1

سلوك طالبان لتشكيل الدولة الجديدة

سلوك طالبان لتشكيل الدولة الجديدة مقابلة مع الأستاذ مصطفى حامد (ابوالوليد المصري)

نقلا عن مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير 

سلوك طالبان لتشكيل الدولة الجديدة

مقابلة مع الأستاذ مصطفى حامد

 

بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ثمة تساؤلات كثيرة تطرح على وسائل الإعلام غالبًا عن شكل الحكم الأفغاني الجديد وكيف ستتعامل طالبان مع قضايا شائكة من مخلفات الاحتلال الأمريكي، مثل الاقتصاد المدمر والتحديات الأمنية، وتنوع المكونات، وتحديات الانتماءات القبلية وغيرها. للحصول على صورة أوضح لهذه الأجوبة، أجرى مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير مقابلة مع الأستاذ مصطفى حامد (أبو الوليد المصري) وهو كاتب صحفي يتميّز بعلاقات واسعة مع حركة طالبان وله مجموعة من الكتب ويشرف على موقع مافا السياسي.

تحدث الأستاذ مصطفى حامد عن مجموعة من القضايا المهمة فيما يتعلق بالأدوار القبلية والداخلية الجديدة في أفغانستان، أما المسألة البالغة الأهمية فهي الأدوار الإقليمية، وخاصة دور باكستان الذي تحدّث عنه الأستاذ مصطفى بأنه يتمحور حول إثارة الفتن بين القبائل والمذاهب الأفغانية، ودورها اللوجستي في انتقال قوات داعش إلى أفغانستان. وكذلك دور قلب الدين حكمتيار في استخدام داعش. أما عن الدور الإسرائيلي، فقد تحدّث الأستاذ عن تنسيق جاري بينها وبين تركيا وروسيا وباكستان فيما يتعلق بأطماعها في أفغانستان. كل هذه الأدوار تحتاج إلى المزيد من التدقيق وتسليط الضوء عليها، بالإضافة إلى تقييم لتجربة الإمارة الإسلامية (1996 -2001) في تعامل طالبان مع القوميات الأخرى، سنجادلها في مقابلات أخرى إن شاء الله.

وفيما يلي نص المقابلة:

 

 سؤال: بحسب تقرير نشره معهد بروكينغ للدراسات فإن نحو 90% من الشعب الأفغاني يعاني من الفقر، و30% يعانون من انعدام الأمن الغذائي، إلى ذلك فقد اعتمد اقتصاد أفغانستان في العقدين الماضيين على المساعدات بشكل كبير، توقفت قبيل سيطرة طالبان على كابل، خاصة بعد حجز أموال للحكومة. ما هو شكل الاقتصاد الذي تركته الولايات المتحدة للشعب الأفغاني؟

ثلاث إشارات هامة، تقود الطريق إلى فهم أفضل لما يحدث في أفغانستان منذ الغزو الأمريكي وحتى اليوم. إشارتان منهما أطلقهما الرئيس “بايدن”، قال في الأولى: “نحن لم نذهب إلى أفغانستان من أجل بناء أمة”. وفي إشارة أخرى قال “إن أفغانستان لن تتوحد ولن تُبنى”.

إشارة ثالثة أُعطيت قبلهما بعدة سنوات عندما اشتكت مصادر روسية من أنه “بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان تضاعف إنتاج الهيروين فيها أربعين ضعفاً”. وفيما يشبه الرد قال الأمريكيون “نحن لم نذهب إلى أفغانستان من أجل مكافحة المخدرات”.

واضح أن أمريكا ذهبت إلى غزو أفغانستان لتحقيق ما تأكد خلال سنوات الاحتلال، وهو:

ــ تدمير الأمة الأفغانية (ماديا ـ اجتماعيًا ـ ثقافيًا ـ دينيًا).

ــ تجزئة أفغانستان، وتخريب بنيان كافة المكونات المجزأة.

ــ احتكار تجارة الهيروين دوليًا (بدخل لا يقل عن ترليون دولار سنويا).

ولأجل تحقيق تلك الأهداف الإستراتيجية للغزو سارت أمريكا على عدة محاور:

أولا ـ تخريب الاقتصاد الوطني بحيث يعجز تماما عن الإيفاء بأبسط متطلبات الدولة. فتظل في حاجة دائمة إلى مساعدات اقتصادية من الاحتلال وأصدقائه الأوروبيين والخليجيين. هذا رغم أن أفغانستان واحدة من أغنى دول العالم بالمعادن النادرة، والخامات الاستراتيجية اللازمة للصناعة مثل النحاس والحديد والفحم والنفط والغاز.

لم يترك الاحتلال للاقتصاد الأفغاني ركيزة يُعتَد بها، فلا زراعة ولا صناعة ولا تجارة ذات وزن سوى تجارة الأفيون، وهي لا تمر بقنوات رسمية ولا تصب عائداتها في ميزانية الدولة، وهذا هو أيضاً حال أمريكا مع تجارة الهيروين، فلا تظهر عائداتها في أرقام الميزانية. ودخل حكومة كابل هو من ضرائب على الفلاحين زارعي الخشخاش. وهو مبلغ تافه للغاية ولكنه يمثل نسبة محترمة من ميزانية الحكومة.

الرشاوى التي يدفعها الاحتلال للسياسيين وقادة الميليشيات والقبائل تمثل أرقاما هائلة لكنها أيضا لا تظهر أيضاً في أرقام الميزانية. كما أن معظمها يذهب إلى البنوك الخارجية ـ أما في الداخل فيشترون بها أراضي الدولة، لتشييد البنايات الفخمة والأسواق الاستفزازية (البوتيكات).

ثانيا ـ تخريب العلاقات بين القوميات، وشق القبائل من داخلها، وإضعاف الكتلة القبلية البشتونية بالتعاون مع باكستان ـ والتمهيد لتقسيم البلد على أسس عرقية خاصة في الشمال الأفغاني.

وتسعير الصراع الطائفي بين السنة والشيعة بتعاون باكستان ونظام كابول وتركيا المهيمنة على الدواعش والتحرك السلفي الجهادي.

ثالثا ـ ضرب الثقافة التقليدية في أفغانستان وإضعاف الإسلام، وخنق التعليم الديني التقليدي بالإجراءات الإدارية وبضربات الطيران، والغارات بالقوات المنقولة جوا والغارات على القرى النائية التي تعتبر حاضنة للإسلام التقليدي

وترويج الثقافة الوافدة التي جلبها الاحتلال، عبر نشاط إعلامي هائل مكون من عشرات الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون. ونشر أجهزة الإنترنت والهواتف المحمولة وبرامجها المضادة للدين والعادات الأفغانية.

رابعا ـ التعليم الذي أتى به الاحتلال، يقوم بأهم الأدوار في تدمير أفغانستان ثقافيًا واجتماعيًا. هدف ذلك التعليم نشر الثقافة الغربية، وضرب المفاهيم الإسلامية في كل النواحي، سواء فى الاعتقاد أو الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الجنسين.

 

تنزيل ملف المقابلة PDF (اضغط هنا)

 

سؤال: كيف سيتم التعامل مع هذا الاقتصاد الذي خلّفته الإدارة الأمريكية؟

لا يمكن أن يكون هناك حلّ جذري للمعضلة الاقتصادية إلا عندما تدور عجلة طريق الحرير بمشاريعها المتنوعة، التي ستخلق فرص عمل كثيرة جدا، وبالتالي تؤدي إلى تحسن اقتصادي كبير.

وانفتاح الاقتصاد الأفغاني على اقتصاديات الجيران في الصين وإيران، مع إمكانية حركته الواسعة قارياً، من بحر الصين إلى خليج فارس.

يبدو أن هذا الانتقال الإستراتيجي يحظى بأغلبية أصوات مجلس الشورى. ولكنه في حاجة إلى المزيد من دعم عناصر في الشورى ما زالت مترددة أو حتى معارضة. ولكن أغلبية الشورى تسير نحو التغيير الجذري المطروح مع طريق الحرير.

هناك عدد من الإجراءات المباشرة لعلاج الأزمة الاقتصادية، وجميعها مؤقت ولا تخرج عن الاستمرار في اقتصاد متهافت، يتسوّل معونات الغرب. لأن الإمارة في مرحلتها الحالية (الثانية) تواجه صعوبات لم تكن موجودة في مرحلة حكمها الأولى. فالإمارة الأولى لم يكن لديها إلا موروث قليل للغاية من أجهزة النظام السابق، وبالتالي نفقات إدارية قليلة. وتمكّن الدعم القبلي من ضبط الأزمات الاقتصادية في حدود قدرة تحمل رجال القبائل الأشداء المتقشفين.

مع ملاحظة تأثير الاحتلال في نشر أنماط استهلاك جديدة وسلع لم تكن معروفة سابقاً، مع تأثير إعلامي أكبر للخارج على الداخل. ولا ننسى طبقة المتغربين الجدد وقدرتهم الشرائية العالية وإقبالهم النَهِم على سلع الرفاهية الجديدة وإسرافهم الاستهلاكي. فمحاولات الشباب من الجنسين تقليد تلك الطبقة، خلق مشاكل أخلاقية وتدهور أمنى لم يكن معهودا قبل الاحتلال.

وهناك معضلة الجهاز الإداري المتضخم الفاسد وقليل الفائدة والذي تحفظ به الإمارة حرجاً من التشنيع الدولي. وبالمثل جزء من أجهزة القمع التي بقيت على صدر الإمارة بلا فائدة بل مع مخاطر كامنة من تآمرها مع أسيادها السابقين.

يحتاج الأمر إلى قرارات ثورية في مجال الإدارة. أما في الجانب الاقتصادي فهناك إجراءات يمكن أن تؤدى إلى تحسن جزئي، مثل مصادرة فورية للمناجم، خاصة اليورانيوم والأحجار الكريمة والتي مشكلتها أعقد، كونها ملكية لأفراد من القبائل داخل جبالهم. بعكس اليورانيوم الموجود على أراضي الدولة.

ومصادرة الثروات الحرام التي كدسها كثيرون في عهد الاحتلال كأموال سائلة ـ ومعظمها تم تهريبه إلى الخارج ـ ولكن هناك كمية كبيرة من الأصول على هيئة عقارات يمتلكها مجرمون ومهربون وخونة.

ومن غير المعروف ما سوف تفعله الإمارة بغنائم تقدر بعشرات المليارات في الأسلحة والمعدات. وأسرار حربية واستخبارية كلها قابلة للبيع بمليارات كثيرة. ثم أسرى حرب من أصناف حساسة.

وهنا نعود مرة أخرى إلى حتمية الاعتماد على الدعم القبلي إلى أن يبدأ الوضع الاقتصادي في التعافي. لهذا فإن مطالب القبائل هي الأعلى على المطالبات الصاخبة المسنودة دوليا لتلك الطبقة المتغربة، والتي كلها مطالب حقوقية وثقافية ولا تمس الاقتصاد، حيث أن الوضع الاقتصادي الاحتلالي هو الضامن لوجود المتغربين. وهو الذي مكنهم من اكتناز وتهريب المليارات.

 

سؤال: هل صحيح أن هناك استثمارات صينية بقيمة 100 مليون دولار كانت قائمة منذ أيام الاحتلال؟

كان هناك استثمارات صينية بملايين الدولارات (غير معلوم حقيقة عددها). ولكن الأمريكان خدعوا الصينيين، وبالأحرى خانوهم وأخلفوا وعودهم. فقد منحوهم امتيازات اقتصادية كبيرة للغاية، بحيث أقنعت الصينيين بقبول الوضع الخطير للاحتلال الأمريكي في أفغانستان، والذي من ضمن معانيه استيلاء أمريكا على أكبر كنوز الخامات النادرة، التي تتحكم في التكنولوجيا المتطورة.

ثم أطلق الأمريكان قطعان من الدواعش والمجرمين المحليين، بإسناد عسكري من الاحتلال والدولة، لضرب مواقع عمل الشركات الصينية، حتى هربوا جميعا تاركين خلفهم كافة الرشاوى التي دفعها لهم الأمريكيون. وخسر الصينيون كل شيء.

 

سؤال: هل من المعقول أن الأمريكان لم يسرقوا شيئا من المعادن الأفغانية؟

بالطبع غير معقول. فقد كانوا يسرقونها قبل الاحتلال فما بالك والبلد كلها تحت سيطرتهم، ولكن الأمريكان يتميزون بالمرونة وسرعة التكيف مع المتغيرات وباعتمادهم الكبير على القطاع الخاص في كل شيء، من الحرب وصولًا إلى المناجم. فمعظم سرقات المعادن تقوم بها شركات ومغامرون أفراد. فمنذ وقت الجهاد ضد السوفييت كانت هناك شبكات من اللصوص الدوليين ينهبون مناجم الماس والأحجار الكريمة والذهب، بالاحتيال على رجال القبائل البسطاء، لقاء مبالغ تافهة للغاية. وكان التجار اليهود في بيشاور يتلقون البضائع ويشترونها فورا بأسعار أفضل، ولكنها رخيصة جدا بالنسبة للسعر الحقيقي.

الإنجليز تعاملوا مع مناجم اليورانيوم في ولاية هلمند كغنيمة حرب، وهبها لهم الأمريكان مقابل تنازلات إنجليزية مؤلمة من حصتهم في الأفيون (هلمند عاصمة إنتاجه في العالم). الجيش البريطاني وضع اليورانيوم تحت سيطرته وجلب المعدات اللازمة. ويقول الأهالي أن الإنجليز ضغطوا خام اليورانيوم على شكل مكعبات، ثم نقلوها إلى بلادهم جوا من قاعدتهم الجوية في (شورآب) في هلمند.

 

سؤال: لا تزال توقعات الحرب الأهلية في أفغانستان تتصدر التحليلات الخاصة بمستقبل البلاد، حيث الاقتتال بين الأفغانيين بسبب الانتماء القبلي يزيد من حدته الفراغ السياسي، والإرادات الدولية التي تتعارض مع طموحات القبائل، والأذرع الخارجية، هل ستتمكن طالبان من إدارة هذه الصراعات وتخطيها لبناء الدولة؟

لدينا الآن عدة ملايين من خريجي التعليم الاحتلالي، يشكلون طبقة شبه قائمة بذاتها ومرتبطة بالاحتلال ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا. ولم يكد يذكر أحد أن الصراع الأساسي في أفغانستان ليس صراع القبائل والقوميات والمذاهب، وقد يدهش البعض أن يعلموا بقدرة الأفغان على تخطى تلك المشكلات بسهولة نسبية.

ويعلم الاحتلال إن لحركة طالبان قدرة استثنائية على الاتصال بالقبائل وحل مشاكلها واكتساب تأييدها. فكانت القبائل هي سندهم الأكبر في أسقاط حكم (رباني) وحكومة المجاهدين التي شكلتها السعودية بيد مدير مخابراتها تركي الفيصل (ودفتر شيكاته) كما قال ذات يوم. وكذلك هزيمة الاحتلال الأمريكي ومن قبله السوفيتي. فالقبائل هي القوة الأفغانية الرادعة.

الخلاصة هي أن الصراع الأخطر في أفغانستان سيكون بين الإسلام التقليدي وثقافته الضاربة في جذور المجتمع الأفغاني (بجميع قومياته ومذاهبه)، وبين (الطبقة الجديدة) المميزة اقتصاديًا، وثقافتها الغربية، والأقرب نفسياً إلى الحركة التبشيرية. وبينهم من ارتدوا إلى المسيحية جهراً واحتفلت بهم الدوائر الغربية علناً. بدون أرقام محددة لأن نشاط التنصر كان سريًا.

وقادت حركة التنصير السيدة اللبنانية (رولا غنى) / الرئيس الواقعي لأفغانستان/ وهي زوجة أشرف غنى الرئيس الرسمي. “رولا” هي الرجل الأول للموساد في أفغانستان قبل اختفائها الغامض مع دخول طالبان إلى كابل، وربما قبله بقليل.

الطبقة الجديدة أعلنت عن نفسها بشكل درامي في مطار كابول، بهدف الفرار على متن الطائرات الأمريكية التي تحمل قوات ومدنيين غربيين وجواسيس أفغان. فتعلقوا بأذيال الطائرات وعجلاتها. ليس خوفا من طالبان، الذين لم يمسوهم بأذى حتى ذلك الوقت. ولكن الطبقة الجديدة (من المتغربين الأفغان) لم يتصوروا حياتهم بدون الاحتلال الذي خلقهم كطبقة، ورباهم ورزقهم من الدولارات، وأنشأ لهم ” المجتمع المدني” وهي تجمعات من هؤلاء المتغربين هدفها صياغة قوالب اجتماعية جديدة موالية للاحتلال وبعيدة عن الإسلام، وتكون بديلا عن الهياكل القبلية عميقة الجذور ثابتة التقاليد المندمجة بالإسلام. ومع ذلك فبعيدا عن القشور الحديثة داخل المدن ـ فلا وجود لهذا المجتمع المدني المُزَوَّرـ بل يوجد فقط المجتمع القبلي.

ونشير هنا إلى أن الطبقة الجديدة من المتغربين كانوا الأداة المحلية الأساسية للاحتلال، في الإدارة كما في القمع العسكري والأمني. فمنهم كبار ضباط الجيش والاستخبارات. وبعضهم انضم إلى تشكيلات الجيش السري الأمريكي في أفغانستان، ومجموعات التخريب والاغتيال التي دربها وأدارها ضباط من المخابرات الأمريكية والإسرائيلية.

من المتوقع أن يكون للمتغربين الأفغان دور كبير في أحداث مستقبلية. بعضها خارج أفغانستان خاصة في منطقة الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، باعتبار تدريبهم وخبراتهم القتالية خلال فترة الاحتلال، وارتباط الكثير منهم بشكل ثابت بأجهزة استخبارات تلك البلاد. والكثير منهم سيعاد تصديرهم مرة أخرى إلى أفغانستان. على خطى سياسة أمريكا مع مجاهدي خلق في إيران. والمعتقد أن بعضهم يعمل بالفعل ضد إيران بإشراف إسرائيل والخليج.

 

سؤال: إذن هو صراع القبائل ضد المتغربين؟

هناك مشاكل قبلية ـ كبيرة وصغيرة ـ ولكن حلها دوما في حدود الإمكان على يد علماء الدين وكبراء القوم، وشباب المجاهدين. أي بواسطة حركة طالبان، فهؤلاء هم مكوناتها.

المشكلة التي تواجه تمرد المتغربين هي عدم وجود أرضية لهم لا في القبيلة ولا في الفهم المشترك للدين، ولا في احترام التقاليد التي تحتم الاستماع إلى كبار السن والعلماء، وتقدير المجاهدين أبناء القبائل.

لهذا فإن أفراد تلك الطبقة لن يقاتلوا ضد نظام طالبان ضمن الأطر القبلية، فقد أثبتوا فشلا في خداع قبائلهم كما حدث في بنشير مع أحمد مسعود، وحدث مع أبناء دووستم في الشمال، وهم من الأوزبك. وحدث مع ابن عطا محمد من الطاجيك. وغيرهم من البشتون أيضاً.

طبقة المتغربين ستقاتل ضمن الأطر التنظيمية للمجموعات السرية التي أنشأتها مخابرات الاحتلال الأمريكي/ الإسرائيلي، أي المجموعات التي من أهدافها تأليب القبائل على بعضها البعض، وضرب السنة والشيعة ببعضهما، ثم القول بأنها حرب أهلية قبلية ومذهبية، لتفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، فيتحقق وعد “بايدن” “بـأفغانستان غير موحدة يسودها الخراب والتخلف الاقتصادي”.

يلاحظ أن الدواعش الذين استقدمتهم تركيا يعملون ضمن ذات الأطر ولنفس الأهداف.

 

سؤال: ماذا عن العلاقة بين القبائل والدولة؟

العلاقة بين القبائل والدولة هي من المعضلات في أفغانستان، وما حولها من دول.

فالقبائل في وسط آسيا ـ تحطمت أو ضعفت كثيرا ـ عندما نمت الدول المحيطة بها وتحولت إلى إمبراطوريات قوية. وعانت القبائل الأفغانية من نفس المأساة، إذ وقعت بين إمبراطوريتين قويتين هما روسيا القيصرية (ثم الماركسية) في الشمال، والإمبراطورية البريطانية (ثم الأمريكية) في الجنوب. القبائل الأفغانية تماسكت إلى حد كبير قياساً إلى باقي القبائل في شمالها، أو البشتون في جنوبها الذين ضم الإنجليز أراضيهم إلى الهند (باكستان حاليا). فقد أدركت قبائل أفغانستان أن بقاءها مرهون بوحدتها.

لهذا لم يطحنهم هجوم الروس، ولم تطحنهم الحملة الأمريكية. العلاقة بين (التنظيمات الجهادية) والقبائل كانت تجمع بين الصراع والتعاون. وأدت أحياناً إلى دمار كبير للطرفين. فتجارب القبائل اختلفت باختلاف قدرات التنظيمات الجهادية، في حماقتها أو حكمتها. وفى النهاية انتصروا معاً على السوفييت رغم اختلاف النتائج من قبيلة إلى أخرى. وحدث هذا أيضاً في الجهاد ضد الأمريكان. فكانت القبلية هي الحاضنة الوحيدة للجهاد، بعكس حالة الجهاد ضد السوفييت الذي كثرت فيه التدخلات الخارجية.

الواقع أن تجربة القبائل مع الإمارة الإسلامية الأولى {1996 ـ 2001} كانت تجربة فريدة لم يهتم بها أحد. وأظنها ستكون منطلقاً للتجربة القادمة بين القبائل وإمارتهم العائدة من جديد. والتي كانت تمازجا بين القبلية القوية، وبين مشروع الدولة المبتدئة (الإمارة الأولى)، فنتج عنهما كيانا وقف صلباً أمام تسلل العدوان من الخارج إلى الداخل. ولولا الحرب العالمية التي شنتها أمريكا عليهم، لتطورت التجربة لتنتج نموذجًا إنسانياً فريداً (للدولة الجامعة للقبائل) أو القبائل المتكتلة حول مشروعها الخاص للدولة.

والذي لاحظ تلك التجربة عن قرب يدرك أن الإمارة ستواصل تجربتها السابقة، ولن يكون هناك فراغ سياسي، أو معاناة من ضعف أجهزة الدولة ـ وأجهزتها السيادية في الدفاع والأمن ـ حيث يمكن للقبلية سد الثغرات بدون أزمات وبأقل قدر من التكاليف المالية أو الخبرات الإدارية المستوردة من مجتمعات غير قبلية. كما فعلت/ بدون نجاح يذكر/ دولة الشيوعين الروس، ثم دولة المحتلين الأمريكيين.

لا نتحدث عن مجتمع ملائكي أو خالٍ من المشكلات والاختراقات والأحقاد والمنافسة التي تستقوى بالقبلية أو بالمذهب. سيكون كل ذلك، ولكن في حدود الاحتمال والقابلية للحل. لكن التدخلات الخارجية تجعل الأثمان المدفوعة من أجل الاستقرار أكثر فداحة.

 

تنزيل ملف المقابلة PDF (اضغط هنا)

 

سؤال: ما هي ملامح هذه التجربة أي تجربة القبائل مع الإمارة الإسلامية الأولى؟

مثلًا، ربما تجرى قبيلة معينة شورى منفصلة، لبحث مشكلة مع الإمارة أو مسؤوليها التنفيذيين، وتسفر الشورى عن موقف موحد، يذهب به وفد من القبيلة لمفاوضة الإمارة حوله والتوصل معها إلى قرار. ولم يحدث لمرة واحدة أن تدخلت الإمارة للتأثير على قرارات شورى القبائل.

كما لم يحدث أن أدى خلاف معها إلى صدام مسلح. إلا إذا كان قرار القبيلة مخالف لمصلحة باقي القبائل مثل المساس بوحدة الدولة. أو تجاوز القبيلة على أحد الأحكام الشرعية في مسائل مثل قطع الطريق أو القتل أو حقوق المرأة.

وحدث أن منعت قبيلة كبرى قوات طالبان من المرور بأراضيها، لوقوع تجاوزات بحق بعض قادة المجاهدين في القبيلة. تشاورت القبيلة عدة أيام حتى استقر الأمر على مقترحات قبلتها الامارة وانتهت المشكلة وفتحوا الطريق.

هناك اتفاق ثابت بين الامارة والقبائل على عدم إيواء المجرمين أو المحكومين بأحكام شرعية في القصاص أو السرقة. وتعهدت القبائل بمساندة الإمارة في إجبار القبيلة المخالفة على الانصياع، ولو باستخدام القوة ضدها. وكان لذلك أثراً هائلا في إقرار الأمن في مناطق لم تكن تعرف معنى الأمان.

من ضمن الاتفاقات كان تطبيق قرارات المحاكم الشرعية بالنسبة للتجاوزات على الحقوق الشرعية للنساء في الميراث والزواج والملكية وغيرها. وذلك لأول مرة في معظم المناطق القبلية التي تمكنت النساء فيها من الاستعانة بالقضاء. فإن الإمارة ـ والقبائل ـ وقفت جميعًا خلف تحقيق العدالة لهن طبقا لأحكام القضاء الشرعي.

كما أن القبائل تحمل الإمارة فوق الأكتاف، إذ لم يكن لدى الامارة في فترة حكمها الأولى القدرة على دفع رواتب لموظفيها، كباراً وصغاراً. فكانت القبائل تتكفل بالإسناد المالي لأبنائها المتطوعين للعمل المجاني مع الإمارة في أي مجال كان باعتبار ذلك واجب ديني.

أهم مظاهر الدعم القبلي كان إمداد الإمارة بالمقاتلين بأسلحتهم الفردية ورواتبهم. وكل قرية ترسل عددًا من أبنائها للقتال إلى جانب الإمارة التي كانت تتكفل بنقلهم وإطعامهم وإمدادهم بالذخائر والأسلحة الثقيلة. فلم تكن هناك رواتب ثابتة ولا تجنيد إجباري.

كما قبلت القبائل قرار العلماء بعدم توزيع الغنائم على المقاتلين وتركها للإمارة حتى تتمكن من إدارة الحرب وشؤون الدولة. وذلك أمر عسير جدًا على رجال القبائل، ولكنها الطاعة لأوامر الشريعة عندما تأتي من قنواتها المعترف بها، خاصة من منصب مثل (أمير المؤمنين) الذي يحظى برهبة واحترام.

 

سؤال: ماذا عن بقايا الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، من شخصيات سياسية وازنة وقبائل كانت موالية، ورأسماليين أفغانيين بالإضافة إلى المجتمع المدني، إلى أي مدى يمكن أن يؤثر هؤلاء على التعاطي السياسي لطالبان وكيف ستتعاطى طالبان معهم؟

تحدثنا أن كل ما يتعلق بالقبائل، سوف يظل ضمن قوانين التعامل القبلي وتحت السيطرة، خاصة إذا اعتمدت أكثرية القبائل صيغة التعاون السلمي تحت راية الإسلام والأعراف القبلية الراسخة. أما السياسيون والرأسماليون، فسيظل هؤلاء يعملون عبر الحدود بإرسال الأموال واستئجار عناصر مقاتلة. سيكون ذلك مقلقاً للاستقرار، ولكن في نطاق جغرافي محدود ولفترات مؤقتة.

 

سؤال: ماذا عن الملايين من المتغربين الذين تحدثت عنهم؟

المتغربون هم من تلقوا تعليمًا في مدارس الغرب أو عادوا يحملون جنسيات الدول الغربية التي هاجروا إليها سابقًا، إضافة إلى الذين تنصروا، والذين عملوا في الهيئات الغربية من سفارات وشركات وهيئات إغاثية، أو عملوا في الإعلام الحكومي، أو قدموا خدمات لجيوش الاحتلال. وأخطرهم من عملوا كجواسيس من المستوى الحقير، أو انضموا إلى الميليشيات رفيعة المستوى تعليميًا وتدريبيًا، التي أسسها الموساد والمخابرات الأمريكية.

بعض التقديرات تقول إن تعداد تلك الطبقة المتغربة المرتبطة بالاحتلال اقتصاديًا وثقافيًا يتراوح بين 2 إلى 4 مليون شخص. لكن من حمل السلاح وقاتل من بين هؤلاء المثقفين المتغربين قد يصل إلى نصف مليون خلال عشرين عامًا من الاحتلال. وأكثر الباقين سواء بقوا في أفغانستان أو غادروها ليس لديهم دافع يكفي لحمل السلاح والتعرض للقتل.

أما عن المجرمين العاديين، ومن عملوا في أجهزة الميليشيات الحكومية والقبَليَّة فأعدادهم أكبر بكثير ويمكن أن يعودوا إلى حمل السلاح إذا تلقوا عائدا ماليا مناسباً، وقدر أقل من المخاطر.

 

سؤال: ماذا عن دور داعش؟

لتحفيز عملاء الاحتلال على القتال (سواء متغربين أو ميلشيات سابقين أو جواسيس) كانت أمريكا ترسل لهم عناصر خارجية منظمة لإشعال مناطق هامة (بدأت من جلال آباد شرق البلاد). ولأجل المعنويات يكون للدواعش العقائديين أهمية خاصة. وهؤلاء انقرضوا تقريبا، فأصبح اسم داعش يمنح كوسام إجرامي لنوعين من المقاتلين: نوع قادم من باكستان، خاصة معسكر شمشتو التابع للزعيم الإسلامي الإخواني قلب الدين حكمتيار، الذي كان ضمن جماعة صغيرة خاصة، تدير الدواعش من كابل. ونوع آخر من الدواعش تحضره الطائرات التركية من سوريا وتركيا، وتهبط بهم في باكستان أو أوزبكستان. وكانت تهبط بهم في مطار جلال آباد شرق أفغانستان قبل رحيل الأمريكان عنها. بل كان للدواعش إذاعة تعمل من داخل القاعدة الجوية الأمريكية في المطار، تحت اسم “صوت الشريعة”.

 

سؤال: في أغسطس آب الماضي صرح قائد في حركة طالبان بأنه “من السابق لأوانه التحدث عن كيفية تولي الحركة الحكم في أفغانستان”، هل ثمة رؤية ومنطلقات فكرية (شرعية أو مدنية) واضحة في صنع القرارات السياسية؟

هناك بالطبع رؤية ومنطلقات شرعية وأخرى مدنية لصنع القرار داخل حركة طالبان. وتحديدًا داخل الإمارة الإسلامية وهي تمارس الحكم.

من واقع تجربها الأولى {1996 ـ 2001} التزمت الإمارة بمبدأ الشورى، داخل مجلس الشورى القيادي، والمكون من12 ـ 15 عضو من المؤسسين وجميعهم من قدامى المجاهدين، ومعظمهم أصيب في الحرب السوفيتية إصابات جسيمة.

وفى حالة وقوع أحداث خطيرة في منطقة أو ولاية معينة، تُلزِم الإمارة نفسها بالتشاور مع القبائل المعنية ـ وبغير ذلك قد لا تكون أي قرارات ملزمة لهم. فمن أساسيات العلاقة بين الإمارة والقبائل هو الالتزام بالشورى فى المسائل الهامة.

إذا كانت المشكلة كبيرة ـ على مستوى عدة ولايات أو حتى الدولة كلها ـ تتسع قاعدة الشورى حسب اتساع القضية موضع التشاور.

على سبيل المثال: عند فتح كابل وهروب الأمريكيين، عقد قائد الإمارة مولوي هبة الله “أمير المؤمنين”، جلسة شورى موسعة في قندهار، ضمت مئات من قادة القبائل والقادة العسكريين الميدانيين. وكانت القضايا المطروحة على أعلى درجات الأهمية ـ ولم تكن مقصوره على تشكيل الحكومة. فتلك نتيجة ثانوية لمشاورات أوسع، شملت جوهر النظام وطريقة الحكم، والشورى، وتشكيل الحكومة، والعلاقات الخارجية المعقدة والمتضادة، وضغوط معسكر الاحتلال بقيادة أمريكا وأتباعها في أوروبا وتركيا ودول الخليج وباكستان، والموقف من معضلة الاقتصاد، وطريق الحرير والعلاقات مع الصين وإيران، والموقف من الطبقة المتغربة، ومن الإدارة القديمة وقياداتها ومسألة العفو عنهم أو محاسبتهم.. الخ.

حتى جاء تشكيل الحكومة بخلاصة آراء متعارضة بين مبدأ التقاسم بين القوميات والمناطق والقبائل، وبين مبدأ الالتزام بالخدمة الدينية والاجتماعية وليس تقاسم المناصب في الحكومة.

في هذا الطيف الواسع من المشكلات الشائكة ـ والطيف الواسع من المشاورين لا تكون المشورة سهلة ولا سريعة. لهذا ما زالت مستمرة، وبعض القضايا معلقة. لهذا أطلق مولوي هبة الله عليها حكومة مؤقته. حيث لابد من وجود حكومة رغم عدم الاتفاق الكامل على جميع القضايا.

ومن الطبيعي أن الكثير من القضايا سيتم اعتماد حلول لها بأغلبية الأصوات وليس بالإجماع. لهذا قد تتعدد التصريحات بالنسبة للموضوع الواحد. والاعتبار يكون للتصريح الرسمي وليس التصريح الشخصي، حتى لو صدر عن شخص مسؤول في الحكومة.

ومن القضايا المطروحة إنشاء مؤسسات لنظام الحكم وتحديد علاقاتها ببعضها، وكيفية اختيار أعضاء الشورى، وكيفية اختيار الحاكم (أمير المؤمنين) طبقا لضوابط تمنع توارث المنصب، ولا تؤدى إلى صراعات، وتمنع النفوذ الأجنبي.

 

سؤال: قال المتحدث باسم حركة طالبان، سهيل شاهين، إن الحركة تجري محادثات بهدف تشكيل حكومة شاملة ومنفتحة في أفغانستان. ماذا يقصد بالشاملة والمنفتحة؟ وهل تستطيع طالبان إدارة حكومة تعددية؟

بالنسبة للسيد سهيل شاهين، كان ناطقًا رسميًا للمكتب السياسي للإمارة المقيم في الدوحة. وله الكثير من الآراء والتصريحات المثيرة للجدل والدهشة. ومن الأفضل دوما التغاضي عن معظمها لعدم تأثيرها على سياقات العمل السياسي أو العسكري للإمارة. فهو يخاطب في الأساس الرأي الرسمي للحكومة القطرية، ولإثارة إعجاب الإعلام الدولي.

الرأي الثابت للإمارة هو أن حركة طالبان هي الممثل الواقعي والشرعي لشعبها طوال 20 عامًا من الجهاد. وفيها اندمجت كافة القبائل والمذاهب، من السنة والشيعة ـ وحتى مواطنين من السيخ تعاونوا مع المجاهدين.

 

سؤال: أين ستقف طالبان من تجاذبات روسيا والصين اللتين تملكان مصالح متوافقة أحيانًا ومتضاربة أحيانًا في أفغانستان، ومن المعروف أيضًا أن لدى إيران والهند وباكستان نفوذ على الجبهات الأفغانية، ومن المتوقع أن تدخل تركيا أيضًا، ولكل منهم آليات ووسائل للتأثير على سير الأوضاع في هذا البلد؟

روسيا والصين، من الدول الهامة جدًا والمؤثرة في المنطقة. وقد تحركت الصين بقوة وجرأة صوب أفغانستان (الإمارة الإسلامية)، وفى اتجاه إيران (الجمهورية الإسلامية)، في ظروف حرجة ومخاطر تفرضها أمريكا على الجميع.

وفى نفس الوقت يجرى تقارب كبير بين (الإمارة) السنية ـ و(الجمهورية) الشيعة ـ فأثار ذلك رعب الروس وتخيلوا اجتياحا إسلاميا لآسيا الوسطى بنوع جديد من الإسلام يتخطى معضلات خلقها الغرب على مدى قرون.

فتكوَّن اتحاد مضاد للإمارة، حركته إسرائيل، وجمعت فيه الروس والأتراك لمقاومة زحف إسلامي تخيلوه قادمًا من أفغانستان تجاه آسيا الوسطى.

ذلك الاتحاد يمتد إلى الشرق الأوسط ـ خاصة سوريا وفلسطين ـ روسيا تبدو فيه الطرف الأضعف لعدة أسباب منها قدرة إسرائيل على (تدميرها) في سوق الطاقة، بعد أن استحوذت على مشيخات الخليج ومواردها للطاقة، بما سيجعلها المُصَدِّر الأول للغاز في العالم عبر ميناء حيفا. وابتلعت جزءً كبيراً من غاز شرق المتوسط على حساب مصر وقبرص واليونان وربما ليبيا أيضا.

روسيا ستوقع نفسها في ورطة تاريخية إذا أشعلت صراعًا مع المسلمين، وتعاونت مع إسرائيل في مشاريع اغتصاب الأنهار الإسلامية في آسيا الوسطى (سيحون وجيحون) وصولا إلى نهر النيل. وتُعَوِّل إسرائيل عليها في تمرير خط أنابيب السلام الذي ينقل مياه سيحون وجيحون، ونقلها من تركيا عبر سوريا إلى إسرائيل. وحراسة منابع مياه النهرين لصالح إسرائيل في آسيا الوسطى، على حساب نصيب أفغانستان من المياه.

إيران لا مشكلة لديها مع الإمارة الإسلامية، فهي في نفس الجبهة مع الأفغان والصين.

تركيا لها تأثير خطير في أفغانستان خاصة في تحريك قوى الانفصال لدى الأوزبك الأفغان، مع سهولة حركتها في جمهوريات آسيا الوسطى بالاتفاق مع موسكو وبوساطة أمريكية وإسرائيلية. وتركيا قادرة على جلب الدواعش إلى أفغانستان بما فيهم الدواعش الإيجور.

الهند لها نفوذ أضعفه رحيل الاحتلال الأمريكي، والافتقار إلى اتصال أرضي مع أفغانستان. وهي تبذل مجهود لترتيب أوراقها من جديد مع الطالبان. بينما روسيا تجتهد في حرق أوراقها معهم بسفه بالغ.

أما باكستان فهي أشد الأخطار وأقرب الأضرار على أفغانستان وإمارتها الإسلامية. ليس الآن فقط بل منذ استيلاء طالبان على كابل عام 1996. وقد يكون ذلك مفاجئا لكثيرين، نظراً لشيوع الأكاذيب الأمريكية /الباكستانية.

فالباكستانيون خائفون من عودة الإمارة الإسلامية ونموذجها الإسلامي غير الأمريكي. لهذا نفذوا بمشورة الإسرائيليين بناء سياج حديدي مزدوج على حدودهم مع أفغانستان وإيران.

إنهم في إسلام آباد خائفون، على قدر الخوف الموجود في موسكو من طالبان.

تريد أمريكا احتلال أفغانستان بالاقتصاد بديلا عن الجيوش. اعتمادًا على عدم وجود اقتصاد يقوم عليه البلد، وحاجتها الدائمة إلى معونات خارجية.

الفشل الاقتصادي أهم أدوات أمريكا لإفشال تجربة طالبان والإمارة الإسلامية. وضمان مبدأ (بايدن) بعدم السماح لأفغانستان بالاتحاد أو بناء نفسها. كما أعدت لها برامج للحروب الداخلية والحركات الانفصالية.

ناهيك عن حاجة أفغانستان العاجلة إلى طعام، فهي على وشك المجاعة التي رتبها الأمريكان لتبدأ مع خروجهم من البلد، وتنفجر مع فصل الشتاء. وتدعم ذلك بمقاطعة دولية وتجميد أرصدة أفغانستان في الخارج، مع حملة عداء دولية لتشويه السمعة وإثارة الشكوك وعزل طالبان وكأنهم وباء أو خطر داهم يهدد العالم.

وتتوقع أمريكا أن الاحتلال بالاقتصاد لن يقابله جهاد مسلح، وسيقود إلى التفكك والتقسيم. أي احتلال أبدى لأفغانستان وتحويلها إلى ساحة دائمة للفوضى والبؤس وزراعة الأفيون، ومستقراً ثابتاً للمخابرات الأمريكية / الإسرائيلية، للقفز منها والعبث بالأمن داخل إيران والصين.

طالبان بدأت بالفعل في تفجير قنبلة إستراتيجية كبرى في المنطقة بالانضمام إلى مبادرة الصين لبناء طريق الحرير الجديد (مبادرة حزام واحد وطريق واحد). يربط بالطرق البرية وسكك الحديد وخطوط نقل الطاقة، والمشاريع الاقتصادية بين الدول الثلاث أفغانستان وإيران والصين.

وهو ليس مجرد طريق، بل زلزال جيواستراتيجى في المنطقة والعالم. يترتب عليه تغيير كامل في مكانة أفغانستان الجيوسياسية، ومَعْلَم غاية الأهمية لنظام عالمي قادم. تحارب أمريكا وعالمها كله من أجل منع قيامه.

 

تنزيل ملف المقابلة PDF (اضغط هنا)

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
– مافا السياسي ( ادب المطاريد )

المصدر:
مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير 

https://ufeed.site/public_post.php?id=122059

 

 

 سلوك طالبان لتشكيل الدولة الجديدة مقابلة مع الأستاذ مصطفى حامد (ابوالوليد المصري)

 




الإمارة الإسلامية انتصرت في الحرب المسلحة..وسوف تنتصر في معركة “حقوق الإنسان” والمرأة

الإمارة الإسلامية انتصرت في الحرب المسلحة..وسوف تنتصر في معركة "حقوق الإنسان" والمرأة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

عدد خاص بفتح  كابول : مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 187 | محرم 1442 ھ – أغسطس 2021 م .   

30-08-2021

 

الإمارة الإسلامية انتصرت في الحرب المسلحة..وسوف تنتصر في معركة “حقوق الإنسان” والمرأة

 

– (علامة الانتصار الكامل في الحرب هي تحطيم جيش العدوّ ودخول عاصمته). وهذا حرفيًا ما حدث في أفغانستان.

–  حتى عند دخول قوات الإمارة الإسلامية إلى القصر الجمهوري، كانت أمريكا تحاول القفز من لحظة الهزيمة إلى حالة الانتصار السياسي الكامل، بمجرد التلاعب في تشخيص المشهد.

–  (لاحكم للشريعة الإسلامية)، هكذا يقولونها الآن وبكل وضوح. ويهددون الإمارة الإسلامية إن هي فعلت بكمية عقوبات دولية تكفي لشَلِّها وإفشال تجربتها في حكم أفغانستان.

–  الذي يسمع ذلك يظن أن الجيوش الأمريكية بأسلحتها الفتاكة جاءت للنهوض بالشعب الأفغاني ونقله إلى الرفاهية، ولم تأت في مهمة وصفها زعيمها بوش بأنها حرب صليبية.

–  اعتمد الاحتلال منذ لحظته الأولى وحتى الدقائق الأخيرة على جعل السكان هدفاً أساسياً للحرب، بتدميرهم ماديًا وجسديًا ومعنويًا حتى يتخلوا عن المجاهدين.

–  رغم المئة مليار دولار التي تَدَّعي أمريكا إنفاقها في أفغانستان فإن حياة الأفغان زادت تدهورًا باستمرار، وانتشرت البطالة بين الشباب.

–  عن استغلال مخابرات الاحتلال الأمريكي للنساء في شبكات الجنس والتجسس، فإن ملفات تفصيلية بالأسماء والأماكن متوفرة. وربما تنشر عند الضرورة. لإظهار جرائم الإحتلال في حق المرأة، ونفاقه الفاجر باتهام طالبان والشريعة الإسلامية بالتعدي على حقوق المرأة.

–  (تكتيك الدفاع في المناورة السياسية، والهجوم في المجال العسكري)، كان هو أسلوب الإمارة في إدارة معركتها السياسية والدعائية ضد أمريكا وتحالفها الدولي.

–  تخشى أمريكا من أن تُرَكِّز الإمارة الإسلامية مجهودها على بناء مجتمع مسلح بالعلم الديني والدنيوي، ومتحرر من الخوف والفقر. مجتمع تسوده العدالة والمساواة. يستخدم ثروات بلاده الهائلة لبناء الفرد القوي والمجتمع الصحيح، والدولة العزيزة بدينها القوية بشعبها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

انتصر الشعب الأفغاني على الحملة الصليبية التي شنتها عليه الولايات المتحدة لمدة 20 عاماً. توج ذلك الانتصار دخول قوات الإمارة الإسلامية إلى القصر الجمهوري في كابل، بعد هجوم خاطف على العاصمة، كان في معظمه مجرد ملاحقة لفرار قوات النظام وهروبها المخزي بلا قتال وترك مواقعها. حتى أن تقدم طالبان كان للحفاظ على أمن مواطني العاصمة من اختلال الأمن بعد اختفاء سلطة الدولة بشكل كامل ومفاجئ.

(علامة الانتصار الكامل في الحرب هي تحطيم جيش العدوّ ودخول عاصمته). وهذا حرفيًا ما حدث في أفغانستان. انهزمت جميع القوات المسلحة المعادية لطالبان بداية من الجيش الأمريكي إلى قوات حوالي 50 دولة مرافقة له.

ثم هُزِمَ الجيش المحلي وقوات الأمن المسلحة، التي أنفقت عليها أمريكا ما يقارب المئة مليار دولار، لتتحمل عنها مسئولية القتال ضد شعب أفغانستان والإمارة الإسلامية.

لأجل ذلك ظهرت في الغرب علامات صدمة عنيفة، وانتقاد علني للطرف الأمريكي وتحميله مسئولية الهزيمة بل والحرب كلها. أمريكا بدورها ألقت بالمسئولية على عملائها في نظام كابول لأنهم لم يقاتلوا رغم كل الإمكانات العسكرية التي كانت تحت أيديهم.

 حتى اللحظة الأخيرة.. وعند دخول قوات الإمارة الإسلامية إلى القصر الجمهوري، كانت أمريكا تحاول القفز من لحظة الهزيمة إلى حالة الانتصار السياسي الكامل، بمجرد التلاعب في تشخيص المشهد. والادعاء بأنه ليس انتصارًا لطرف وهيمنته على طرف آخر ـ بل “تسليم ” للسلطة يتم بهدوء كي تبدأ بعدها فترة انتقالية، وسلطة انتقالية من كلا الجانبين، يليها الاتفاق على تشكيل سلطة دائمة ـ أي حكومة مشتركة بين المجاهدين والنظام.

وهو ما عملت عليه أمريكا معظم وقت احتلالها. أي أن تترك في أفغانستان نظام عميل يضم جميع الأفغان ـ وأهمهم رجال الإمارة الإسلامية ـ مستبعدين تماما أي ذِكْر لتطبيق الشريعة. والإبقاء على تواجد عسكري أمريكي بهدف “التدريب والمشورة ومكافحة الإرهاب” أي نقل تجربة العراق السياسية بخذافيرها تقريبًا إلى أفغانستان.

استخدمت الولايات المتحدة أقصى درجات العنف العسكري لإخضاع الشعب الأفغاني. ولكن الإمارة الإسلامية تصدت عسكريًا وبنجاح لإفشال المجهود الأمريكي. وبعد اتضاح الهزيمة الأمريكية حاولت أن تُنَفِّذ نفس الهدف (أي نظام حكم موالي لها في أفغانستان، يكون طوع إرادتها وتشارك فيه الإمارة الإسلامية، شرط أن توقف مقاومتها للاحتلال الأمريكي). فحاولت مرة أخرى بوسائل سياسية ودعائية مستخدمة كافة أوراقها في ذلك المجال، وكافة “أصدقائها” العملاء، والأوراق الإسلامية المتاحة لها، وهي كثيرة جدًا. وفشلت مرة أخرى في إحداث تحول في موقف الإمارة الإسلامية وتمسكها بتطبيق الشريعة الإسلامية عبر نظام الإمارة الإسلامية.

حاولت أمريكا تقريب المسافة على الإمارة الإسلامية في خطوة أولى هي تنازل الحركة عن (الإمارة الإسلامية) كنظام ملتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية. والاكتفاء بذِكْر كلمة الإسلام في عنوان الدولة بدون أي اقتراب من التطبيق الفعلي للشريعة.

مرة أخرى وجدت أمريكا أن الطريق مغلق، فعادت مرة أخرى إلى التهديد بالعنف، ولكن دون استخدام جيوشها مرة أخرى ( يلاحظ أن أمريكا لديها وسائل حرب داخل أفغانستان تُغْنيها عن استخدام جيوشها، اكتفاءً بمجموعات مُدَرَّبَة وجاهزة لتقويض الإمارة الإسلامية من الداخل). ولكنها لا تأتي على ذكر تلك المجموعات في أي حديث علني. رغم أن الكثير من تلك المجموعات شاركت ميدانيا في القتال لسنوات عديدة، وطبقا لأساليب مخالفة لجميع قواعد الحرب وأخلاقياتها المتعارف عليها.

 

أمريكا: لا حكم للشريعة الإسلامية

هكذا يقولونها الآن وبكل وضوح. ويهددون الإمارة الإسلامية إن هي فعلت بكمية عقوبات دولية تكفي لشلها تماما وإفشال تجربتها في حكم أفغانستان، وتشويهها خارجها. من تلك العقوبات:

– وضع تطبيق الشريعة في موضع الخطر الذي يهدد(المجتمع الدولي) ـ أي أمريكا والغرب ـ وللتمويه جعلوا مطلب ذلك المجتمع الدولي ذو طابع إنساني وقانوني واقتصادي.

إنسانيا – الادعاء بأن المجتمع الدولي يدافع عن حقوق الإنسان في مواجهة الشريعة الإسلامية “المعتدية ” على تلك الحقوق.

قانونيا ـ بتشديد القوانين الدولية المضادة للعدوان على حقوق الإنسان، وتحويلها إلى قرارات دولية ملزمة (عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وباقي المنظمات الدولية).

اقتصاديا ـ إعلان الحرب الاقتصادية على الإمارة الإسلامية (ومنع المعونات الإنسانية ). فللحرب الاقتصادية تأثير مدمر على حياة الشعوب، وعرقلة تنمية مواردها. وغرض الحرب المعلن هو تحريض الشعوب على الثورة ضد أنظمتها “المارقة” وإجبارها على الإذعان للإرادة الأمريكية. والعقوبات الاقتصادية هي الأوسع نطاقا في التطبيق الأمريكي للعدوان. وتمتد على اتساع القارات كلها ضد دول وأفراد وشركات. وليس هناك من قانون دولي يمكن أن يتدخل لضبط ذلك الشطط والإضرار بحقوق البشر التي تدعي أمريكا ومجتمعها الدولي الدفاع عنها.

إن المسألة ليست الدفاع عن حقوق البشر، بل طحن إرادة البشر في الحرية الدينية والاعتقادية واستقلال الإرادة واستعادة حقوق الشعوب في ثرواتها، والإبقاء على حرية واحدة في العالم أجمع، هي حرية البنوك اليهودية التي تدير الاقتصاد العالمي بشركات عملاقة عابرة للقارات.

تلك الشركات تريد ابتلاع ثروات كوكب الأرض تاركة للبشرية الخراب والفقر وأنظمة الفساد والاستبداد الوحشي والحروب الداخلية والإقليمية.

ولتلخيص الموقف نقول أن الصورة باتت الآن أوضح في أفغانستان. فالمعركة الكبرى هي بين تلك البنوك وشركاتها العملاقة، ضد الشريعة الإسلامية التي تريد أن ترفع رأسها في أفغانستان.

والخطر على الغرب هنا من أن يتحول منهج الإمارة الإسلامية إلى منهج إسلامي عام يسير عليه المسلمون لتنظيم حياتهم طبقا لشرائع دينهم، ومقاومة الهيمنة الاستعمارية للبنوك والشركات العظمى، أي أمريكا والغرب الذي يخدم تلك المنظومة.. منظومة الشيطان.

 

تقود أمريكا (مجتمعها الدولي) في مواجهة الإمارة الإسلامية وتهددها بالتالي:

العزلة الدولية ـ العقوبات بجميع أنواعها السياسية والاقتصادية ـ والتشويه الإعلامي ـ والتدخل الإقليمي والدولي ـ وإشعال الفتن الداخلية بين مكونات المجتمع العرقية والمذهبية، لإظهار الإمارة بمظهر الضعف وانعدام القدرة على السيطرة ـ الطعن في صحة المنطلقات العقائدية للنظام (باستخدام طوائف ضد طوائف، ومذاهب ضد مذاهب، وجماعات منحرفة ضد النظام الذي يطبق الشريعة بشكل جاد).

 

منجزات الاحتلال!!

فرضت أمريكا على مجتمعها الدولي، وعلى الدول التابعة لها، فرضت عليهم مفهوم أسمته (الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في أفغانستان خلال العشرين عاما الماضية)!

والذي يسمع ذلك يظن أن الجيوش الأمريكية بأحدث أسلحتها الفتاكة التي استخدمها في أفغانستان إنما جاءت في مهمة إنسانية للنهوض بالشعب الأفغاني ونقله إلى الدرجات العليا من الرفاهية والعلم. ولم تأت في مهمة وصفها زعيمها بوش بأنها حرب صليبية.

– حتى الأمريكيون أنفسهم لا يصدقون تلك الكذبة. ويقول أكثرهم عقلا: لقد أنفقنا في أفغانستان تريليون دولار على الأقل، فأين ذهبت؟؟ قالوا ذلك وقد أذهلتهم سرعة تهاوي الجيش وأجهزة الأمن وضعف دفاعهم عن النظام. وكانت الإدارة الأمريكية تتباهى بذلك الجيش وما أنفقته عليه (مئة مليار دولار في أحد التقديرات). يعلم شعب أفغانستان أين ذهبت مليارات الاحتلال، وأن معظمها تسرب إلى غياهب الظلمات التالية:

– صناعة دولة ونظام قائم على الفساد، يمكن إدارته بسهولة بواسطة الرشاوي واستغلال النفوذ.
– بناء القصور الفخمة لكبار فاسدي النظام ومَنْ حوله من قادة ميليشيات وتجار مخدرات ومهربي أموال. وشراء أراضي الدولة بأسعار بخسة، وتكوين شركات وتجارات عبر البحار تساعد على غسيل أموال المخدرات ومضاعفة أرباحها.

– بناء طبقة لامعة فاسدة ومتغربة من النساء والشباب والمثقفين، لتوثيق العلاقة مع الحضارة العلمانية الغربية، ومقاومة أي محاولة لتطبيق الشريعة، ولاستبدال الطابع الإسلامي للمجتمع الأفغاني بطابع أوروبي لا ديني.

وتحويل جيل الشباب إلى الضياع وفقدان الأمل والتعلق بالوهم الأمريكي والغربي على أنه المثل الأعلى. ( وظهر هؤلاء في تجربة “شباب مدرج مطار كابول” الذي ضحّى بحياته أو عرَّضَها للخطر من أجل وهم الذهاب للعيش في النعيم الأمريكي).

– بناء جهاز إعلامي ضخم موالي للاحتلال والقيم الغربية، ومعادي للإسلام.

– تغريب برامج التعليم واستبعاد الإسلام من التعليم والثقافة العامة والممارسات الاجتماعية. وآثار ذلك التعليم كانت واضحة أيضا في (ملحمة مدرج كابول).

– ترويج التكنولوجيا (ليس لتطوير الإنسان والاقتصاد والدولة) بل لإفساد الشباب والشعب عموما بواسطة الإنترنت والموبايل والتلفزيون. لنشر ثقافة الغرب وقيمه اللادينية وهجر الإسلام بل ومقاومته أو الفرار منه (جيل مدرج المطار).

 

حقوق الإنسان.. أم حقوق المرأة؟؟

جميع أحاديث أمريكا ومجتمعها الدولي عن حقوق الإنسان، في مَعْرِض مواجهة الإسلام والإمارة الإسلامية تدور ثم تصب في نقطة أساسية هي حقوق المرأة. لأنهم يظنون أنها نقطة ضعف في الشريعة الإسلامية.

ولكنها في الحقيقة النقطة الأضعف في منظومة دفاعنا عن الإسلام. إذ هي في الحقيقة أضعف نقاط الثقافة الغربية. ومن السهل إثبات ذلك لأنها حقيقة ساطعة تعيشها المجتمعات الغربية، ويراها العالم، وكان يمكن أن تكون ردود فعل الإنسانية إزائها أقوى بكثير، لولا إحكام القيود على الشعوب بإرهاب الاقتصاد والإعلام، وأنظمة الحكم الفاسدة، والجيوش الاستعمارية أو الوطنية العميلة.

ولننظر إلى الواقع الأفغاني، ومظاهرحقوق الإنسان التي “أكَّدَها” الاحتلال الأمريكي. ثم ندخل منها إلى حقوق المرأة، وهي الهدف الرئيسي للاحتلال و”المجتمع الدولي” في الحرب ضد الإسلام عامة والإمارة الإسلامية على وجه الخصوص.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

20 عاما من حقوق الإنسان في أفغانستان:

اعتمد الاحتلال منذ لحظته الأولى وحتى الدقائق الأخيرة من حياة نظام كابول على جعل السكان هدفًا أساسيًا للحرب، بتدميرهم ماديًا وجسديًا ومعنويًا حتى يتخلوا عن المجاهدين، وأن يَطْرُدوا من أذهانهم أي ميل للمقاومة، ولإجبار المجاهدين على وقف قتالهم حتى ينقذوا حياة شعبهم.

لتأكيد حقوق الانسان في أفغانستان قامت الحملة الصليبية الأمريكية / الأوروبية بالإجراءات التالية ضد المدنين الأفغان (هُمْ أيضا يعتبرون من صنف الانسان).

– الغارات الليلية على القرى وحشد الأهالي في ساحاتها وتعذيب وقتل العديدين، وتسليط الكلاب آكلة لحوم البشر عليهم، ثم اختطاف عدد من الشباب والشيوخ والنساء.ونقلهم بالمروحيات حيث يختفي أثرهم، بعد تدمير مسجد القرية وقتل شيخ القرية وعدد من طلاب العلم وإحراق الكتب الدينية بما فيها القرآن الكريم.

– قتل المدنيين على الطرقات وفي وسائل المواصلات، سواء بالجنود أو بطائرات (درون).

– نشر فرق الموت وفرق الاستخبارات الخاصة للقتل والتعذيب في القرى والمدن.

– نشر سجون التعذيب، خارج أي قانون إنساني. وأهم رموزها كان سجن قاعدة بجرام الجوية الأمريكية، وسجن بول تشرخي التابع لنظام كابول.

الآن بعد تحرير أفغانستان والإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين، يوجد لدى كل واحد منهم قصة يشيب لها الولدان، عن انتهاك آدميته وجميع حقوقه.

وعسى أن تكون الإمارة الاسلامية بصدد تجهيز ملفات تفصيلية عن ذلك.

– ورغم المئة مليار التي تدعي أمريكا إنفاقها في أفغانستان فإن حياة الأفغان ازدادت تدهورا باستمرار. فانتشرت البطالة بين الشباب، وارتفعت نسبة الأمية (رغم نظام تعليمي شمل عدة ملايين، ليس لأجل تعليمهم بقدر ما هو إخراجهم من الدين).

ـ انتشرت التجارة بالأعضاء البشرية. ومن المعتقد أن الكثير من غارات القتل والخطف تمت بدافع تلك التجارة وأرباحها العالية.

ـ كما انتشر الاتجار بالبشر، حيث يباع فقراء الأفغان في سوق العمالة شبه المجانية في الغرب وفي الصناعات أو الزراعات غير المشروعة، في أماكن شديدة الخطورة وظروف عمل لا يمكن احتمالها. والاتجار بالفتيات ضمن عصابات الاستعباد الجنسي في الغرب.

ـ وصل الأمر أثناء مرحلة تحرير المدن، أن استخدم الأمريكيون ونظام كابول فقراء المدن والمهاجرين، كدروع بشرية تمنع المجاهدين من اقتحام المدن.

ـ نتيجة الفقر الشديد يضطر كثيرون إلى بيع أعضائهم، أوالعمل في السرقة والتهريب أو التجسس أو كميليشيات.

ـ انتشار تعاطي الهيروين حتى وصل عدد المدمنين إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص، وملايين النساء أدمن تعاطى الأفيون.

 

حقوق (الخالات).. في العمل الاستخباري

أثقل مصائب الاحتلال وقعت على كاهل النساء، بفقدان المعيل، من زوج أو أب وأهل. فأدمنت عدة ملايين منهن على تعاطي الأفيون. واللاتي قاتل رجالهن مع النظام وقتلوا، تعرضن لأبشع أنواع الاستغلال ـ حتى الجنسي ـ في مقابل الحصول على حقوقهن المالية المستحقة لدى الدولة كتعويض أو معاش.

وانتقل الاستغلال الجنسي للنساء حتى أرفع درجات وظائف الدولة. ومطالبة العديد من كبار المسئولين بزيادة عدد النساء في سلك الشرطة ـ وغيرها ـ ناتج عن رغبتهم في توسيع رقعة الفساد والمنخرطات فيه. وامتد الاستغلال الجنسي إلى البعثات الدبلوماسية في الخارج، حتى صارت الممارسة الجنسية المحرمة، نوعا من العملة المعتمدة لإنجاز المعاملات الرسمية. ناهيك عن تولي الوظائف العليا في الدولة أو المؤسسات الخارجية.

– يدير الاحتلال في أفغانستان مجموعة شبكات للدعارة المنظمة تحت إشراف أجهزة استخباراته وبعون من نظيرتها المحلية. وتعتبر تلك المجموعات ذات هدف استخباري في الأساس، وهو الوصول إلى غايتها بوسيلة الجنس إذا تعذر الوصول إليها بطريقة أخرى، أو لتعزيز الطرق الأخرى وتقويتها.

– كل عدة مجموعات تشرف عليها زعيمة ذات خبرة وقدرات متميزة (ويطلقون عليها لقب”الخالة”)، تعمل تحت رقابة وإشراف وتوجيه جهاز الاستخبارات.

ذلك النظام موزع على الكثير من المدن ولكن التركيز الأكبر يوجد في العاصمة، التي تحتوي على معظم النشاطات، وأهم الهيئات والشخصيات، وكبار مستهلكي الفساد والمتعاملين معه والمتربحين منه.

– توجد الكثير من الملفات والمتابعات الأمنية المضادة لذلك النشاط. وكانت نقطة البداية هي اكتشاف علاقة بين سقوط خط الدفاع عن كابول أثناء عملية الغزو الأمريكي، وبين إحدي “الخالات” النافذات التي تربعت على عرش الجريمة الجنسية والتجسس، منذ الاحتلال السوفيتي. وفي فترة الحرب الأهلية عملت مع جهاز الاستخبارات الجديد في كابل، وكان معظمه من بقايا مخابرات “خاد” الشيوعية.

ثم تابت “الخالة” ظاهريا واستترت، عندما سيطرت الإمارة الإسلامية على العاصمة. ثم ظهرت لدغتها القاتلة ضمن قصص مؤسفة أخرى، أثرت على تحطيم خط الدفاع شمال كابول.

الكثير من الملفات التفصيلية بالأسماء والأماكن متوفرة. وطبيعي أن لا تنشر إلا عند الضرورة. ومن تلك الضرورات إظهار جرائم الاحتلال في حق المرأة، ونفاقه الفاجر باتهام طالبان والشريعة الإسلامية بالتعدي على حقوق المرأة.

وهناك آلاف القصص عن حقوق المرأة في ظل الاحتلال الأمريكي، رَوَتْها مئات النسوة اللاتي حررتهن الإمارة الإسلامية من سجون النظام البشعة. ولابد من حفظ تلك الروايات في سجلات توثيقية لاستخدامها في مواجهة حملات أمريكا والمجتمع الدولي المنافق على موقف الإمارة الإسلامية والشريعة من حقوق النساء.

 

إسلام وليس ليبرالية

(تكتيك الدفاع في المناورة السياسية، والهجوم في المجال العسكري) كان هو أسلوب الإمارة في إدارة معركتها السياسية والدعائية ضد أمريكا وتحالفها الدولي.

أمريكا تدرك ذلك وتكلموا عنه بصيغ مختلفة، واتبعوا ذلك بتهديدات فرض العزلة وحجب “المساعدات” الدولية، وعدم رفع العقوبات المفروضة على الإمارة الإسلامية.

مطالب الغرب لا تخرج بحال عن الرؤية الليبرالية المنافقة حول حقوق النساء وحقوق الإنسان، ومنجزات 20 عاما (من الاحتلال!!) في أفغانستان، خاصة في حقوق الانسان.

موقف الدفاع السياسي للإمارة الإسلامية تستفيد منه أمريكا في حملة لحشرالإمارة داخل المفاهيم الليبرالية لحقوق الإنسان وجعلها محوراً للحكم، واستهلاك طاقة الإمارة في عمليات لاجدوى منها للبرهنة على “المرونة”، حتى يصبح ذلك هو شغلها الشاغل. وتنحشر الإمارة في متاهة المفاهيم الليبرالية التي هي بطبيعتها غير محددة حتى لدي قائليها، سوى معيار واحد عند الغرب هو (كونوا مثلنا) وقلدونا في كل شيء. فتتحول الإمارة الإسلامية إلى نسخة أفغانية من العمل الإسلامي الذي رافق(الربيع) العربي، الذي أضر بالإسلام والمسلمين وزاد أوطانهم ضعفاً وتفككا. وازدادوا تبعية لأمريكا ومفاهيمها. فصارت الليبرالية عندهم هي الإسلام، وإسلامهم غير قادر على تخطي عتبة الليبرالية.

ما تخشاه أمريكا ومعسكرها هو أن تركز الإمارة الإسلامية مجهودها على بناء مجتمع مسلم قوي مسلح بالعلم الديني والدنيوي، ومتحرر من الخوف والفقر، قوي صحيا، يجد مستلزمات حياته الأساسية بسهولة ويسر. مجتمع تسوده العدالة والمساواة. يستخدم ثروات بلاده الهائلة لبناء الفرد القوي والمجتمع الصحيح، والدولة العزيزة بدينها والقوية بشعبها.

ذلك هو الواقع الذي سوف تسعى إليه الإمارة، وهذا ما يخيف معسكر الأعداء. لأنه سيكون نموذج للبناء الإسلامي الصحيح القوي بدينه وبما أسبغ الله على بلاده من ثروات بِلا حدود، وشعب ليس له نظير في عشقه للحرية وروحه الوثابة المستقلة، وذكائه الفطري وطاقة شبابه على العمل والبناء، في حال توفرت لهم القيادة العادلة المخلصة. وتلك هي صفات الإمارة الإسلامية ـ وليست الإمارة الليبرالية التي تخدعها أكاذيب الغرب، وليبراليتة الموهومة عن حقوق وحريات شخصية هو أشد أعدائها ومحاربيها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




لتفادي حدوث مجاعة: (بنك التأمين الإقتصادي) لاستيراد النفط و القمح

لتفادي حدوث مجاعة: (بنك التأمين الإقتصادي) لاستيراد النفط والقمح

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

عدد خاص بفتح  كابول : مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 187 | محرم 1442 ھ – أغسطس 2021 م .   

30-08-2021

 

لتفادي حدوث مجاعة: (بنك التأمين الإقتصادي) لاستيراد النفط والقمح

أهم علامات الأزمة الإقتصادية هي: إختفاء المواد الغذائية والوقود وإنهيار العملة المحلية.

فبعد أن تنتهي أمريكا من سحب عملائها من مطار كابل، ستبدأ على الفور حرباً اقتصادية على الشعب الأفغاني؛ لإفشال الحكم الجديد الذي تهيمن عليه حركة طالبان، ليثورعليها الشعب خاصة في المدن الكبيرة.

– فتبدأ الحرب الإقتصادية بضرب العملة الأفغانية، ليحدث غلاء شديد في أسعار الوقود والمواد الغذائية.

– وتتوقف أمريكا وحلفاؤها عن ضخ أموال في السوق المحلي، بوقف المساعدات المالية، فتتعرض ملايين الأسر للمجاعة.

– تسحب أمريكا العملة المحلية من الأسواق وتهربها إلى خارج البلاد، وتتوقف عن طباعتها، وتسحب العملة الصعبة من البنوك الأفغانية، وتُجَمِّد أرصدة أفغانستان في البنوك الأمريكية والأوروبية.

– بعد حوالي ثلاثة أشهر من الآن سوف تنخفض حرارة الطقس في معظم أفغانستان، في وقت تعاني فيه البلد من إختفاء الوقود والمواد الغذائية، فتصبح مهددة بالمجاعة. والعالم الغربي سيشجع على ثورة داخلية، ويشدد الأزمة على الناس ويمنع أي وسيلة لحلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

(بنك التأمين الإقتصادي).. وسيلة الإنقاذ

من الآن يجب أن يتشكل بنك أهلي ـ غير حكومي ـ تحت مسمى (بنك التأمين الإقتصادي). ويقدم البنك نفسه للرأي العام…هكذا:

المؤسسون: مجموعة من المتمولين الأفغان المحبين للوطن.

هدف البنك: المساهمة في التغلب على الأزمة الإقتصادية التي أعقبت خروج الإحتلال. وبسبب إجراءات العدو في الحرب الاقتصادية.

 

وخطة البنك فى هذا الصدد هي:

أولا ـ توفير الوقود في السوق المحلي بأسعار عادية.

ثانيا ـ توفير المواد الغذائية الرئيسية خاصة القمح.

أولا ـ توفير الوقود:

الخطوة الأولى: هي شراء ناقلات النفط المتوفرة في السوق المحلي، لاستخدامها في عمليات استيراد النفط وتوزيعة داخل البلد.

إذا كان عدد ناقلات النفط غير كافٍ، يستورد البنك عددا منها من دول الجوار.

الخطوة الثانية: هي شراء النفط من دول الجوار حسب أفضل الأسعار وأفضل شروط الإئتمان، حيث أن جزءاً كبيراً من المشتريات ستكون بالأجل، ويتم السداد بعد إتمام التوزيع. لهذا سوف يحتاج (بنك التأمين الإقتصادي) إلى ضمان من (البنك المركزي) للإمارة، أو تقدمه الإمارة نفسها مباشرة، لطمأنة البائع إلى أن مستحقاته لدى (بنك التأمين الإقتصادي) مضمونة السداد.

الخطوة الثالثة:  يقدم (بنك التأمين الإقتصادي) طلباً لشراء مشتقات النفط من الشركات المختصة في دول الجوار، ويتسلمها منهم عند معابر الحدود. وترتيب جدول لمواعيد التسليم، وطرق التعامل المالي.

الخطوة الرابعة: هي توفير القمح للسوق المحلي. فيتفق البنك على استيراد القمح من الدول المجاورة التي لديها إمكانات تصدير مثل أوزبكستان وروسيا. والاتفاق مع شركات التوريد على جدول التسليم ومواعيدة وأماكنه، وطرق التعامل المالي.

 

ملاحظات:

– توفير الوقود والقمح في السوق المحلي مرتبط بالطقس، وحلول الشتاء وهطول الثلج وانخفاض درجة الحرارة. والفشل أو التأخير قد يعني وقوع مجاعة وموت آلاف الناس.

– إذا تعذر تكوين البنك خلال ذلك الوقت القصير، فيمكن الاستعاضة عنه مؤقتا بتكوين شركة للاستيراد تحمل نفس الاسم، وفي المستقبل تتحول هذه الشركة إلى بنك.

– إذا تعذر أيضا تكوين شركة الاستيراد خلال الوقت المتاح، فيمكن أن تقوم القوات الجهادية للإمارة باستيراد النفط والقمح بواسطة قسم الإمداد والتموين في الجيش الجهادي، إلى أن تتهيأ الفرصة لإنشاء البنك.

– كإجراء وقائي مبكر، في حال إذا حدث تأخير في إستيراد النفط، أو من أجل توفير الطاقة للفقراء، يقوم البنك (أو الشركة أو الجيش الجهادي) بشراء كميات كبيرة من الفحم الحجري المتوفر في السوق المحلي، وفي مناجم استخراج الفحم، ويقوم البنك بتوزيعه في المناطق الفقيرة والبعيدة، إما مجاناً (للمستشفيات والمدارس والفقراء)، أو بيعه بأسعار مخفضة وبأرباح قليلة للجمهور في المدن.

يمكن أن تقوم الحكومة الجديدة للإمارة، عبر جيش الإمارة، بعمليات توزيع الفحم كنوع من كسب تعاطف الجمهور، كما يمكنها استخدام شاحنات من غنائم الحرب، وذلك يقلل التكاليف ويخفض سعر البيع.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

لتفادي حدوث مجاعة: (بنك التأمين الإقتصادي) لاستيراد النفط والقمح




بيان أمیرالمؤمنین الشیخ المولوي هِبة الله آخندزاده ــ حفظه الله ورعاه ــ بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد لعام ۱۴۴۲هـ

بيان أمیرالمؤمنین الشیخ المولوي هِبة الله آخندزاده ــ حفظه الله ورعاه ــ بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد لعام ۱۴۴۲هـ

بيان أمیرالمؤمنین الشیخ المولوي هِبة الله آخندزاده ــ حفظه الله ورعاه ــ بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد لعام ۱۴۴۲هـ

بسم الله الرحمن الرحیم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله وسلم عليه وعلى آله و أصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

قال الله تعالی : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴿٧۷﴾ سورة محمد

إلی الشعب الأفغاني المؤمن المجاهد، و إلی المجاهدين في خنادق القتال، و إلی کافة المسلمين في العالم!

 

السلام علیکم ورحمة الله و برکاته!

أهنئکم جميعا من صميم الفؤاد بحلول عيد الفطر المبارک، وأسأل الله تعالی أن يتقبل منکم الصيام ، والعبادات والدعوات. آمين

يسعدني أننا نحتفل بفضل الله تعالی بهذا العيد في وقت يقف فيه بلدنا علی أعتاب الحرية الکاملة والاستقلال، و تقترب فيه بنصرالله تعالی آمال و تطلعات الشهداء، والأيتام، والأرامل، والمهاجرين، و جميع الشعب المضطهد من جهاده لعشرين سنة الماضية  من التحقق بإن الله تعالی.

أسأل الله تعالی أن يتقبل منا جميعا هذا الجهاد الطويل والإرهاق والتضحية والتفاني، و أن يتفضل علينا عوضا عنها بالحياة المسقلة والمزدهرة في ظل إقامة نظام شرعي کامل ليزدهر البلد، و نعيد بناء ويلات الحرب، و نضمد الجراح، و نريح الشعب من المعاناة، و نطبق الشريعة الإسلامية الغراء.

 و من الواجب أن نقدُر في هذا الطريق صبر شعبنا المنکوب و شجاعته، و أن نشيد بتضحيات و بسالة إخواننا المجاهدين، و نثني علی تضحيات الأسری والجرحی والمعاقين والأيتام. أن ندعوالله تعالی أن يتقبُل کلُ ذلک من الجميع.

 

أيها الشعب العزيز!

إن بلدنا بعد حصولنا علی الاستقلال بأمسُ حاجة إلی إعادة البناء والوقوف علی الدعائم القوية الثابتة، فلنشارک جميعا بإخلاص في إعادة إعمار البلد، لنحظی جميعا ببلد عامر و مزدهر في ظل نظام قائم علی الشريعة الإسلامية. فلنتجاوز جميعا المصالح والطموحات الشخصية لتحقيق هذا الأمل، و أن نجعل القيم الإسلامية والمصالح الوطنية هي المعيار، و أن نکون شعبا قويا و موحُدا من خلال التسامح والتراحم في ما بيننا.

نؤکدّ لشعبنا کله أنه بعد انتهاء الاحتلال سيقام نظام إسلامي شامل تری فيه جميع أطياف الشعب نفسها بناء علی ما تمتلک من المؤهلات والکفاءات، ولن تُهضم فيه حقوق أحد إن شاءالله تعالی.

إنني أدعو مرّة أخری الأفغان الواقفين في الجانب المقابل إلی عدم بذل المزيد من الجهود لمواصلة الحرب. فهذا البلد هو الموطن المشترک للأفغان، ويجب أن نجتمع علی أحکام الإسلام، و أن نتجنّب کل الخلافات والعصبيات. إن حضن الإمارة الإسلامية منفتح أمام جميع الأفغان الذين عارضونا في الماضي. إننا نمدّ إليهم يد التسامح والتقارب، و ندعوهم إلينا للسير معا علی طريق الحق، لأنّه لا شيء يُصنع من التعنت والعداء والکراهية. و علی النقيض من ذلک فإن الأمم تنال الشرف و العزّ من خلال التسامح و قبول الحق.

إننا نعتبر سحب أمريکا والدول الأجنبية الأخری لجميع قواتها من أفغانستان خطوة جيدة، ونطالب بقوة لتنفيذ جميع أجزاء اتفاق الدوحة.

لسوء الحظ انتهکت أمريکا حتی الآن الاتفاقية مرارا وتکرارا، و ألحقت خسائر شخصية و مالية فادحة بالمدنيين.

و في مخالفة لما تمّ عليه التعهد لازال باقي المعتقلين الذين کان من المفترض الإفراج عنهم بعد ثلاثة شهور من بدء المحادثات لم يتمّ الإفراج عنهم بعد، و لم يتم شطب أسماء مسؤولي الإمارة الإسلامية من القائمة السوداء و قائمة الجوائز. و مؤخرا ارتکب الجانب الأمريکي مخالفة أخری تتمثل في تمديد فترة سحب القوات الأجنبية من شهر مايو إلی شهر سبتمبر، فيما أوفت الإمارة الإسلامية بجميع التزاماتها، و وفّت بوعودها وفق الشريعة الإسلامية.

إننا نعيد التأکيد علی أنه يجب القيام بکلّ شیء وفقا لاتفاقية الدوحة، و يجب بشکل جدي تجنب المزيد من الأعمال الاستفزازية والانتهاکات. و إذا لم تفِ أمريکا بوعودها فيجب علی العالم أن يشهد أنّ أمريکا هي ستکون مسؤولة عن العواقب. والإمارة الإسلامية ستدافع عن حريّتها و استقلالها بأي ثمن کما أثبتت ذلک خلال العشرين عاما الماضية.

تسعی إمارة أفغانستان الإسلامية إلی إقامة علاقات جيدة و إيجابية مع العالم والمنطقة والدول المجاورة من أجل تعزيز الازدهار المتبادل والسلوک الجيد من أجل علاقات التعاون و ازدهار الشعوب و تنميتها من خلال التفاعلات الإنسانية و الدبلوماسية مع بعضها البعض في المجالات ذات الصلة في إطار مبادئ الشريعة الإسلامية.

تطمئن الإمارة الإسلامية الجميع بأنّه لن يتضرّر أحد من الأراضي الأفغانية، و تطالب الجميع بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان.

إننا ندعو مؤسسة الأمم المتحدة والدول الأخری ذات المصلحة إلی الحفاظ علی الحياد التامّ حيال قضية أفغانستان، و ألا  تقوم بما يخالف حياة الشعب الأفغاني و معتقداته و تفکيره و ما يستوجب رد الفعل من قِبل هذا الشعب.

و يجب أن نقول أنّ تجربة السنوات الثلاث والأربعين الماضية أثبتت أنّ شعبنا لا يتسامح مع الأفکار والمعتقدات المفروضة من أحد. و من حق هذا الشعب أن يعيش أساس دينه و معتقداته و قيمه و مبادئ ثقافته، فيجب علی العالم بأجمعه بما فيه مؤسسة الأمم المتحدة أن يعترف بهذا الحق و يحترمه.

إن المحادثات والتفاهم هما من أولوياتنا، ولذلک قمنا بتعيين فريق محادثات قوي لإجراء محادثات أفغانية بين الأطراف المتنازعة، ولکن علی العکس من ذلک حاولت إدارة کابول مرارا وتکرارا تخريب العملية الحالية بشتی الطرق.

إنّ الإمارة الإسلامية جانب مهم في القضية، فلا ينبغي لأحد أن يقارننا بمن تُتّخذ قراراتهم في مکان آخر ثم يتمّ إعلامهم بها فقط. إن أيّ عملية سياسية تتعلق بحل قضية أفغانستان و تُتوقع فيها مشارکة الإمارة الإسلامية فيجب أن يتم إعلام الإمارة الإسلامية بجميع التفاصيل مسبقا، لتقوم بتقييمها وفق قيمها الدينية و فق مصالح شعبها العليا، و تُتّخذ القرارات اللازمة بشأنها، لأنّ الأهداف السامية التي قدّم من أجلها شعبنا تضحيات کبيرة مهمّة بالنسبة لنا.

أرجو من العلماء والشخصيات السياسية والوطنية و جميع النخب التکاتف من أجل إقامة و تطوير نظام إسلامي خالص في البلد، و أن يعملوا من أجل وحدة الشعب و قوته و تثبيت دعائمه، و الإمارة الإسلامية تقدّر جهودهم، و تحتاج بشدة إلی استخدام مواهبهم و قدراتهم في إقامة و تقوية نظام المستقبل.

تطمئن الإمارة الإسلامية شعبها کله و بخاصة رجال الأعمال والمستثمرين بأن أرواح الجميع و ثرواتهم و شرفهم سيکون في أمان، ليس هذا فحسب، بل ستوفّر لهم الفرص والأسس المناسبة للتشغيل والعمل.

إن المناطق الخاضعة لسيطرة الإمارة الإسلامية تنعم بالأمن المستقر، و حقوق الناس فيها مصونة من الانتهاک، ولا أحد يستطيع أن يضطهد الناس، و قد سُدّت الطرق أمام اللصوص و قطاع الطرق والمفسدين. و لقد تمّ العمل قدر المستطاع في المجالات التعليمية والصحية والإصلاحية والعمرانية والثقافية، ولاتزال هذه المجالات تحظی بمزيد من الاهتمام.

تقوم الإمارة الإسلامية بحماية جميع المشاريع والمرافق والممتلکات العامة، و تسعی جاهدة من أجل تطويرها و تقويتها و تنميتها، و توصي جميع المجاهدين وعامة المواطنين بمراقبة الأماکن العامة و حمايتها بصرامة، و ألا يسمحوا لاحد بإتلاف أو تدمير أي مکان.

إن التعليم مطلب مهم لرفاهية الجيل القادم وللبلد، و يمکن لکل شعب أن يزدهر من خلال التعليم. تدعم الإمارة الإسلامية عملية التعليم الإيجابية، وقد أنشأت هيئة خاصة لتحقيق هذا الهدف. تعتبر الإمارة الإسلامية رعاية المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخری و تطويرها من أهم أهدافها، و لذلک يجب علی الشعب کله أن يولي اهتماما خاصا بالتعليم الإيجابي لأبنائه، و أن يرعی المؤسسات والمراکز التعليمية، و أن يقوم بأداء مسؤوليته تجاهها.

إن لحوق الخسائر والأضرار بالمدنيين في الحروب أمر محزن و مؤسف للغاية، والإمارة الإسلامية لديها هيئة خاصة ذات صلاحيات لدرء وقوع الخسائر بين المدنيين. و يجب علی المجاهدين والمواطنين أن يساعدوا تلک الهيئة مساعدة شاملة بهدف منع وقوع الخسائر أثناء العمل الجهادي، و أن تقدّم تعويضات بالقدر المستطاع في حال تعرض أحد للأذی، و أن يُمنع وقوع حوادث مماثلة في المستقبل. و ندعو الجانب المقابل أيضا إلی الامتناع عن قتل المدنيين و مضايقتهم وإساءة معاملتهم.  ولسوء الحظ يُشاهَد أنّ مواطنينا المدنيين تلحق بهم الخسائر فيما يقوم به الجانب المقابل من الجهمات والقصف الجوي الأعمی والهجمات الصاروخية والهجمات الأخری، و کل هذه أمور لا تطاق ولا يُتغاضی عنها بحال من الأحوال.

يجب علی الإخوة المجاهدين أن يعاملو شعبهم بلطف ورفق، لأنّ هذا الشعب قد تعب و عانی کثيرا من المعاناة، فيجب أن نتعاطف معهم جميعا، ولا يجوز أن يقع منکم الاضطهاد لأحد في أي مکان، و إن وقع عليکم من أحد ظلم فينبغي لنا جميعا أن نتحلی عليه بالصبر و أن نتاساه طلبا لمرضاة الله تعالی. و يجب أن نکون أکثر تسامحا بهدف تحقيق السلام والوحدة والأمن في البلد، و أن نقدّر شعبنا، وننتبه إلی إصلاح أعمالنا الشخصية، و حافظوا علی أداء الصلوات بالجماعة، و ابتعدوا کل الابتعاد عن الذنوب. و بما أنکم علی أعتاب النصر بإذن الله تعالی فابتعدو عن التکبر والغرور، بل يجب علينا أن نشکر الله تعالی، و نعود إليه أکثر فأکثر، و أن نکثر منه الاستعانة و نزيد عليه من التوکل والاعتماد.

و أخيرا، أودّ أن أهنّئ مرّة أخری الشعب ّأسره بمناسبة عيد الفطر السعيد، و أرجو من المواطنين الأغنياء والموسرين أن يساعدوا الفقراء والأيتام والمعاقين والمحتاجين في هذه الأيام والليالي المبارکة و بخاصة في هذا العام الذي يعاني فيه البلد من موجة الجفاف و يواجه شعبنا المعاناة، و وباء کورونا مأساة کبيرة أخری يعاني منها شعبنا، و لذلک يجب علينا أن نتواصل مع هذا الشعب الفقير. و کذلک يجب علی المؤسسات الخيرية والجهات المانحة والمنظمات الدولية أيضا أن تولي مزيدا من الاهتمام بالناس، و أن تتعاون معهم کل أنواع التعاون.

والسلام عليکم ورحمة الله تعالی وبرکاته.

زعيم الإمارة الإسلامية أمير المؤمنين المولوي هبة الله آخوندزاده

۲۷/۹/۱۴۴۲هـ ق

۱۹/۲/۱۴۰۰هـ ش

2021/5/9م

بيان أمیرالمؤمنین الشیخ المولوي هِبة الله آخندزاده ــ حفظه الله ورعاه ــ بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد لعام ۱۴۴۲هـ

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

بسم الله الرحمن الرحيم

15- استراتيجية الاستخبارات

الإشارات التي يطلقها الناس تبين حركتهم التالية لمن يلتقطها ويقرأها؟ .. حينما سأل الأسد العجوز الثعلب الواقف على فوهة الكهف: لماذا لا تدخل؟ قال الثعلب: كنتُ دخلت لو لم أرى الكثير من آثار الخطوات الداخلة إلى الكهف دون أي خطوات خارجة .. بعد غزو العراق للكويت قال بوش الأب لصدام حسين: دعنا نرسم خطاً .. حينما سأل مراسل أمريكي الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله عن خطوته القادمة فقال له: الجواب ما تراه لا ما تسمعه .. ووفى بها كما وفى من قبل هارون الرشيد .. عندما عُرض على سيد العصر في الوفاء الملا عمر رحمه الله بيع الصنم قال: لأن ينادى علي يوم القيامة أين عمر هادم الصنم؟ أحب إلى من أن ينادى علي أين عمر بائع الصنم؟ .. ووفى بها كما وفى من قبل محمود الغزنوي .. ما نقوله أو ما تخطه أيدينا يجعلنا كتاب مفتوح فكل إناء يفيض بما فيه ..

أربعون عام وأفغانستان “قاهرة الامبراطوريات” تقاوم بكبرياء .. في نهاية عام 1838 غزا الانجليز أفغانستان لأنها ستؤمن مصالح بريطانيا ضد الروس .. كما أن نجاح الحملة مضمون فرجال القبائل الأفغانية يحملون أسلحة بدائية .. والجيش الإنجليزي سيقدم نفسه على أنه محرر لأفغانستان من الغشم الروسي .. وكجالب للتقدم والتحضر والدعم  .. وسيضعون وكيلاً لهم يرعى مصالحهم ( الشاه شجاع ) ملكاً على أفغانستان .. وعندها يغادر الجيش ويصبح النفوذ البريطاني غير مرئي للشعب الأفغاني .. هكذا كانت رؤية مخطط الحرب الانجليزي ( ماكناتن ) فما الذي حدث حتى أبيد الجيش البريطاني عن بكرة أبيه؟!! ..

الذي رأه الشعب الأفغاني ولم يلحظه قائد الحملة ( ماكناتن ) أن الشاه بداً مع كبر سنه خاضعاً للمحتل .. الحاكم السابق لأفغانستان ( دوست محمد ) يعد جيشاً في الجبال لطرد المحتل .. أهان المحتل القبائل في الجنوب وسلب أراضيهم من أجل الطعام .. استدعى قائد الحملة مايربوا على 12 ألف هم عائلاتهم وخدمهم وجنود إضافيين .. شاهد الأفغان أيضاً في شوارعهم عادات غريبة “الخمور – سباق الخيل – المسرح …إلخ” .. خفض المحتل رسوم العبور في المناطق القبلية التي تُدفع للقبائل إلى النصف .. اتبع المحتل سياسية فرق تسد بين القبائل في محاولة فاشلة برشوة سياسية لأحد قادة القبائل ..

أما الحاكم البريطاني ( مكناتن ) فكل الذي رأه أن ( الشاه شجاع ) بلا شعبية فقرر عدم مغادرة أفغانستان للحفاظ على مصالح بريطانيا .. لم ينصت للأصوات التي حذرته من نشر العادات الغربية في الشارع الأفغاني .. تعلل بأن كل شيئ سينسى ويغتفر عندما يغادر الجيش وما أن يشعر الأفغان بفوائد الحضارة الإنجليزية حتى يزداد امتنانهم .. تجاهل نصيحة ( الشاه شجاع ) حول اغتيال خصومه ..

في نهاية 1841 أحرق الشعب الأفغاني ( الكسندر بورنيس ) المسؤول عن السياسة البريطانية بكابل في بيته الذي أكلته النيران .. وانتشرت الثورة على الإنجليز .. فعقد ( مكناتن ) علناً اتفاقية يخرج بموجبها الجنود الإنجليز ومرافقيهم من أفغانسان في مقابل تأمين الأفغان الطعام لهم خلال انسحابهم .. وفي نفس الوقت أعد حيلة تساعد على بقاء النفوذ الإنجليزي في أفغانستان .. فأرسل سراً عارضاً رشوة سياسية على أحد زعماء القبائل بجعله حاكماً على البلاد وسيموله بسخاء للقضاء على الثورة ..ولتأكيد الاتفاق ذهب ( مكناتن ) للقاء الزعيم القبلي ( أكبر خان ).. ولأن معدن الأفغان نفيس قبض ( أكبر خان ) على ( مكناتن ) وأرسله للسجن .. وفي الطريق احتشد الأفغان وقاموا بتقطيع ( مكناتن ) لأشلاء وساروا بأطرافه في كابل وعلقوا جذعه على خطاف الجزار في سوق كابل ..

وأجبرت القبائل الأفغانية ذات التسليح البدائي الإنجليز القوة العظمى ذات التسليح الحديث والمهول على الانسحاب من طريق ( كابل – جلال آباد ) 160 كم فقط .. وخلال الطريق وبمعية الله قضى الأفغان والطقس السيء على 17000 جندي إنجليزي مع عائلاتهم وخدمهم .. مسطرين بالدماء نهاية الحملة الأولى الفاشلة للإنجليز على أفغانستان التي لم تتجاوز سنتين وأشهر قليلة ..

في 13 يناير 1842 وصل إلى الحدود الأفغانية الهندية بجلال آباد حصاناً يشق طريقه وسط الثلوج باتجاه البوابة .. كان راكبه نصف الميت هو الدكتور ( ويليام برايدون ) الناجي الوحيد من الحملة البريطانية الملعونة لأفغانستان .. فهل اتعظ الأمريكان؟ ..

لقد أغلق ( مكناتن ) عينيه وأصم أذنيه فلم يرى الاشارات كما لم يسمع التنبيهات والنصائح .. ولو أنه تواصل مع الهنود الذين عاشوا بأفغانستان لأخبروه أن الشعب الأفغاني من أكثر الشعوب كبرياء واستقلالية على وجه البسيطة؛ وأن منظر القوات الأجنبية في طرقاته هي إهانة لا تغتفر .. وأن محاولة تغيير عادتهم لما يراه هو تحضراً عندهم فسق وفجور وخروج عن العرف والتقاليد .. أما سلبه لأموالهم وأرضهم هو خط أحمر لا تحمد عقبى تجاوزه .. وأسوء ما هداه إليه عقله تخيله أن المال وجاذبية المصلحة الذاتية تشتري له الولاء بين الأفغان .. أن ترى من منظورك أنت!! وتفهم كما تحلم أنت!! وتريد أن تجبرهم على تبني مشروعك!! وتديرهم كما يحلو لك!! فأين هم من كل ذلك بل أين أنت؟ إنه عمى البصيرة لنفس مريضة وهكذا المحتل دوماً وكذلك الطغاة قال الله تعالى  عنهم {… قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ {29}..

الأفغان غير قابلين للتطويع بل تكمن عزتهم في المواجهة والصراع .. وهذا هو أسلوب حياتهم: إله يعبدونه .. دين يفخرون برفع لواءه .. وأرض صلبة يعشقونها ويحرسونها .. وجبال وعرة يمتطون قممها ويروضونها .. وهواء نقي يتنفسونه .. فمن يجرؤ على أن يسلبهم حريتهم أو يعكر عليهم صفو حياتهم ..

لقد مر على أفغانستان الاسكندر المقدوني فلم يهنأ فيها .. وتبعه الإنجليز فما عاد منهم إلا برايدون .. ودَفن الروس في أرضها أشلاءً أطلق عليها يوماً الاتحاد السوفيتي .. واليوم تجتهد أمريكا في الفرار لتبقى متحدة وهيهات فلعنة أفغانستان أصابتها .. كما أصابات الإمبراطوريات قبلها .. إنها مقبرة الغزاة فمن يجرؤ على العودة؟ .. بل راياتها السود تخرج فاتحة للغرب قريباً إن شاء الله ..

وبقيت كلمة: ليس بالسلاح وحده ننتصر وإنما بهذا الدين .. القدرة على تحقيق النصر ليست بحداثة السلاح وتطوره .. ولا بالصواريخ والطائرات والدبابات .. ولا بالتقنية الحديثة .. ولا باسم الامبراطورية إنجليزية أو روسية أو أمريكية .. إنما بهذا الدين الذي عمرت به قلوبهم .. وبهذه اليد الصابرة المحتسبة التي تمسك بالسلاح .. هؤلاء هم الأفغان المسلمون .. البلد والشعب الذي أذل أعتى الامبراطوريات .. لا أحد يقدر عليهم طالما أن الله معهم ..

في لعبة السياسة من الأهداف الاستراتيجية “شخصية متخذ القرار” سواء كان شخص أو مجموعة .. ادرس بعمق شخصية القائد وبطانته المؤثرة في القرار .. تعرف عليهم عن قرب .. حدد نقاط ضعفهم .. ليس بالضرورة أن تكون النساء أو المال .. ربما رغبته في إثارة الإعجاب أو حرصه على إخفاء بعض المظاهر الجسمانية أو حلمه بأن يقبل به المجتمع السياسي كند .. أو توقه لأن تقبله الطبقة الاجتماعية الأعلى كعضو .. أو حرصه على احترام نفسه …إلخ .. فحتى أقوى الرجال لديهم نقاط ضعف إنسانية ..

الجزء الثاني في اللعبة هي إعطاء هذه القيادة ما تريده بشدة لتنال منها ما تريد .. فرجل المخابرات يمنح إعجابه لمن يطلب الإعجاب ليجعله يستمر في الثرثرة والإدلاء بالمعلومات أو لتوجيهه بشكل غير مباشر لما يضره أو لتخويفه فلا يقوى على الخطوة التالية .. كما أن القيادة التي ترغب في أن ترفع من طبقتها الاجتماعية فربما تداوى ببعض المال أو بالزواج من إمرأة من الطبقة الأعلى .. وهكذا يمكن اكتساب ثقتها ومن ثم إدارتها عن بعد لحتفها .. هكذا فعلت أوروبا بنابليون “عبقري الحرب” حتى قضت عليه .. فحينما تقضي على القائد تتوه القوات .. وقديما قيل “اضرب الراعي تتفرق الخراف” ..

 

وبقيت نقطة:

في اللعبة الدولية الحديثة حينما تحاول بعض الشعوب أن تفلت من وطأة الامبراطوريات المستعمرة تلجأ الأخيرة إلى الخيار شمشون “علي وعلى أعدائي” وتنفذ ذلك من خلال الحكمة الإنجيلية “اضرب الراعي تتبدد خراف الرعية” فتقوم بإثارة الفتن الداخلية فتُدخل البلاد في متاهة وحالة من الفشل تتبدد معها الثروات وتضيع كثير من الفرص .. وللخروج من هذا المأزق لجأت لإعادة صياغة الحكمة السابقة – فالإنجيل على كل حال محرف ولا يضره زيادة البلل – كالأتي: “اكسب الراعي تكسب خراف الرعية” .. أليس هذا ما تعيشه اليوم بلادنا الإسلامية؟ ..

 

الاساس في نشأة أجهزة الاستخبارات هو رغبة القيادة في معرفة:

أولاً: نفسية القيادة المعادية ونفسية بطانتها والمؤثرين في اتخاذ القرار .. فمن المهم أن نعرف كيف تفكر وما هي المرجعية التي تحكم مسيرتها .. والضوابط العامة والخاصة لشخصية القائد وأعوانه المتنفذين .. وخلاصتها أن تجعل الخصم كتاب مفتوح يمكنك توقع تصرفاته بدقة عالية ..

ثانياً: الحصول على المعلومة الخام لتحركات العدو ليس العسكرية فقط وإنما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية .. إلخ فكل خطوة يخطوها في كل منها هي مؤشر على مجموعها النهائي .. وهو الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه وربما الذي كلفت بتحقيقه! ..

ثالثاً: رؤية الاشارات التي تنبئ بالخطوة القادمة للعدو .. جرت العادة أن لدى البشر رغبة مكبوتة في كشف نواياهم ولهذا فمن خلال ملابسهم ومن خلال لغة الجسد وتصرفهم بعقلانية أو بعصبية أو بدعابة أو حتى بالرقص ( البشير ) ورؤية بث عيونهم .. أو بتحديدهم أيام خاصة للقاءات الإعلامية .. أو صياغة عبارات لها دلالة خاصة أو مستوحاة من كتبهم ( المقدسة ) أو لها معنى ودلالات من خلال الحكم والأمثال والقصص الشعبية والأساطير القديمة .. فكل هذه رسائل يكشفون بها عن نوايهم .. وربما عن حيلهم! ..

التعرف على نفسياتهم تجعلهم كتاباً مفتوحاً .. المعلومة الخام هي الواقع العملي .. رؤية الاشارات تكشف النوايا .. وكلها تكسبنا الرؤية والاحساس بالأمن أو الخطر .. وتجعلنا نتنبأ بالخطوة أو الخطوات القادمة ..

 

نصائح مخابراتية:

– في العمل المخابراتي المطلوب من عنصر المخابرات إحضار المعلومة الخام كما هي .. على أن يدون تحليله الشخصي في تقرير منفصل ..

– نوعية المعلومة أهم من كميتها .. خاصة النفسية منها .. فمعلومة صغيرة تفيد بأن الخصم شخص عصبي يسهل استفزازه .. فنحن أمام شخص نادراً ما يفكر بطريقة صحيحة ويمكن سوقه والسيطرة عليه وإفقاده توازنه لاتخاذ المزيد من القرارات الخاطئة ..

– الأزمات تكشف نقاط ضعف العدو خاصة تلك التي يجتهدون في إخفاءها .. ووضع الخصم في موقف دفاعي يجعل رد فعله فاضحاً لأكبر مخاوفه التي سيبذل الوسع في سترها ..

– المعلومات القيمة هي ثمرة شبكة من الأصدقاء والحلفاء .. الأبواب الخلفية التي يدخلون ويخرجون منها تساهم في الحصول على أثمن المعلومات كما تساهم في تسوية الكثير من النزاعات .. ولا غنى عن هذه الشبكة غير الرسمية ..

– جرت العادة أن تضم شبكة المعلومات الرسمية: بخلاف أصحاب النفوس الضعيف يمكن ضم الشخصيات المناهضة للعدو وترغب في التعاون .. المنبوذون والمهمشون .. الأقليات الطامحة للتحرر والاستقلال .. القبائل التي تم إذلالها .. كل من له ثأر مع نظام العدو وله رغبة في القضاء عليه ..

– لا يمكن الاعتماد على نوع واحد من الشبكات .. كما لا يمكن الاعتماد على معلومات يأتي بها عنصر واحد ..

– قراءة مؤلفات القادة تجعلهم كتاباً مفتوحاً للمدقق .. مثل هذه المؤلفات تحتاج إلى دراسة عميقة ..

– العدو ليس أحمقاً ولا جامداً لا يتفاعل أو يتغير .. هو أيضاً يمارس نفس ما تفعله .. والصراع بين عقلين متجدد ومتغير .. إن عمق المعرفة بنفسية العدو لا تغني عن حداثة المعلومة خاصة إذا كان العدو يعتمد على المؤسسات وليس على الأشخاص الذين يتواجدون على قمتها لفترة من الزمن ..

– اعرف عدوك جيداً قبل اتخاذ أي خطوة .. فالقائد الانجليزي ( مكناتن ) تغافل باستعلاء عن فهم الشعب الأفغاني ولم يرى عزة نفسهم وكبريائهم وبالتالي لم يلمح بريق سيوفهم إلا عندما شرعت في تمزيق جسده ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

 




دواعش ابن عوّاد يرتمون في أحضان الإدارة العميلة

دواعش ابن عوّاد يرتمون في أحضان الإدارة العميلة

بقلم : عبدالمتين الكابلي

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

دواعش ابن عوّاد يرتمون في أحضان الإدارة العميلة

كان جنود الإمارة الإسلامية مكبّين في صراع شرسٍ عنيفٍ لم يسبق له مثيل في التاريخ مع الأمريكان والنيتو، وجحافل الصليبيين الذين اجتمعوا من كل حدبٍ وصوبٍ، لاستئصال شأفة المسلمين، وقطعوا البرّ والبحر وفضاء الأرض ليجتمعوا في القواعد والثكنات لمحاربة الإمارة الإسلامية والشعب الأفغاني الأعزل، ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل تضحيات أبطال الإسلام من الفدائيين البواسل، والانغماسين الشجعان، والمجاهدين الأبطال وعوام المسلمين من الشعب الأفغاني المسلم الأبي، وبسبب صلابة إيمانهم الثابت الراسخ كالجبال ومنهجهم القويم – كما نحسبهم والله حسيبهم- وشدّة تمسّكهم بذروة سنام الإسلام أي الجهاد في سبيل الله، أضحت هذه الجيوش الجرّارة هشةً لا تلوي على شيء، وباتت تولول وتصرخ تحت ضربات المجاهدين، وتنادي بالخروج من المستنقع الأفغاني.

وعلى حين غرة من المجاهدين الذين كانت صدورهم نحو العدوّ الصليبي وأذنابه العملاء، إذا بخنجرٍ مسمومٍ يستهدف ظهورهم.

تُرى! من قِبَل من؟

يا سبحان الله! من قِبَل الذين كانوا ينشدون في أفلامهم الهوليودية (صليل الصوارم):

سلامي على طالبان، طالبان يا نعمة الرحمن

 

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

من قِبَل من؟

سبحان محوّل الحال والأحوال! من قِبَل الذي ملأ الأجواء بمديحه للطالبان وزعيمهم، أعني الهالك المُباهل الذي قصمت ظهرَه مُباهلته وسُخريته بالشريعة وأحكام الإسلام، أبي محمد العدناني الذي قال في بيانٍ رسمي:

«فإلى تلك العصابة التي تقاتل على أمر الله، إلى أولئك القوم الذين لا يخافون في الله لومة لائم، إلى جميع المجاهدين عامةً في شتّى بقاع الأرض، ولا يسعني إلا أن أخص منهم الجبل الأبيّ الأشم والبحر الحمي الخِضم، بأبي هو وأمي، الشيخ الفاضل الملا عمر مع بشتونه والطالبان، صخرتنا القوية وقلعتنا العصية.

يا من ظُلِمتَ ارحل إلى الملا عمر * * * وقفاته عدلٌ ورشدٌ نادرُ

بشتونه والطالبان حماتنا * * * قد عاهدوا الرحمن أن لن يغدروا».

فهذا شأن الخوارج الذين يكفّرون المسلمين لأجل الجهاد في سبيل الله، وحقيقة إنهم أخسأ من الخوارج السابقين، فهم كانوا يكفّرون لأجل الكبائر وأما هؤلاء فيكفّرون المجاهدين الذين هزموا الأمريكان كما هزموا السوفييت قبل ذلك.

وفي جديد القضايا استسلم أمير الدواعش في أفغانستان وارتمى في أحضان الحكومة العميلة، وههنا لو أجهدَ الشباب المغفّلون الذين اغتروا بالدواعش أنفسهم قليلاً وتفكروا هنيهة لظهر لهم الأمر، بأنّ الدواعش أمراؤهم ومن في أيديهم الأمر أشدّاء على المؤمنين والمجاهدين وأنعام أمام الأمريكان وأذنابهم العملاء يسوقونهم سوق النعاج ولا يطلقون نحوهم طلقة.

أيْن الأحزمة النّاسفة التي كانوا يلبسونها في الأفلام الهوليودية، لِمَ لمْ يفجّروها أثناء محاصرتهم واعتقالهم؟

وبات النّاس يسألون لماذا يستلسم الداوعش إلى إدارة كابول زرافاتٍ ووحدانًا؟

لماذا تقصف إدارةُ كابول العميلة، مجاهدي الإمارة الإسلامية عندما يقترب المجاهدين من استئصال شأفة الدواعش في أفغانستان؟

ويحضرني هنا قصّة رواها المبرد في الكامل جزء2 صفحة 106: وحدثت أنّ واصل بن عطاء -رحمه الله تعالى- أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقالوا: شأنك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ فقال: قوم مشركون مستجيرون بكم، ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده، قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا، فجعلوا يعلمونهم أحكامهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين فقد صرتم إخواننا، فقال: بل تبلغوننا مأمننا، لأنّ الله تعالى يقول: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه (التوبة:6)، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن).

فتبًا لهؤلاء الأقزام الذين يستهدفون المجاهدين وعوام المسلمين، ويرتمون في أحضان الأمريكان وأذنابهم العملاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
عبدالمتين الكابلي
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

04-05-2020

 

دواعش ابن عوّاد يرتمون في أحضان الإدارة العميلة

 




ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

– جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو في أفغانستان، من تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي.    

– الارتزاق العسكري .. وتوأمه الارتزاق الترفيهي، من القرية الخضراء إلى قاعدة بجرام الجوية.

تبدأ حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية قبل عام من الإدلاء بالأصوات. ولكن حملة ترامب الأولى عام 2016 لم تكد تهدأ حتى الآن . فهو الرئيس الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. وهو أسوأ الرؤساء بشهادة أغلبية مساعديه ومنافسيه وأعدائه على حد سواء. والذي قيل فيه لم يسبق له مثيل لأي رئيس أمريكي أو حتى رئيس من الدرجة الثالثة في العالم الثالث.

الطعن في الرئيس شمل سجاياه (اللا أخلاقية) وضعف قدراته العقلية، وضعف فهمه للسياسة بل وحتى للمسائل العادية. حتى قال عنه وزير الدفاع السابق ماتيس (إن ترامب يفهم الأمور وكأنه طالب في الصف الخامس أو السادس ويتصرف على هذا الاساس) .

وترامب نفسه قال ذات مرة : (إن وسائل الأعلام تتعامل مع الكلب أفضل من تعاملها معي). ويقصد ذلك الكلب”المعجزة” المدعو كونان، والذي نسبوا إليه أكذوبة المساهمة في تصفية “البغدادي” زعيم تنظيم داعش .

ذلك الرئيس الأسوأ ، يرجح كثيرون بأن حظوظ فوزه بفترة رئاسية ثانية هي الأعلى بين المرشحين. ولديهم أسباب لقول ذلك، رغم اعترافهم بكل نقائصه كرئيس وكرجل عادي.

ومن أخطر المآخذ عليه هي إحداثه انقسام عميق في المجتمع الأمريكي، بدرجة تهدد بوقوع حرب أهلية. حتى أنه لوَّح بذلك التهديد في وجه أعداء الداخل. فهو يمثل كتلة دينية شديدة التطرف، ويعادي بكل وضوح كل الكتل الاجتماعية الأخرى، على أساس ديني وعرقي، وهو ما ينافي فلسفة المجتمع والدستور الأمريكي.

 

ومن مآخذ الأمريكيين على رئيسهم داخليًا:

وصوله إلى السلطة بخداع الناخبين. وأنه واصل الخداع وإساءة استخدام سلطاته كرئيس، كما حدث في قضية أوكرانيا التي حاول مقايضة رئيسها على المعونات الأمريكية في مقابل محاكمة نجل منافس ترامب الانتخابي.

واتهموا ترامب بالعمل لصالحه الشخصي ومصالح المجموعة الأكثر ثروة في أمريكا، وأنه استمرّ في إدارة أعماله التجارية وهو على كرسي الرئاسة مخالفًا بذلك القانون.

وأنه يعمل ضد مصالح الفقراء. فبينما أعطى تخفيضات هائلة في ضرائب الأغنياء، هاجم المعونات الغذائية المقدمة للفقراء.  وقالوا: إنه معادي للأقليات الدينية والعرقية لصالح العرق الأبيض “المتفوق”. فاعتبروه (خطراً وجوديا، وتهديدا لهوية الأمة الأمريكية).

إيجابيات ترامب داخليا، يتكلم عنها أنصاره، ومن يحاول الإنصاف من المعسكر المضاد له. وتكاد تنحصر فى المسيرة الإيجابية للاقتصاد الأمريكي. فنسبة البطالة الآن هي الأدنى منذ 50 سنة.  وانتعشت أسواق الأسهم والسندات. وسعر جالون البنزين لا يتجاوز دولارين ونصف. وإنه حقق ما وعد به في حملته الإنتخابية من تحسين الاقتصاد الداخلي، والعودة بأمريكا إلى قيادة العالم إقتصاديا.

ترامب يتصدى لمعارضيه بهجوم مضاد، فيقول أن ما يقومون به ضده ليس إجراءات عزل بل هو انقلاب لنزع السلطة. ويشير الواقع إلى أن الشعب الأمريكي يفقد ثقته في الديمقراطية الأمريكية وفي الأحزاب . أو كما قال كاتب أمريكي مشهور (إنها أفضل ديموقراطية يستطيع المال شراءها)، لذا جاء ترامب من خارج السرب . وتبدو فرصته عالية للفوز بفترة حكم ثانية رغم الخلافات من حوله وبسببه ــ إلى جانب أخطائه السياسية ــ التي أدت إلى إنقسام سياسي واجتماعي وصفه البعض بأنه (الانقسام الأسوأ من الانقلاب). بينما يصف ترامب معارضيه بأنهم منقلبون على الديموقراطية الأمريكية.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

لا عقوبة على الجرائم الخارجية:

لا شيء من كل ذلك يدعو إلى تفاؤل الدول المستضعفة. لأنه في طول تاريخ أمريكا لم يتعرض أي رئيس إلى عقوبة نتيجة جرائمه وحروبه في الخارج. ولم تدفع أمريكا أي تعويض مالى عن حروبها وسياساتها التخريبية المخالفة للقوانين الدولية . سواء في عهد الرئيس ترومان صاحب قرار القصف النووي اليابان عام 1945 . أو ليندون جونسون الذي ضاعف حدة حرب فيتنام فضاعت أرواح آلاف الجنود الأمريكين وملايين من أهل البلاد. أو جورج بوش صاحب حروب أفغانستان والعراق لأسباب مزورة، فأزهاق أرواح الملايين من البشر.

– المواطن الأمريكي لا يتفاعل كثيراً مع الأحداث الخارجية طالما لا تؤثر على أحواله المعيشية. وهو يتبع آراء الإعلام الذي هو في قبضة القوى المالية الكبرى التي تشتري السياسيين والإعلاميين وتقف خلف إشعال الحروب في العالم. وتدعي الإدارات الأمريكية أسبابًا كاذبة حول الدوافع الحقيقية لتلك الحروب، وتخفي حجم خسائر الحرب والفساد المالي والأخلاقي المتلازم معها . وإن تسرب شيء من ذلك إلى الرأي العام الأمريكى فلا يتسبب في ملاحقات قانونية للمسئولين، وسريعًا ما يزول تأثيره عن الجمهور الذي لا تشتغله إلا رفاهيته المعيشية. والحقائق إن ظهرت في وسائل الإعلام فإنها تظل محدودة الأثر على قرارات الإدارة الأمريكية.

قليلًا ما تصحو ضمائر الإعلام ـ بعد فوات الأوان ومرور الزمن وانكشاف الوثائق الحكومية ـ وتظل الكتلة الرئيسية للإعلام ملتزمة بإثارة الغبار والتغطية على الحقائق حفاظا على مصالح أولياء نعمتها من الرأسماليين الكبار .

وحتى يحقق ترامب أهم انتصارته الداخلية ـ في مجال الاقتصاد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن ـ ارتكب أكبر خطاياه التي أدت إلى فقدان بلاده لمصداقيتها وإخلاص أقرب حلفائها في العالم . لقد حقق بالفعل مكاسب مالية ضخمة ، لكن في مقابل فقدان الثقة والمصداقية، حتى أصبحت أمريكا أكبر خارج عن القانون الدولي والمجرم الأول في العالم، فلم تعد لها أي قيمة أخلاقية.

ومن أجل تحقيق المكسب المالي ــ الهدف الأول لسياسات ترامب الخارجية ــ لم تعد هناك أي قيمة للاتفاقات أو القوانين الدولية . ورفع ترامب شعار (أمريكا أولا) الذي عزل أمريكا ومصالحها عن باقي العالم، بل جعل من تلك المصالح نقيضا للعدالة والمساواة بين الأمم.

 

 تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي:

ولم يعد لأمريكا شركاء ، بل أتباع منصاعون للإملاءات . سواء الأوربيون في “حلف الناتو” الذين يطالبهم ترامب بالمزيد من دفع الأموال لقاء حمايته لهم من أخطار متوهمة. وصولا إلى دول الخليج التى يراها مجرد كائنات “حلوبة” إلى درجة الجفاف المؤدي إلى الذبح.

الأوربيون يرون أن “الناتو” صار تابعا لأمريكا تستخدمه في مغامرات دولية لا شأن لأوروبا بها ، بل ربما تضر بمصالحها . وتذمرت فرنسا من طريقة إدارة ترامب للأزمة في سوريا وتنسيقه مع تركيا خارج نطاق التشاور مع الحلف . حتى أن الرئيس الفرنسي (ماكرون) أطلق قوله الشهير عن حلف الناتو بأنه توفي (بالموت الدماغي)، مما أشعل الموقف بينه وبين الرئيس التركي (أردوغان) الذي تمتلك بلاده ثاني أقوى جيش في “الناتو” . كما أن القوات التركية (المسلمة) كانت الأكثر عددا بعد القوات الأمريكية عند احتلال أفغانستان . ومازالت تشغل نفس الترتيب حتى الآن.

ورغما عن صدامهما العابر فقد جربت الدولتان ــ فرنسا وتركيا ــ مسارات استقلالية داخل الحلف بعيدة نسبيا عن الهيمنة الأمريكية . فبينما  فرنسا تقود دعوة إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك بعيدا عن السيطرة الأمريكية، فإن تركيا تخطت بالفعل العديد من المحاذير، باعتمادها جزئيا على السلاح الروسي في الدفاع الجوي، بشراء منظومة(400 ــ S)، وربما تشتري أيضا طائرات (سوخوى ــ 35) الروسية المتطورة ، كبديل عن طائرات(35 ــ F) الأمريكية، التي تشارك تركيا في إنتاجها، ولكن أمريكا تمانع في تسليمها ، وفرضت شروطا تمس السيادة التركية لضمان انصياع سياسي أوضح في مقابل الحصول على سلاح أمريكي متطور.

وفي خضم ذلك التنازع داخل حلف الناتو ونزوع تركيا صوب مسيرة مستقلة، فمن حق الشعب الأفغاني أن يطالب إخوانه الأتراك بسحب جيشهم من أفغانستان والتوقف عن دعم العدوان الأمريكي المستمر منذ 18 عاما على شعب أفغانستان المجاهد.

فمعظم قوات حلف الناتو غادرت أفغانستان بالفعل، ولكن بعض الدول أبقت على قوات رمزية. ولتركيا الآن 800 جندي بدلا عن عشرة الآف شاركوا فى بداية الغزو. وآن الأوان لسحب تلك القوات، ووقف استخدام مطارات تركيا في تصدير مرتزقة داعش إلى أفغانستان. على تركيا  إفساح المجال أمام الشعب الأفغاني المسلم المجاهد للحصول على حريته.. فتركيا مثل باقي دول حلف الناتو ليس لها مصلحة في تلك الحرب، ناهيك عن رابطة الإسلام التي تربطها مع شعب أفغانستان .

ونفس القول يصلح لدول عربية تشارك / سرا أو علنا / بقواتها ، وبتسهيلاتها العسكرية الممنوحة للعدو الأمريكي، بل وتمويلها، لحربه ضد الشعب الأفغاني.

–  تجربة حلف الناتو في أفغانستان كانت تجربة مريرة أثبتت تبعيته السياسية والعسكرية للولايات المتحدة بدون وجود أي مصلحة أمنية (أو اقتصادية) لدول الحلف في تلك الحرب. النتائج العسكرية لمشاركة حلف الناتو في أفغانستان كانت ضعيفة جدا، ولم توقف تقدم مجاهدي الإمارة الإسلامية ولم تمنع توسع سيطرتهم على الأرض واتباع الناس لهم . فاكتشفت دول (الناتو) إنها في المكان الخطأ والمعركة الخاطئة، لذا انسحبت مصحوبة بعار الهزيمة. هذا بإستثناء بريطانيا التي، وبتصريح أمريكي، تتمتع بحصة محدودة من أفيون “هلمند” مع صلاحيات واسعة لسرقة خام اليورانيوم من تلك المحافظة.

 

جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو :

بمغادرة قوات الناتو(أو معظمها) لأفغانستان، دخلت الولايات المتحدة فى مرحلة جديدة من الحرب في ذلك البلد. فاعتمدت على (قوات المرتزقة) التي صارت عماد العقيدة العسكرية الأمريكية في أفغانستان ، بل و”الشرق الأوسط” ، بساحاته في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

 أمريكا ــ وبإشراف مخابراتها المركزية ــ أعطت توكيل حرب أفغانستان لجيش من المرتزقة الدوليين عماده شركة بلاك ووتر في ثوبها الإسرائيلى الإماراتي، ولجيش مرتزقة داعش بجناحيه : الباكستانى ( داعشتو ــ أى دواعش معسكر شمشتو). وجناح داعش الإقليمى المكون من(إيغور/أوزبك/طاجيك). ناهيك عن الكتلة العددية الأكبر من مرتزقة الجيش الأفغاني (الوطني) والميليشيات المحلية (المناطقية والعرقية). ذلك الغثاء العددي يزيد عن ثلث المليون!! ويستزف المال الأمريكي، وطاقاتها الإدارية والاستخبارية، لتكون الحصيلة النهائية لصالح الإمارة الإسلامية.

 سوف يسجل التاريخ تحول العمل العسكري إلى عمل ارتزاقي على يد الولايات المتحدة خاصة في عهد ترامب. وأهم التطبيقات كانت في أفغانستان . حتى أن بعض الدول فاقدة القيمة حولت جيوشها إلى قوات (مرتزقة) معروضين تحت الطلب في سوق الحروب، كمصدر لجلب الأموال بالعملة الصعبة ، ولضمان الدعم السياسي الأمريكي.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

الارتزاق العسكري .. وتوأمه الترفيهي:

– بتحويل الحرب إلى نشاط اقتصادي ارتزاقى، ظهرت صناعة الارتزاق بالدعارة المنظمة، التي أطلقوا عليها إسما منافقا هو الترفيه. وتديرها جيوش الإحتلال للترفيه عن قواتها وعن المرتزقة الدوليين . بعض الحثالة من الدول حولت الترفيه إلى صناعة وطنية، عمادها الإرتزاق الجنسي الذي تديره الدولة للترفيه عن المحتلين فوق أراضيها ( مدنيين وعسكريين) أو لتصديره إليهم في ساحات الحروب الارتزاقية التي تنشرها أمريكا حول العالم.

لقد أصبح الإرتزاق الدولي الذي ابتدعته أمريكا واستخدمت كامل قواها لنشره ، أصبح ثقافة ومفهوما “حضاريا” ونشاطاً اقتصاديا جالبا للثروة ، ومفهوما تتبناه أنظمة ودول تتاجر بدماء شبابها وأعراض نسائها، في نشاط ارتزاقي يشمل تلك التجارة الشيطانية بشقيها القتالي والترفيهي.

وفي عهد ترامب ظهرت بوضوح ظاهرة الدول التي حوّلت جيوشها (الوطنية) إلى قوات مرتزقة. وترافق معها ظاهرة عسكرة الدعارة ـ كجزء من العمل اللوجستي ـ للترفيه عن جيوش المرتزقة.

الولايات المتحدة ــ في عهد ترامب أيضا ــ كانت السباقة في دمج النشاط الارتزاقي كله تحت إدارة عسكرية موحدة . فاتخذت من قاعدة بجرام الجوية في أفغانستان مقرا لتلك القيادة الارتزاقية ــ القتالية والترفيهية ــ تحت سلطة استخبارية عسكرية موحدة. والأسطول الجوي العسكري يقدم خدماته لتلك القيادة. وعندما حاولت تلك القيادة المشتركة أن تطل برأسها خارج قاعدة بجرام أتتها الضربة الصاعقة على أيدي أبطال الإمارة الإسلامية الذين دمّروا مقر الرذيلة في (القرية الخضراء)، وهي التسمية المنافقة لأكبر مقر إستخباري عسكري  “ترفيهي” للأمريكيين . فانكمش نشاطهم إلى داخل القاعدة الجوية في بجرام، التي لن يكون مصيرها أفضل من مصير القرية الخضراء.

– حتى الجيش الأمريكي نفسه تحول إلى أكبر قوة ارتزاق عسكري في العالم، حيث يؤجر خدماته للحلفاء مقابل دفعات مالية مناسبة. ولا يخجل ترامب من مطالبة حلفائه (من أوروبا .. إلى اليابان وكوريا .. إلى الخليج ) بدفع المزيد من المليارات “ثمنا لحمايتهم” بقوات وأسلحة أمريكية .

* فلابد من إثارة أزمات وحروب لجلب المزيد من طلبيات إستئجار قوات أمريكية للدفاع . فتزداد صفقات شراء الأسلحة ، وتنتعش الصناعات العسكرية الأمريكية .

* العقوبات المالية والتجارية ـ أي الحروب الاقتصادية ـ تجلب المعاناة والفقر على الشعوب المستهدفة . فتزداد حاجتها إلى القروض. والجهات المانحة للقروض في العالم خاضعة للسطوة اليهودية بالشراكة مع الصهاينة المسيحيين في أمريكا.

وهكذاــ بالحروب العسكرية والاقتصادية وجيوش المرتزقة والصناعات الارتزاقية بالبشر رجالا ونساءً ــ ينتج الخراب المادي والأخلاقي، ويزداد الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. ليصبح عهد ترامب واحدا من عهود الازدهار الاقتصادي الأمريكي، مهما جلب ذلك من خراب ودمار على الإنسانية جمعاء.

إنها سياسة ترامب التي تقول بأن (أمريكا أولا) .. والمال قبل المبدأ .. والدولار هو المعبود الأوحد. فلماذا الاستغراب من أن تتمسك أمريكا بحربها على شعب أفغانستان، وتواصل حرباً في سبيل الأفيون، هي الثالثة من نوعها التي تشنها الحضارة الغربية على دول آسيا؟؟  مادامت تلك الحرب تجلب مئات المليارات سنويًا إلى سوق المال في الولايات المتحدة، وتجلب الرخاء للشعب الأمريكي، وتسجل نجاحًا لواحد من أفشل القادة، وقد يفوز بولاية حكم ثانية ، وقد طوَّر مبادئ جديدة لحكم أمريكا والعالم . وهي مبادئ الخراب والانتكاس بفطرة الإنسان التي فَطَرَه الله عليها .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية




کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات…

أعلن المتحدث باسم الإمارة الإسلامية ذبيح الله مجاهد قبل ثلاثة أيام عن انتهاء الجولة الثامنة للمفاوضات التي أجريت بين وفد الإمارة الإسلامية وبين الفريق الأمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان (زلماي خليلزاد) في العاصمة القطرية “الدوحة”، وأضاف بأن كلا الطرفين سيشاركون تفاصيل الجولة الأخيرة مع كبارهم وقيادتهم.

والحقيقة التي لا يمكن تغاضيها هي أن الشعب الأفغاني بسبب معاناته الكبيرة متلهف جداً لنتائج عملية المفاوضات الجارية، وفي الوقت حينه فقد جذبت المفاوضات أنظار العالم كله ويراقبون تطوراته عن كثب، وذلك لكونها مفاوضات لا مثيل لها في التاريخ المعاصر.

والعلة في مثاليتها كونها بين طرفين غير متكافئين، فالبون بينهما في الطاقة التكنولوجية والاقتصادية شاسع، فأحد الطرفين من ناحية العتاد في غاية القوة، والطرف الآخر في غاية الضعف.

والأمر الثاني أن الخلاف بين الطرفين ليس عسكرياً وسياسياً فحسب؛ بل هناك اختلافات ثقافية، وأخلاقية، وعقدية، وفكرية مما زادت القضية تعقيداً.

الأمر الثالث أن الطرف الأقوى (أمريكا) تبدوا منهزمة حتى الساعة؛ إذ لم تتمكن باستخدام القوة، والمال، والحنكة الدبلوماسية، والقوة التي لا منازع لها، من ابتزاز أو إغراء خصمها الضعيف (طالبان)، لكي تواصل معها المفاوضات بعد ذلك في ظل رغباتها ووفق شروطها.

هذه الأمور هي التي أبطأت من سير عملية المفاوضات وجعلتها تنتقل من جولة إلى أخرى مع تطورات أقل، أما تفاصيل ما تم عرضه ونقاشه في الجولات الماضية – خاصة الجولة الأخيرة – فسأعرض جملة من الحقائق عن المصادر المقربة من المفاوضات.

– سعت أمريكا في البداية بأن تلعب دور الطرف الثالث، وأن تحافظ على حيوية ونشاط من هم تحت حمايتهم في كابل، ثم تقارن بهم طالبان باعتبارهم الطرف الضعيف، لكن طالبان رفضت ذلك، وبدل أن تُخْضِع أمريكا طالبان وترغمها على موقفها، اضطرت أمريكا أن تتنازل لشرط طالبان وتستعد للدخول في المفاوضات باعتبارها الطرف الرئيسي في الحرب.

– بعدها طلبت أمريكا أن تشارك حكومة كابل في المفاوضات باعتبارها الطرف الثالث، لكن طالبان ردت هذا الطلب، وحتى بعد الوصول إلى اتفاق مع الأمريكيين فلن تفاوض طالبان حكومة كابل في المفاوضات الأفغانية باعتبارها جهة حكومية، وفي هذه النقطة أيضاً اضطرت أمريكا للتنازل عن موقفها، والموافقة على شرط طالبان.

– يقال بأن أمريكا كانت تخطط لإخراج القوات النظامية فقط، أما غيرهم من المتعاقدين فسيبقون في أفغانستان باعتبارهم مقاولين وطاقم حرس السفارة، لكن طالبان خالفت بقوة فكرة بقاء واحد منهم بأي صفة كان، وفي النهاية تم إدخال الطاقم الأجنبي بأسره في قائمة الخروج، ولن يستثنى من ذلك أي أجنبي محتل سوى الطاقم الرسمي للسفارات، وهذه من القضايا التي دارت حولها نقاشات طويلة أثناء المفاوضات.

– تقول المصادر بأن طالبان كانت تصر بأن تقدم أمريكا ضمانا مكتوباً تضمن فيه عدم تدخلها في الشؤون الأفغانية بعد خروجها، وأن عليها أن توافق على شروط تسد أي تدخل مغرض لها في المستقبل، فقبلت أمريكا هذا الطلب، وتم إدخال هذ البند أيضاً في بنود المعاهدة، وسيوقع على المعاهدة أمام شهود دوليين.

– ومن المثير أنه يقال بأن أمريكا خلال المفاوضات وافقت على أمور كثيرة أخرى لكنها تتجنب نشرها في وسائل الإعلام، كما كانت تصر أيضاً على عدم نشرها.

ويعتقد المحللون بأن هناك احتمالان في عدم نشرها، الأول: كي لا يثار مخالفي المفاوضات والسلام في أمريكا، والثاني: مخاوف الأمريكيين من انهيار معنويات إدارة كابل المحمية من قبل الأمريكيين والتسبب في سقوطها سريعا حال نشر هذه التفاصيل.

وسئل مصدر في طالبان عن علة التناقض في تصريحات المسؤولين الأمريكيين بعد جولات المفاوضات؟ على سبيل المثال: صرح مسؤول في البيت الأبيض عن خروج القوات العسكرية من أفغانستان سريعا، لكن البنتاجون والجنرالات المتواجدون في أفغانستان ردوا ذلك بشدة!، فأجاب: إن الأمريكيين وقت المفاوضات يقبلون بعض الأمور لكنهم في وسائل الإعلام يدلون بتصريحات متناقضة حتى لا تتشتت إدارة كابل وتتمزق مباشرة بعد خروج القوات الأمريكية.

وبعض المحللين يشيرون إلى وجود احتمال آخر، فنظراً إلى الخلفية التاريخية لأمريكا يحتمل أنها تضع فخاً لطالبان، فبصنيعهم هذا قد يتركون باب التخلف عن الشروط في بعض الأجزاء مفتوحاً، لكن الاحتمال الأقوى هو أن أمريكا عندما تخضع لابتلاع لقمة مرة من الشروط؛ ففي البداية تنشر في الإعلام خبراً بشكل عفوي، ثم بعد لحظات تنفي ذلك الخبر عن طريق أحد المسئولين، وتعيد هذا الصنيع مراراً، وعندما تتعود أذهان العامة مع الخبر فتقوم بتطبيقه عملياً، ولعل التصريحات الأخيرة التي نشرتها صحيفة (نيوزويك) التي تقول بأن القوات الأمريكية ستوقف العمليات الهجومية على طالبان تكون من هذا القبيل.

– وحسب تصريحات مسئول في طالبان، فإن الوفد الأمريكي منذ البداية كان يسعى إلى وقف إطلاق النار مع بداية عملية المفاوضات، لكن طالبان رفضت ذلك، وأخيراً اضطرت أمريكا أن تؤجل موضوع وقف إطلاق النار إلى الجلسات المفاوضة بين الأفغان.

ولعل العلة في إصرار أمريكا على وقف إطلاق النار وفي المقابل مخاوف طالبان من ذلك؛ هي أن أمريكا كانت تريد أن تنثلم الآلة الحربية لطالبان رغم تواجدها في أفغانستان، لكن طالبان أدركت حساسية الموضوع، لذلك ترفض باستمرار وفق إطلاق النار في ظل تواجد الأجانب، وقد أوضح المتحدث باسم الإمارة الإسلامية هذا الموضوع خلال تغريدة قال فيها: “وقف إطلاق النار قبل حل القضية أو الوصول إلى الهدف بمثابة ترك المقاومة”.

 

 

مرحلة توقيع الاتفاق:

كلا الطرفين كان يُخبر عن التطورات بعد كل جولة من المفاوضات، خاصة الطرف الأمريكي حيث كان يقول بثقة بأننا على وشك الوصول إلى موافقة نهائية مع طالبان، فلماذا تأخرت مرحلة التوقيع؟!

أجاب مصدر مقرب من المفاوضات لطالبان عن هذا السؤال: إن المفاوضات في الجولة الثامنة كانت جدية ومرهقة للغاية، حتى أن النقاش والحوار كان يستمر أحياناً إلى الساعة الثانية والثالثة منتصف الليل، كما أن المفاوضات كانت مستمرة حتى في أيام العطلة كيوم الجمعة، ويوم عرفة، وأيام العيد، لكن رغم ذلك لم تُحَل القضايا بالشكل النهائي كما كان متوقعا، ولازال الخلاف قائماً حول بعض النقاط والتي بحاجة إلى مزيد من النقاش والتفاوض، ومع أن المصدر لم يحدد النقاط الخلافية، لكنه أضاف بأن تلك القضايا ستحل في الجولة القادمة على الاحتمال الراجح، وبعد ذلك سيتم الإعلان عن المعاهدة والاتفاق في حضور الشهود الدوليين وستوقع بين الطرفين.

 

 

بقلم/ الاستاذ : نعمت میوند

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات




لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير ” قواعد الاشتباك “

حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا:

حركة طالبان أمام تحدي تطوير “قواعد الاشتباك”

– لن يتحمل الشعب الأفغاني أن يكون وحيدًا في تحمل سياسة الإبادة الجماعية.

– حركة طالبان واقعة تحت ضغط شعبي للدفاع عسكريًا عن أرواح السكان وممتلكاتهم، أو الذهاب إلى التفاوض بحثًا عن حل. لهذا يماطل الأمريكيون للحصول على تنازلات  جوهرية في المفاوضات.

– مطلوب قواعد جديدة للاشتباك تسمح بردع العدوّ، وإظهار عجزه عن حماية النظام العميل والرموز السياسية للاحتلال.

– التنازل في المفاوضات هو طريق للهزيمة المؤكدة، والحل يكمن في تطوير قواعد الاشتباك، واستلهام تجربة جروزني، وإعلان كابل منطقة حرب مفتوحة ضد الاحتلال.

دروس من معركة جروزني في الشيشان، لتجديد قواعد الاشتباك في أفغانستان:

1- الهجوم على العاصمة يؤدي إلى تخفيف الضغط الوحشي للعدوّ على الأطراف.

2- هجوم مجاهدي الشيشان على العاصمة جروزني أوقف المجازر ضد المدنيين، وأدى إلى فتح العاصمة وهزيمة العدو.

– لن يحصل عملاء الاحتلال في كابل على ما حصل عليه زملاؤهم في سايجون بالهروب جوًّا من فوق سطح السفارة الأمريكية أثناء سقوط العاصمة في أيدى الثوار. وهذه هي الأسباب.

– حدثت طفرة في الوضع السياسي لحركة طالبان في وسطها الأسيوي، مع قبول لحقيقة أنها مستقبل أفغانستان القادم. وينبغي أن تسعى الحركة إلى طفرة تسليحية طبقا لمعادلة (الصديق وقت الضيق). وهناك أرضية واقعية للتعاون الاستراتيجي مع الجميع.

 – سيهرب جيش الاحتلال بدون أن ينقذ سوى عدد محدود من كبار العملاء، على رأسهم حكمتيار .. لماذا ؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

سياسة الاحتلال الأمريكي في إبادة المدنيين الأفغان وتدمير مصادر رزقهم وهدم بيوتهم وقتلهم جماعيا بدم بارد، هي درجة من الوحشية لم يصل إليها الاحتلال السوفييتي في أوج جبروته. فالقصف المدفعي يترافق مع الغارات الجوية في وقت واحد، لإزالة قرى كاملة بسكانها من فوق سطح الأرض. والمداهمات الليلية بالقوات  الخاصة المحمولة جوًّا (فرق الموت) تمارس تفجير البيوت وقتل السكان بدم بارد، وخطف العديد منهم على اختلاف أعمارهم ومهنهم، والطيران بهم إلى المجهول، حيث يختفون إلى الأبد، ونادرًا ما يظهر منهم أحد مرة أخرى إما نتيجة للتعذيب حتى الموت، أو لاستخدامهم كقطع غيار في تجارة الأعضاء البشرية.

وتدمير المدارس الدينية يحظى بأولوية خاصة، سواء بالاغتيال الفردي للطلاب والمدرسين والعلماء أو بالقصف الجوي لحفلات التخرّج التي يحضرها وجهاء القوم وأولياء أمور الطلاب، فيسقط المئات ما بين قتيل وجريح. وهناك استهداف زائد لمواد الرزق سواء بنهب وإحراق الدكاكين التجارية أو قتل المزارعين في حقولهم بواسطة طائرات “الدرون”. أمّا تجمعات السكان في الأعراس والمآتم فهي هدف ثابت للطيران الأمريكى منذ اليوم الأول للعدوان. ونفس الشيء يقال عن استهداف الطائرات لسيارات المسافرين على الطرقات العامة بشكل عشوائي ومستهتر، وكأنه ممارسة لنوع من الرياضة أو التسلية التي لا تتاح لهم في بلادهم.

 

 

الهيئات الدولية والإبادة الجماعية للأفغان:

تواطؤ الهيئات الدولية مع الاحتلال الأمريكي هو أمر مشهور ومعروف للجميع. لذا لا يمكن التعويل على تلك الهيئات لإنقاذ مسلمي أفغانستان، أو أي مسلم صاحب حق في أي مكان. وتلك الهيئات مهنتها في أفغانستان التغطية على جرائم الاحتلال ، واتّهام المجاهدين بقتل شعبهم. وفي أفضل الحالات تقدم تلك الهيئات احتجاجا باهتا على جرائم كبرى ارتكبها الاحتلال ويصعب التستر عليها.

لا يمكن أيضًا التعويل على دعم ” إنساني” أوروبي حيث أن حلفهم العسكري “الناتو” هو شريك أصيل في جرائم الاحتلال. ولا داعي للحديث عن دعم إسلامي حكومي أوحتى شعبي، فالكل مشغول بصراعات مع نفسه ومع غيره، صراعات لا تنتهي ولا أصل لمعظمها.

 

هزيمة الروس في جروزني وقواعد الاشتباك الجديدة في أفغانستان

في بداية حرب الشيشان الأولى (1994 ـ 1996) تمكن الروس من طرد المجاهدين الشيشان من العاصمة جروزني ثم ملاحقتهم حتى أطراف الشيشان والتنكيل العنيف بالسكان لقطع تعاونهم مع المقاومة. وبالفعل خرج الكثير من المجاهدين والسكان من الشيشان ولم يتمكنوا من البقاء فيها، إلى أن عثروا على الحل، وهو التجمّع في هجوم على العاصمة، التي كانت القوات الروسية فيها غير جاهزة معنويًا لصد هجوم. فنجح المجاهدون في الاستيلاء على العاصمة جروزني بعد قتال شرس، وانتهت الحرب الأولى بانتصارهم على الروس.

 

 

من دروس معركة جروزني :

– إذا نشط العدوّ في الانتقام من الأطراف لإرهاب السكان وطرد المقاومة فإن الحل هو الهجوم على العاصمة، ليضطرّ العدوّ إلى وقف نشاطه في الأطراف أو تقليله إلى أقصى حد.

– لا يستطيع العدوّ تحمّل تهديد خطير على العاصمة، ولكن يمكنه تحمل تهديد أو حتى سقوط أي مدينة أخرى. لذا يركز كل تفكيره وقوته للدفاع عن العاصمة ومنع سقوطها.

– الهجوم على العاصمة كما أنه تطوير لقواعد الاشتباك، فإنّ مداه الطبيعي هو الاستيلاء على العاصمة وإعلان الانتصار النهائي في الحرب.

– الهجوم العنيد على العاصمة يصيب النظام بالرعب وفقدان الثقة في النفس وفي الحكومة المحلية العميلة، فتزداد النزاعات والإنشقاقات في كافة الاتجاهات. وكثيرون من رؤوس النظام يفكرون في حلول خاصة بهم، إما بالفرار إلى خارج البلاد أو بمحاولة الالتحاق بالنظام القادم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 كابل هي الحل :

– إعلان كابل منطقة قتال مفتوح مع الاحتلال، هو المدخل الصحيح لوضع قواعد جديدة للاشتباك، تتيح للمجاهدين الخروج من المعضلة الحالية، ومن مأزق العجز عن توفير الحماية لجميع المدنيين في ثلاثة أرباع البلد حيث السيادة لحركة طالبان، ناهيك عن تعرض المدنيين في الأراضي الخاضعة لسلطة الاحتلال وعملائه لنفس المعضلة، وليس أمامهم سوى الاستنجاد برحمة الخالق وبنجدة حركة طالبان. هذا بينما العدوّ يفاقم تلك المشكلة حتى يرغم طالبان على أمرين أحلاهما مُرّ: فإما تقديم تنازل جوهري عن أهداف جهادهم، أو أن تنهار العلاقة بينهم وبين الشعب الذي يعاني القتل والخراب  بشكل متواصل.

– في الوضع الجهادي الحالي في أفغانستان فإن الضغط على كابل سيريح سكان الأطراف كثيرًا ويرفع عنهم معظم الضغط. وتلك ميزة ليست متوفرة لأي مدينة أخرى. فقد هاجم المجاهدون مدينة غزني واستولوا عليها لعدة أيام، وأثناء احتدام معاركها شنت “عصابات الموت” المنقولة جوًّا غارات في عدة مناطق خاصة في ولاية فراه، حيث ارتكبوا مجزرة هناك للضغط على المجاهدين في غزني وإجبارهم على التراجع.

– كابل الآن تحت حصار فعلي باعتراف جنرالات الاحتلال الذين يرون استحالة تحقيق نصر عسكري على حركة طالبان. وخوفًا من هجمات طالبان لا يجرؤ جيش الاحتلال على نقل جنوده على طرقات العاصمة ويعتمد في تنقلاته على الطائرات. ويرى مسئول رفيع في كابل أن الحكومة تعجز عن عقد أيّ اجتماع خارج القصور كثيفة الحماية.

– يمتلك طالبان أرضية عمليات قوية للغاية داخل كابل، وتواجد متنوع ما بين عسكري ومدني ولوجستي. مع نفوذ عميق داخل دوائر النّظام الحاكم وأجهزته العسكرية والأمنية والإدارية، وذلك في كافة المستويات العليا والدنيا والمتوسطة. والبنية التحتية للمجاهدين في كابل إضافة إلى قوتها الذاتية، فإنها مستندة إلى دعم مجموعات جهادية قوية في الولايات المحيطة بالعاصمة.

 

الضغط المتدرج على العاصمة:

1ـ الخطوة الأولى هي الإعلان بأنّ العاصمة أصبحت ميدانًا لحرب مفتوحة بين المجاهدين وبين الاحتلال ومعه الحكومة العميلة.

2ـ الخطوة الثانية: المطالبة بإخلاء الأحياء الهامّة في العاصمة من النّشاط الدبلوماسي والمالي والتجاري ومن السكان، خلال مهلة محددة قد تكون شهرًا واحدًا.

مع ضمان حرية التنقل صوب المدن الأخرى لمن أراد مواصلة أعماله أو إقامته. وكل من يتخلف عن الرحيل خلال المهلة المذكورة يتحمّل هو نفسه مسئولية أي مخاطر يتعرض لها.

3 ـ العمليات العسكرية في العاصمة تكون طبق خطة متدرجة مُحَضَّرَة سلفاً وتتصاعد طبقا للتطورات العسكرية والسياسية. مع عدم استبعاد إمكانية الاجتياح الشامل للعاصمة عند ترنح النظام العميل، وحماته الأمريكيين. وكلما اشتدّ الضغط على العدوّ في العاصمة تراخت هجماته على المدنيين في الأطراف.

4 ـ مطالبة جميع المنتسبين للحكومة العميلة وفي أجهزتها المختلفة (عسكرية ـ أمنية ـ ادارية ـ اقتصادية) بالالتحاق بالإمارة الإسلامية، وتسجيل أسمائهم ومكان إقامتهم في أقرب تجمّع لطالبان، لتوفير الأمن لهم ولعائلاتهم، والتمتّع بإمكانية العفو العامّ طبقًا لقوانين الشريعة. ومن يصر على البقاء حتى فتح المدينة فسوف يتعرض للعقوبات الشرعية  الخاصة بالخونة والقتلة المتعاونين مع العدوّ. ولن يستطيع شيء إنقاذهم من ذلك المصير، كما حدث قبلًا لأعوان النظام الشيوعي عند فتح كابل على يد طالبان. ومن المشكوك فيه أن تتمكن مروحيات العدوّ من إنقاذهم من فوق سطح السفارة الأمريكية في كابل. أولا لأن السفارة نفسها قد لا تكون قائمة في ذلك الوقت، كما أنّ البحر ليس قريبًا من كابل كما كان قريبًا من سايجون، حيث تواجد الأسطول الأمريكي، ليلتقط أفواج العملاء الهاربين جوًا والسابحين بحرًا. أما من يقرر منهم البقاء في كابل واختيار طريقة الرئيس الماركسي نجيب الله، فإن أعمدة الإنارة في كابل كثيرة وتكفي لتعليق الجميع. فقط على كل منهم / وبكل ديموقراطية / أن يختار العمود الذي يناسب مقامه ومركزه في النظام العميل .

 

طفرة في الوضع السياسي لطالبان :

استضافت موسكو مؤتمر لمناقشة الوضع في أفغانستان بحضور حركة طالبان. وكانت خطوة كبيرة من موسكو نحو الاقتراب من الحركة. ولكن مازال الطريق طويلًا نحو تطبيع كامل للعلاقات وعبور حفرة النيران التي تركتها الحرب السوفيتية في العلاقات الروسية الأفغانية.

بكين بدورها اعترفت بحركة طالبان كطرف سياسي فاعل في أفغانستان. وهذه خطوة كبرى في مسيرة الألف ميل لتطبع العلاقات بين بكين وكابل.

إيران بدورها استقبلت وفد طالبان وتفاوضت مباشرة معه في خطوة غير مسبوقة، ويمكن اعتبارها مجرد بداية لعصر جديد من العلاقات الإيجابية بين طهران وكابل.

الهند لم تحسم موقفها بعد، وربما هي في شك في استجابة طالبان لفتح صفحة جديدة في علاقات لم تكن مزدهرة، بل كانت أقرب للعداء الهندي النشط تجاه لتلك الحركة. عبور أزمة الثقة ممكن من بوابة طهران التي اندمجت مع نيودلهي في مشاريع استراتيجية لربط الهند بوسط آسيا عبر أفغانستان بواسطة ميناء تشابهار وشبكة خطوط سكة حديد طموحة تمر عبر أفغانستان من أجل تبادل تجاري نشط بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان.

وذلك كان دافعا لبكين أن تقترب أكثر من حركة طالبان حتى لا تنفرد الهند بمشاريع طموحة شبيهة بالحلم الصين المسمى (الحزام والطريق) أي طريق الحرير سابقًا.

** إذن أسهم حركة طالبان هي العليا عسكريا وسياسيا، وينبغي السهر على دفعها قدمًا وتحديدًا في وسط نادي عمالقة آسيا الأربعة ( الصين روسيا إيران الهند)، خاصة مع إسناد مهمة السياسة الخارجية في الإمارة الإسلامية إلى الملا عبد الغني برادر البطل العسكري المغوار وفارس العمل السياسي للإمارة حاليا. وتلك مهمّة كبرى للجهاز السياسي في الحركة في طوره الفعال الجديد. وحيث أن غاية السياسة والحرب واحدة. فإن ذلك الانطلاق السياسي الضخم يجب تحويله إلى مكاسب تسليحية كعربون لصداقة حقيقية تتخطى المجاملات الدبلوماسية، تطبيقا لقاعدة (الصديق وقت الضيق) .

وليس هناك أفضل من الشعب الأفغاني في العرفان بالجميل والوفاء للأصدقاء الحقيقيين.

ومعلوم بأن الطفرة السياسية في وضع حركة طالبان، مع الإمكانات التسليحية التي يمكن أن تنتج عنها، هي ظروف مواتية لعملية (تجديد قواعد الاشتباك) التي نتحدث عنها.

فالمناخ السياسي مناسب للغاية، وإمكانية تطوير القوة التسليحية متوافرة، وذلك عنصر مساعد. كما أن فتح كابول وفرار الاحتلال، سيفتح المجال على مصراعيه أمام أفغانستان لاحتلال مكانه (جيوسياسية) نادرة المثال في العالم المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

أسئلة هامة:

لماذا لن ينقذ الاحتلال جميع عملائه؟ 

ومن هم الأوفر حظًا في البقاء ؟؟.

ولماذا حكمتيار على رأس هؤلاء المحظوظين ؟؟.

يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة سوف تترك أفغانستان وشأنها، أو أن تلك الدولة الشيطانية ستترك أحدًا مستريحًا على ظهر هذا الكوكب طالما أن فيها عرق ينبض.

وعروق أمريكا وقلبها النابض هو البنوك اليهودية الكبرى. ومعظم الدماء التي يشتغل عليها قلب ذلك الشيطان هو المال المعتصر من دماء فقراء ومظاليم هذا العالم. وفي المقدمة شعب أفغانستان الذي يزود تلك الآلة الشيطانية بترليون دولار سنويا أو يزيد، هي عائدات بيع الهيروين حول العالم، والذي يستخرجه الجيش الأمريكي من أفيون أفغانستان، مقابل عدة ملايين من الدولارات يذهب معظمها لتجار وسماسرة ومرابون محليون ، وتبقى الديون تتزايد على رأس المزارع الأفغاني الذي لا يجد مخرجاً من جحيم زراعة الأفيون.

– لم تتكلم الولايات المتحدة عن مغادرة أفغانستان إلا بعد أن استكملت بالفعل الأدوات التنفيذية لخطتها البديلة من أجل ضمان مصالحها، وعلى رأسها الأفيون .

ــ الجيش الأمريكي (15000 جندي) سوف ينسحب، ولكن ماذا عن جيش المخابرات المركزية الأمريكية وروافدها المحلية، وشركات المرتزقة الدوليون من بلاك ووتر وأخواتها.

ــ وماذا عن الدواعش الذين اندمجوا ـ حرفيا ـ في جيش المخابرات الأمريكية تدريباً وتسليحاَ وعملياتياً؟؟. فالقوات الخاصة الأمريكية وقوات المخابرات الأمريكية المرافقة لها يشنون الغارات لتحرير الدواعش من سجون طالبان، أو لإنقاذهم من الحصار. بينما يقوم الطيران الأمريكي والعميل بدكّ السجون المحتجز بها جنود الجيش والشرطة لدى حركة طالبان، كما حدث في موسى قلعة، رغم أن الحركة تفرج عن معظمهم وتسلمهم إلى عائلاتهم وقبائلهم بعد أخذ التعهدات عليهم بعدم القتال ضد المجاهدين مرة أخرى. فلماذا تخشى الحكومة من سياسة طالبان الإفراج عن الجنود الأسرى؟.

ــ للدواعش دور هام في السياسة الجديدة للتدخل الأمريكي في شئون أفغانستان، ونزح ثرواتها وعلى رأسها الأفيون ومعادن أخرى نادرة. وما دمنا نتحدث عن دواعش أفغانستان فإننا نتكلم بالضرورة عن عراب الدواعش الأفغان وأبيهم الروحي “حكمتيار”، خاصة وأن معظمهم قادمون من معسكرات المهاجرين التابعين له في باكستان.

 ــ لذا فإننا نتكلم بالضرورة عن باكستان كقاعدة خلفية لدواعش أفغانستان ـ وحتى للحركة الداعشية الدولية ـ التي وضعت باكستان لبناتها الأولى من تدريب وتجميع وتلقين المذهبي في مناطق الحدود الباكستانية قبل سنوات من ظهور دواعش العراق ومن تلاهم، وحتى قبل سنوات من بدء كارثة الربيع العربي.

ــ ونتكلم بالضرورة عن (حنيف أتمر) مستشار الأمن القومي للرئيس الأفغاني. وهو/ كمندوب عن الاحتلال /  مهندس مشروع داعش الأفغاني. وكان لابد له أن يدفع ثمنا في مقابل تعاون باكستان مع مشروع داعش الذي هو أحد أساسيات الوضع القادم في أفغانستان برعاية المخابرات الأمريكية.

لذا أهدى حنيف أتمر لباكستان جميع المناطق القبلية التي استولى عليها الاحتلال البريطاني لفترة مئة عام إنتهت عام 1993. قال حنيف إنه وقع مع باكستان اعترافا بخط “ديوراند” كفاصل للحدود الدولية بين البلدين. وكان من الفترض أن تعود مساحات شاسعة من الأرض المسروقة  إلى الوطن الأفغاني الأم . ولكن من لا يملك (حنيف أتمر) أهدى أرض أفغانستان لمن لا يستحق (نظام عمران خان). الذي بدأ مشروعا عملاقا لتسوير الحدود بين البلدين بالأسلاك الشائكة ومخافر الميليشيات، لتثبيت أمر واقع جائر وغير قانوني، وجعله أبديا.

دور باكستان القادم في مرحلة التدخّل التخريبي لأمريكا في أفغانستان هو دور محوري للغاية، يشمل حكمتيار وداعش، كما يشمل الترتيبات الجديدة لتجارة الهيروين الدولية، بداية من مراكز التصنيع الجديدة في أفغانستان، وصولا إلى طائرات النقل العسكري التابعة للقوات الأمريكية في باكستان، وأسطولها في كراتشي.

ــ يدير حكمتيار في أفغانستان عمليات نسف وتدمير واغتيالات بواسطة أبنائه الدواعش.     لقد ضمن ـ تقريبًا ـ نصيبًا بارزًا في برنامج أمريكا الجديد لتخريب أفغانستان ونهب ثرواتها بعد انسحاب الجيش الأمريكي وتولي الإمارة الإسلامية زمام الحكم، لتجد نفسها في مواجهة مرحلة تخربية تديرها الولايات المتحدة بمخابراتها وعملائها. وبالتالي فإن مخاطر حكمتيار بعد الانسحاب الأمريكي مرشحة للتزايد وليس التناقص. وذلك قد يضعه في مرتبة متقدمة من بين أعداء الشعب الخطرين. لهذا سيكون حكمتيار على رأس قائمة المحظوظين الذين سيحافظ عليهم الاحتلال لإعادة استخدامهم في المرحلة القادمة. وهناك قلائل من رجال النظام الحالي يتمتعون بهذا القدر من “الحظ السعيد”!!. فأكثرهم قد انتهت أدوارهم وسيكونون عبئا في المرحلة القادمة التي تحتاج إلى مهارات وإمكانات لا يتمتعون بها. لهذا سيتركهم الاحتلال خلف ظهره، أو سيرميهم بنفسه إلى سلة القمامة مع من سبقهم من عملاء انتهى عمرهم الافتراضي.

 ومع كل هذا القدر من “الحظ السعيد” والحظوة لدى الاحتلال ومخابراته، فإنّ الزعيم المتحول (حكمتيار) ، لن يكون أصعب منالا ممن سبقوه من العتاة ، من أمثال “عزيز كاروان” أو”جبار قهرمان” أو الجنرال “عبد الرازق” وغيرهم كثيرون، سقطوا من علياء سلطانهم وجبروتهم إلى الطين ، مُضَرَّجين بدماء الخيانة والعار .

 ولكلِ أجلٍ كتاب .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

المقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

 




حوار الموقع الأفغاني نن تكى آسيا مع مصطفي حامد (الجزء الثاني)

حوار الموقع الأفغاني نن تكى آسيا مع مصطفي حامد (الجزء الثاني)

حوار الموقع الأفغاني نن تكى آسيا مع مصطفي حامد (الجزء الثاني)

حول العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان

نقلا عن موقع نن تكي اسيا  (28/10/2017)

 

فشل الأمريكان في أفغانستان عسكريا وسياسيا وفكريا ولكنهم لا يقبلون فشلهم  ومازالوا مستمرين في إحتلالهم لأفغانستان .. كيف تنظرون إلى عنادهم هذا تجاه الشعب الأفغاني؟.

 

الأمريكان فشلوا فى أفغانستان ولن يستطيعوا إخضاعها عسكريا وهم يدركون ذلك تماما . واستراتيجيتهم الحالية هى الإنتظار .

ــ فهم منتظرون لتحسن الظروف فى المنطقة العربية وفقا لمنظورهم .

ــ ومنتظرون للعثورعلى حل للنهضة الأسيوية وحركة الترابط القائمة على أشدها بمشاريع طرق وتبادل تجارى ومشاريع إقتصادية . فلابد لأمريكا من إشغال الصين وإحاطتها بحدود بحرية وبرية ملتهبة ، وإشغال روسيا بسلسلة طويلة من المعضلات ، وتسخين الأجواء بين الهند والصين ، ووضع إيران بشكل دائم تحت التهديد العسكرى والأمنى والإقتصادى  .

ــ  ومنتظرون ليأس الشعب الأفغانى ، وتمكين داعش من تحويل أفغانستان إلى عراق أخرى ومجازر دامية بين الجميع ضد الجميع ، مستبدلين الإسلام بالوهابية ومستبدلين الجهاد بالداعشية .

ــ ومنتظرون ليأس المحيط الإقليمى من الغموض السياسى لحركة طالبان، فيختصرون الطريق بتفاهم إقليمى بتعاون أمريكى لإستبعاد الحركة وتسليم البلاد إلى (حل وسط) يضع بعض أصحاب اللحى فى الصدارة لخداع الشعب المسلم فى أفغانستان، مع بقاء كل شئ على ما هو عليه ، وتوزيع بعض المكافآت لهذه الدولة أو تلك . وذلك هو الإحتمال الأضعف لأسباب كثيرة .

ــ ومنتظرون لتبلور خارطة طريق جديدة لإستثمار كنز الأفيون الأفغانى بعد الإنسحاب  وإقرار استراتيجية جديدة للهيروين وإنتاجه فى أفغانستان ، وتوزيعه فى العالم تحت رقابة مركزية أمريكية . أى وضع الأفيون الأفغانى فى وضعية مشابهة للنفط العربى طبق آليات تقبض عليها اليد الأمريكية بكل قوة من نقطة الإستخراج وحتى أطراف المصب ، عبر شبكات نقل أمريكية أو تحت سيطرة أمريكية كاملة.

ــ ومنتظرون لضمانات مستقرة حول سلامة خطوط نقل الطاقة الحالية من آسيا الوسطى عبر أفغانستان ، وبنفس الشروط الذى وافق عليها نظام كابل ، وضمان موافقة أفغانستان الدائمة على بيع مياه نهر جيحون ونقلها عبر خط أنابيب يعبر أفغانستان إلى ميناء جوادر فى باكستان للتصدير . خطوط نقل الطاقة وخطوط نقل المياه تكون تحت الحماية الأمريكية وربما محاطة بإتفاقات دولية وداخله ضمن حدود كيان سياسى إنفصالى يجرى إقتطاعه من أفغانستان الحالية. وإلى جانبه كيان سياسى مماثل يتخصص فى إنتاج الأفيون. أى كيانين صغيرين وثريين من الطراز الخليجى، تابعين للولايات المتحدة كقوة ضامنة للوجود السياسى ومالكة للثروات الطبيعية.

ــ تلك أحلام تراود الشيطان الأمريكى ، وسوف تمحوها إشراقة صباح الحرية والإسلام على أرض أفغانستان ، بيد شعبها وقيادة حركة طالبان.

 

كثير من المحللين يرون مستقبل أفغانستان سيصبح ميدانا  لتنافس القوی الإقلیمية مع /الأمريكي / الروسي / الصيني ، كما هو الحال في سوريا ، فماذا تتوقعون أنتم لمستقبلها. هل يمكن أن تتدخل دول الجوار خاصة الصين وروسيا و إيران عسكريا في أفغانستان؟.

 

مبعث هذه الأسئلة هو عدم إدراك ما حدث فى سوريا على حقيقته ، وهو شئ يختلف كليا عن ظروف أفغانستان والمخاطر والتحديات التى تواجهها .

من أهم أهداف الحرب على سوريا وأسبابها كان الآتى :

1 ــ تفتيت الدولة السورية كجزء من برنامج (الشرق الأوسط الجديد ) الرامى إلى سيطرة إسرائيل بشكل كامل على كل دول الجوار ، بل وجميع محيطها العربى تمهيدا لإنطلاقها إلى المجال الأسيوى دخولا من إيران عبورا منها إلى أفغانستان (قلب آسيا) وصولا إلى آسيا الوسطى الإسلامية . من هنا يأتى الترابط الأمنى الوثيق بين إيران وأفغانستان ، فسقوط إحداهما يعنى حصارا وتهديدا وجوديا للأخرى .

2 ــ تمهيد الطريق لعبور الغاز القطرى إلى أوروبا ـ لتركيع روسيا إقتصاديا وسياسيا ـ كونها تعتمد على بيع الغاز لأوروبا، أكبر أسواقها فى العالم .

3 ــ حصار سوريا بإغلاق المنافذ البرية التى تجعلها ـ كما كانت فى العصور الوسطى البوابه الأولى لتجار أوروبا فى طريق الحرير الواصل إلى الصين والهند .

كما أن الطربق الحريرالجديد فى طريقه إلى الإنبعاث بدفع من قوة الإقتصاد الصينى ورغبة الصين فى الإنعتاق من التهديد البحرى الأمريكى . وهو نفس الحافز الموجود لدى إيران وروسيا . وهما البلدان المنخرطان بقوة فى حرب سوريا لنفس الأسباب الإقتصادية والاستراتيجية .

4 ــ إغلاق حدود سوريا البرية مع العراق ( وبالمثل مع تركيا والأردن) والمتواصلة مع طريق الحرير، هو مقدمة لإغلاق حدود العراق نفسه عندما تسنح الفرصة وتتحطم الدولة العراقية بفعل الصراعات العرقية والمذهبية ، عندها يمنعون تواصله مع العمق الأسيوى عبر البوابة الإيرانية والأفغانية.

طبقا لإستراتيجية بحرية عظمى تسيطر الولايات المتحدة على بحار العالم بأساطيها الحربية . وتواجهها الصين بإستراتيجية برية عملاقة هى “طريق الحرير” . و نظرتنا إلى مشكلة أفغانستان ومشاكل والشرق الأوسط يجب أن تتضمن إعتبارات ذلك الصراع (الجيو ستراتيجى) العالمى . فكلا المنطقتين(أفغانستان والمنطقة العربية) هما من المفاتيح الأساسية فى كلا الإستراتيجيتين.

تكلمنا هناعن الولايات المتحدة والصين فقط ، ولكن خلف كل منهما معسكرا من الحلفاء. وهناك دول هامة مثل الهند لم تحسم لنفسها قرارا نهائيا . لذا تضع قدما فى كل قارب، أو على الأصح تضع قدما فى الماء وقدما فى اليابسة . فلا هى تثق فى الصين ولا هى تطمئن بالكامل إلى الولايات المتحدة.

= الخطوتان السابقتان (3،4) يجرى التسويق لهما إقليميا ودوليا على أنهما تصدى للمد الشيعى والتوسع الإيرانى ، بما إستدعى تعاونا بين أهل السنة وإسرائيل ، للتصدى معا لمخاطر الإرهاب . وتحت تمويه التصدى لداعش إمتد تعريف الإرهاب ليشمل كل من يقاوم إسرائيل من سنة و شيعة (حزب الله وحماس) .

5 ــ ما سبق يتكامل مع ربط السعودية ودول الخليج بخط سكة حديد مع إسرائيل وشواطئها على البحر الأبيض المتوسط ، لتكريس التبعية الإقتصادية والسياسية، وإعلان العرب التنازل التام عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى ، مع تسهيل تنفيذ المخطط الإسرائيلى بالوصول إلى المدينة المنورة والمطالبة بممتلكات اليهود القديمة قبل ظهور الإسلام الذى طردهم من جزيرة العرب ،(يوم كان فى جزيرة العرب إسلام ، وكان فيها عرب).

6 ــ طرد روسيا من شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، لتضييق حلقة الحصارعليها تمهيدا لإسقاطها وتقسيمها باستخدام ذلك النوع المسمى بحروب الجيل(الرابع والخامس.. إلخ ) التى هى مزيج من الفتن الداخلية والحصار الإقتصادى والحرب النفسية باستخدام الإعلام والمنابر الدولية مع الإعتداءات المحدودة عسكريا وحرب الإرهاب (الإسلامى غالبا) والتدخل الدولى بالتحالفات العدوانية أو بقوات الأمم المتحدة ، يضاف إليها فى حالة روسيا سباق التسلح الذى ينهك الإقتصاد الروسى الضعيف أصلا مقارنة بالإقتصاد الأمريكى.

وهذا هو النوع من الحروب الذى تعمل أمريكا الآن إلى إستخدمه فى أفغانستان بدلا من الحرب المباشرة التى خسرتها . لذلك أحضرت داعش الذى تهاوى فى المنطقة العربية ، فنقلته إلى باكستان وأفغانستان واليمن وحدود إيران وحتى إلى داخلها.

ويبقى سؤال : تحت أى ظروف يمكن أن تتدخل الدول عسكريا فى أفغانستان ؟ .

ذلك التدخل يمكن أن يحدث فى الحالات التالية :

1 ــ إذا تحولت حدود أفغانستان إلى مستوطنات داعشية تنفذ عمليات خطيرة عبر الحدود مع أحد الجيران الأقوياء ، كما حدث فى الرد الصاروخى لإيران على قيادات داعش فى سوريا فى أعقاب الإعتداء المزدوج على طهران .

وبالمثل يمكن أن تفعل الصين أو حتى روسيا والهند . ولكن الإجتياح الشامل مستبعد لخطورته على الوضع الدولى .

2 ــ إذا شكلت العمليات الإرهابية الداعشية تهديدا جديا لأحد مراحل أومحطات مشاريع الترابط البرى والتبادل التجارى فى التحرك الإستراتيجى الجديد فى آسيا . فقد يحفز ذلك عملا عسكريا مشتركا ضد افغانستان من جانب الدول المتضرره . وما زال هذا الإحتمال مستبعدا. ولكنه ممكن فى إطار الرد المحدود أو الحرب بالوكالة.

3 ــ إذا نفذت أى حكومة أفغانية ـ وبدون غطاء أمريكى ـ مشاريع تهدد مصالح الجيران المائية أو الأمنية. فإن التدخل العسكرى سيصبح خيارا مطروحا ، ولكن فى صورة رد محدود وليس إجتياحا .

4 ــ اذا وقعت أفغانستان فى حرب داخلية واسعة النطاق لأسباب عرقية ومذهبية ، فهذا يخلق بيئة مواتية لتدخلات جميع الدول المجاورة لحفظ مكان لمصالحها داخل البلد عبر المجموعات الأقرب لها . كما أن التمويل العربى بل والمتطوعون الوهابيون قد يتدفقون بكثافة على أفغانستان مع تقوية خطوطهم الخلفية فى وزيرستان . وقد يتطور الأمر إلى حرب مذهبية تعصف بكامل المنطقة ولن تقف عن الحدود الأفغانية . لذا كلما قمعت داعش مبكرا فى أفغانستان فسيكون ذلك فى صالح جميع شعوب المنطقة  وهذا يعطى ورقة قوية فى يد طالبان بصفتها القوة الوحيدة القادرة على صد الخطر الداعشى عن أفغانستان وجميع مسلمى المنطقة ، فتتحول نقمة داعش إلى ميزة لطالبان.

 

على المستوى الداخلي الأفغاني كيف يمكن القضاء على الحرب و إحلال الأمن في أفغانستان؟

لا يمكن أن يحل الأمن فى أفغانستان إلا بعد زوال الإحتلال، على أن يعقب ذلك عملية تطهير للبلد من الأدران التى زرعها فى حياة الناس ، والقصاص من القتلة والفاسدين واسترداد الحقوق منهم ، وتطهير الحياة الثقافية بعمليتين مترافقتين ” إزاحة وإحلال” إزاحة الثقافة الإستعمارية وإحلال الثقافة الإسلامية والقيم الأفغانية الأصلية محلها .

–  ثم إقامة نظام حكم عادل ، ونظام إقتصادى شفاف وفاعل، يحقق المساواة وتكافؤ الفرص ، ويمنع الإحتكار وسؤ إستغلال السلطة لجنى الثروة بدون وجه حق.

– وذلك يحتاج إلى إحياء شورى حقيقية تمارس فعليا أمرالتشريع القانونى والرقابة على مؤسسات الدولة.

 – نظام تعليمى يجمع العلوم الإسلامية مع العلوم الحديثة فى كافة المجالات، من الطب إلى الفضاء والذرة .

– وإطار ذلك كله جيش قوى قائم على دفاع شعبى متعدد المستويات وجهاز أمنى كفء  ونزيه وخاضع للرقابة الشعبية الدائمة .

ــ ومن المهم إقامة علاقات عادلة وشراكة بناءة مع جميع الجيران على أساس الإعتراف بالخصوصية والإحترام المتبادل ، والتعاون المشترك على أساس العدالة والتكافؤ لخير جميع سكان المنطقة والعالم .

وتلك أيضا معركة صعبة وطويلة لها تكاليف ولها شهداء .. وهكذا هو طريق الجنة مفروش بالمكاره ، بينما طريق جهنم / طريق الخضوع للإحتلال / مفروش بالمغريات والشهوات .. واسألوا حكام كابول .

 

أفغانستان تشتهر تاريخيا بمقبرة الإمبراطوريات ، هل تتوقع أن تقبر إمبراطورية أمريكا في أفغانستان ام تصبح أفغانستان مرتعا للأمريكان يلهون فيها كما يلهون في سائر البلاد؟ .

إذا إحتكمنا إلى سنن الله فى خلقه ، وإلى التجارب التاريخية للأمم بشكل عام ، ولشعب أفغانستان بشكل خاص، يمكن القول بإطمئنان كامل أن الولايات المتحدة ستخرج منهارة من أفغانستان . وحربها الظالمة على ذلك الشعب ، وجرائمها فى حق البشر أينما كانوا ، لن تنتهى بأى خير على تلك الدولة . وشعبها يجب أن يغير ذلك النظام المتوحش الذى يحكمة ، ويندمج مع باقى البشرية على قاعدة المساواة ، والإستفادة العادلة من خيرات الأرض ووقف الحروب واستعباد الآخرين والتعالى عليهم بل وإبادتهم كما حدث منهم مرارا . فالبشر جميعهم سواسية ، خالقهم واحد ، وبدايتهم مثل نهايتهم واحدة . والأرض خلقها الله ليعيش عليها البشر جميعا وينتفعوا بخيراتها بعدل ومساواة.

 

هل نرى يوما ما افغانستان بدون حرب؟.

حتما ستتوقف الحرب يوما فى أفغانستان . فالحرب سنة كونية لإصلاح مسيرة البشرية ، ثم يعود السلام مرة أخرى . لتعمير الأرض والقيام بواجب الخلافة فيها.

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)ــ ﴿251﴾البقرة

(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز)ــ ﴿40﴾ الحج .

ستتوقف الحرب فى أفغانستان حتما . وللأسف فإن شعب أفغانستان الشجاع والنبيل يتحمل ضريبة الدم الثقيلة لاصلاح مسيرة الإنسانية كلها على الأرض . من إسقاط السوفييت إلى إسقاط الأمريكيين ، ومن قبل إسقاط بريطانيا، التى غابت شمس عظمتها بهزيمتها فى أفغانستان . فأى فخر هذا للأفغان، لم يحرز مثله أى شعب على ظهر الأرض!! ، وشرف كفيل بأن يجعلهم سادة البشرية وحماتها .

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) ــ ﴿5﴾ القصص

نعم ستتوقف الحرب ويعم السلام لتأخذ أفغانستان دورها فى بناء مستقبل البشر وتساهم مرة أخرى فى العلوم والإعمار والثقافة ، وتلك مجالات أخرى للجهاد . ستتوقف الحرب يوما ولكن الجهاد لن يتوقف أبدا فى أفغانستان ، أرض الأمجاد والبطولة.. كما هى أرض العلم والعلماء والمدنية .

 

نقلا عن موقع نن تكي اسيا  (28/10/2017) :

www.nunn.asia

رابط الحوار باللغة البشتو:

https://goo.gl/Hbb1WC 

 

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world