بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (4)

0

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 

(4)

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا .

الهجوم على القواعد الجوية الكبرى يؤثر على نشاط المرتزقة وعلى صناعة الهيروين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المفاوض الأمريكى يرفع عصا المرتزقة فى وجه المفاوض الأفغانى . وأنه فى حال سحب القوات الأمريكية فإن جيش المرتزقة هو الذى سيتولى الحرب .

وفى ذلك نوع من التهويل للتأثير على أعصاب الأفغان . فالمرتزقة هم القوة الأساسية التى تقاتل الشعب الأفغانى منذ عدة سنوات . ما زاد فى عهد ترامب هو إعلانه فى إستراتيجيته تجاه أفغانستان أنه رفع جميع العوائق امام مقاتليه كى يستخدموا أقصى درجات العنف لإنهاء مقاومة الشعب الأفغانى ، ودفع حركة طالبان قسراً صوب طاولة المفاوضات ، وبالأحرى طاولة الإستسلام . والنتيجة هى أن إنسحاب القوات الأمريكية لن يغير شيئا فى طبيعة القوات التى تقاتل لحسابها فى أفغانستان ، ولن يقلل من الكوارث الواقعة على رأس المدنيين .

الشئ الآخر هو أن قوات المرتزقة هى قوات قتل وليست قوات قتال ، خاصة إذا كان فى مقابلها حركة جهادية ذات تصميم وعزيمة وخبرة قتالية طويلة وتحظى بدعم شعبى كامل .

المرتزقة قوات قتل من الدرجة الأولى، فى حال إنفردت بالمدنيين العزل ، فيصبح أفرادها وحوشا بلا رحمة ، لا تربطهم صلة بالبشر ، وتفعل بالمدنيين مالا يمكن تصوره من أعمال .

من الطبيعى أن يكون البطش بالمدنيين هو الهدف الأول لجيش المرتزقة طبقا للإستراتيجية الأمريكية التى تناسب تماما التركيب النفسى للجندى المرتزق .

فحركة طالبان ما كان لها أن تخوض حربا جهادية طويلة لأكثر من 18 عاما حتى الآن وبدون دعم خارجى ـ بل على العكس فى ظل حصار إقليمى ودولى كامل ـ إلا بدعم شعبى لا نظير له ، بحيث يلبى جميع إحتياجات حركة مقاومة جهادية متصاعدة ضد أقوى جيوش الأرض فى أوسع تحالف شهدته حرب بعد الحروب العالمية .

كانت خسائر الشعب الأفغانى فى الأرواح باهظة ، وأكبر بكثير جدا مما يعلنه الأمريكيين . الذين أيضا تكبدوا خسائر فى الأرواح والمعدات أكبر بكثير مما أعلنوه حتى الآن .

يدرك الأمريكيون أن لا فائدة من محاولة ردع مقاتلى طالبان ، ناهيك عن هزيمتهم ولكن أملهم الوحيد فى ردع الإحتضان الشعبى لطالبان ، والتصدى لتبعات حرب طويلة وقاسية وباهظة التكلفة .

الشعب الأفغانى هو المستهدف من حرب أمريكا وجيوش مرتزقتها . والحرب تجرى الآن وستظل كذلك تحت رقابه CIA ، وقوة محدودة من القوات الخاصة والجنرالات الجيش، للمحافظة على إتجاه الحرب ضمن إطار الإستراتيجية الأمريكية العليا ، التى ليس من مصلحتها بحال أن يتحول جيش المرتزقة فى أفغانستان إلى صورة طبق الأصل عن (شركة الهند الشرقية ) فى القرن التاسع عشر ، التى تحولت إلى دولة تحكم الهند فعليا بدرجة عالية جدا من المرونة فى إرتباطها بالمركز البريطانى . فالظرف الدولى الحالى مخالف تماما لما كان سائدا منذ قرنيين من الزمان .فالحرب فى أفغانستان مرتبطة بخارطة الحروب والأزمات الدولية التى تديرها الولايات المتحدة ، وهى أشد إرتباطا بالحملة الأمريكية الإسرائيلية فى بلاد العرب من العراق والشام وحتى اليمن مرورا بجزيرة العرب بنفطها ومقدساتها. ومرتبطة بالخطر الذى يعترض ذلك المخطط والرابض على الشاطئ الشرقى للخليج العبرى ، ألا وهو إيران(الرافضة) للمشروع الأمريكى كلة ولأصل التواجد الصهيونى فى بلاد العرب والمسلمين.

    – للمرتزقة فى أفغانستان سلاح طيران خاص بهم ، ويشمل تشكيلة منوعة من الطائرات ، مع تركيز خاص على طائرات الهيلوكبتر التى تعتبر العمود الفقرى لعملياتهم الأرضية ومعها بالطبع تلك “الدرون” متعددة المهام .

لإستكمال التحطيم النفسى للمدنيين فإن هجمات المرتزقة على القرى تتم فى الليل غالبا . وبعد تدمير الأبواب وتجميع السكان فى الساحة الرئيسية للقرية يبدأ الإحتفال بالضرب والقتل والنهش بالكلاب المفترسة ، تم تدمير المسجد والمدرسة ومعدات الزراعة ، ثم إنتخاب أسرى والطيران بهم بعيدا .

صار ذلك جدولا نمطيا للتعامل الأساسى . وهناك أيضا القصف الجوى المفاجئ على القرى ، أو ضربها بمدفعية الجيش “الوطنى” ، وكثيرا ما أزيلت قرى بالكامل بهذه الطريقة .

الطائرات بدون طيار لها دور محورى فى الإستطلاع والمراقبة إلى جانب عمليات الإغتيال الجوى وترويع الأهالى وقتلهم فى مواقع شتى على الطرقات وفى الحقول ، وضرب الأسواق ، وجرارات الزراعة ..  وفى ذلك موجز غير مكتمل عن حرب المرتزقة فى أفغانستان .

ولكن كيف يواجه مجاهدو طالبان ذلك التحدى ؟؟ .

  – نتيجة لضعفها المخزى على الأرض تعتمد الإستراتيجية الأمريكية على سلاح الطيران ، بحيث يعجز المشاة عن أى تحرك بدون غطاء جوى أو دعم جوى قريب وسريع .

ـ العمليات الأرضية الخطيرة يقوم بها الجيش “الوطنى” !! وبالتالى يتكبد دوما معظم الخسائر فى الأرواح . وكذلك حراسة المدن الكبرى ، أو تأمين الطرق لحركة الجيش الأمريكى(وهى نادرة حاليا ) أو إستكشاف الطريق لقوات المرتزقة فى العمليات الأرضية والغارات المفاجئة.

    فرص تحقيق نجاحات لقوات المرتزقة عند مهاجمة مجموعات من طالبان ، هى عندما تكون تلك المجموعات صغيرة أو منعزلة ، أو محدودة التسليح بحيث لا تحمل صواريخ مضادة للدروع  RPG .

    وأحيانا تمكنت وحدات طالبان الصغيرة من إسقاط المروحيات التى تحمل جنود المرتزقة المعززين بقوات خاصة (وطنية)!! وإسقاط تلك الطائرات يمثل كارثة للعدو لأن خسائر الأرواح تكون كبيرة .

وفى العديد من الحالات فإن الوحدات الصغيرة من مجاهدى طالبان كانت فى موقف القتال لآخر طلقة وآخر نقطة دم فى مقابل هجوم متفوق للمرتزقة المحمولين بالمروحيات  . فيتحقق للمرتزقة نصراً تكتيكيا مدفوع الثمن بالكامل ، بحيث يعتبر خسارة فى الحساب الإجمالى .

وبهذا لن يتحقق أبدا نصراً ميدانيا متكاملا على مجاهدى طالبان ، ويظل الطريق المضمون والممهد أمام المرتزقة هو تدمير المدنيين وحياتهم ومعاشهم .

فيركز المرتزقة على الإنتقام من القرى التى تستضيف المجاهدين أثناء عبورهم أو مبيتهم. حسب ما يردهم من معلومات الرصد الجوى (بدون طيار)، أو شبكة الجواسيس المحليين الذين تفتقر معلوماتهم إلى الدقة ولا تخلوا من عنصر المكيدة وتصفية الحسابات الشخصية أو القبلية.

 

 

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا :

لا يمكن للمرتزقة أن يكسبوا حرباً ـ خاصة فى أفغانستان ـ كما أنهم لم يكسبوا أى حرب فى السابق ـ ولننظر إلى تجربة فرنسا مع فرقتها الأجنبية التى هى سلاح المرتزقة لديها والمكونة من جنود مستعمراتها السابقة . ولها شهرة عالمية فى الوحشية المفرطة ، وعدم التقيد بأى قوانين أو أعراف إنسانية . وهدفهم دوما ـ كما هو الآن ـ إرعاب الشعوب وردعها عن مجرد التفكير فى مقاومة الإستعمار.

كان للفرقة الأجنبية الفرنسية تجارب كثيرة منها فيتنام فى أواسط أربعينات القرن العشرين . إذ أفاقت فرنسا من هزيمتها المخزية فى الحرب العالمية الثانية، فرجعت إلى مستعمراتها السابقة فى الهند الصينية لإعادتها إلى حظيرة الإستعمار الفرنسى . كان الجنرال الفيتنامى ” جياب ” هو النجم الساطع فى تلك الحرب والقائد العسكرى الأشهر . يقول الجنرال جياب عن المرتزقة الذين قاتلهم وإنتصر عليهم بجيش من الفلاحين البسطاء لكن المتحمسين للدفاع عن وطنهم .

قال الجنرال ما معناه : { إن فرنسا إعتبرت هؤلاء المرتزقة غاية فى الإمتياز أنهم يخوضون حرب الآت لا حرب جنود . التدريب الآلى حولهم إلى آلات حرب لا جنود . الحرب تجارتهم لكنهم لا يعرفون لماذا يقاتلون . إنهم يعتمدون على السلاح والتدريب الآلى أكثر من إعتمادهم على روح الجندية } .

{ إن ما يفتقده الإستعمار ليس السلاح ، وفى هذا الخصوص هم يتمتعون بتفوق كامل علينا ، إن ما يفتقدونه هم الرجال الراغبون فى القتال } .

{ إعتمد جنرالات فرنسا على السلاح والمسائل الفنية ولم يعرفوا شعبنا بشكل جيد ، ولم يدركوا أنهم يقاتلون أمة بكاملها وجيش شعبى يشن حربا شعبية } .

فهل الجنرال جياب منذ أكثر من سبعة عقود كان يصف الوضع فى فيتنام أم كان يصف الحال فى الحرب الأفغانية الدائرة حاليا ضد الإستعمار الأمريكى وفرقته الأجنبية من مرتزقة شركات (بن زايد/ برنس / إسرائيل)، أشهر وأقوى جيوش المرتزقة فى القرن الحادى والعشرين .

 

  – يراعى مجاهدو طالبان مبدأ الإنتشار وعدم تركيز القوات تفاديا لسلاح الجو المعادى ، ولعدم إمتلاك طالبان لوسائل مناسبة للدفاع الجوى ، خاصة الصواريخ المحموله على الكتف . والتى فى حال توفرها بأعداد حتى ولو كانت قليلة فسوف تضع حداً لمعظم نشاطات المرتزقة وبذلك تتوفر حماية أكثر للمدنيين ولقوات طالبان معاً .

معظم قوات المجاهدين تتشكل من مجموعات متحركة تتكون ما بين عشرة إلى عشرين مجاهدا ، وذلك لتقليل الخسائر من الضربات الجوية أو عمليات الإنزال الجوية للمرتزقة .

تلك المجموعات المتحركة تتمتع بقدرة كبيرة على التحول من الإنتشار إلى التركيز و بسرعة كبيرة بدرجة تمكنها من التجمع لمهاجمة أهداف كبيرة للغاية كمدينة رئيسية مثل غزنى أو قندوز . وهم قادرون على ما هو أكبر من ذلك، ولكن بعد حل بعض القضايا التكتيكية والسياسية ، سيمر علينا بعضها عند مناقشة عملية الإستيلاء المؤقت على مدينة غزنى فى الصيف الماضى (2018) .

  – هناك وسائل عديدة تتبعها قوات طالبان لمقاومة قوات المرتزقة المحمولين جوا ، منها كمائن المتفجرات بعد إشارات تضليلية بوجود قوات لطالبان فى المكان .

وبالمثل توريط تلك القوات فى كمائن وحصار يكلفها خسائر باهظة وإستنفار عسكرى كبير لاستخراج من يتبقى منهم .

  – تبقى الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف هى العلاج الأفضل والأنجح. وهى مشكلة سياسية قبل كل شئ ، فالدول المنتجة لذلك السلاح لا تجرؤ على تحدى النفوذ الأمريكى. والسوق السوداء التى تذخر بكل شئ تعانى من متابعة إستعمارية دقيقة لتنظيفها من ذلك النوع من الأسلحة تحديدا .

 ويظل أفضل ما هو موجود لدى مجاهدى طالبان لمواجهة المرتزقة هو مبدأ مرونة وسرعة الحركة ، والقدرة على التجمع ثم الإنتشار والعكس .

ويلى ذلك فى الأهمية الكمائن وأفكارها المبتكرة . ثم أطالة أمد الإشتباك مع المرتزقة حتى تتدخل نجدات من مجموعات المجاهدين الأخرى . عندها تكون هزيمة المرتزقة حقيقة لا جدال فيها ما لم يتمكنوا من الإنسحاب بأقصى سرعة فى مروحياتهم .

  – حل أضافى ذو طابع إستراتيجى ، وهو الهجوم على القواعد الجوية الرئيسية حيث يتجمع المرتزقة والطائرات المروحية وتلك التى بدون طيار وبالطبع أنواع الطائرات المختلفة المقاتلة وقاذفة القنابل .. ومعامل تحضير الهيروين .

وتشديد الضغط على تلك القواعد مؤثر فى المجهود العسكرى للمرتزقة وسلاح الطيران وصناعة الهيروين ـ لذلك فهو عمل ذو أهمية إستراتيجية ويحتاج إلى تجهيزات أكثر تطورا وتكتيكات أكثر تعقيدا .

  – عامل إستراتيجى آخر للتأثير على المجهود الضار للمرتزقة ، وحماية المدنيين من هجماتهم . هو تشديد الهجمات على المدن لإرغام النظام على حشد قواه ـ بما فيها المرتزقة وسلاح الطيران ـ للدفاع عن المدن ـ حيث أن الإحتفاظ بالمدن الرئيسية هو الورقة الأساسية التى يمسك بها المحتل ونظامه السياسى العميل فى العاصمة كى يساوم بها فى أى مفاوضات نهائية مع المجاهدين . معتمدا على عدم قدرتهم على مهاجمة المدن أو عدم قدرتهم على الإحتفاظ بها إذا تمكنوا من إقتحامها (كما حدث فى غزنى وقندوز) .

     بالطبع يمكن الإستيلاء على مدن كبرى والإحتفاظ بها فى ظل الظروف الحالية بعد توفير شرائط معينة عسكرية وسياسية . خاصة وأن الإحتلال الأمريكى المباشر بقوات أمريكية ، أو بواسطة شركات المرتزقة وجيوشها ، يخضع أساسا لموازين الربح الإقتصادى المرتبط فى أفغانستان على عامل الهيروين . وحيث أن الأفيون ومزارعه يقع بشكل متزايد فى أيدى مجاهدى طالبان ، أى سيطرتهم أكثر على المادة الخام لتصنيع الهيروين .

     والمطلوب هو مزيد من السيطرة على مزارع الأفيون لحرمان العدو منها . وعدم إعتراض الأفيون عند خروجه من البلاد حتى لا يعود إلى مصانع العدو أو إلى خطوط نقله إلى قاعدة بجرام الجوية عبر المطارات الداخلية ، أو بواسطة التجار المتعاونين مع المحتلين، والذين يجب تشديد العقوبات عليهم وإعتبارهم قوات معادية .

     وسائل خنق صناعة الهيروين وتجارته هى هدف أساسى للمجاهدين فى تلك الحرب . وذلك يشمل صناعة تبيض الأموال المرافق لتلك الصناعة وتوأمها اللصيق بها.

  – وهنا يجب الحديث بشئ من التفصيل عن دور “بنك كابول” بإعتباره ركيزة أساسية فى  تلك الحرب.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان .. (4)

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here