12 سؤال من كابل (الجزء الخامس)

12 سؤال من كابل 

( الجزء الخامس)

فلسفة حروب المرتزقة .. وتناقضات بن زايد .

 

 

السؤال ـ 5

أول شرارة جذبتنى لحرب المرتزقة كان من موضوعك على الموقع . قلت عن شركات المرتزقة بأيدى الإمارات بمقالة طويلة جعلتنى أبحث أكثر عن شركات المرتزقة ودورهم فى أفغانستان. وفهمت أنها تجارة قديمة ولكن لأول مرة تكون منظمة وتدار فى دولة عربية مثل الإمارات . محمد بن زايد بذكاء فائق وبهذه الطريقة جعل نفسه شخصاً مهماً فى الحروب المعاصرة ، وإسمه مطروح بأهمية كبيرة جداً .

وأتعجب من تدخله فى أمور كثيرة أكبر من منطقته، ومن عدد سكان بلاده. وهذا يحتاج إلى طاقة وجرأة كبيرة جدا . وخاصة بعد الحصول على “عقود عمل” للمرتزقة فى أفغانستان واليمن .

لكن مالا أفهمه لماذا بن زايد أقحم نفسه ونظامه فى ألعاب قذرة كهذه . وهى ألعاب هو لا يساوى فيها شيئا ومن السهل إستبداله . وقد فعل الغرب ذلك مراراً .

هل إستطاع أن يزن الخسارة والربح فى هذا الميدان؟ . لم توضح كيف لهذا الشخص أن يقبل هذه المخاطرة مهما كانت كمية الأرباح . خاصة وأن الإمارات كانت معروفة بأنها دولة مسالمة بعكس الآن باتت معروفة بأنها دولة حرب .

 

إجابة السؤال الخامس

موضوع شركات المرتزقة ، وقبل أن يكون متعلقاً بالربح والخسارة ، فهو مرتبط بإستراتيجية دولية للقوة الأولى فى العالم(أمريكا) . وللمسألة جوانب فلسفية عميقة تتعلق بنظرة الغرب المتطور إلى الحياة ودور الإنسان فها .

فالإنسان الغربى عموما لا يقبل فكرة الموت ، وغير مُقبل على الحروب سوى تلك المضمونة، حيث الخصم لا يمتلك فرصة معقولة للدفاع عن النفس . يشعرون فى الغرب أنهم وصلوا إلى قمة الحضارة ، ويريدون البقاء فوق تلك القمة ، وأن يدفع باقى البشر تكلفة ذلك ، بما فيها تكاليف حماية النهب الإستعمارى . ويتفرغ الإنسان الغربى للتمتع بثمار الحضارة ورفاهيتها . وينشغل بالإنتاج الفكرى والفنى وتطوير تكنولوجيا راقية تمكنه من السيطرة والإدارة ، بإستخدم عقلة ومهاراته ، تاركا الأعمال الشاقة لباقى البشر المتخلفين بما فى ذلك النشاط القتالى . من هنا نشأت فكرة شركات المرتزقة ـ وخصخصة الحرب ـ كنشاط إقتصادى يقف الإنسان الغربى فوق قمته وفى يده التكنولوجيا والإدارة، وأبعد ما يمكن عن إحتمالات الموت.

وفرز الغرب لجيوش بلاده أكثر الأفراد هامشية من الطبقات الدنيا فى المجتمع أو الوافدين الجدد الباحثين عن إقامة أو فرصة عمل .

–  مهمة شركات المرتزقة هو وضع ذلك المفهوم الجديد للحرب ـ المفهوم الفلسفى والطبقى ـ فى إطار رأسمالى منظم، فكانت شركات المرتزقة التى تجمع سقط المتاع من البشر المستعدين لإحتراف القتل مقابل المال . وهم من مجتمعات فقيرة جاهلة إلى درجة لا تقبل أن تتعايش مع اى نوع من القيم الدينية أو الإنسانية التى تعارف عليها البشر.

 

أما إختيار أبوظبى كمستقر لأهم تلك الشركات فى العالم فيرجع إلى أسباب عديدة منها :

ـ لتكون الشركة بعيدة عن الأراضى الأمريكية، فلا تكون مطالبة بدفع ضرائب أو تقديم سجلات رسمية لأعمالها . ولن تكون مسئولة أمام القضاء الأمريكى بسبب أى تجاوزات جنائية أو جرائم حرب . وستكون بعيدة عن متطفلى الإعلام . ولتكون فى قلب منطقة الأزمات التى تحتاج إلى خدمات المرتزقة . وهى منطقة الخليج واليمن ـ والمنطقة العربية ـ وأفغانستان وشرق أفريقيا.

وهى مناطق غنيه بالحروب ـ أى بالتعاقدات القتالية المجزية . وسيكون على رأس أولويات تلك الشركات حماية أنظمة المشيخات وحماية المنشآت النفطية ، والمساهمة فى زيادة قمع شعوب هى مقموعة فى الأساس.

– ليس ذلك من إختيار أبوظبى ، فتلك الكيانات الخليجية/ والعربية عموما/ ليس لها وجود حقيقى ، فالقرارت تأتى من المستعمر الغربى ـ والآن من المستعمر الإسرائيلى الذى أستلم زمام قيادة الشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة ودول الإستعمار الأوروبى القديم .

الإحتياجات الإسرائيلة تقتضى وجود مركز رئيسى لشركات المرتزقة فى تلك المنطقة لتلبية مطالب الحروب فيها (سوريا ـ عراق ـ يمن ـ ليبيا ـ أفغانستان ) ولإسرائيل تواجد كبير فى كل تلك الجبهات ، ومعظم الحروب فيها تديرها إسرائيل عبر شركاتها للمرتزقة . وتدير بها مجالا واسعا لغسيل الأموال ونقل وتوزيع المخدرات ، وطرح أنواع مبتكرة  من المخدرات الصناعية.

ومشيخات الخليج سوق واسع لشركات الأمن الإسرائيلية، لتقديم الحماية للقصور الملكية ومنشآت النفط والمطارات والموانئ .. والأماكن المقدسة فى مكة والمدينة المنورة !!! .

 

تسأل عن مكاسب أبوظبى من الدخول فى ذلك المجال الخطر:

أولا / المكاسب المالية مضمونة ليس فقط من التعاقد المباشر، بل من المكاسب غير المباشرة التى ربما لا تُذْكَر فى التعاقد . مثل نصيب فى تجارة الهيروين وتوزيعه دوليا.

إلى جانب نشاط غسيل أموال المخدرات . وهو نشاط مربح أكثر من تجارة الهيروين نفسها . حتى أن الإزدهار المعمارى والتجارى / خاصة فى إمارة دبى/ يعود إلى نشاط غسيل أموال الهيروين الأفغانى . وبشكل عام إستفادت باقى المشيخات من نشاط غسيل الأموال . أما المقر الأساسى لغسيل الأموال فهو إسرائيل وربما هى الأكبر فى العالم . تليها الولايات المتحدة وبريطانيا ..  ثم آخرون .

– إن إختيار أبوظبى كمقر لشركات المرتزقة ، ومركزاً لغسيل الأموال ، إلى جانب نشاطات آخرى كثيرة إستخبارية ودعائية وثقافية ، فإن ذلك تكليفاً وليس إختياراً .

فالبقاء على كرسى الحكم له ثمن ، وتلك بعض أثمان ذلك الكرسى المقدس . ويقابله مكاسب منها أرصدة شخصية بالمليارات . وليس هناك الكثير من الناس يمكنه رفض عروض مغرية كهذه .

– كانت الإمارات مشهورة بأنها دولة مسالمة .. هذا صحيح عندما كانت وظيفتها تستلزم ذلك المظهر. فالنظام القَبَلي دموى بطبيعته، ورغم ذلك فهو الأكثر مطواعية للإحتلال الأوروبى ـ ثم اليهودى حاليا .

– أما محمد بن زايد فإنه مؤهل جيداً لدوره فى إدارة شركات المرتزقة الدوليين وتعاقدات الحرب فى الإقليم والعالم . وذلك بحكم تأهيله العسكرى الجيد فى بريطانيا . وهو شخصية أشتهرت بالنزاهة والإستقامة ، وأحياناً بالتدين، وله علاقات حسنة مع شباب الضباط فى الإمارات. فكان ذلك رصيدا دفع بمشروعه الإرتزاقى العسكرى خطوات كبيرة إلى الأمام . وربما هو الآن الأكثر قوة ونفوذا بين الحكام العرب ، وهو أقربهم إلى إسرائيل ، والأكثر إندفاعاً فى خدمتها . وحتى أردوغان رغم عظمة وإمكانات وتاريخ وشعب تركيا، إلا أنه عجز عن مجاراته فى النفوذ والقرب من إسرائيل.

أما بن سلمان ـ نظيره فى السعودية ـ فهو شخصية بلا مواهب ويعانى من الإعاقة العقلية ، مع قدرة غير عادية على إكتساب كراهية واحتقار الآخرين، حتى حلفائه فى واشنطن وتل أبيب.

– وهنا (تناقضات) كثيرة ومربكة . ولا أظنها قابلة لفك رموزها إلا بمرور الزمن.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world