عاصمة بين حصارين: عندما عاشت كابول أزهى أيامها فى ظل حصار الأحزاب !!.

 عاصمة بين حصارين

عندما عاشت كابول أزهى أيامها فى ظل حصار الأحزاب !!.

ــ أمريكا تحاصر أفغانستان ، وقواتها فى الداخل محاصرة بقوات طالبان .

ــ ترامب يسأل : ماذا تفعل قواتنا فى أفغانستان؟؟ فلنسحبها من هناك .

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 مافا السياسي (ادب المطاريد):  www.mafa.world 

 

– استراتيجية “الحصار من الداخل”حققت نجاحا مبهرا ونجح طالبان فى حصار قوات الإحتلال ومؤسسات النظام وقواته المسلحة والأمنية .

– خطة عربية هزلية (عام 1989) لتكوين جيش نظامى لفتح كابل ، تحولت إلى مشروع تجارى كبير أطال فى عمر النظام الشيوعى وأنقذ السكان من المجاعة .

– استراتيجية باكستان للجهاد ضد السوفييت خربت جهاد الشعب الأفغانى  وأوجدت أكبر ساحة للفساد فى المنطقة والعالم .

قائد القوات الأمريكية فى أفغانستان (جون نكلسون) قال مؤخرا إن العاصمة كابول محاصرة . وذلك تعبير مخفف لحقيقة أن القوات الأمريكية فى كابول محاصرة . يقول الجنرال أن الأولوية عنده هو الحفاظ على حياة جنوده ، لذلك يتنقلون بالمروحيات ولا يسيرون فى الطرقات . فإذا كان الجيش الأمريكى ـ أقوى جيوش العالم والتاريخ ـ لا يسيطر على طرقات العاصمة التى يحتلها ، فمن الذى يحكم أفغانستان ، من الجبال إلى الصحارى إلى الأرياف والمدن ؟؟. الإجابة واضحة ومعلومة.

وفى النهاية يأتى سؤال : ماذا تفعل القوات الأمريكية فى أفغانستان ؟؟ .

هذا سؤال منطقى ، رغم أنه جاء على لسان شخص غير منطقى بالمرة ، وهو الرئيس ترامب. ورغم إختلاله العقلى فقد سأل الرئيس مستشاره للأمن القومى (هيربرت مكماستر) عن عدد قواته القريبة من إسرائيل ، فقال له المستشار أن لديهم حوالى خمسة آلاف جندى فى سوريا ، ثم أضاف أن هناك قوات أخرى فى أفغانستان . فرد عليه الرئيس قائلا: {ما الذى تفعله فى أفغانستان ؟؟ فلنسحبها من هناك!!}.

لقد نسى الرئيس أنه قد أطلق (استراتيجية جديدة) منذ عدة أشهر، مدعيا أنها ستحقق له النصر فى ذلك البلد. بالطبع لم يكن يعى ما يقول وقتها ، فمازال يجهل سبب وجود قوات بلاده فى أفغانستان . حتى قائد تلك القوات يقول أن قواته محاصرة ولا تستطيع أن تتحرك إلا داخل مروحيات ، أى فى صناديق حديدية طائرة . وهو بالتالى يجهل سبب وجود قواته فى تلك البلاد العنيدة والمعادية. ويقول أنه من الصعب الحفاظ على أمن قواته داخل عاصمة يسكنها خمسة ملايين إنسان.

ما سبق يؤكد حقيقة أن أمريكا قد تمت هزيمتها بالفعل فى أفغانستان ـ ليس الآن ولكن منذ سنوات ـ وبالتاكيد منذ نهاية عهد جورج بوش الإبن وبداية عصر أوباما والأزمة المالية والإقتصادية التى إجتاحت الولايات المتحدة ـ والعالم ـ ومازالت مستمرة بأشكال ودرجات مختلفة ، حتى أن العالم كله يعيش داخل فقاعة إقتصادية تتولى أمريكا نفخها إلى أن تنفجر فى وجه الجميع .

العقبة التى تعترض ذلك الإنسحاب هو إرتهان أمريكا للبرنامج الصهيونى فى الشرق الأوسط . فإذا إنسحب الجيش الأمريكى من أفغانستان بهذا الشكل المهين الذى لم يحقق شيئا من أهدافه المعلنة ، فان ذلك سيوجه ضربة للكرامة الأمريكية فى الشرق الأوسط ويشجع شعوب تلك المنطقة على أن تقاوم (صفقة القرن) ومشروع العصر، أى إمتلاك إسرائيل للبلاد العربية من الخليج إلى المحيط . ثم التحرك فى خطوات قادمة صوب إيران وحدود الصين والهند وروسيا لتكون إسرائيل هى درة التاج الدولى فى حقبة نظام صهيونى عالمى يمتد لألف عام قادمة يحكم فيها البشرية من عاصمة العالم (القدس) .

أفغانستان تقاتل وحيدة منذ 16 عاما ، بلا نصير أو حليف ، وسط تجاهل إسلامى شامل . فالذين نسوا فلسطين والقدس لا يصعب عليهم نسيان أفغانستان وكابول .

ولتكن المسألة واضحة : إن الشعب الأفغانى يقاتل معركة الإسلام والمسلمين فى أفغانستان ، ضد الولايات المتحدة وإسرائيل معاً . فإسرائيل هناك فى أفغانستان منذ لحظات الحرب الأولى إلى جانب الجيش الأمريكى حامى إسرائيل الأول ، وإلى جانب الولايات المتحدة كقوة ضامنة لتفوق وبقاء إسرائيل .  

–  أمريكا إحتلت أفغانستان بحراب البنادق ، ولكنها تجلس الآن فوق تلك الحراب نفسها لأنها لا تجد أرضا أفغانية تقبل أن تستقر عليها قوات الإحتلال .

أفغانستان وقف العالم كله إلى جانبها عندما قاتلت ضد السوفييت ، ثم وقف العالم كله ضدها عندما قاتلت ضد الأمريكيين . المسلمون ــ والعرب تحديدا ــ كانوا أول من أيد الأفغان فى الحالة الأولى ، وأول من تخلى عنهم فى الحالة الثانية . ولن نتحدث هنا عمن تسبب فى وقوع كارثة الإحتلال الأمريكى ، ووفر له الغطاء والشرعية .

–  الحصار والعزلة لم تكن كلها شرا ، وربما كانت خيرا فى معظمها . فالتدخلات الخارجية فى العمل الجهادى باتت معدومة ، والحركة الجهادية مستقلة تماما ومترابطة ، وذات رؤية موحدة ومنضبطة بتوجه إسلامى واحد . حركة طالبان أكثر توحدا وخبرة ، عسكريا وسياسيا ، مع قدرة تنظيميه مشهود لها . والإمارة الإسلامية راسخة ، تقود وتخطط لأعمال الدولة فى المناطق المحررة ، التى تشمل معظم أراضى أفغانستان ، وكذلك أعمال ونشاطات فى المناطق المحتلة ، وهى نشاطات عسكرية وتعبوية وحتى إدارية وقضائية ، تحت أنف الإحتلال ورغما عنه . بل أن الإمارة موجودة بقوة داخل أجهزة الدولة ـ خاصة الأجهزة المسلحة ـ ولها فى داخلها أنصار ومتعاونون ، وأيضا مقاتلون إستشهاديون .

–  هل يمكن مقارنة هذه الحالة الرائعة بما كانت عليه أوضاع الجهاد (ضد السوفييت) تحت قيادة الأحزاب الفاسدة والمفسدة التى إستقرت فى بيشاور تحت وصاية الحكومة الباكستانية ونفوذ دول عربية (سعودية تحديدا) وأجنبية (أمريكية تحديدا) ، وأحزاب وجماعات إنتهازية من كل صوب (الإخوان المسلمون الدوليون بتفريعاتهم من مصر وسوريا إلى باكستان)؟؟.

–  يقول الجنرال نكلسون أن قواته فى كابول محاصرة . فمن يحاصرها وكيف ؟؟ ، وبأى معدات وتجهيزات وأفواج من المقاتلين؟؟. وبأى استراتيجية يتحرك هؤلاء؟؟ ، ومن الذى وضعها لهم وكيف ينفذونها ؟؟ ، وبأى دعم محلى أو خارجى؟؟ .

إن الإحتلال وقواته هم المحاصرون داخل كابل ، والمقار الحكومية محاصرة ، بداية من القصر الجمهورى مرورا بوزارات الدفاع والأمن . وجميعها مقرات محاصرة من داخلها برجال طالبان على مختلف المستويات القيادية.

الحصار من الداخل : إستراتيجية الإنتصار .

إن الإستراتيجية الإعجازية التى وضعتها الإمارة الإسلامية هى بالبساطة التالية : إذا كان إنشاء جبهات قتال كبيرة ومشحونة بالرجال والعتاد أمرا مستحيلا لإعتبارات كثيرة تتعلق بطبيعة الحرب الحالية ، وتجهيزات العدو المتطورة مع الضعف الشديد فى تجهيزات المجاهدين ، فإن الحل هو الحصار من الداخل . أى من داخل تجمعات العدو نفسها ومن أقرب الأماكن إلية. وأحيانا إلى جواره مباشرة أو على بعد خطوات منه . فالمجاهدون متواجدون فى كل مكان مثل الهواء الذى يمكن الشعور به ولا يمكن الإمساك به. إنهم فى الجبال وفى القرى والمدن ، وفى القواعد العسكرية التى هجماتهم من داخلها أكثر وأخطر من هجماتهم من خارجها رغم قوتها وحسمها. والقوات النوعية موجودة ، تتزايد وتتطور من حيث التدريب والتجهيز والتكتيكات . ولكن الجسم الأساسى من قوة المجاهدين يمتلك أسلحته القديمة ويصنع ألغامه المحلية التى حيدت الصناعة العسكرية الحديثة للمحتل المتبجح والمرعوب. حتى مواجهة الغارات الليلية لطائرات الهيلوكبتر المحملة بجنود الكوماندوز الذين يهاجمون السكان ليلا ، طور لها المجاهدون وسائل تصدى بدائية مدمرة وإستشهادية فى أغلبها. ولكن العدو يشعر الآن بأن سيادتة الليلية قد إهتزت كثيرا ، وحطام المروحيات المحترقة المشحونة بجثث جنود القوات الخاصة أصبحت تثير رعب العدو وجعلته أكثر ترددا فى ممارسة ذلك التفوق الجوى الليلى ، الذى أضحى مرعبا لجنوده أكثر مما يرعب السكان الفقراء غير المسلحين .

ــ ويمكن إختصار الوضع الحالى على هذا النحو:

لقد فرض الأمريكيون حصارا إستراتيجيا على الإمارة الإسلامية لكسر صمودها ومقاومتها ، ففرضت عليهم الإمارة حصارا إستراتيجيا داخل أفغانستان نفسها ، يمكن تسميته بالحصار اللصيق ، المصحوب بالهجمات السريعة القاتلة من الداخل ، وبالخنق البطئ وتقليص مساحات سيطرة العدو على الأرض ، وتصفية مجالات تحكمه فى السكان والإقتصاد.

أيجابيات الحصار الدولى :

مئات الأسئلة الهامة يمكن طرحها، وتبدو صعبة لمن لا يعرف الوضع الجهادى الراهن فى أفغانستان ، ولا يعرف نقيضه الذى كان موجودا فى حقبة الجهاد ضد السوفييت ، التى حفلت بشتى التدخلات الضارة والإنحرفات الفتاكة ، التى أفسدت أجواء الجهاد ، وأجواء الشعب المتضرر من الإحتلال ومن أحزاب “المجاهدين” الفاسدة .

الحصار الدولى المفروض حاليا على شعب أفغانستان ومجاهديه ، كان من ثماره كل تلك الإيجابيات المحورية فى الوضع الجهادى . والتى بسببها عجزت قوات الإحتلال عن إحراز أى تقدم (سوى قتل المدنيين). فلا هى قادرة على الإنتصار ، ولا هى قادرة على الإنسحاب ، ولا هى قادرة على الإستمرار إلى مالا نهاية على هذا الحال .

بعد أيام من تصريحات الجنرال نيكلسون ، صرحت مندوبة الولايات المتحدة فى مجلس الأمن أن بلادها قريبة جدا من الإتفاق مع حركة طالبان لحل الأزمة . ولم توضح (هايلى) أى تفاصيل ، ولكن مالم يكن كلامها مزيفا كالعادة ، أو أنها تتحدث عن الجهة الخطأ كما فعلت بلادها مرات عديدة بالتفاوض المصطنع مع عملاء للإحتلال أو مع أفاقين سلبوا منه الأموال ، فإن الشرط الوحيد لدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان هو إنسحاب قوات الإحتلال بالكامل قبل أى حديث أو تفاوض .

ومخاوف “أشرف غنى” الرئيس الأفغانى فى محلها . فهو يتوقع إنهيارا سريعا لحكومته وقواتها المسلحة وشرطتها بعد وقت وجيز من الإنسحاب الأمريكى . ذلك الوقت يقدره البعض بعدة أيام ويقدره آخرون بعدة أشهر .

داعش : فتن .. وخلط أوراق .

ما نجحت الولايات المتحدة فى تحقيقه فى المنطقة العربية فشلت فى تحقيقه فى أفغانستان ، لإختلاف طبيعة الشعوب وإختلاف الثقافات . نجحت الولايات المتحدة فى تحويل داعش إلى موضع إتفاق وتحالف بينها وبين الأنظمة العربية بصفتها (عدو مشترك) . رغم أن ذلك العدو هو صناعة مشتركة بين هؤلاء الحلفاء أنفسهم . لم تنجح تلك الخدعة فى أفغانستان ، وحافظ الشعب ومجاهدوه على إستهداف جيش الإحتلال واستهداف داعش باعتباره قوة رديفة للإحتلال ومن صناعته . وسيرحل الإحتلال الأمريكى من أفغانستان ، ساحبا خلفه قطيع العملاء ومنهم داعش التى هى جزء من (كتائب الموت الأمريكية) التى إستخدمتها أمريكا ـ ومازالت ـ لإحباط ثورات الشعوب فى شتى القارات ـ وكان لها دور حتى فى” ثورات” الربيع العربى وتحويلها من مشاريع للثورة إلى ” كَبَوات” وفتن ، وتجديدا لعهود الطغيان .

إفساد جهاد الشعوب :

فى حقبة الجهاد ضد الإحتلال السوفيتى ، باع ” قادة جهاديون” أنفسهم لباكستان وحلفائها الأمريكين والعرب ، فى مقابل المال والسلاح ومناصب القيادة فى(أحزاب جهادية) تلعب دور الوكيل عن مصالح وأهداف الولايات المتحدة .

الرئيس الباكستانى (ضياء الحق) أسس جهاز إستخبارات خصصه للتدخل فى أفغانستان ، وصار مشهورا بإسم (isi) . وأوكل قيادته إلى الجنرال (أخترعبد الرحمن) موصيا إياه بأن يترك المِرْجَل الأفغانى يغلى فوق نار هادئة ، حتى لا يستفز السوفييت أكثر من اللازم فيتحرك ضده تحالف عسكري ، مكون من السوفييت والهنود ، فيكسران باكستان مثل حبة الجوز . واثقا من أن أمريكا أول من سيتخلى عن باكستان فى هذه الحالة ، كما تخلت عنها عند هجوم الهند الذى مزق باكستان إلى دولتين عام 1971 ، هما بنجلاديش وباكستان .

– إعتمدت إستراتيجية أخترعبد الرحمن على عدة نقاط ، ولكن النقطة الإستراتيجية الأهم كانت (حصار كابل) . فطلب الجنرال من موظفيه (قادة الأحزاب الجهادية فى بيشاور) أن يحشدوا أكبر عدد ممكن من الأتباع حول العاصمة ، وهو سيتولى تزويدهم بالمال والسلاح. إفتتح الجنرال بذلك أكبر أسواق الفساد فى المنطقة والعالم.

ــ إشاعة الفوضى ، وليس الجهاد ، كان هدفا ثابتا ومتفق علية بين باكستان والأمريكيين ، لذا أغرقوا البلد بملايين من قطع السلاح الخفيف ، وكان فى مقدور الجميع تقريبا الحصول عليه. فانعدمت القدرة على القيادة أو السيطرة ، وعمت الفوضى فى العمل الجهادى ، حتى نشبت الحرب الأهلية بين الأحزاب الجهادية بعد سقوط النظام الشيوعى . مجهود السيطرة على تلك الحالة والحفاظ على وحدة البلاد إستغرق معظم طاقة الإمارة الإسلامية . وما أن كادت أن تتغلب على المشكلة حتى تحرك الأمريكيون لإعادة الفوضى من جديد، مع زراعة المخدرات وتصنيع الهيروين فى القواعد الجوية .

ــ إدعت الأحزاب للجنرال الباكستانى أختر عبد الرحمن أن لكل منها حوالى ثلاثين ألف مجاهد ـ فى المتوسط ـ يحتشدون حول العاصمة ، أى بعدد إجمالى قد يصل إلى ربع مليون مقاتل!!. طبعا هناك المبالغة المتوقعة من أجل الحصول على مخصصات أكبر من المساعدات. فالقتال حول كابول كانت صورته الأساسية هى القصف العشوائى الذى أودى بحياة أعداد كبيرة من المدنيين مع أقل تأثير على قوات الإحتلال والجيش المحلى . كان مجهودا ضائعاً وضاراً، وقبل كل شئ كان كاذباً وارتزاقياً.

–  قرب نهاية الحرب كان الموقف حول كابول ينتمى إلى (الكوميديا السوداء) ، أى المبكيات المضحكات . فبعد هزيمة العرب فى جلال آباد (1989) . كان هناك خشية من قادة الأحزاب الكبار ـ وجهات خارجية ـ أن يتوجه المتطوعون العرب صوب الإتجاه الصحيح للعمل . ولم يكن هناك وقتها غير جبهة خوست التى يقودها جلال الدين حقانى . فى ذلك الوقت هبط على “الساحة الجهادية” العربية فى بيشاور مشروع يقول بأن الحل الأمثل الآن هو الهجوم على كابول والإستيلاء عليها. ذلك رغم الفشل المدوى للهجوم على جلال آباد الذى أظهر نقاط ضعف قاتلة فى عمل المجاهدين ، كما أظهر تواطؤ قادة الأحزاب الكبار. وبالتالى فإن الهجوم على العاصمة ، التى هى أقوى تحصينا ، كان مجرد وصفة لمجزرة أعظم وإضاعة لما تبقى عند المجاهدين ـ بما فيهم العرب ـ من طاقة وإمكانات . قال المشروع مجهول المصدر أن الإستيلاء على كابل يستدعى شيئين :

الأول ــ هو وجود قوات نظامية من الأحزاب لتهاجم المدينة وتحتلها . فالمعركة ضد المدن الكبيرة تحتاج إلى قوات نظامية. وادعوا أن معركة جلال آباد أثبتت ذلك.

الثانى ــ هو إبقاء المجاهدين فى مواضع الرباط حول كابول وعدم إنصرافهم عن مواقعهم فى موسم الشتاء قارص البرودة ، لأن ذلك يتيح للحكومة الشيوعية أن تلتقط أنفاسها وهى الآن فى وضع صعب وأزمة خانقه فى كل شئ خاصة الطعام والوقود. لذا فضغط المجاهدين وحصارهم للعاصمة يجب أن يتواصل فى الشتاء إلى أن يتحسن الطقس ويسمح بشن هجوم . كلام منطقى وجميل !! .. والأجمل كان كيفية فهمه وتنفيذه .

تصدى العرب لتنفيذ التكاليف المالية واللوجستيه للمشروع . فأرسلوا وفودا إلى شرق آسيا لشراء حوالى 30 ألف زى عسكرى شتوى لتوزيعها على المجاهدين ـ عبر أحزاب بيشاور ـ فيتحولون بذلك إلى جيش نظامى!!! .( وكأن معضلة تشكيل جيش نظامى تتلخص فى نوع الملابس التى يرتديها الشخص ، فيتحول فورا إلى جندى نظامى ، فيتكون لدينا جيش يقتحم العواصم الحصينة).

الخطوة الثانية كانت تخزين كميات من الوقود والطعام فى الجبهات حول كابول ، تكفي المجاهدين فى شهور الشتاء (أربعة أشهر على الأقل)،على أن يتولى المتطوعون العرب مرافقة حملات التموين إلى جبهات القتال حول كابول لتوزيعها هناك .

ــ تولى الشيخ عبدالله عزام قيادة المشروع وحشد التبرعات ومجهودات الشباب ، وتوالت خطاباته الحماسية للمتبرعين والمتطوعين ، فى مجهود ضخم عانى من آثار هزيمة جلال آباد التى سحقت المعنويات ، خاصة مع أعداد الشهداء فيها والتى فاقت أى حدود سابقة لأى معركة أخرى فى أفغانستان ، جاءت بعد آمال هائلة مبالغ فيها ، تجزم بفتح قريب وانهيار وشيك للنظام.

لم يكمل الشيخ عزام المشروع إذ تم إغتياله فى بيشاور فى نوفمبر من نفس العام 1989 . ولكن العرب أكملوا بما لديهم من بقايا قيادات ، فأسامة بن لادن أيضا كان قد إختفى بعد معركة جلال آباد ومنع من السفر إلى خارج السعودية.

ــ المتطوعون العرب إستغلوا وصولهم إلى الحدود القريبة من كابول حتى يوجهوا ضربة إنتقامية لإغتيال زعيمهم عبد الله عزام . فوجهوا عدد من صواريخ (صقر) المصرية ، مكتوبا عليهم إسم الشهيد عزام وأطلقوها صوب العاصمة . ولا يدرى أحد كم قتلت تلك الصواريخ من المدنيين هناك . ولكنهم تباهوا بالصور ونشروها فى المجلات (الجهادية) فى بيشاور، وأزاحوا  بذلك عن كاهلهم واجب الإنتقام للزعيم القائد.(رغم علم الجميع أن من إغتالوا الرجل كانوا أقوياء أمنيون من داخل باكستان ومعهم خليط عجيب من الموساد وفلسطينيون ومرتزقة حكمتيار أمير داعش الحالى فى أفغانستان ونصيير المرأة هناك !!).

ــ الملابس العسكرية الجديدة القادمة من شرق آسيا ، وبمجرد وصولها ظهرت فى أسواق الملابس المستعملة وبأسعار متهاودة للغاية. سوق مدينة راولبندى المجاورة لإسلام آباد كان الأسبق فى عرض الواردات الجديدة التى ظهرت هناك قبل أن يعلن أحد من الأحزاب عن ذلك الوصول المبارك لتك الملابس السحرية التى سيحول المجاهد العادى إلى جندى نظامى بمجرد إرتدائها.

كابول جاءها الفرج :

ذروة المأساة الضاحكة كان فيما حدث بعد ذلك . فكميات التموين الضخمة التى تم تخزينها فى مواقع المجاهدين حول العاصمة كانت طوق النجاة الذى تعلق به النظام الشيوعى الحاكم وسكان العاصمة المساكين الذين يتضورون جوعا ويرتجفون بردا .

حدث اللقاء السعيد بين تجار كابول الكبار ، وبين قادة المجاهدين على حواف العاصمة ، وتمت الصفقة. وبيعت الإمدادات العربية القادمة لأجل فتح العاصمة إلى تجار كابول . وعرضت فى أسواق العاصمة بأسعار تنافسية غير متوقعة . دقيق ، حبوب جافة ، سمن ، وقود للتدفئة وللسيارات ، فى صفقة مبهجة الجميع فيها رابح . كسب التجار ، وكسب قادة المجاهدين ثروة هبطت عليهم من السماء ، ونجا شعب كابول من خطر الموت جوعاً ومن التجمد برداً ، فتمتع بالسلع الضرورية بأرخص الأسعار . ولا بأس بعدها من بعض الصواريخ التى تساقطت فوق رؤوسهم ، فقد إعتادو على ذلك منذ سنوات طبقا لإستراتيجية الجنرال أخترعبد الرحمن . وكسب العرب إنتقاما سهلا لمقتل عزام أهم قادتهم فى تلك الحرب.

كان على الإنتصار النهائى فى تلك الحرب العامرة بالمتناقضات أن ينتظر عامين آخرين وعدة أشهر . تم خلالها إقتحام مدينة خوست فى معركة رائعة كانت قطعة نادرة من البسالة والتجرد والفن العسكرى الراقى . فاستسلمت جارديز ـ عاصمة الولاية ـ بعدها    بعدة أشهر ، ثم تهاوت باقى المدن مثل أوراق لعبة الدومينو خلال أيام فقط . ومالبثت العاصمة أن إستسلمت. بينما إستمر سقوط الحركة الجهادية العربية خارج وداخل أراضيها . ولأنهم الآن بعيدون جدا عن أفغانستان ، فإن ذلك البلد العملاق يشهد أروع الفصول الجهادية فى العصر الحديث .

 

قال رجل  دولة عركته الحياة : (اللهم إكفنى شر أصدقائى ، أما أعدائى فأنا كفيل بهم).

بقلم :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world