مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

0

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثاني )

دور التمويل فى إنحراف العمل الإسلامى

والعلاقة بين سماسرة السياسة وبغال التحميل

 

مقدمة فى النقد الذاتى :

بإستثناء الحركة الإسلامية عامة والجهادية خاصة ، لا توجد مؤسسة فى العالم ـ مدنية أو عسكرية ـ ليست فى حاجة إلى تقييم أعمالها وإعادة النظر فى أساليب عملها، على ضوء النتائج التى تحققت والتجارب التى مضت .

– الفريق سعد الدين الشاذلى ـ رئيس أركان حرب القوات المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 ـ والمهندس الحقيقى للإنتصارات التى تحققت فى بدايتها، والضحية الأولى للأخطاء المتعمدة التى إرتكبها السادات حتى يكسر الجيش المصرى، ليبدأ مفاوضات مع إسرائيل من وضعية المنهزم، فى نهاية حرب حقق الجيش فى بدايتها مكاسب كبيرة .

– نجحت خيانة السادات، والنتيجة ظاهرة للعيان فى أحوال مصر ، تحت حكم جنرالات من سلالة السادات، مع تمادى فى الجهل والغرور.

– أقوال الفريق الشاذلى يؤكد فيها على أهمية دراسة التجارب وتحديد الأخطاء والإستفادة منها، وعدم الإقتصار على ترديد القصائد عن الإنتصارات والمبالغة فيها .

– ما ذكره الشاذلى ينطبق تماما على الجماعات الإسلامية عموما، والجهادى منها بشكل خاص . وفى كلامه يمكن إستبدال إسم السادات بإسم أى أمير من تلك الجماعات.

موقف السادات من نقد الشاذلى هو موقف قادة العمل الاسلامى تجاه أى تقييم موضوعى لأعمالهم ، أو نقد ذاتى يصدر من بين صفوف جماعاتهم.

 

قال الفريق  سعد الدين الشاذلى ــ فى كتابه “حرب 1973”:

– الأخطأ ليست عيبا ، ولكن التستر عليها جريمة فى حق الأمن القومى للوطن .

– لماذا لم تشكل لجنة قضائية عليا حتى الآن لتقصى الحقائق عن حرب أكتوبر، كما حدث فى إسرائيل وكما يحدث فى الدول المتحضرة فى أعقاب كل حرب ؟؟ .

– إذا إقتنع الجيل الجديد بتلك الأخطاء فتلك مصيبة لمستقبل مصر.

– إذا إكتفينا بذكر الأعمال المجيدة التى تمت خلال حرب أكتوبر وعدم ذكر الأخطاء التى إرتكبت ، يمكن أن يُولَد لدى قادة الأجيال التالية شعوراً بالتفوق الزائف ، الذى قد يؤدى إلى إرتكابهم نفس الأخطاء التى إرتكبها أباؤهم وأجدادهم. لذلك يجب أن نعترف أنه رغم النجاح الباهر الذى حققناه بعبور قناة السويس وتدميرنا خط بارليف فى 18 ساعة . فقد إرتكبنا سلسلة أخطاء .

– الدروس المستفادة من كل حرب تعتبر ثروة لا تقدر بثمن لأنها تكون رصيداً للدولة إذا ما إشتركت فى حرب أخرى .

– نريد حواراً لا يكون هَمْ كل طرف فيه أن يدافع عن الأخطاء التى إرتكبتها القيادات السياسية والعسكرية .

– شكلت بريطانيا لجنة لتقصى الحقائق فى أعقاب حرب فوكلاند عام 1982 . وشكلت إسرائيل لجنة مماثلة فى أعقاب حرب أكتوبر، وأخرى فى أعقاب الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 .

– حجب المعلومات تحت شعار السرية ، هو إسراف فى تعبير”أسرار حربية” وهو محاولة بائسة من السادات ونظامه لكى يحجب الحقائق عن الشعب المصرى، لكى ينقذ نفسه من مسئولية الأخطاء الجسيمة التى إرتكبها فى حق مصر وقواتها المسلحة .

– المقصود من تعبير ” أسرار حربية ” هو إذاعة معلومات عن القوات المسلحة الوطنية لم يكن العدو يعرفها . ونتيجة تلك المعرفة يمكنه أن يهدد أمن وسلامة الوطن .

– مالا يعرفه العدوهو: لماذا يتصرف المصريون بمثل هذه الحماقة، ومن هو المسئول عن هذه القرارات الخاطئة .

– السادات لا يريد أن يسمح لشعب مصر أن يقرأ إلا ما يريد له السادات أن يقرأ . إنه لا يريد لأحد من أبناء مصر أن يكتب إلا إذا كان ما يكتبه معبراً عن وجهة نظر حاكم مصر.

–  وفى نفس الكتاب نقلا عن أمين هويدى ، مدير مخابرات ووزير دفاع فى عهد عبد الناصر: { أن تغطية سلبيات قواتنا المسلحة يسمح للسوس أن ينخز عظامها}.

 

على الساحة الأفغانية :

 بن لادن ، وعزام ، مدرستان مختلفتان .

القتال فى أفغانستان لم يكن أولوية لدى عزام أو بن لادن . فى البداية لم يكن عبدالله عزام يخطط لمشاركة عسكرية للعرب فى أفغانستان إلا إذا جاء مصادفة ولمجرد رفع معنويات الأفغان . لأن المهمة الأساسية التى شرحها للشباب عبر(مكتب الخدمات ) كانت تقديم الخدمات الإنسانية للمهاجرين فى باكستان أو إيصالها للمجاهدين فى أفغانستان. والعمل على إصلاح العلاقات بين مجموعات المجاهدين ، عندما تفشت بينهم الإشتباكات الداخلية .

وألحَقْ عزام المتطوعين ببعض دورات التدريب فى معسكرات المهاجرين فى بيشاور. وكانت مثل فصول محو الأمية للتدريب البدائى على الأسلحة .

لم يطور عزام برامج للتدريب إلا بعد وصول بن لادن وأنغماسه فى منطقة جاجى ومعركتها الشهيرة ثم شروعه فى برامج تدريب عسكرى جادة نسبيا فى خوست ، ثم تأسيس تنظيم القاعدة . كل ذلك بشكل متتابع إستغرق عاما واحداً أو أقل . فإضطر عزام إلى تكريس إهتمام أكبر بالتدريب إضافة لما كان يشرف عليه ” مكتب الخدمات” قبل وصول بن لادن بعدة أشهر. فمن تخرجوا من معسكر عزام فى منطقة “صدى” الحدودية الباكستانية كان لهم دور بارز فى إنجاح معركة (جاجى) الذى قادها بن لادن والتى بدأ بها أسطورته فى أفغانستان .

– بن لادن لم يكن يفكر مطلقا فى خوض عمل عسكرى فى أفغانستان . ولكنه فى زيارة شخصية لمعسكر جاجى التابع لسياف إكتشف مدى التقصير المريع فى كل شئ ، فقرر التدخل لسد العجز ببناء قاعدة لسياف فى جاجى . واستقدم شباب من متطوعى المملكة وجلب بعض معداته الثقيلة من هناك . فشعر العدو بتحرك إنشائى واسع وتجمع للمقاتلين ، فتحرك هجوميا إلى أن وصل الذروة بمعركة جاجى فى رمضان 1405 التى كانت نصرا كبيرا للعرب ، ومحسوبة بالإيجاب لأسامة بن لادن. وعلى ذلك النصر غير المتوقع قامت أسطورة بن لادن المستمرة حتى الآن.

– لم يكن(لمكتب الخدمات) الذى يقوده عزام ، أو (تنظيم القاعدة) الذى أسسه بن لادن مشاركة قتالية مؤثرة فى أفغانستان.

فيما عدا معركة جلال آباد (1989) التى قادها بن لادن وعاد منها بما يشبه هزيمة خفف من أثرها التمسك بجبل سمرخيل، أهم هيئة حاكمة على الطريق الدولى من تورخم إلى جلال آباد. حدث ذلك بمبادرة من شباب القاعدة بعد إنسحابهم المنهك والخطر من خطوطهم الأولى إلى الحدود مع باكستان (هنا نذكر بإحترام الشهيد “أمير الفتح” ـ المصرى ـ صاحب تلك المبادرة وقد قتله الأمريكيون فيما بعد).

– عبد الله عزام إستمر فى تشغيل معسكر التدريب التابع لمكتب الخدمات قرب الحدود الأفغانية مع باكستان. وقد تحسن مستوى التدريب فيه نتيجة التنافس مع معسكرات تدريب القاعدة ( هنا أيضا لابد أن نذكر بإحترام الضابط السورى أبو برهان الذى كان عماد التدريب فى معسكر صدى، وكان أكثر المدربين العرب إحتراما وتأثيرا. وتخرج على يديه عدد كبير من المدربين الشباب). إلا أن النشاط الأساسى لمكتب الخدمات ظل على ما هو عليه أى توزيع المعونات فى الداخل على مناطق المجاهدين بمختلف أحزابهم . كما أوصل مساعدات عينيه ومالية لعدد من مجموعات العرب المقاتلين داخل أفغانستان.

أما نشاط القاعدة فقد ركز بشكل كبير ـ نوعاً وكماً ـ على التدريب ، داخل أفغانستان خاصة فى منطقة خوست. مستفيدين من مواقع المجاهدين القريبة من العدو كمناطق للتدريب العملى ، وتطعيم المتدربين بالنيران. ولم تكن لهم معارك مستقلة ، ولا قوة مشاركة ثابتة ، كما فعلت مجموعات عربية أخرى . (هنا أيضا ينبغى ذكر المدرب المصرى/الأمريكى “حيدرة” الذى أحدث طفرة تدريبية نوعية. وأكثر من إستفاد منها كان تنظيمي القاعدة والجهاد المصرى المندمج معه فى ذلك الوقت).

إمتلكت القاعدة (كتنظيم) أكبر وأفضل مجموعة مدربين تخرجوا من أفغانستان، مع مشاركة قتالية محدودة، كان أهمها تجربتى (جاجى) و(جلال آباد) ـ ومشاركات محدودة فى معارك كبيرة خاصة فى خوست ثم جرديز .

ومع ذلك حدث تهويل غير عادى فى دور القاعدة كقوة قتالية فى أفغانستان . أما مكتب الخدمات فلم يكن له تأثير قتالى يذكر . ولكن من تدربوا فيه إنضموا إلى مجموعات وكانت لهم مساهمات عادية ـ فيما عدا (مجموعة ابو الحارث الأردنى) التى كان لها مشاركة ثابتة إلى جانب قوات جلال الدين حقانى ، بل كجزء عضوى منها . ومعظمهم تدربوا فى معسكر صدى التابع لمكتب الخدمات.

ولم تحقق اى مجموعة عربية أخرى إنجازا عسكريا وتأثيرا فى الجبهة يقترب مما حققته تلك المجموعة ـ (وكانت بالطبع متعددة الجنسيات . وتم حلها بعد فترة قصيرة من بداية الحرب الأهلية فى كابول، وإنضمامها إلى حكمتيار ضد مسعود، ولم يكن أبو الحارث على رأس المجموعة وقتها) .

يلاحظ هنا أن هدف بن لادن فى تأسيس تنظيم القاعدة لم يكن الجهاد فى أفغانستان التى إعتبرها ميدان تدريب ــ وكان ذلك موضع أول خلاف كبير بينه وبين عزام ــ إذ أراد بن لادن نقل التجربة الأفغانية إلى اليمن ــ بينما عزام كان يرى أن العرب جاءوا لمساندة الأفغان ماديا ومعنويا وليس قتاليا. وتم وضع الإختلاف بهذه الصورة : جاء مكتب الخدمات لإفادة أفغانستان ، بينما جاءت القاعدة للإستفادة من أفغانستان

 (أن مكتب الخدمات جاء لمساعدة الأفغان بمشارع توزيع المعونات عليهم داخل أفغانستان ورفع معنوياتم بالدعوة وإصلاح ذات البين ـ وربما القتال إلى جانبهم إذا تيسر ذلك . بينما بن لادن جاء للإستفادة من أفغانستان بهدف التدريب وتجنيد العناصر القتالية ، وليس هدفه الأول أو الحقيقى هو أفغانستان).

كان الخلاف صارخا لبعض الوقت أو كامناً معظم الوقت . وجرت محاولات تنسيق وعمل مشترك لم تكن مجدية، وسريعا ما توقفت .

كان بن لادن يريد القتال ضد الشيوعيين فى اليمن على رأس قوة جهادية عالمية ، بنفس الزخم الأفغانى. وكان حلفاؤه من تنظيم الجهاد المصرى ، لا يرون حتى شرعية القتال فى أفغانستان لأنه “لن يؤدى إلى إقامة دولة إسلامية” حسب قولهم . وكانوا يأملون بتحالفهم مع بن لادن أن يجتذبوا قوته المالية ، وسمعته الإسلامية العالمية ، إلى جانبهم فى معركتهم ضد (طواغيت) مصر وإقامة (شرع الله) هناك . لم يكن بين التنظيمين وحدة فى الأهداف . والإتفاق الوحيد كان على إستخدام أفغانستان كميدان تدريب ، بدون أدنى إهتمام بمصير ذلك الجهاد سوى “أطيب التمنيات”. وكما قال قادة تنظيم الجهاد وقتها { إن الأعاجم لا يمكنهم إقامة دولة إسلامية ـ ولكن العرب يمكنهم ذلك لأنهم يفهمون الإسلام بشكل أفضل}!!!!!!.

ونرى الآن كيف برهن الواقع على عكس ذلك تماما .

 

تجربة الإخوان المسلمين مع الجهاد :

المجاهدون تَحَوَّلوا إلى ( بغال تحميل )

والإخوان أمسكوا بالرَسَنْ .

بعد تجربتهم المريرة فى حرب فلسطين عام1948 طبق الإخوان المسلمون عمليا سياسة “وداعا للسلاح” . وكتنظيم لم تحمل أيديهم السلاح رغم أن قلة من أفرادهم فعلوا ذلك. إختار الإخوان لأنفسهم دوراً غريبا وخطيراً. بإتخاذ موقعا لهم على هامش الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة الإسلامية عموما ـ والمنطقة العربية على وجه الخصوص.

معتبرين موقف التحالف الوثيق ـ أو الخادم المخلص ـ فى ركاب الإستعمار الأمريكى،هو أفضل وسيلة للبقاء داخل الحلبة السياسية . ويدرك الإخوان محدودية فرصهم خارج المظلة الأمريكية أوبعيدا عن التزلف لإسرائيل ـ التى لن تنسى لهم أبدا إرسال مجاهدين إلى فلسطين فى حرب 1948 ـ لهذا لم يحصل الإخوان إلى الآن على ما يعادل أهمية دورهم “الجيوسياسى” كمقاول حروب بالوكالة ومحرك لقطعان بغال التحميل ـ من المثاليين الغافلين ـ والزج بهم فى ميادين الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة فى ميادين تحت السيطرة الأمريكية الكاملة أو الغالبة .

 –  فكرة التحالف الإستراتيجى مع أمريكا مطروح بين الإخوان منذ الأربعينات . وبعد إنقلاب عبد الناصر فى مصر، و “جائحة” الحكم العسكرى الذى حطم عظام الإخوان ـ كانوا فى حاجة إلى وطن بديل للإقامة والعمل وتكوين عائلات. فكانت السعودية ومشيخات النفط بإقتراح ومباركة أمريكية. وكانت أوروبا والولايات المتحدة وطنا بديلاً لفئة المحظوظين منهم.

فى الخليج والسعودية بدأت مرحلة تحول عظى عقائدياً وسياسياً للإخوان ، وإنتقال إلى التبعية الكاملة لأمريكا عبر السلفية الوهابية التى تحتضنها إنظمة الخليج والسعودية .

بدأوا برنامج الحرب إلى جانب أمريكا ـ ضد الشيوعية والقومية العربية ـ وتصدوا لهما ثقافيا ودعائيا ـ والحجة كانت مخالفتهما للإسلام.

وعندما جاء دور القتال ضد مناوئى أمريكا فى المنطقة العربية ـ والبداية كانت فى سوريا ـ فى بداية الثمانينات ، إختطف الإخوان حركة “الطليعة السورية المقاتلة” وتاجروا بها فى السوق الدولية فحصلوا على أموال نفطية غزيرة، ودعما حتى من جهات قومية عربية مثل بعث العراق. ومن مصر(السادات). وحصل مرشحوا الإخوان على تدريب عسكري متطورعلى أيدى أجهزة المخابرات فى تلك الدول . تزامن ذلك مع تجربتهم فى اليمن بوجود قادة قبليين تبنوا النهج الإخوانى ، فجمعوا بذلك بين دعم دعائى ودينى من الإخوان ، وبين المال السعودى ، والعطف الإستراتيجى من الولايات المتحدة .

– قبل العودة إلى الجريمة العظمى التى إرتكبها الإخوان فى أفغانستان ، نكمل تجربتهم فى المنطقة العربية والتى بلغت ذروتها بإستلامهم حكم مصر فى 2012 لمدة عام واحد .

حين أخذ جنرالات مصر(إستراحة محارب) لإعادة تموضعهم على قمة مصر فى ظل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، وإستفراد إسرائيل بسيادة شبه مطلقة على المنطقة العربية ، متقدمة على السيادة الأمريكية ودول أوروبا الإستعمارية القديمة .

الإخوان أثناء ممارستهم للسلطة فى مصر (بتوكيل من المجلس العسكرى الحاكم الفعلى للبلاد) لم يخرجوا عن خطهم القديم فى الولاء الإستراتيجى للولايات المتحدة(وإسرائيل بطبيعة الحال) وأبرز براهين ذلك هى :

– لم يقتربوا ولو خطوة واحدة نحو إستلام حقيقى لحكم مصر، ورضوا بأن يكونوا مجرد ستارا لحكم المجلس العسكرى.

– لم يقدموا أى تصور لإعادة بناء مصر أو إعادة تشكيل أجهزتها السيادية المنفلته . خاصة الجيش والشرطة والمخابرات .

– لم يقدموا أى تصور إقتصادى جديد لمصر ، سوى ما هو موروث من عهد مبارك أى الإقتصاد الطفيلى غير المنتج . القائم على السياحة،وخدمة إستهلاك السوق الأوروبى، والإستيراد الواسع ، وتمويل الدولة بالقروض.

– لم يغيروا شيئا من حقيقة فتح الإقتصاد المصرى للمغامرين، والبنوك الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وتصفية القطاع العام وتصفية الزراعة والصناعة الحقيقية. والتنازل لإسرائيل عن غاز سيناء ، وبقاء مليارات الدولارات مهربة بدون المطالبة بها رسميا.ولم يقتربوا من النفوذ الإسرائيلى الضخم والمتشعب فى مصر. مع وجود قواعد عسكرية وإستخبارية لأمريكا غير معلن عنها .

– إخفاء حقائق كارثة سد النهضة الأثيوبى عن الشعب ، حتى لا يغصب “الجيش الوطنى” أوإسرائيل أوعرب النفط الممولين لمشروع السد وللإخوان فى نفس الوقت.

 

الرئيس مرسى على خطى “شعبوية” ناصر:

كان للرئيس مرسى صيحتان هامتان، تذكرنا بصيحات عبد الناصر”الشعبويه”. الأولى هى (لن نترك غزة وحدها) .وذلك وقت العدوان الإسرائيلى على غزة . والثانية هو(لبيك يا سوريا) مع إشتعال الحرب الأهلية فيها.

فإلى أين ذهب بتلك الشعارات؟؟.

– فى غزة ذهبت إستخبارات السيسى للتفاوض مع الإسرائيليين للتوصل إلى تهدئة وهذا كل شئ. ولم تجرؤ مصر فى عهد مرسى على إدخال جندى إلى سيناء خارج “الإتفاق التاريخى” مع إسرائيل . إلى أن طلبت إسرائيل من العسكر إشعال حرب أهلية فى سيناء لتصفية أهلها وطردهم تمهيدا لخطوة أخرى فى تصفية قضية فلسطين، وتدمير شعب غزة الذى تريد إسرائيل تركيعه وإجباره على ترك البندقية الفلسطينية الوحيدة التى مازالت مرفوعه للجهاد . ولكن مجاهدو غزة ـ رغم خلفيتهم الإخوانية ـ كانوا أكثر شراسة، فلم يقبلوا الرَسَنْ الإخوانى/ القَطَرِى بأن يلتف حول أعناقهم ، ليجرهم إلى حيث تريد أمريكا وإسرائيل .

 

– وماذا عن صيحة (لبيك يا سوريا) ؟؟ إلى أين أخذت مصر وأخذت سوريا ؟؟ .

 طول المدة ما بين حركة 25 يناير 2011 وحتى إسقاط حكم الإخوان فى يوليو 2013 ، كان التيار الإسلامى موحدا إلى درجة كبيرة تحت قيادة الإخوان وشعارات طرحوها . أهمها القفز فوق كل المشاكل الداخلية والإكتفاء بشعارات (تطبيق الشريعة) التى لا تحديد لها سوى الإستفزاز الإجتماعى وأعمال عنف مجهولة المصدر. إضافة إلى صدامات مع المسيحيين معظمها من تحريك وتنفيذ مخابرات العسكر وموافقة التيار الإسلامى والإخوان . ثم الشعار الحماسى المشتعل ـ بلا منطق واقعى ـ حول العداء للشيعة داخل وخارج مصر . رغم أنه لا يكاد يظهر للشيعة وجود أو تأثير فى مصر.

وتم شحن الشباب الجهادى ـ القديم منهم والجديد ـ للسفر إلى سوريا، فى حشد طائفى وشعار العداء المطلق والعقائدى للشيعة. وسافر آلآف الشباب إلى تركيا ومنها إلى سوريا. كما أصبحت تركيا وسوريا ملاذا للمتخوفين من عسكر مصر، ومن عدم قدرة الإخوان على الإستمرار فى الحكم، فقد كان ضعفهم السياسى واضحاً ومصداقيتهم المتراكمة تاريخيا تتبخر بسرعة غير متوقعة. حتى إذا بدأ العسكر بالإنقلاب على حكمهم ثم ذبحهم بهمجية لم يسبق لها مثيل فى تاريخ مصر، فى مجزرة ميدان رابعة، لم يهب الشعب لدعمهم . فتحملوا الكارثة وحيدين تماما .

 كانت الساحة السياسية فى مصر خالية للعسكر، ومعهم المعسكر المعادى للإخوان، من توجهات شتى، من المسيحية السياسية إلى اليسار العلمانى عالى الصوت الذى لا يثق به أحد . لهذا إستدار إليه العسكر وبطشوا به هو أيضا ، حيث كان عالى الصوت فى فترة (الثورة) ، ولكن بلا عمق شعبى ، سوى علاقات خارجية بمنظمات دولية تموله وتسانده دعائيا . فانهار كما ينهار عش العنكبوت.

 وبعد سقوط الإخوان ظهر أن “الخطر الشيعي” فى مصر هو مجرد وهم ، وأنه مجرد عش عنكبوت آخر. وأن مرسى قضى عليه فى حادثه (أبوالنمرس) جنوب الجيزة. حيث بطش الناس بأفراد معدودين، بمن فيهم زعيم التيار الشيعى فى مصر. وتشير دلائل إلى تغاضى الرئيس عنه ، وإصداره أمرا للشرطة بإلتزام الحياد !!. فظل الحياد هو شعار الشعب، حتى إزاء مجازر العسكر ضد الإخوان أنفسهم ،  بما لم يسمع بمثله تاريخ مصر.

 

أزمة الإخوان مع السعودية والإمارات :

–  من ثورة يناير 2011 وحتى سقوط حكم الإخوان فى 2013 ، إنهارت علاقاتهم تماما مع السعودية والإمارات . وكان لهم مراكز قوية للغاية فى هذين البلدين، منذ الخمسينات وحتى بداية القرن الحالى. وربما بدأ التصدع مع إرهاصات “الربيع العربى” الذى كان ربيعاً للإخوان وإضافة فعلية لقيمتهم السياسية (أوالجيوسياسية) فى العالم العربى.

ولكن الإخوان إستعاضوا بعلاقات أقوى مع قطر “كممول” ومع تركيا كملجأ آمن . وصارت البوصلة السياسية ، وسقف الرؤية الإستراتيجية للإخوان يحدده هذان البلدان . وفى سوريا خاضوا بالمشاركة مع قطر وتركيا أقوى تجربة جهادية لهم بعد الحرب الأفغانية التى خاضوها تحت السقف السعودى.

 

 جهاد .. لكن  لغير الإخوان :

ظل الدور الجهادى الجديد للإخوان يدور فى إطار ما قاموا به فى أفغانستان فى الثمانينات، أى التحريض على الجهاد ، وتجميع الشباب فى ساحاته المطلوبه أمريكيا.

والعمل على إمداد القضية الجهادية بالدعم الدعائى ، والإسناد الشرعى ، والتحريض الجماهيرى على أداء الفريضة المقدسة . وظل محظوراً عليهم “رسميا” الإنخراط فى العملية القتالية نفسها . وهذا ما صرح به مرشد عام الجماعة (حامد أبو النصر) فى زيارته التاريخية لمدينة بيشاور فى أوائل التسعينات . فأثار إستياء وسخرية الشباب المجاهد المتكدس فى تلك المدينة التى تحتوى مقار الأحزاب الأفغانية ومعسكرات تدريب مجاهديها.

حديث المرشد كان مسجلاً وتم توزيعه على نطاق واسع. فأثار إستياء وإنتقاد الكاتب والمفكر الكويتى “عبدالله النفيسى”ـ المحسوب على الإخوان ـ الذى كتب مندداً بالمرشد وضعفه .

– وكما فشلت تجربتهم السورية فى بداية الثمانينات ـ فشلت تجربة الإخوان فى سوريا “الربيع العربى” 2011 ـ وظهرت الحركة الجهادية فى سوريا كنشاط لنوع ردئ من بغال التحميل، بقيادات أكثر فسادا من القيادات الأفغانية الحزبية. مع تشنج طائفى وقيمة هامشية لقادتها إلى مجرد عرائس خشبيه فى لعبة أقليمية ودولية تدور حول سوريا وعلى أرضها، فى صراع مصائر لا يعرف أنصاف الحلول، أول ضحاياه كان شعب سوريا . مع مسئولية كاملة على عاتق ” ثوار تحميل” ركبهم الغرور والعناد، فى وعاء من الفساد والتوحش المتغطرس. ولا مكان فى التاريخ لهذا المزيج البدائى.

 

موقع الإخوان فى أفغانستان :

– ولكن ماذا حدث لأفغانستان.. ولماذا أخلى ساحتها التنظيم الدولى للإخوان، تاركا قياداته هناك يخوضون حربا أهلية؟؟ .

فى الحرب ضد السوفييت قُتِل ما يقارب مليونى أفغانى . وكان الثلاثى الإخوانى الشهير من نجومها الزاهرة ، وعلى رأسهم عبد الرسول سياف مرشد إخوان أفغانستان ، ومفتى الإحتلال الأمريكى ومستشاره السياسى حاليا. والمحارب العقائدى ضد مجاهدى طالبان، يُحَرِّم جهادهم ويدعو إلى شنقهم على بوابات كابول .

الشخصية الإخوانية الأخرى هو حكمتيار، الشهير بالدموية والإغتيالات والثورية المتطرفة أيام الجهاد السابق . ويدير حاليا تنظيم داعش فى أفغانستان بالمشاركة مع مستشار الأمن القومى لنظام كابول (حنيف أتمر) تحت إشراف المخابرات الأمريكية والإسرائيلية .

أما ثالث المجموعة فهو الزعيم (برهان الدين ربانى) الذى قتله المجاهدون لأنه كان يجول على القبائل داعيا إياها إلى سحب دعمها لطالبان، والتحول إلى دعم حكومة كابول التى عينها الإحتلال ووضع لها دستورا تحكم به البلاد.

ترك الإخوان الدوليون الساحة الأفغانية متجاهلين مصائب رجالهم فيها ، وإنتقالهم إلى خدمة الإحتلال الأمريكى ، بدون حتى أن تستنكر الجماعة أعمالهم أو تتبرأ منها ، وذلك يعنى موافقة الجماعة عليها . إنه ذات الخط الإستراتيجى الذى تلتزم به الجماعة، منذ ما بعد حرب فلسطين 1948 ، وأوائل الخمسينات (حرب الفدائيين ضد الإنجليز قرب قناة السويس).

– وتسهيلا على من يرى فى البحث والإستقصاء أمراً صعباً ، أن ينظر إلى أعمال ومواقف قادة الإخوان فى أفغانستان ، ليدرك بدقة موقع الجماعة من العمل الإسلامى، ودورها التاريخى فى حروب المسلمين، وأنها من أهم المتاجرين بالجهاد والعاملين على تحويل المجاهدين إلى بغال تحميل ، بينما أمسكت الجماعة بالرَسَنْ ، وتذهبت للمتاجرة بهم فى سوق السياسة العالمية.

وطبقت بذلك نظرية بريجنسكى ــ مستشار سابق للأمن القومى فى البيت الأبيض ــ الذى قال {نُسَلِّح الإسلام لتحقيق مكاسب جيوسياسية} وهى مكاسب لأمريكا بالطبع وليست للإسلام. وفازت فيها حركة الإخوان بعمولة السمسرة .

وما دام مركز الحركة موجود فى منطقة الشرق الأوسط ، فإن الحصول على رضا إسرائيل يعتبر أكثر من ضرورى . لهذا إلتزمت الحركة ، ومعها الحركات السلفية الجهادية ، بالدستور أو المنهج الحركى الذى وضعه شيمون بيريز رئيس إسرائيل السابق ، والذى وتقول عقيدته بأن الخطر فى منطقة الشرق الأوسط يأتى من إيران والشيعة . فعلى إسرائيل وأهل السنة أن يتحالفا معا فى العمل المشترك ضدهما . وأن إسرائيل بخبراتها وبأموال العرب قادرة على بناء الشرق الأوسط.

وجد الإخوان المسلمون ــ والحركة الجهادية السلفية بشكل عام ــ أن نظرية شمعون بيريز توفر لهم عدوا بديلا عن إسرائيل ـ التى صارت فى الواقع حليفاً إستراتيجيا لهما ـ وتحت شعار العداء لإيران والشيعة إرتكبوا شتى التجاوزات أو إن شئت قل الخيانات.

فبدون الإلتزام بعقيدة بيريز ، سيخسر الإخوان ـ والتيارات السلفية المسلحة ــ الدعم المالى الخليجى (القَطَرى) والدعم اللوجستى(التركي) . وأيضا أى دعم يأتى من أوروبا والولايات المتحدة. لهذا تنحصر معارضة الإخوان للإنظمة العربية المناوئه لها،على مطالب ديموقراطية حقوقية، أساسها الإرتهان للإقتصاد الغربى(الليبرالى الحر) ومنظومته السياسية والقيمية، المبنية على شعارات حقوق الإنسان ـ مع تحفظ شكلى إلى بعض السلوكيات الإجتماعية فى الغرب .

 

فى الطريق إلى ميدان القتال :

أخطر الأعمال وأثقل التبعات تقع على عائق المجاهدين، الذين أيسر ما يواجهونه هو الإستشهاد وأسوأ ما يهددهم هو التحول إلى مجرد (بغال تحميل)، وأن تتمكن جهة معادية من السيطرة على عملهم ونتائجة. بل وتستنفر الشباب صوب ميادين تريدهم فيها. وهناك يعملون وفق قواعد حددتها تلك القوى المعادية ، فهى التى تحدد القيادات العليا {قادة الأحزاب والتنظيمات القتالية} وتحصر عمل المجاهدين فى الإشتباك العسكرى المباشر. وتفرض على المجموعات خطة الحرب العليا وميادينها وأولوياتها . وتتحكم فيهم عبرالتسليح والإمداد بالذخائر والمعدات والطعام ووسائل النقل . وتحرص على عدم توحدهم فى عمل مشترك حتى يسهل التحكم فيهم . فتجمعهم فقط فى حالات خاصة ومؤقته عندما تقتضى مصلحتها ذلك. وكثيرا ما تعمل على إشعال الصراعات بينهم ، وتأديب بعضهم ببعض ، وإستخدام بعضهم لمنع البعض الآخر من العمل بشكل صحيح أو مستقل.

 

حدود وظيفة بغال التحميل :

ومن المواصفات الهامة لمنظمات (بغال التحميل) هو الإنخراط فى التكتيك وليس الإستراتيجية. أى الإشتباك القتالى المجرد وليس التخطيط العسكرى الشامل للحرب التى يخوضونها.

2 ـ  ومن أهم مميزاتهم هو الإبتعاد التام عن العمل السياسى المتعلق بالقضية موضع الصراع، وتركه بشكل كامل للراعى الأجنبى أو الجهة المسيطرة أو صاحبة (قطيع البغال المقاتلين). فترك السياسة هو أهم ما يميز (بغال التحميل).

– ويمكن القول أن العمل السياسى هو عملية حصاد لنتائج المعارك، لهذا تستأثر به القوى المهيمنة على القطيع الذى لا يناله سوى واحد أو أكثر من الخيارات التالية :

الصرف بالحسنى ــ القتل ــ الإعتقال ــ المطاردة ــ الإغتيال المعنوى بتشويه السمعة وإلصاق أبشع الإتهامات والأوصاف بمن إنخرطوا فى ذلك القتال، ومعاملتهم حتى نهاية حياتهم معاملة المشبوهين والمشكوك فى إجرامهم . وحشرهم تحت شعار {العائدون من …} .

فأسماء الميادين التى قاتلوا فيها تصبح مدانة ومشبوهة (أفغانستان ـ البوسنة ـ الشيشان …)

فتصدر قوانين تستهدفهم وتستبيح حقوقهم فى الحياة العادية وتبرر البطش بهم .

 

ضمانات لديمومة التضليل :

من أجل أن تضمن القوة المهيمنة ديمومه ظاهرة بغال التحميل فإنها تحرص على التالى :

–  إستبدال الإيمان والوعى الدينى، بالتعصب الأعمى والعنيف. وكلما زاد هياج الفرد والجماعة، كلما كان ذلك دليلا على صحة “المنهج” وقوة الإيمان .

– التجهيل السياسى ، فيما عدا تلقينات سطحية أعدتها القوة المهيمنة نفسها، خاصة ما يتعلق بالقضية موضع الجهاد وكل ما يتعلق بها وبأهدافها . وتقديم صورة حماسية غير صحيحة عن كل ما يتصل بها أو بمن يشارك فيها من أطراف داخلية وخارجية . بحيث يعيش المقاتل (أو بغل التحميل) فى قوقعة مزيفة من الوعى الذى صنعة إعلام القوة المهيمنة خصيصا لتضليل بغال التحميل وحشو أذهانهم بالأوهام والأكاذيب على أنها حقائق. والتغطية على ما يشوب عمل المجاهدين من نقص أو إنحرافات، بل تمجيد ذلك والدفاع عنه.

– التركيز على عبادة الاشخاص ، والمبالغة فى قيمة وقدرات الزعمات المصنوعة، والتى تخدم جهات خارجية معادية. وتحويل التنظيم أو الحزب أو الجماعة إلى صنم يعبد من دون الله وتنصرف إليه وحده عقيدة الولاء والبراء ، والحب والبغض (فى التنظيم وليس فى الله).

 

لبغال التحميل مزارع تربية ومؤسسات إحترافية :

قبل ظهور (بغال التحميل) قتالياً ، كانت مزارع إنتاجهم فكريا وسلوكيا تعمل منذ عقود . هذه التربية الدينية المسطحة والمتعصبة والعنيفة ، كانت هى الوسط الفكرى والإجتماعى الذى تَخَرَّج منه معظم بغال التحميل . وهناك قطاع آخر جاء من بيئات مختلفة بعضها غير متدين ولكنه إلتحق بالقطيع، وتأثر بالموجة السائدة فكريا وسلوكيا .

– ذلك المناخ إصطلح على تسميته (بالسلفية الجهادية) ــ بصرف النظر عن دقة التسمية أو عدم دقتها ــ فإن بصمتها الميدانية كانت مميزة منذ أول ظهور لهم فى أوساط المتطوعين العرب فى حرب أفغانستان ضد السوفييت. ومن تلك “المميزات” .

– النفور من السياسة وإعتبارها إنحرافاً وتلويثاً لروحانيات الجهاد .

– إعتبار القتال فى الإسلام يعنى خطوتين هما : 1 ـ هجوم   2ـ إستشهاد.

ومن الأفضل أن تكون الخطوتان ملتصقتان وفى وقت واحد .

هؤلاء عارضوا التدريب العسكرى والتخطيط للمعارك (إعتبروا ذلك من البدع وأعمال الماسونية!!). ورفضوا مجرد تصور، إستخدام الزمن فى تطوير العمل العسكرى ــ وهو مبدأ هام فى حروب العصابات ــ التى يعملون داخل إطارها. ويعتبرون أن تأخر النصر دليل على كثرة المعاصى . بدون فَهْم أن الإنتصارات التكتيكية موجودة ومستمرة ، وأن الهزائم تحدث أحيانا، وهى وسيلة للتعلم من التجربة . ولكن الحصول على النصر النهائى يحتاج إلى وقت طويل لبناء القوة الذاتية ، وتغيير ميزان القوى لصالح المجاهدين رغم فداحة العجز المادى لديهم .

 فتراهم يتعجلون المعارك الحاسمة فى كل وقت وحين . فكانوا مادة نادرة لتجار الدماء الذين إستخدموا تضحياتهم لرفع قيمة التجار فى أعين الرأى العام الدولى والإسلامى.

 فدماء الإستشهاديين متوفرة على الدوام ، بل أكثر مما هو مطلوب فعليا للمعارك. فأسرف التجار فى إستخدامها، ولكن لإهداف دعائية ، أو فى صراعات داخلية ، أو لمجرد التخلص من عناصر متمردة  تثير الكثير من المشاكل طلبا للشهادة بأى شكل وبأى طريقة .

فأُهْدِرَتْ أهم الطاقات وأكثرها ندرة، بطريقة عشوائية بل وإجرامية أحياناً.

ـ هذا الطراز من “المقاتل الإستشهادى” ذو التفكير البسيط ـ المتعجل فى كل شئ ـ الرافض لأى نوع من الإنضباط إلا فى أضيق الحدود ـ المعادى للتعمق فى فهم أمور الدين كما أمور الدنيا ـ العنيد العصبى العنيف المتقلب. ترى فيه قيادته مجرد “بغل”، ربما كان التخلص منه فى عملية إستشهادية عملاً محبذا.

ـ ذلك النموذج (لبغل التحميل) يعتبر مقاتلاً سيئاً ـ من الأفضل إستبعاده من أى عمل قتالى منظم طويل المدى يتعلق بقضايا مصيرية للأمة.

ومع ذلك فهو يعتبر عُمْلَة مطلوبة بشدة لدى مقاولى الحروب ـ تجار الدماء ـ ليحقق لهم نتائج ميدانية سريعة. فمن السهل تجنيده ـ ومن الأسهل التخلص منه بوسيلة أو بأخرى. وخداعه ممكن دوما بشرط الحديث معه على نفس موجة التفكير الخاصة به ، بالعاطفية غيرالعقلانية المتعصبة المتهيجة المندفعة إلى القتال والشهادة كأقصر وسيلة للوصول إلى الجنة.

– إحتياجات العدو تطلبت توفير هذا النوع من المقاتلين، ضمن تشكيلات قتالية ثابتة أشبه بالشركات ، تتيح مخزونا بشريا من هذا الطراز تحت الطلب فى أى وقت ، لأى ميدان على سطح الأرض . فهو قليل التكلفة مقارنة بالجيوش النظامية ، كما أن نتائجة أفضل فى مجال التدمير الإجتماعى والحروب الأهلية والمذهبية . بحيث أصبح لا غنى عنه فى تلك المجالات .

عَيَّن العدو مديرين لتلك المؤسسات القتالية ، وحدد كوادرها الرئيسية و باقى التفاصيل ليحصلوا فى النهاية على شركة قطاع خاص فى مجال الحروب الأهلية (الإسلامية).

 أشهر تلك الشركات وأبعدها أثرا كانت “شركة داعش” العابرة لقارات .

ويلاحظ أن الإدارة العليا لداعش تقع فى يد أجهزة مخابرات ـ أمريكية (و) أو إسرائيلة ـ حسب منطقة النشاط . فمثلا داعش تعمل فى أفغانستان بإدارة مشتركة أمريكية/ إسرائيلة لأن حرب أفغانستان تدار مناصفة بين جهازى الإستخبارات فى البلدين .

وبشكل مباشر تشرف قيادة أفغانية مركزية على نشاط داعش فى أفغانستان، تتكون حاليا من عنصرين هما{الزعيم الإسلامى الإخوانى الأصولى} جلب الدين حكمتيار . ومعه (حنيف أتمر) وزيرالخارجية حاليا مستشار الأمن القومى سابقا، والجنرال الشيوعى أيام الحكم الشيوعى. وكلاهما( الإخوانى المتطرف والشيوعى المتطرف)، على علاقة وثيقة مع جهازى الإستخبارات سابقي الذكر.

–  وتعتبر داعش حالة مثالية للبحث الذى نحن بصدده. وكيف أنها تحولت إلى مؤسسة إرتزاقية دولية مرتبطة بإستراتيجية الولايات المتحدة . ولأجل تغطية تلك “الخيانة” تبنت داعش مثل باقى(السلفيات القتالية والسياسية) عقيدة شيمون بيريز بالإتحاد مع إسرائيل ضد العدو البديل (إيران والشيعة) .

وخلال عام واحد، وبإشراف تركى ، إنتقلت أفرع هامة من شركات بغال التحميل، برا وجوا وبحرا من سوريا والعراق إلى ليبيا وأفغانستان وغرب أفريقيا. تلك الظاهرة الإرتزاقية هى المساهمة الإسلامية فى سلسلة (الحروب الهجينة)، أى الحروب فائقة التكنولوجيا، متعددة الأدوات من السلاح المتطور إلى الإقتصاد والإعلام ، فى حروب مرتبطة بالصناعة البنكية اليهودية. وللمرتزقة دور محورى فى تلك الحروب تحت مسمى “الشركات المتعاقدة”ـ ونموذجها الدولى الأشهر هى شركة بلاك ووتر الأمريكية ـ وشركات “بن زايد/برنس” العاملة فى أفغانستان ـ  تلك الشركات تعمل فى مهام وتخصصات شتى تمتد من تشغيل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة ، إلى قتل المدنيين وإغتيال المجاهدين، ونسف المساجد والمناسبات الإجتماعية والدينية .

 

 قيود التمويل :

– وسواء برضاها أو بحكم الأمر الواقع فإن التنظيمات الجهادية أو المعارضة الإسلامية غير المسلحة والتى تحتفظ بأعداد كبيرة نسبيا من الأعضاء ، تكون فى حاجة دوما إلى تمويل، هو عادة سعودى أو خليجي ـ وبأوامر أمريكية وإجازة إسرائيلية. لهذا يرى البعض ـ بغير خطأ كبير ـ أن التيار الإسلامى المسلح، المشهور أحيانا بالسلفية الجهادية أو الوهابية القتالية أوبغال التحميل ــ أيا كان الإصطلاح الذى يركز على جانب معين من جوانب تلك التنظيمات ــ ولكنه يرى أنها فى النهاية تقف فى المعسكر المُعَادى لمصالح المسلمين الحقيقية ـ بل أن ضرباتهم موجهة فى الأساس ضد المسلمين وضد مصالحهم.

لقد إستطاع أعداء الإسلام أن يختطفوا فريضة الجهاد، و يضربوا بها صدور المسلمين.

 

 من تاريخ قيود التمويل :

كان جهاد الأفغان ضد السوفييت تجربة غنية جدا فى كثير من نواحيها. ليس فقط للشعب الأفغانى بل أيضا لتنظيمات العمل الإسلامى العربى ، خاصة المنظمات الجهادية وحتى التجمعات السياسية والدعوية .

فهناك ظهرت أهمية المال فى تقييد العمل الجهادى(والدعوى) والسيطرة عليه لصالح القوى المعادية للإسلام والتى تمتلك المال عادة . وبما أننا بصدد جهاد إسلامى فإن الممول لابد أن يتمتع بالمظهر الإسلامى. والأكثر مهارة فى ذلك هو العنصر الخليجى عامة والسعودى بشكل خاص ، صاحب النفوذ الساحق على الساحة الأفغانية (1980 ـ 1993 ) فإخترق ـ بالدولار النفطى ـ منظمات الجهاد الأفغانى ـ ومنظمات الجهاد العربى آنذاك “ماعدا القاعدة كما سنفصل فى ذلك”. لم يكتف المال السعودى بتمويل ما هو قائم من منظمات (أفغانية وعربية) بل إبتكر تنظيمات جديدة ، وساهم فى تقسيم ما هو قائم منها، وأوقع العداوة فيما بينها ، وحاول إحداث فتنة مذهبية بين الأفغان”أحناف”والعرب”سلفيون”.وفتنة أخرى بين الأفغان (أحناف/شيعة).

وعمل الدولار النفطى السعودى فى شراء الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور، وسحبهم نحو التسوية الدولية لتشكيل حكم مشترك فى كابل يكون قادة تلك الأحزاب ضمن مكوناته . والمال السعودى هو الذى شكل أول حكومة للمجاهدين دخلت كابول برئاسة مجددى ثم ربانى .

وأدوار آخرى كثيرة، فى إدارة الأحزاب الجهادية الأفغانية والجماعات العربية فى أفغانستان. ذلك الدور التخريبى للعنفوان المالى فى الأوساط الإسلامية ورثته قطر. ليس فقط فى المنطقة العربية بل فى أفغانستان بشكل خاص . وتحاول ان يكون لها كلمة الختام فى جهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى ، فى إطار تسوية سياسية تكون فيها حركة طالبان ضمن حكومة مشتركة مع عملاء أمريكا فى كابول .

ولكن قطر تواجه فى أفغانستان حاليا مشاكل خطيرة لم يواجه السعوديون مثلها فى الجهاد السابق ضد السوفييت . ولذلك أحاديث أخرى .

– كان رهان السعودية الأكبر وقت السوفييت هو عبد الرسول سياف وحزبه المسمى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) وتراهن قطر على مجموعة محتجزة لديها فى معتقل سياسى تفاوضى “مكتب للتفاوض”!!! . فيهم أكثر من سياف ولكن بكفاءة أقل وإفتقار إلى “كاريزما” سياف وبلاغته ، أو ذكائه وعلمه الشرعى الأزهرى .

 

تأثير التمويل السعودى على قادة العرب فى أفغانستان .

مولت السعودية عدد لا يحصى من المجموعات العربية ـ ومتطوعين غير عرب ـ وأهم الرموز الذين تفيدنا دراسة حالتهم هما /عبدالله عزام / وأسامة بن لادن .

تمويل عبد الله عزام :

فى عام (83) إنتقل عزام من السعودية إلى باكستان ليعمل فى الجامعة الإسلامية فى إسلام آباد وهى جامعه سعودية أيضا . بالتدريج أصبح عزام موضع ثقة كبيرة من المسلمين فى المملكة وخارجها فتلقى مساعدات مالية كبيرة لإيصالها إلى المجاهدين الأفغان فكان يوزعها على الأحزاب حسب رؤيته لفاعليتها وإخلاصها . وكان يفضل الجناح الأخوانى ، الثلاثى الشهير (سياف / حكمتيار/ ربانى ) .

ونتيجة لثقة الحكومة السعودية فيه، تشجع التجار والعلماء والجمهور على منح تبرعاتهم لعزام. وكان التمويل السعودى ـ الشعبى والرسمى ـ هو الأكثر غزارة فى تلك الحرب / بالنيابة عن الخزانة الأمريكية/ وتقدر تلك التكلفة بثلاثة  مليارات دولار(وفى رواية أخرى تسعة مليارات) .

– الملحق العسكرى فى السفارة السعودية كاد أن يكون ركيزة محورية لمكتب الخدمات الذى أسسه عزام عام 1984 مع أسامه بن لادن (كممول رئيسى) ومباركة سياف ، كزعيم شرعى لجهاد أفغانستان ـ حسب تصنيف الإخوان . وظن سياف أن مكتب الخدمات سيكون تابعاً له، ولكن خاب أمله إذ تصرف عزام بإستقلالية أكسبته عداوة الزعماء الأفغان. بعضهم جاهر بها وبعضهم كتمها فى صدره وعبر عنها فى جلساته الخاصة .

لا يُعْرَف أى تمويل رسمى سعودى لنشاط عزام ، وإن كان الهلال الأحمر السعودى وهو مؤسسة رسمية (إستخبارية تحديدا) كانت تمد المكتب بإمدادات إغاثية كبيرة . وليس مستبعدا أن الملحق العسكرى السعودى ، الذى كان ملحقا أيضا بمكتب الخدمات كان يأتى بتبرعات من “فاعلى الخير” فى المملكة. وقد وصفه عزام أمام منتقديه بأنه ( أطهر من ماء السماء)، ولابد أن هناك دليل مالى يبرر ذلك الوصف. كما وصف عزام قادة الأحزاب الأخوانية (الأصولية) بأنهم {أفضل من أنجبتهم الأمة الاسلامية خلال قرون} .

وكان رحمه الله ـ مؤيدا للفتنة بين السنة والشيعة ـ وفى أحد خطبه المسجلة فى بيشاور زف نبأ لجمهور المسجد بأن القبائل السنية قد (فتحت) قرية شيعية فى قتال طائفى على حدود باكستان  مع أفغانستان. وهكذا كانت الأرضية المذهبية والسياسية ممهدة بين عزام والمملكة. وإن كان له مبارزة فقهية شهيرة مع علماء المملكة متهما إياهم بشرك القصور ، فى مقابل إتهامهم للأفغان بشرك القبور.

 

تمويل أسامة بن لادن فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ) :

كان بن لادن مستقلا تماما فى تمويل تنظيمه الجديد (القاعدة)، معتمدا على ماله الشخصى. وذلك خلال فترة عمله الأولى فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ). وكان يتمتع بسمعه عالية ، حتى إعتبره شباب المملكة (بطلا إسلاميا). فكان قناة موثوقة لإيصال التبرعات إلى المجاهدين الأفغان . ولم يستخدم درهما واحدا من تلك الأموال فى نفقات القاعدة ـ وقد سمعت منه ذلك عدة مرات ـ وهو صادق تماما فى قوله ـ لهذا كان خلال تلك الفترة الأكثر إستقلالية .

 

الفترة الثانية من عمله فى أفغانستان ( 1996 ـ 2001)، مرحلة التمويل المختلط :

 وكان بن لادن قد فقد معظم أمواله التى فى السودان ، وجمدت السعودية أمواله فى المملكة. فاعتمد على التبرعات لأول مرة فى حياته كلها.

ومع ذلك كانت قوته المعنوية وشعبيته ، سببا لتمتعه بممولين رغم قلتهم وخطورة ما يقومون به فى المملكة التى ناصبته العداء الشديد وسحبت منه الجنسية وجمدت أمواله.

إلا أن إستقلاليته أصبحت نسبية. وأخطر تأثيرات ذلك عليه كان فشله فى الإحتفاظ بالتوجيه الإستراتيجى الذى أصدره (فى بيان أكتوبر1996) بعد أشهر قليلة من عودته إلى أفغانستان مُبْعَداً من السودان. كان البيان يدور حول{طرد المشركين من جزيرة العرب} وفيه أعلن الجهاد على الولايات المتحدة من أجل تحقيق ذلك الهدف. ثم أدخل توسعا فى الهدف بإصدار بيان لاحق حول تحرير المقدسات الإسلامية كلها ، فى (مكة والمدينة والقدس).

فأعلنت المملكة الإستنفار ، واعتبرت بن لادن خطرا داهما. والكثير من العلماء وطلاب العلم إستنكروا أن تصبح المملكة ميدانا “للإرهاب” ــ أى الجهاد ضد الأمريكيين ــ وكان العلماء وطلاب العلم أهم المجموعات التى يَحْسِبْ لها بن لادن ألف حساب .

وخشى أن تحاربة تلك الفئة داخل المملكة، أو يصدرون ضده فتاوى تخرجه من الدين أو تسئ إلى سمعته . فأصدر توضيحات أن جهاده فى المملكة لن يطال الشرطة أو الجيش . ودعا أتباعه هناك بالإستسلام للجهات الأمنية إذا حدثت معهم مواجهة مسلحة .

 بدأت مجموعات من الشباب فى العمل المسلح داخل المملكة. لم تستغرق طويلا حتى قضى عليهم الأمن . وكثير من العمليات كان يفتعلها الأمن لأغراض دعائية ضد القاعدة وبن لادن ، ولتبرير عمليات الإعتقال والتنكيل .

أضطر بن لادن إلى التوجه بجهاده إلى خارج المملكة ، لضرب الأهداف الأمريكية حول العالم فابتدأ بعمليات أفريقيا ضد سفارتين لأمريكا فى كينيا وتنزانيا.

ثم عملية تفجير ضد السفينة العسكرية (إس إس كول) التى كادت أن تغرق فى ميناء عدن. والعملية الثالثة كانت (غزوة منهاتن) الشهيرة ضد أبراج مركزالتجارة العالمى .

– الشاهد هنا هو أن قدرة منابع التمويل على ممارسة ضغط على (التنظيم الجهادى) قد تصل إلى إجباره على تعديل هدفه الإستراتيجى ، أو تطبيقه بعيدا عن مكانه المفترض فيفقد تأثيره المطلوب ، فيتحول إلى عمل إستعراضى ، بلا نتائج على أرض الصراع . وفى الحقيقة فإن”غزوة منهاتن” كان تأثيرها سلبيا على العمل الجهادى والإسلامى داخل المملكة وخارجها .

–  وخلال فترة وجوده الثانية فى أفغانستان ـ خلال حكم الإمارة الإسلامية ـ فشل بن لادن فى إقناع العلماء (الإصلاحيين) الذين إعتقلتهم المملكة بأن يأتوا إلى أفغانستان حيث الحكم الإسلامى والشريعة الإسلامية ـ لكنهم رفضوا العرض وأعرب بعضهم عن تفضيله دخول السجن فى المملكة عن القدوم إلى أفغانستان .

ربما كان ذلك حباً فى المملكة و”نظامها الإسلامى” ، أو إعتراضاً على “عقائد” الأفغان، كما واظبوا على قول ذلك أثناء فترة الجهاد ضد السوفييت .

– الشاهد هنا أيضا أن علماء المملكة الذين أسبغوا فى السابق الشرعية على بن لادن وجهاده، سحبوا ذلك التأييد وأرغموه على الإبتعاد بجهاده عن المملكة للمحافظة على أمنها وسلامتها . بينما لم ينجح بن لادن ـ كمتلقى للمعونة المالية والشرعية ـ أن يقنع العلماء وطَلَبَتَهُم أن يأتوا إلى الإمارة الإسلامية فى أفغانستان للمساهمة فى بنائها والدفاع عنها .

أكدت تلك التجربة أن الجهاد يتبع التمويل ، وليس العكس كما هو مأمور به شرعاً بالقرآن والسنة .

–  أنتج التمويل الشخصى فى تنظيم القاعدة ، قيادة فردية بحته ، رغم وجود عنصر المشورة لمجرد إستعراض الأفكار. فكان صاحب المال / هو صاحب التنظيم / هو صاحب القرار.

 كان فى ذلك خصخصة لفريضة الجهاد وتحويلة من فريضة تقوم بها وتمولها الأُمَّة ، إلى نشاط يموله فرد. وقتها حذَّرْتُ من العواقب المستقبلية لذلك التوجه.

 

فى المرحلة الثالثة والأخيرة (2001 ــ 2011 ) :

تلك المرحلة من قيادة بن لادن لتنظيم القاعدة تمتد منذ خروجه من أفغانستان أثناء الحرب الأمريكية عليها (2001) وحتى تاريخ إختفائه ـ أو إغتياله ـ عام (2011). وهى مرحلة التمويل العشوائى للتنظيم.

 ونعيد ترتيب المراحل التمويلية للقاعدة فنقول :

1 ـ (1987ـ 1995) مرحلة إستقلالية كاملة وتمويل شخصى للتنظيم.

2 ـ (1996ـ2001 ) مرحلة شراكة محدوده فى التمويل ، أفسحت مجالاً لتأثير مشايخ السعودية وطلاب العلم فى القرارالإستراتيجى للتنظيم، بالإبتعاد عن المملكة فى صدامه مع الولايات المتحدة . أى الجهاد لأجل إخراج المشركين من جزيرة العرب ولكن من خارج جزيرة العرب، ومن خارج السعودية تحديدا.

3 ـ (2001 ـ 2011) مرحلة التمويل العشوائى. وهى المرحلة الأسوأ فى تاريخ التنظيم. حيث فقد قدرته على التمويل الذاتى الذى كان يعتمد على شخص بن لادن ، كما فقد السيطرة على مساره، وصار تابعا لإستراتيجات العمل التى وجدها جاهزة وفاعلة فى الميادين التى ذهب إليها ، تابعاً وليس قائداً، مثل العراق ثم سوريا وبعدها اليمن . فأرسى التنظيم لنفسه مبدأ “المشاركة القتالية فى مقابل التمويل”. وهو المسار الأسوأ لأى مجاهد. لهذا تغاضى التنظيم عن إنحرافات خطيرة فى تركيبتة التنظيمية المحلية ، ومسار عمله الجهادى فى تلك المناطق . وقد إعترض التنظيم المركزى على بعضها ولكن (بعد خراب مالطا) كما يقول المثل.

ولأن إسم القاعدة فى ذلك الوقت كان هو الأعلى والأهم بين كل التنظيمات السلفية الجهادية ، وكانت القيادات الشبابية الجديدة فى تلك الميادين لا تمتلك شهرة القاعدة ولا جاذبيتها ، فقد إختارت تلك القيادات المحلية الإعلان إنضمامها للقاعدة ـ لإستخدام إسم القاعدة وشهرتها . ودعمتهم القاعدة بمدربين وكوادر عسكرية خدمت سابقا فى أفغانستان . فوصلت القاعدة إلى مصادر تمويلية جديدة كانت تدعم الجماعات القتالية فى العراق وسوريا واليمن . فمنحها ذلك إمكانية الإستمرار والبقاء على مسرح الأحداث .

بعض أفرع القاعدة فى الميادين البعيدة ـ خارج المنطقة العربية ـ تمكنت فى الوصول المستقل إلى منابع التمويل السعودى والخليجى ، أو تمكنت تلك المصادر من الوصول إليها والعمل المباشر معها من خلف ظهر التنظيم الأم الذى إزداد تفككا وضياعاً، وفقد القدرة على تحديد إتجاهه أو الهدف من وجوده . وعانى من مشكلة قيادة بعد إختفاء بن لادن. الذى ظل مكانه فوق قمة التنظيم شاغراً. فالتنظيم شأن باقى التنظيمات العربية كان تنظيم الرجل الواحد والقائد التاريخي ـ الذى من بعده يأتى الفراغ أو التيه والضياع . هكذا هى”القاعدة” بعد أن فقدت بن لادن، ومن قبلها الإخوان المسلمين بعد فقدهم حسن البنا، فلا يعود التنظيم إلى ما كان عليه أبدا.

 

الإخوان المسلمون ، وقيود التمويل :

– فى عهد مؤسسها الشيخ حسن البنا إعتمدت الحركة بشكل كامل تقريبا على التبرعات الشعبية من جمهور الحركة ومؤيديها من الطبقات الشعبية والتجار وأصحاب الملكيات الزراعية . وقد أمَدَّتْ الحركة التحركات الشعبية الفلسطينية بالأموال. وأحيانا بكميات قليلة من الأسلحة قبل حرب 1948.

وأرسلت الحركة أفضل من قاتلوا فى تلك الحرب، وتكفلت بمعظم نفقاتهم. وتكفل الجيش المصرى بتسليحهم وألحقهم بتشكيلاته المحاربة فى فلسطين. ومع نهايات الحرب تم إعتقال مجاهدى الإخوان وهم على أرض فلسطين ، داخل وحداتهم العسكرية فى الجيش المصرى. ولم يلبث أن أغْتيل حسن البنا. وما زالت الحركة تعانى من تلك الخيانة المريرة حتى الآن.

– فى تجارب سوريا واليمن وأفغانستان . كان دور الجماعة الدولية هو دور السمسار ومقاول الأنفار ، وجهاز الدعاية المساعد ، وماكينة الدعم الشرعى لمشاريع أمريكا فى المنطقة العربية والإسلامية . فاستفادت الحركة مالياً وسياسياً وأصبحت رقما لا غنى عنه فى ذلك المجال الذى تنتعش أعماله باستمرار.

ذلك الدور هو تصريح بقاء للجماعة ، فالأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة مازالت فى حاجة إلى الدور الإسلامى للإخوان ، جهاديا ودعويا وفى مجال الثورات الملونة (للربيع العربى) .

ويمكن إستنتاج أن جماعة الإخوان تؤدى دورها، بمنطق إقتصادى تجارى، فى بورصة جهادية ذات عائد مالى وسياسى جيد.

 ليس لجماعة الإخوان قوة قتالية خاصة بها ، لكونها مجرد سمسار قتالى . ولكن وزنها السياسى المكتسب من ذلك الدورجعلها عنصراً يحسب حسابه . مع أنها تواجه تحديا خطيراً من”داعش” التى هى أكبر جهاز قتالى إرتزاقى دولى يحمل شعارا إسلاميا.

ولكن ذلك التحدى محصور فى المجال العسكرى فقط لأن داعش مجرد صفر سياسى .

فالإخوان يجاهدون بلا مقاتلين، وداعش تقاتل بلا سياسيين. وبصياغة أخرى: الإخوان يحاربون بمقاتلى غيرهم ، وداعش تديرها قيادات سياسية من خارجها. أما إستثمار داعش سياسياً فتقوم به عدد من الأيدى “الإسلامية”التى تمولها. وعلى رأسهم تركيا والسعودية والإمارات وقطر وباكستان وأفغانستان. فكل جهة من تلك الجهات تمتلك قدراً من التوجيه على الدواعش الخاضعين لها .

 

قريبا فى موقع مافا السياسى

ــ الجزء الثالث ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

16-06-2020

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here