دفاعك المفرط عن حركة طالبان و هجومك المفرط علي الجماعات الجهادية السلفية وضعك في خانة مظلمة.

عودة إلى الحوارات (4) : دفاعك المفرط عن حركة طالبان

عودة إلى الحوارات (4) : 

 

من الأسئلة :

– دفاعك المفرط عن حركة طالبان و هجومك المفرط علي الجماعات الجهادية السلفية وضعك في خانة مظلمة.

–  تتهمنا بالعمالة لأمريكا وإسرائيل و حركة طالبان تركوا قندهار سالكين طريقهم الي كامب ديفد! .

– تقول أننا لا نفكر بشكل منطقي و اهدافنا ضد مصلحة المسلمين. و عندك حركة طالبان تتحرك نحو اتفاق سري مع اشد اعداء الاسلام و المسلمين.

– تقول بحقد اصبحت الحركات الجهادية قطاع للانظمة الخليجية المرتدة. اخترنا الطائفية و تركنا القدس ! هذا افتراء ستحاسب عليه يوم القيامة.

– التيارات الجهادية اعلنت موقفها من الغزو الصهيوني والفساد الذي ضرب الجزيرة و لا اتذكر كلمة واحدة لحركة طالبان.

– وعن الرافضة و لا اقصد رافضة مشروع الصهيوني بل الرافضة المجوس الذين تدافع عنهم فوق جثث الاف الشهداء من الشعب السوري .  الكيان الصهيوني ضرب عشرات الاهداف لهم في سوريا و العراق.. لماذا إيران، حزب الله ،و الاحزاب الموالية الذين يخادعون اهل السنة بعداوتهم مع الكيان الصهيوني لا يردون عليهم بطلقة واحدة ؟.

– نحن في الخنادق و أنت في طهران و هم في الفنادق .

 

مع التوضيحات التالية :

– لماذا تكلم ترامب عن عملية القرية الخضراء .. وتناسى “بجرام” ؟؟.

– ليست هناك ملفات مغلقة مع الصين وإيران والهند .. بل هناك ملفات مؤجلة .

– لماذا الإختلاف بين علاقات طالبان وحماس مع إيران ؟؟.

 

إجابة ابو الوليد المصري : 

تقول :

– دفاعك المفرط عن حركة طالبان و هجومك المفرط علي الجماعات الجهادية السلفية وضعك في خانة مظلمة.

 

فأجيب :

الطالبان ليسوا فى حاجة إلى أن يدافع عنهم  أحد ، فهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم بجدارة  ، سواء بالسلاح أو بالبيان والحجة .

وإن كان هناك من جانبى خطأ، فهو تقصيرى فى حق طالبان. فمجهودى الضعيف غير قادر على إيفاء حقوقهم علينا، فى وقت حاصرهم مسلمون .. وتجاهلهم آخرون .. وحاربهم بالسلاح فريق ثالث !! .

و أنت مادمتَ معنيا بتقطيع أوصال الأمة إلى سنة وشيعة، فإن طالبان هم الجزء الذى مازال ينبض بالحياة ويرفع راية الجهاد دفاعا عن الإسلام فى الجسد السني الميت .

فأى خانة مظلمة تعنى ؟؟ .. لقد ظَلَمْنا طالبان وظَلَمْنا الإمارة الإسلامية وظلمنا شعب أفغانستان .. وتركناه وحيدا يحارب أخطر معارك المسلمين ، بينما تفرقنا ما بين مقصر .. وعاجز.. ومتآمر .

أما هجومى على جماعات “الجهادية السلفية” .. فأعترف بأننى مقصر فى بيان عيوبهم وأحيانا جرائمهم . لأن معظم نشاطهم واقع فى المنطقة المظلمة التى تتحدث عنها . ولكن الواقع هو خير شاهد على إنحراف مسارهم ، والخراب والفشل الذى حملوه معهم أينما حلوا .. فى أى زمان كانوا .. قديما أو حديثا . والحجة على صحة ذلك بسيطة وظاهرة .. فليس لهم حربا واحدة ناجحة فى الأربعين عاما الماضية .. أو منذ أن بدأوا مجازرهم فى جزيرة العرب تحت راية آل سعود ..أو إنجازا واحدا غير تدمير وحدة المسلمين ، بداية من حربهم ضد دولة الخلافة التركية ، وتسليم فلسطين لليهود ، ثم تسليم جزيرة العرب واليمن لليهود فى يومنا الراهن . و إحراق سوريا والعراق واليمن وليبيا، وخذلانهم لشعب مصر ومناصرتهم لمن يعملون على إبادته جوعا وعطشا ببناء سد الحبشة. وكلها إنجازات متواضعة فى مسيرتهم “المباركة”.

 

تقول:

{ تتهمنا بالعمالة لأمريكا وإسرائيل ـ وحركة طالبان تركوا قندهار سالكين طريقهم إلى كامب ديفد } .

 

فأجيب :

إن  تهمة العمالة أصبحت قديمة . والصورة الحديثة هى” المتعاقد”. وهو إصطلاح يطلقه الأمريكيون على الفرد أو الشركة التى تعمل فى مجال المقاولات القتالية ، أى مرتزقة بالتعبير القديم، الصريح والجارح .

“المتعاقدون” فى المشرق العربى ، يختبئون وراء (قضية عقائدية ) إختلقوها من الإختلافات الفقهية بين المدرستين السنية والشيعية، ومن صدامات الفتن التاريخية بعد تهويلها وحرف تأويلها ، رغم أن تاريخ الأمم والأديان يحفل بأمثالها. وبدلا من علاجها وتخطيها والإستفادة من دروسها ، يعمل هؤلاء “الفتَّانون” على جعلها حالة أبدية، إلى أن تفنى إحدى الفرقتين أو كلاهما .. فلمصحة مَنْ يفعلون ذلك ؟ .. مَنْ غير أمريكا وإسرائيل أعداء الأمة على الإمتداد الجغرافى لتواجد المسلمين؟ .

الفتنة المذهبية وتفريق كلمة الأمة فى صراع داخلى لا نهاية له ولا جدوى منه ، هو المقاولة الرئيسية للسلفية المعاصرة ، والسلفية الجهادية بشكل خاص . فلا صوت يعلو فوق صوت الفتنة، حتى لو كان صوت عظام المسلمين التى تتحطم تحت ضربات اليهود والأمريكين فى أفغانستان وفلسطين واليمن وسوريا والعراق وليبيا .

– البهتان ليس بجديد على “الفتَّانين” العرب ـ فحركة طالبان لم تترك شبرا واحدا حررته فى طول البلاد وعرضها . وهم فى كل المدن ، بل داخل قواعد ومعسكرات العدو . فالحركة تقتل جنوده وتسقط طائراته ولا يدرى العدو ماذا يفعل ولا أين يذهب ؟؟.

 لم يذهب أى شخص من حركة طالبان إلى كامب ديفد ـ والزوبعة مصدرها أحد جهات تمويل الحركة الجهادية السلفية، أرادوا توريط طالبان فى تلك الجريمة ـ لم تتم المؤامرة فلو ظهر تورط أحد مندوبى التفاوض من حركة طالبان ، فلك أن تطمئن أنه سيلقى العقاب الملائم فى محكمة شرعية للإمارة .

 

– جاء مايلى فى إعتراضاك :

{ تقول أننا لا نفكر بشكل منطقي و اهدافنا ضد مصلحة المسلمين. و عندك حركة طالبان تتحرك نحو اتفاق سري مع اشد اعداء الاسلام و المسلمين}.

 

وعليه أقول :

المتعاقد لا يفكر بشكل مستقل ، وليس له أهداف فى الحرب غير تحصيل أكبر قدر من الأموال والشهرة للشركة أو التنظيم الجهادى . فأى مصلحة حققها ” المتعاقدون ” لأمتهم الإسلامية؟. هل أحوال الشعب فى سوريا توضح ذلك ؟ أم العراق واليمن وليبيا ومصر ؟ .

أم أن جرائم ” الفتَّانين ” فى أفغانستان لم تكن كافية لخراب البلد وسفك أنهار من دماء شعبها ؟ .

حركة طالبان فى تقدم مستمر على جميع الأصعدة فى حرب تخوضها منفردة منذ 18 عاما . يشهد بذلك العالم كله ما عدا “الفَتَّانين العرب” ـ لأن تعاقدهم الأساسى يتضمن إفشال أى تحرك جهادى للمسلمين ، وإحباط جميع قضاياهم . فقد يخسرون ثقة الزبائن إن أفلت الشعب الأفغانى بإنتصار تاريخى ليس له نظير، بعيدا عن شياطين التعاقد المتآمر على الأمة . { ملاحظة : كشفت وثائق الزمن السوفيتى فى روسيا أن السلطات الشيوعية تعاونت مع الدعاة الوهابيين الضرب وتشويه الحركة الجهادية فى آسيا الوسطى التى يقودها الصوفيون . فعمل الوهابيون على محاربة المجاهدين وعقائدهم “!!”وتأليب الشعب عليهم، كما فعلوا فى أفغانستان فيما بعد وفى أماكن أخرى كثيرة أخرى } .

 

جزء آخر من كلامك جاء فيه :

{ تقول بحقد اصبحت الحركات الجهادية قطاع للانظمة الخليجية المرتدة. اخترنا الطائفية و تركنا القدس ! هذا افتراء ستحاسب عليه يوم القيامة.}

 

 وردى عليه هو :

كل شركة من “المتعاقدين” الجهاديين لها ممول واحد أو أكثر من تلك (الأنظمة الخليجية المرتدة). والممول هو من يعطى الأوامر للمتعاقد ، فتلك هى قوانين السوق . والنظام “الخليجى المرتد” هو أيضا متعاقد لدى السيد الأمريكى ، الذى يحدد فصيلة البقر ، قبل حلبها أو ذبحها حسب المصلحة .

حركات “التعاقد” هى طائفية بحكم الوظيفة الكبرى التى سطَّرها” شيمون بيريز” الذى أسس قواعد الطائفية، التى هى الديانة الجديدة لشركات التعاقد المسلحة .

وهذا ليس إفتراء .. بل هو من المعلوم بالضرورة من حقائق واقعنا المعاصر .

أما حديثك عن القدس فلا محل له من الإعراب ، فليست القدس وحدها التى ضربتم عنها صفحاً منذ قديم الزمان.

وترى الفَرْق التالى بين “الجهاديين” وحركة طالبان .. فتقول:

{ التيارات الجهادية أعلنت موقفها من الغزو  الصهيونى والفساد الذى ضرب الجزيرة ولا أتذكر كلمة واحدة لحركة طالبان} .

 

وأتساءل هنا:

كيف أعلنت (التيارات الجهادية) موقفها من الغزو الصهيونى والفساد الذى ضرب الجزيرة ؟ . فى بيان إنشائى ، أم فى خطاب على الإنترنت ؟؟ .

أين هو  الجهاد والسلاح والمعارك ؟؟ . أم أن ذلك موجه فقط إلى صدور المسلمين وليس لأعدائهم الحقيقيين ؟. أم أن الجهاد فى سبيل الله ليس داخلا ضمن شروط “التعاقد”.

بإستثناء أهل فلسطين ، فليس هناك من رفع حجرا من أجل القدس إلا بعض الشرازم من (الروافض والمجوس)، حتى أن المتعاقدين يشمأزون ممن يتحدث عن فلسطين وينظرون إليه بإرتياب وشك فى هويته، هل هو رافضى مجوسى .. أم مرتد… أم صوفى .. أم مرجئ .. أم .. إلى مالا نهاية من مصطلحات أحيتها بغرض إستخدامها للفتنة شركات الدم العابرة للقارات.

أنت لم تسمع كلمة واحدة لحركة طالبان تعلن فيه موقفها من الغزو الصهيونى والفساد الذى ضرب الجزيرة . والسبب هو أنك لا تفهم لغة الجهاد التى يتحدث بها طالبان . فهى ليست لغة لتسجيل المواقف الكلامية ، فالمتعاقدون ينظرون إلى الإرتزاق والارتهان، لأمريكا وإسرائيل و”بقرستان” الخليج، على أنه الجهاد فى سبيل الله!!.

ليس هذا حقداً .. ولو أن العالم كله حقد عليكم لما إستطاع أن يفعل بكم ما فعلتموه بأنفسكم وبالمسلمين (أهل السنة) الذين تتباكون عليهم بعد كل مجزرة تسحقونهم فيها . ثم تتهمون أعداءكم بها .

عن موقف طالبان من الغزو الصهيونى ، فإنه ليس كلاما ـ بل هو قتال فى الميدان، حيث تحارب إسرائيل فى أفغانستان، فتتشارك المخابرات الإسرائيلية والأمريكية فى إدارة الحرب . وعلى الأرض الأفغانية قوات إسرائيلية، بعضها من أصول أفغانية و هندية .. وربما فيهم ” مستعربين” من ” الدحالنة ” جماعة محمد دحلان الفتحاوى الشهير . ولإسرائيل أيضا شركة مرتزقة كبرى ( بلاك ووتر ) أسستها مع أحد خنازير الخليج الكبار ، وضلع مؤسس فى الثلاثى الصهيونى الأكثر فعالية ، ويشمل السعودية و الإمارات و قطر . وهو التحالف الأنشط فى صهينة جزيرة العرب ، وطرد الإسلام منها .

 من جزيرة العرب جنود نظاميين يقاتلون ضد حركة طالبان بشكل رسمى ـ ومنهم من يقاتل بصمت بعيدا عن الأضواء ، لكن بنشاط ودون إعلان ـ وجميع حكام “بقرستان” يمولون الحملة الأمريكية والدواعش ، ويشترون الضمائر لإحداث الفتنة والإنشقاق فى صفوف مجاهدى طالبان ـ ويدفعون للدعاة الواقفين على “أبواب جهنم” من مشايخ النفط، السائرين على خطى علماء الدعارة فى  المملكة ، ورواد التطبيع مع اليهود، من “ثكالى الهولوكوست “، لفتح أبواب مكة و المدينة ليهود إسرائيل !!..

وماذا بعد ؟؟.. وأى حقد؟؟ .ــ وأى كلام لم تسمعه من حركة طالبان ؟؟.

وهل تفهم لغة المجاهدين .. أم أنه لا صوت يعلو فوق صوت الفتنة ؟؟ .. أم أن عصر الجهاد قد إنتهى .. وزمن التعاقدات بدأ يتقدم رافعا ( قميص الفتنة المذهبية ) المخضب بدماء المسلمين ؟؟ .

–  إرفع راية الباطل يتبعك أهل الباطل .. وارفع راية شمعون بيرز يتبعك أهل الفتنة والردة معاً . ثم يلوثون سمعة المدرسة السنية العريقة قائلين أنهم يمثلونها بتلك الخيانات والإنحرافات .

 

وفى غضب تقول :

{ عن الرافضة، لا أقصد رافضة مشروع الصهيونى بل الرافضة المجوس الذين تدافع عنهم فوق جثث آلاف الشهداء من الشعب السورى . الكيان الصهيونى ضرب عشرات الأهداف لهم فى سوريا والعراق .. لماذا إيران، حزب الله، والأحزاب الموالية، يخادعون أهل السنة بعداوتهم مع الكيان الصهيونى ولا يردون عليهم بطلقة واحدة؟}.

 

وأقول تعليقا :

تكلمنا عن مصطلحات الفتنة: ( الرافضة .. المجوس ) . وأيضا عن مجازر سوريا ، وعن المسئول الأول فيها . وذلك ليس دفاعاً بل توضحا لحقيقة يجب معرفتها حتى لا تتكرر المصائب على رؤوس المسلمين من دعاة الفتنة وشركات المتعاقدين ، المحلي منها أو العابر للقارات .

 

إختصارا : الحرب فى سوريا لم تكن ضرورية فى الأساس. والمشاكل المعيشية والسياسية كان يمكن معالجتها بوسائل أخرى ، بما فيها العصيان المدنى والثورة الشعبية ـ ولكن الحرب الدولية وإستدعاء الدول العظمى ومجرمو حلف الناتو و”الأبقار” الإقليمية مع البترودولار . كل ذلك أدى إلى إهدار دماء واحدة من أغلى وأهم بلاد المسلمين والعرب . هناك أخطاء فادحة وجرائم إرتكبها الطرفان ولكن المسئولية الأولى على من بدأ الحرب ومن جعلها حربا دولية على تراب وطنه سوريا . المسئولية على من “أثرى بالله” على أشلاء الشعب السورى . ولعلنا نرى محاكمات عادلة ذات يوم.. وأن تطبق الأحكام الشرعية على من يستحقون .

وكما تتهم حركة طالبان بأنهم {تركوا قندهار سالكين طريقهم إلى كامب ديفد } وقولك {وعندك حركة طالبان تتحرك نحو إتفاق سرى مع أشد أعداء الإسلام والمسلمين } .وتلك جميعا إفتراءات يشهد بكذبها جميع الخلائق بكافة طوائفهم ـ فيما عدا شركات “المتعاقدون العرب” ـ

وعلى نفس المنوال تُدَحْرِج إفتراءات على الجانب الآخر فتقول: (لماذا حزب الله، والأحزاب الموالية الذين يخادعون أهل السنة بعداوتهم مع الكيان الصهيونى لا يردون عليهم بطلقة واحدة؟ }.

 

فأقول: لماذا لا يخادع “المتعاقدون”أهل السنة كما يخادعهم حزب الله؟. على الأقل بفك الإرتباط مع إسرائيل ـ وهى حقيقة تباهت بها إسرائيل ، واعترف بها “متعاقدون” ، وبلا أى خجل، وهو ما لم يحدث فى حالة إسرائيل مع حزب الله . فإسرائيل لم تنشئ مستشفيات لعلاج مجاهدى حزب الله، ولم ترسل إليهم أسلحة وصحفيين ، ولم تجعل من أراضى فلسطين المحتلة ممراً لهم شمالا وجنوباً ـ ولم تنشئ لهم(خوذا بيضاء) من جواسيس متعددى الجنسيات تحت ستار  إغاثة ضحايا الحرب المجرمة .

– من خداع حزب الله ـ لأهل السنة ـ أنه فى عام2000 أجبر إسرائيل على الفرار فجأة من جنوب لبنان المحتل  لأول مرة فى تاريخ الصهاينة، وبدون إتفاق أو مفاوضات و شروط ، نتيجة لمئات العمليات العسكرية ضد قواته المحتلة .

ومن خداع حزب الله لأهل السنة، حربا ضارية إستمرت 33 يوما فى عام 2006 . وفيها هُزِمَتْ إسرائيل بشكل واضح. إعترفت بذلك إسرائيل وكافة المراقبين والمختصين فى العالم. وسقطت سمعه جيشها وسلاحها، خاصة دبابات الميركافا التى كانت تتأهب لغزو أسواق السلاح ـ ولكنها بارت وألغيت الصفقات بعد تلك المعركة .

فقط “المتعاقدون” وشركاتهم قالوا أنها لم تكن حرباً بل كانت تمثيلية !!. صدقوا أنفسهم وكذَّبوا العالم كله. وكما قلنا فإن مشكلة الكذاب هى أنه لا يصدق أحداً، وطبعا لا يصدقه أحد. يكفى أنه يكذب ويصدق نفسه ، ويكفيه الصوت العالى ، والصراخ الدائم .

ومنذ أيام قليلة أنكر “المتعاقدون” وإعلامهم الدولى والخليجى الضربة الصاروخية الإيرانية للقاعدة الأمريكية فى عين الأسد . وقالوا بأنها تمثيلية متفق عليها . ولكن ترامب الذى أنكر فى البداية حدوث خسائر فى القاعدة ، عاد وإعتراف بشكل متدرج ،كل عدة أيام إعتراف جديد، بوجود حالات إرتجاج فى المخ بين أكثر من مئة جندى من قواته ، أرسلهم للعلاج فى الكويت وألمانيا وأمريكا نفسها . ولم يكشف بعد عن وجود قتلى حتى لا يصبح مُلزَماً برد عسكرى ليس جاهزاً حتى الآن لتبعاته .

صمت “المتعاقدون” وتجاهلوا فضيحتهم والفضيحة الإعلامية الأمريكية . ولكنها سياستهم القائمة على إنكار الحقائق ، وإختراع قصص يكررونها بكل إصرار على أمل أن يصدقها الجمهور .

نتمنى أن يقوم “المتعاقدون” بخداع أهل السنة بهذا النوع من الخداع الذى تمارسه إيران وحزب الله، بمعارك (وهمية) مع إسرائيل وأمريكا . ويصوبون على إسرائيل ولو صاروخ واحد يسجله لهم التاريخ بحروف من  ذهب .

تقول :  { نحن فى الخنادق وأنت فى طهران وهم فى الفنادق }.

وأقول : أن لا فنادق عندنا ، ولا خنادق عندكم . إلا إذا كنت تعتبر أجساد المدنيين التى تترسون بها هى خنادقك . وأن بيوتنا التى نعيش فيها مع أسرنا فى إيران ، مثل باقى خلق الله ، هى فنادق .

فهل يمكن أن تتخيل .. مجرد تخيل .. شكل الحياة بدون كذب وبهتان ؟؟ .

 

سؤال يقول :

لماذا يا شيخ الهجوم الاستشهادي علي القرية الخضراء سبب ازعاج للامريكان و عمل ضجة اعلامية كبيرة و الهجوم الاستشهادي علي قاعدة بجرام الجوية كان ضعيف رغم ان الاخير كان اختراق امني كبير اخطر بكثير ؟ .

 

وعليه أجيب :

السياسة الثابتة للمحتل الأمريكى فى أفغانستان هى ترويج الأكاذيب وكتم الحقائق . وقد تكتم على النتائج الحقيقة لعملية القرية الخضراء، ولولا أنها وقعت فى العاصمة كابول فربما لم يذكرها من الأساس ، أو لقال أنها إستهداف لمدنيين قام به مجاهدو طالبان .

كانت خسائر الأمريكيين فى العملية فادحة ، وأيضا فاضحة . نقل الإستشهاديون طرفاً من مشاهداتهم لخسائر العدو . وهناك الكثير الذى لم يشاهدوه نتيجة الدخان والأتربة والحركة السريعة من مكان إلى آخر. وقد منع العدو وسائل الإعلام من الإقتراب من المكان ، ومنع حتى القوات المحلية، وأوقفها بعيداً .

كان ترامب فى حاجة إلى كذبة للتغطية على فضيحة (كامب ديفد) التى إخترعها وروجها مع الراعى الخليجى للمفاوضات . فقال أنه أوقف لقاء كامب ديفد لأن حركة طالبان قتلت (أمريكيا) فى القرية الخضراء!! . والحقيقة أن طالبان قتلوا الكثيرين من الرتب العالية والمتوسطة من عسكريين وإستخباريين . والذى أحزن ترامب أن العديد من(الساقطات) تم قتلهن فى العملية التى كشفت عن ضخامة (صناعة الدعارة) الدولية الدائرة على هامش الغزو الأمريكى ومعه شركات المرتزقة . فظهرت بذلك المزيد من الأبعاد المخفية من (صناعة الترفيه) التى يرويجها فى بلاد الحرمين الشريفين (قوَّاد الجزيرة العربية )، الذى إنتهك المقدسات مع إخوانه الصهاينة. وتكامل دوره مع سفاح الخليج (أمير المرتزقة) فى الإمارات، الذى أرسل الآلاف من متعاقديه لقتل الشعب الأفغانى .

– عن الهجوم الإستشهادى على قاعدة بجرام ، فهو كما تقول كان أخطر بكثير جدا . فالأمريكى تكتم وكَذَبَ كما هى عادته . والإمارة الإسلامية رأت أن الوقت لم يحن بعد لإعلان شئ .. خاصة فيما يتعلق بقاعدة بجرام .. رأس الأفعى .. ومركز ثقل قوات الإحتلال . وإن غدا لناظره قريب .

 

سؤال يقول :

الموقف الرسمي لروسيا والصين وإيران و الهند عدائي جدا،  و في نظرهم طالبان و داعش و القاعدة شئ واحد. كيف الحركة تستبز دول الجوار بداعش مقابل اسلحة متطورة و الملف مغلق علي اساس ان الطلبه داعش مثلا ؟ .

وعليه أجيب :

ليس فى السياسة ملفات مغلقة ، بل توجد ملفات مؤجلة . والحروب هى النتيجة الطبيعية للملفات “المغلقة” – أى الفاشلة – مع العلم أن الحرب هى أسوأ الخيارات ، وهى ليست ممكنة على الدوام .

الحيوية السياسية للإمارة الإسلامية كانت ملحوظة فى السنوات الأخيرة . وفى النتيجة لم يعد موقف الصين و إيران عدائيا كما تقول . أنه يتقدم بوتيرة بطيئة ، ولكنه يتقدم على أى حال . الملف مع الهند يتحرك ببطء أشد ، وبدأت عملية القراءة فى صفحاته الأولى . وهناك محاولات لتوريط الهند فى أفغانستان عسكريا ، لتعويض الضعف العسكرى الأمريكى .

ذلك مع محاولات أخطر لتوسيع تورط الجيش التركى . فتركيا لها فى أفغانستان 500 جندى ضمن قوات حلف الناتو . كما أنها أرسلت إلى أفغانستان أعدادا كبيرة من الدواعش عبر باكستان .

 ومع ذلك فالموقف التركى إزاء مستقبل قواتها فى أفغانستان غير واضح ، والموقف الهندى متردد أيضا . وربما تطرقت زيارة ترامب للهند لموضوع توريط الهند عسكريا ، ولكن لم يتكشف شئ حتى الآن .

– داعش تمثل خطرا على دول الإقليم حول أفغانستان. وقد أيقنت كل دول المنطقة أن داعش تتلقى دعماً كبيرا من أمريكا (وباكستان) . لذا ترى أن الإمارة الإسلامية هى طوق النجاة من ذلك الخطر .

– عن الأسلحة المتطورة فهى لم تظهر بكثرة فى أيدى طالبان، ولكنهم يستخدمون أى سلاح يقع فى أيديهم بمهارة وكفاءة عالية . كما أنهم دخلوا مرحلة تطوير السلاح الموجود معهم على قدر الإمكانات الفنية الممكنة. وكثيرا ما أثبتوا ميدانيا أن المعلومة الحساسة والدقيقة أهم بكثير من السلاح المتطور . وإن كان الجمع بين العنصرين لا بأس به .

–  مع الإعتراف بأن المحتل الأمريكى له دور لا يمكن إنكاره فى تزويد مجاهدى الحركة بالسلاح والذخائر والمعدات ، حسب ما تسمح درجة التفسخ التى تجتاح جيش الإحتلال ، الذى يبيع كل شئ . فبعد أن يئس من النصر ، توجه أفراده إلى إستغلال فرصة وجودهم فى أفغانستان حتى يكتنزون أموالا تكفى إحتياجات تقاعدهم فى أرض الوطن .

لا شك أن  القتال ضد جيش فاسد ، يحل الكثير من مشاكل المجاهدين .

 

سؤال آخر :

– لماذا علاقة ايران و حماس الفلسطينية السنية جيدة مع اختلافاتهم في ملف سوريا و غيرها . و علاقة ايران و حركة طالبان السنية سيئة ؟.

 

وعليه أقول :

علاقة إيران مع حركة طالبان ليست سيئة ، ولكنها ليست جيدة بالدرجة المطلوبة . والجهاز السياسى لطالبان تطور كثيرا ، فاكتسب حيوية تقترب /نوعا ما / من حيوية الجهاز العسكرى.

علاقة إيران مع حماس جيدة ، ولكن أقل من المستوى المفترض ، ليس بسبب إفتقار حماس للخبرة السياسية التى كانت تفتقدها حركة طالبان فى بداية عملها ، ولكن نتيجة تأثر حماس بالنهج الفكرى والحركى للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين ، ولو على حساب المعركة فى فلسطين .

وبالتالى كان نفوذ مشيخات الخليج والسعودية كبيرا ومؤثرا على حركة حماس ، فكانت سياستها مع إيران فى مد وجذر حسب ضغوط وإغراءات تلك المشيخات . وحتى علاقات حماس الدولية والعربية ظلت مكبلة بالموازين والمصالح الإخوانية عبر العالم.

وكان لذلك تأثيرا سلبيا كبيرا على جهاد الحركة فى فلسطين.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

2020-02-27

 

طالبان افغانستان

 




جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

أصوات أفغانية ترتفع منتقدة :

الإحتلال الأمريكى ـ وحكومة كابول ـ وباكستان : أسسوا داعش الأفغانية الجديدة، بينما دول الإقليم تتعامى عن تلك الحقيقة وتؤيد حكومة الإحتلال فى كابول .

– روسيا والصين وإيران والهند ، هى الدول الأساسية المستهدفة بإرهاب داعش ، وأمام تلك الدول أحد الخيارات التالية لمواجهة داعش :

– التفاوض مع الأمريكيين  لإقناعهم بالتخلى عن دعم لداعش .

– مهاجمة قواعد داعش فى أفغانستان .

– إمداد طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطيران ، وبأعداد كافية .

– أو أن تتخلى طالبان عن الدفاع عن الحدود التى تستهدفها داعش مع الصين وطاجيكستان وأوزبكستان ، و إيران . وتترك تلك الدول لتحل مشاكلها مع داعش بنفسها .

–  لا يعقل أن تحارب طالبان ضد داعش المدعومة بالطيران الأمريكى وبالقوات البرية الأفغانية، ثم تلتزم تلك الدول بالحياد ، بل وتدعو طالبان إلى التفاهم مع حكومة الإحتلال فى كابول!! .

– دول الإقليم ترغب فى إستمرار حركة طالبان فى قتال داعش ، ولكن ليس لديهم رغبة فى عودة طالبان إلى الحكم . فإعلامهم يديننا ويتجاهلنا ، وسياستهم تدعونا للإستسلام لحكومة الإحتلال فى كابول.

 

وإنتقادات أفغانية أخرى .. فى الإتجاه المعاكس :

– أهم أخطاء طالبان التى أدت إلى أزمة ثقة ، هى الإرتماء السياسي فى أحضان قطر.

–  إذا إتضح الموقف السياسى للإمارة فيمكن أن تتضح مواقف الدول الأساسية فى الإقليم . فهى لن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادام الملك نفسه يتبنى مواقف معتمة وملتبسة !!.

– الهند فقط تعارض عودة طالبان إلى الحكم . أما الصين وروسيا وإيران فلا مانع لديهم ، بل ويرونها الأفضل لأفغانستان والمنطقة .

– ينبغى فتح ملف العلاقات مع الهند بعيدا عن الضغوط الخارجية ، وبصرف النظر عن نوع الحكومة التى تحكم الهند حاليا .

– مناطق أهل السنة فى إيران المشاركة فى جهاد أفغانستان ، لم تشارك فى “إنتفاضة البنزين”.

– قبائل من أهل السنة فى إيران ، وشيعة أفغانستان ، قاموا بأدوار هامة فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى . ويوم ينسحب المحتلون ستظهر الكثير من أسرار سقوط الطائفية والحدود السياسية ، فالجهاد هو السبيل الأمثل لتوحيد الأمة .

– فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .و إنهاؤها يأتى بعد التحرير، وضمن مؤتمر إقليمى يحدد مسارات دعم أفغانستان وفق ثلاثة شروط .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

 

فى أفغانستان تجهز الولايات المتحدة تنظيم داعش ليقوم بما هو أكثر من دور “التنظيم الإرهابى” التقليدى ، كما هو دوره فى بلاد العرب وفى أفغانستان حتى وقت قريب .

وظيفة داعش الحالية مازالت هى تخريب الوضع الداخلى، وخلق الحروب الطائفية ، وترويج الرعب بين المدنيين لتصبح الحياة مستحيلة بدون أن يحمل الجميع السلاح لقتل الآخرين . فتضعف الجبهة الداخلية المتحدة ضد العدو المستعمر.

بل يتحول العدو مع الوقت إلى حليف استراتيجى أو على الأقل (وسيط) لا غنى عنه. أو ضامن لسلامة الفئات المتقاتلة من أن تُبَاد. فيمدها بالسلاح وبالمال لتستمر فى القتال، وإلا تركها تواجه مصيرها إن هى توقفت.

وفى مفاوضاته مع طالبان حاول المفاوض الأمريكى أن يقف خارج حلبة المساءلة بأن يدعى موقف الوسيط من أجل (إحلال السلام بين الأفغان) ، لتكوين حكومة مشتركة فيما بينهم .

وهذا مشابه لما نراه فى العراق وسوريا . حيث للجيش الأمريكى القواعد العسكرية بلا حساب، وللشركات الأمريكية النفط والغاز. ثم لباقى الفئات أن تتقاتل كما تشاء، وأن تقبل بالأمريكى وسيطاً وحمامة سلام تعمل بين متوحشين .

داعش أفغانستان تخطى كل ذلك منذ بداية عهد ترامب وسياسة خصخصة الحرب فى أفغانستان ، إذ تخلى الجيش الأمريكى (تقريبا) عن الحرب، مفوضاً أمرها للمخابرات الأمريكية CIA (بالإندماج مع الموساد الاسرائيلى) .

وبموقع أفغانستان ، وثرواتها الأفيونية ، وبتنظيم داعش كقوة دمار وتخريب ، تتحول أفغانستان طبقا لمقولة عضو بالكونجرس الأمريكى قبل الغزو (سنحول أفغانستان إلى إسرائيل وسط آسيا). تلك الروح التخريبية الشريرة لداعش، فى حالة سيطرتها على أفغانستان سوف تحولها إلى نسخة عن إسرائيل فى وسط آسيا .

أمريكا ـ مع إسرائيل يمدان داعش بما يلزم من أدوات الحرب للقيام بذلك الدور ــ والعبث بأمن وإستقرار أهم دول المنطقة ــ وتحويل المسلمين فيها إلى أحزمة ناسفة تتجول فى مجتمعاتها ، وأدوات لحروب أهلية تضر بمن حولهم ولا تفيد المسلمين بشئ ، بل تضر إستقرارهم ، فتحولهم إلى منفيين ومتسولين فى بلاد غريبة لا ترى فيهم سوى صورة الإرهابى .

داعش هو روح إسرائيل فى أفغانستان ـ ليؤدى فى الإقليم دوراً شبيها فى جوهره بما قامت به إسرائيل فى بلاد العرب(فوضى وإرهاب وحروب صغيرة متصلة وتخريب الموارد وحرف أهداف الأمم عن غاياتها بإضعاف الروابط الدينية والقومية.. وفى النهاية فتح المنطقة على مصراعيها لأمريكا وإسرائيل لنهب ثرواتها .. خاصة الطاقة).

– توزيع قوات داعش فى أفغانستان ــ أو بالأحرى حول محيط أفغانستان ــ يشير إلى أهدافها المستقبلية . بحيث تهدد مباشرة كل من إيران (هدفا ذو أولوية)، وجمهوريتى طاجيكستان وأوزبكستان، أى إستهداف روسيا بشكل غير مباشر ، وتهديد الصين عبر ولاية بدخشان “شمال شرق” . أما ولاية ننجرهار(جلال آباد) فى الشرق فهى رئة الإمداد البشرى واللوجستى القادم من باكستان إلى داعش والقوات الأمريكية.

القمة التى طمعت فيها داعش هى مناطق الجنوب، فى قندهار وهلمند وأرزجان وزابل . أرادت داعش إختراق تلك المنطقة بإستخدام عنصر بشرى محلى من الجنوب . تم ذلك فى ظل فقدان القيادة التاريخية للإمارة الإسلامية ” الملا محمد عمر” رحمه الله. لكن حركة طالبان تمكنت من إزالة الدواعش من تلك المنطقة ، فلم يعد لهم أى مقر هناك.

قيادة داعش مركزها الحالى يوجد كابول إلى حين إشعار آخر ، عند إستيلاء حركة طالبان على العاصمة ، فربما ينتقل المقر الداعشى إلى باكستان على الحدود مع جلال آباد.

– قد تبدو الهند بعيدة عن الإنتشار الجغرافى لداعش داخل الحدود الأفغانية . ولكن خطر داعش بات يهددها أكثر من ما مضى لسببين ، الأول أن التنظيم أصبح ضمن الترتيبات الجديدة للمنطقة أكثر قوة من السابق . والسبب الثانى أن باكستان تتولى جزءاً محورياً فى الدور الجديد لداعش ، وعناصر إستخباراتها تسبح بغزارة فى الموج الداعشى . والمخزون البشرى الأساسى لداعش يرقد فى “معسكر شمشتو” قرب بيشاور ، ويضم رعايا حكمتيار من نشالي الأسواق، وقاطعى الطرق، ومروِّجى المخدرات بالقطعة.

داعش مرتكزة على معسكر شمشتو وبنيته الإجرامية المتوارثة منذ عصر الإحتلال السوفيتى لأفغانستان . ويمكن إعتباره معسكر داعش الإستراتيجى فى المنطقة كلها . إنه معسكر أساسى لتنظيم (داعشتو) أى المزيج الناتج من داعش مع البيئة الإجرامية لمعسكر شمشتو، كما كان داعش العراق والشام هجينا تنظيميا ما بين تنظيم القاعدة وحزب البعث العراقى .

– معلومة شائعة فى أفغانستان ، والدول المحيطة بها ، تقول بأن الولايات المتحدة إستوردت العمالة الداعشية الزائدة من العراق والشام وشحنتهم إلى قواعدها الجوية فى أفغانستان خاصة فى جلال أباد . وعينت لقيادة داعش أفغانستان كل من (حكمتيار و حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق ) . ومروحياتها نقلت قوات داعش إلى ولايات أفغانية مختلفة ، وفى محيط العاصمة : فى لوجر قرب المدخل الجنوبى للعاصمة ، و سروبى على مدخلها الشرقى .

 

 

صوت الخلافة  الداعشية .. من قاعدة أمريكية  !!.

تمكنت حركة طالبان من تنظيف الجنوب الأفغانى من عصابات داعش (أو داعشتو). وفى الشرق (جلال أباد) أقترب الوضع من ذلك ، لولا إمدادات بالمجرمين لا تنقطع من شمشتو وإمدادات بالسلاح الأمريكى ، وغطاء جوى توفره المخابرات الأمريكية وشقيقها الموساد.  ومع ذلك، فوضع داعش فى جلال آباد غير مستقر وأضعف مما كان منتظراً . كما أن الدعم الأمريكى لداعش فى جلال آباد أثار إستياء القبائل ومسئولين حكوميين أضيرت مصالحهم القبلية ، وهيبتهم الوظيفية .

– أحد قيادات حركة طالبان يروى طرفاً من مأساة داعش فى أفغانستان ، وبدأ بما جرى ويجرى فى جلال آباد ـ شرق أفغانستان ثم تطرق لما يجرى فى سائر المناطق . فيقول:

فى 23 إبريل 2017 أسقط الطيران الأمريكى على منطقة “أسد خيل” فى ننجرهار أثقل قنبلة فى ترسانتهم الحربية وأسموها “أم القنابل”. وفى بيان عسكرى إدعى الأمريكيون أن قنبلتهم إستهدفت الدواعش ، وأن عشرات منهم قتلوا، وكان من بينهم قيادات هامة .

وكان الأهالى قد رصدوا حاوية مليئة بالأسلحة ذهبت إلى منطقة الدواعش قبل عدة أيام من إسقاط القنبلة . وتسلم الأهالى إنذاراً بالإبتعاد عن المنطقة التى إستهدفتها القنبلة ، وهى عبارة عن نفق قديم لإستخراج المعادن .

بعد يوم واحد من عملية “أم القنابل” إنطلقت مرة أخرى إذاعة داعش والمسماة ــ صوت الخلافة ــ من داخل القاعدة الجوية الأمريكية فى مطار جلال آباد ، تحت إسم ساخر هو(صوت الخلافة) بعد أن كانت صامتة لفترة من الزمن . وكأن القاعدة الجوية الأمريكية هى(دار الخلافة) الداعشية. كيف لا ، وإليها أحضرتهم الطائرات الأمريكية من العراق والشام . ومنها تنقلهم إلى حيث يظهر الإحتياج الأمريكى داخل أفغانستان .

– قبل عشرة أيام من عملية “أم القنابل” أنزلت طائرات مروحية 500 داعشي فى منطقة (يارا آباد) فى ننجرهار، بهدف السيطرة على مناطق إستراتيجية حساسة فى ننجرهار، منها الطريق بين كابل و”جلال أباد” لتأمين الإمدادات الواردة من باكستان إلى العاصمة خاصة متطلبات قاعدة بجرام الجوية . وحاول الدواعش الإمساك بمناطق فى جبال تورابورا ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة طالبان ، خاصة عند (تورخم) وهى مدخل الطريق الدولى بين أفغانستان وباكستان.

– التعاون العسكرى بين داعش وقوات الإحتلال والجيش المحلى ، أصاب بالضرر مصالح قوى قبلية لها تمثيلها فى الحكومة ، مثل عضو البرلمان فى جلال آباد (ظاهر قدير)،الذى إنتقد ذلك التعاون ونتائجه السيئة على السكان.

فى ولاية بروان “شمال كابول” التى توجد فيها قاعدة بجرام الجوية، تكلم الوالى(محمد عاصم) عن التعاون بين الإحتلال والدواعش . وفى أواخر2017 قال بأن سلطات الولاية إعتزمت إعتقال المدعو عتيق الله (أمير) الدواعش فى الولاية. لكن قوات الإحتلال أمرت بعدم إعتقاله بدعوى أنه لا يشكل خطرا ولم يتسبب فى أى ضرر . وطالبوا السلطات المحلية أنه فى حال إعتقال المذكور فيجب تسليمه لقوات الإحتلال وعدم إحتجازه فى السجن .

 

 

سلاح الطيران : أمريكى/ داعشى .

يساند الطيران الأميركى مجموعات الدواعش كما لو كانت قوات أمريكية. فيوجه الضربات الجوية الى قوات طالبان التى تتصدى لهم ، فيسقط ضحايا من طالبان. ويمكن لطالبان أن يتحملوا تلك الضربات ويجاوبوا عليها فى وقت لاحق وربما أماكن أخرى .

ولكن الأصعب والأخطر هو تلك الضربات الجوية ضد القرى ، وسقوط أعداد كبيرة من الأهالى ما بين شهيد وجريح . إضافة إلى تهديم البيوت وتخريب المساجد والمدارس والعيادات الطبية ، وقتل العلماء والأطباء والممرضين وطلاب المدارس الشرعية .

إنها خسائر فادحة لا يمكن لحركة طالبان تعويضها ـ إلا جزئيا ـ كما لا يمكن منعها على الإطلاق . تصنيع المحن الجوية صار هو أساس عمل قوات الإحتلال . وفى بعض الأماكن إكتسبت مجموعات داعش (مناعة جوية) نتيجة الغطاء الجوى الأمريكى .

 فى الشمال إستفادت داعش من المظلة الجوية الأمريكية ، وحققت ما يشبه الإستقرار فى بعض المواضع على الحدود مع الدول المجاورة خاصة طاجيكستان وأوزبكستان حيث قاموا بعمليات ضد حرس الحدود وقتلوا عددا منهم . وتواجدت داعش تحت المظلة الأمريكية فى بدغيس (شمال غرب)على حدود تركمانستان ، وفى فراة غرباً على حدود إيران .

تأثير المظلة الجوية الأمريكية على السكان كانت هى العامل الحاسم فيما أحرزه الدواعش من تمركز فى بعض مناطق الحدود الشمالية ـ والشمالية الشرقية فى بدخشان المجاوره للصين . وتحت الضربات الجوية تكاد أن تصبح معادلة التعامل بين السكان وطالبان هى    { إن لم تستطيعوا حمايتنا .. فإعملوا بعيدا عن قُرانا } .

معنى ذلك أن حدود الصين وجمهوريات آسيا الوسطى(روسيا بشكل غير مباشر) أصبحت أكثر عرضة لإختراقات داعش المحمية جوا فى أفغانستان ، والتى تحصل على دعم إستخبارى أمريكى / إسرائيلى فيما وراء الحدود الأفغانية تجاه روسيا والصين وإيران.

ورغم الخسائر الشديدة من القصف الجوى الأمريكى ، تمكنت حركة طالبان من حرمان داعش من الإستقرار ضمن قواعد كبيرة دائمة.

 وتتدخل القوات المحتلة المحمولة جوا لتحرير أسرى الدواعش ، وإنقاذ المحاصرين منهم أو فك أسراهم من سجون طالبان وتهريبهم مع عائلاتهم إلى قواعد أمريكية كبيرة لحمايتهم. كما حدث فى ولاية بدغيس حين أسر طالبان 42 داعشيا معظمهم من جنسيات آسيا الوسطى، وحبسوهم فى أحد السجون . وبعد أشهر شنت القوات الأمريكية(والأجنبية) غارة على السجن وقتلوا الحراس واصطحبوا الأسرى إلى قاعدة عسكرية أمريكية يعتقد أنها قاعدة شيندند غرب أفغانستان ( فى ولاية هيرات) .

حركة طالبان أعلنت عن الحادث فى بياناتها ، لكن إعلام الدول المجاورة المستهدفة والتى تشتكى من داعش وتخشى عدوانها، لم تذكر بيان طالبان ، وأخذت بما قالتة حكومة كابول من أكاذيب حول ذلك الحادث وكل حادث آخر .

 

 

ردود فعل غاضبة :

دول الجوار المهددة بداعش ، وهى روسيا والصين وإيران، موقفها أنتج مرارة وتيارا من الغضب بين قطاع من مجاهدى طالبان .

يقول هؤلاء إن قتالنا على طول حدود أفغانستان ضد الدواعش وحلفائهم من أمريكيين ومرتزقة ، قد كلف طالبان وسكان الولايات الحدودية ، خسائر ثقيلة فى الأرواح والأموال والممتلكات . ومازال الأفغان مكشوفين إلى حد كبير أمام الهجمات الجوية الأمريكية بدون إمتلاك أى سلاح دفاعى مناسب.

وفوق ذلك لا تحظى حركة طالبان من تلك الدول حتى بتغطية أعلامية منصفة ومتساوية مع إهتمامهم بالإعلام الحكومى والأمريكى . حيث يتم إهمال وجهات نظر طالبان وبياناتهم العسكرية لصالح أكاذيب الإعلام الأمريكى والحكومى .

لا يقف الأمر عند التجاهل الإعلامى بل يطال المستوى الدبلوماسى . ورغم أن تلك الدول من وقت إلى آخر توجه الدعوات لمسئولين من حركة طالبان ، إلا أنها تدعم حكومة كابول على الدوام ، وتدعو حركة طالبان إلى الإندماج فيها. بما يعنى بقاء الإحتلال الأجنبى والنفوذ (الأمريكى/الإسرائيلى) وكارثة تصنيع الهيروين التى يديرها الأمريكيون . وبقاء داعش كأحد مكونات النظام الذى أنشأه الإحتلال فى أفغانستان .

ويرى هؤلاء المجاهدون الغاضبون : إن تلك الدول المعنية لديها رغبة فى أن تستمر حركة طالبان فى قتال الدواعش . ولكن ليس لديهم رغبة فى رؤية طالبان يعودون إلى حكم أفغانستان مرة أخرى . وهذا سبب تجاهلهم الإعلامى لطالبان ، وإنحيازهم الدبلوماسى والسياسى لحكومة العملاء فى كابول . فتركوا طالبان فى مواجهة مكشوفة مع الطيران الأمريكى أثناء القتال الشرس ضد الدواعش.

بل أن بعضاً من الدبلوماسيين والإعلاميين فى تلك الدول يضع داعش وطالبان فى درجة واحدة ، ويعتبرهما معاً خطراً على دول المنطقة . وبالتالى يدعو إلى بقاء حكومة كابول وإنضمام طالبان إليها . ومفهوم أن داعش هى جزء هام من الحكومة ، لأنها تحظى بدعم قادة النظام وقوات الإحتلال.

يقول الجناح من حركة طالبان ، المنتقد لموقف دول الجوار : أمام تلك الدول أن تختار واحد من ثلاث خيارات للتعامل مع مشكلة داعش :

– التفاوض مع الإحتلال الأمريكى للبحث عن حل للمشكلة ، ووقف إستيراد داعش من باكستان وبلاد العرب ، ووقف نشاطهم عبر حدود ضد الدول المجاورة .

– مهاجمة قواعد داعش داخل أفغانستان ــ وتحمل عواقب ذلك ــ حيث يكون الصدام العسكرى مع الأمريكيين وارِداً ، وليس بينهم من يقدر على تحمل تبعاته .

– إمداد حركة طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطائرات ، وبأعداد كافية.

فإذا فشلت الدول المعنية فى المسارات الثلاث المقترحة ، فإنهم لن يتمتعوا طويلا بالدفاع المجانى عن حدودهم والذى توفره حركة طالبان رغم خسائرها الكبيرة ومعاناة الشعب فى تلك المناطق . وعلى تلك الدول أن تحمى أمنها وتحل مشاكلها بنفسها مع داعش .

فلن يقبل شعب أفغانستان وحركة طالبان أن تتم أى مساومة إقليمية على حساب حريتهم وإستقلالهم . والدول الإقليمية العظمى لا ينبغى أن تخفى عجزها وخوفها من الأمريكيين على حساب شعب أفغانستان بدعوته إلى الإستسلام ودخول قفص الإحتلال بقبول حكومة عميلة فى كابول والمشاركة فيها.

سينتزع الشعب الأفغانى حريته رغم العدوان الأمريكى ورغم الضعف الإقليمى وعدم الوضوح . فلا مكان فى أفغانستان للإحتلال الأمريكى أو الإسرائيلى أو الداعشى .

فمنذ أربعة عقود فى خوست، قال الشاعر والقائد الشهيد أحمد غنى :

{ يخوفنا “بابراك كارمل” بالدبابات والطائرات .. ونحن نقول له إننا سنقابله فى ميدان المعركة وليس معنا إلا الله ذو الجلال .. ولنرى لمن سيكون الإنتصار } .

فانتصر الشهيد وسقط الإتحاد السوفيتى . ولن يخلف الله وعده .

 

نقد فى الإتجاه المعاكس ــ

خطوات ضرورية حتى تكتمل الحُجَة على دول الإقليم :

لا زال الموقف السياسى للإمارة الإسلامية يفتقر إلى المزيد من الوضوح . فإذا زال ما به من إلتباس فمن الممكن أن تصبح مواقف دول الإقليم أكثر وضوحاً وصراحة. فالموقف السياسى المتميع لا يساعد دول الإقليم على أن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادامت مواقف الملك ملتبسة وغير شفافة .

أكثر الإلتباس يأتى من التمسك بالدوحة مستقرا للمكتب السياسى للإمارة ، رغم الإهانات التى صاحبت ذلك من إنزال لعلم الإمارة ، وتحويل المكتب إلى مجرد سجن للإقامة الجبرية ضمن صفقات الأسرى مع الأمريكيين .

وصل الأمر إلى درجة أن قطر تولت التفاوض أو دفعته قسراً نحو صفقة كامب ديفيد الغامضة ، التى تخلى عنها ترامب عندما شعر أن الطرف الأفغانى غائب عنها تقريبا، وأن الطبخة قَطَرِية بالكامل ولن تعطى مفعولها فى أفغانستان .

تلاحظ دول العالم ــ والدول الإقليمية من بينها ــ أن مكتب السياسى للإمارة فى قطر معدوم الإنجاز، ولم يقدم غير صفقات غير متزنة . فهو يمثل وجها سياسيا باهتاً لا يتماشى مع عظمة العمل الجهادى الأفغاني ، وصموده الأسطورى وإنتصاراته . فهناك تناقض كبير ــ لا ينبغى تواجده ــ بين العمل السياسى المتميع، والعمل العسكرى القوى والمشهود له من الجميع .

{ تفسير يقول : أن حركة طالبان تعرف تماما وضع قطر، ولكن الحركة لم تجد من يمد لها يد العون أو يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية ، لذلك أضطرت إلى الإرتماء في أحضان قطر ــ قاطرة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط} ــ وفى ذلك عذر ربما كان مقبولاً فى البداية ، ولكن لا مبرر له الآن بعد تجارب إستمرت حوالى 6 سنوت مع المكتب المذكور .

      وهذا يجعل المراقبين يتساءلون عن طبيعة النظام السياسى الذى ستحمله (الإمارة الإسلامية ) إلى الحكم . فهل ستكون نسخة من إمارة خليجية أخرى ؟؟.

فالنظام القادم إلى كابول مع الإمارة الإسلامية هل سيكون للشورى فيه دور حقيقى أم شكلى؟. وهل ستكون هناك رقابة حقيقية على أعمال الحكومة ، أم أنها ستكون (حكومة مقدسة) يستحيل محاسبتها؟ . وماذا عن كيفية تَوَّلي السلطة العليا فى الإمارة وكيفية إنتقالها؟ . وما هو خيارها الإقتصادى ؟. هل هو تسليم الثروات للشركات العظمى العابرة للقارات ، فى صفقات مبهمة وغير شفافة (على شاكلة مشروع كامب ديفد) ، أم سيكون هناك توجيه من الدولة وخطط تنمية (مع رقابة من مجلس الشورى) لبناء إقتصاد الدولة الإسلامية القوية العادلة فى أفغانستان ؟؟ .

العديد من الأسئلة ، تتجاهلها سياسة الإمارة وإعلامها ، لكن المراقب من الخارج يضعها فى الحسبان ثم يصل إلى نتيجة عملية تقول: { فاسد تعرفه ، خير من مجهول لا تعرف عنه شيئا}.

والفاسد هو حكومة كابول ، التى تمثل أمراً واقعاً هو الأكثر فسادا بين حكومات العالم، ولكنه مكشوف ومعروف بالتفاصيل، لذا يسهل على الدول التعامل معه. أما المجهول فهو حكم الإمارة الإسلامية الذى لم تتضح ملامحه الأساسية بعد . وما ظهر منه من خلال “المكتب السياسى” لا يعطى فكرة مشرقة أو حتى يشجع على التفاؤل .

والحكومات تتبع مصالحها ، وتتعامل مع الواقع ولا تهتم كثيرا بالإفتراضات والنوايا ، أو حتى الشعارات. لهذا يفضلون التعامل مع حكومة كابول العميلة ، ولا يفضلون التعامل مع مستقبل مفترض لحكومة الإمارة الإسلامية ، بسبب الإشارات السلبية الصادرة عن مكتبها السياسى ، وضعف جهازها الإعلامى المكبل هو الآخر بعجز الجهاز السياسى .

 

سياسة الإمارة تجاه عمالقة آسيا :

ومع كل قصور عملها السياسى فإن الإمارة تتمتع بتقدير أخلاقى كبير فى الأوساط العالمية وبين دول الأقليم بشكل خاص ، بصرف النظر عن الجفاء الذى يسود غالب علاقة الإمارة مع دول الإقليم .

جميع تلك الدول وصلت إلى قناعة بأن الإمارة الإسلامية عائدة لا محالة إلى حكم أفغانستان، وأن الواقعية تفرض بحث ذلك الإحتمال وتحديد طريقة التعامل معه. ومن المعلوم أيضا أن ثلاثة من القوى الإقليمية الكبرى تتقبل ذلك الإحتمال ، بل ومستعدة للتعامل الإيجابى معه عندما يتحقق .

وليس غير الهند من دول الإقليم الكبرى هى المعارض ـ والمقاوم ـ لذلك الإحتمال . وتحاول الهند إقناع الثلاثى الآخر بتغيير موقفهم . ولكن الآخرون وهم الصين وروسيا وإيران ، منفتحون على قبول تغير فى أفغانستان يفرض طالبان قوة منتصرة وحاكمة.

فإذا عادت الهند معزولة عن أفغانستان فى حال إنتصار طالبان، فسوف تخسر موقعها المتميز الذى كسبته خلال 18 عاما من الإحتلال الأمريكى الذى كانت سندا نشطاً له . كما أنها إستثمرت المليارات فى مشاريع إقتصادية ترتكز على أفغانستان ، خاصة فى مشروع ميناء(تشبهار) الإيرانى الذى يمثل منفذا إستراتيجيا للهند تدخل منه إلى أسواق روسيا وآسيا الوسطى عبر أفغانستان . وكان ذلك نصراً إستراتيجيا لها على باكستان التى ظلت تحرص دوما على إبعاد الهند عن أفغانستان بدعوى الخشية من تحويلها إلى قاعدة هندية تهدد أمنها وتطوقها سياسيا وربما عسكريا .

 

 

فتح الملف الهندى :

العمل السياسى للإمارة ، يمكنه القيام بتحرك إستراتيجى صوب الهند لفك عقدة التعامل معها ، بعيدا عن تدخلات أى دولة أخرى خاصة باكستان التى ستعترض على أى علاقة بين الإمارة الإسلامية والهند ، فهى تنظر إلى أفغانستان كدولة تدور فى الفلك الباكستانى .

لا أحد يمكنه تجاهل الهند كقوة إقليمية عظمى ، وقوة إقتصادية ومكانة سياسية دولية لا بأس بها . فللشعبين الهندى والأفغانى مصالح لا شك فيها لإقامة علاقات طبيعية لصالح البلدين بصرف النظر عن تقييم كل دولة لنظام البلد الآخر . فالهند يحكمها حاليا نظام هندوسى متعصب يعادى المسلمين بتطرف غير طبيعى ، وهذا يجعله سياسيا أقرب إلى إسرائيل . ورئيس الوزراء الهندى هو نسخة هندية من الرئيس الأمريكى ترامب . ومع هذا لا يمكن تجاهل حقيقة أن تعداد المسلمين فى الهند قد يصل إلى 200 مليون مسلم ، هم فى غالبيتهم رصيد أدبى وثقافى وإقتصادى للإمارة الإسلامية .

لن يبقى المتعصب ” نارنيدرا مودى” رئيسا لوزراء الهند إلى الأبد . وسوف يطاح به فى أحد الإنتخابات القادمة ، ولكن ستبقى الهند وأفغانستان فى نفس مواضعهما على الخريطة الجغرافية والسياسية لآسيا. وستظل لشعبيهما نفس المصالح فى علاقات سلمية بناءة .

وبالمثل فإن العلاقات الإيجابية بين الإمارة الإسلامية والصين ــ القوة العالمية الأولى خلال عقدين قادمين ــ لها أهمية إقتصادية وثقافية لأفغانستان وللإيجور المسلمين داخل الصين .

عموما سيكون لمسلمى المنطقة أهميتهم فى ترسيخ التعاون والتطبيع بين شعوب آسيا والحضارة الإسلامية التى ستصبح الإمارة الإسلامية فى مركز متقدم منها خلال عقود قليلة قادمة .

 

 

إيران .. وطالبان :

إيران تدرك أهمية الإمارة كتواجد جهادى إسلامى قوى ومعتدل . فالإمارة ــ ومنذ عهد المؤسس الملا محمد عمر رحمه الله ــ لم تنجرف إلى مستنقع القتال المذهبى ، رغم إغراءات أموال النفط ، والتلويح بفك العزلة السياسية عنها ، وتهديد ” الرياض” بمنع الأفغان من الحج إلى بيت الله الحرام إن لم تستجب الإمارة لمتطلبات الفتنة المذهبية !! .

حكومة طهران منشغلة فى صراع بقاء مع أعدائها بقيادة أمريكا وإسرائيل ومشيخات الخليج، فلم تقدم ما كان مأمولا من دعم لمجاهدى طالبان . وسياسيا إتخذت موقفا منحازاً بالكامل لحكومة كابول .

– ورغما عن ذلك ظهرت مبادرة جهادية بين قبائل البلوش (السنية) فى إيران وباكستان ، فى إندفاعة لا تعترف بحواجز الحدود أو المذاهب ، ولم تنتظر إذناً من أحد لأداء فريضة الجهاد . فتدفقت إلى أفغانستان ، وقدمت الكثير من الشهداء فى بطولات مذهلة لم يحن بعد وقت الحديث عنها.

والجدير بالملاحظة أن مناطق “أهل السنة والجماعة” المشاركين فى جهاد أفغانستان لم تشهد أى مشاركة فى (إنتفاضة البنزين) التى إشتعلت فى إيران (فى نوفمبر2019). كان ذلك مفاجأة غير سارة لأمريكا ومحورها ، ولكنه خبر سار لجميع المسلمين ، إذ الحواجز المصطنعة بين الأمة بشعارات طائفية ومذهبية وعرقية ما هى إلا عراقيل هشه تنهار أمام تصميم الشعوب المسلمة . وأن يوم إتحاد المسلمين وإندفاعهم لتحرير القدس ومكة ، هو يوم قريب وليس ضرباً من خيال . وكما ظهر من موقف مجاهدى البلوش فإن الفتنة والجهاد لا يسيران معا . فإذا حرص الناس على الفتنة إختفى الجهاد ، وإذا تمسك المسلمون بفريضة الجهاد رحلت عنهم الفتن ولم تقدر على تثبيت أقدامها . والذين يَدَّعون الدخول إلى ساحة الجهاد من بوابة الفتنة ماهم إلا مراوغون يبتغون الفتنة وإفشال الجهاد بتمزيق صفوف المسلمين .

لم يقتصر الأمر على مبادرة جهادية من(أهل السنة والجماعة) فى إيران . بل شمل الشيعة فى أفغانستان نفسها . إذ بمبادرة جهادية من بين صفوفهم إنخرط الكثير منهم مع طالبان فى العمل الجهادى العسكرى . وبعضهم أدى أدواراً مشهورة ضمن ملاحم هامة . وبعض تخصصات العمل الجهادى يتكفل بمعظمها الشيعة الأفغان . ويوم ينسحب المحتلون وقواتهم ، سوف تحين ساعة الكشف عن الكثير من الأسرار الجهادية الحساسة فى أفغانستان ، تثبت إمكانية تخطى ألغام الطائفية والحدود السياسية ، التى زرعها أعداء الإسلام .

 

 

الفتنة .. لهدم البنيان الجهادى المرصوص :

وحتى يوقفوا عملية الترابط ، وحتى لا يتحول المسلمون بالفعل إلى بنيان مرصوص فى ميادين الجهاد ، يعمد الأمريكيون فى حربهم النفسية ضد الشعب الأفغانى عموما ، أن يوزعوا إتهامات العمالة على الشخصيات العامة ، حتى يذهب بريق الشخصية الأفغانية الإسلامية المجاهدة . متجاهلين رباط الدين والقبيلة والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة عبر الحدود المصطنعة .

ومع ذلك فإن أى عمل دعوى صادر عن الإمارة، يسقط الكثير من تلك المجهودات الأمريكية. فمثلا الخطابات العامة التى يوجهها أمير المؤمنين الملا هيبة الله ، أعطت الكثير جدا من الإيجابيات ، وينادى المخلصون بضرورة الإصرار عليها إعلاميا وتكرارها لتقوية الروح المعنوية للمجاهدين والشعب الأفغانى عموما، ولرفع معنويات المسلمين وإحياء الأمل فى نفوسهم وإعادة ثقتهم فى طريق الوحدة والجهاد لإسترداد حقوقهم .

– و بطريقة أوضح لا ينبغى أن تَسْجِن الإمارة الإسلامية مواقفها السياسية وتفكيرها المستقبلى فى داخل نفس القفص الحديدى الذى سُجِنَت فيه مواقف أحزاب بيشاور خلال الفترة السوفيتية، أى القفص الباكستانى الخليجى .

فالعالم قد تغير تماما منذ ذلك الوقت، وقيمة أفغانستان فى الجغرافيا السياسية للإقليم قد إرتفعت بشكل غير مسبوق ، فى مقابل تراجع قيمة باكستان ونظامها الفاسد والمرتهن للأمريكين وأموال الخليج .

وإمارات الخليج تدهورت قيمتها الإقتصادية ، وخسرت معظم قيمتها السياسية والمعنوية بإنفتاحها على إسرائيل وفتح الأبواب لها على مصراعيها ، وفقدان الإرادة السياسية إلا من الإملاءات الإسرائيلية / الأمريكية. حتى وصفهم الرئيس الأمريكى بالأبقار التى تُحْلَب إلى أن يجف ضرعها ثم تذبح .

لا يصح أن تبقى خيارات الإمارة الإسلامية هى نفس الخيارات السياسية لأحزاب بشاور”الجهادية” التى تنازلت عن دورها السياسى لصالح باكستان ، وسمحت للسعودية وباقى الخليجيين بالتدخل فى أدق شئون الأحزاب فزادتهم رهقا . فكلما تدخلوا فى مجال زادوه إعوجاجا ، خاصة التعليم الذى بذر بذور الداعشية التى مازال بعضها يتحرك فى أفغانستان.

إن وراثة الضعف السياسى لأحزاب المجاهدين هو خطأ ينبغى ألا تقع فيه الإمارة الإسلامية. والقيمة السياسية للإمارة هى ــ الآن ــ أعلى مما تتمتع به باكستان وإمارات الخليج. والقوة الإقتصادية الكامنة فى أرض أفغانستان هى أعظم بكثير من نفط الخليج . ومن ناحية سكانية فإن الثروة البشرية لأفغانستان وقوة سكانها المعنوية والدينية لا يمكن قياسها مع باكستان أو أى بلد خليجى أو عربى آخر .

 

 

فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .

ربما أن العدو أوقعنا فى عدد من الأخطاء التكتيكية ، وقادنا إلى المبالغة فى الدور الذى يمكن أن تقوم به داعش عسكريا فى المرحلة الحالية.

فأقصى ما يمكن أن تفعله داعش ــ وبكل صعوبة رغما من الدعم الجوى الأمريكى ــ هو الإحتفاظ بمواقع على الحدود مع واحد أو أكثر من الجيران ، لتوجيه الضربات أو إقامة قاعدة خلفية داخل أفغانستان لإدارة مجموعات داعشية فى الجانب الآخر من الحدود.

ورغم الدعم الجوى إستطاع مجاهدو طالبان إقتلاع الدواعش من مراكز حصينة فى ننجرهار، خاصة مراكزهم فى جبال (تورابورا). وفى ولاية كونار رغم غاباتها الجبلية لم تستطيع داعش الصمود أمام طالبان . حتى أن المروحيات الأمريكية تدخلت لنقلهم من قمم الجبال بعد أن عجز القصف الأمريكى عن حمايتهم .

إذَن ليس لمرتزقة داعش قابلية كبيرة للقتال ضد طالبان حتى مع الدعم الجوى . حتى لو تمركزوا فى أى موقع منيع، فإن إقتلاعهم منه مرهون بمجرد قرار من حركة طالبان .

لهذا فإن التهويل بخطر تمركز داعش على مواقع حدودية مع الجيران ليس عملا صحيحاً ، فلا ينبغى للمجاهدين أن يغيروا خططهم الإستراتيجية /باستدعاء إمدادات إضافية/ من أجل مقاومة التواجد الداعشى على الحدود ، طالما هو تحت السيطرة وفقا لتقدير قادة طالبان الميدانيين.

فالمعركة ليست للحفاظ على منافذ حدودية يأتى منها الدعم للمجاهدين ــ كما كان الحال فى الحرب مع السوفييت ــ  بل تتعلق بمنافذ تهدد أمن جيران لا يهتمون بدعمنا. لذا يمكن أن نؤجل حماية حدودهم معنا إلى توقيت آخر، وفى ظروف سياسية أنسب لنا.

 فتجاهل طالبان لقوات داعش / طالما هى بحجم محدود وتحت السيطرة / يصلح كحافز لدول الجوار كى تتحرك للتعاون معنا. فدفاع طالبان عن أمن الجيران لا يصح أن يظل مجانيا و بلا ثمن .

إختصارا .. ينبغى تحويل تواجد داعش على الحدود إلى رهينة عسكرية وسياسية فى يد طالبان ، للمقايضة بهم مع دول الجوار.

ثقل المعركة حاليا هو العاصمة كابول ، وفيها ستكون الكلمة الفصل . وبعد تحريرها يمكن الإلتفات إلى مواضيع فرعية مثل الحدود وتطهيرها من الدواعش وفق شروط خاصة.

 فتحرير كامل الحدود مع جميع الجيران يمكن تأجيله إتمامه إلى حين عقد مؤتمر إقليمى (فى إطار مجموعة شنغهاى مثلا) لبحث أنواع الدعم المطلوب تقديمه لحكومة الإمارة كمساهمة إقليمية لطرد داعش وتطهير الحدود. ليس من منظور أمنى فقط بل من منظور تنمية إقتصادية شاملة لأفغانستان وإعادة إعمارها ، وتسليح قوات جيشها الجديد ، وإدماجها فى مشاريع الترابط الأرضى والجوى (والبحرى عن طريق تشبهار) فى قارة آسيا وبين دولها الكبرى .

إن وقوف داعش على بعض الحدود لن يؤثر على المواقف العسكرى لطالبان . ولكن الإنشغال بهم على حساب معركة كابول سيكون خطأً غاية الخطورة .

 وتقديم طرد داعش كخدمة مجانية ، لأمن أكثر الجيران، سيحرم المجاهدين والشعب الأفغانى من الحصول على مساعدة تسليحية واقتصادية كانت من حقهم . وفى دنيا السياسة فإن الطرف الأحمق هو من يقدم ما عنده قبل أن يفعل الطرف المقابل نفس الشئ .

{ من المفيد التذكير بكلام وزير الخارجية الأمريكى هنرى كسينجر. عندما سأله أحدهم : لماذا لم تقدموا للسادات ثمناً فى مقابل طرده للخبراء السوفييت من مصر، وقد كان ذلك مطلبا أمريكيا رئيسيا ، وكنتم مستعدين لدفع أى ثمن لتحقيقه ؟؟ . فقال كيسنجر : لقد قدم السادات  بالفعل ما عنده ، فلماذا ندفع له الثمن الآن ؟؟ }.

 

 

شروط للقضاء على داعش :

أزمة داعش فى أفغانستان ممكن أن تضع الموقف الجيوسياسى فى الإقليم أمام معادلة تقول بأن التخلص من داعش لا يتم إلا وفق شروط هى :

  1 ـ إتمام تحرير أفغانستان من الإحتلال الأمريكى، بتقديم مساعدات فعالة لحركة طالبان .

   2 ـ  تحالف إقليمى للوقوف خلف الإمارة الإسلامية لإعادة بناء أفغانستان إقتصاديا وأمنيا .

   3 ـ  ربط أفغانستان براً وجواً بطرق آسيا وأسواقها .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

 




العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة …  الجزء الثاني

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

 

الإسلام السياسي لم يحدد العدو المركزي في سياسته، وبدا في سياسته واضح و متفاعل مع ما يطرحه العدو المركزي متماهياً مع سياسة العدو لما يطرح من أفكار؛ لعل ذلك يحقق له ما يصبو له، وبما أنه تنظيم هرمي وتقليدي، فقدرة الجهات الأمنية جاهزة وقوية لاختراق التنظيم، وحرف مسارات استراتيجياته بالتدرج الزمني وتغير القيادات، ومن ثم تحريف الفكر باستدعاء الدين في الخطاب والسياسة؛ ليشكل مظهر من مظاهر الحماية للقواعد التي لا تحسن إلا السمع والطاعة، أو دعوات خافته من بعض الصادقين النخبويين الذي لا يكون لهم كبير أثر في القرار التنظيمي.

 

ما زلنا نؤكد أن الإسلام السياسي بحركاته وتنظيمه جزء من الأمة، فهم أكثر قدرة عن التراجع والقيام بمراجعة حقيقية من التقييم والتقويم؛ وهم أكثر قوة ليأخذوا غيرهم في كنفهم، ويحددوا عدوهم المركزي وخصومهم المحليين، ويتحدوا مع كل مخلص وصادق لله، والعمل لتجسيد المنهج الطلائعي بدلاً من العمل التنظيمي، لتشكيل إسلام شعبي جماهيري، يقود لإسلام أمة كاملة بمكوناتها تكون هي الممثلة بطلائعها وقدراتها وطاقاتها، فنحن أمام العدو المركزي يجب أن نتجاوز الطائفية والمذهبية، والحركية والتنظيمية، والأهواء الشخصية؛ وكل ما طرحه ويسوقه العدو المركزي وهو رأس الإرهاب لتفريق الأمة وتمزيقها، ونعيد معركة التحرر بقيادتها الطليعية الواعية لمشروعها، والتي تقود ثورة الجماهير وهي ملامسة لقواعد المجتمع،…. فالأمة هي التي تمتلك وصاية نفسها على نفسها، ما دامت متحللة من إمامها الجامع المانع، لنبدأ من جديد في دحر العدو الإرهابي المركزي ألا وهو الصهيوأمريكي، لتجمع الأمة بميثاق شرف على دحره والنيل من رأس الإرهاب في العالم…العدو المركزي يعيش عقدة الإسقاط النفسي لأنه يعي أنه غازي وقاتل وإرهابي، بدأ يسقط نظرية الإسقاط النفسي الذي يعاني منها وهي الإرهاب على الأمة الإسلامية ويسوق لها، وللأسف هناك من بعض المثقفين تساوق مع العدو الإرهابي بقيادة الصهيوأمريكية في المنطقة، متجاهل القيم الأصيلة في مجتمعاتنا بأن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره وهي أساسيات القيم في الإسلام للمجتمع وهي كثر، نعم لابد من جلد الذات؛ وخاصة نحن في مفترق طرق، وإعلان الهيمنة الصهيونية الأمريكية في مشروع صفقة القرن لكل العالم الإسلامي، فلابد على الإسلام السياسي أن يبتعد عن الاستعلاء بنفسه، والإقصاء لحشود الطاقات الهائلة المجتمعية، وأن يكونوا صادقين في خطابهم الديني وخاصة مع جماهيرهم، مللنا الكذب على الله وعلى عباد الله وعلى الأمة، نحن بحاجة ماسة لان يتغير الأداء، وأن تكون الممارسة بإنتاج أدبياتها وفق الاحتكاك المستمر بعموم المسلمين،  ليس وقت الزنقة تحتاج لعموم المسلمين، ويوم أن يثقوا بك لتنصرهم وتأتي بحقوقهم، تركب على ظهورهم وتدير ظهرك لهم ، ولا تقوم بما وعدتهم، والذي استدعيت كل آيات الله وأحاديث الرسول ، بأن تحافظ على مصلحتهم العامة وتدبير أمورهم وتسهيل حياتهم والعدل بينهم، إن التنصل من الأمانة ورعاية الرعية هي خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، هل هذا جزاءاً وفاقاً لمن يقف بجانبك يوم أن كنت حسيراً كسيراً بائسا،ً ويوم أن تكبر وتتولى أمرهم تتكبر عليهم وتتركهم يعانون من فقرهم ومطالب الحياة؛ هذا والله ليس بخلق الأولين، وليس بنهج رسولنا الكريم ، هذا والله قمة العقوق لمن ائتمنوك على حياتهم وعقم سياسي لأنك فرطت بحاضنة ترسي دعائم حكمك أو تكون أداة في استئصالك،…

 

وهناك من يقول إنما توجد أصابع شريرة وخبيثة تعمل لخدمة أعداء الأمة وقضاياها المركزية، وهؤلاء عبء على الأمة وجسر للكفار؟!، فأقول لأمثال هؤلاء من المخلصين أولاً: ما تقدمت به من توضيح في الجزء السابق هو رد على ما يتسألون، ثانياً: إن قضية المؤامرة هي شماعة ليضعوا عليها كل أخطاءهم، والمؤامرة موجودة لأنها أداة من أدوات ووسائل العدو، وقد نكون جزء كبير منها ومتحققة؛ وذلك بسبب عدم إدراكنا للواقع ومعطياته السياسية، وعدم التحامنا بإسلامنا مع الشعوب الأمية، وسيبقى التنظيم أسير المراوحة بين تطلعاته الفكرية التنظيمية؛ وقيادته النخبوية المنحسرة على ذاتها مما يجعل انفصاله عن حاضنته مؤكداً، فالمؤامرة موجودة لكن القضية ليست جلها في المؤامرة، فإدراك طبيعة الواقع واستثناء الجماهير من القيادة كما ذكرت آنفاً تجعل المؤامرة من صغرى لكبرى، فلماذا لا نسأل سؤالاً قبل المؤامرة: لماذا يعملوا على وصول الإسلام السياسي وقيادته للحكم ومن ثم ينقضوا عليه؟! لأنهم يعرفوا عن طريق عملاءهم الداخليين كل شي!، … بمعنى أن الإسلام السياسي يعمل وفق أجندة أفكاره التي يعرفها القاصي والداني، فما بالكم بأجهزة الدول التي تراقب على مدار الوقت، فالممارسة للتنظيم وما نتج من أدبيات تكون منعزلة عن واقع الإسلام المعاش لعموم المسلمين، ومن هنا يقدم أعمال التنظيم وأفكاره للوصول لأهدافه التنظيمية؛ بدلاً من أهداف إسلام الأمة وعلى رأسها المصلحة العامة للمسلمين، لأنه يعتقد أن وصوله للحكم هو الذي يجعله يحكم بالإسلام، ولا يدرك بعد التجارب أن وصوله للإسلام كتنظيم سيكون عائق في تطبيق الإسلام؛ لأنه سيلجأ مباشرة للتحالف مع أمريكيا بدخوله في اللعبة الديمقراطية، وهل يعلم أو لا يعلم أن الديمقراطية خصصت لتمزيق الأمة؟!، فالديمقراطية تعني في مجتمعنا هو تكفير الآخر وسحقه وتهميشه، ولكن تكفير سياسي مما يؤدي للتفرد بحكم الفائز واستنفار الخاسر على الدوام، لهذا فإن فشل الديمقراطية سياسياً في مجتمعنا الإسلامي واضح لأنها زادت من تقسيمات المجتمع وزادت مشاحناته لدرجة الكل يريد أن يكشف عورة الثاني، فالديمقراطية لن تناسب واقع الأمة الأمية التي تعرف حقوقها من خلال الإسلام الذي لا يترك شاردة ولا وارده إلا جاء بها، وجاء ليحقق فطرتها في معرفة حقوقها ومعاملاتها لأنها أمة قيم وأخلاق، كما أن إسلام الأمة الأمي يهدي نحو سياسة وإدارة قائمة على ثابت العدل والإحسان، وكذلك يحفزها للنهوض من كبوتها ونفض غبار الذل والعدوان عليها لأنها أمة جهاد وثورة، فالإسلام السياسي يعتقد أنه يمتلك أدوات الحاوي التي ستنقذه من تبعيته للنظام الدولي، وهذه مفارقة ومغالطة؛ مفارقة لأن العدو سيسعى التفريق بينه وبين جموع عموم المسلمين، ومن ثم تدجينه وتسويقه بدلاً عن الحكام وأنظمتهم، لكنهم عندما يصلوا للحكم يصطدموا ببعض شرائح المثقفين والأحزاب المجتمعية، لأنهم فضلوا طاقاتهم وقدراتهم عن الشعوب، وبهذا يتيح لخصومة التمترس حول عموم المسلمين، ويقودوا التصادمات ضد ما يطرحه من برنامج خاص به من بعض الجماهير، كما أن عقدة الأحزاب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية تعرف أن وصول الإسلام السياسي للحكم هو إقصاء وإنهاء الكل، ومغالطة لأنه يسير بنفس المسار والطريق والأدوات الأيدولوجية؛ التي ستقوده للتحالفات والاتفاقيات التي سبقته من الجهات الرسمية متمثلة بالأنظمة العربية الحاكمة السابقة، لهذا لن يسمحوا له بذلك؛ مما يجعل الأعداء يحاصروه بأسماء أخونة الدولة أو حمسنة الحكم أو أسلمة الدولة، ومن ثم يصبح في حيرة ليتماهى أو يُجبر للتساوق مع الواقع فلا يستطيع، فقيادة التنظيم كانت معزولة عن فئات الجماهير لأنها كانت معتكفة على توصيل برنامجها لعناصرها في دعوة مغلقة، فيكونوا قد أرسوا قواعد المؤامرة بأيديهم لبعدههم عن الدعوة العامة والمفتوحة، فالارتباط بالجماهير والشعب هو المعيار الأساسي لنجاح أي فكرة، فهناك من يقول: أننا نجد أن الأمم في حركتها الحضارية صعوداً ونزولاً وانهياراً، لا تحركها الجماهير والعامة، بل تقودها النخبة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وعلمية؛ إما نحو النهضة والتقدم وتحقيق أهدافها، وإما نحو الانهيار والسقوط في التخلف…، فنجيب بأن إسلام الأمة الأمية هو الذي ندعو له وهو يحقق القيادة بامتياز من تزكية مجتمعها لها وليست تنظيمها أو نخبها، لماذا؟ لأن مشروعنا اليوم مشروع مواجهة وتحدي وإنعتاق من الهيمنة للعدو المركزي الإرهابي على الأمة، وليس مشروع حضاري نريد فيه استرجاع حضارتنا فحضارتنا موجودة ولن يستطيع أحد دثرها، ولا مشروع نهضوي لأن النهضة ستتحقق في ظل التحرر ووجود الدولة لأنها تحتاج مقومات دولة، ولا خلاف إن كانت النخب والمثقفين المنتمين لحركة الجماهير والشعوب أن تمارس دورها النهضوي دون حرف الأمة عن الخط الذي يرقى بنهضتها وازدهارها وتقدمها، ولا عن تحررها من العدو الإرهابي الغازي، فالبرغماتية في واقع براغماتي إقليمي ودولي لن تنجح، فالوضوح في السياسة بإدارتها وأهدافها لكل الجماهير هي جزء من حماية أي مشروع تحرري.

 

وهناك من يخرج من بعض المثقفين المنظم في حركة إسلامية سياسية، فيقول إنها حرب المصطلحات؛ ويتابع قوله بأن الإسلام السياسي مصطلح شوهته مخابرات عالمية وإقليمية، لتحريف صورة الإسلام الشامل الذي يعتبر السياسة من صميم الدين، وعزل الإسلاميين الذين يتبنون هذه الفكرة، لأن أعداء الدين يريدون حصر تأثير الإسلام في نطاق الشعائر التعبدية؟!، ويتهم فئات كبيرة من المسلمين بالتساوق مع هذا المصطلح وأنهم أداة يستغلها العدو المركزي،… فمن هنا نوضح الأمر وهو لا بد أن يعلم الجميع أن إسلام الأمة لا بديل عنه؛ لا بحركات سياسية إصلاحية أو جهادية أو فكرية سياسية منفردة بتوجهاتها، وإنما هو إسلام يؤمن بكل مكونات الأمة؛ ويعي أن الصراع يجب أن يكون بكل طاقاتها وقدراتها دون اجتزاء، ونعتقد أن الصلاح والجهاد يجب أن يكون بعقيدة الأمة الإسلامية دون العمل لتجزئتها وأدلجة دينها وتقسيمه، وليس بمعزل عن الشعوب والجماهير، والحفاظ على السير نحو معركة الوعي لتقود الأمة لنهضة حقيقية تقودها معركة التحرير من العدو المركزي بكل تحالفاته، فعليه أقول الإسلام الشامل الكامل الذي ذكرناه آنفاً  أين هو من حركات الإسلام السياسي؟! ومن هي التي تتبنى مشروع كامل على صعيد الأمة دعوة وسياسة وجهاد؟!، أرى أن حصر وانحسار الإسلام في حركة إسلامية تدعي أنها المخلص هو ما يريده الغرب الكافر، والعدو المركزي الإرهابي وأجهزة مخابراته، فعلينا الاطلاع بكل التفاصيل على تقارير مؤسسة RAND الأمريكية؛ وما سبق من تشخيص في هذا المقال، وهناك حركات إسلامية كبرى تسعى لإيجاد علاقات دولية مع العدو المركزي بغية الوصول للحكم؛ ولن يرضى عنها العدو، وهو يتطلع لأن تصل للحكم بطريقته الديمقراطية، وهو يريد من وصولها أن تؤدي دوراً وظيفياً لقتل مشروع التحرر والانعتاق من العدو المركزي؛ والذي تطلع له الأمة بكل الوسائل الذي أتاحها إسلامنا، وتتعاطى معها شعوبنا وجماهيرنا الثائرة، ومن بين الأخطاء من ينظر لهذا أي الدخول في لعبة الديمقراطية والتي تقول لهم كش ملك بعد وصول حركات الإسلام السياسي للحكم، فصُنعت لعبة الديمقراطية وأدواتها لتكون جزء من إدارة المعركة للتساوق مع سياسة العدو المركزي الذي يريدها، ويعتبرها ممارسة فعلية وأداة مهمة من فك الارتباط بين الإسلام السياسي مع مكونات الأمة ومتصادمة مع شعوبها على الدوام، وأداة تنفيس للقدرات والطاقات التنظيمية مع فتح الدراسات الأمنية لسلوكيات تلك القيادات، وأداة مهمة للانقسامات والاختلافات الشخصية من القيادات نحو سلطة الحكم، كما حدث في كثير من التجارب الإقليمية والدول العربية، … فالبديل عما سبق هو إسلام الأمة والذي يحقق الإسلام الشامل الكامل العادل وهو لا يخفى على أحد، والذي يلتزم بعقيدة المسلمين، ومتجرد ومخلص وصادق مع رب العالمين، وليس من أجل التنظيم، وذلك بهدف واحد هو أجلاء العدو المركزي عن بلاد المسلمين، وأدعو كل أصحاب الفهم الرصين أن يعيدوا قراءة المشهد بكل تفاصيله ويدعوا الجميع لدعوة وسياسة وجهاد أمة… فهناك من حركات تساوقت مع الرؤية الأمريكية ودخلوا الديمقراطية ولم يجنوا منها سوى الموت والقتل، لأن هذا المسار فرضته قوة الغرب بأدواتها الأمنية، وتحت ظل حكم عسكري ونظام عميق، وهم يعرفوا السلوك النفسي الداخلي للتكوينات التنظيمية والأحزاب السياسية الإسلامية المتطلعة للحكم، فيعمدوا لإفشالهم في خطة تعد وتحاك من قبل العدو وشركائه، فالوعي  بالمعركة أنها معركة تحرر من العدو المركزي وتحالفاته وليس حكم وسلطة، فمشاريع الحكم والسلطة والنهضة والحضارة ستكون بعد القضاء على العدو المركزي الإرهابي المتمثل في الصهيوأمريكي، فلهذا أدعو نفسي وكل صادق أن نستنتج أن الحركات الإسلامية تحتاج للخروج من قواعد فقهية حركية نخبوية إلى عمل أمة يحمل التجرد والصدق والبيعة لله، ولا تنحسر ببيعة مجتزئة ومشوهه للتنظيم عن أصل دييننا الحنيف والذي تتمثل بيعته مع رب العباد، وتكون البيعة حائل للتواصل مع الأمة وشرائح المجتمع، أعلم أن كلامي لا يروق لكثير من التنظيمات والحركات الإسلامية، فلابد أن نقف مع الحقيقة، فأنا لست ليبرالياً ولا مؤمن بمدنية الدولة ولا بالديمقراطية السياسية التي أنشأها من ندعي أنه ومخابراته هم الذي روجوا للإسلام السياسي، فالإسلام السياسي هو الذي تساوق مع مدنية الدولة وديمقراطية الحكم وليبرالية الفكر، وهذا ما جعلها تتناقض مع شعوبها، وجعلت أفكارها منحسرة في فئة متجنبة بقية فئات الجماهير، فالعدو يعي تكوين ومكونات الحركات الإسلامية، وعلية يجب أن نقف ولا نستدعي الدين لإنقاذ مواقفنا الباهتة مع الأمة، فهناك فرق كبير بين المسلمين وبين المتحزبين لأفكار تنظيمية، وهناك فرق بين الإسلام السياسي وبين عقيدة الإسلام التي تؤمن بها الأمة جمعاء، وهناك فرق بين الكهنوتية للتعصب للتنظيم وبين إجماع الفقهاء للمسلمين، وهناك فرق بين المعابد الكهنوتية وبين مساجد الله، فالمساجد للأمة لم تختص بتنظيم محدد، فالإسلام دولة ودين، ودين ودولة، فالإسلام ليس مبتغاه الوصول للحكم بل مبتغاة تطبيق العدل والمساواة بين عموم المسلمين، لهذا أدعو كل المخلصين أن يعيدوا قراءة الآية: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)، أي أن دينكم دين واحد فلا تفرقوه بحزبيتكم وتنظيماتكم، لتصبح الأمة شيء واحد، فكونوا جماعة واحدة لتحقيق القوة، ورص الصفوف في بنيان واحد ليتحقق النصر على العدو، فمشكلة الحركات وأتباعها النخبويين من المثقفين ستبقى تحرف المسار بأهوائها ومصالحها الشخصية؛ بتشويه كل من يتكلم بصدق ويحمل منهج الأمة بطريقة الأمية أي عموم المسلمين في فهم الدين وتعني الأمية أنها تعلن أنها فقيرة علماً وحكمة اتجاه ربها، وأنها متمسكة بعبادة التوحيد نحو إله واحد، وهي التي تأخذ التكليف من ربها وليس من غيره، وليس معنى الأمية بمعناها اليوم التي لا تعرف القراءة والكتابة وإلا لم تكن صفة تمجيد لرسول الله كما قال ربنا تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ آل عمران 157، فالأمة الأمية هي دليل إعجازي لهذه الأمة وليس دليل منقصة، كما أنها تحتاج توجيه نحو هدف التحرر وليست تثقيف فكري، لأن الأمة المسلمة لا تتحزب بل تتبع توحيد ربها كما نقل لها من نصوص القرآن والسنة، فلماذا لم يكن بطريقته الحضارية؟! لأن الطريقة الحضارية تحتاج لصنف من نخبة الناس تقيم الحضارة، ولكن الطريقة الأمية تعني كل الناس مسؤولة عن توحيد الله وإقامة الإسلام وعودته، والطريقة الأمية بتوجهها لله والتي تخلو من الأهواء، وتقود الأمة لحقيقة الصراع وتفجر طاقاتها وقدراتها في مسار واحد تقودها للتحرر من التبعية، فعلى الإسلام السياسي أن يعيد تقيمه لنفسه ويتأمل في ما أدعو إليه من إسلام أمة، وعليه لا يعتبر من يدعو لهذا المنهج هو مارق ومن الخوالف عن صف التنظيم، لكنني عرفت ربي وديني وسأبقى على عهدي مع ربي نحو إسلام أمة بعقيدة شعوبها وجماهيرها في معركة الوعي تجاه وحدة الأمة بروابط الدين وليس التنظيم؛ حتى يتحقق وعد ربي خلافة على منهج النبوة.

 

 

الخلاصة:

فلا يجوز للإسلام السياسي أن يعمل لأجل تعاظم التنظيم على حساب الشعب الغلبان المسكين، ومن هنا نؤكد أن الإسلام السياسي المنحسر في العمل النخبوي وبطريقته الفكرية جعلته يقدم فكرة التنظيم عن منهج محمد ، وبالتالي اجتزأ الحكم في تنظيمه، ولم يدرك أن الطاقات والقدرات الشعبية أكثر مما لديه كثير، كما حسر نفسه بالاستعلاء والإقصاء، وهذا دليل انه لا يستطيع أن يتفق مع شعبه بإسلام عموم الجماهير، ولن يحقق الطريقة الأمية، فيجب أن تكون طريقة العمل أن لا تعتمد على النخب وأن لا يكون العمل نوعي محض، وأن يكون منذ اللحظة الأولى مع قواعده الشعبية ويتجنب الانزلاق نحو تضخيم اقتصاده عن شعبه، أو تضخيم موارده دون إشراك بقية فئات الشعب، أو ممارسة السياسة من أجل عملية الإحلال والاستبدال، وأن تتربى النفسية العقلية على ذهنية تعي حقوق شعبها، حينها لن يخذلها شعبها ويكون بمثابة الحاضنة تتلقى كل الضربات التي تستهدفه، فالذهاب للسلطة بقيادة التنظيم، والعمل على الإحكام التنظيمي للعمل السياسي من خلال إدارة الحكم، هو الذي فتح عليها النار من قبل خصومها فلا سلطة أصابت ولا استقرار حازت.

كما على كل الحركات الإسلامية أن تدرك حقيقة الصراع ولا تفقد بوصلتها في إدارته، ولا تنحسر في ميدان على حساب كثير من ميادين الأمة التي تكون بحاجة ماسة لها، وخاصة في حالة المواجهة والتحرر، فالإصلاح والحكم والإدارة السياسية وإقامة مشروع نهضوي حضاري؛ لن يكون إلا إذا حققنا الإنعتاق من الهيمنة الصهيونية الأمريكية في المنطقة، ومن هنا وجب على الأمة أن نلتف حولها وأن نكون ركائز لها، وأن لا نستدعي نظرية التنظيم، بل يكون نهجها نهج الإسلام في إقامة الأمة الأمية التي بها سندحر العدو المركزي الإرهابي، وسنعيد الحكم على قاعدة العدل والإحسان وتلبية مصالح عموم المسلمين، وتكون النخب المجتمعية لها ميراثها في إقامة مشروع نهضوي بعد تحرر الأوطان.

يعلم الله أننا صادقون بكل كلمة نصحنا بها وأن حرصنا على ديننا وإسلامنا هو الذي جعل أن آخذ على نفسي عهد التصويب؛ وليس من أجل القدح والذم، هناك من يجيد ذلك لكن يعلم الله أننا نريد خير إسلام لخير أمة، ما أطرحه نهج أعي كل تفاصيله، وهو الإسلام هو الإسلام!!!.

 

 

الحواشي:

  1. Krämer, Gudrun. “Political Islam.” In Encyclopedia of Islam and the Muslim World. Vol. 6. Edited by Richard C. Martin, 536–540. New York: Macmillan, 2004. via Encyclopedia.com نسخة محفوظة 13 يوليو 2018 على موقع واي باك مشين.
  2.  Al Jazeera Arabic قناة الجزيرة، في العمق – الإسلام السياسي في عالمنا العربي، اطلع عليه بتاريخ 14 يناير 2019
  3.   تعدى إلى الأعلى ل:أب Voll، John O.؛ Sonn،  “Political Islam”. Oxford Bibliographies Online Datasets (باللغة الإنجليزية). doi:10.1093/obo/9780195390155-0063.
  4.  “كيف ظهر “الإسلام السياسي” وماهي أهدافه الحقيقية؟”. aljazeera  net . اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  5.  “ماذا بقي من الإسلام السياسي والجهادي بعد الربيع العربي؟ – جريدة الشرق”. al  sharq  com. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  6. http://iswy  co/e116v3

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)

 

 




الجهاد : إلى أين ؟؟

مع بيان الدكتور أيمن الظواهرى ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”.. الجهاد : إلى أين ؟؟

مع بيان الدكتور أيمن الظواهرى ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”

الجهاد : إلى أين ؟؟

 

العناوين:

– لم تعد تجدى الخطابات العامة ، أو الأهداف التى لا تناسب الوسائل الممكنة .

–  شعاراتنا توحد العدو وتشتت صفوفنا ، وهى خيالية وبعيدة عن المهام العاجلة .

– بعد رحيل بن لادن لم تظهر قيادة جهادية على نفس القدر . والعمل الجهادى صار شعارا للفرقة والفوضى ، ولم يعد أملا بقدر ما أصبح خطرا.

– إستمرت “القاعدة” فى تبنى العمليات الخارجية ضد الولايات المتحدة ، بدون إدراك لدوافع بن لادن فى تبنيها، أو إدراك لخطورة الأضرار التى ترتبت عليها .

– تبين دور الطائفية والمذهبية ودعاوى التفتت والصراع الداخلى ، فى إضعاف الأمة .

– ليس هناك عدو بديلا عن إسرائيل ، ويجب وقف الصراع المفتعل بين السنة والشيعة والتوجه جميعا لتحرير المقدسات وفلسطين .

– الداعشية أهم أسلحة الغرب فى “حروبه الهجينة” ضد المسلمين ، من أفغانستان إلى فلسطين ، فى “جهاد” داعشى لمنع وحدة الأمة .

– كل من يسحب المسلمين إلى صراع ثانوى بعيدا عن هدفهم الأساسى ، هو العدوالحقيقى سواء كان سنيا أو شيعياً .

–  تحولت الشعارات الإسلامية الكبرى إلى مجرد صناديق فارغة ، يعبئها من يريد بما يريد من معانى وأهداف .

–  دولة الخلافة ، هل ستكون راشدة بالفعل وسط أعاصير الموبقات الإقتصادية والثقافية والدينية التى تفترس البشرية ؟؟ .

ــ وهل ستظل راشدة وهى بلا إقتصاد أو صناعة أو سلاح متطور وتعليم حديث ، وبلا وحدة إسلامية عظمى تخلق سوقا متكاملا وإمكانية دفاع فعال ؟؟ . وهل هى نموذج مستقل وقدوة ، أم مجرد نموذج مخادع منخرط فى نفس المهزلة الدولية؟؟.

– هل يكون مجلس الشورى هيئة للرقابة والمحاسبة ، أم مجرد مجلس للأنس والظرف إلى جانب الأمير ؟؟. أم يتحول مجلس الشورى إلى نقابة لحيتان الطغيان والفساد ؟؟.

–  الشريعة هى البناء الفوقى للدولة الإسلامية ، والإقتصاد هو بنيتها التحتية . والربا أكبر التحديات أمام تطبيق الشريعة .

– النظام الربوي حول الإنسان إلى ماكينة تعمل بكد وتستهلك بجنون وتستدين بسفه. فالإنسان يعمل أجيرا لديهم ، ويستهلك منتجات مصانعهم ، وتستعبده قروض بنوكهم .

– من مستلزمات نظام الربا الدولى تعميم الظلم الفادح فى توزيع الثروات ، لخلق طبقة فاحشة الثراء ، خائنة لدينها وشعبها .

– ليست الأمم المتحدة ، بل سقوط الإمبراطورية العثمانية كان هو الضياع الحقيقى لفلسطين ، وما حدث بعد ذلك كان تحصيل حاصل .

– ليس هناك شرف أو فروسية فى مجتمع الذئاب الدولى . فكل دولة حسب قدراتها ، تدخل فى تحالفات أو تخرج منها حسب المصلحة .

– بدون الفرائس الغبية والعاجزة، لا تدوم حياة الوحوش الكاسرة فى غابة العالم المتحضر.

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

الجهاد : إلى أين ؟؟
اضغظ علي الصورة لتحميل المقالة PDF

 

 

 (الحلقة الأولى / من 3)

الأخ الدكتور أيمن الظواهرى .. السلام عليكم .

أكتب إليكم هذه الرسالة من أجل المزيد من البحث حول العناوين الهامة التى جاءت فى رسالتكم الأخيرة تحت عنوان “أمريكا عدوة المسلمين الأولى” ، والتى أرى فيها إقترابا ملموسا من خط الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله ، الذى حدده لتنظيم القاعدة ، والذى كان صالحا لأن يكون خطاً عاما لحركة جهادية شاملة . لولا عدة عوامل منها :

ــ أن ذلك التوجه الاستراتيجى تعرض للتبديل إلى مسارات أبعد ، ولم يسانده تخطيط لعمل دائم ومستمر فى نفس الإتجاه .

والعذر قد يكون فى ضراوة المعركة التى جابهت القاعدة ، وشتت قواها . وتعرض الشيخ نفسه لمطاردة وفترة إختباء طويلة .

ــ التوجيه الإستراتيجى الذى يمكن تسميته بالتوجيه الأول ، جاء فى بيان إعلان الجهاد الذى أطلقه الشيخ رحمه الله من جبال تورابورا فى أكتوبر 1996 ، داعيا إلى ” تحرير جزيرة العرب من المشركين”، الذى سريعا ما أصبح”تحرير المقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب وفلسطين” . وكان تطويرا طبيعيا ومتماشيا مع التوجيه الأصلى .

ــ ثم جاءت دعوة الشيخ إلى ضرب الأمريكيين فى كل مكان ، وفتح حرب شاملة ضد الولايات المتحدة وجميع مصالحها وجميع حاملى جنسيتها حول العالم .

فبدأت مرحلة من التشتت والضياع الاستراتيجى ، لعدم واقعية الهدف من جهة ، ولعدم مناسبة الإمكانات المتاحة لتحقيق شئ ذى جدوى، ثم كان ذلك التوجيه مثار خلاف وبلبلة وعدم قبول من الرأى الإسلامى العام .

فجميع ما تحقق من عمليات ضد الأمريكيين ، من بعد عملية 11 سبتمبر وحتى الآن ، سواء داخل أمريكا أو حول العالم ، لم يؤثر بشئ على القدرات الأمريكية بل لم يحقق نجاحاً تكتيكيا يذكر . فكان التأثير المعنوى سيئا فى صفوف المسلمين لعدم قناعتهم بما يحدث وبسبب عنف الرد الأمريكى وشموله ، وهو ما تسمح به إمكاناتها الهائلة ، وقدرتها على حشد تحالفات وتحريك مؤسسات دولية ، فدمرت البنية التحتية البسيطة لمعظم التنظيمات الجهادية ، بل عرقلت حركة الإسلام كدين وأضرت بمصالح المسلمين وسمعتهم فى معظم بلاد العالم . واقترن إسم الإسلام بالتطرف ، وأصبحت كلمة (إرهاب) بديلا عن كلمة (جهاد) . والتيار الجهادى لم يتمكن من معالجة شئ من تلك الآثار السيئة ، بل ظهرت فيه المزيد من الإنحرافات الجسيمة .. منها :

ــ التطرف الفقهى الذى تحول لدى كثيرين إلى تخلى كامل عن أحكام الدين مع وحشية فى التعامل مع الخصوم والجمهور . وبعد أن كانت (القاعده) هى شعارا للجهاد السلفى فى مرحلة من (1988 حتى 2003) ، أصبح  الشعار هو تنظيم داعش ، أو الداعشية كمنهج وحشى منفلت منذ عام 2014 . وعلى نفس المنوال وتحت شعار (الجهاد) ظهرت تنظيمات كثيرة تؤدى نفس الوظيفة ، حتى صار عددها بالمئات.

ــ تحول” الجهاد ” إلى عمل إرتزاقى لدى الأغلبية من التنظيمات ، بدوافع متعددة تبدأ من البحث عن الشهرة والزعامة ، وصولا إلى البحث عن المال والسلاح والنفوذ. مع الإحتفاط بإحترام خاص لمجاهدى اليمن المدافعين عن بلادهم ضد الغزوة الصهيونية/ السعودية.

ــ فيما عدا القدرة على القتل ونشر الفوضى ، تدنى مستوى الجماعات التى تدعى الجهاد على جميع المستويات خاصة الدينية والأخلاقية ، مع جهالة سياسية شبه تامة ، حتى أضحت كيانات فارغة سياسيا يملؤها العدو وأعوانه الخليجيين بما شاءوا من تعبئة دعائية فاسدة ، تضلل الفكر ليكون ظهيرا كاملا للعمل المنحرف المسمى”جهادا” . فأصيبت تلك التنظيمات بالعمى السياسى وعجزت عن فهم وتحليل الواقع الذى تخوض فيه معاركها . والدليل الواضح هو ما حدث فى سوريا من لحظة التورط الأولى وحتى الآن ، حيث الخسائر فادحة والهزيمة الكاملة باتت قاب قوسين أو أدنى . ودول العالم الكبرى ودول الإقليم الأساسية إقتحمت المجال السورى دفاعا عن مصالحها ، وفى مقدمة الجميع كانت إسرائيل . ومع ذلك يبحث (الجهاديون) عن وَهْمٍ لم يكن مطروحا للبحث فى أى لحظة داخل سوريا ويسمى (دولة لأهل السنة فى سوريا ) وهو شعار رفعته (الجماعات المسلحة) القادمة من خارج سوريا ، بتوجيه من مشيخات النفط التى تمول حرب تلك الجماعات. وفرضت شعارها المصطنع على (الساحة الجهادية) هناك ، بلا ظهير شعبى يطالب بتلك الفرضية الهلامية ، التى تعمق طائفية الإسلام الجهادى ، الذى قاتل بطريقة كارثية فى قلب المدن ومن وسط المدنيين الذين أعتبرهم مثل أكياس الرمل فى المتاريس ، بما يجعل تلك الجماعات المسئول الأول عما لحق بالشعب السورى من مصائب وما أصاب سوريا من خراب ، وتمزق لكيانها الصغير أساساً .

 ــ تدنى مستوى القيادات (الجهادية) إلى مستوى عملاء لقوى إقليمية أو دولية ، وتحول جهادهم إلى مقاولات قتالية تخضع لمنطق الأعمال التجارية ، وليس ذلك النشاط الدعوى الجهادى العقائدى، كما كان يفترض أن يكون .

ــ منذ رحيل بن لادن ، لم تظهر أى قيادة جهادية بنفس القدر . والعمل الجهادى نفسه أصبح شعارا للفرقة الإسلامية والفوضى ، ولم يعد هو أمل المسلمين فى الخلاص بقدر ما أصبح خطرا يهدد بلادهم وأمنهم .

ويفتقد العمل الجهادى إلى شخصية جامعة وقادرة على إستيعاب طبيعة التحديات وطرح الحلول ، ومراعاة مصالح الأمة الواحدة ، وليس التنظيم المتفرد والقائد الأوحد .

ــ وقعت الحركة الجهادية “السنية !!” فى مصيدة الإستتباع الكامل لمشيخات النفط . الذى بدأ عقائديا فى السبعينات ، وإنتهى إلى إستتباع مالى وسياسى وعسكرى حاليا .

ومن الواضح للجميع أن تحالفا وثيقا يقوم بين مشيخات النفط وبين إسرائيل ، وبطبيعة الأشياء فإن التيار الجهادى (السنى) يقف فعليا فى نهاية صف المتعاونين مع إسرائيل وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة . وفى ذلك إختطاف للعمل الجهادى ، أو بالأحرى فريضة الجهاد التى هى عماد الدفاع عن الدين والأمة وأرواح العباد وسلامة البلاد .

وفات علينا منذ عقود أن الإسلام نفسه قد إختطفته بريطانيا “العظمى” بواسطة الحركة الوهابية وآل سعود . أو بمعنى أصح ، تعامى المسلمون عن تلك الحقيقة ، بعد أن أعشى أبصارهم بريق الذهب النفطى الذى نثره آل سعود بغير حساب للإضرار بالإسلام والإمساك بزمام الدين كله لمصلحة بريطانيا ، بواسطة الوهابية والذهب السعودى والحرمين الأسيرين فى مكة والمدينة .

ــ تحول الزمام الآن إلى يد إسرائيل مباشرة . التى فى يدها الآن مقدساتنا الثلاثة فى مكة والمدينة والقدس ، مع تحول التبعية الخليجية إلى إسرائيل (بمباركة ورعاية أمريكية) وتحول السعودية (ومعها أبوظبى) إلى رأس رمح للمشاريع الصهيونية فى بلاد العرب والمسلمين بل والعالم كله ، حتى فى تمويل الحملات الإنتخابية فى الولايات المتحدة . فأصبح المسلمون ومعتقداتهم وجهادهم وكامل دينهم فى أخطر الأوضاع التى مرت بهم عبر تاريخهم كله.

ولم تعد تجدى الخطابات العامة ، أو الأهداف التى لا تناسب الإمكانات الممكن توفيرها . ولم يعد يجدى مجرد رفض (وشجب واستنكار) الواقع المرير والإتجاهات المميتة فى سياسات الحكومات والجماعات الإسلامية ، والعلمانية .

ــ وقد تبين مدى ضرر الطائفية والمذهبية ودعاوى التفتت والصراع الداخلى فى إضعاف بل وتصفية مادية للأمة ومعتقداتها .

يجب وقف الصراع المذهبى ، وتحديدا الصراع المفتعل بين السنة والشيعة ، والقتال الداخلى بشتى عناوينه ، والتوجه جميعا إلى هدف أساسى واحد . فليس هناك عدو بديلا عن إسرائيل ، وكل من يسحب المسلمين إلى صراع ثانوى بعيدا عن هدف تحرير المنطقة والمقدسات الإسلامية من الإحتلال الإسرائيلى الأمريكى ، هو العدو الحقيقى مهما كان الشعار الذى يرفعه ، حتى لو بدا إسلاميا “متطرفا” فى وهابيته أو فى تشيعه.

فإذا كان الأعداء إتحدوا لإستئصالنا ــ كما جاء فى بيانكم المذكور ــ فليس أقل من أن نتجمع من أجل الدفاع عن أرواحنا وديننا وأراضينا وأجيالنا القادمة حتى لا تنشأ فى التيه الإعتقادى ، مع دين جديد يجهزه بن سلمان والصهاينة ، والضياع فى بلاد الغرب ، محتقرين ومطاردين ومكروهين ، بلا وطن ولا أمل ولا مستقبل . فكيف نقابل كل ذلك بحركة إسلامية أشد ضياعا، وحركة جهادية تابعة للعدو ، وليست قائدة للمسلمين أومدافعة عنهم ؟؟ .

ــ الفكر السلفى من أساسه يركز على المذهبية والطائفية . وجاءت الوهابية لتحدثنا عن (توحيد) عماده التكفير وتسليط السيف على رقاب المسلمين . حتى جاءت الداعشية ، فى مسار منطقى وطبيعى ضمن السياق التطورى للوهابية ، لتزيل أى عوائق من دين تحول بينها وبين كامل التوحش وإبادة الأمة ، وكأنها يد إسرائيل تعمل من خلف قفاز إسلامى رقيق . حتى صارت فى طليعة جيوش الغزو وأهم أسلحة (الحروب الهجينة) التى تشمل عناصر من مكونات حروب قديمة وحديثة ، نفسية وتكنولوجية . ليصبح الجهاد السلفى فى أعلى مراحله الداعشية ، جهادا هجينا ، وفى طليعة أدوات حروب إسرائيل وأمريكا على المسلمين من أفغانستان إلى فلسطين. جهادا يمنع وحدة المسلمين ، بل يزيد من تمزقهم . حتى جعل من إتحاد العمل الإسلامى (عموما) ، والجهادى خصوصا ، أشبه بالمستحيلات .

 

قوالب فارغة ، وشعارات كبرى بلا محتوى :

تحولت الشعارات الإسلامية الكبرى إلى مجرد صناديق فارغة ، يعبئها من يريد بما يريد من معانى وأهداف . فأصبح من الضرورى على من يريد إستخدام تلك المصطلحات أن يرفق بها مذكرة تفسيرية لما يعنيه من شعارات مثل : حاكمية الشريعة ، الشورى ، الخلافة الراشدة ، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والتوحيد ، والدعوة ، وصولا إلى الجهاد فى سبيل الله .

فتجارب المسلمين فى العقود الثلاثة الأخيرة أظهرت سؤ إستعمال تلك المصطلحات ، واستخدمها للإثارة العاطفية ، مع تطبيقات مخالفة تماما للمقصود الحقيقى منها .

تلك العقود الثلاثة بينت أبعادا لم تكن ظاهرة بما يكفى فى تجارب إسلامية أقدم عُمْراً ، خاصة تجارب (نجد) وشبه جزيرة العرب ، والحكم (الإسلامى) لآل سعود ، وتطبيقهم للشريعة ، والتوحيد ، والجهاد فى سبيل الله . وهى تجربة ثرية عميقه الأبعاد ويظهر تأثيرها فيما نراه الآن من ضياع لفلسطين ، والردة الضاربة فى جزيرة العرب التى فتحت أبوابها للصهاينة ، ودفعت أموال المسلمين كجزية للأمريكيين لشراء الحماية للحكام وكراسى حكمهم . ومزقت المسلمين إلى معسكرين متحاربين (سنة وشيعة) . يتحد فيها (السنة) مع إسرائيل ضد الشيعة (الأكثر خطرا من أمريكا وإسرائيل !! ) حسب الأدبيات الوهابية الرائجة .

تلك هى مسيرة الوهابية وزحفها التاريخى والجغرافى ، من نجد إلى أقصى العالم الإسلامى من مشرقه إلى مغربه ، فى حملة ضياع وفتنة وتمزق ، وفقدان لهيبه الدين ، وإختلاط لمعانيه وأهدافه ، وإضطراب فى صفوف أتباعه بل وانهيارها .

فالشعارات الفارغة التى نتحدث عنها ، إستخدمتها الوهابية السعوديه طبقا لمفهوم معين ، وطبقها غيرهم فى عدة بلدان ومناسبات ، حتى وصلت الراية ، ومفاهيم الخلافة والشورى والجهاد وأحكام الشريعة إلى أيدى الدواعش .

وكل طرف يرفع نفس الشعارات بدون أن يوضح للمسلمين ماذا يقصد بكل شعار منها ، عمليا وليس بلاغياً شعراً وخطابة وعنعنات . حتى أذا أسعفته “ظروف ما” للوصول إلى الحكم والركوب فوق أعناق المسلمين ، بدأت المفاجآت والمآسى والكوارث .

ــ أما إستخدام الشعارات الإسلامية الكبرى فى عبث الصراع السياسى خلال التجارب “الديموقراطية” التى خالطت كوارث”الربيع العربى”، وفيها زاود التيار الإسلامى بتلك الشعارات على العلمانين لمجرد التنافس على الأصوات الإنتخابية ، بدون أى توجه حقيقى لتطبيقها. وعند وصوله إلى الحكم حافظ التيار الإسلامى على كل ثوابت “النظام الطاغوتى” العميل للإسرائيليين والأمريكيين ، وسيطرة أجهزة القمع وأثرياء المال الحرام ، على مفاصل الحكم والدولة والثروات العامة . فحق فيه المثل القائل ( كأنك يا أبو زيد ما غزيت ) أو كما يقول المصريون ( من “هذه” إلى “تلك”  .. يا قلب لا تحزن).

وتفوق التيار الإسلامى فى ذلك السباق “الديموقراطى الربيعى” بسبب توافر الدعم المالى من مناجم الذهب الخليجى ، مع الإلتصاق التام بالخليج فى العمالة لإسرائيل ومشاريعها فى المنطقة ، حتى فى سرقتها لمياه النيل التى تروى بلاد التنظيم الدولى للجماعة الإسلامية ” الأم” . فما معنى تلك الشعارات العظمى ؟؟ ، وما مدى جديتها لديهم ؟؟ .

–  تلك الشعارات الكبرى لابد أن تحمل موقفا إسلاميا صحيحاً تجاه التحديات الراهنة التى تهدد المسلمين وكافة شعوب الأرض ـ من تغير فى أشكال الإستعمار القديم إلى أشكال جديدة أشد خبثا وفتكا ، وأصعب فى المواجهة . فالإحتلال الإقتصادى وسيطرة الشركات عابرة القارات ، والبنوك الدولية ، والرأسمالية المتوحشة وعبودية القروض ، ونزح ثروات العالم بشكل جائر يهدد حاضر ومستقبل الشعوب التى فقدت ثرواتها وسيادتها ، بل وحتى عقائدها الدينية لصالح ثقافة غربية (متوحشة) تنحط بالإنسان إلى أدنى مراتب الحيوانية والغرائز البدائية ، لما قبل الأديان والحضارات .

أين ستكون ( دولة الخلافة ) من كل ذلك ؟؟.. من الشريعة وأحكامها: فالعبادة لمن ؟ للذهب أم للخالق الرزاق ؟؟  والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، من الذى سيميز المعروف عن المنكر؟؟ ، هل هى الحكومات “الطاغوتية” ؟؟ ، أم الشركات والبنوك الدولية (التى تدير معاهد لتخريج العلماء المسلمين) ؟؟. أم علماء أمن الدولة الطاغوتية ؟؟. أم هم الدواعش وآلاف الجمعيات الدينية المسلحة ؟؟ .

ودولة الخلافة “الراشدة” ، ماهو موقفها من الإستعباد الإقتصادى للشعوب ؟؟. وما الدليل على أنها ستكون راشدة بالفعل وسط أعاصير الموبقات الإقتصادية والثقافية والدينية التى تفترس البشرية؟؟ وهل هى نموذج مستقل وقدوة ، أم مجرد نموذج مخادع منخرط فى نفس المهزلة الدولية ؟؟.

 –  الشورى ،  لم نفرغ حتى الآن من بحث إن كان مُعلِمَة أم مُلزِمَة للأمير أو الخليفة . وكيف نحققها على مستوى شعب صغير أو أمة بمئات الملايين من الرعايا (!!) ؟؟ .

وهل يناط بالشورى وظيفة الرقابة والمحاسبة ، بما يشبه صلاحيات البرلمانات فى الدول الحديثة؟؟ أم أن مجلس الشورى عبارة عن ، مجموعة ما ، منزوعة الصلاحيات ومجرد مجلس للظرف والأنس إلى جانب “ولى الأمر” ؟؟.

وهل أهل الشورى هم نفسهم أهل الحل والعقد؟؟ ، أى كبار حيتان الطغيان والفساد ، فى الإقتصاد والأجهزة الأمنية والعسكرية؟؟ . أم هم البنك الدولى وصندوق النقد ؟؟ ، أم هيئة الدائنين والمانحين وأهل الوصاية الإقتصادية ؟؟ . ودولة الخلافة الراشدة كيف تحافظ على كيانها وسط إقتصاد عالمى تسيطر عليه دول قليلة ، بل حتى أفراد معدودين؟؟ . هل ستظل راشدة وإسلامية وهى بلا إقتصاد ، وبلا صناعة وسلاح متطور أى تعليم حديث ، وبلا وحدة إسلامية عظمى وحقيقية تخلق سوقاً متكاملاً ، يقى سكانه من العقوبات والتجويع والحصار الذى ستفرضه دول (الكفر العالمى)؟؟ ، وحدة تتيح لها إمكانيه دفاع فعال عن كيانها السياسى والعقائدى والإقتصادى . وحدة قد تضم حتى شعوبا مسحوقة ولكنها غير إسلامية ، بل تبحث فقط عن عدالة الإسلام وإنصاف المسلمين . ولذلك سوابق تاريخية عديدة ، يوم كان هناك على الأرض إسلام ومسلمين.

فهل هذه الوحدة تنعقد بالسلفيين فقط ؟؟ ، أم بالوهابيين وحدهم ؟؟ أم بالسنة بلا شيعة وزيديين وأباضية ، ولا أى مذهب ، لا يثبت براءته أمام محاكم تفتيش متعسفة يديرها مرضى عقليين ومنحرفين دينيا ؟؟ .

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

(الحلقة 2 من 3 )

 الوضع الدولى ومصائر المسلمين :

توضح فى كلمتك القيمة { أن كل دول العالم الإسلامى الأعضاء فى الأمم المتحدة قد إعترفت بإسرائيل بتوقيعها على ميثاق الأمم المتحدة ، الذى يؤكد على وحدة وسلامة أراضى كل دولة بما فيها إسرائيل ، واعترفوا أيضا بنفس التوقيع ، بترك التحاكم للشريعة ورضوا بالتحاكم لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة بما فيها قرار التقسيم لعام 1941 وقرار 242 وغيرها من سلسة قرارات الهزيمة والاستسلام } .

ــ تعلمون أن ضياع فلسطين يعود إلى تاريخ أبعد من إنشاء منظمة الأمم المتحدة . فسقوط الإمبراطورية العثمانية كان هو الضياع الحقيقى لفلسطين . وما حدث بعد ذلك كان تحصيل حاصل . بما فيه موافقة الدول العربية والإسلامية على ضياع فلسطين والإعتراف الضمنى أو السرى بإسرائيل. فقيام إسرائيل واستمرار وجودها جاء نتيجة لهزيمة المسلمين أمام حملة صليبية متصلة من الهجوم الحضارى والدينى يشنها عليهم الغرب حتى الآن . واستعادة فلسطين يتم مع إستعادة الوحدة الإسلامية المتحضرة ، الجاهزة لإستعادة حقوقها ، بما فيها حق الوجود الفاعل والعادل على المسرح الدولى .

والأمم المتحدة كمنظمة ، أنشئت لإدارة شئون العالم بما يتوافق مع نتائج الحرب العالمية الثانية وموازين القوة بين المنتصرين ، ولتفادى وقوع حروب أخرى واسعة النطاق ، مع الإبقاء على الصراعات الدائرة بين الدول الكبرى تحت مستوى الحرب الشاملة ، أى تحت مظلة الحروب بالوكالة . والدول الإسلامية كلها تقريبا كانت مستعمرة أو حديثة العهد بإستقلال شكلى ، وتبعية فعلية لمستعمريها القدماء أو الجدد .

وكان التنافس على أشده بين الكتلتين الشرقية والأخرى الغربية ، من أجل الهيمنة على دول العالم الثالث ، لنقلها من نطاق تبعية إلى نطاق تبعية أخر .

والمنظمة الدولية والقانون الدولى كانت / وما زالت/ ذرائع للسيطرة على الضعفاء ولكنها لم تكن ملزمة للأقوياء إلا فى حدود تحقيق المنافع لهم .

وحتى الدول الصغيرة كانت تتملص من تلك القوانين إذا حظيت بدعم كاف من دول كبرى. كما فعلت إسرائيل نفسها بعد صدور قرار التقسيم عام 1947، فوسعت مجال إحتلالها للأرض العربية أكثر بكثير مما نص عليه القرار . واخترقت الهدنة أو إلتزمت بها وفقا للإحتياجات العسكرية لحربها ضد العرب. وحتى لحظتنا هذه فإن الباب مازال مفتوحاً لأى دوله كى تخرج على أى قرار دولى ، إذا أمنت لنفسها الظروف المناسبة لتحقيق مكاسب أكثر تحت غطاء كاف من قوتها الذاتية أو قوتها التحالفية . فليس هناك شرف أو فروسية فى الغابة الدولية ومجتمع الذئاب الدولى . فكل دولة ومهاراتها السياسية وقدراتها العسكرية وقدرتها على عقد التحالفات أو الخروج منها حسب المصلحة .

ــ حتى تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتعلق بدخول الأمم المتحدة أو الخروج منها. وليست الشريعة بديلا عن القانون الدولى أو قرارات الأمم المتحدة ، والعكس صحيح فالقانون الدولى والقرارات الدولية ليست بديلا عن الشريعة ، فتلك المسائل كلها تتعلق بموازين القوى وصراع العقول والأظافر والأنياب . فلا ينبغى إتخاذ عذر أو تبرير لتقاعس أو عجز المسلمين عن تطبيق أى شئ من شرائع دينهم ، فالمسئولية تقع على كاهلهم أولا وأخيرا .

فالغابة الدولية لها قوانينها الإفتراسية ، أى الشريعة الدولية المناسبة لموازين القوى ومقتضيات الصراع الدولى فى لحظة معينة . وهى قوانين رهن التغيير فى أى لحظة تتغير فيها تلك الموازين ، والجميع يدرك ذلك . وللجهل عواقبه الوخيمة ، وبدون الفرائس الغبية والعاجزة ، لا تدوم حياة الوحوش الكاسرة فى غابة العالم المتحضر .

 ــ جميع دول العالم لا تحب أن تسمع كلمة (الشريعة الإسلامية) فهم لم يشاهدوها ولم يختبروها منذ قرون مضت . ولكن القرار الحقيقى هو للمسلمين أنفسهم وليس لسواهم . فعلى المسلمين أن يقاتلوا من أجل تحقيق إتحادهم ثم يقاتلو لأجل تطبيق شرائع دينهم . سوف يحاربهم من يريد حربهم ، سواء طبق فى حربه قوانين دولية أو قرارات أمم متحدة ومجلس أمن ، أو حتى خارج كل ذلك كما تفعل أمريكا الآن فى حروبها ضد المسلمين . حيث تعقد تحالفات مؤقتة خارج كل مؤسسة أو شريعة دولية ، وتشن حروبا وتحتل دول مثل أفغانستان والعراق أو ترسل قواتها الى داخل دول بدون إعلان الحرب عليها (سوريا ، اليمن ، ليبيا ) .

الإنخراط فى مجتمع الأمم المتحدة قد يفيد فى إستطلاع مواقف الدول وكواليس إتصالاتها ومناوراتها ، ولكنه لا يمنع المقدور إذا قررت قوة عظمى أبتلاع دولة صغيرة . والخروج من الأمم المتحدة أيضا لايمنع المقدور ، ولا يجعل الطريق أسهل صوب تطبيق شرائع الإسلام .

فتلك معركه طويلة جدا عسكريا وسياسيا وإقتصاديا وثقافيا ، على المسلمين وحدهم التصدى لها وتحمل تبعاتها .

 

الشريعة هى البناء الفوقى للدولة الإسلامية ،

والإقتصاد هو بنيتها التحتية .

القانون هو البنيان الفوقى لأى نظام سياسى . وهو السياج الذى يحمى بنيانه وقيمه . ويمكن تشبه القانون بالعلم الذى يرفع فوق جبل للإعلان عن هوية من يسيطر عليه .

لذا فمن غير الواقعى الحديث عن تطبيق الشريعة بينما المجتمع لم يكتمل بنائه من منظور إسلامى . فى وقت مبكر يمكن تطبيق بعض الأحكام الشرعية وليس كلها . البعض يظن أن (التعزيرات) والعقوبات الجنائية هى كل الشريعة ، وذلك ليس صحيحاً . وفى ظروف العالم حاليا فإن التحدى الحقيقى أمام تطبيق الشريعة هو الإقتصاد ، حيث يسيطر الربا على الإقتصاد العالمى . وداخل كل دولة وبدون المعاملات البنكية الربوية لم يعد ممكناً إجراء اى معاملة تجارية مهما كان حجمها . ومعلوم أن الربا هو أحد المحرمات الكبرى فى الإسلام . والربا هو كارثة إنسانية شاملة ونزف لثروات البشر إلى أيدى المرابيين الدوليين وبنوكهم الكبرى .

ذلك النظام الإقتصادى الربوى، حول الإنسان إلى ماكينة تعمل بكد وتستهلك بجنون وتستدين إلى درجة السفه. فالإنسان يعمل أجيرا لديهم، ويستهلك منتجات مصانعهم ، وتستعبده بنوكهم بالقروض الربوية .

 فأدى ذلك إلى شتى أنواع الحروب والإضطرابات الإجتماعية ، وسوف يستمر ذلك إلى أن يصبح الربا محرما فى كل الكرة الأرضية ، ويفهم البشر كافة أن الربا / وليس الإرهاب “الإسلامى” / هو العدو الحقيقى للإنسانية كلها . بل هنا تحديدا يمكن القول وبكل ثقة .. أن (الإسلام هو الحل) .

–  ولابد من لفت النظر إلى أنه بسبب الديون والفقر الذى ترزح فيه الشعوب والدول فى ظل النظام الربوى الدولى ، لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل عادل وحقيقى حتى فى مجال العقوبات ــ وهو المجال الوحيد المتاح الآن ــ لأن الفقر هو الأب الشرعى للكفر . فالقتل والزنا  والسرقة وشهادة الزور والرشوة وتعاطى المسكرات والمخدرات إلى آخر قائمة طويلة من الجرائم الكبرى سببها الأساسى هو الفقر . فكيف نطبق الشريعة فى أسهل مجالاتها ، أى العقوبات الشرعية ، من تعزيرات وحدود فى ظل الكفر البواح الناتج عن الفقر؟؟. لابد من التحرر من الفقر ومن مظالم توزيع الثروات على النطاقين الدولى والمحلى ، قبل الكلام عن تطبق كامل وحقيقى للشريعة . هذا إن كنا حقا صادقين فى ذلك الإدعاء ، ولسنا نخادع المسلمين ونتاجر بجهلهم وفقرهم ، من أجل الركوب على أكتافهم ، وإتخاذهم مطايا توصلنا إلى سلطة غشومة ، فنكون طاغوتا جديدا فى السوق السياسى الذى تديره المنظمة الربيوية  الدولية التى تدير باقى العالم .

من مستلزمات النظام الربوى الدولى تعميم الظلم الفادح فى توزيع الثروات داخل كل بلد ، بهدف خلق طبقة فاحشة الثراء، خائنة لدينها وشعبها تساند نظام الربا الدولى ومقتضياته السياسية من قهر وفساد وظلم تحت شعارات كاذبة ومخادعة عن شئ وهمى يسمى ديموقراطية ومجتمع مدنى وحقوق إنسان .

وللخروج من التعامل الربوى لابد من بناء سوق إسلامى ضخم لا يتعامل بالربا ولا يخضع لإملاءات الكتلة الإقتصادية العظمى التى تسيطر على إقتصاد العالم بما فيه البنوك .

 إذن الوحدة الإسلامية الكبرى هى فريضة دينية فى حد ذاتها، كما هى ضرورة للخروج من المحرمات الكبرى وعلى رأسها الربا . ناهيك عن حتميتها للدفاع عن أراضى المسلمين ، واستعادة أراضيهم وأوطانهم المحتلة ، وتلك فريضة إسلامية أخرى .

فالذين يسعون إلى إشعال نيران الفتنة بين المسلمين وإشعال نيران الحروب فيما بينهم ، إنما إنما هم أعداء الإسلام وأعداء الشريعة الإسلامية ومحاربون لها . بل وعملاء للقوى الربوية الدولية التى تخشى على مصيرها من تطبيق إسلامى حقيقى فى مجال الإقتصاد ، وكلنا نعلم من هى تلك القوى ومركزها الروحى فى إسرائيل .

– فبدون إقامة إقتصاد إسلامى صحيح ، فإن أى تطبيق سياسى”دولة” سيكون مجرد هذر ، أو على أهون الإحتمالات مجرد تطبيق ناقص .

ولا تطبيق إسلامى مكتمل فى الإقتصاد وفى الشريعة ، بدون وحدة إسلامية كبرى .

 – فالجهاد من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية الشاملة هو جهاد من أجل تطبيق الشريعة والدولة الإسلامية الراشدة .

– نعود إلى حديثكم حول الجامعة العربية ، فنقول إنها ومثيلاتها الفاشلات ، مثل منظمة التعاون الإسلامى أو الوحدة الإسلامية . إنما أقيمت تحت إشراف مستعمرينا ، كبديل شكلى للإتحاد الفعلى تحت راية إسلامية ولو كانت مريضة مثل الدولة العثمانية .

تلك المنظمات لم تخدم يوما هدفاً عربيا أو إسلاميا ، فالأهداف دائما كانت إستعمارية ، أو تنافسية حقيرة بين أنظمة أشد حقارة . فمرة يهيمن على الجامعة العربية النظام الملكى المصرى ، ثم الجمهورى العسكرى المصرى ، والآن يسيطر عليها أقزام وقراصنة الخليج النفطى . فهيمنت قطر لفترة قصيرة ، إلى أن تعافى النظام السعودى تحت راية الردة الصريحة ، وقيادة اللوح(بن سلمان) الطفل المعجزة و” لوح” الإعلانات فى البيت الأبيض.

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

( الحلقة 3 من 3 )

 

 أين قوة أمريكا ؟ ..  

الأرض : مستقر .. ومستودع .. وموضوع صراع .

جاء فى ييانكم ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى” : { ثم لم يكتف بذلك ـ أى الشيخ أسامة ـ بل قام فعليا بضرب المثل والقدوة العملية لأمته ، فبين لها أنه ضرب أمريكا ممكن ، لمن توكل على ربه ، ثم عقد عزمه ، واستنفرغ جهده ) .. (فضرب إخوانه الأمريكان فى عدن ثم فى الصومال ثم فى نيروبى ودار السلام ، ثم فى عدن مرة أخرى بضرب المدمرة كول ، ثم كان الفتح الأكبر فى عقر دار الأمريكان} .

– إن إكتشاف إمكانية ضرب أمريكا بل وهزيمتها وإذلالها ، سبق وأن إكتشفته شعوب عدة ، أشهرها الشعب الفيتنامى . فالهزيمة العظمى التى ألحقها بأمريكا وجيشها صارت مثلا بين الشعوب ، وعلامة فى فن الحرب ودنيا السياسة الدولية .

والشعب الأفغانى يثبت فى كل ساعة إمكانية ضرب أمريكا وإذلالها . وأظن أن لجؤ الشيخ أسامه إلى العمليات الخارجية كان خطأ استراتيجيا ضمن مجموعة خطيرة من الأخطاء .

فالهدف المعلن للجهاد طبقا لبيان ” تورا بورا” عام 1996 كان إخراج المشركين من جزيرة العرب . ثم فى بيان تلاه توسع الهدف ليصبح تحريرالمقدسات الإسلامية من مكة إلى المدينة إلى القدس . ومن البديهى أن تحرير أى أرض يكون نتيجة لحرب ـ أو جهاد يخوضه الشعب على أرض وطنه ، وليس أرضا غريبة أو بعيدة . قد يحصل ذلك الشعب على إسناد من شعوب آخرى تدعمه فوق أرضه ، أو فوق أراضى بعيدة ، فى عمليات ثانوية أو دعائية ضمن حرب نفسية.

ــ أعلم أن أبا عبدالله كان متخوفاً ـ فى حال شن هجمات داخل السعودية نفسها ـ أن ينقلب عليه “المشايخ” و”طلاب العلم ” ويسحبون منه الشرعية الدينية فيضعفون موقفه داخل البلد ، خاصة إذا سقط ضحايا من “المسلمين” فى الشرطة أو الجيش . لذا لجأ إلى العمليات الخارجية تحت وهم آخر، كان يصرح به ، بأن الأمريكيين لن يتحملوا ضربتين أو ثلاث من الضربات القوية وبعدها سوف يفرون من السعودية . وقد تناقشنا سويا ومطولا حول خطأ ذلك الإفتراض لأن عظمة أمريكا مرتكزة على نفط السعودية أساسا ، ثم باقى نفط الخليج ، وتسعيره بالدولار الأمريكى الذى أصبح بذلك عملة التجارة الدولية . ولكن الرجل لم يقتنع ، وتركيزه إنصب على العمليات الخارجية . وهو التركيز الذى إستمر حتى اليوم فى القاعدة ، وبدون فهم لمبرراته أو إكتشاف لقصوره عن تحقيق أى هدف ، وخطورة ممارسته فى ميادين يجهلها المجاهدون ، ويسيطر عليها العدو بالكامل ، حتى تمكن من تحويل نتائج تلك العمليات لمصلحة سياساته الداخلية والدولية ، وبناء تحالفات عدوانية ، وتشويه صورة الإسلام وليس المجاهدين فقط .

والآن .. وإسرائيل متواجدة فى كامل الأراضى السعودية بما فيها المقدسات ، وتقوم بحماية القصور الملكية ، وتشارك بل وتدير ، حرب اليمن التى شنها آل سلمان نيابة عن الصهاينة.

فى هذا الوقت الحرج لا يكاد يوجد للقاعدة قوة على الأرض تمكنها من التصدى للغزو الصهيونى للمقدسات ، ولا لطوفان الردة الذى يغرق المملكة وجزيرة العرب.

وبشكل عام تجد القاعدة نفسها فى هذه اللحظة بعيدة عن أرض الصراع مع صهيونية إسرائيل وصليبية أمريكا ، بل أنها فى بعض الميادين وقعت بعض فروعها تحت سيطرة القوى الإستعمارية التى تمكنت من توجيه مسارها ضمن مسار مصالحها الاستراتيجية .

وليست القاعدة وحدها الواقعة فى مجال (الهيمنه الاستراتيجية ) الأمريكية/ الإسرائيلية ، حيث يوجد معها كل التيار الجهادى / تقريبا / . بل أن التيار الداعشى (الدولة الاسلامية!!) هو جزء لا يتجزأ من القوات الأمريكية فى نشاطها حول العالم وفى المنطقة العربية .

يحاول البعض التنظير لحالة الفشل التى تعانى منها الحركة الجهادية العربية ، وعدم قدرتها على تحقيق أى إنجاز فعلى على الأرض بحيث يمكن ترجمته فى صورة تقدم سياسى . ولا حتى أى إنجاز عسكرى واضح يمكن التباهى به . فيقولون أنهم حركة جهاد عالمى  ، لأنهم لايهتمون بقضايا جهادية فى وطن بعينه ، حتى فى أوطانهم الأصلية . بينما العالمية لا تأتى من فقدان الأرض وضياع الأوطان وتشتت المجاهدين فى زوايا الأرض، بحثا عما يشغلهم عن قضايا بلادهم، مدعين أن تلك هى العالمية الجهادية . بل عالمية الجهاد تأتى من التشبث بالأرض والدفاع عنها. فالدواعش مثلا يهاجمون حركة طالبان مدعين أنها حركة “وطنية ” تدافع عن وطنها فقط وليس عن كل بلاد المسلمين . واضح ركاكة ذلك المنطق . فلو ترك المسلمون الأوائل المدينة المنورة للمشركين فى غزوة الأحزاب ، لما كان هناك إسلام على ظهر الأرض اليوم . فالأرض بما عليها من بشر وكائنات وثروات وضعها الخالق لمنفعة الناس، وهى موضوع الصراع بين المسلمين وطغاة الأرض الذين تألهوا على البشر واستعبدوهم . فعمران الأرض تكليف للجنس البشرى كله  ، أما خرابها ودمارها على يد المجرمين الطغاة ، فذلك هو موضوع الجهاد الأكبر والصراع بين الإيمان والكفر . ليس لإرغام الناس على إعتناق الإسلام بل لقيادتهم صوب العدل والإنصاف والمساواة بين البشر جميعا وإعمار الأرض بقيم العدل والمساواة ، والسعى فى مناكبها بإحسان بلا إساءة للبشر أو باقى الكائنات ، أو بتخريب كوكب الأرض طمعا فى نهب ثروات بأنانية مهلكة للجميع .

وبما أن القاعدة ـ وباقى التنظيمات السلفية الجهادية ـ غير موجودة فى قلب ساحة الجهاد الأساسية ، فهى إما أنها لم تعد موجودة بشكل كاف أو أنها ضلت السبيل ـ وتاهت ـ فى غابة السياسة العربية ومتاهات الأيدلوجيا الوهابية ، والعلاقات مع وكلاء أمريكا ، الذين قلتم عنهم فى بيان ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”: { أن من يعتمد على دعمهم وأموالهم وتوجيههم إنما يسير نحوالهاوية إن لم يكن قد إستقر فيها } . أظن أن تلك الهاوية مزدحمة للغاية بتنظيمات ومجمواعات جهادية ودعوية ، وأخرى سياسية سلفية .

هم فى الهاوية مزدحمون ، ومازالوا يتسابقون على المال النفطى الحرام تاركين ساحات الجهاد الفعلى لتحرير المقدسات الإسلامية التى ضاعت واقعيا ، بينما التنظيمات العربية ، الجهادى منها والدعوى والسياسى ، فى سكون الموت ، أو يقظة اللص الفطن الذى ينتظر فرصة الإنقضاض على شئ من الغنيمة ، غنيمة الخيانة ، وبيع الأوطان والمقدسات . ومع ذلك مازالوا يتاجرون بشعاراتهم القديمة التى لم تعد تقنع أحدا .

 

شعاراتنا توحد العدو .. وتشتت صفوفنا.

وهى خيالية .. وبعيدة عن المهام العاجلة.

جبهة العدو هى الأخرى مليئه بالثغرات سواء فى العلاقات بين الدول وبعضها ، أو بين الطبقات الإجتماعية داخل كل بلد ، إضافة لتناقضات بين أقليات عرقية ودينية .

والكثير من أفراد تلك الطبقات يعانى من ظلم النظام الإقتصادى و السياسى الذى يحرس مصالح الأغنياء ، ضد الفقراء والمضطهدين من المجموعات المستضعفة لأسباب دينية أو عرقية .

كل هؤلاء يمثلون إحتياطيا للمسلمين ، إذا لاقوا منهم التفهم والمساعدة . لذا من الخطأ الكبير أن نعامل العدو كحزمة واحدة . حتى الدول فيما بينها ، لديها الكثير من التناقضات الداخلية. لكنها وصلت إلى درجة كبيرة من الرشد والقدرة على القفز فوق التناقضات والتعامل فى نطاق المصالح المشتركة لتحقيق أرباح ترضى الجميع حتى ولم يكن التوزيع عادلا، فذلك أفضل من التحديات والحروب التى يخسر فيها الجميع . وهذا درس من دروس كثيرة ينبغى أن نتعلمها من العدو . فنحن ندمر صفوفنا ونلغى كل مشتركاتنا الدينية الأساسية بحثا عن أى خلاف مهما كان صغيرا كى نضخمه ونحوله إلى تناقض أساسى ، وحربا تكفيرية لا تبقى ولا تذر . وللوهابية الدور الأكبر فى خلق تلك الفتن وتسعير نيرانها بين المسلمين . فتستبعد معظم المسلمين وتتهمهم بالكفر حتى لا يتبقى لدينا غير تنظيمات وهابية متصارعة متنابذة ، ومعظمها وصل إلى التعامل الصريح أو الخفى مع أعداء الأمة بما فيهم أمريكا وإسرائيل .

لذا ليس من الحكمة وصف المجنون ترامب ومن حوله بأنهم { أمته الصليبية الرعناء} و{ أمته الحمقاء الغشوم } فذلك قول غير صحيح على إطلاقه ، ويُضَيّعْ على المسلمين تحالفات قيمة مع غير المسلمين ، من الضعفاء المظلومين من أديان وعرقيات لا حصر لها .

يجب أن يكون الإسلام والمسلمين نصيرا لكل مظلوم مهما كان إعتقاده أو جنسه . وفى ذلك دعوة للإسلام يقبلها من يقبل ، أو يرفضها من يرفض ــ فلا إكراه فى الدين ــ ولا يغير ذلك من موقف الإسلام والمسلمين شيئا تجاه نصرة المظلومين ، حتى من غير المسلمين ، ومجابهة الظالمين ـ حتى لو كانوا من المسلمين.

–  وفى حين نوحد صفوف العدو بإطلاق أحكام عامة غير دقيقة ، نبذل قصارى جهدنا فى تفريق صفوف الأمة . وتصنيفها وفق أقوال ثبت خطورتها على مستقبلها. فكثرت التصنيفات التى تثير البغضاء والكراهية بين المسلمين ، تحت دعاوى باطلة تدعى الحرص على (العقائد) و(التوحيد) . وجميعها أكاذيب ،  إذ أن الأمة واحدة بكلمة التوحيد . أما الذى يرفع السلاح عليها نصرة للكافرين فهذا هو العدو الذى يجب نقاتله. فكم نزعنا صفة الإسلام عن موحدين مجاهدين ، بدافع أحقاد فقهية ، وخلافات مذهبية ، أو عصبية قبيلية منتنة.

هكذا فعلت حركتنا الجهادية ، من السلفى إلى الوهابى والداعشى . فكم من جرائم فى حق الدين والأمة إرتكبها ذلك التيار ، متوازيا مع خطاب سطحى يهاجم العدو بما يجمع صفوفه ضد المسلمين وكراهية للدين الذى جاء رحمه للعالمين ـ كل العالمين ـ وليس فقط المسلمين .

 

المبالغة فى الخيال تضر التركيز على المهام العاجلة :

المبالغه فى الخيال الجهادى ، قد تكون مقبولة فى الكتابات الأدبية أو للتعبئة العاطفية أو لتنشيط الذاكرة التاريخية .

فى واقعنا الحالى تتساقط قلاعنا الأساسية ، بسرعة قياسية لم تحدث قبلا حتى خلال الغزو المغولى لبلاد المسلمين . فالعدو إحتل القدس ، وتمكن من جزيرة العرب ، ويشن حرب إبادة على أهم شعوبها ـ بل وشعوب العرب أجمعين ـ خاصة فى اليمن وفى مصر الساقطة بالفعل، وهى خاوية على عروشها من كل أسباب القوة بفعل عصابة الخونة من الصهاينة المصريين ، فى الجيش والأمن ، وديدان الإعلام والأزهر . وهكذا ضاع نصف عدد العرب فى ضربه واحدة . وتعداد ما حدث من كوارث للعرب يصعب حصره ، ومعظمه معلوم بالضروره :

 شعب أفغانستان ـ درة الجهاد، وسادة الإسلام ـ مازالوا للعام السابع عشر فى حصار من العدو ومن الأخ والصديق . يقاومون أكبر حملة صليبية فى التاريخ  كما لم يفعل أحد قبلا .

وشعب فلسطين ـ جوهرة الإسلام وقلبه النابض بالجهاد ـ فى حصار وتجاهل ، ومقاومة منسية بل مغدورة من إخوة الجهاد . وأنصارها الحقيقيون متهمون ومحاربون ، ومتهمون فى عقائدهم وسياساتهم .

والحرمين الشريفين ــ مكة والمدينة ــ أعمدة الدين وراياته ، ينخر فيهما السوس اليهودى مستبيحاً حرماتهما ، محولا إياهما إلى مجرد آثار تاريخية ، مغيرا لأحكام الدين ولطابع المدينتين إلى نمط عمران مدن القمار والدعارة فى الولايات المتحدة وإسرائيل . وأزال آل سعود عن المدينتين معظم السمت الإسلامى الذى يظهر هويتهما الدينية. فالمقدسات أصبحت مجرد أقزام عمرانية تائهة فى بحار العمارة الغربية الباذخة بطابعها العمرانى المتحدى للدين والثقافة الإسلامية.

أمكانات الجميع لا تكفى للمواجهة ـ ومع ذلك ينشط أتباع مشيخات النفط فى بث الفرقة والتكفير وخلق عدو بديل لإسرائيل ، داعين إلى مواجهة (الفزاعة الإيرانية) بديلا عن العدو الحقيقى المدجج بالسلاح النووى والجرثومى ، وأحدث منتجات مصانع السلاح فى الولايات المتحدة وأوروبا ، ويحتل إما فعليا ، أو واقعيا من وراء ستار سعودى شفاف ، كل مقدسات المسلمين .

مع هذا العجز الفادح فى الرجال والسلاح والمال ، نجد دعواتكم لتحرير كشاغرى (فى الصين) وجروزنى (فى روسيا الإتحادية) وكشمير(فى الهند) إضافة إلى الأندلس( أسبانيا والبرتغال) وليس بهما من المسلمين سوى فئة صغيرة من المهاجرين العرب . على تلك القوى العظمى الناهضة بسرعة إلى صدارة العالم فى المدى القريب أو المتوسط ، نشن حربا من الآن . ونحن فى ورطتنا، حيث لا نتقدم لحل معضلاتنا إلا بالمزيد من الفتن وتفريق الصفوف.    – فماذا نحرر، ومتى ، وكيف ؟؟.

هل يمكن توضيح ولو الخطوط الإجمالية لكيفية فعل ذلك ؟؟. أخشى أن تكون المناداة بتحقيق الأهداف المستحيلة ، مدخلا لنا للتملص من تأدية الواجبات العاجلة والقريبة .

هذا ما يحضرنى الآن ، ودمتم فى حفظ الله ورعايته .

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 الجهاد : إلى أين ؟؟
اضغظ علي الصورة لتحميل المقالة PDF

 

 




الأسباب الطائفية للصراع ، ودور العقوبات والحصار فى إشعال الحروب

مصطفي حامد لزاكى : الأسباب الطائفية للصراع ، ودور العقوبات والحصار فى إشعال الحروب

مصطفي حامد لزاكى :
الأسباب الطائفية للصراع ، ودور العقوبات والحصار فى إشعال الحروب 

* أينما ظهرت الوهابية القتالية توارت القضايا الأساسية وتصدرت المشهد الفتن الطائفية.

* الصراع ليس بين (السنة و الشيعة) بل هو صراع مصيرى بين (الوهابية والإسلام).

* للصراع الدولى فى سوريا جذور استراتيجية وإقتصادية وأمنية . وهناك دوافع سياسية وإجتماعية للتحرك الشعبى .

* الحصار والعقوبات الإقتصادية ترهق الشعوب وتدفعها نحو الثورة على الأنظمة الحاكمة . وتلك سياسة أدت إلى حروب عالمية، وجربتها أمريكا وأوروبا ضد الإتحاد السوفييتى واليابان وألمانيا . وتجربها الآن ضد إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا .

* مجهود إيران للخروج من الحصار السياسى والإقتصادى ، وحماية نفسها من الضربات الإرهابية والثورات الملونة ، والتصدى للتفوق العسكرى الإسرائيلى ، يصورونه على أنه (سلوك عدوانى فى المنطقة) .

* مصر لا تستفيد من السعودية ، بل أن السعودية ومعها الإمارات وقطر دمروا مصر تماما ببناء سد النهضة الأثيوبى ، ودعم عصابة “جنرالات الخيانة”.

* أفغانستان سيف حاد حاول الأمريكيون إبتلاعه فمزق أمعاءهم . والإيجابية تمثلت الآن فى تبلور حقيقة وحدة المعركة الإسلامية، من  جبال الأوراس وحتى جبال الهندوكوش مرورا بجبال البُرْز فى إيران .

 السلام عليكم

استاذ ابوالوليد

كيف حالكم أتمنى أن تكون بخير.

ارسلت لكم اكثر من 5 تعليقات و 3 رسائل للاسف لا اري تعليقاتي منشورة حتي الان !! اتمنى ان يكون تجاهل اخي المشرف خير إن شاء الله.

زاکی: في سوريا الجماعات الجهادية  يشتبكون إشتباكات مباشرة مع بعض. والعجيب القاعدة تحاول تأسيس فرع مرة اخري بين الصراع الدائر للجماعات المحلية و الأجنبية هناك! يتساءل البعض هل يوجد أمل في الجماعات الجهادية السلفية أم لا ؟.

مصطفي حامد: الأخ العزيز.. لم يكن هناك أى تجاهل لرسائلك ، ولعلك أدركت الآن السبب بعد تلك الحملة الضاريه على الموقع . والأخ المشرف مازال فى حالة إنشغال دائم رغم أن العديد من المشاكل قد تم حلها إلا أن الباقى كثير . فالمشاركون فى الحملة ضد مافا السياسى جميعهم من الأوزان الثقيلة جدا، بينما وموقع (مافا السياسى) مازال أقل من وزن “الريشه ” .. فصبر جميل والله المستعان .

 ــ تسأل عن أى أمل فى الجماعات الجهادية . من فرط الضيق أقول أحيانا (لا أمل فيهم). ولكن بوادر عديدة تشير إلى حدوث يقظة واستفادة من الدروس الأليمة التى مرت بها الأمة. لذا دعنا نأمل خيرا فى المستقبل. ولا يأس مع الحياة .

لقد أدركت العديد من الجماعات السلفية الجهادية أنها تسير فى طريق خاطئ ومغلق ، لكنها مضطرة إلى المتابعة لأجل الحصول على مقومات البقاء ، ومنها التمويل . ولا تدرى أنها بذلك دخلت فى مرحلة خطرة من الإرتزاق الجهادى ، والتحول إلى نسخة (إسلامية جهادية ) من (جهاد ووتر) الأمريكية .

وعواقب ذلك خطيرة جدا عليهم ، وعلى أمتنا الإسلامية كلها .

زاکی: لماذا نشعر أن الصراع الدائر في سوريا و اليمن هو صراع بين السنة و الشيعة ؟ و القضية الأساسية التي أتت بها الثورة غير موجودة أساسا في الحسبان ؟.

مصطفي حامد: إشعال الفتن والحروب مهنة يهودية قديمة . ولكى تبقى إسرائيل فإنها تشعل الفتن بين المسلمين إما على أساس طائفى خاصة (سنة /شيعة) أو أساس عرقى (عرب وغير عرب) . أو حتى على أساس قبلى عشائرى بين العرب أنفسهم أو بين القوميات الإسلامية أينما كانت .

السعودية وهبت نفسها لذلك البرنامج الشيطانى كون مذهبها الوهابى ودولتها السعودية هما جزء عضوى من البرنامج اليهودى الصهيونى الموجه ضد فلسطين والعالم الإسلامى.

الحركات السلفية مرتبطة بالسعودية تحديدا وباقى مشيخات الخليج عموما، بحكم الإنتماء الوهابى الواحد ، وبحكم التمويل الذى بدونه لن تستطيع تلك الجماعات أن تستمر . وقد أنفقت السعوديه 67 مليار خلال ثلاثة عقود فقط لنشر الوهابية . ناهيك عن مئات المليارات فى حروب بالوكالة عن الولايات المتحدة فى كل من أفغانستان وسوريا والعراق واليمن ولبنان وليبيا وأماكن كثيرة أقل شهرة إعلامية منها الفلبين وبورما .

الفتن من هذا القبيل ـ جميعها ـ صناعة صهيونية ـ وتمويل سعودى وإسناد أمريكى كامل ومشاركة أدوات صغيرة ولكنها ميدانية مثل جماعات الوهابية الجهادية بأسمائها الكثيرة التى أشهرها داعش .

 ومن أهم مهام الوهابية القتالية هى حرف مسار ثورات الشعوب وإفشال تجاربها الجهادية والثورية ، والإنصراف التام عن قضية فلسطين ، والسير حثيثا صوب الفتنة المذهبية والفتن بأنواعها ، وصولا إلى دمار الأمة الإسلامية وسيطرة إسرائيل عليها.

لهذا نلاحظ ضياع القضايا الأساسية للشعوب فى كل مكان تدخلت فيه الحركات الوهابية القتالية ، وحلت مكانها قضايا الفتنة والصراع الداخلى حتى بين المجاهدين أنفسهم .

زاکی: هل الصراع الدائر بين السعودية و إيران أثرت علي الجماعات الموالية لهما في سوريا و اليمن ؟ 

هل تدخلهم في سوريا و اليمن أعطي انطباعا طائفيا، أم ان هناك أسبابا أخري ؟.

مصطفي حامد: الصراع الدائر فى سوريا ، بين دول متعددة ، جذوره غير طائفية بالمرة ، ولكن أسبابه استراتيجية وأمنية وإقتصادية ، ويكاد أن يكون صراعا عالميا ، إسرائيل هى أهم أطرافه ومشعليه .

ــ  والصراع فى شكله الطائفى ليس (سنى /شيعى ) بل هو أخطرمن ذلك فى الحقيقة ، إذ أنه صراع (وهابى/إسلامى). ولكن الآلة الدعائية الدولية (الصهيونية) والوهابية، أعطت إنطباعاً كاذبا بأنه صراع ذو جانب واحد بين السنة والشيعة .

ــ للصراع الأهلى فى سوريا أسباب إجتماعية وسياسية وإقتصادية . ولكن اللجوء إلى الشعار الطائفى هو محاولة لإستجلاب العون الخارجى. وفى الغالب فإن الطرف المفلس سياسيا يتوسل بالطائفية لتقوية صفوفه الداخلية ، وحشد حلفاء فى الخارج يدعمونه بأشكال الدعم الممكنة. يؤدى ذلك إلى توسيع نطاق الصراع وتوريط المزيد من القوى الداخلية والخارجية فيه ، ومن ثم فقدان السيطرة على حل الصراع ، إلا عبر وليمة لتقاسم النفوذ والمصالح والأراضى ، يكون الوطن والشعب أكبر الخاسرين فيها.

ــ كان هناك شئ من الإحتقان الطائفي فى سوريا سابق على إنفجار الوضع هناك . ولكنه لم يكن سببا كافيا ، بل هناك أسباب أقوى تتعلق بالحقوق والحريات والظروف المعيشية.

ــ فى اليمن لم يكن الأمر كذلك . بدليل أن السعودية وعلى فترات ليست متباعدة تحالفت ومولت جميع الأطراف ، حتى تفوز بالسيطرة على اليمن وجعلها على أقل تقدير ، ساحة خلفية للبيت السعودى ، ومرتعاً لاستثماراته المالية ومذهبه الطائفى الذى يخلق له أتباعا عقائديين وعملاء سياسيين .

السعودية فعلت ذلك فى سوريا ولبنان على فترات مختلفة ، وتحالفت مولت الجميع ضد الجميع ، ولصالح خدماتها لأمريكا وإسرائيل ، والمتمولين السعوديين .

وضع إيران فى ذلك الصراع مختلف ، ويغلب عليه الطابع الدفاعى . فمنذ خروجها من القفص الأمريكى الإسرائيلى . بدأ الضغط العسكرى العنيف عليها فى حرب الثمان سنوات ، ثم حصار إقتصادى ومساعى لفرض عزلة سياسية عليها .

يتوهم الناس أن الحصار الإقتصادى والعقوبات هو أمر سهل، ولكنه دمار لحياة الشعب لدفعه نحو الثورة على نظامه ، فيأتى الغرب وشركاته (للإنقاذ وإعادة الإعمار)، ويدفع إلى الصدارة بعملائه من الليبراليين وحواة المجتمع المدنى وحقوق كل شئ ماعدا حقوق مجموع الشعب ومستقبل الوطن فى الأمن والحياة الكريمة والاستقلال بثرواته وقراراته.

ــ  كان على إيران إما الإستسلام للحصار وتقبل نتائجه إلى أن تنهار، أو أن تصارع للخروج من تلك العزلة السياسية والحصار الإقتصادى ، وحماية داخلها من الأعمال التخريبية والإرهابية المسلحة ، وقطع الطريق على الثورات الملونة التى أتقن الغرب فنون إشعالها لتغيير الأنظمة غير المرغوب فيها.

ــ فى نفس الوقت سعت إيران إلى ردم فجوة التفوق العسكرى الإسرائيلى على جميع العرب والمسلمين بدعم أمريكى أوروبى . والحصول على حقوقها كدولة لديها القدرة للدفاع عن نفسها ضد التهديد الإستراتيجى الذى تفرضه إسرائيل. ولها مجال طبيعى فى العلاقات السياسية وفى التبادل الإقتصادى الحر، والعبور الآمن للأفراد والسلع والأموال ، والتعامل المتكافئ مع المحيطين الإقليمى والدولى .

ــ تحطيم إيران للحصار المفروض عليها إعتبرته الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل وآل سعود عدوانا شيعيا وتدخلا تخريبيا فى شئون الدول الأخرى ودعما للإرهاب وسلوك عدوانى فى المنطقة .

ــ لقد جرب الإستعمار الغربى سياسات الحصار والعقوبات مرات عديدة ، أدت جميعها إلى حروب عالمية وحروب محدودة ساخنة وباردة ، وسباق تسلح تقليدى ونووى. جربوا ذلك مع الإتحاد السوفيتى ومع ألمانيا ومع اليابان والصين ، والآن يجربوه مع كوريا وإيران وفنزويلا وكوبا.

ــ يتكرر نفس الأسلوب ضد العرب والمسلمين  لحساب إسرائيل ونقلها إلى موضع الصديق ثم الحليف ضد (عدو طائفى) تمت صناعته زورا وخلافا لكل حقيقة أو منطق . فنشبت حروب وصراعات ، تخللتها تجاوزات وجرائم . وأثناء تدفق الدماء وغياب المنطق والحقيقة ، يغيب العقل وتشتعل الفتنة أكثر، إلى أن يتصدى لها العقلاء أو أن تأكل النار نفسها وتأكل حتى من أشعلها.

وإلى أن يحدث ذلك تسقط دول وتقام أخرى . وتصبح إسرائيل ممتدة من المحيط إلى الخليج . وتحشد قواها لإبتلاع إيران وأفغانستان سعيا نحو حدود الصين وروسيا والهند . ويتم (تجديد الإسلام) بأفكار اليهود وعلماء الوهابية وأموال آل سعود . فتتوحد الأديان الثلاث فى ديانة يهودية واحدة وربما “كتاب مقدس” واحد . ونظرة إلى أرض الحرمين الشريفين الآن نرى بعض ملامح (الإسلام) الجديد القادم . أو الصهيونية الجديدة ذات السمت الإسلامى الوهابى .

زاکی: هل مصر مستفيدة من دعمها للسعودية في اليمن أم مجبورة علي ذلك ؟. 

مصطفي حامد:  مصر لا تستفيد من السعودية بل أن السعودية ومعها الإمارات وقطر قد دمروا مصر تماما ، دولة وشعبا . ويكفى تمويلهم لسد النهضة فى أثيوبيا . ودعمهم لعصابة جنرالات العار والخيانة فى مصر .

والذى يستفيد منهم هو جنرال حارة اليهود وعصابته الأقربين، بينما شعب مصر يزداد فقرا وضياعاً. وقريبا سوف يفقد أرضه بفقدانه ماء النيل ، وسيدخل مرحلة التيه العظيم الذى سيفنى فيه معظم سكان المحروسة (100 مليون) فيما عدا مليون أو إثنين من الأثرياء، معهم من الدولارات الملايين والمليارات ، ومرتبطون ماليا ومصيريا مع صهاينة إسرائيل والعالم .

زاکی: كيف تنتهى الحرب فى افغانستان ومتى تتوحد الجهود لفتح فلسطين ؟؟.

مصطفي حامد:  أفغانستان سيف حاد حاول الأمريكيون إبتلاعه فمزق أمعاءهم . ولم يتعظوا بما حدث للجبابرة من قبلهم . يعرف الأمريكيون أنهم قد خسروا بالفعل الحرب فى أفغانستان ، رغم أن المعارك مازالت مستمرة .

منذ البداية وفى ذهن الأمريكيين أن حرب أفغانستان حملة صليبية جديدة ضمن حرب دائمة ضد المسلمين ، وأنهم مالم يخضعوا أفغانستان فسوف يظل موقفهم فى الشرق الأوسط مهتزا وإسرائيل فى خطر . لقد إرتبط قدر أفغانستان بقدر بلاد العرب والإسلام هناك.

يرتكب الأمريكيون والاسرائيليون أخطاء فادحة نتيجة إستعجالهم لإنهاء قضية فلسطين ، وفرض الإحتلال الإسرائيلى على رقاب العرب أجمعين . السبب الأساسى للإستعجال هو عدم قدرة الأمريكيين على الإستمرار فى أفغانستان أكثر من ذلك . ولا يمكنهم أظهار هزيمتهم فى بلاد الأفغان فتتجرأ شعوب العرب على مجرد “التفكير” فى رفض (مصيبة القرن) لإنهاء قضية فلسطين ، وافتتاح قضية جديدة هى إحتلال اليهود لبلاد العرب من المحيط  إلى الخليج . حكام العرب فى معظمهم الأغلب ، جاهزون بائعون ومبايعون ، للصهاينة ومشروعهم .

والشعوب فى سكرات الغفلة والضياع .. ولكن إلى متى؟؟ .

الإجابة على ذلك السؤال هى ما يقلق أمريكا وإسرائيل . ولكن الإيجابية الكبرى هى تجلى وحدة المعركة الإسلامية من جبال الأوراس إلى جبال الهندوكوش ، مرورا بجبال البرز فى إيران .

 

 بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

                     




رقعة شطرنج 2

نحن و لعبة الشطرنج ـ النقلة الثانية

( حوار فى حلقات مع عابر سبيل 2/2 )
نحن  ولعبة الشطرنج ـ النقلة الثانية :
الولايات المتحدة على المسار السوفيتى

 

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

 

 { تحدث الأخ عابر سبيل عن إستراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة كنت قد طرحتها فى بداية التسعينات وقال أن تنظيم القاعدة قام مشكورا بتبنيها . وفى مكان آخر من رسالته إقترح أن نتحدث عن إستراتيجية مناسبة للعمل الإسلامى } .

من الدروس العظمى التى تبدت أمام أعيننا فى أفغانستان كان هزيمة السوفييت وإنسحابهم من ذلك البلد نتيجة حرب طاحنة إستمرت حوالى عقد من الزمان . ذلك الإنسحاب المنكسر لقوات الجيش الأحمر إضافة إلى نفقات الحرب التى زادت الإقتصاد السوفيتى خرابا وضعفا، أدى إلى تراخى قبضة السوفييت على إمبراطوريتهم الواسعة ، فتفلتت تلك المستعمرات إلى أن إنهار الإتحاد السوفيتى وسقطت الشيوعية فى موسكو نفسها.

بسهولة كان يمكن إدراك تشابه الوضع السوفيتى مع وضع الولايات المتحدة المسيطرة على المنطقة العربية ، والتى منها تستمد أهم عناصر قوتها المالية والسياسية والاستراتيجية. وبواسطة إسرائيل تهيمن الولايات المتحدة على المنطقة العربية كلها وتهدد أمنها وكل مناجى الحياة فيها من أدق الأمور إلى أعظمها . ويمتد النفوذ الأمريكى إلى مناطق واسعة جدا من العالم الإسلامى ، والدول الضعيفة ، حاملا فى جعبته النفوذ الصهيونى المالى والإستخبارى .

كان من المنطقى بعد هزيمة السوفييت أن نستنتج أن علاج أزمتنا المستعصية مع الولايات المتحدة “واسرائيل بالضرورة” هو هزبمة عسكرية لتلك المبراطورية تؤدى بها إلى مصير مماثل للمصير السوفيتى .

وقد كتبت حول ذلك مرات عديدة ـ ولم أكن وقتها على صلة بالصحافة واسعة الإنتشار ـ وكانت لى رسائل إلى الأخ أسامة بن لادن وباقى إخواننا هناك فى السودان ، شارحا لهم تلك الفكرة التى يمكن إعتبارها ” توجه استراتيجى ” ممكن أن تسعى إليه أى استراتيجية تتبناها مجموعة أو شعب أو تحرك جهادى أو حتى غير جهادى . أما الاستراتيجية فهى شئ غير ذلك لأنها تخطيط يرتكز على ظروف محددة فى المكان والزمان والإمكانات المتاحة .

( مجموعة من تلك الرسائل نشرها أحد المواقع الإلكترونية التابعة للبنتاجون بعد أن حصل الأمريكيون عليها من ركام بيت الأخ سيف العدل الذى دمرته طائراتهم فى مدينة قندهار عام 2001 )

وعندما عاد الشيخ أسامة بن لادن إلى أفغانستان بعد أن أبعدته حكومة الخرطوم ، ثم أصدر بيانه الشهير عن إعلان الجهاد لإخراج المشركين من جزيرة العرب ، كان ذلك تطبيقا صحيحا للمبدأ الاستراتيجى أو التوجه الاستراتيجى المذكور، حيث أن العمل على إخراج أمريكا من جزيرة العرب يعنى فى الواقع القضاء على مكانتها الدولية ، بل والقضاء على على إسرائيل فى حقيقة الأمر .

لم يلبث ” بن لادن ” أن أدخل تطويرا على هدفه الاستراتيجى ليصبح إعلان الجهاد “لتحرير المقدسات الإسلامية ” . وكان ذلك تطويرا وتوسيعا للهدف وليس تغييرا أو الخروجا عليه. كان ينبغى بعدها وضع “خطة استراتيجية ” تطبق على مراحل من أجل تحقيق ذلك الهدف.

وبما أنه هدف كبير جدا ، ومقاومة العدو سوف تكون ضاربة ، قدمت للأخ أسامة مقترحا بأن يضع فى إعتباره إشراك “الأمة الإسلامية ” كلها فى تلك المعركة . وهذا يقتضى درجة كبيرة من المرونة فى التخطيط والتطبيق تسع الجميع وتأخذ من كل طرف على قدر طاقته . وبما أنه يتكلم عن المقدسات فإن فلسطين موجودة ، وبالتالى لابد من إدخال “كافة القوى” العاملة من أجل تحرير فلسطين ضمن ذلك المخطط .

وكان من ضمن المقترحات التى قدمتها له حل تنظيم القاعدة أو تنازلة عن قيادته، ويتفرغ هو لذلك المشروع الكبير كرمز ومنسق لمحاورة الكليه وليس خطواته التفصيلية التى تترك لكل طرف محلى حسب ظروفه وإمكاناته.

ولكن الأخ أسامة من أجل تنفيذ ذلك الهدف الكبير وضع لنفسه استراتيجيه خاصة بسيطة جدا ولكنها مخلة للغاية . كان يرى أن أمريكا ضعيفة جدا لدرجة أنها لن تتحمل منه ضربتين أو ثلاث ضربات كبيرة ، فلا داعى للتهويل فى قدراتها بعد أن تجلى ضعفها فى الصومال عندما فرت قواتها هاربة أمام ضربات صغيرة من مجموعات ضعيفة من المقاتلين . كما إتضح ذلك الضعف قبلا فى لبنان عندما هربت من هناك بعد تفجير استشهادى فى مقر قوات المارينز فى بيروت .

إذا إقتنع بن لادن بشئ فلا جدوى من أى مناقشة معه . فمضى فى تنفيذ ما يريد رغم أى إعتراض كان . وقد وجه بالضبط ضرباته الثلاثة . الأولى ضربة مزدوجه فى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام ، والضربة الثانية فى ميناء عدن ضد المدمرة كول والضربة الثالثة والأخيرة كانت ” عزوة منهاتن ” حسب رواية القاعدة .
وفعليا إنتهت حروب القاعدة بل إنتهت القاعدة بعد الضربات الثلاث ، بينما إنفتح مجال العالم أمام إندفاعة أمريكية غاية فى الهمجية والقسوة ضد المسلمين تحديدا ثم باقى شعوب العالم ، من أجل فرض هيمنة عالمية بقوة السلاح وبكافة وسائل الإكراه الإقتصادى والسياسى والإستخبارى ، كل ذلك تحت شعار “مكافحة الإرهاب الإسلامى!!” .

ذلك الإدعاء الكاذب الذى تجتهد القاعدة دوما فى إثبات أنه حقيقة وليس وهما . وكلما خفت قليلا حدة تلك الإدعاءات وزاد من يكتشفون زيفها إنبرت القاعدة بإصدار بيان أو تبنى عملية تافهة فى مكان ما، لتثبت أن أمريكا على حق وأن حربها العدوانية على المسلمين هى حرب مشروعة .

أثار ذلك دهشة واستغراب كثير من المسلمين وغير المسلمين ، حتى لم يجدوا تبريرا لذلك سوى إتهام القاعدة بأنها تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ، بل وحتى إتهام الأخ أسامة بن لادن بالعمالة للمخابرات الامريكية “!!” . وإدعت بعض المواقع على الأنترنيت أن وثائق ويكيليس حوت إتهاما من هذا النوع . ذلك الإتهام الكاذب ناتج عن الحيرة فى تفسير مواقفة ومواقف الناطقين بإسم القاعدة فى أماكن مختلفة.

وصل الأمر بالكثير من القوى العاملة ضد الولايات المتحدة فى أنحاء متفرقة من العالم أن تعتبر القاعدة فرعا للإستخبارات الأمريكية ، وجزء من استراتيجيتها العدوانية حول العالم واستمرار أكذوبة مكافحة الإرهاب بشكل مبرر .
وطالت الإتهامات التحرك الشبابى الجهادى الذى ناصر الشعب الأفغانى ضد السوفييت فى ثمانينات القرن الماضى ، وأن ذلك التحرك كله كان صناعة أمريكية حشدا وتدريبا وقيادة . فى ذلك إفتراء واضح، أقول ذلك من واقع معايشة ميدانية لكل تلك التجربة من بدايتها وحتى نهايتها .

ـ وقد كتبت عدة مقالات فى السنوات الأخيرة حول حتمية الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان ، وما يترتب عليها من إنهيار لإمبراطوريتها حول العالم ، ثم إنهيار أمريكا من الداخل وتفتيتها. كما قلت بأن أمريكا تعيش الهزيمة فعليا فى أفغانستان ، وأنها تدرك تماما أن إنتصارها هناك مستحيل ، ولكنها باقية حتى الآن بسبب عجز الإدارة الأمريكية عن إتخاذ قرار الإنسحاب خوفا من تداعياته الكارثية من الطراز السوفيتى ، وأيضا نتيجة محاور الضغط التى أهمها مافيات المخدرات والسلاح والنفط وهم المستفيد الأهم من تلك الحرب العدوانية . ضعف وتصدع القوة الأمريكية ظهرت تأثيراته فى المنطقة العربية على هيئة إنتفاضات شعبية ضد أنظمة الحكم المستبدة العميلة للولايات المتحدة وإسرائيل .

– وهكذا تكون افغانستان هى الموطن الأصلى لذلك المبدأ الاستراتيجى الهام وهو :

(الهزيمة العسكرية التى تؤدى إلى تفكك الإمبراطورية الإستعمارية فى الخارج ومن ثم إنهيارها من الداخل). وشعب أفغانستان المجاهد هو صاحب التطبيق المثالى لها . وكان يمكن أن تثبت العراق وجهاد شعبها نفس المبدأ لولا أن قوى مسلحة إنحرفت بالجهاد العراقى العظيم إلى إقتتال طائفى بغيض أفشل الجهاد لصالح البرنامج الأمريكى الإسرائيلى فى العراق. ولا يشك أحد ان القاعدة ومعها “القادمون الجدد” أو ” القاعديون الجدد” كانوا ضمن أطرافا عديدة داخلية وخارجية، سنية وشيعية، أسست عن سبق إصرار لذلك الإنحراف الذى وهو جزء من برنامج إسرائيلى كبير (لتأمين المنطقة) بواسطة صراعات وحروب داخلية على أسس من الطائفية والعرقية والمذهبية لمنع إتحادها ضد إسرائيل وتحرير فلسطين.

نفس ذلك الإنحراف ظهر فى منطقة وزيرستان القبلية وعلى يد نفس التركيبة من المجموعات ، فأحدثوا شرخاً فى أوساط حركة طالبان الباكستانية وفصلوا قطاعا منها عن الإمارة الإسلامية فى أفغانستان ، وأبعدوا بسياساتهم /أو بمعنى أصح تفجيراتهم/ الطائفية والمذهبية ، الشعب الباكستانى عن جهاد القبائل ضد الطغيان الحكومى والعدوان الأمريكى . والنتيجة كانت شرزمة وتفتيت الحركة الجهادية فى تلك المناطق بعد إندفاعة كبيرة أحرزتها فى بداية عملها، أى نفس ما حدث فى العراق تقريبا.

ولكن ذلك لم يحدث فى أفغانستان، حيث ظل الجهاد هناك متماسكا قويا موحدا يجمع كل الشعب الأفغانى، فكان فى ذلك أكبر دليل على أن القاعدة ليست هناك .

وذلك عكس إدعاءات البعض بأنها هناك شريكا وربما قائدا للجهاد . وذلك إدعاء خال تماما من الصحة كما أنه ضار للغاية سياسيا ومعنويا على جهاد أفغانستان ، بل يعتبر عنصرا داعما للعدوان الأمريكى الذى يدعى أنه متواجد هناك كى يطرد القاعدة .

ـ فلماذا تقدم القاعدة الدعم السياسى والأخلاقى للعدوان الأمريكى على أفغانستان ؟؟.
هل ذلك لرفع معنويات الشباب المسلم حتى لا يترك الجهاد ؟؟ أم لضرب جهاد الشعب الأفغانى الذى تسببت القاعدة فى توريطة فى حرب ضارية مستمرة منذ عشر سنوات أهلكت الحرث والنسل ؟؟ .

صحيح أن عدة عشرات من منتسبى القاعدة تواجدوا فى بدايات الحرب مع المجاهدين فى أفغانستان ، ولكنهم لم يعملوا خارج قيادة وسيطرة المجاهدين الأفغان . ولا ندرى كم تبقى من هؤلاء الأبطال الآن . ولكن القدرة الكبيرة على السيطرة والقيادة التى أظهرتها حركة طالبان والإمارة الإسلامية منعت تعدد الأقطاب والقيادات، وجعلت أى متطوع “إن وجد ” خاضعا للقيادة المركزية للجهاد وليس لأى قيادة خارجية أو تنظيم كان تابعا له قبل تطوعه .

ـ وليس صحيحا أن “القاعدة ” هى الحليف الأوحد لحركة طالبان . فبسبب الغزو السوفيتى توافد على أفغانستان عشرات الألوف من الشباب للجهاد مع شعبها . والآن لو أن الحصار المضروب على الحدود جميعها قد رفع ، لتوافد مئات الألوف من الشباب المسلم على أفغانستان للجهاد مع شعبها ضد الغزاه الأمريكين والأوربيين .
أفغانستان التى أسقطتها القاعدة فى براثين الإحتلال تعرضت لخيانات من جانب حركات إسلامية ضخمة

وشهيرة / وعلى رأسها الحركة الدولية للإخوان المسلمين / وليس فقط جميع الدول الاسلامية. فالحركات العريقة التى أفتت بالجهاد وتدافعت إلى (ميادين العون الإنسانى وجمع التبرعات) أثناء الغزو السوفيتى ، خرست ألسنتها الآن عندما أصبح الغزو أمريكيا ، وكأنه غزو حلال بينما الغزو السوفيتى فقط هو الحرام شرعا .

بل أن رموزا أفغانية لتلك الحركات الإسلامية الضخمة العريقة هم الآن أركان أساسيون فى النظام الأمريكى الحاكم فى كابول (مثل سياف وربانى ومجددى ،وآخرون أقل شهرة) .

(هذا يدفعنا لأن نتساءل عن حقيقة مشاركة الإخوان المسلمين فى ثورة مصر . وحتى نفهم موقفها هناك بشكل صحيح فيجب عليها أولا أن تشرح موقفها من جهاد أفغانستان وسوريا فى ثمانينات القرن الماضى ، ودورها فيما وقع من مهازل بل خيانات وخطايا إرتكبتها عن سبق إصرار وترصد ، رغم تحذيرات كثيرة وقوية من داخل صفوف الحركة وخارجها . وبدون تقديم كشف حساب للشعوب عن الماضى فلا يمكن الثقة حاضرا أو مستقلا فى تحركات ذلك الفصيل السياسى خاصة ما يقال عن إتفاق خفى بين حركة الأخوان والجيش /الذى ما زال يمثل نظام مبارك فى مصر/ على حساب باقى قوى الثورة ، ونسمع عن مثل ذلك فى اليمن ) .

 

ضرب المدنيين كورقة مساومة فى الحرب
فى إطار سياسة الردع أو التصعيد المتبادل

رأت القاعدة أن إستراتيجية إستهداف أمريكا يعنى شكلا وحيدا من العمل وهو إستهداف المدنيين على غرار ما حدث فى (غزوة منهاتن !! ) أو محاولات تفجير الطائرات فى الجو أو التجمعات السكانية فى المدن على غرارعمليات وقعت فى أسبانيا وبريطانيا.

فما هى مكانة إستهداف المدنيين فى الحروب ؟؟
معلوم أن الطرف الأقوى فى الحرب هو الذى يضع قوانينها ، ويعطى تفسيراته الخاصة لكل ما هو متعارف عليه من قوانين فى الحرب أو غير الحرب .

فإذا تعادلت القوى ظهر ما يطلق عليه توازن الرعب . وهو ردع متبادل يؤدى إلى تحييد أحد الأسلحة فيمنع إستخدامها ، أو يمنع إستهداف أشياء بعينها، مثل التجمعات السكانية أو السدود أو محطات توليد الطاقة أو الموانى البحرية التجارية .. الخ.

وهناك أسباب عديدة تدفع أحد الأطراف إلى كسر حاجز الردع فيقتحم الممنوع ، فيقابله الطرف الآخر بإجراءات مماثلة ، فتكون الحرب قد دخلت مرحلة من التصعيد . فالردع إن لم يكن رادعا بالفعل فإنه يؤدى إلى التصعيد .
فقط السلاح النووى هو الذى أدى الى وقف الحرب بين الدول النووية وجعلها تبحث عن طرق ووسائل أخرى لتصفية الحسابات وخوض الصراع على الموارد والأسواق والنفوذ . فظهرت الحروب بالوكالة ، وحروب الجاسوسية فى مجالات شتى أهمها الإقتصادى والتكنولوجى ثم العسكرى والسياسى، وأخيرا تحريك الإضطرابات الإجتماعية وحرب الثورات الملونة من برتقالى إلى أخضر ، ومثلها ثورات الزهور من القرنفل إلى الياسمين والبردى ومازال هناك الكثير.( عن التصعيد والردع المتبادل هناك المزيد فى كتاب حرب المطاريد )

الاستخدام الخاطئ لمبدأ العمل الخارجى واستهداف المدنيين

نذكر أن بن لادن بدأ بطرح استراتيجى هو تحرير جزيرة العرب والحرمين الشريفين ، ثم تطور الى تحرير المقدسات الإسلامية ليشمل فلسطين . وآخر أطروحاته التى أعلمها كانت تقول بإستهداف المدنيين الأمريكيين فى كل مكان.
لا وصف يجمع كل ذلك سوى كلمة “تخبط” . لأن الهدف الاستراتيجى ينبغى أن يكون ثابتا على الدوام . والآن مازال من ينطقون بإسم القاعدة يدافعون عن “استراتيجية ” ضرب العدو فوق أراضيه أو فى أى مكان . وهو ما يطلق عليه “العمليات الخارجية” أى التى تستهدف العدو خارج منطقة الصراع . مع ملاحظة أن القاعدة هى تنظيم خارجى نشأ على هامش قضية أفغانستان، أى خارج المنطقة العربية التى لم يكن يستهدف فيها عدوا محددا .
فمتى تلجأ حركة او مجموعة ما إلى العمليات الخارجية ؟ ..

ـ يحدث ذلك من أجل جذب الأنظار إلى قضية منسية عالميا ولفت النظر إلى أهميتها وخطورتها ومعاناة شعب معرض للأخطار وهضم الحقوق ، وفى نفس الوقت تكون القدرة على العمل المقاوم على أرض الصراع منعدمة أو غير كافية. ” مثل المقاومة الفلسطنية فى سبعينات القرن العشرين ، والمقاومة الشياشانية حاليا “.
ـ الإنتقام لضحايا مدنيين قتلوا وشردوا وسجنوا ، وأوطان سلبت، من جراء غزو خارجى تمكن من السيطرة بالفعل ولا سبيل لإستخلاص الحقوق منه كونه يحظى بتواطؤ دولى.   (وهى حالة مرشحة لها قضية فلسطين فى القرن الحادى والعشرين).

وقبل ظهور القاعدة لم يعرف عن تحول حركة تحرير إلى العمل الخارجى كوسيلة وحيدة لنيل الإستقلال أو تحرير الوطن . إذ لا يمكن تحرير جزيرة العرب من الإحتلال الأمريكى والتواجد المهيمن لإسرائيل بمجرد عمليات خارجية فقط ، ولكن العمل الخارجى قد يصاحب حرب عصابات (أو ثورات شعبية إن كانت ممكنة ومناسبة) على الأرض المحتلة ، من أجل الإسناد وسد العجز وللدعاية السياسية ، ” كما فى حالة ثورة إيرلندا ضد الإنجليز ” .

إستهداف المدنيين فى الحروب التقليدية :
منذ الحرب العالمية الثانية أصبح ضرب المدنيين هدفا قائما بذاته . وذلك لأسباب تقنية واقتصادية وعسكرية ونفسية .

تقنيا : صار ذلك ممكنا بعد إختراع الطائرة التى يمكنها تخطى خطوط الدفاع بسهولة والوصول إلى أى مكان داخل أراضى العدو .

إقتصاديا : مع تطور وسائل الإنتاج أصبحت المساهمة المدنية فى الصناعات عاملا هاما فى قوة الدولة إقتصاديا وعسكريا . لهذا صارت تلك التجمعات الإنتاجية هدفا عسكريا هاما فى الحروب .

عسكريا : ضرب تجمعات المدنيين يضعف معنويات الجيش . فالجنود فى الجبهات يشعرون بالقلق على أهاليهم فى داخل الوطن وبالعجز عن حمايتهم . ويضطر الجيش إلى سحب قوات إلى الخلف للدفاع عن المدنيين ضد الطيران وهجمات قوات المظليين.

نفسيا : قد يكون التأثير النفسى البحت هو سبب توجيه الضربات الجوية بهدف بث اليأس فى نفس العدو وإقناعة بالخضوع المطلق والأبدى . كما حدث عندما إستسلمت ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية فقام الأمريكيون والبريطانيون بقصف المدن الألمانية بالطيران لمدة شهر كامل فيما أسموه “حملة القصف الاستراتيجى ” فدمروا ما تبقى من البنية التحتية وقتلوا عشرات الألوف من المدنيين الألمان.

ويمكن قول الشئ نفسه عن قصف اليابان بالقنابل النووية بعد أن كانت قواتها العسكرية خاصة الطيران والأسطول قد تم تدميرهما تماما، ولم يكن هناك أى مبرر عسكرى لذلك التصرف سوى إرعاب الشعب اليابانى إلى الأبد ، وإقناع شعوب العالم أجمع بأن القوة الأمريكية لا تقهر ولا نجاة لأحد سوى بالإستسلام لها بلا قيد أو شرط .
إستهداف المدنيين لوقف المقاومة

أحد أهم مفردات مقاومة حرب العصابات هى إستهداف المدنيين ، وبث أقصى درجات الرعب واليأس فى قلوبهم لمنعهم من الإنخراط فى المقاومة أو مساعدة الثوار .

يتمثل ذلك فى حده الأقصى بسياسة الأرض المحروقة / أى حرق القرى تماما وتدمير الحقول والأشجار / وهو ما يجرى حاليا فى أفغانستان خاصة فى ولاية قندهار وهلمند وغزنى ومناطق أخرى كثيرة من ذلك البلد.وقد نفذ السوفييت سياسة مماثلة أدت إلى تهجير حوالى ستة ملايين أفغانى من قراهم.

وقد سبق للإستعمار الأمريكى فى فيتنام أن إستخدم الغازات السامة والمواد الكيماوية ضد القرى ولتدمير الغابات حتى يكشف طرق تسلل الثوار ما بين شمال وجنوب فيتنام .

وغالبا ما يمتد إستهداف المدنين فى جوار منطقة الصراع وحيث يمكن أن يلجأ الثوار إلى قواعد آمنة لإقامة مراكز إدارية بشكل سرى أو علنى . وهذا ما فعله الجيش الأمريكى بتوسيع عدوانه على فيتنام الجنوبية ليصل إلى شمال فيتنام ثم الدول المجاورة فى كمبوديا ولاوس . وكما تفعل أمريكا الآن فى ضرب مناطق القبائل الباكستانية فى وزيرستان .

ـ السوفييت فى أفغانستان قتلوا حوالى مليونى إنسان من الشعب الأفغانى لقمع جهاده .
ـ والأمريكييون قتلوا فى العراق منذ حصاره وإلى ما بعد الغزو ما يقارب 3 ملايين عراقى.
ـ والإسرائيليون فى فلسطين جرائمهم ضد المدنين هناك مستمرة منذ أكثر من ستين عاما وتفوق الحصر.
ولا ننسى أضعاف تلك الأرقام من المصابين بعاهات مستديمة والمعتقلين المؤقتين والدائمين وحوادث التعذيب لملايين السكان .
ـ ولم نذكر بالطبع المجازر البشعة التى راح ضحيها عشرات الملايين من شعوب أمريكا الجنوبية وأفريقيا ، فى القرن الماضى فقط ، على يد الإستعمار الأمريكى والأوروبى فى حروب منسية /صاخبة وصامته/ وإظلام إعلامى شامل وصمت دولى مطبق.

حق المعاملة بالمثل :
كل ما سبق يشكل مبررا أخلاقيا لتلك الشعوب كى تعامل العدو بالمثل وتستهدفه فوق أراضية وتضرب أهدافة الإقتصادية والمدنية . ولكن إعتبارات عديدة تمنع وقوع ذلك فى غالب الأحوال ، مثل :

العقبات الفنية :
فى الجانب الإستخبارى تقدم العدو بشكل غير مسبوق ، فى النواحى التكنولوجية والعلمية و الخبرات الفنية المتراكمة عبر عقود من حروب إستخبارية لا تنقطع .
والعدو يكون فى أقوى حالاته فوق أراضيه نفسها ، لذا فإن تحدية هناك يكون عملا غاية الصعوبة ، خاصة من جانب عناصر غريبة عن البلاد ولا تتمتع بمعرفة تذكر فى أساسيات العمل الإستخبارى . فتكون ضحايا سهلة وساذجة ومدعاه للسخرية. ويتم إستخدامها واستدراجها وإحراز إنتصارات مدوية على حساب بؤسها الحركى وتخلفها الشامل .
وما يؤكد ذلك هو عجز تلك التنظيمات ” وفى مقدمتها القاعدة ” عن تنفيذ عملياتهاهناك ، فيما عدا عمليات لفقتها أجهزة تلك الدول لأسباب سياسية واستدرجت إليها أفراد متحمسين وأحيانا مشبوهين .
الذي كسر تلك القاعدة كان المجاهدون الشيشان الذين استطاعوا تكرار ضرباتهم داخل روسيا. والسبب هو إندماجهم فى النسيج الإجتماعى والعلمى والثقافى الروسى ، فليسوا وافدين عليها من الخارج.
ويوم أن تبدأ مكونات المجتمع داخل الولايات المتحدة وأوروبا فى الثورة على أنظمة الحكم فى بلادها، فسوف يشهد العالم حرب تحرير لم يسبق لها مثيل . ولن تكون حربا إسلامية بأى حال ، ولكن حربا طبقية إجتماعية عرقية مذهبية .

عقبة الإفتاء
وذلك بالنسبة للمجموعات الإسلامية التى تتبنى ذك النوع من العمليات . وعقبة الإفتاء تتفرع من أصل أصعب وهو معضلة الإجتهاد . فقد تعطل العلم الدينى الحقيقى بعد إستيلاء المستعمر على الجامعات الإسلامية الكبرى بواسطة أنظمة الاحتلال الداخلى وحكومات الفساد والقهر . والنتيجة كانت إنفلات فوضوى لعملية الفتوى ما بين مصادر حكومية تعمل مع الإستعمار بشكل مباشر أوغير مباشر، و مصادر أهلية متمردة على الوضع القائم ولكنها لا تمتلك قدرة على الإفتاء الحقيقى فاتخذت أئمة خاصين بها نهلوا العلم فى مكتباتهم الخاصة وأحيانا من قصاصات عشوائية متبقية من كتب قديمة. فى حالات أخرى قليلة تولى الإفتاء مخلصون ينقصهم الفهم الضرورى بواقع الحياة المعاصرة ، خاصة أمور السياسة التى نفذت فى كل شئ ، والإقتصاد الذى صار معبود البشرية وغاية أنظمتها .
أما إذا كانت الحرب هى موضوع الفتوى فلا نكاد نجد مفتيا يدرى عن أمورها شيئا. وينقل الجميع تقريبا فتاوى صدرت خلال حروب قديمة فى ظروف أندثرت تماما .

ـ وحتى الآن لا يرتكز أحد من المجموعات الجهادية على فتوى من مصدر يمكن الأطمئنان إليه حول مشروعية العمليات العسكرية على أرض العدو / خلف البحار / لتستهدف إقتصادة وسكانه ومشروعاته .
عقبات سياسية

النظام الحاكم فى الولايات المتحدة تحديدا وأوروبا بشكل عام يعانى من أمراض مستعصية إقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا . وهو مهدد باضطرابات وثورات داخلية تقضى عليه . وتلك الأنظمة فى أشد الحاجة إلى ” عدو خارجى ” حقيقى أو مصنوع من أجل إقناع شعوبها بأن النظم الحاكمة تحافظ على “الإستقرار والأمن الداخلى”. وهى نفس حجج الأنظمة العربية التى تقاوم الثورات حاليا ، وتلك الأنظمة لديها أجهزة إرهاب دولة منظم يعبث بالأمن العام والخاص للمواطنين حتى يتمكن النظام من بيع خدماته الأمنية للشعب . إنها اللعبة الكبرى التى تقوم بها أنظمة أمريكا والغرب على النطاق الداخلى والدولى .

ـ إن حاجة الأنظمة الغربية للعمليات “الإرهابية ” فوق أراضيها أشد من حاجة أى طرف خارجى أو جماعات جهادية . فالعدو يمتلك القدرات الإعلامية التى تضخيم حجم وفاعلية ذلك “الإرهابى” المتهافت أو المصنوع ، والمبالغة فى تأثير عملياته مهما كانت تافهة. وقد رأينا كيف يصنفون بضع جرامات من البارود فى كعب حذاء بأنها أسلحة دمار شامل “!!” . النتيجة هى تلاحم تلك الشعوب مع أنظمتها المستبدة من أجل دفع ذلك الخطر الموهوم أو المصطنع. فتقبل الشعوب بإنتقاص حقوقها الدستورية والعدوان على حرياتها الشخصية ، بل وتدهور حالتها الإقتصادية فى سبيل الحصول على الأمن .

كل تلك المكاسب الهائلة التى تحصل عليها حكومات الغرب الإستبدادية ماكان يمكن أن تتم بغير عدو، وعمليات “إرهابية ” غير ذات تأثير حقيقى . مع أنها أحيانا لابد أن تحقق بعض الخسائر فى الأرواح والممتلكات حتى تكون مقنعة للشعوب الغربية المستهدفة بأن هناك خطر “إرهابى ” حقيقى يستحق الأثمان المبذولة من الحرية الشخصية والتدهور الإقتصادى والميزانيات العسكرية والأمنية المبالغ فيها.

ونلاحظ أن الخسائر المالية “لغزوة منهاتن” كانت كبيرة بالفعل، وكان مطلوبا أن تكون كذلك حتى تكون كافية للتغطية على إنقلاب حقيقى وتاريخى على الدستور الأمريكى ، قام به قادة الجيش وأجهزة الإستخبارات ، تحت ستار الدخان والغبار الكثيف المنبعث من أبراج منهاتن وحالة الرعب التى أثارها الحادث مع تهويلات الإعلام الصهيونى المسيطر . إدى الإنقلاب إلى إقامة فاشية حاكمة فى الداخل  وانطلق حكم إستبدادى فاشستى أمريكى فى العالم كله يعبث بمقدراته وشعوبة إلا ماندر منها . وتقف شعبوب أمريكا وأوروبا خلف حكوماتها فى تلك المغامرات العسكرية معتقدين أنها توفر لهم الأمن. ويقف كل مسئول من الدول الإستعمارية وسط جنوده فى أفغانستان مخاطبا إياهم أن حربهم “ضد الإرهابيين” فى ذلك البلد توفر الأمن للمدن فى أرض الوطن !!.

الخلاصة هى أن العمليات على أرض العدو تصب فى مصلحة الأنظمة الحاكمة هناك فهى صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة فى وجود تلك العمليات وديمومتها، وإن لم تجدها فسوف تصطنعها بنفسها أو تورط فيها “الآخرين” بإستدراجهم كما إعترفت أجهزة أمريكية بذلك، وكماهو واضح من ضعف وركاكة عدد من تلك العمليات بحيث تفضح هوية القائمين عليها وأنها عمليات سياسية من أجل التأثير الداخلى على المواطنين فى ظروف معينة .

ـ صناعة مجموعات “إرهابية إسلامية” محلية فى دول العالم الثالث، تستهدف الأراضى الأمريكية والأوروبية هى موضع إهتمام تلك الأنظمة لتبرير غزواتها الدولية من العمل العسكرى إلى التخريب الإستخبارى والسيطرة السياسية والإقتصادية . ومجهودات تلك الدول مشهودة فى عدة مناطق فى العالم الإسلامى من أجل “إستنبات” مجموعات جهادية “!!” فى مناطق تمتد من وزيرستان وحتى الصومال وغرب أفريقيا، فى محاولات لإيجاد بديل عن القاعدة أو مساندين لها بعد أن تبدى ضعفها فى قيادة (إرهاب إسلامى عالمى ) كانت تطمح الولايات المتحدة ودول حلف الناتو فى وجوده واضحا. لكن دور القاعدة تلاشى تقريبا بعد غياب قائدها أو إحتجابه الإجبارى ، واستشهاد جميع الكوادر القديمة فيما عدا عدد محدود للغاية متناثر فى سجون بلاد عديدة ، فلا بد أن يساند القاعدة أحد فى خط “العمل الخارجى وعلى أرض العدو”.

الشعب الأمريكى “يريد إسقاط النظام”

– شعار”مكافحة الإرهاب الإسلامى” أصبح جزء أساسى من الإستراتيجية الدولية للولايات المتحدة وبدونه تصبح تحركاتها مكشوفة ومعرضة للهجوم الشعبى فى العالم كله . بل يصبح النظام الأمريكى نفسه مكشوفا فوق الأراضى الأمريكية ويظهر التناقض الرئيسى بينه وبين الشعوب الأمريكية المضطهدة . والحل الأمثل هو ترك التناقضات الداخلية تفعل فعلها فى المجتمع الأمريكى والأوروبى وأن يتوقف “الجهاديون” عن مجرد التفكير فى توجيه أى عمل عسكرى هناك. فالأجدى هو دعم التحركات الشعبية المضادة للأنظمة الغربية ، وذلك بوسائل دعائية وسياسية ، مع إبعاد العنصر الإسلامى هناك عن خضم ذلك الصراع حتى لا تتآلف باقى القوى ضده وتنسى هدفها الأساسى فى تغيير النظم الحاكمة .

إن بداية النجاح هو ظهور شعار الثورات العربية فى العواصم الأمريكية والأوروبية، شعار (الشعب يريد إسقاط النظام ) . وتلك الشعوب لديها من الخبرات الفنية والتنظيمية والسياسية والوسائل المادية ، ما يمكنها من تنفيذ ذلك الهدف الذى سوف يجمع حولها كل شعوب العالم.

الإستعداد للإحتمال الأسوأ
كل ذلك لا يعفى قيادات الشعوب والثورات التى تقاوم الولايات المتحدة والناتو من إعدد أقوى ما لديها من وسائل للرد على الوحشية الأمريكية فى إستئصال الشعوب . فلو تأكد العدو أن الشعوب لاتمتلك إمكانية الرد المماثل فإنه لن يتردد فى ممارسة أساليب / واضحة أو ملتوية/ للإبادة الجماعية، خاصة فى أوقات الحروب .
ونضرب مثالا بما فعله حزب الله فى لبنان حين وجه تحذيرا إلى إسرائيل بأن قصف بيروت أو الضاحية الجنوبية بالطيران سيكون الرد عليه هو قصف تل أبيب بالصواريخ . فلابد أن توجد وسائل ردع شبيهة بذلك تكبح جماح الولايات المتحدة وحلف الناتو من تحويل شعوبنا بشكل متتابع إلى حضارات بائدة مثلما فعلوا بالهنود الحمر. ومن أجل ذلك الهدف تراكم الدول القوية ترسانات من أسلحة الدمار الشامل كى تحمى سكانها وقت الحرب، ولضمان عدم إزالتها من الوجود على أيدى قوى أخرى تمتلك نفس القدرات، ومن أجل تهديد من هم أضعف منها من الشعوب ، ولكسب مكانة وهيبة دولية.

 

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world