فرض نوع من الحصار البرى على الصين ، والذى سوف يطال إيران وروسيا أيضا . وهذا أحد دوافع الصراع المرير متعدد الأطراف فى تلك المنطقة العربية الحساسة . والعرب أكبر ضحايا ذلك الصراع ويدفعون تكاليفه من الأرواح والممتلكات ومستقبل الأجيال .

وهذا ما يحدث فى أفغانستان منذ الغزو الأمريكى عام 2001 . حرب صليبيه تبيد البشر وتدمر ممتلكاتهم . ولا تبقى غير ما فيه مصلحة للمحتل من ثروات أو أراضى .

ولأنها حرب واحدة ـ صليبية ـ فإنها متطابقه تقريبا حيثما حلت فى بلاد المسلمين ، ومهما أذاع البيت الأبيض عن استراتيجيات جديدة ، لعلاج مشاكله فى هذا البلد أو ذاك . فما أعلنه ترامب عن استراتيجية جديدة فى أفغانستان لم تكن إلا إستمرارا لما سبق وفعله أسلافه ، ولكن بمزيد من الضعف الذى يناسب حالة الإنهاك التى أصابت الأمريكيين فى أفغانستان ، بل وتدهور مكانتهم الدولية ، التى كانت حرب أفغانستان هى السبب الأول فيه ، طبق الأصل لما حصل مع السوفييت والبريطانيين عندما تجرأوا على غزو ذلك البلد المستعصى على الإخضاع أبدا .

إستخدام القوة الوحشية ضد المدنيين هو من مظاهر الضعف العسكرى لدى العدو الذى يئس تماما من مجرد التفكير فى القضاء على القوة المسلحة لمجاهدى الشعب الأفغانى (طالبان) أو التأثيرعلى قيادتهم السياسية (الإمارة الإسلامية) . فليس أمام العدو سوى التنكيل بالمدنيين إنتقاما منهم ، فى محاولة لإستخدامهم كورقة ضغط على مجاهدى طالبان .

ومن أبشع تلك العمليات هو ما حدث فى شهر نوفمبر 2017 حين داهمت ليلا القوات الأمريكية وأعوانهم المحليين ، مدرسة دينية داخلية للأطفال فى ولاية وردك .

فأوثقوا أيدى الأطفال واضعين وجوههم إزاء الحائط ثم أطلقوا عليهم الرصاص ، فقتلوا منهم 21 طفلا تتراوح أعمارهم من 10 أعوام إلى 15 عاما ـ ( مجلة الصمود العدد 141 ) ـ

قتل الأطفال وطلاب المدارس الدينية ، ومدرسيها ، وعلماء المساجد ، وتدمير مباني تلك المدارس ومساجدها بالقصف الجوى أو الأرضى ، هو أحد أركان إستراتيجية العدو الأمريكى فى أفغانستان ، كما كانت كذلك فى زمن الإحتلال السوفييتى .

“حنيف أتمر” المستشار الأمنى للرئيس “أشرف غنى” يعتبر المدارس الدينية أوكارا للإرهاب ، ويحرض ضدها فى الكثير من خطاباته العلنية . ومعروف أنه شيوعى سابق قاتل الى جانب السوفييت أثناء إحتلالهم لأفغانستان ، والآن يمارس نفس المهمة إلى جانب الإحتلال الأمريكى من موقعه الوظيفى الحساس ، كما أنه المندوب الشخصى للرئيس (غنى) فى إدارة نشاطات داعش فى أفغانستان بالتعاون مع (حكمتيار) الزعيم “الجهادى” السابق .

ومعلوم أن زوجة رئيس الدولة (أشرف غنى) تدير نشاطا تبشريا قويا داخل أفغانستان ، من موقعها داخل القصر الجمهورى . وهى مارونية لبنانية ، ولو أنها مسلمة ومارست نشاطا دعويا من نفس المركز، لاتهمت دوليا بالإرهاب والتعدى على حقوق وحريات نساء أفغانستان ولظهر إسمها فى قوائم المطلوبين أمريكيا .

 إستباحة المدارس الدينية سياسة أمريكية ثابتة على الدوام ، ولا يكاد يمر شهر بدون تدمير بعضها وقتل العديد من طلابها وشيوخها. فالمجازر الجماعية بشتى الصور والأعذار هى سياسة أمريكية ثابتة فى كل مكان عملت فيه جيوشها وجيوش حلفائها ومناصريها .

جاء فى أقوال هنرى كسينجر ـ الصهيونى الشهير ووزير خارجية أمريكا السابق (إن تقليص أعداد البشر هو المحور ذو الأفضلية الأولى فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بلدان العالم الثالث). وقال أيضا (على الغرب أن يبيد العرب فى أى حرب عالمية قادمة).

هذه سياسة أمريكا فى أفغانستان منذ أن دخلتها جيوشهم . وهى نفس سياستها فى بلاد العرب التى أصابها بلاء الإحتلال الأمريكى . فالأمم المتحدة قدرت الأضرار التى أحدثتها قوات “التحالف الدولى” الذى تقوده أمريكا فى مدينة الموصل العراقية بحوالى 700 مليون دولار. وهى عمليات أدت إلى مقتل ما بين خمسة إلى ثمانية آلاف عراقى . مجلة “فورن بوليسى” الأمريكية قالت أن ضحايا قصف الطيران (الدولى) الذى تقوده أمريكا قدر بحوالى 3500 مدنى على الأقل فى نفس المدينة. وعلى مدينة الرقة السورية تسببت الغارات الأمريكية فى نزوح 190 ألف مواطن سورى مازال مصير 20 ألف منهم مجهولا. وحجم الدمار فى مدينة الرقة السورية لم يقل عن حجم الدمار فى مدينة الموصل العراقية ، وأن 80% من أراضيها لم تعد صالحة للعيش بعد هجوم قوات (التحالف) عليها. وقد شن الطيران الأمريكى ومعه طيران  الحلفاء عشرات الآلاف من الضربات الجوية على سوريا والعراق تحت ذريعة الحرب على الإرهاب . إنها نفس الحرب الصليبية ونفس الجيش الأمريكى ونفس “الحلفاء” ، من أفغانستان إلى بلاد العرب وصولا إلى فلسطين .

خطوط نقل الطاقة على طريق الحرير :

فلماذا الهجوم الصليبى على العراق وسوريا ومن قبلهما أفغانستان ؟؟.

واحد من الأسباب الرئيسية هو أن تلك المناطق تشكل جزءا هاما من (طريق الحرير)، أى منفذ الصين البرى إلى العالم ، بعيدا عن البحار التى تسيطر عليها أمريكا وحلفائها. ورغم أن الصين تعمل جاهدة على تطوير أسطولها الحربى إلا أنها لن تستطيع اللحاق بالقوة البحرية والجوية الأمريكية فى المدى المنظور.

ــ كما أنها مسار لخطوط الطاقة (نفط وغاز) ، سواء تلك التى تعبر أفغانستان إلى بحر العرب من ميناء جوادر الباكستانى ، أو تلك التى تعبر العراق وسوريا ، صوب تركيا أو البحر الأبيض . فالذى يكسب حرب الطاقة ويتحكم فى منابعها وخطوط نقلها، هو من يكسب معركة السيطرة الإقتصادية عالميا. وأفغانستان وكل من العراق وسوريا تشكل حلقات غاية الأهمية فى مسيرة تلك الخطوط ، بل وفى العديد من منابعها.

واضعين فى الإعتبار أن الطاقة الجهادية الأفغانية هى الكفيلة دوما بتغيير مسار التاريخ ودحر الغزاة ، صليبيين كانوا أم يهودا. فمن أهداف الحملات الإستعمارية على أفغانستان منذ القرن التاسع عشر، كان إخماد جذوة الجهاد فى ذلك الشعب وتغريب ثقافته ، من أجل تأمين تواجدهم الإستعمارى فى أفغانستان نفسها وفيما جاورها من بلدان إسلامية .

نهب ثروات أفغانستان

أفيون ـ يورانيوم ـ خامات نادرة .

تعيش الولايات المتحدة دور “البلطجى الدولى” الذى يستثمر قوته العسكرية فى سرقة ثروات الشعوب المستضعفة ، واستغفال باقى شعوب العالم .

لهذا يتصاعد الإنفاق العسكرى الأمريكى رغم إنتفاء أى تهديد جدى لها منذ إنهيار الإتحاد السوفيتى ـ حتى وصل ذلك الإنفاق الآن إلى حوالى 700 مليار دولار سنويا .

تستنزف أمريكا ثروات أفغانستان المنجمية ، من مواد خام نادرة مثل اليورانيوم وغيره ـ ويشتكى عضو فى برلمان من ولاية هلمند أن الأمريكيون والبريطانيون ينهبون تلك المواد من منطقه خانشين فى هلمند . وأنهم أعدوا مطارا فى المنطقة يعمل على مدار الساعة فى نقل تلك المواد بواسطة طائرات ضخمة .

 

 

 F-16 قبة حديدية ، وطائرات   

لحماية مصنع الهيروين فى بجرام : 

وتشتهر ولاية هلمند أيضا أن بها أكبر مزارع الأفيون فى البلاد . لذا فهى المصدر الرئيسى لتلك المادة التى تصل إلى الأمريكيين ، فيحولونها إلى مسحوق الهيروين فى مصانع متطورة موجودة داخل قواعدهم الجوية . وأهمها مطار(بجرام) فى شمال كابول، وهو الأهم والأكبر فى كل البلاد . وإلى جانب كونه أكبر مراكز التعذيب فى أفغانستان ــ ويستخدم هؤلاء الأسرى كدروع بشرية لحماية المطار من هجمات المجاهدين بالإقتحام أو بالقصف البعيد ـ فإن المطار يحتوى على أكبر مصانع الهيروين فى العالم ، لهذا يتمتع بحراسات مكثفة وأسلحة متطورة ، من بينها شبكة مضادة للصواريخ (قبة حديدية). ولتأكيد حماية مصانع الهيروين هناك زودوا ذلك المطار بطائرات جديدة من طراز F-16 ليرتفع عددها من 12طائرة إلى 16طائرة . وهو عدد لا تحلم الكثير من الدول بالحصول عليه .

أما مطار جلال آباد فى شرق البلاد ـ وهى منطقة غنية بزراعة الأفيون ـ فقد تسلم طائرتى هيلوكبتر من طراز بلاك هوك لتعزيز الدفاعات عن كنوز الهيروين فى المطار . لذلك يعتبر تحصين أى قاعدة جوية أمريكية فى أفغانستان متناسبا مع مكانتها فى تصنيع ونقل الهيرويين وليس مع مقدار المخاطر العسكرية التى تهددها .

ــ تحصل أمريكا من صناعة الهيروين فى أفغانستان على عدة مئات من مليارات الدولارات. ومقدار غير معلوم من المليارات من عوائد السطو على الثروات المنجمية ، التى حسب ما همس به (أشرف غنى) فى أذن ترامب أثناء مؤتمر الرياض فى الربيع الماضى، أنها تقدر بترليون دولار ـ عرض عليه أن تأخذها أمريكا بدلا عن الصينيين ، والثمن معروف هو كرسى الحكم فى كابول والمنافع المترتبة عليه .

تذهب تلك الثروات الهائلة ( من هيروين ويورانيوم وخامات أخرى نادرة وثمينة ) لتصب فى شبكة معقدة لمجموعات الجريمة المنظمة ، تضم عسكريين وأمنيين وحكوميين أمريكيين، ومجموعات من عصابات المافيا. وبعض تلك المكاسب تصل بشكل رسمى إلى الخزنة الأمريكية .

تحميل مجلة الصمود عدد 142 : اضغط هنا

عيوب فى أصل البنيان الأمريكى :

ولكن هل يكفى كل ذلك المال المنهوب لتقويم المكانة المالية للولايات المتحدة ؟؟. بالطبع لا،  فتلك الدولة تنخرها التناقضات البنيوية والتى تغلى سمومها وتتفاعل فوق النار الأفغانية ، وفى النهاية سينفجر القِدْر الأمريكى لتحتل تلك الدولة مكانتها اللائقة فى مزبلة التاريخ ، مع إمبراطوريات سبقتها فى دخول أفغانستان والخروج منها على حال مختلف تماما .

فمازالت تلك الدولة (العظمى) هى أعظم دولة مدينة فى التاريخ ، بمبلغ 20 ترليون دولار يرتفع باستمرار ليصل إلى 26 ترليون فى عام 2023 . وهى دولة تطبع أوراق عملتها بدون غطاء ذهبى ـ أى مجرد أوراق ملونة ـ ثم توهم العالم بأن لها قيمة ، فتشترى بها إحتياجاتها من الخارج التى تزيد كثيرا عما تنتجه على أراضيها ، فتزيد وارداتها عن صادراتها فتقع دوما فى عجوزات مزمنة وهى : عجز فى الميزان التجارى ـ وعجز فى ميزان المدفوعات ـ وعجز فى الميزانية الإتحادية . ( يلاحظ أن الولايات المتحدة تشترى خام الأفيون من المزارعين الأفغان بالعملة المحلية التى تطبعها هى ، أى أنها مجرد أوراق ملونة بلا رصيد ذهبى ، لآن الدولار الأمريكى نفسه لا يتمتع برصيد ذهبى ، فقيمتة متوهمة لا أساس لها، أى أنه مجرد فقاعة مالية سوف تنفجر ذات يوم متسببة فى كارثة عالمية لآنه مازال هو العملة الأولى المعتمدة فى العالم) .

ولا أمل لدى الولايات المتحدة ـ مع كل عمليات السطو الدولى على ثروات العالم ـ أن تعيد التوازن الى وضعها المالى المأزوم ، فهى تستجدى فقط المزيد من الوقت لتأجيل ساعة الحقيقة وسقوط البنيان . والإطمئنان الوحيد لديها هو قناعتها بأن العالم كله سوف يسقط بسقوطها. لذا فهى ترى أن كل العالم يجب أن يتجاوب مع مطالبها من أجل بقائه وسلامته.

ولكن من أجل علاج حقيقى لوضعها المتصدع ، تبقى فى حاجة إلى معدل نمو فى إقتصادها الداخلى يزيد عن 10% سنويا وأن يستمر كذلك لمدة 75 عاما على الأقل . بينما لم تستطيع تجاوز نسبة نمو مقدارها  4% فى أحسن أحوالها ، أى فى عصر الطفرة الإقتصادية التى شهدتها فى تسعينات القرن الماضى .

ــ  الولايات المتحدة فى محاولة منها لسد فجوة عجزها المالى تطبع الدولارات المزورة وتغرق بها العالم ، حتى صارت الدولارات المتداولة عالميا تزيد بأكثر من عشرة إضعاف عن قيمة الإنتاج العالمى من السلع .(( ينتج العالم سلعا بمقدار 66 ترليون دولار ، بينما الدولارات المطروحة فى الأسواق والبورصات تقدر بحوالى 700 ترليون دولار)).))

ــ  نفس حالة التضخم هذه ، تظهر فى الهيروين الذى تطرح منه الولايات المتحدة ما يزيد عن قدرة الإستهلاك العالمى ، لذا تلجأ إلى نوع من التخزين الاستراتيجى لتلك السلعة الحساسة تحسبا للفترة الحرجة التى سوف تعقب إنسحابها من أفغانستان . ولأجل إستيعاب المحصول الوافر من أفيون أفغانستان توصلت المعامل الأمريكية إلى إنتاج نوع من الهيروين الصافى ((بنسبة 100% ــ وكانت النسبة قبل الإحتلال فى حدود 50% أو أقل )). وتقليل الأحجام يسهل كثيرا عمليات التخزين الاستراتيجى وعمليات التهريب . ولا توجد غير المعامل الأمريكية المتقدمة من يمكنها الوصول إلى تلك الدرجة المثالية من النقاوة . واضح فى ظل هذا التطور أن عمليات تصنيع الهيروين فى المعامل البدائية القديمة ، بنقاوة تقل عن 50% ، تعتبر نوعا من الهدر الذى لا تقبل به الولايات المتحدة . لذا تطارد طائرائها (بدون طيار) تلك المعامل على الجانب القبلى الباكستانى ، التى تختلس قدرا من المحصول الأفغانى ، من وراء ظهر المشرف الأمريكى على تلك الكنوز الهائلة .

أمريكا أكبر قلاع الظلم الإجتماعى فى العالم :

ومهما تزايدت الثروات المالية المنهوبة من دول العالم ، فلن تؤدى إلى تحسن حال المواطن الامريكى ، لأن التفاوت الهائلة فى توزيع الثروات يجعل من تلك الدولة أكبر تجمع للظلم الإجتماعى فى العالم . حيث ثروة 10% من سكانها تزيد عن ثروة 80 % من السكان . وتلك الفجوة فى تزايد ، كما يتزايد أيضا عدد الفقراء بإنضمام المزيد من مواطنى الطبقة الوسطى إلى صفوف الفقراء . ويرى مراقبون أن النجاح الأكبر للرئيس ترامب هو ذلك الإنقسام الذى أحدثه فى المجتمع الأمريكى بين الفقراء والأغنياء ، وبين الأعراق ، وبين الديانات. تلك الأنقسامات تهدد بإنهيار البنيان الأمريكى من الأساس ولكنه فى نفس الوقت يمنح بعض الوقت الإضافى لسيطرة اليهود والمحافظين الجدد ( المسيحيين الصهاينة). فمهما يكن فإن سياسة (فرق لكى تحكم) هى قاعدة صالحة للتطبيق حتى داخل أمريكا نفسها .

ــ  لم تنشر أمريكا الظلم بين شعبها فقط بل نشرته على إمتداد العالم ، فهناك ثمانون شخصا فى العالم يمتلكون أكثر مما يمتلكه ملياران من البشر . ومعظم هؤلاء الأثرياء هم من اليهود بطبيعة الحال ، ومن أصحاب البنوك الكبيرة .

يقول عالم الإجتماع بيتر فيليب (( إن طبقة القيادة فى الولايات المتحدة يسيطر عليها الآن مجموعات من حوالى مئتى شخص من المحافظين الجدد الذين يجمعهم هدف واحد ، هو تأكيد الهيمنة العسكرية الأمريكية حول العالم )).

ــ هذه هى قاعدة الظلم فى العالم ـ الولايات المتحدة ـ لذا فإن أمل العالم كله ، والمسلمين وشعب فلسطين بوجه خاص ، معلق وفى إنتظار التحرر والإنتصار الذى سوف يحققه الشعب الأفغانى على تلك الإمبراطورية الشيطانية لتعم الحرية ، وتمتلئ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن ملأها الأمريكيون واليهود ظلما وجورا ـ ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ـ

تحميل مجلة الصمود عدد 142 : اضغط هنا

 

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world




مصطفى حامد فى إجابات عن 8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل (2-2)

مصطفى حامد فى إجابات عن 8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل (2-2)

 

مصطفى حامد فى إجابات عن

8 أسئلة لباحث إيرانى مستقل

(الحلقة 2-2)

 

– لن تشارك أوروبا فى عقوبات تتعلق بالبرنامج النووى لإيران ، ولكن قد تشارك فى عقوبات تتعلق بالبرنامج الصاروخى والحرس الثورى .

– أمريكا فى حد ذاتها عمل إجرامى ليس له نظير فى التاريخ سوى إسرائيل .

– لا إرتباط بين إيران وبين أى شخص من أبناء بن لادن .

– العلاقة بين القاعدة وإيران كانت عشوائية ، وفرضتها ظروف الحرب على أفغانستان .

– لولا شخصية بن لادن المعتدلة لسارت القاعدة فى مسار داعش منذ البداية .

– حدد بن لادن أمريكا كعدو له ، ولكنه أخطأ فى عدم تحديد إستراتيجية لعمله .

 

اجابات مصطفي حامد ابوالوليد المصري علي الاخ (بهروز) باحث ايراني مستقل : (نص الرسالة آخر الصفحة)

 

2 ــ هل عقوبات الخزانة الأمريكية تؤثر على الإقتصاد الإيرانى ؟؟.

ــ  إيران ستتأثر بقدرٍ ما . ولأن أمريكا خسرت دعما كبيرا من حلفائها فى أوروبا لهذا لن يشاركوا فى أى عقوبات جديدة تتعلق بالملف النووى ، ولكن قد يشاركون فى عقوبات تحت باقى العناوين المقترحة حتى لاتنقطع الحبال بين ضفتى الأطلسى. إنهم سيتأثرون سلبا، سواء شاركوا فى أى برامج للعقوبات أو لم يشاركوا . فأمريكا لن تقدم لهم تعويضا عن خسارتهم للسوق الإيرانية الكبيرة . لهذا سيكون تأثير أى عقوبات قادمة أقل بكثير من أى عاصفة عقوبات سابقة . أمريكا ستحاول جعل العقوبات دولية فيما يتعلق بملفات (الصواريخ والحرس الثورى) وذلك سيؤثر بدرجة ما على الإقتصاد الإيرانى ومستوى معيشة الشعب . ولكنها ضريبة الحرية وإستقلالية القرار ، فالعدوان الأمريكى لن ينقطع عن أى دولة مستهدفة إلا بالاستسلام الكامل وتفويض السيادة والثروات كلها للشركات الأمريكية والصهيونية. وثروات إيران هائلة ، والدفاع عنها مهما كانت العقوبات أو الحروب الباردة والساخنة هو أقل تكلفة من التنازل التام عنها كما فعلت دول كثيرة فى المنطقة.

 

السؤال الثالث :

3 ــ لماذا حتى الآن إسمك مندرج على قائمة المحظورين فى الخزانه الامريكيه ؟.

 ــ قرأت ما هو مكتوب فى الرابط الذى تكرمت بإرساله . وهو مختلف إلى حد ما عما قرأته فى قرار الحظر الذى نشر عام 2009 على ما أذكر . ويومها كتبت ردا فى موقع “مافا” بطريقة ساخرة حيث لا مال لدى فى أى مكان من العالم ، وطالبت منهم أن ينشروا حساباتى البنكية حول العالم ، وما زال طلبى هذا قائما .

تفسيرى الوحيد وبإختصار أن هؤلاء القوم يكرهون ما أكتبه أكثر مما يكرهون ما أفعله . فكل ما فعلته ليس له أى صفة (جنائية) . وما زلت أعتبر أن القتال لطرد الغزاة الأمريكيين من أفغانستان أو سوريا والعراق ، ومناطق عدوانها الأخرى ، هو عمل مشروع مشروعية القتال لطرد الصهاينة من فلسطين . ومن الإجرام عدم فعل ذلك عند المقدرة عليه . وأعتبر أن أمريكا فى حد ذاتها عملا إجراميا ليس له نظير تاريخى من حيث القسوة والوحشية سوى إسرائيل . فقادة أمريكا على الدوام هم من القتلة ، ومبيدو شعوب وحضارات ، ويشكلون الخطر الأكبر على الإنسانية . وقد أصبح ذلك ـ لحسن الحظ ـ رأى قطاع متزايد من الشعب الأمريكى نفسه .

السؤال الرابع :

4 ــ لماذا تعمد ترامب فى ذكر (نجل بن لادن ) يعنى حمزه بن لادن فى سياق حماية ايران للإرهاب ؟ .

ــ ترامب رجل سخيف ومتخلف عقليا ، ولا ينبغى أخذ كلامه بإهتمام ، إلا فيما جرت تصفيته من آراء على أيدى طوق من جنرالات الحرب داخل البيت الأبيض الذين يراقبون لأفعاله (الرسمية) . أما خزعبلات أقواله المنفلتة فلا يلتفت أحد إليها .

لا أدرى ماهو إرتباط حمزة أو أيا من أبناء بن لادن، بإيران ؟ .

ويقال فى مثل مصرى : (عندما يفلس التاجر يبدأ بالتفتيش فى أوراقه القديمة).

فإيران على صلة بحمزة بن لادن على قدر إنتهاكها للإتفاق النووى ، فكلاهما من إختلاق خيال مريض لسمسار وجد نفسه فجأة رئيسا لأقوى دولة فى العالم !!.

 

السؤال الخامس :

5 ــ أنت مقيم فى ايران ، وكنت أول المبايعين والمبادرين فى بيعة الراحل (الملا عمر) ، وصديق للمرحوم بن لادن وعلى علاقة أسرية به ـ وأعتقد أنك على قائمة الارهاب أيضا ، فلماذا يتجنبون ذكر إسمك دائما ؟؟ .

ــ  هذا شئ لا أفهمه أيضا . والأكثر من ذلك أننى قضيت فى مصر خمسة سنوات وعدة أشهر من 2011 إلى 2016 ، فلو كنت إرهابيا لكان بإمكانهمم (تقرير مصيرى) خلال تلك الفترة على أى شكل يرتضونه ، وبلا أى عائق من أى نوع . ولكننى لم أتعرض حتى ولو لإستجواب أمنى واحد .. فلماذا؟؟.

شئ وحيد وصلنى بشكل غير مباشر وهو : لا (مافا) فى مصر .

وبالفعل توقف نشاط موقع (مافا) الإليكترونى . فذلك الموقع أثقل من أن يتحمله أى نظام فى مصر ، إسلامى أو عسكرى .

أحيانا أظن أنهم لا يرغبون فى رؤيتى (شهيدا) ، بقدر رغبتهم فى رؤيتى كماً مهملاً ونسياً منسياً . بتجاهلى يريدون قتل ما أكتب ، فمن تجاربهم التاريخية يعرفون أن قتل الكاتب يؤدى إلى حياة أفكاره .

وكل ما كتبته إلى الآن ، أو معظمه ، هو تجارب عملية وتاريخية تعتبر ملكا للجميع ، ومعها بعض التحليلات أو الاستنتاجات الخاصة القابلة للأخذ والرد ، للقبول أو الرفض .

 

السؤال السادس :

6 ــ هل فعلا يوجد علاقة بين القاعدة وإيران ؟ .

هل فعلا إيران داعمة للإرهاب ؟ .

هل فعلا القاعدة إرهابيه ؟ .

ــ بالطبع توجد علاقة بين إيران والقاعدة . وهى علاقة فرضتها ظروف حرب أمريكا على أفغانستان ، فكانت عشوائية ولم تتم بتخطيط مسبق ، لذا كانت عاصفة وخالية من أى عائد إيجابى لأى منهما. فقبل الحرب تجاهلت القاعدة حقيقة أن إيران جار كبير يقع إلى الغرب من أفغانستان . وكانت ظروف العرب فى أفغانستان سيئة فى ظل الحصار والمطاردات الدولية ، والإمارة الإسلامية تعانى من الحصار المضروب عليها والحرب الداخلية ، بما تسلزم وجود علاقة حسن جوار وتعاون مع إيران لحل العديد من نقاط سؤ الفهم المحتدم بين الطرفين . وكان يمكن للقاعدة أن تكون وسيطا لولا أنها قامت على أساس المنهج السلفى الذى يعادى الشيعة إلى حد التكفير أحيانا.  ولولا شخصية بن لادن المعتدلة لاتخذت القاعدة منحى داعش منذ البداية ، ولكن الرجل رفض عروضا خليجية لتحويل أفغانستان إلى ساحة للقتل المذهبى .

فلم تنشأ أى علاقة ذات قيمة بين القاعدة وإيران إلى أن عصفت الحرب بالقاعدة إلى خارج أفغانستان ، وألقت ببعضها إلى داخل حدود إيران . وحوار الإضطرار كان حوارا للطرشان ، فالعاصفة كانت أقوى من الجميع وحدثا لايمكن علاجه لحظيا . فلم تكن هناك فرصة للتفاهم ، وظل عسر الفهم قائما ، وأظنه مازال كذلك .

ــ وفى بيانه الأول لإعلان الجهاد أوضح بن لادن أن عدوه الأول هو الولايات المتحدة التى قال أنها تدعم إسرائيل وتبيد شعب العراق فى حصار ظالم . ولكنه لم يرسم الاستراتيجية المناسبة لتحقيق ذلك الهدف، بل أنه ترك الأمر للمصادفات والمبادرات اللحظية وحماسة الشباب الجدد . فتسبب ذلك فى الكارثة التى حلت بالقاعدة وأفغانستان وحركة طالبان .

لا شك أن هناك قطاعاً جهاديا سلفيا بدأ يدرك الحقائق ويسعى إلى وضع الأمور على مسارها الصحيح . لقد تأخر ذلك كثيرا ولكنه أفضل من أن لا يأتى أبداً .

 

# هل فعلا كانت ايران داعمة للإرهاب ؟

ــ  إن كنت تقصد إن كانت دعمت تنظيم القاعدة ، فإن الإجابة بالقطع هى لا .

أما إذا كنت تقصد دعمها لحزب الله فى لبنان فذلك فخر يعلى من شأن إيران ، حيث أن الحزب هو الجبهة الإسلامية الوحيدة التى تجابه إسرائيل مباشرة  وعن جدارة . وما كان ذلك ليحدث لولا الدعم الذى تراه إيران مسئولية إسلامية، ودعما إيجابيا لأمنها القومى ، وللمسلمين جميعا .

ــ أو كنت تقصد دعم إيران للحوثيين ، فتلك كما دعم حزب الله ، مسئولية كان يجب أن يقوم بها كل مسلم وعربى لدعم شعب اليمن الذى يتعرض لإبادة حقيقية على أيدى صهاينة الخليج وصهاينة العرب وصهاينة إسرائيل . ونشاهد الآن القنابل الأمريكية والأمراض الوبائية القاتلة والمجاعات تعصف بشعب اليمن .

المسألة هنا إنسانية وإسلامية ، وأمنية ، وأخشى ألا يدرك العرب والمسلمين أهمية اليمن إسلاميا واستراتيجيا وعربيا إلا بعد أن يفقدوها ـ لا سمح الله ــ

المشكلة هى أن إيران تتصدى لمسئوليات هجرها أصحابها فى زمن أصبح فيه المذهب أهم من الدين ، والتنظيم أهم من الأمة .

 

# هل القاعدة فعلا إرهابيه ؟؟ .

لا أظن أن القاعدة إرهابية ، ولكنها تحالفت مع أسوأ أنواع الإرهابيين ، فى العراق ثم فى سوريا . والسبب هو أن القاعدة كانت تعانى من الهزيمة فى أفغانستان ، ومن إحتجاب بن لادن فى مكان مجهول ، ثم إختطافه (أو قتله) على يد الأمريكيين  .

وكانت القاعدة متلهفة على البقاء فى ظل تلك الظروف الصعبة ، فقبلت بالإنتماء العشوائى إليها من تنظيمات حديثة النشأة بقيادات مجهولة ، أو على الأقل لم تختبر قبلا فى ظروف عنيفة مثل تلك التى تتصدى لها فى بلدانها .

ــ التنظيمات الجديدة (فى العراق مثلا) كانت تحتاج فى البداية لخبرات عسكرية وأموال من القاعدة . فقدمت القاعدة بعض الكوادر العسكرية ، ولم تتمكن من التمويل. والمنظمات الجديدة فى العراق والشام تخلت عن القاعدة بعدما وجدت من وفر لها الخبرات العسكرية والتمويل ، بل وأكثر من ذلك بكثير ، من دعم لوجستى وسياسى وحتى دعم ميدانى مباشر برا وجوا . والثمن الذى قدمته التنظيمات هو تبنى أجندة الممولين . فجاءت المجازر والدمار المبالغ فيه للبشر والبنى التحتية للدول . والأيدلوجية الوهابية المتطرفة وفرت الغطاء (الدينى والشرعى) لذلك الإفراط الجنونى .

ــ القاعدة تنظيم الرجل الواحد ، عاشت معه فى حياته ، وتعيش على ذكراه بعد إختفائه ، وعجزت حتى عن الإحتفاظ بمستواها السابق فى عهده . وهذا ما حدث قبلا للإخوان المسلمين الذين يرفعون راية مؤسسهم حسن البنا ، رغم أنهم أبحروا بعيدا جدا عن كل ما كان يتصوره .

 

السؤال السابع :

7 ــ ما رأيك على تصريحات روحانى بخصوص ترامب ؟ .

ــ كانت المباراة بين روحانى وترامب غير متكافئة . فترامب خاسر لمعركته مع إيران حول الملف النووى حتى داخل الكونجرس ومجلس الشيوخ ، من الديموقراطيين وبعض الجمهوريين وشخصيات كبرى مؤثرة مثل هيلارى كلينتون وكبار الحلفاء فى أوروبا والأقطاب الدوليين الأهم فى كل من روسيا والصين. فماذا تبقى فى معسكره غير نتنياهو وحمقى آل سلمان ونهيان من صهاينة الخليج وجزيرة البحرين؟؟ .

ــ كان روحانى هادئا وواثقا وهو ينتقد ويؤدب ترامب المشكوك فى قواه العقلية .

ولكن القادم هو الأهم .. ودماثه خلق روحانى قد لا تفيد كثيرا .. أو هى فى حاجة إلى عصا غليظة تدعم لغته الهادئة ، حسب نصيحة الرئيس الأمريكى روزفلت لرجاله حين قال لهم : (إن قدرنا هو أمركة العالم .. تكلموا بهدؤ واحملوا عصا غليظة ، عندئذ يمكن أن تتوغلوا بعيدا) . تلك العصا الغليظة التى يريد ترامب أن ينتزعها من يد (روحانى) هى(برنامج الصواريخ ) و(الحرس الثورى) .

وبدون تلك العصا الإيرانية فسوف تسير أمريكا وفق ما وصفه صحفى أمريكى بقوله (إن الولايات المتحدة فى حاجة كل عشر سنوات أو نحوها لأن تمسك بلداً صغيراً متداع وتقذفه إزاء الحائط ، فقط لكى تظهر للعالم أنها تسعى وتفعل ما تريد).

ــ فالجنوح إلى السلم ليس ميزة فى هذا العالم ، بقدر ما إن الدفاع عن حق البقاء هو الميزة والضرورة .

 

السؤال الثامن :

8 ــ ما هى أهداف موقع مافا السياسى ؟ .

ولماذا رجع الموقع مرة أخرى بعد دخولك إيران ؟ .

ــ فى البداية ، ومن طهران ، تم إنشاء موقع مافا فى عام 2009 . و الهدف كان نشر ستة كتب كنت قد كتبتها عن أفغانستان وتاريخ العرب فى مرحلة الجهاد ضد السوفييت ، تحت عنوان جامع لهذه للكتب هو :(من أدب المطاريد ــ حواديت المجاهدين العرب فى أفغانستان).

ونتيجة عنف المقاومة التى واجهت هذه الكتب ، ومحاولات مصادرتها أو منع نشرها بأى وسيلة ، فإن آخر ما توصلت إليه كان هو طبعها فى عشرة أقراص مدمجة لتوزيعها على أناس أعرفهم حتى لا تنقرض الكتب وتختفى .

وفجأة ظهر أمامنا (إختراع) الإنترنت. فوصلنا إليه بمجهود (إستشهادى) دفع فيه عدد من الشباب ، الذين لا نعرفهم ، حياتهم وحرياتهم ، وبعضهم بذل مالا وجهداً خارقاـ(فمنهم من قضى نخبه ومنهم من ينتظر).

ومع عودة مافا حاليا ــ من طهران أيضا ــ عادت نفس الدوامة من جديد وبوتيرة أعنف ، لأن العدو صار أكثر جنونا . وما (ترامب) إلا مجرد  إشارة على حالة فقدان الإتزان ، والإحساس بإقتراب الأجل ، (وإنقلاب الحضارات) وتحولها من جانب إلى آخر . فالعالم الآن فى حالة (حراك حضارى) فمن هم فى الأعلى على وشك التدهور إلى أسفل ، والذين كانوا فى الأسفل ، إما أن يتلاشوا تماما أو أن يصعودوا إلى القمة. (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) . وتلك هى حالة التدافع التى لولاها لفسدت الأرض ولاستقر الباطل فوقها إلى قيام الساعة .

ــ رجع موقع مافا مرة أخرى بعد عودتى إلى إيران لسببين :

الأول : هو أن عندى ما يمكن أن يقال بخصوص عدد من الشئون العامة . وبعض ذلك أعتبره حقا والبعض الآخر أعتبره واجبا عينيا . وهى آراء لا يطيق تحملها غير موقع مافا الذى رفع شعار (أدب المطاريد) و(أحاديث خارج نظام العالم ) ، أى أنه مكان خارج سيطرة الجبابرة الدوليين الذين عولموا إقتصاد الشعوب (أى سرقوه) ويريدون عولمة عقول البشر واستعبادهم عن طيب خاطر .

السبب الثانى : هو أن مناخ الحريات فى إيران يسمح بصدور “مافا” حتى الآن . فذلك الموقع قد رتب الأولويات بشكل صحيح ، فجاء الدين ( لأنه الأصل) قبل المذهب (كونه الفرع) ، وجاءت الأمة  (لأنها الأصل) قبل التنظيمات والأحزاب والزعمات والجماعات ( لأنها فروع ، وفى أحيان كثيرة عقبات) .

ــ فجميع المسلمين ، بجميع مذاهبهم ، مسئولون على قدم المساواة عن ما نحن فيه ، (كأمة إسلامية تبدو وكأنها مجرد كيان مفترض) ، من بلاء ومخاطر متصاعدة تهدد وجودها ودينها .

فإذا أردنا الخروج من حالة الصراع التى ورطنا فيها العدو، علينا بتقبل الحوار والنقد والبحث . وأن نعيد تصحيح المفاهيم المغلوطة والأولويات المقلوبة أو حتى المزيفة ، وفى مقدمتها فهمنا للآية الكريمة ( محمد رسول الله والذين معه أشداءعلى الكفار رحماء بينهم ..)، فحالنا عكس ذلك تماما، لهذا إنفتحت على شعوبنا كل أبواب الجحيم .

ومفتاح النصر ممكن ومتاح بين أيدينا : (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ..). ولكن ما أسرعنا إلى التنازع، ولا تسل عن الطاعة.

# أردنا زاوية صغيرة نقول فيها هذا الكلام (الخطير!!). فكان موقع (مافا السياسى) الذى يصدر الآن من طهران . ومنذ سنوات قال أحد فراعنة البلدان المتضخمة (لن تصدر مافا من هنا .. فهنا ليست طهران) .

ــ فالربيع العربى بكل هيلمانه وقتها لم يتحمل نافذة صغيرة تقول شيئا مختلفا عن الفوضى والغوغائية التى ضربت أطنابها فى جنبات الربيع المزيف .

ــ طهران لم تكن هناك ، ولكن “مافا” هنا الآن فى طهران ، من حيث بدأت ، لتعاود التغريد من خارج السرب .

 

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world

نص رسالة الأخ بهروز ( باحث ايراني مستقل) :

السيد ابوالوليد

ــ لو ممكن تشرح لنا خلفيات استراتيجية ترامب للتصدي لإيران ( الملف النووي ) ( فيلق القدس الحرس الثوري) و (الصواريخ البالستية) ؟

ــ هل عقوبات الخزانة الأمريكية تؤثر علي الاقتصاد الايراني ؟

لماذا حتي الان اسمك مندرج علي قائمة المحظورين في (الخزانة الأمريكية) ؟ــ

https://www.treasury.gov/press-center/press-releases/Pages/hp1360.aspx

ــ لماذا تعمد ترامب في ذكر (نجل بن لادن) يعني (حمزه بن لادن) في سياق حماية إيران للارهاب ؟

ــ انت مقيم في ايران و كنت من أوائل المبايعين والمبادرين في بيعة الراحل (الملا عمر ). صديق المرحوم (بن لان) و علي علاقة أسرية به . اعتقد انك علي قائمة الإرهاب ايضا. لماذا يتجنبون ذكر اسمك رسميا دائما؟

ــ هل فعلا يوجد علاقة بين القاعدة و ايران ؟ هل فعلا كانت ايران داعمة للارهاب؟ هل فعلا القاعدة ارهابية؟

ــ ما رايك علي تصريحات روحاني بخصوص ترامب ؟ـ

ــ اخيرا .. ما هي اهداف موقع مافا السياسي ؟ و لماذا رجع الموقع مرة اخري بعد دخولك ايران؟

شكرا

باحث ايراني مستقل