12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

12 سؤال من كابل

(الجزء الاول)

 

مقدمة بين يدى الأسئلة :

وصلتنى رسالة من الإستاذ {إسماعيل} وهو إعلامى أفغاني مقيم فى كابول  . لديه أسئلة موجهة لي تحت عنوان  (12 سؤال .. لمصطفى حامد ) .

ولكننى وجدت أن العدد الحقيقى للأسئلة يتخطى ذلك العدد بكثير ـ وفى ذلك (تناقض) ـ وقد إشتكى صاحب الاسئلة من أنه ضبط تناقضات فى بعض مواقفى . ولكنه أوجد لى عذرا لأننا ـ حسب قوله ـ {نعيش فى زمن ملئ بالإضطرابات والفتن والحروب . زمن يختنق فيه الحق ويرقص فيه الباطل على عرش المقدسات. فالذين إدَّعُوا سابقا أنهم أهل الحق ، ويقيمون الحد على كل من يخالف الشريعة ، هم أنفسهم اليوم يتزاحمون على الخمارات وصالات القمار . وأتذكر وجوهم فى الحالتين } .

ويقول أيضا: {إن ما نراه اليوم ليس جديداً ، ولكننا كنا بعيدين جداً عن الصورة الحقيقية إلى حد الصدمة }. ثم ينقل تعليق لصديق له على حاله هذا : (إحمد الله أن ذهنك قد نضج ، ولكن يجب أن تدفع الثمن . وكل إنسان طيب أو شرير سيدفع الثمن وكل إنسان سيقرر مساره عندما يبلغ هذه النقطة ) .

ثم يعتذر بلباقة عن خشونة بعض الأسئلة ، أو صيغتها غير المجاملة ، معطياً لي الحق فى الرد أو عدم الرد على أى سؤال . وفى الحقيقة كانت الأسئلة وصياغتها مهذبة جداً . ولا يمكن مقارنتها بأسئلة وأساليب كثيرة وصلتنى من العالم العربى حيث بلاغة الهجاء لامست قاع الإنحطاط البعيد.

–  وبالنسبة للتناقض فى آرائى ومواقفى ، فلم أجد له أثراً فيما أورده من أسئلة . ولكن كما ذكرت فى مقدمة كتابى الأول (15 طلقة فى سبيل الله) فإن ما كتبته كان تسجيلاً للأحداث وأيضا للحالة الفكرية التى كانت سائدة بين العرب وقتها . وقلت أن العديد من آرائى تبدلت بمرور الزمن وتوالي الأحداث ، ومع تكشف الكثير من جوانب الواقع التى لم تكن واضحة فى البداية . وأننى أوردت آرائى كما كانت وقتها بما فيها من قصور أو أخطاء ، فلم أدعى الحكمة بأثر رجعى كما يقولون . وأظن أن ذلك ليس تناقضاً بل تطورا طبيعيا للأفكار، وهو ما يناقض الجمود والإنغلاق .

نبدأ الجولة مع الأسئلة القادمة من كابول العزيزة على قلوبنا . وكانت إجاباتى مستفيضة أحيانا ـ حتى يطول أمد اللقاء . وقد أجبت علي الأسئلة جميعا.

وتمنيت لو قضيت وقتا أطول فى الحوار الممتع .. بالنسبة لي على الأقل .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

12 سؤال من كابل …  (الحلقة ـ 1)

 

السؤال ـ الأول

قلت فى بعض الحوارات التى أجريتها أنك لست من القاعدة. ولكن الكثير من التحليلات والأخبار سواء المحلية أو العالمية يقولون أنك قيادى أو  مستشار أو مساعد أو كل ذلك .

– أنت ربطت نفسك عائليا مع القاعدة بزواج إبنتك من سيف العدل .وكان لك حضور فى جلسات كثيرة بها كبار القاعدة، وعشت بينهم. وأيضا بايعت الملا عمر نيابة عن بن لادن وكل القاعدة. كيف تشرح التناقض الموجود؟؟.

– من جهة أخرى بعض المحللين الذين يكلمونى يقولون لى : مصطفى حامد من أكبر مشاورى الطلبة، بدليل أنك كنت أول عربى يبايع الملا عمر نيابة عن العرب وعن نفسك. وحتى هذه اللحظة أنت إلى جانب الطلبة ومستمر معهم بأى وسيلة متاحة لك .

هل لك رد على هذه التحليلات ؟؟.

 

إجابة السؤال ـ1 :

علاقتى مع القاعدة ـ وحركة طالبان .      

أولا ــ علاقتى بالقاعدة :

كررت مرارا أننى لم أكن يوما عضواً فى تنظيم القاعدة . ولم يمنع ذلك من أن يكون مؤسسي القاعدة هم من أقرب أصدقائى . خاصة أبو حفص المصرى وأبوعبيده البنشيرى .

وهما المؤسِسَان التنفيذيان للقاعدة بداية من صيف1987 بتوجيه من أبوعبدالله (أسامة بن لادن). فمنذ عام 1985 عملنا كفريق فى منطقة خوست (لأول مرة تعمل مجموعة من العرب كفريق). نعمل مكتملين أحيانا ، وفى معظم الأوقات أعمل مع صديقى الشهيد عبد الرحمن المصرى منفردين. وأنضم إلينا لفترة (أبوالخيرالمصرى) الذى إلتحق بتنظيم الجهاد ثم بالقاعدة فى مرحلة متأخرة . وأفراد قلائل آخرين شاركونا أحيانا.

تعرفت على بن لادن شخصيا مع بدايات1988 وتكلمنا خلال عدة جلسات عن جهاد أفغانستان وعن نظرية حرب العصابات التى كانت مدهشة بالنسبة للعرب ويرونها غير قابلة للتطبيق.

ومثل كثيرين غيرى ممن قابلوا بن لادن فأحبوه وقدروا صفاته الرائعة، التى نادرا ما تجتمع فى شخص واحد ، فقد إعتبرت أننا أصبحنا أصدقاء مقربين ، وذلك يرجع إلى كرم أخلاقه.

وكأصدقاء قريبين كنا نتزاور ونتشاور ونتناقش. نتفق أحيانا ونختلف أحيانا أكثر ، وكانت علاقاتنا تتوثق بإستمرار . لم تهتز لكثرة الخلاف فى وجهات النظر حول تقييم جهاد أفغانستان والجهاد عموما . وكنا نتشاور حتى فى المسائل الشخصية والعائلية . وقد شاورتهما فيما يتعلق بزواج بناتى. وأخذت بمشورتهما بداية من زواج أبنتى الكبرى بسيف العدل الذى كان قد إلتحق حديثا بالقاعدة فى عام 1990 تقريبا.

لم تتوتر العلاقة إلا بعد التهديد العلنى العنيف الذى وجهه بن لادن للولايات المتحدة قبل عملية سبتمبر ـ وقد ذكرت لقائنا الأخير بتفاصيله تحت عنوان وداعاً قندهار فى كتاب صليب فى سماء قندهار . واستمر خلافى شديدا مع عدد من منتسبى القاعدة ، الذين لم تشملهم العلاقات التى كانت تجمعنى مع المؤسسين الثلاثة : بن لادن/ أبوحفص/ أبوعبيده . فلم تسنح فرصة لتوثيق العلاقات الشخصية معهم، لا فى الحياه العامة ، ولا فى الجبهة التى تبنى أقوى العلاقات بين المجاهدين .

ــ لم يكن فى خلافاتنا أى عنصر شخصي ، بل كنا أقرب الأصدقاء ، لهذا ظن أكثر من نظر إلينا من الخارج أن الذى يجمعنا كان رباطاً تنظيمياً وثيقاً . وأننى ربما كنت قيادياً أو مشاوراً أو أى منصب تنظيمى آخر . لقد كانت علاقتنا أقوى وأرقى من كل ذلك. رحمهم الله جميعا ، فقد تركوا خلفهم عالماً خالياً إلا من الأشباح .

 

ثانيا ــ علاقتى بحركة طالبان :

حسب متابعاتى فإن طلبة العلوم الشرعية (طالبان) ظهروا خلال الحرب السوفيتية فى تجمعات صغيرة فى بعض الجبهات ، ولم يكن لهم تنظيماً خاصاً ، بل إنتموا إلى تنظيمات جهادية قائمة، أولها تنظيم إنقلاب إسلامى (مولوى نصر الله منصور) . وإنقلاب إسلامى (مولوى محمد نبى محمدى) ، وحزب إسلامى (يونس خالص ). وقابلت الكثير منهم فى جبهات مولوى جلال الدين حقانى . هؤلاء الشباب وشيوخهم الذين تمكنت من رؤيتهم ، ومجموعاتهم المجاهدة، هم من أعطونى ثقة غير محدودة فى مستقبل الإسلام فى أفغانستان .

وأول قادتهم الكبار الذين قابلتهم كان مولوى إحسان الله إحسان . وكنت أعتبره قائدا مثاليا ذو فكر إسلامى عميق ورؤية سياسية شاملة ونافذة . قابلته أولا فى خوست بعد أن دخلتها قوات طالبان تحت قيادته فى عام 1995 . ثم قابلته ومعى بن لادن ومجموعة صغيرة من العرب فى غرفة ضيقة إلى جانب أحد سلالم (القصر الجمهورى) فى كابل . كنا مكدسين فى غرفة مزدحمة بالكتب وكان الفصل شتاءً . وحدثنا الشيخ حديثا لم نسمع مثله قبلاً ، وجميعنا خرجنا بأعين باكية ، وعرق يتصبب . وظننت أن لهذا الرجل دور كبير فى المستقبل . ولكننا والإسلام والأفغان خسرناه فى الحرب الأهلية فى محافظة بغلان . وقد ذكرت التفاصيل فى كتاب (صليب فى سماء قندهار).

– طالبان وبطولاتهم التى عاصرناها كانت كثيرة جدا فى مرحلة الحرب مع السوفييت لهذا عندما ذهبت لمبايعة الملا عمر ـ رحمه الله ـ أميرا للمؤمنين ، لم أكن ذاهباً إلى المجهول ، بل متوجها صوب أمل طال إنتظاره . ورغم قصر مدة تعارفنا، وقلة المناسبات التى جمعتنا ، شعرت دوما برباط قوي يربطنى مع هذا الشخص النادر ـ ولا أشك أن كثيرين جدا قد إنتابهم نفس الشعور تجاهه .

ومع المجموعة القليلة الذين عرفتهم من حركة طالبان شعرت بالأخوَّة الوثيقة التى تربطنا منذ أيام الجهاد الأولى والمعارك مع الشيوعيين والسوفييت . لهذا لم تكن هناك عقبات فى تبادل وجهات النظر فى مسائل عديدة ـ بعضها هام ـ بدون أن يكون ذلك موصولا برباط تنظيمى، فهناك ما هو أقوى من الرباط التنظيمى، وهو الأخوَّة التى تربط المسلمين، إذا أتيحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق معانيها.

وبمعنى آخر كانت علاقتى بحركة طالبان ـ وأمير المؤمنين ـ إمتدادا لعلاقتى بالقاعدة وأسامة بن لادن من تلك الناحية. وليس ما يهذى به (محللون ومتابعون من هناك أو هنا). فأكثر أقوالهم تعبر عن أمراض العصر الحالى وتشوهاته الفكرية ، التى إنتقلت من الغرب إلى الشرق المسلم.

 

لماذا بايعت الملا عمر ؟ ونيابة عن مَنْ ؟

كانت هناك عدة نقاط تمثل مصدر ثابت للإختلاف بينى وبين المجاهدين العرب عموما وعلى وجه أخص الأصدقاء الثلاثة : بن لادن ـ أبوعبيده ـ أبوحفص . من تلك النقاط : دور العرب فى أفغانستان ـ وأفضل أسلوب لمشاركتهم القتالية ـ وخطورة التوتر المذهبي الذى يوقد نيرانه الوهابيون والسلفيون العرب . حتى وصلنا لمرحلة إنتهاء الحرب ودور العرب القادم إلى أفغانستان بعد التحرير .

لم نصل إلى حل لإختلاف وجهات النظر ، ولا حتى تقارب ـ ولاحاجة للقول أن ذلك لم يكن ليؤثر فى علاقتنا الأخوية المتينة ، ولا تبادل وجهات النظر فى كل شئ ، مهما كانت درجة الخلاف أو الوفاق فى كل موضوع .

– كنت منذ البداية المبكرة جدا أحذر من إستطعت من المجاهدين العرب أننا سوف نقع ضحية الغدر الدولي فى نهاية المطاف ، عندما ينتهى الإحتياج إلينا فى أفغانستان . وقتها سوف نُعْتَقل ونُسجَن ونُقتَل ، ويشوهون سمعتنا بكل الطرق. فاعتبر أكثرهم ذلك إغراقا فى التشاؤم ، أو تثبيطاً عن الجهاد . تكلمت عن الفساد المستشرى فى أحزاب بشاور، وسلوكهم المُعْوَج فى الجبهات، فأضافوا لي إتهاماً جديداً هو العمل ضد الجهاد . وإتهمنى (سياف) فى حديث مع برنامج إذاعى سعودى بأن (مايقوله “فلان” ـ يقصدنى ـ وما يقوله راديو موسكو يخرج من مشكاة واحدة ) ـ وانتشر إلى حد ما إتهامى بأننى شيوعى متخفى يعمل على تخريب الجهاد. والطريف أن صفوة من اليساريين العرب ، وبناءً على مقالاتى فى صحيفة الإتحاد الإمارتية ـ إتهمونى بأننى عميل أمريكى فى أفغانستان يعمل لصالح الإمبريالية الإمريكية.

وهكذا فى نفس الوقت تلقيت إتهامين متضادين ، أعمل فيهما ضد الإتحاد السوفيتى والولايات المتحدة ـ كعميل مستأجر ـ فى أفغانستان !! .

حذرت إخواتى المجاهدين وفى طليعتهم قيادات القاعدة وإقترحت عليهم الإستمرار فى أفغانستان وتشكيل قبيلة عربية ـ تدير شئونها بنفسها إلى أن تنتظم دولة إسلامية. فنُساهِم فى بناء البلد وندافع عنه بدون أن نثقل عليه من أى ناحية .

والنتيجة : لم يستمع أحد . وبعد فتح كابول بدأ العرب يغادرون باكستان أفواجا تطاردهم قوات الأمن الباكستانية ، يدعمها طيف واسع من أجهزة المخابرات العربية .

بشكل عام كان فتح كابول فى أبريل1992 إيذانا بعودة العرب إلى أوكارهم القديمة، والشروع فى تجارب جهادية جديدة لم تكن سعيدة ولا ناجحة ، بل ذاخرة بكافة دروس التجربة الأفغانية التى أسئ فهمها. إلى أن عاد بن لادن إلى جلال آباد ، مُبْعَداً من الخرطوم فى مايو 1996 .

فبدأ رجوع العرب أفراداً وجماعات . بعضهم إلتف حول بن لادن وآخرون فضلوا الإستقلال . والجميع يعمل بنفس طريقتهم القديمة فى بيشاور. أوضاع أفغانستان لم تكن تحتمل ذلك، لكن فكرالعرب كله كان منحصرا فى تنمية جماعاتهم، مع قليل من الإنتباه إلى أفغانستان نفسها.

وقتها طرحتُ فكرة مبايعة ـ أمير المؤمنين الملا عمر ـ والإندماج فى الحالة الإفغانية بدلا من هذا المسار الخطير من التشرزم . فقال العرب أن الإمارة الإسلامية هى دولة أفغانية ـ وأمير المؤمنين ـ هو أمير على الأفغان فقط . فى الحقية كانوا يدافعون بإستماتة عن إستمرار تنظيماتهم، فى حالة التشرزم والخلاف التى أصبحت طبيعة تلازمهم وتتقدم على ما سواها، حتى على مصالح الإسلام والمسلمين.

شعرت بالخطر الكامن خلف تلك المفاهيم ، فقررت أن أثبت لهم العكس فتحركت من كابول إلى قندهار ، وقدَّمْتُ بيعتى للملا محمد عمر رحمه الله . ثم حاولت إقناع العرب بالبيعة فماطلوا لأسابيع حتى وافق بن لادن على أن أذهب أنا وأبايع الملا محمد عمر نيابة عنه ، وفعلت . وبعدها لا أدرى كيف بايع الآخرون ومتى . فقد إنتهى دورى فى موضوع البيعة عند ذلك الحد.   ولكن لاحظت إبتعاد العرب عني تدريجيا ـ بدون أسباب ظاهرة. وعلمت أننى “متهم” بينهم أننى(طالباني) ولست (عربيا ). وكان ذلك على ما أظن آخر “إتهام” أصاب به فى أفغانستان .

– بعد التشرد وسقوط نظام الإمارة بالغزو الأمريكى ـ وكتاباتى عن أخطاء العرب والقاعدة فى أفغانستان. ودورهم الضار والخطير فيما جرى من أحداث إنتهت بإحتلال البلد وسقط الإمارة ، تحت مظلة وفرها هجوم 11 سبتمبر ، عندها بدأت إتهامات من نوع جديد ، وهو أننى شيعى واقع تحت سيطرة (إيران) ـ خاصة وأننى خُضتُ حوارا فى موقع “مافا” شارك فيه لأول مرة شيعة من أفغانستان إلى جانب إعلاميين من حركة طالبان. وتلك كانت خطيئتى الكبرى فى نظر بقايا القاعدة وجحافل السلفية الجهادية ـ وهى خطيئة غير قابلة للمحو أوالغفران .

 

صهر سيف العدل:

ضمن لائحة الإتهام التى يوجها لي الإعلام الحكومي العربي، والدولي ـ هو زواج إبنتى من سيف العدل. ويعتبرون ذلك قرينة لا يمكن دحضها على صحة ما ينسجونه من أكاذيب حول علاقات، جنائية وتآمرية . بإعتبار أن أى شئ يتعلق بي أو بالقاعدة أو بالمجاهدين عموما هو نوع من الإجرام والإرهاب والتآمر الخفى . وأن أوثق المعلومات عن حقيقة أحوالنا ونوايانا هو تقاريرهم الإستخبارية المخمورة .

 

كمين متفجرات .. سبباً للمصاهرة:

تعرفت على سيف العدل قبل أشهر من زواجه بإبنتى . لم يقدمه لى أحد للتعارف ، بل هو قدَّم نفسه لي عبر كمين بالمتفجرات”!!” ، إستهدفنى ذات مساء أنا ومجموعتى بينما نحن متجهين صوب الخط الأول، للإشتباك ليلا مع مطار خوست .

فبينما نحن  فى (بيك أب) متهالك وسط وادى ضيق جدا بين تلال تكسوها الشجيرات ، ويخترقه جدول ماء صغير ، دوى إنفجار ، وطارت إحدى الشجيرات لتستقر أمام السائق على الزجاج الأمامى . ركاب الصندوق الخلفى ـ من شباب المجاهدين الأفغان ـ كانوا فى لمح البصر تحت السيارة ، وأنا ظللت متجمداً إلى جانب السائق فى شجاعة مصدرها حصولي على معلومة مبكرة بوجود كمين قبل أن نتحرك بالسيارة. أمدنى بالمعلومة أحد شباب القاعدة المتعاطفين مع مشروعنا على مطار خوست. أعقب الإنفجار شلال من الطلقات السريعة ـ فى الهواء طبعا ـ ثم تقافز أصحاب الكمين للإطمئنان على سلامتنا، وأصروا على أن نتناول الشاى معهم فى غرفة معلقة فوق جرف يشرف على المكان.

وكان يقودهم شاب ذو ملامح شرق آسيوية ـ بأعين ضيقة ماكرة ـ وإبتسامة بريئة لمتآمر محترف. كان خفيف الحركة نشيطاً ضاحكاً ـ أحببته كثيرا رغم غدره بمجموعتى . وقلت فى نفسى إن هذا الفتى محارب أصيل، ينتظره مستقبل كبير لو أنه ظل حياً .

بعد أشهر تقدم للزواج من أبنتى ـ ولم أكن فى حاجة لمشاورة أحد ـ لولا محبتى لعمالقة القاعدة أبوعبيدة وأبوحفص ـ فقد إستشرتهما فى أمر الزواج فوافقا على الفور .

–  واضح من هذه القصة العجيبة أنه لم يكن زواجاً سياسيا بينى وبين القاعدة ، بل كان كمين بالمتفجرات ـ كان يستهدف فى الأصل أبوعبيده وأبوحفص ولكنه أصابنى ومجموعتى . فكان سببا فى المصاهرة ـ وسببا فى كمين آخر قام به سيف مع واحد من أشجع مقاتلى القاعدة وهو أبوإسلام ـ شهيد الشيشان ـ لتدمير دبابة للعدو تستحكم فوق جبل فى خط الدفاع الأول . وذلك بناء على إقتراحى الذى وافق عليه مولوى جلال الدين حقانى. وقد فشل الكمين فى تدمير الدبابة المستهدفة لكنه وثق علاقتى بإثنين من أفضل شباب القاعدة وقتها، وهما الشابان سيف العدل وأبو إسلام . أما الدبابة فقد غنمها المجاهدون سليمة فى معارك فتح خوست.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world