من ((إسرائيل الكبرى)) إلى ((إسرائيل العظمى)) -2

0

نقلا عن موقع الحوار المتمدن 

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر

من (( إسرائيل الكبرى )) إلى (( إسرائيل العظمى)) 

(2)

 

لقد كانت فلسطين حاضرة بقوة في أروقه “مؤتمر لندن/عام 1907” وشكلت واحدة من أهم وأخطر وصايا “وثيقه كامبل” التي صدرت عن ذلك المؤتمر.. بينا كانت “اتفاقيات سايكس/بيكو 1916” و “وعد بلفور 1917” عبارة عـــــــــــن:
“خارطة الطريق/ التنفيذية” لتنفيذ قرارات ذلك المؤتمر ووصايا وثيقته الاستعمارية الخطيرة، ووضعها موضع التنفيذ!!

فتم بموجبهما اقتسام الوطن العربي وتقسيمه، وتم احتلال فلسطين واستعمارها واستيطانها ـ قبل وأثناء وبعد ـ بداية ونهاية الحرب العالمية الأولى 1918 – 1914 !!

وهي الفترة التاريخية التي شهدت صعود المد الاستعماري الكونيالي في كافة أرجاء العالم، بحيث أدى ذلك المد والتنافس بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ واحتلال أراض الشعوب الأخرى ـ بما فيها بعض الشعوب الأوربية ـ إلى قيام تلك الحرب العالمية الأولى المدمرة، والتي استمرت لأربع سنوات متتالية، رافقها ومن خلالها تحول الاستعمار الكونيالي الأوربي إلى إمبريالية عالمية متوحشة، تأكل بعضها بعضاً بحروب مدمرة بين أطرافها الاستعمارية المختلفتين، كالحربين العالميتين الأولى والثانية!

والإمبريالية كما يُعَرِّفَها لينين هي: “أعلى درجات الاستعمار”، وهي الدرجة الاستعمارية التي وصلتها الولايات المتحدة بين تلك الحربين العالميتين، وتمثلها بأبشع صورها في عالم اليوم!!

فالإمبريالية في أحد وجوهها، هي استعمار مموه، لا يستخدم الغزو والاحتلال المباشر للأرض أو الاستغلال المكشوف لثروات الأمم ـ وإن خالفته الإمبريالية الأمريكية لتحوشها ـ إنما بالواسطة، ومن خلال:

التقدم العلمي والتكنلوجي والاقتصادي والقوه العسكرية الغاشمة ـ إن تطلب الأمر ـ وكذلك من خلال مؤسسات محليه وشركات عابره للجنسية، ومن خلال مؤسسات دوليه كالبنك والمصرف الدوليان، وحتى من خلال الأمم المتحده وبعض منظماتها الدولية المتنوعة، وكذلك من خلال الحلفاء بما فيهم دول كانت كبرى: كبريطانيا وفرنسا وألمانيا….الخ , والتابعين والوكلاء الآخرين و “الكيانات الوظيفية” في بعض مناطق العالم المختلفة، كالكيان الصهيوني في منطقتنا العربيه، بحيث تصبح جميع هذه الأسماء والمسميات في النهاية في خدمه الإمبريالية العالمية في طورها التوحشي هذا، وسيفاً من سيوفها تحارب بهم جميع شعوب الأرض!

كما شهدت تلك الفترة التاريخية المهمة في الوقت ذاته، ولاده [نقيض الإمبريالية النوعي] متمثلاً بــ “ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى” في روسيا القيصرية وقيام الاتحاد السوفيتي، كما شهدت أيضاً بدايات نضالات شعوب المستعمرات لنيل استقلالها!

وكانت حكومة الثورة في روسيا، هي التي كشفت النقاب عن “اتفاقيات سيكس/بيكو” بعد أن كانت سريه، وطي الكتمان .

فقد كانت الحكومة القيصرية السابقة طرفاً في تلك الاتفاقيات الاستعمارية، ولها حصة من كعكة الدولة العثمانية، كما لبريطانيا وفرنسا حصص دسمة فيها.. وكانت حصة روسيا بجوارها الجغرافي، وتشمل أجزاء من إيران وتركيا وأرمينيا ومناطق أخرى غيرها كانت ستحصل عليها بعد انتهاء الحرب، كما حصلت بريطانيا وفرنسا على حصصها بعد انتهائها!

لكن قيام ثوره اكتوبر أسقط القيصرية في روسيا.. وبسقوطها: 

((سقط حلم الإمبراطورية الروسية التوسعي بالسيطرة على مناطق شاسعة في تركيا؛ منها مضيقا البوسفور والدردنيل، ومدينة القسطنطينية (إسطنبول)، وطرابزون، وكذلك كردستان، ومدن إيرانية، وأجزاء من أرمينيا))
[عن: مذكرات سازونوف/ وزير خارجيه روسيا القيصرية، وكان اسم (سازونوف) كان سيذكر بجانب أسمي [سايكس وبيكو] في تلك الاتفاقيات، إلا أن سقوط القيصر أسقط اسمه منها أيضاً، بحسب وثائق كشف عنها برنامج “رحلة في الذاكرة” الذي بثته قناة “روسيا اليوم” في الاسبوع الماضي، واعادت بثه السبت الماضي !2018-11-10.

 

بتقسيم الوطن العربي واقتسامه بين الحليفين في الحرب في الحرب الأولى، تحققت (الصفحة الأولى) من صفحات “مؤتمر لندن 1907 ” ووصاياه التي تضمنتها “وثيقه كامبل”، وحسب “خارطة الطريق” التي رسمتها “اتفاقيات سايكس/بيكو”!

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ونهايات النصف الأول من القرن العشرين الماضي، تم تحقيق (الصفحة الثانية) من قرارات “مؤتمر لندن 1907″، والمتمثلة بتحويل (الاستيطان في فلسطين) إلى (كيان سياسي) أسمه “إسرائيل”!!

وقد حددت لهذا الكيان وظائف استعماريه في المنطقة العربية، حددها له ذلك المؤتمر بدقه!.

وقد نجح هذا الكيان الاستعماري في تأدية الوظائف المناطة به نجاحاً باهراً.. فقد تمكن من فصل المشرق العربي الآسيوي عن المغرب العربي الأفريقي فعلياً، بعد أن كان نظرية على الورق، وتحول في الوقت نفسه ـ كما حدد مؤتمر لندن وظائفه ـ إلى أداة فعالة تستنزف جهد العرب، وتمتص ثرواتهم وتمنع نهوضهم وتديم تخلفهم وتؤجج خلافاتهم وتقمع تطلعاتهم وتسفه أحلامهم بإعادة توحيد وطنهم.. وتسقط بالقوة الغاشمة أيه تجربه نهضوية حقيقية تلوح في أفقهم!!

وقد يكون الترويج اليوم لما يسمى بــ “الشرق الأوسط الجديد” و “صفقة القرن” و (التطبيع السريع والمتلاحق) هذه الأيام، يراد منها إعادة هيكله المنطقة العربية، وبدأ (صفحة ثالثة) ـ نجهلها ـ لمؤتمر لندن ووصاياه السرية، بسايكس/بيكو جديده؟

إن هذا الكيان الوظيفي الاستيطاني في فلسطين لم يكن بدعة جديدة في واقع العالم، إنما هو تكرار لظاهرة استعمارية استيطانية تمت تجربتها بنجاح في أغلب قارات العالم، وقد تم الفضاء وتصفية بعضها ـ في زمبابوي والجزائر وجنوب أفريقيا واوغندا…الخ ـ وبعضها الآخر يستحيل على التصفية، كاستيطان الأوربيين للأمريكيتين واستراليا ونيوزلندا!! .

وكانت تلك الكيانات بمجلها (كيانات وظيفية) كالكيان الصهيوني تماماً، وكل منها تؤدي للإمبريالية العالمية وظائف متنوعة في بيئتها المحلية!!

لكنها، وبحكم كونها كيانات مصطنعة وليست أصيله في البيئات المحيطة بها، بقيت بمجملها كيانات هشة وهامشية، لكونها غريبه عن البيئات التي زرعت في وسطها، وعمرها الافتراضي ينتهي بانتهاء وظيفتها الاستعمارية في تلك البيئات.. ولهذا تمت تصفيه بعضها نتيجة لنضالات الشعوب صاحبة الأرض الأصلية، أو لانتهاء عمرها الافتراضي أو الاستغناء عن خدماتها، واحلال (حكومات وطنيه) بالاسم، وتؤدي دورها نفسه للإمبرياليين!

أما الظاهرة الاستيطانية المماثلة في فلسطين المحتلة المسماة بــ “إســـرائــيــل”، فهي تفترق عن تلك الكيانات الهامشية ببعض النقاط الجوهرية.. لـــكونها :

 

أ ـ قائمه على دعوة دينية ـ وإن كانت ملفقة ـ ومعتقدات مشتركة مع دين أغلبية شعوب تلك الدول الإمبريالية، التي تستغل عاطفة شعوبها الدينية لتثبيت كيانها وتبرير وجوده في فلسطين!
ب ـ ولكونها تفصل ((الممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية والإفريقية وملتقى طرق العالم وأيضا (هي) مهد الأديان والحضارات)) كما تقول: “وثيقه كامبل”.. ولهذا لها أهمية خاصة للإمبرياليين، ولهم مصالح حيوية فيها ـ أي في هذه المنطقة ـ لقرنيين قادمين ـ على الأقل ـ!

ج ــ ولكونها مشروعاً اقتصادياً مربحاً، يوفر كثيراً من الأموال والمنافع والجهد العسكري للإمبرياليين، لو أنهم أداروا المنطقة بأنفسهم، فــ “إسرائيل” توفر لهم أكثر عشرة مليارات دولار سنوياً، بضبطها عوضاً عنهم!!

لأن ضبط المنطقة والسيطرة التامة عليها، يحتاج لخمس أو ست أساطيل بحرية، وكل منها يكلف ما يقارب الأربع مليارات سنوياً، في حين أن “إسرائيل” تكلف ثمن اسطولين من هذه الأساطيل سنوياً، تأخذها على شكل “مساعدات قيمتها سبع مليارات” سنوياً وتوفر الباقي كما يقول: الدكتور “محمد المسيري”!!

فلكل هذه المنافع والخدمات ولغيرها، لا يمكن للإمبريالية أن تستغني عن هذا الكيان الوظيفي، في المرحلة الحالية على الأقل!!

ولهذه الأهمية الفائقة التي تشكلها “إسرائيل” للإمبريالية العالمية، فقد تبناها الامبرياليون بالكلية، والحقوها بمركزهم القيادي مباشره، ولم يبقونها على هامشهم كالكيانات الوظيفية الأخرى في العالم.. كما أنهم أخذوا بيدها وسمحوا لها بالتطور النوعي، بنفس أو بقرب تطورهم النوعي على جميع الصعد: سواء على صعيد التطور العلمي والتكنولوجي، أو على صعيد القوه العسكرية والاقتصادية والسياسة والمكانة الدولية، أو على صعيد مركزها الإقليمي كقوة عظمى في الإقليم.. لتتمكن بكل هذه الرفيعه من أداء وظائفها داخل الإقليم بشكل مثالي، وفي خدمه المركز الإمبريالي العالمي، الذي تمثله الولايات المتحدة اليوم!

لقد كان سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية ـ الضد النوعي للإمبريالية ـ إعلاناً بوصول الإمبريالية العالمية إلى مستوى “أعلى درجات الاستعمار” ولأعلى قمم تطورها النوعي، وإيذاناً بانفراد الولايات المتحدة ـ زعيمة هذه الإمبريالية العالمية ـ بقياده العالم.. وبافتراسه أيضاً!.

وكان هذا أيضاً إيذاناً للكيان الصهيوني بالسير على نفس خطى الإمبرياليين بالتطور، والسماح له بالانفراد بقياده إقليم الشرق الأوسط برمته، كانفراد الولايات المتحدة بقياده العالم وفرض شروطها عليه، والسماح له بافتراس المنطقة العربية، بخضوعها لكافة شروطه!!

وما الصراع اٌلإقليمي المحتدم حالياً بين دول الإقليم الكبيرة ـ كل وتوابعه ـ إلا تعبيراً عن هذه الإرادة الإمبريالية، وصراعها مع أضدادها المتنوعي السياسات والإيديولوجيات في المنطقة!

لقد كان لهذا التحول النوعي للإمبريالية العالمية، ولوكيلها العام (“إسرائيل”) في المنطقة العربية أسباب موضوعيه تتمثل بـــ:
إن الكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين في جوهره ظاهرة استعمارية خالصة، قامت وفق شروط ومفاهيم الاستعمار الكونيالي ومصالحه الدائمة في المنطقة.. وهذه الظاهرة الاستعمارية تتطور بتطور طبيعة الاستعمار الكونيالي وطبيعة مصالحه في كل مرحلة تاريخية، فتتحول وظائف هذه الظاهرة الاستعمارية الكونيالية بتحوله إلى النمط الإمبريالي.. ولأن الاستعمار الكونيالي قام جوهره بالأساس، على استعمار الأرض وامتصاص خيراتها وموادها الخام لاستغلالها صناعياً بالدرجة الأولى، وتحويلها إلى سلع ومنتجات صناعيه، وتوزيعها وبيعها في أسواق العالم الواسعة!

ولأن الحركة الصهيونية التي أنشأت الكيان الصهيوني هي عبارة عن ظاهرة الاستعمارية ملحقة به، وتتأثر بجميع تحولاته النوعيه، فإنها قد تأثرت بالفكرة الجوهرية تلك لــ (قيمه الأرض) واستعمارها.. فرفعت أنذك شعار:
• ((إسرائيل الكبرى.. (التي تمتد).. من الفرات إلى النيل))
لاستعمار أرض فلسطين وما جاورها من أراض شاسعة تمتد من: فرات العراق وسوريه .. إلى نيل مصر والسودان، لاستغلال بشرها وثرواتها وموادها الخام، وتحويلها إلى منتجات صناعيه وتصريفها في أسواق المنطقة نفسها، والعالم أيضاً!

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here