33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

بسم الله الرحمن الرحيم

8- استراتيجية الاقتصاد في القوى

الاقتصاد لا يعني الشح أوالتبزير فكلاهما قد يكون سببا في الاخفاق .. الاقتصاد هو الإحسان في إدارة الموارد والإمكانات .. ليس ما تملكه هو الذي يحقق لك النصر بل كيف تستعمله .. الوفرة والثراء يفقدان الاحساس بالحدود .. المجاهدون معنيون بالواقع وحدوده .. حين تملك أقل فستتعلم كيف تحسن استعماله وعندها يصبح الزمن حليفك ..

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا {29}

أن تحلم بما تريده ثم تحاول العثور على الوسائل لتحقيقه هي وصفة جاهزة للانهاك والهدر والهزيمة .. السعي المبكر لامتلاك ما هو عند العدو يحولك لنسخة أضعف وستفقد روح الابتكار .. ابتكر وامتلك من الفكر والوسائل ما يفقد قوة العدو زخمها ويحيدها في الصراع .. فكر فيما لديك واستعمله بمهارة ..

 

 

الاقتصاد في القوة أحد أهم مبادئ الحرب .. والتاريخ ملئ بالعبر لقادة بارعين في الحرب .. ورغم انتصارهم في كل المعارك إلا أنهم خسروا الحرب لعدم مراعاتهم لهذا المبدأ واضطروا إلى التوقف والانسحاب .. هذه الانتصارات التي بطعم الهزيمة أو الموازية للهزيمة يطلق عليها ( نصر بيروسي ) .. فرغم أن الملك بيروس انتصر في معاركه على الرومان إلا أن تكلفة هذه المعارك كانت كارثية .. فالقوات التي انتصرت لم تعد كافية لشن حملة تحسم بها نتائج الحرب مما اضطرها لإنهاء الحملة .. وأهم عناصر التكاليف كان في أعداد القادة أصحاب الخبرة والتجربة الذين قتلوا في الحرب .. هذه تكلفة لا يمكن تعويضها في الحال ..

قبل وأثناء سير المعارك هناك إشارات ترشد وتنبئ بما هو ممكن أو ما هو متوقع .. تقارير وحدات الاستطلاع والمخابرات عن قوة العدو أو فساد الحلفاء فيها إرشاد لاستغراق وقت أطول في الإعداد للمعركة أو لتأجيها وحتى إلغائها واستغلال القوة المتاحة لتهيئة أجواء التفاوض لتحقيق تسوية مناسبة .. وفي الحرب حساب التكاليف من أهم تلك الإشارات التي يجب أن تلهمك متى تستمر ومتى تقف .. عندها يمكنك توفير مواردك ومعداتك وتحافظ على الخبرات والأرواح ..

القائد الذي لا يتمكن من ضبط نفسه وكبح جماحها وينساق وراء حظها وينصت لتزيين الحلفاء ويستدرجه إغراء الهدف والمكاسب المحتملة ويرى فقط ما يريد رؤيته .. ويتعامى عن المصاعب والخسائر المحتملة أو يظن وجود إمكانية لتعويضها .. وكلما مضى في أوهام اليقظة أبعد متجاهلا الحسابات والتكاليف كلما توغل في منحدر الخسائر وارتكب المزيد من الأخطاء .. التي تقود لمعضلات جديدة تتسبب بتكاليف جديدة لم تكن في الحسابان .. وأي نصر يتحقق بتكلفة عالية في الأرواح والمعدات والموارد لا معنى له ..

أضف لذلك هناك حسابات غير منظورة وأخرى غير ملموسة ولكنها باهظة الكلفة .. منها تهديد الاستقرار الاجتماعي للحاضنة أو الشعب .. فقد الرصيد السياسي الطيب .. ضياع الوقت والذي كان يمكن استثماره لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر وأعمق .. استهلاك وهدر الموارد بلا فائدة ترجى أو تعويض مناسب .. الحالة النفسية للأمة التي راهنت على قدراتك .. رغبة الثأر لدى الكثيرين الذين تجاهلتهم أو قمت باستغلالهم وخذلتهم وحتى أؤلئك الذين خسروا في المعركة .. التاريخ والناس لا يرحمون من يتجاهل التكاليف .. قم بحساباتك اليوم كاملة وأحسن التحضير لتقاتل في يوم آخر ..

ستظل قائمة الأعداء واضحة في عين القيادة التي تبصر أيضا الأعداء الذين يتخفون في لباس الحلفاء والأصدقاء .. أي كيان أو شخص لديه ثلاث قوائم أساسية: قائمة الأصدقاء والموالين .. قائمة المحايدين المتربصين .. قائمة الأعداء الألداء .. والحكيم من يراقب حركة القوائم ليزيد من عدد الأصدقاء ويقلل من عدد خصومه .. ويدرك أن الانتقال داخل القوائم من أعلاها لأدناها أو الانتقال من قائمة لأخرى يعتمد بالدرجة الأولى على قدراتنا الذهنية والنفسية لإدارة الصراع .. فنحن لا ننزلق لأي صراع ما أن تُدق طبوله .. فهناك مسيرة طويلة يجب أن نخطوها قبل أن ننخرط في الحرب .. وعندما يتوجب علينا خوض الحرب فلا بد أن يتم ذلك وفق شروطنا ..

الوقت هو العنصر الأكثر أهمية والذي بحسن استثماره يمكننا من بناء أنفسنا في مقابل زيادة عناصر التفتت في منظومة العدو .. دراسة العدو وإدراك نقاط ضعفه المخفية وراء قوته العاتية عنصر لا يقل أهمية عن الوقت ففي ضوء ذلك يمكننا من بناء استراتيجية ناجحة لإدارة الصراع فالنصر في الحرب يتحقق بمحصلة القوتين الخشنة والناعمة .. الاستخبارات الفعالة عنصر آخر في طريق النصر والسعي من خلالها لمعرفة نوايا العدو لا يقل أهمية عن معرفة عناصر قوته وضعفه الظاهرة .. مع دفع العناصر الذكية “الدهاة” إلى المناورة النفسية عالية السرية لتخذيل الأعداء وغرس بذور الشك بينهم وتهيئة مناخ من انعدام الثقة لفك تحالفهم ( نعيم بن مسعود نموذجاً ) .. العمليات النوعية كاملة السرية لضرب مفاصل العدو لتعميق نقاط ضعفه وإثارة كبرياء الخصم تزيد من حدة تفاعل عملية التفتت الداخلي لمنظومة العدو .. بناء القوات العسكرية المناسبة لخوض الحرب لا علاقة له بالحجم والضخامة وإنما بالحركية والقدرة على المناورة في ميادين الحرب المختلفة .. لنتخيل صورة نبي الله “داوود” عليه السلام وهو يواجه بالمقلاع العملاق المدجج بالسلاح “جالوت” ويصرعه به { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ }.. الحرب الاعلامية لخلق اضطراب في مناخ الرأي العام الداخلي لجماهير العدو تتسبب في أزمات داخلية ( من المعارضة السلبية إلى الثورة الحقيقية ) مما يدفع العدو لتوجيه جهوده للسيطرة الداخلية فينشغل بها عنا .. أو خلق مناخ ضاغط لإيقاف الحرب ( الجنرال جياب فيتنام ) مما يمنحنا مزيداً من الوقت .. أو دفع الإعلام لاستعراض عدالة قضيتنا وصدقها ونبلها وأنها لخير البشرية جمعاء بلا تمييز، ولبيان تعدي وظلم الأعداء وفسادهم وجشعهم لإشباع شهواتهم المادية التي تدمر البشرية جمعاء .. المبادرة إلى المناورات الاقتصادية لفك تحالف الأعداء أو تحييد بعضهم ( مقترح عرض ثلث الثمار على غطفان خلال أجواء غزوة الأحزاب ) .. الضربات “العسكرية الاقتصادية” للبنية المالية الهشة لأي عدو تستهلكة وتستنزفه وتنتف ريش زهوه ريشة ريشة .. المعارك العسكرية والضغوط الاقتصادية والحيل النفسية والقلاقل الاجتماعية والاضطرابات الأمنية والهجوم الإعلامي هي أدوات بيد القيادة السياسية تديرها وتناور بها وفق الاستراتيجية “الخطة العليا” التي تعمل على تحقيق الهدف العام للصراع وفق مراحل متتالية .. من المهم أن نفقه المرحلة التي نمر بها لنحقق أهدافا متتالية تشكل مرتكزاً لبعضها البعض لبلوغ الهدف العام .. ففي مرحلة الضعف نهدف لتحقيق توازن استراتيجي واقعي مع العدو .. وفي مرحلة التوازن نهدف لتحقيق تفوق استراتيجي على العدو .. وفي مرحلة الحسم نعمل للقضاء على إرادة العدو القتالية .. وهذه المراحل طال وقتها أو قصر مرتبطة عضويا بالصراع أي كانت استراتيجيته أو وسائطه ..

الاقتصاد بالقوة يعني ترشيد الصراع وذلك بدفع القوة المناسبة بخطة مناسبة لتحقيق هدف محدد .. فلا يستخدم السيف في موضع العصا .. فإذا أحسنا إدارة الصراع وترشيده من خلال التزامنا بالشروط السابقة فإن كثير من الأعداء بمرور الزمان يفضلون الانتقال إلى قائمة الحياد وبمزيد من الوقت ينتقلون منها إلى قائمة الأصدقاء .. علينا الاهتمام بالوقت لفسح المجال أمام المناورات السياسية وأدواتها لضخ مزيد من القوة الناعمة واستعراض القوة الخشنة سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور ..

إن البدهية العسكرية ( هاجم نقاط ضعف العدو بنقاط قوتك ) إذا اعتمدنا مبدأ الاقتصاد في القوة تدعونا لجعل الحرب للعدو أكثر كلفة كما تدعونا للعمل على إبقاء كلفة الحرب منخفضة من خلال تبني استراتيجية واعية وواقعية يمكن تطبيقها .. لا توجد قوة في العالم ليس لها نقاط ضعف غير محمية أو غير متطورة .. حتى ضخامة القوة وتكاليفها العالية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف تهزمه ( الاتحاد السوفيتي ) .. المطلوب أولاً: تحديد نقاط ضعف العدو والعمل عليها ومنها: عدم الاستقرار السياسي الداخلي .. التفكك الاجتماعي والانحراف الأخلاقي .. التعددية العرقية والنزاعات بينها .. الموارد الاقتصادية الضعيفة .. جنون العظمة عند قائده .. تحيد داعميه الاقتصاديين أو ضرب المرتكزات التي تدعم اقتصاده بضرب طريق الحرير البحري للبضائع التجارية وللنفط ثمرة عمليات النهب التي تدعم اقتصاده ( الولايات المتحدة الأمريكية ) .. والمطلوب ثانياً: إبقاء نقاط ضعفك الخاصة خارج المعركة وتحفظ قوتك على المدى الطويل ..

حين نكشف نقاط ضعف أعدائنا ونستهدفها ستمثل ضربة كبيرة تحط من معنوياته .. وترهقه .. وساعتها ستنكشف لديهم نقاط ضعف جديدة لا بد من استثمارها .. وهكذا ..

يمكن فهم مبدأ الاقتصاد بالقوة من خلال عقد مقارنة بين نفسية المجتمعات البشرية الفقيرة وأسلوب إدارتهم لما لديهم وبين نفسية المجتمعات البشرية الغنية وأسلوب إدارتهم لما لديهم .. الاحساس بالحاجة وإدراك الواقع والحدود يدفعنا لحسن استثمارها .. فقد هذا الاحساس يدفعنا للحياة داخل أحلام اليقظة حيث لا واقع ولا حدود .. الحالمون بالسيطرة ( بن زايد وبن سلمان ) يتوهون في أوهام يقظة وينفقون مدخرات الأمة على أعدائها لتحقيق أوهامهم وسيفيقون منها حين يستبدلون إن شاء الله ولا مستقبل لهما .. المجاهدون المتفاعلون مع الواقع ( باليمن والصومال ) عليهم ألا يتركوا الانهيار القادم يسقط بيد عدو الله والأمة الحلف اليهودي الأمريكي وعلى المجاهدين أن يحضروا أنفسهم ويجتهدوا للسيطرة واستثمار الفرصة .. علينا أن نركز على ما هو بين أيدينا وأن نحسن إدارته .. متى نظهر ومتى نختفي .. متى نكثف الضربات ومتى نقتصد فيها .. التحرر من النظر تحت أقدامنا لنبصر إلى حدود الأفق وندرك ما وراءه .. التعلق بالانفاق لتوفير امكانات تشابه امكانات العدو تستنزفنا وتستهلكنا وتحولنا إلى نسخة مصغرة منه تلعب في ميدانه ووفق تكتيكاته وبإمكانات محدودة تسبب هدر الموارد كما تؤدي إلى انتكاسات لا تنتهي ( الشام ) .. الاستفادة مما هو بين أيدينا وفق استراتيجية وتكتيكات تناسبنا تحول ضعفنا إلى قوة مهما طال وقت الصراع ( الصومال ) .. حينما يملك العدو التفوق الجوي؛ علينا أن نمتلك التفوق الأرضي من خلال هجمات نوعية تحط من معنويات العدو وتخلق رأي عام مناصر لايقاف الحرب ( فيتنام ) ..

الاستراتيجية هي موازنة بين الوسائل والأهداف .. لابد أن نضع في اعتبارنا المعطيات لنا ولجيش العدو .. التناسببين بين الجيشين إذا كنا نخوض حرب نظامية .. الانسجام بين قوتنا والأرض التي سنحارب عليها .. استعمال الخداع من خلال جمع المعلومات المخابراتية والتنفنن في الدعاية .. الروح المعنوية لجنودنا .. استثمار الطقس .. الامتيازات السياسية المتوفرة .. كل هذه العوامل لا تضع أساس للخطة فقط بل تحدد النتائج التي يجب تحقيقها من المعركة ..

ما يجعلنا ننتصر في الصراع ليس تراكم القوة العسكرية .. ولكن أولاً: إيماننا بالله والتزامنا بشريعته وروحانيتها وإحسان التوكل عليه سبحانه { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .. ثانياً: المنهج الإسلامي ( السليم من الإنحراف والتمييع ) ونموذجه البشري الذي يقود الصراع بإنسانية ورقي والمطروح كبديل للمنهج الاستغلالي السائد ونموذجه البشري الشاذ .. ثالثاً: اجتهادنا في عالم الأسباب بالسعي لتحصيل أسباب القوة حسب الاستطاعة { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .. رابعاً: فهمنا لعدونا واستثمار نقاط ضعفه وحسن إدارة الصراع باقتصاد لتعميقها وتحضيره للإنهيار ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world