جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

0

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد ( 156 ) | جمادى الآخير 1440 هـ / فبرابر 2019 م .            

23/02/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 6 )

– مغامرات مع المجموعة الأولى من المتطوعين المسلمين فى أفغانستان .

– طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب ، وتدمر مواقع العدو المقابلة لنا .

– حقانى فى قرية شاهى كوت يجهز لفتح قرية تعمير فى وادى زورمات فى أهم مواجهة مع السوفييت فى ولاية باكتيا .

– حقانى يُجْرَح فى معركة تعمير مع  40 مجاهدا ، لكن فكرة فتح المدن ترسخت لديه ، أما قابلية السوفييت للهزيمة فقد أصبحت من البديهيات .

– دبابات ورشاشات ثقيلة وملابس شتوية وأطعمة ، من غنائم معركة تعمير فى الوقت الحرج لدخول الشتاء .

– التوجه صوب خوست : كان التحول الإستراتيجى الأهم فى مسيرة حقانى العسكرية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

مجموعات المتطوعين المسلمين كانت موضوعا حساسا فى الحرب الأفغانية ، وأصبحت أكثر حساسية بعد نهاية الحرب وإنقلاب الغرب والعرب على هؤلاء المتطوعين ، الذين تحول الكثير منهم إلى منحى أكثر عنفا وتطرفا فقهيا . وذلك موضوع هام للغاية مازال يكتب فيه الكثير من الآراء المتضاربة التى يخضع أكثرها لحسابات ومصالح سياسية وإقتصادية ، حيث أن موضوع” الجهاد الإسلامى” بعد أن إختطفته أيدى غير إسلامية صار عاملا مؤثرا فى النظام الدولى ككل.

حقانى كان الأكثر نجاحا فى التعامل مع تلك الظاهرة وأول من إحتك بها وسخرها بشكل إيجابى ، كانت الظاهرة يدة تماما على الأفغان ، والعرب  والمسلمين . وكان الجميع يراقبون بدهشة فى محاولة للتبع والفهم .بالغريزة القتالية الحادة تمكن حقانى من إدراة من قدم إلية من المتطوعين من جنسيات مختلفة ، وتمكن من إسخراج أفضل مالديهم من عطاء قتالى ، وقد كان كثيرا متدفقا بسخاء مع دماء شابة قدمت من أجل التضحية فقط

 

مغامرات مع أول مجموعة جهادية دولية :

ــ  وكنت مع رشيد والشباب الباكستانيين الذين معنا وعددهم حوالي خمسة أشخاص تقريبا .

 كنا جميعا مرشحين بجدارة كي نكون ضمن تعداد القتلى في ذلك اليوم . إذن لخسرت أفغاستان أول مجموعة (دولية) من المتطوعين المسلمين ، ولا أدري كم كان ذلك سيؤثر على مسيرة  الجهاد الطويلة في أفغانستان ،  سلبيا أم إيجابيا، فالمهم أننا لم نقتل . وفي الواقع أن الصاروخ (سام7) قد وضعنا جميعا في مأزق خطير فقد حملنا الصاروخين ، وتسللنا إلي سفح جبلي منبسط مواجه لسهل جرديز ، وكمنا لمروحيتين (مي ـ24) كانتا تصبان  الحمم على الخط الأول للمجاهدين . كان أحد الصاروخين جاهزا للإستخدام وكان رشيد هو الذي يحمله وكنت أقوم بدور مساعد الرامي  ، بينما الشباب الآخرون يحملون الصاوخ الثاني ويقومون بالحماية من قريب . كما ذكرنا مر صاروخنا مرور الكرام من خلف ذيل الهيلوكبتر الأخيرة . فواصلت الطائراتان سيرهما إلى نهاية الوادي وإنحرفت الأولى عائدة إلى المدينة أما الطائرة الأخرى فقد إستدارت راجعة نحونا . توجست شرا من تلك الإستدارة ، أما رشيد فقد جن جنونه وإنتابته عصبية شديدة حتى أنه فشل في تركيب البطارية الخاصة للصاروخ الثاني . وهي عادة تركب بسهولة.

 ونتيجة للعصبية إستعصت، فتجمع الشباب حول الصاروخ ولكني طالبت بمغادرة المنطقة بسرعة . رفض رشيد ورفض الآخرون ، بل أنهم أعطوني بنادقهم حتى  يتفرغون لهذا الصاروخ وبطاريته المشاكسة. كان تكدسا خطرا ومحزنا. حلقة من الشباب تصارع صاروخا كأنه بغل جامح . لم أرفع نظري عن الهيلوكبتر وبات واضحا ـ لي فقط ـ أنها  تتوجه إلينا . ومن جانبي أرسلت إلى المجموعة بيانات مقتضبة وتحذيرات ولكن لا مجيب . مسحت المنطقة بعيني لإختيار المكان المناسب كى أتواجد فيه خلال الأزمة القادمة لا محالة بعد ثوان .

 وعدت بنظري إلي الطائرة. وخيل إلي أن نظراتي إلتقت بنظرات الطيار ويالها من نظرات ، إن أحدنا على وشك أن يقتل الآخر ، ولن أكون أنا سوى القتيل .

 لم أرفع نظري عن خصمي وأنا أصيح في جماعتنا بصوت كالرعد ولكن بلغة إنجليزية سليمة  (إجرى)!! . وتابعت القول بالعمل وجريت في إتجاه متعامد على خط إقتراب الطائرة ـ ولا أدری هل كان ذلك بناء على تفكير سليم مسبق أم أن قدماي قد إكتسبتا خبرة ـ إضافة إلى غريزة فطرية قوية  في الهروب السديد وإختيار المكان المناسب في الوقت المناسب . تحركت بسرعة لا بأس بها إذا وضعنا في الإعتبار أنني كنت صائما كما أنني كنت أحمل على كتفاي بنادق المجموعة كلها تقريبا . أما باقي المجموعة  فقد تحركوا إلي أعلى السفح حيث كتلة ضخمة سوداء من الصخور ، لقد غامروا بالتحرك في نفس خط تحرك الطائرة ، ولكنهم نجحوا في الحصول على مكان أفضل من الذي فزت به . فقد وجدت نفسي محشورا في شق ضيق حفرته مياه السيول وعمقه أقل من قدم ولكنه طويل جدا ومتعرج .

ولمدة عدة قرون وهي المدة التي تخيلتها للمعركة غير المتكافئة بيني وبين الهيلوكبتر وكانت معركة من جانب واحد كما هو واضح ..معركة صراع بقاء ومنافسة بين أفضل تكنولوجيا عسكرية في عالم طائرات الهيلوكبتر وبين غريزة الإنسان في التخفي والإختباء النابعان من حب  البقاء . لقد تغطيت بالرداء الأفغاني (الباتو) وحاولت المناورة بالزحف وتغيير مكاني بين كل زخة نيران ترشقها الطائرة على جانبي الحفرة . وبعد كل تغيير أتلقى عددا آخر من الزخات كدليل على أن رامي الرشاش يراني بوضوح كامل . ومن حسن الحظ أن هذا الطيار (الحاقد) كان قد أفرغ صواريخه جو/ أرض في رماياته السابقة على مجاهدينا في الخط الأول، وإلا فإنني وإخواني عند الصخرة كنا قد فزنا بمنازل الشهداء في يوم الثالث من رمضان عام 1401هـ ، وياله من يوم مبارك، ولكننا لم نكن في المستوي اللائق لنيل درجة الشهادة ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم جاء بعده حتى لحظتنا هذه.

 نجحنا في مغادرة المكان بعد إنصراف الطائرة التي أفرغت كل مخزونها من الطلقات حتى أصبحت خالية من الذخيرة . ولكن لم نلبث أن وقعنا فی ورطة مع القصف المدفعي حتی عادت الطائرات بعد ساعة أو أكثر .

ولكن القوات الحكومية تجمدت في أماكنها ثم تراجعت تماما بعد العصر . وحامت الطائرات النفاثة فوق مواقعنا لكنها لم تشارك في الإحتفال لسبب مجهول . وهكذا فشلت التكنولوجيا ـ متمثلة في صاروخ سام7 ـ في أن تتوائم معنا . وتكرر ذلك معنا في السنوات التالية مع أجهزة أخرى ومناسبات مختلفة. ولم تمض سوى أيام حتى إكتمل الدرس أمام أعيننا ، وظهر سلاح آخر ـ ضد الطيران أيضا لا يعتمد على التكنولوجيا ولكن إعتمد على عوامل غيبية نعجز عن فهمها . ولنضع هذا الحادث  إلى جانب حادثة (سام7) ثم نقارن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب !!.

في التاسعة صباحا من ذلك اليوم الرمضاني المشرق كان جميع من في المركز نائمين،حيث لا نوم تقريبا أثناء الليل . كنا في خيمة أعلى الجبل  . صوت الطائرة النفاثة المنقضة فوق الخيمة أثار فزعنا ونقمتنا .

 أحد المجاهدين دخل الخيمة غاضبا وإستل مسدسه وأطلق عدة طلقات في أعقاب الطائرة ، فلم أتمالك نفسي من الضحك . وحتى الآن أبتسم كلما تذكرت الموقف . دارت الطائرة وهي تتمايل حول قمة جبلنا ولكن على إرتفاع مناسب ربما تفاديا لمسدس صديقنا.  إنصرف الطيار بعد أن إستعرض مهارته في إغاظتنا . إختفى ولم يرم علينا قنابله رغم أننا لا نشك في أنه رآنا . لعبت الوساوس في رأسي وسألت رشيد عن رأيه فيما حدث ، وبالأحرى فيما سوف يحدث .

وجدته هو أيضا في قلق ويتوقع شرا . فإقترحت أن نفعل شيئا تحسبا للأمر.  من أعلى الجبل (الحائط) نزل بسرعة رجل يحمل رسالة من رشيد إلي المجاهدين في المركز بالإنتشار وتجهيز الدوشيكا للطوارئ . وبعد عشرين دقيقة تماما من إختفاء الطائرة الأولى ظهرت ثلاث طائرات واضحة الفخامة ذات لون رمادي ـ على غير عادة الطائرات الشيوعية ذات اللون الفضي ـ تعرف رشيد على الطائرات بأنها من طراز (ميج ـ 23) .

مرت الطائرات من فوق خيمتنا البيضاء ثم شكلت حلقة تدور حول قمة جبلنا . لم يعد هناك مجال للتخمين ، لقد جاء (الكبار) للقضاء علينا . لم تكن الطائرة الأولى سوى صبي شقي نقل الخبر إلى إخوانه الكبار . كل من يحمل سلاحا منا أطلق في إتجاه الطائرات، نعرف أننا لن نصيبها ، ولكننا سوف نقتل على أية حال..  هكذا تصورنا .  كمن رشيد مع صاروخ سام7, ولكني لم أكن مستعدا لتكرار المأساة ورأيت أن الكلاشنكوف أكثرمصداقية، وبدأت في إستخدامه ضد الطائرات .

 بعد عدة دورات إختفت الطائرات الثلاثة في إتجاه الغرب ، ولعدة دقائق حبسنا فيها الأنفاس، فنحن على يقين بأنهم سوف يعودون ولكن كي يقصفونا مباشرة بلا أي لف أو دوران .

وأخذت أتلو كل ما أعتقد أنه ينفعني عندما ألقى الله بعد دقائق معدودة . سمعنا صوت طيران بعيد نسبيا ثم تكبيرة هائلة من القمة القريبة يطلقها مجاهد أخذ يتقافز طربا،صائحا (زنده باد إسلام)، ثم صوت إنفجارات تأتي من جهة الوادي. أسرعنا إلى القمة القريبة فكان منظرا لا يصدق . الطائرات الثلاث التي نتوقع أن تقصفنا تقوم بعمل غير معقول !! إنها تقصف مواقع العدو على جبل(جوجارى) على بعد حوالي عشرة كيلومترات فدمرتها شر تدمير . كانت مواقع العدو تستخدم للترصد وحماية المدخل الشرقى للوادي ، فالجبل منيع ومرتفع ويقع معظمه في الوادي بحيث يسهل الدفاع عنه وتموين قواته.

كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عملية قصف جوي بهذا الجمال. كان منظر الطائرات رائعا وهي تدور ثم تنقض على هدفها ثم أعمدة الدخان والنار تتصاعد من الإنفجارات ، وما أن تفرغ طائرة من إنقضاضها حتى تتبعها الثانية ثم الثالثة .

ولا يمكن تصور حالة الذعر التي أصابت القوات الشيوعية فوق الجبل ، لأن آخر ما كانت تتوقعه هو أن تتعرض لقصف جوي . وقد وصلتنا في اليوم التالي معلومات عن خسائر العدو

وأقل ما توصف به أنها كانت فادحة . ذلك هو العامل  الغيبي الذي لم يحطم طيران العدو ، بل حوله إلي العمل لصالحنا .

ولم أشهد حادثا مثل هذا بعد ذلك . ولكن شاهدت فيما بعد كيف مكننا الله من تدمير طائرات العدو وهى على الأرض (أى وهى فى أضعف حالاتها) ، ولذلك قصص أخرى .

لم نلبث إلا عدة أيام حتى تحولنا إلى شاهي كوت وهي قرية ساحرة جنوب وادي زورمات ومقابلة تماما لمركز تعمير ـ الهدف القادم للمجاهدين ـ  شاهي كوت قرية جبلية ولكنها وفيرة المياه وأشجار الفاكهة وذات جمال يطول وصفة ويطول وصفها . ويمكن القول أنها إحدى الجنات المجهولة التي تزخر بها أفغانستان. بيوتها جميعا طالها الدمار الكامل أوالجزئي . كانت أشجار التوت والمشمش تملأ الطرقات الضيقة وأفنية البيوت المهجورة .

وكميات هائلة من الثمار مطروحة أرضا لا تجد من يلتقطها . وجدنا في القرية أسرة واحدة فقط . مجاهد واحد مع زوجته وطفل وطفلة، كلاهما تحت السادسة من العمر يقفان في ذهول وسط الطرقات المقفرة ، والحقول المليئة بالأعشاب البرية الموحشة.

كان منظر الطلفين لا يقل وحشة وحزنا عن منظر القرية المدمرة . تخيلت هذا المكان قبل الحرب وكم كان مرح الأطفال وسعادتهم في وسط كل هذه الأشجارالمثمرة الظليلة وجداول الماء التي تروي العطش ولا يرتوي منها النظر . تخيلت أطفالي لو جاءوا معي إلى هذا المكان. تبسمت لهذا الخاطر كم ستكون صعوبة أن أجمعهم مرة أخرى من فوق الأشجار وجداول الماء ، وحتى من الحقول المهجورة ذات الأعشاب الوحشية .

زارنا مولوى جلال الدين في القرية وعقد جلسة شورى موسعة مع مجاهدي المنطقة وما تبقى من السكان ، وأخبرني عن وفد ذهب إلى باكستان كي يقنع أهالي شاهي كوت بالعودة التدريجية على أن يعود الرجال أولا مع بعض النساء لزراعة الأرض. أفلحت مجهودات التشبث بالأرض لفترة محدودة ثم إنهارت للأسباب التي ذكرناها .

وقد عدت مرة أخرى إلى شاهي كوت عام 1988م ، ولم أجد فيها سوى المجاهدين فقط وبدون أثر لحياة مدنية للسكان . إنها سياسة الأرض المحروقة ، و تفريغ الأرض من السکان ، والتي تكاتف على تنفيذها السوفييت وقادة الأحزاب في بيشاور مع (منظمات الإغاثة الإنسانية) بسياساتها الخبيثة . بالتدريج بدأت تتضح فكرة الهجوم على مركز تعمير. وكما ذكرنا فإن الروح المعنوية كانت في قمتها . فضربات المجاهدين ناجحة بإستمرار والمبادرة العسكرية في يدهم دائما ، والعدو في حالة إحباط وهجماته فاشلة ، وسلاحه الجوي يبدو كأنه فقد تأثيره حتى تعود الناس على الإفلات منه وتحمل تواجده كضيف ثقيل … ضار أحيانا. عقدت العديد  من جلسات الشورى داخل بيوت شاهي كوت المدمرة، تمتعت خلالها بأكل أكبر وأشهى كمية من فاكهة المشمش والتوت . كنت مسرورا أكثر من أي شخص آخر، ليس من أجل الفاكهة فقط ، ولكن لكوني أرى إتحادا حقيقيا بين المجاهدين ، إتحاد يتخطى القبيلة والحزب. لم أكن واهما في ذلك فقد أثبتت معركة تعمير أن ما كنت أراه كان حقيقة.

فالمعركة كانت أكثر من رائعة ، وكانت أكبر تحدي للسوفييت في باكتيا . القتال كان في منتصف وادي زورمات فسيح الأرجاء ، حيث الغلبة العسكرية لمن يسيطر على الجو ويمتلك الدبابات . المعركة أثبتت العكس . الكفة كانت (للمسلمين المُتَحِدين) الشجعان الفدائيين . تجمع قادة المجموعات في أيام وليالي رمضان يتناقشون ، وتجمعت الإمكانات وكانت الحصيلة مذهلة بمقياس ذلك الوقت. تجمعت لدى المجاهدين ست دبابات إضافة إلى عدة مدافع ميدان عيار 122مم ومدافع جبلية عيار 76مم .إضافة إلى عدد كبير من المجاهدين شاركوا في الهجوم. لقد تأخر الإتفاق كثيرا ولم تنفذ العملية إلا بعد عيد الأضحى. وإنتهاء جميع المناسبات الدينية التي تستدعي إجازة إجبارية من العمليات، لذلك لم أستطع حضورها.  وأبلغني رشيد بنتائجها تليفونيا. كما تلقيت رسالة كتابية من حقاني حول نتائج المعركة. بعثت بها إلى جريدة الإتحاد مع شرح موجز لأهمية نتائج المعركة والتحديات الخطيرة التي تمثلها.

لقد تركت تلك المعركة تأكيدا في نفوس من خاضوها بأن الروس قابلون تماما للهزيمة. وهي نتيجة كان من العسير إقناع الناس بها، فبقيت حكرا على المقاتلين فقط . لذلك إختلفت كثيرا حسابات خطوط القتال مع حسابات بيشاور والمتعاونين معها . وأظنني تبنيت وجهة النظر الأولى وتصادمت بشدة مع معتنقي الرأي البيشاوري . كونت رأيا مفاده أن المساعدات يجب أن تصب مباشرة في الداخل وأن يتواجد المتطوعون العرب هناك ، كي يقوموا بمهمة مزدوجة . فمن جهة يساعدون على إقامة إتحاد حقيقي بين المجاهدين الحقيقيين ، ومن جهة أخرى ينظمون أنفسهم ويقاتلون إلى جانب إخوانهم الأفغان. وكنت أرى أن دور الإخوان المسلمين مازال ضروريا لتنظيم العمل العربي نفسه .

 

 

عن معركة تعمير(1981 ) مرة أخرى :

إستمرت المعركة خمسة أيام متواصلة . حوصر فيها الموقع ، وحاولت قوة عسكرية من جرديزالقريبة أن تفك الحصار فأوقعها المجاهدون في كمين ودمروها .إستمرت المعركة أربعة أيام إضافية فتح فيها المركز.

 وأمامي الآن قائمة الغنائم وكانت :

دبابتين سليمتين من طراز (تي ـ54) ــ ومدفعين من عيان 76مم ــ مع 3 رشاشات ثقيلة  من طراز دوشكا . و 7 صناديق قنابل يدوية و 122 ألف طلقة كلاشنكوف و 6 رشاشات خفيفة. مع عدة سيارات محملة بالأغذية والملابس الشتوية(كان الشتاء على الأبواب).

وقد جرح حقاني في هذه المعركة ومعه 44جريحا آخر .

أما عدد الشهداء فكان ثلاث عشر شهيدا . إستمر المجاهدون في وادي زورمات أكثرمن شهرين ـ قبل وبعد العمليات ـ وقطعوا تماما الطريق بين جرديز وغزني وقطعوا أيضا إتصال جرديز مع كابل . أي أن جرديز قضت فترة من الحصار البري الكامل . وفشل الروس في تطهير وادي زورمات الفسيح طوال عدة أشهر بل فشلوا في صد هجمات المجاهدين على مواقع رئيسية في ذلك الوادي وفي مقدمتها  مركز تعمير . هل كان ذلك يعني شيئا آخر سوى أن السوفييت ليسوا سوى نمور من ورق وأنهم قابلون للهزيمة ؟ ..لقد ولدت فى تعمير وترعرعت فكرة فتح المدن الكبيرة ، وبعد أن كانت طيفا شاحبا قبلها ، أصبحت بعد تعمير فكرة معقولة . لم تبارح تلك الفكرة الطموحة ذهن جلال الدين حقاني. وسوف نتحدث عن نمو تلك الفكرة وتطورها في برامجه العسكرية حتى حقق أكبر إنجاز عسكري في حرب أفغانستان متمثلا في فتح مدينة خوست . هذا الكلام يتعلق كثيرا بما ذكره محمد يوسف في كتابه فخ الدب وإدعاءاته كضابط مخابرات ـ بأن أفكار الدفاع الثابت عن القواعد الإستراتيجية للمجاهدين كانت فكرته ، وأنه ساند مشروعا للهجوم على خوست عام 1985م قام به المجاهدون ولكنه تكلل بالفشل . وسوف نتعرض لكل ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

التحول الإستراتيجى الأهم:   التوجه إلىى خوست .

من أهم التحولات فى العمل العسكرى لحقانى كان نقل ثقل عمله العسكرى من جرديز عاصمة ولاية باكتايا إلى منطقة خوست الحدودية والتى تضم أهم المراكز العسكرية والإستخبارية فى أفغانستان  فى ذلك الوقت . وفرت خوست لحقانى خطوط إمداد أقصر  مرتكزة على المدينة الحدودية ميرانشاة ، وفيها سوق للأسلحة والذخائر ، مع توافر مشتقات النفط والأغذية ومقدار بسيط للخدمة الطبية ، تعاظم مع السنوات وتوافد بعض منظمات الإغاثة “الإسلامية”.

ما أن هبطت الثلوج في جرديز فى شتاء 1981حتى نزل حقاني إلى الجنوب وبدأ نشاطه العسكري في خوست ، حيث البرودة أقل قسوة ويمكن للمجاهدين العمل فيها أثناء الشتاء فتمكن من الإستيلاء على حصن (دابجي) الذي يتحكم في أحد الممرات الطبيعية الواصلة بين وادى خوست والأراضي الباكستانية .

أتاح هذا النصر حرية حركة أوسع للمجاهدين من خلال ذلك المنفذ .ولكن الإستفادة منه لم تكن كبيرة للغاية لسببين:

الأول بعده النسبي عن ميرانشاه  الباكستانية والتي كانت المعقل الصديق خلف الحدود ، حيث

الإمداد ومراكز القيادة والإدارة لمنظمات المجاهدين . والسبب الثاني والأهم أن قبائل من منطقة (ميرعلي) الباكستانية القريبة من ذلك المنفذ الحدودى لم تكن متعاونة مع المجاهدين ،وكانت تتلقى دعما ماليا وتسليحا من حكومة كابل الشيوعية .

وفي هذه الأيام ـ وقت كتابة هذه الأسطر ـ أشعربالأهمية العالية لفتح حصن (دابجي) بأكثر مما كنت أشعر به فى وقت حدوثه.

عقيد الإستخبارات(محمد يوسف) عبر في كتابه وبشيء من الإحتقار لتلك الفتوحات الحدودية .

 وقال عنها أنها كانت محببة لدى (قومندانات) ـ قادة ـ المجاهدين الميدانيين لكونها قريبة من

مراكز الإمداد داخل الحدود الباكستانية كما أنها تضمن لهم الثناء والمكافأة من الحكومة الباكستانية والسمعة العالية في الخارج عبر وسائل الإعلام . كان ما يقوله العقيد صحيحا في بعض الحالات، سوف يرد معنا ذكر بعضها. ولكن فتح  (دابجي) لم يكن من تلك الحالات. أقول … أدركت الآن أهمية تلك الفتوحات الحدودية وضرورتها لتأمين منافذ آمنة ومحمية يستخدمها المجاهدون في العبور . وقد عاصرنا في العامين الأخيرين (1993م ـ 1994م)

 مأساة المجاهدين في طاجيكستان وهم لا يجدون تلك المنافذ ، فقد إتخذ الروس من نهر جيحون (آمو داريا) عائقا طبيعيا أقاموا خلفه نقاط الحراسة والدوريات مانعين المجاهدين من

 العبور .

وخلال هذين العامين لم يكن العبور ممكنا إلا بدفع رشوات محترمة للضباط الروس ، مع وجود مخاطر دائمة أثناء عبور المجاهدين الذي يستمر أحيانا بطول ستين كيلومترا على طوال النهر وتحت ملاحظة الروس حتى ينحرف المجاهدون شمالا إلي عمق البلاد .

كانت الحدود الأفغانية دائما تستعصي على الإغلاق لطبيعتها الجبلية وطولها الذي يستحيل تغطيته . وليس الحال كذلك ـ بكل أسف ـ في حالة طاجيكستان في جهادها الراهن . لهذا لم يشعر (العقيد) بأهمية ذلك العمل، فقد وصف محاولات الروس إغلاق الحدود الأفغانية مع باكستان بأنها مثل محاولة إغلاق صنبور المياه بوضع اليد على فوهته . لقد حاصر حقاني حصن دابجي لمدة شهر ونصف  ومنع كل النجدات القادمة من خوست ودمرها.

 وفي النهاية فرت حامية الحصن في جنح الظلام تاركين العديد من القتلى والجرحى وكميات من الأسلحة والعتاد من بينها دبابتان من طراز (تي ـ 34) ومصفحة واحدة . وقد بذل جلال الدين حقاني جهودا كبيرة حتى أقنع السلطات الباكستانية بنقل تلك الدبابات عبر الأراضي الباكستانية وإدخالها مرة أخرى إلى أفغانستان عبر ممر (صدقي(أو ممر(غلام خان) القريب منه وكلاهما يؤديان إلى مناطق نشطة وحساسة عسكريا . وكان لتلك المعدات تأثير كبير في عدد من الصدامات الهامة مع القوات الشيوعية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

23/02/2019

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here