1

معضلة الطبقية في التيارات الجهادية

معضلة الطبقية في التيارات الجهادية

معضلة الطبقية في التيارات الجهادية

سوريا نموذجا”

مفهوم الطبقية كظاهرة اجتماعية وما ينشأ عنه من صور الاستغلال والتسلط والظلم لم تسلم منه حتى المجتمعات الدينية أو التي تعلن أن مبرر وجودها قائم على بناء واقع مثالي يقف عند حدود كلمة الله في هندسة الشأن الاجتماعي والاقتصادي، برز ماركس كمخلص يبشر المجتمعات بزوال الطبقية باعتبارها صورة بشعة يتم فيها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وشدد على ضرورة إنهاء ذلك عبر بلورة المذهب الاشتراكي الذي يؤول إلى الشيوعية كنتيجة تحفظ حقوق الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمحرومة وتنهي الاستغلال، تمخض عنه قيام الثورة البلشفية وتأسيس ما عرف بالاتحاد السوفييتي وحكم البروليتارية في روسيا القيصرية التي جعلت الدين وقتها قاعدة في عملية الحكم والتأثير في شعوبها كقوة ناعمة في السيطرة..

 

يهمني ان انتقل إلى الواقع الإسلامي وكيفية تعاطيه مع هذا المفهوم، يستند الكثير في هذا الصدد إلى جملة من الآيات القرآنية التي ألمحت إلى ظاهرة التفاوت الطبقي بين الناس؛ من ذلك قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} (النساء:32)، وقوله سبحانه: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} (النحل:71)، وقوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} (الإسراء:21)، وقوله سبحانه: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} (الزخرف:32)، فهذه الآيات ونحوها تقرر حقيقة واقعة وهي أن الله سبحانه قد فضل الناس بعضهم على بعض بشتى أنواع التفضيل؛ مما يعني تكريس قيم التفاوت الاجتماعي، ولكن يبقى الإشكال في ارتهان الطبقات غير المحظوظة بما تراه الطبقات الأكثر حظا من ناحية الاستفادة من الثروات والجاه وبقية الامتيازات الأخرى، درج أهل التأويل إلى الرؤية التي ترى أن الامر الذي وجهه القرآن للأغنياء وذوي الجاه بالإنفاق ومد العون والتكافل عموما هو ما سيضمن عدم جنوحهم نحو الاستئثار والاستغلال والظلم، لكن الواقع على خلاف ذلك ما يفسر ظاهرة قيام الثورات في التاريخ الإنساني.

 

“يرى ماكس فيبر” ان مكانة الطبقة تحددها علاقة الشخص بوسائل الإنتاج، كذلك كارل ماركس” يقول في موضوع الطبقة: تجمع من الأشخاص ينجز عملا واحدا في إطار عملية إنتاجية واحدة وتختلف باختلاف موقعها من عملية الإنتاج. فهي مجموعات من الناس تستطيع إحداهما ان تستحوذ على الأخرى نتيجة اختلاف المراكز. أوضح ماكس فيبر تعدد أبعاد تحديد الطبقة الاجتماعية وعدم قصورها على البعد الاقتصادي وحده فقد أضاف بعدين: (المكانة والقوة).

 

بعد هذا التمهيد المفاهيمي سأتحول إلى الحقل السلفي الجهادي في بيئة الصراع، لا شك أن من عاش في خضم تجربة من هذا النوع يدرك حجم التفاوت الموجود بين الأشخاص داخل الجماعات الجهادية خصوصا في مرحلة من الانفتاح على المكاسب والسيطرة على المناطق والموارد، فروق كبيرة على مستوى الثروة والمكانة، غالبا ما تلعب المسميات والألقاب دورها في تأسيس الطبقية رغم التمظهر الديني، هناك من يملك كل شيء ومن لا يملك أي شيء! وسائل الإنتاج في بيئة الحروب تندرج ضمن ماله علاقة بملكية آلة الحرب (الأسلحة والجنود) ولكن الجميع يتشارك في الحصول عليها من خلال العمليات العسكرية، بحيث يخاطر الجنود بحياتهم مع ما يترتب عليه من ترك أبنائهم وازواجهم بلا معيل في سبيل ذلك، مع هذا التساوي في العمل أو بالأحرى أن من يخاطر غالبا من الطبقات المتدنية في السلم المادي ليحصد ثمار ذلك مجموعة من الرأسماليين -إن صح التعبير- أو أمراء الحرب الذين يعيشون رفاهية لا يمكن تصورها في مقابل البؤس الذي عليه أولئك الأتباع الذين تزداد الفوارق بينهم مع مرور الزمن.

 

يفتح هذا الباب للذين يرون في التملق اللفظي والسلوكي بحيث ترى أن الكل يحرص على المظهر الخارجي (اللحية والزي) سلما لبناء علاقة مع مالك وسائل الإنتاج، او الدخول في صراع معه على تلك المكاسب باعتبارها من حق الجميع، اما من عدم الحيلتين فلا شك سيبقى في الطبقات المتدنية والتي سيتم استغلالها مقابل بعض الدخل المادي الذي بدوره يكرس نوع من التبعية والارتباط قد تصل إلى نوع من العبودية لمالك لوسائل الإنتاج.

 

انطلق مما قرره “فيبر” عن المكانة والقوة باعتبارها بعدين آخرين في المفهوم الطبقي؛ في السياق الجهادي يعتبر الدين او نوع من القراءة له حجر الزاوية في البناء الداخلي، وتبرز أهميته كذلك باعتباره محوريا في عملية الحشد والتعبئة والتبرير لتحقيق أهداف الجماعة، ولكون الرمزية التي يمثلها في تلك البيئة يسعى البعض الآخر ان ينال كرسي من خلاله يبني لنفسه مكانة اجتماعية تقفز به إلى الأعلى على مستوى الهرم من خلال تمثله لدور الحامي للأيديولوجية والمنافح عنها والداعي إليها تحت سقف المالك لوسائل الإنتاج طبعا.

 

يعكس تملك وسائل الإنتاج قوة كبيرة بموجبها يقدم الكثير من الناس الولاء، ومن اختار غير ذلك ينال الحرمان فالكثير من الذين يختلفون مع تلك الجماعات او يجنحون نحو ما يرونه يخدم قضيتهم يعيش التهميش والإقصاء، لا شك أني بسبب انخراطي في الصراع السوري تسبب لي ذلك في أضرار كبيرة أبرزها محاكمتي في حال الرجوع إلى المغرب ضمن قانون الإرهاب.

 

ومع ذلك لم نحظ بأي تفهم لقضيتنا او دعم من شأنه أن يعزز خيار الوصول إلى أفضل المقاربات مع المغرب؛ بل اطلقوا العنان لبعض أبناء بلدنا المغفلين مقابل الطعن في تلك المبادرة او العمل على افشالها بشتى الوسائل؛ كانت الفكرة المقبولة أن نتشاور معهم (هتش) في طرح قضية الحوار مع النظام المغربي وأن لا نتجاوزهم، حتى الشباب المغاربة هناك أبدوا تحفظات كبيرة حيال الأمر، فمن يقدر على تبعات إعلان هكذا مبادرة في جو من الأفكار السلفية الجهادية الممتزجة بالنظرة الاستغلالية التي ترى في الأنظمة طاغوتا يجب الكفر به والبراءة منه وعدم الدخول معه في أي حوار.

 

فبقاء الشباب لا شك يخدم تلك الجماعات في صعودها الطبقي مقابل بعض الفتات وإضفاء بعض الألقاب على البعض منهم مقابل ضمان عدم خروج بقية القطيع او جنوحه نحو التمرد أو المطالبة بالحقوق.. تسبب هذا في وقوعنا ضحية للطبقية المقيتة، كنا نظن اننا نخدم قضية وليس شخص او جماعة، فلما تبين ان مصالحنا اختلفت اخترت الصواب في نظري، فتنكروا لكل تلك السنوات التي ضحينا وتبعاتها، رغم أنهم أسياد البرغماتية والبحث عن الحلول!

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

معضلة الطبقية في التيارات الجهادية




33 استراتيجية  للحرب (  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

33 استراتيجية  للحرب (  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب

(  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

نحو المعركة الفاصلة

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .. وليس بالسلاح فقط تُدعم الحروب .. صراع العقول أحد أهم المعارك التي يجب الإعداد لها على أرقى مستوى .. من يمتلك فيها القدرة على رؤية الصورة الكاملة وتحديد مكوناتها الأساسية والفرعية ومن ثم العمل على إعادة تفكيكها .. يمكنه أن يفسح المجال أمام مكوناته لشن غارات على روابط العدو الرئيسية والحساسة لتهشيمها ومنع عودتها كجزء من الصورة مرة أخرى ..

الفرقة ضعف .. والخذلان المتبادل خيانة .. وقلة الوعي جهل أقرب للحماقة .. وبهذه الحيل شتت الأعداء القوة الإسلامية ومازالوا يفعلون .. علينا أولاً أن نوحد هدفنا كأمة ومن ثم تحديد سبل هزيمته .. ولن يتم هذا بدون دعم متبادل من مكونات الأمة ..

لا تكتمل الصورة بشكل صحيح دون النظر أيضاً للصورة المقابلة لصورة الأعداء .. لسنا وحدنا ضد العدو القابع في شمال الكوكب .. هناك كثيرون عانوا ويعانون من القهر .. والتاريخ العنصري للمستعمر الأوربي والأمريكي مليء بالقهر والغطرسة والسلب والنهب لبقية شعوب العالم .. هذا القهر يجب أن يجمع المقهورين ويحشد جهودهم لإضعاف العدو ومن ثم هزيمته ..

الثقة المتبادلة بين أبناء الأمة حجر زاوية في الصراع .. البحث عن الروابط التي تجمع الناس وتحشدهم ضد العدو واجب الوقت .. ما يجمعنا بسكان الكوكب المقهورين أكبر بكثير مما يجمع دعاة الإلحاد والإباحية والحرية الكاذبة ..

لازال الكثير من أبناء الأمة أسرى لأنظمة الحكم وعلماء الملوك والأمراء وهيئاتهم الشرعية .. لكن أيضاً كثير من الغشاوة رفعت عن أبصارهم وقريباً يتحررون .. فأين يذهبون؟ ولمن؟وماذا يفعلون؟ من يوجه؟ ومن يعد؟ ومن يدعم؟ .. هل امتلك المجاهدون مثابة يأوي إليها الراغبون في التحرر الحقيقي؟ .. ألم ترقى التجربة الجهادية وأخواتها الإسلامية بعد؟!! .. على المجاهدين أن يبذلوا الوسع للانسجام مع أمتهم ومن ثم التعاون مع الناس الراغبين فعلاً في الحلم الإنساني بالتحرر من براثن الشيطان وخدامه .. ولقد حان الوقت لنهاية الحرب الأزلية في معركة زماننا الفاصلة .. ولن يتحقق ذلك إلا بالانصهار مع مجتمعاتنا ودعوة المستضعفين في العالم للتحرر ..

لا أبالغ حينما أقول أن الحملة الحالية هي الأكثر شراسة على المسلمين وعلى البشرية كلها.. ولقد خدعت فيها الدول كما خدعت الأحزاب والتيارات الراغبة في التغيير .. حينما خضعت لتقسيمات العدو وانقادت لها .. فرضيت بتقسيماته الجغرافية والقبلية وحتى الدينية والمذهبية .. كما نجح العدو الشيطاني بتقسيم الحرب إلى سلسلة من المراحل خاض معاركه فيها وقد حيد دعم الأجزاء التي قسمها لبعضها البعض وانفرد بكل جزء ليعيد تشكيله بما يخدم مصالحه.. ثم يتابع مع بقية الأجزاء لاحقاً قبل أن تنضج وتفهم حقيقة ما حدث؟! …. وهكذا تكرر تأكيد صحة القول المأثور “أُكلت يوم أكل الثور الأبيض” .. فهل نضج العالم المقهور والمستضعف بعد ليقف ويقاوم .. إنها معركة مشتركة مفروضة ويجب أن يخوضها كل المستضعفين في العالم .. إنها أشبه بحرب عصابات عالمية تدور رحاها على سطح الكوكب بكامله ضد مصالح التحالف ( الشيطاني – الصهيوصليبية ) لتتحرر الأمم والشعوب وتملك قرار الاختيار وصناعة مستقبلها دون ضغوط أو وصاية ..

بحيرا الراهب ينبه عم رسول الله صلَّ الله عليه وسلم من خطر اليهود على ابن أخيه أما ورقة بن نوفل فيبشر أمنا خديجة بنبوة زوجها ويكشف لهما عن طبيعة الصراع ويبدي لهما حرصه على نصرته ودعمه .. وكلا من بحيرا وورقة بن نوفل مسيحي .. المدقق لهذين الحدثين يجدهما صورة ناجحة للتعاون المحمود الذي ساهم بدرجة ما في نصرة الدين الوليد ..

 

في السرد الموجز التالي نموذج لما مارسه العدو في واحدة من معاركه ضد البشر:

حشد العدو ( الشيطان وحزبه ) طاقته وجهوده تحت شعارات براقة منذ اليوم الأول لبزوغ الدعوة للصد عنها؛ فقال “أتترك دين الآباء والأجداد” .. وحينما شبت الدعوة حاصرها في أحد الشعاب ثلاث سنين فلم يرتد منهم أحد .. فجمع شباب من مختلف العشائر ليقتلوا النبي صلَّ الله عليه وسلم فيتفرق دمه فلا يثأر له أحد .. فغافلهم النبي صلَّ الله عليه وسلم وهاجر إلى أنصاره .. فحشد العدو الجيوش وألبوا القبائل وشكلوا أحلاف فهزمهم الله وأظهر دينه عليهم .. وانطلق الإسلام خارج جزيرته فوجد أرضاً خصبة فامتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وحكم العالم لأكثر من ألف عام .. ونما على حضارته وعلومه كثير من أهل العصور المظلمة ..

حينما هَزم الرعيل الأول العدو ودحروه انكمش حتى يعيد دراسة الموقف ثم يبتدع خطة جديدة وعناصر جديدة غير تلك التي انهزمت .. فتسلل إلى قلعة الإسلام كما سبق وأن تسلل إلى الجنة التي طرد منها .. فواصل التحريش والتحريض وإيقاظ الفتن وبث الدسائس ومارس الخذلان والتثبيط واجتهد في البدع والتحريف وقلعة الإسلام صامدة .. ولما نجح في التفريق بين أبنائها تصدعت أسوارها .. وحينما اشتعلت المعارك بينهم ضعف صفهم .. ولما سقط نظام الخلافة السياسي نال منهم عدوهم ومزق وحدتهم وسلبهم خيرات بلادهم ..

وواصل العدو برامجه ضد الإسلام كدين والمسلمين كأمة واجتهد في عزلهم عن بقية البشر .. فحد من انتشار الإسلام وقلص من توسعاته وحجم فتوحاته .. وابتدع فرقاً وطرقاً أسروا الدين في ظلال من صنعهم .. وحتى التيار الذي يفتخر بصحة اعتقاده عزل نفسه عن الأمة لكثرة انتقاده لعثراتها دون أن يقدم بديل حقيقي .. وأسوء ما فعله العدو هو الطابور الخامس الذي وضعه في سدة الحكم ..

ومؤخراً عمل العدو على التخلص من القيادات الدينية والسياسية والجهادية إما بالحبس أو القتل أو التهجير .. كما حشدوا قوتهم وخاضوا حرباً لا هوادة فيها ضد التيار الأكثر فتكاً وتأثيراً .. فلما لاح لهم في الأفق أوهام النصر شنوا حملتهم على التيارات الأقل خطراً “المعتدلة!!” .. ولم يفوتهم أن يحضروا لحرب الدول ( أفغانستان ) التي يمكن أن تشكل نهضة لأي روح للإسلام .. خاصة بعد أن سقطت بين أيدهم أغلب الدول الإسلامية وتسلط على المسلمين خونة من بني جلدتهم .. يكفي أن يطلب منهم اليوم حاكم واشنطن أن يحرفوا الدين أو يرسلوا الأموال أو يسجنوا الصالحين أو يقتلوا الأحرار؛ يكفي أن يطلب فيلبوا !! ..

فإن انتهوا منها فالدور قادم للقضاء على الصور المعارضة لهم من المسيحية واليهودية وهي كعقائد ونظام هشة جداً .. وإن استغل العدو المسيحية اليوم في التحريض كما استخدمها من قبل لكنها غداً ستكون غرضاً يسعون للقضاء عليه ..

ومع أوهام السيادة المطلقة يواصل ساكن البيت الأبيض ووكيل إبليس مقامرته بتهديده للعالم أجمع حتى لأقرب حلفاءه الأوروبيين .. يطالبهم جميعا بتسديد الفواتير .. كما يحاصرهم بفرض القيود أو فض المعاهدات والاتفاقات .. وللصين وروسيا حظ وافر من تهديداته ووعيده .. والحبل على الجرار .. والحقيقة أنه أحمق مُسير يسدي خدمة عظيمة لأحرار العالم .. عليهم أن يقلبوا السحر عليه ويحاصروه هم ويعادوه هم ويفشلوا مقامرته .. هذا إن كان بالعالم أنظمة حرة وانتفت عنهم النفعية والأنانية .. وإلا فالشعوب قادمة تهدر لتهدم الأنظمة وتبني نُظمها رغم فداحة التضحية .. إنها الملاحم ..

 

تحريض الخصوم وتشكيل الأحلاف .. الحصار الاقتصادي .. الحرب بالوكالة .. القصف بعيد المدى .. إشاعة الفرقة والفتن في الصف الداخلي .. شراء الذمم .. الرؤى العقيمة لأمثال “مالتوس” ومن بعده “نادي روما” .. استخدام النساء .. حصان طروادة ….الخ كلها حيل ومناورات قديمة استخدمها العدو ويعاود تكرارها بما يناسب كل عصر ..

ولقد مارس العدو نفس المخططات مع بقية شعوب وعرقيات العالم .. ماذا فعل في شرق أسيا أو جنوبها؟ .. أو في المنطقة الإسلامية من العالم من المحيط للمحيط؟ .. أو في أفريقيا السمراء ؟ .. أو حجم الإبادة في أمريكا الشمالية وأستراليا؟ أو الشرايين المستنزفة في أمريكا الجنوبية ؟ ..

في الهند مثلاً قام باستنزاف أرضها وسرقة خيراتها ومازال .. وسخر شعبها فصنع منه كتائب عسكرية تقاتل دونه .. ثم قام بتقسيمها لعدة دول ليحقق عدد من أهدافه الاستراتيجية: ومنها إيقاف المد الإسلامي لشبه القارة الهندية .. ومنها غرس العداوة بين مكوناتها على أسس طبقية ودينية .. ومنها إبقاؤها سوق توفر الخامات لدعم الصناعة الغربية .. وتحول هو إلى حكم وقاض لفض النزاعات التي أوجدها ..

صورة أخرى أقل حجماً من الدول ولكن العداء واحد والخداع واحد .. ويمكن أن يطلق عليه “جزاء سنمار”؛ ما يفعله ابني زايد وسلمان ومن قبلهما ما فعله الملك عبد الله آل سعود  وبقية الحثالة في مصر بالإخوان المسلمين والتيارات السلفية بالجزيرة التي ثبتت لعقود الأنظمة الملكية في الخليج .. ولو تمكن المجرم حفتر ضحاً في ليبيا لوأد خدامه من الجامية قبل المساء .. وليس عجيباً أو مستغرباً أن الدول التي تعاني من ضغوط العدو اليوم هي نفسها التي اصطفت بشكل ما معه في مواجهة التيارات الجهادية .. التيارات الجهادية التي قاومت العدو المشترك ( الصهيوصليبي ) لسنوات وبقيت تحول بشكل غير مباشر بين هذه الدول والعدو الغادر ..

لقد كان العدو ماهراً في ترتيب أولوياته .. ولطالما كانت الفرقة والتحزب والعنصرية شر يقود مسيرة الناس .. لقد رتب العدو صفه وضع استراتيجيته .. ولطالما سقط الناس في متاهة الوقيعة وغفلوا عن الخطر المحدق بها .. ولبيان ذلك: على مستوى الجماعات استفرد العدو بالتظيمات الجهادية ثم انفرد بالإخوان .. وعلى مستوى الثورات أجهض بعضها ورتب صراعاً داخلياً في بعضها والتف على البقية .. وعلى مستوى الدول حاربها وقسمها فبالأمس غزا العدو أفغانستان واليوم يمارس ضغوطه على تركيا وإيران وغدا سيأتي الدور على البقية التي لم تعي طبيعة الصراع وخطورته ..

لقد نبهنا الحق سبحانه وتعالى لقضية استراتيجية في الصراع مع جند الشيطان وحزبه وبين لنا أيضاً سبل المقاومة والانتصار قال تعالى:{ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120} البقرة .. كما بين سبحانه حالهم عند القدرة فقال تعالى: { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ {8} براءة.. وأرشدنا أن دائهم يداوى بقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ {56} فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ {57} الأنفال .. وقوله تعالى: { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ {12} أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ {13} قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ {14} وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {15} براءة .. اليوم لا غنى لمسلم عن فقه سورتي الأنفال والتوبة ..

إبليس يقود المعركة ووضع فيها خلاصة خبرته للقضاء على الجنس البشري بتحويله إلى حيوانات همها المأكل والمشرب والجنس .. هذا ظن إبليس وأتباعه .. ولطالما كان خائب الظن .. وسيخيب ظنه اليوم أيضاً إذا انتبه جند الله لحقيقة الصراع وأحسنوا توجيه وتوحيد أمتهم وكل أمة مهددة بالخطر .. في اصطفاف تاريخي ضد قوى الشر والظلام ..

القضية أكبر بكثير من الأسماء التي تتطلع للمجد والسيادة .. ويعيشون وهم السلطة والزعامة .. فلن يكون ابني زايد وسلمان سادة أبداً فهما عبدان لعبيد الشيطان .. قريبا جداً لن يكون هذا التساؤل غريباً: متى يبدل آل سعود ألوان علم المملكة؟ .. علينا بضرب العبيد ولكن الواجب أن يكون التركيز الأكبر على عبيد الشيطان .. ولنستفد من تجربة عدونا في التقسيم والتجزئة والقتال ولنوجه طعناتنا الآن لكاهن الشيطان المتسلط على الأرض .. علينا بتركيز الضرب على الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في كل مكان .. في هذه المرحلة يعد إسرافاً صرف شيئاً من الجهود في اتجاه آخر ..

فهل نحن اليوم مستعدون عملياً للتحالف مع أبناء أمتنا المخلصين وتحريض البقية الباقية المقهورة من أتباع الأديان السماوية وأيضاً المستضعفين في الأرض من أبناء آدم ضد الشيطان وحزبه؟..

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب ( مقدمة / نحو المعركة الفاصلة )