لماذا العدل يجلب النصر، والظلم يجلب الهزيمة ؟

0

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

وبعد

لماذا العدل يجلب النصر، والظلم يجلب الهزيمة ؟

توطئة

العدل ركيزة أساسية لتماسك الشعوب وقوتها وسعادتها وانتصارها على أعدائها ولذا صدق من قال: العدل جيش لا يُهزَم.

والعدل في الدولة أو الحركة أو القبيلة أو الأسرة يجعل الفرد يحافظ على المصلحة العامة تمامًا كما يحافظ على مصلحته الخاصة، ولا يخالف ذلك إلّا إنسان مختل أو شاذ في تفكيره وفكره أو نزواته ورغباته، متجاوز لحدوده ومستحقاته، لأنه قد اعتدى على حقوق الآخرين بالرغم من أنه قد حصل على كل حقوقه المعنوية والمادية.

والعدل على أصوله والذي يعطي كل ذي حق حقه، يفجر حالة من الانتماء الاجتماعي تجعل المجتمع كتلة واحدة في وجه أي غزو على المجموع سواء غزو معنوي أو فكري أو مادي. فالعدل يجعل الفرد يشعر أن هذا الغزو الذي يستهدف مجتمعه إنما هو يستهدفه هو بذاته ويستهدف قلب موطنه و مأمنه الذي يتنعم به، كما أن الفرد يشعر بوجوب الدفاع عن مجتمعه الذي حفظ له كل حقوقه وأكرمه بكل صدق وإنصاف بحسب قدرته التي تحت سيطرته.

وهذا بخلاف الظلم الذي يفكك المجتمع ويشتته ويجعله متناحرًا لدرجة يصبح فيها هدف سهل لكل غزو معنوي أو فكري أو مادي، حيث الفرد يسعى للانتقام والتشفي من الذين اعتدوا على حقوقه المعنوية أو نهبوا حقوقه المادية، وهنا يسهل اختراق المجتمع وكشف أسراره وضربه من الداخل.

وهذا مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يُقَدِّسُ أُمَّةً لاَ يَأْخُذُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ مِنَ الْقَوِىِّ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ“. أي أن الله لا ينصر الأمة الظالمة أو يرفعها.. تلك الأمة التي لا يأخذ فيها الضعيف حقه من القوي وهو غير خائف أو متردد.

ولقد ثبت في الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: “ألا لاَ تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ…وَلا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ”.

ولقد نهى عن الظلم وحرّمه على نفسه وعلى عباده كما ثبت في الحديث القدسي الصحيح: ” يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا“.  وكذلك أخبرنا ربنا تعالى أن مصير الظالم إلى الفشل والخسران فقال: “إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ“، ولقد أخبرنا جل في علاه أنه لا يحب الظالمين، فقال: “وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ “. وأخبرنا أنه ليس غافلًا عن الظالمين وأنهم لن يفلتوا من عقابه وأنه لهم بالمرصاد، فقال مهددًا ومتوعدًا: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ“.

 

العدل أساس صلاح الأمم وإصلاحها

ولأن العدل عبادة من أجلِّ العبادات وخُلق من مكارم الأخلاق ولأنه أساس في صلاح الأمم وإصلاحها، فلقد أنزل الله تعالى الكثير من الآيات التي تأمر به وتبين محاسنه، كما قال تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام: “وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ“،  ومعلوم أن هذا الأمر يشمل الأمة كلها كذلك-كبيرها وصغيرها رئيسها ومرؤوسها- ، قال الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام: وقال تعالى : “إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ” وقال: “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا”، والعدل واجب في الأقوال كما هو واجب في الأفعال، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا“، ومعلوم أن ردُّ الأمانات والحكم بين الناس بالعدل أساس في تعزيز الثقة وتقوية الترابط الأخوي والأسري والمجتمعي بينهم، وهذا من أهم أسباب قوّة الدولة وازدهارها وتقدمها في كل المجالات.

وكما أن الله تعالى أمر بِرَدِّ الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل، فإنه كذلك نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي حيث إن هذه المُستَنْكَراتِ الثلاثة تعتبر أساس في فساد المجتمع وإفساده وزرع الضغينة والحقد بين الناس، وهذا يؤدي لتدمير المجتمع والدولة والهزيمة والانقلاب على الذات وتضييع العباد والبلاد، قال تعالى: “إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ“، فهذه آية شاملة -عامة وخاصة- إن تمسك بها المسلمون، فازوا برضى الله تعالى وتوفيقه وتنعموا بالألفة والمحبة والمودة والانتصار والازدهار، وإن خالفوه حلَّ بهم غضب الله وسخطه وأصبحت حياتهم مُظْلِمَة بائسة يسودها الكره والبغض والهزيمة والدمار والشنار.

 

القصاص و  ردُّ المظالم المعنوية والمادية أساس في إقامة العدل

العدل الحقيقي الذي يُرضي الله تعالى هو الذي يشمل نواحي الحياة وتفاصيلها، وهو الذي يُنصف الضعيف من القوي، والبعيد نسبًا أو مسافة من القريب نسبًا أو مسافة،  وهو الذي ينصف عموم الناس من الحاكم أو القاضي أو المصلح نفسه، وهذا يشمل الأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى، أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا “، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي هو قدوتنا وأسوتنا الحسنة حين قال له الصحابي: أوجعتني فأقدني، فكشف عن بطنه عليه الصلاة والسلام وقال: استقد.. إلخ، فعن ابن إسحاق قال: حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به

القوم، فمر بسواد بن غزية – حليف بني عدي بن النجار – وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: ” استو يا سواد “، فقال: يا رسول الله! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: ” استقد “، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ” ما حملك على هذا يا سواد؟ ” قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردت أن

يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدك! فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم

بخير”.

العدل ميزان الله وضعه للخلق ونصبه للحق

العدل ميزان الله وضعه للخلق ونصبه للحق ،  قال تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ “، ففي هذه الآية علل الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان،  بـ “لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ“، وهذا دليل على أهمية العدل، ودليل كذلك على أن الشريعة الربانية بريئة من الظلم مهما حاول الظالمون تزيينه وإلصاقه بالشريعة كذبًا وزورًا.

بالعدل يكون الناس سواسية، وتُحفظ حقوق الضعفاء والعاجزين

الأصل في المسلم أن يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، إيجابيًا في المجتمع محافظًا على مكتسباته وممتلكاته العامة والخاصة، حافظًا لحقوق الناس عامة الضعيف فيهم والشريف، والمُستضعف و القوي.

هكذا علمنا قائدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن نكون وهكذا كان صحابته الكرام، ولذا نشروا العدل وأقاموا دولة الإسلام على العدل والحب والإخاء والوفاء، فكانوا خير خليفة لله في أرضه حيث كانوا كما أراد سبحانه وتعالى، ولذا فتح لهم قلوب العباد وحبَبَهم للناس ومَكَّن لهم في الأرض، وكانوا حين يدخلون ديار الناس  كالنهر العذب الطاهر والثمر اليانع المبارك ينفعون الناس ويسدون حاجاتهم ويقومون بما يرعاهم ويحافظ على حياتهم ومعاشهم.

 وذلك لأنهم كانوا إذا قضى الله ورسوله أمرًا يقولون: سمعنا وأطعنا، ومِن هذا القول الذي استجابوا له فنفعهم الله به في الدنيا والآخرة ووفقهم، قول الله تعالى: “وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ“، فكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قالوا سمعنا وأطعنا، ولذا كانوا هم خير القرون وأطهرها وأصدقها مع الله وعباده.

لم يكن الصحابة مدرسة كاملة متكاملة في الصدق والعطاء والعدل والإنصاف لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خير مثال حيّ عايشوه وعاشوا معه وتنعموا بعدله وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصافه لهم حتى في القصاص لم يكن يجامل أحدًا على حساب دين الله تعالى أو حقوق الناس التي حفظتها الشريعة الإسلامية شريعة العدل والإنصاف، وهنا تتجلى عظمته صلى الله عليه وسلم وإنصافه حين رفض أن يجامل أهله وعشيرته على حساب حق الله تعالى وعباده ورفض أن يشفع أسامة بن زيد للمرأة المخزومية التي اعتدت على مال غيرها وسرقت منه، بل غضب عليه الصلاة والسلام من أسامة حين تكلم معه بخصوصها وطلب منه أن يعفو عنها، كما ثبت في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:” أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ” ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا“. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض التهاون في أحكام الله تعالى إرضاءً لله وإرساءً للعدل والإنصاف بين الناس، ولذا إن أردنا أن ينصرنا الله وأن نحيا حياة كريمة عزيزة وجب علينا الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، واقتفاء أثره والسير على هديه، فإن في ذلك خَيرَي الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“. ومعلوم أن من أحبه الله وفقه، وكتب على يديه الخير والصلاح والفلاح والنجاح والنصر والتمكين ولو بعد حين. والله الموفق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطينغزة

 

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here