التربية السياسية (1) : مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

0

سلسلة مقالات في التربية السياسية

المقال الأول بعنوان: مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمد r، جاء بالرسالة الخاتمة، والحنيفة السمحة، والمحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذه الرسالة المحمدية، التي قدمت للبشرية أرقى النماذج السياسية في إدارة الموقف، وفي وضع أهداف العمل السياسي، فصلاة الله وسلامه على النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه؛ ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

إن السياسة الشرعية من أهم الجوانب التي عنى بها الإسلام؛ من خلال وضع المبادئ العامة، التي تهدف إلى إقامة العدل والإحسان، ومبدؤها المساواة في الحقوق لكل شرائح المجتمع المسلم، من خلال الآيات المحكمة؛ وأيضاً من خلال سنة رسول الله r والشورى.. وترك الباقي لكي  تجتهد فيه الأمة الإسلامية حسب الظروف التي تمر بها، ولقد كان من أوائل ما قام به الرسول r في صلح الحديبية، وأرسى قواعد المنهج السياسي؛ المستند لخطة وهدف، ليتسنى للعقل المسلم أن ينتهج ما انتهجه رسول الله r، كما سيتضح معنا في هذه الدراسة.

 

 تعريف السياسة في اللغة:

السياسة مشتقة من السياسة، وهي في اللغة: مصدر ساس يسوس، مادتها (س، و، س)، وهذه المادة تدل على أصول، جاء في (المصباح المنير): ساس زيد الأمر يسوسه أي: دبره وقام بأمره. وجاء في (لسان العرب) لابن منظور الأفريقي: السَّوس: الرئاسة، يقال: ساسوهم سوسًا، وإذا رأسوا الشخص، قيل: سوسوه، وأساسوه. ونقول: ساس الأمر سياسة أي: قام به على أكمل وجه.

ونقول: سوسه القوم أي: جعلوه يسوسهم. ويقال: سوس فلانٌ أمر بني فلانٍ أي: كلف سياستهم، والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه، ومن هذا يتضح أن كلمة السياسة تطلق في اللغة بإطلاقاتٍ كثيرة، ومعناها في جميع إطلاقاتها يدور على تدبير الشيء، والتصرف فيه بما يصلحه، هذا هو تعريف السياسة في اللغة، ومما سبق يتضح لنا من التعريفات أن السياسة هي تدبير ورعاية وتأديب وإصلاح الشيء.

 

تعريف السياسة في الفقه.

أما تعريف السياسية الشرعية في اصطلاح الفقهاء، فللفقهاء فيه أقوال: قيل في تعريف السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي أي: دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماع، أو قياس.

 وعرفها البعض أيضا بأنها: هي ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه النبي r ولا نزل به وحي.

فمضمون الحاكم في سياسة المجتمع هي مشروعيته، أي شرعيته في سياسة وإدارة الحكم، فيجب أن تكون من شريعة  الله هي الحاكمة، وأن يكون الدين كله لله بلا تجزئة، ” وبين الشرعية والشريعة جناس كامل… لفظاً ومعنى! كلاهما مصدر من فعل واحد شرع، وهو فعل يفيد البدء في السير على أساس من سبق التنظيم، ومنه الشارع، وهو الطريق المعد للسير، والمشروع وهو الفكرة المنظمة، والتشريع وهو التنظيم بقواعد عامة.

 

التعريف بالشريعة في اللغة.

 وتطلق الشريعة بمعنى المورد أو المشرب، وقد جاء في مختار الصحاح: شرعة الماء هو مورد الشارب، ويقول الأزهري: ولا تسميها العرب شرعة حتى يكون الماء عداً لا انقطاع له كماء الأنهار أو يكون ظاهراً معينا يستقي منه برشاء (أي دلو).

وتطلق كذلك بمعنى الطريقة المستقيمة، أو على حد تعبير الفيروز آبادي في القاموس: الظاهر المستقيم من المذاهب، ومن هذا المعنى قول الله: ” ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” الجاثية: 18، ومن معانيها كذلك كما قال بن ملك: الطريق الظاهر، راجع القاموس المحيط- مختار الصحاح.

 

التعريف بالشريعة في الفقه:

واصطلاحاً: الشرع والشريعة والدين والملة بمعنى واحد ، والشريعة أوسع من الفقه، إذ لا يدخل فيه اصطلاحاً جانب الاعتقاد ولا جانب الأخلاق، فالأول يدخل في علم الكلام والثاني يدخل في علم الأخلاق.

والمعنى اللغوي ظاهر بالنسبة للشريعة وما لها من سمات، فشريعة الله مورد لمن شاء أن يرتوي إيماناً وخلقاً وحكماً، وهو مورد ظاهر معين؛ لا يبعد على طالب، ولا ينأى عن راغب وهي طريق مستقيم لا عوج فيه ولا أمت.

وعرف البعض أيضًا السياسة الشرعية بأنها: هي ما يراه الإمام، أو يصدره من الأحكام، والقرارات زجرًا عن فسادٍ واقع، أو وقاية من فسادٍ متوقع، أو علاجًا لوضعٍ خاص.

وأيضًا عرف البعض السياسة الشرعية بأنها: تدبير شئون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأصولها العامة.

يقول الشيخ عبد الرحمن تاج: أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة في الكتاب والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلًا لا يضر، ولا يمنع من أن نصفها بوصف السياسة الشرعية، أما الذي يضر، ويمنع من ذلك، أن تكون تلك الأحكام مخالفة مخالفة حقيقيةً لنص من النصوص التفصيلية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هذه النصوص التفصيلية التي أريد بها تشريع عام للناس في كل زمان، وفي كل مكان. فمتى سلمت السياسة الشرعية، أو أحكام السياسة الشرعية من هذه المخالفة للنصوص التفصيلية، وكانت متمشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًا إسلاميًّا، وسياسة شرعية نأخذ بها، وبأحكامها.

 

مكونات الفكر السياسي:

1- (الثابت والمتحول والمتحرك):

وعلى ما تقدم يتم تفسير مكونات النظام السياسي والذي يؤدي إلى الفكر السياسي، والمتمثلة بالثابت (الشريعة) والمتحول (الواقع) والمتجول أو المتحرك(المعطيات السياسية)، الهدف منه المصلحة العليا العامة، ويقاس بإنشاء الخطة السياسية، والتي من أجلها يسوس السياسيون الأمر، فتتجلى الحكمة والمبادئ الإسلامية (الأخلاق) في ربط مكونات العملية، كفاصل لتحقيق مصلحة عامة، تضمن نتائج أفضل مما كان عليه حال الواقع، فالخروج عن استبعاد أي مكون من مكونات العملية السياسية المذكورة آنفاً، أو النظر للأهداف الشخصية، وترك الهدف العام كمصلحة جامعة وعامة، أو إتباع  الهوا النفسي لتعصب قومي، أو قطري، أو قبلي، أو حزبي أو تنظيمي، يشكل عامل ضار بالقرار السياسي؛ لما ينتجه من الإضرار العام بمصلحة المجتمع، فيكون ارتكب مخالفة للسياسة الشرعية، والتي تسبب إعطاء فرصة للعدو من التمكن وبسط سيطرته أو من تفلت الشعب أو التابعين.

 

2- الفعل السياسي:

 فهو النشاط الحركي الذي يقوم بها الإنسان لتحقيق أهداف خطته السياسية، والتي تهدف المصلحة العليا والكلية الجامعة للمجتمع والشعب وهي إقامة نظام سياسي موحد يرقى لتحقيق الحق والعدل والمساواة بين طبقات المجتمع والعمل من أجل نهضة الأمة الإسلامية ورفعتها لتكون الأنموذج الجديد ونظام دولي يضاهي النظام الدولي الجديد المارق على الأمة والوقوف ضد الظلم والاستبداد ليتحقق العدالة المجتمعية في صفوف شرائح عموم الأمة، وهذا الفعل السياسي خاضع للإدارة السياسية، وهو جزء من الخطة السياسية، وهو يتبع للإشراف والمتابعة ومن ثم للمراقبة، وليس لأصحابه القائمين عليه حصانة ما؛ فهم مجرد أُجَراء عند الأمة لتنفيذ مهمة معينة، ولهم برنامج سياسي أو خطة ذات كلفة وتوقيت وجودة معينة لتحقيق أقصى استفادة من وجودهم؛ حتى ولو كان نشاط حركي من الخطة الكلية والتي تهدف لعودة الأمة العربية والإسلامية لقيادة العالم.

فالفعل السياسي، هو يختص بحركة الفرد سواء كان هذا الشخص حاكماً أو حكومةً أو حزباً أو تنظيماً أو فرداً، فيكون نشاطهم الحركي للفعل السياسي منطلقة الثابت (الشريعة)، فلا يجوز تجاوز الهدف الرئيسي للشريعة والدين وهي إعلاء المصلحة العامة والإبعاد عن الفساد الذي يؤدي للخلل بالنظام السياسي الجامع للأمة أو الشعب،  فالثابت هو الذي بوجه المبادئ السياسية العامة والخاصة ولا يجوز بالمطلق أن تكون المبادئ السياسية هي التي توجه الثابت وإلا سنقع في غلط كبير، فالأمة بعلمائها وفقهائها وسياسيوها مطلوب منهم ان يدوروا مع الكتاب والحق حيث دار ليس مع الحاكم ولا السلطان ولا الجماعة ولا تنظيم.

الفعل السياسي يخضع لخطة كاملة، فأصل الفعل السياسي هو نتاج المتحول (الواقع) والمتحرك (معطيات سياسية) والذي يخضع للعملية الإدارية وإنشاء الخطة على التحليل الجزئي في نظام كلي للأحداث، ومنها تم إنشاء علم فقه الواقع واستنتاج المعطيات التي يتم دراستها في الخطة السياسية والتي يكون لها هدفها الذي يسعى الكل بتحقيقه من خلال المهمات والأنشطة الحركية السياسية والتي تؤدي بدورها للفعل السياسي، فالفعل السياسي هو نتاج هدف الوعي بالواقع وتفنيد المعطيات السياسية وإدراك التشابك بين الواقع والمعطيات السياسية.

 

3- الممارسة السياسي:

الممارسة السياسية هي نتاج تحقيق كل عناصر الفكر السياسي من فهم العناصر والمكونات التي بني عليها الفكر السياسي والمتألفة من الثابت أي الفهم التام والكامل للقاعدة الثابتة في السياسة وهي القرآن والسنة والذي يمثلوا أحكام الدين والتي تؤدي على فهم حقيقي، وإدراك الواقع (المتحول) من خلال فقه يستند على المعطيات السياسية والتي تمثل المتحرك، فالممارسة السياسية هي نتاج نجاح الخطة السياسية والتي كان أساسها العنصر البشري الذي التزم بنشاطه الحركي ليحقق أهداف خطته، ومن ثم تعرف الممارسة السياسية هي نتاج تراكمية الفعل السياسي الذي يؤدي إلى تحقيق هدفه ومن ثم بناء خطة سياسية متطورة عن السابقة وعليه تكون الممارسة السياسية لها دور في تطوير المنظومة السياسية.

 

 

المراجع والحواشي….

المرجع 1-  [السياسة الشرعية مصدر للتقنين للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي، طبعة 1410 – 1989 دار الكتب الجامعية الحديثة بطنطا صـ32] .

(2) الاستاذ الدكتور مصطفى كمال وصفي، المستشار بمجلس الدولة في كتابه: النظام الدستوري في الإسلام – مقارنا بالنظم العصرية، طبعة 1394ه، 1974م،

(3)راجع الامام الشاطبي، الموافقات، ج1، ص88، واصطلاحات الفنون، لمحمد على التهانوى، المجلد الأول، ص 835، طبعة الأساتنة عام 1317ه.

  (4) الدكتور على جريشة اصول الشريعة مضمونها وخصائصها ص 8.

(5) [السياسة الشرعية للدكتور يوسف القرضاوي الطبعة الأولى 1419هـ – 1989م مكتبة وهبة بمصر صـ15، وما بعدها] .

(6) نظام الدولة في الإسلام للدكتور صلاح الصاوي الطبعة الأولى 1418 – 1998 دار الهداية بمصر صـ39.

 

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here