طريق الحرير بين حركة طالبان وعمالقة آسيا

بات واضحاً أن هناك تنسيقا يجرى بين حركة طالبان الأفغانية والصين الشعبية  / وأيضا مع العديد من الدول الأساسية فى آسيا والعالم/ من أجل ترتيب الأوضاع المستقبلية للمنطقة بعد زوال الإحتلال الامريكى عن أفغانستان .

ولأن تلك الخطوة تعتبر نقلة نوعية هامة فى ترتيب الأوضاع الجيوسياسية للمنطقة ، فإن الولايات المتحدة ومنظمومتها الدعائية وحلفاءها فى المنطقة يحاولون التغطية والتشويش على ذلك التحول التاريخى ، الذى يرسم ملامحا للمستقبل لا يتصورها كثيرون ، وبالتأكيد لا تريدها الولايات المتحدة ومعسكرها العدوانى الذى هزم تواً فى أفغانستان .

– من المفيد فى هذا الصدد الرجوع إلى كتابات أصحاب الشأن أنفسهم ، أى الصين وحركة طالبان ، من أجل معرفة المسموح بمعرفته حول ما يجرى بحثه من الإهتمامات المشتركة بين الطرفين . ومعلوم أن الصين الشعبية تمسك بأقوى أوراق النظام الدولى القادم وهو نظام أسيوى الجوهر ، ويضم عدة قوى من أفريقيا وأمريكا الجنوبية بما يوحى بأنه نظام أفضل تمثيلا لشعوب العالم ، وأنه لا يعطى / حتى الآن/ أى إشارات لإمبريالية جديدة. ومن أهم ملامح النظام الدولى القادم هو وجود تمثيل إسلامى قوى ، وذلك للمرة الأولى من بعد إختفاء الامبراطورية العثمانية من المسرح العالمى فى أوائل القرن الماضى . ذلك التمثيل سوف يتجسد فى دولتين هما أفغانستان وإيران ، كما يتمثل فى عمق شعبى هو أضخم تواجد يمثل المسلمين فى شئون العالم .  تتوقف فاعلية وقوة الدور الإسلامى القادم على درجة التفاهم والتنسيق بين الدولتين فى أفغانستان وإيران ، وتفاديهما خنادق ونيران الفتن التى تشعلها إسرائيل والولايات المتحدة من أجل إستبعاد الإسلام نفسه من خارطة الفعل الإنسانى واستبعاد المسلمين كأمة ذات روابط أسمى من كل التقسيمات السياسية ، و دور رسالى للإنسانية كلها يمتد عبر الزمان والمكان .

– ما كتبه الاستاذ /عبد الرحيم ثاقب يعتبر نافذة تطل على معرفة موجزه لما يدور بين حركة طالبان أفغانستان وجارها العملاق الصينى ، بل وعدد من عمالقة آسيا والعالم . والأستاذ ثاقب هو إعلامى وسياسى بارز فى حركة طالبان الأفغانية.

ورغم أنه تناول بتركيز شديد مواضيع هامة جدا ، لم يأت بعد موعد الإفاضة فى مناقشتها ، خاصة وأن الإحتلال الأمريكى مازال يتشبث بموطئ قدم فى أفغانستان . وكجزء من رد الفعل على التهديد الأمريكى تكثفت منذ فترة الإتصالات السياسية والنقاشات المعمقة حول مستقبل المنطقة بين حركة طالبان وكل من الصين وروسيا وإيران .

ويبدو أن أوروبا لا تريد الإنسياق حتى النهاية مع الحماقات الأمريكية التى ستودى بمصالح أوروبا بل وأمنها الداخلى ـ كما هو واضح الآن فى الأزمات السورية والعراقية الأوكرانية ومن قبلها فى البوسنة . أوروبا بدأت تبحث عن المستقبل فى آسيا مع حركة طالبان الأفغانية ، وهكذا فعلت ألمانيا وفرنسا وسويسرا ، وأيضا اليابان التى تنتبه بالتدريج إلى خطورة إستخدامها بيدقا فى يد الولايات المتحدة لتهديد الصين وإشعال آسيا لصالح الولايات المتحدة ، وهذا ما فهمته أيضا أستراليا التى هرولت لتصحيح علاقاتها مع الصين . وليس من المستبعد أن تشهد الهند فى المستقبل تحولا فى نفس الإتجاه ، لترى أن جارها الصينى وجوارها الأسيوى يشكلان محيطها الطبيعى فى الإقتصاد كما فى الأمن ، وأن تلغيم أجواء آسيا بالصراعات والأسلحة النوويه لا يخدم شعوب آسيا أو أى شعب فى العالم سوى النظام الأمريكى نفسه والأقليه البنكية التى تتحكم فيه .

– فى مقال للأستاذ ثاقب بعنوان ( لماذا ترغب الصين فى التفاوض مع حركة طالبان ) يتضح أن الدوافع الإقتصادية والأمنية تشغل حيزا هاما من تفكير الطرفين نتيجة تأثيرها الكبير على أوضاعهما . كما يكشف المقال معاناة الطرفين الصينى والأفغانى من أساليب التعامل الامريكى التى تتسم بالخداع والأنانية والغدر.

فامتيازات التعدين التى منحتها الولايات المتحدة للصين لقاء سكوتها عن غزو أفغانستان ومن ثم تواجد قوات أمريكا والناتو على حدود الصين ، قد فرغتها أمريكا من معناها ولم تتمكن الصين من الإستفادة منها ، حتى توقفت بالفعل عن العمل فى مناجم النحاس فى ولاية لوجر والتى تعتبر ثانى أكبر إحتياطى من ذلك الخام فى العالم . كذلك لم تتمكن الصين من إستغلال الإمتيازات النفطية التى منحها لها الإحتلال الأمريكى فى شمال أفغانستان بسبب العراقيل الأمنية الأمريكية .

فى مناجم النحاس تكفلت الطائرات الأمريكية وعمليات التخريب التى أدارتها أمريكا ضد المشروع إلى إيقاف الصين عن العمل بعد أن أنفقت 300 مليون دولار . وفى الشمال حيث النفط والغاز تكفلت بالمهمة ميليشيات السفاح الشيوعى عبد الرشيد دوستم (نائب رئيس الجمهورية الحالى أشرف غنى ورئيس أركان الجيش فى عهد الرئيس السابق كرزاى ) ، تلك الميليشيات كبحت أعمال الشركات الصينيه وردعتها عن العمل . يفهم من ذلك أن الولايات المتحدة تتطلع الى السيطرة منفرده على الثروات الطبيعية فى أفغانستان ، وأن الرشاوى المدفوعة للصين / أو غيرها/ يجرى إستعادتها ، خاصة إذا كان الحليف المؤقت الذى إستلم الرشوة قد إنتفت الحاجة إليه فى الأوضاع الجديدة . ويسرى ذلك حتى على أقرب الحلقاء مثل بريطانيا العظمى فيما يختص بثروات اليورانيوم والأفيون فى ولاية هلمند الجنوبية ـ فالولايات المتحدة لا تمنح رشاوى دائمة ، بل تدفع مؤقتا إلى أن تتغير موازين القوى والمعادلات السياسية ، فتسحب ما قدمته سابقا ، حتى لو اضطرت إلى إستخدام قوتها العسكرية كما فعلت فى مناجم نحاس لوجر ، أو إستخدام قوة ميليشيات عميلة كما فى موضوع النفط والغاز شمال أفغانستان .

ــ وفى ذلك عبرة للعديد من الدول التى إستفادت من كرم نظام الرشاوى الأمريكية فى أفغانستان مثل الهند وإيران وروسيا . ويمكن قياس ذلك بما حدث من صفقات فى ميادين حيوية أخرى مثل العراق وليبيا والشرق الأوسط عموما . والقانون هو أن الرشوة الإقتصادية تقدمها أمريكا ” للحلفاء ” وقت حاجتها وضعفها ، ثم تسحبها عندما تستعيد قوتها وتميل التوازنات إلى صالحها أو عندما تنتهى “اللعبة” . فقط إسرائيل هى الإستثناء الوحيد من ذلك القانون الذهبى .

لابد من الإشارة إلى أن الرشاوى الأمريكية لا تشمل الإقتصاد فقط ، بل تشمل الصفقات الجيوسياسية ، والسياسية ، والمميزات الأمنية والعسكرية . فالمصلحة هى التى تملى نوع ومقدار الرشوة ومداها الزمنى وتوقيت الإنقلاب عليها واستعادتها مع ” الفوائد” والزيادات والضرائب . لهذا ينبغى أن تحذر إيران عند تلويح أمريكا لها بدور إقليمى وتمدد فى النفوذ ، لأن مستقبل إيران فى منطقتها وفى العالم الاسلامى يتوقف على دور ريادى تقوم به لخدمة شعوب المنطقة والعالم ، وليس فى تقاسم المنطقة والنفوذ فيها مع قوة إمبريالية زائلة . فمسألة الهيمنة وفرض النفوذ قد تخطاها الزمن ، ولن تسمح الشعوب بها رغم حالة القهر والإرغام التى يعيشها العرب والمسلمون ، فهى حالة مؤقتة مهما إستطال بها الزمن ونتيجة لمؤامرات أمريكا وإسرئيل على المسلمين .

 –  إن أى تعاقدات قام بها المستعمر الأمريكى عبر الحكومة العميلة فى كابل ، تعتبر ملغاة من ناحية المبدأ حيث أن” ما قام على باطل فهو باطل “. والإمتيازات الإقتصادية الممنوحة لدول خارجية أو شركات أو أفراد سوف تجرى مراجعتها من ناحية الشروط المالية والإدارية والمدد الزمنية والظروف المحيطة بالتعاقد . وعند ثبوت شبهة الرشوة  أو الإفساد المتعمد لموظفين أو وجهاء أو أفراد يجرى إلغاء العقد وتوقيع عقوبة على الحكومة أو الشركة المتعاقدة ، ومالم تدفع تلك الغرامة يجرى حرمانها من المشاركه مجددا فى أى تعاقد من ذلك النوع الذى أرتكبت فيه المخالفة ، كأن يكون مناجم للمواد الخام أو للنفط والغاز .. الخ .

 # من مصلحة الشعب الأفغانى ألا تتحول حكومتة الإسلامية إلى مجرد بائع للمواد الخام . فمثلا عند الإتفاق مع دول لإستغلال خام النحاس ( أو أى خامات أخرى مثل الحديد واليورانبوم والفحم والألمنيوم والنفط والغاز ..إلخ)  فلا بد أن يشمل ذلك قيام صناعات تعتمد على خام النحاس ويتم تسويق منتجاتها إما فى أسواق الدولة التى تستخرج الخام أو فى السوق الإقليمى أو العالمى . والتصنيع يستدعى تدريب أيدى عاملة ، ومهندسين أفغان من خريجى المعاهد الفنية والعلمية ، أو حتى إنشاء مثل تلك المعاهد لخدمة مناجم ومصانع النحاس . وبالتالى بناء مجمعات صناعية وسكنية للعاملين فى تلك الصناعة . ثم هناك الشروط الصارمة للحفاظ على البيئة ، فلا يسمح مطلقا بتلويث الماء أو الهواء أو التربة ، ويراعى ذلك فى جميع خطوات الإستخراج والتصنيع ، مع توقيع عقوبات صارمة عند المخالفة مع إلزام المخالف بإصلاح ما أتلفه من أمور البيئة وتعويض السكان والدولة عن الأضرار المترتبة على التلوث .

– العمل بمبدأ الشراكة فى مشاريع إستخراج وتصنيع المواد الخام وعدم ترك الحبل على الغارب للشركات الأجنبية . مع توقيع عقوبات صارمة على أى محاولة لإفساد موظفى الدولة ، قد تصل إلى درجة إلغاء العقد ، مع توقيع أقصى العقوبات الممكنة على الموظفين المرتشين .

فالثروات الطبيعية مدخل لبناء النهضة والتقدم فى كافة المجالات ، وليست مجرد مصدر لريع ينفق على الإستهلاك ، ثم تأتى أجيال فتجد أن الثروات الطبيعية قد نفذت ولم يبق لهم سوى الفقر والتخلف . فالمواد الخام لا تباع للإعتياش بمواردها ولكن تستبدل مواردها المالية بالصناعة والزراعة والعلوم التجريبية والبنيه التحتية والجامعات الدينية العظمى ، والتعليم المتطور وإنتاج التكنولوجيا الحديثة محليا بسواعد وعقول الأفغان ، الذين أثبتوا على مر التاريخ عبقرية نادرة ، رغم أن العالم ركز فقط على بطولاتهم وشجاعتهم النادرة . لكن الأفغان يمتلكون ما هو أكبر من ذلك فى مجال العقول والعبقرية الذهنية .

فيجب إفساح الطريق أمام تلك المواهب حتى تبدع وتقدم للعالم ما عجز عنه الآخرون ، ولكن فى إطار مبادئ وعقائد وتطبيقات الإسلام المستنير والمبدع .

الأمن بعد الإقتصاد :     

الأمن كان محور الإهتمام الثانى للمصالح المشتركة التى جمعت الصين مع حركة طالبان الأفغانية . تقلق الصين بوجه خاص من تنظيم ” الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية ” وهو تنظيم وهابى قتالى نبت فوق التربة السعودية وبتمويل رسمى منها عبر قناة المهاجرين القدماء ، الذين فروا من الإضطهاد الصينى وحملات الاستئصال والتشريد على يد الجيوش الروسية ثم الصين فيما بعد . ويمكن القول أنه نسخة مبكرة من دواعش العراق والشام . وقد تمركز ذلك التنظيم لفترة من الزمن فى أفغانستان وقت حكم حركة طالبان ، ولم يكن له وقتها نشاط يذكر داخل الصين ، بعكس ما كان عليه الوضع فى مرحلة سابقة وأخرى لاحقة لمرحلة حكم طالبان . ويتمركز التنظيم الآن فى مناطق وزيرستان القبلية على الحدود بين باكستان وأفغانستان ضمن عدد كبير من الجماعات ” الداعشية الصغيرة ” فى المنطقة من جنسيات شتى تجمعت منذ عام 2002 برعاية أمريكية وإدارة باكستانية تمهيدا لمرحلة “الفوضى الخلاقة” فى المنطقة العربية ، ثم ما ينبغى أن يليها من فتنة شاملة تضرب العالم الإسلامى كله ، وفى مقدمته القلب الحيوى لقارة آسيا الذى تقع أفغانستان فى مركزه الجغرافى وقلب عنفوانه الجهادى .

ــ ” داعش ” وأخواتها هى الهاجس الثانى الذى يجمع الصين وحركة طالبان ، فذلك الخطر يعتبر ضئيل نسبيا فى الوقت الحالى ، لكنه وبشكل واضح يتجمع تمهدا لتوجيه ضربة واسعة فى كل المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى جمهوريات آسيا الوسطى وباكستان والهند والصين وإيران .أفغانستان بشكل خاص موجودة فى عين العاصفة ، وذلك لسبب بسيط وهو أنها مرشحه لتكون بؤرة الإعصار الداعشى فى المنطقة ، للإستفادة من موقعها الجغرافى المتوسط ، ثم الروح القتالية الوثابة لشعبها ، والشجاعة التى هى فطرة فى شعب أفغانستان ، تلك المواهب العسكرية التى قهرت الجيش الأحمر السوفيتى ثم قهرت الجيش الأمريكى والأوربى ومعهما حثالات الأرض من جيوش المستعمرات .

تلك المواهب العقلية والقتالية يريد الأمريكان تحويلها إلى عنصر تدمير لأفغانستان وآسيا كلها . بدلا من أن تتوجه ـ وبقيادة حركة طالبان ـ إلى عنصر بناء لأفغانستان ، والإسهام بها فى رسم ملامح الحضارة الإنسانية فى قادم الزمان . وتلك مهمة أبعد مدى فى مجرد الإسهام فى تشكيل نظام دولى جديد يقود آسيا و العالم على أسس بعيدة عن الهيمنة والسيطرة والنفوذ وتوازنات القوى العسكرية والإقتصادية .

      أفغانستان بقيادة حركة طالبان ستكون هناك أثناء تشكيل ذلك النظام ، بل هى هناك من الآن بالفعل ، وتلك ضرورة واقعية ومنطقية بعد أن محا الأفغان آثار الحرب العالمية الثانية وما أسفرت عنه من كتلتين إحداهما شرقية بقيادة السوفييت وأخرى غربية بقيادة الولايات المتحدة ، وكلتاهما دفنت بلا تكريم ولا كرامة فى ثرى أفغانستان وبسواعد شعبها وبقيادة التيار الإسلامى فى ذلك البلد ، الذى هو الوحيد الذى يحتفظ بذلك النوع من الإسلام فى صدور معظم أبنائه وليس فقط بين ثنايا تنظيم  نخبوى ، كما هو الواقع الإسلامى خارج أفغانستان .

– ترك الإحتلال الأمريكى نخبة من قواته مزوده بسلاح طيران ، وطائرات بدون طيار ، وجيوش من المرتزقة المحليين والدوليين ، وذلك لهدف أساسى هو التجهيز للحملة الداعشية فى أفغانستان والمنطقة . فبدون أفغانستان ” كقاعدة ” إقليمية عظمى لايمكن لمثل ذلك المشروع أن يصل إلى مبتغاه .

ـ داخل أفغانستان هناك زعماء ” الإسلام السياسى ” ـ الاخوان المسلمون ـ الذين قدموا كل كوادرهم للعمل مع حكومة الإحتلال كقيادات أمنيه وقادة لميلشيات مسلحة تحمى الإحتلال .  ومن مواقعهم العليا فى مراتب النظام العسكرية والأمنية يجهزون الآن للمرحلة الداعشية المرتقبة ولمقاومة حكم طالبان القادم ، وإعطاء ذرائع للأمريكان لإبقاء قواتهم أو على الأقل إستمرار تدخلهم فى الشئون الأفغانية ، وعرقلة بناء أفغانستان الإسلامية الجديدة ، بمجاليها الأسيوى والعالمى .

وكما ذكرنا فإن التجهيز للمرحلة الداعشية بدأت فى منطقة القبائل فى وزيرستان الباكستانية منذ بداية الإحتلال الأمريكى لأفغانستان . ويمكن إعتبار أن معظم العنف الوهابى العشوائى الذى ساهم ضمن عوامل أخرى فى تحويل مسار النقمات الشعبية فى أحداث ( الربيع  العربى !! ) تقع جذورة فى وزيرستان الباكستانية بإشراف أمريكى وتنفيذ  باكستانى وتمويل عربى ، وحتى بمساهمة عدد من الأجهزة العربية المعنية .

– ترغب الصين فى أن تتأكد من أن أفغانستان لن تكون منصه لإنطلاق الفوضى الوهابية القتالية صوب أراضى الصين أو فى المنطقة . ولا شك أنها تأكدت من ذلك حيث أن وضعية الفوضى المسلحة قد أضرت بأفغانستان عندما وجدت تلك المجموعات الفرصة لشن الحروب المجانية التى يدفع فواتيرها شعوب أخرى ، خاصة شعب أفغانستان الذى دفع فواتير خدعة الحادى عشر من سبتمبر ومازال . بل ودفع قبل غيره فواتير “دعشوة ” منطقة وزيرستان ، وانحراف قطاع من حركة طالبان الباكستانية ووقوعها فريسة لنفوذ ” الدواعش العرب ” ، بداية من فلول تنظيم القاعدة وصولا الى عباقرة الفوضى القتالية فى العراق والشام ، ناهيك عن الصومال ونيجيريا وغرب أفريقيا حسب مؤشرات مصالح الولايات المتحدة فى النفط والمواد الخام الاستراتيجية ودوافع السباق مع الصين حول تلك المواد التى هى وقود الحركة الصناعية والإقتصادية.

# لقد بذلت فلول القاعدة جهودا ذميمة لخلق إنقسام ” داعشى” فى صفوف حركة طالبان الأفغانية . ولكن رعاية الله لذلك الشعب ثم يقظة الإمارة الإسلامية أحبطت ” مجهودات القاعدة ” فى إفشال الجهاد فى أفغانستان لصالح الولايات المتحدة وحلف الناتو ، وخلق عراق أفغانى ، وقوى محلية منقسمة ومتصارعة فيما بينها وتتسابق على الدعم الخارجى وفى مقدمته الدعم الرسمى العربى والدعم الأمريكى / بل والإسرائيلى وتلك هى مفاجأة القرن الحادى والعشرين / . ولكن بالنسبة لمن تكفيهم الأدلة المنشورة بأن إسرائيل كانت المدبر الأساسى لعملية الحادى عشر من سبتمبر ، وأن أمريكا كانت مشاركة وراعية للعملية ، يصبح إدراك حقيقة التحالف بين إسرائيل وجماعات الفوضى القتالية أمرا مؤسفا للغاية ، ولكنه منطقى وغير مستغرب ، ومجرد إمتداد لماضى تاريخى ، بل وعلينا مراجعة الدور الإسرائيلى مع قادة الأحزاب الجهادية فى بشاور فى ثمانينات القرن الماضى ــ {وبعض ذلك مذكور فى ثنايا سلسلة كتب “أدب المطاريد” للكاتب ، عن أحداث تلك المرحلة } .

— وكما ذكر الأستاذ عبد الرحيم ثاقب فى مقالاته ، فإن الصين لم تعمل على زعزعة الأمن فى أفغانستان فى أى مرحلة ماضية ، إلا أنها عملت كتاجر سلاح للأمريكان لصالح المجاهدين الأفغان وقت الحرب ضد السوفييت . أما وقت الإحتلال الأمريكى فقد تلقت الصين رشاوى مجزية ، وإن كانت قد فقدت معظمها لاحقا ، إذ فقدت عمليا إمتياز مناجم النحاس وإمتياز النفط والغاز . ولكنها على أى حال إستفادت من مقاولة إنشاء ميناء جوادر على بحر العرب فى باكستان لصالح القوات الأمريكية التى إستخدمته كمنفذ لإمداد قواتها فى أفغانستان ، ولتهريب ما تم نهبه من ذلك البلد من مواد خام مثل اليورانيوم والأفيون وغير ذلك . لقد فازت الصين إقتصاديا بشكل محدود ولكن فى مقابل خسارة استراتيجية بوجود قوات معادية لها ـ أمريكا وحلف الناتو ـ على حدودها وفى وسط آسيا ، وما نتج عن ذلك من تجهيز لقوات الوهابية الفوضوية التى وجهت للصين عدة ضربات خلال المدة الماضية ، والقادم أسوأ بلا شك خاصة من خلال التسابق بين القاعدة وداعش على الميدان الأسيوى الرئيسى الذى يشمل الصين والهند وإيران وأفغانستان نفسها . فهناك فى تلك المنطقة جائزة لا تضاهى يمكن أن يحوزها ذلك التيار الفوضوى ، لدرجة أن ” إنجازاته” فى العراق وسوريا ودول الأزمة العربية ( الربيع العربى!! ) ستكون مجرد مقدمة متواضعة لتلك القفزة النوعية الكبرى إذا تمكن التيار الداعشى من الإنطلاق فى تلك المنطقة التى هى القلب الأسيوى للعالم القادم فى المستقبل القريب .

بقلم :

مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)

copyright@mustafahamed.com

المصدر :

www.mustafahamed.com