ضرورة التجارب الأفغانية للمسلمين والعالم

0

# أمريكا وحلف الناتو يعيدون تموضعهم فى المنطقة العربية بعد هزيمتهم فى أفغانستان ، وهدفهم تأمين سيادة إسرائيل، وضمان أطماع الغرب الإقتصادية والإستراتيجية .

# نفس الفصائل الإسلامية التاريخية التى وقفت فى أفغانستان مع الإحتلال الأمريكى ، تقف فى العديد من العواصم العربية فى العلن والسر مع أمريكا وإسرائيل.

# يجب ألا نمل من التحذير من أن الكثير من الحركات الدعوية والجهادية قد أصبحت تحت التأثير المباشر أو غير المباشر للأعداء ، وذلك يجعل من الإصلاح عملاً فى غاية الصعوبة.

# إستقلال العلماء والتعليم الدينى هو سر الإعجاز فى تجربة الشعب الأفغانى الذى حطم إمبراطوريات الإستعمار.

# البعض إستعانوا بالشعارات الصاخبة والمعارك فى الإتجاهات الخاطئة كى يستروا إنحرافهم بمسيرة الجهاد وتعاونهم مع أعداء الأمة .

# التمويل الخارجى للمنظمات و الأحزاب هو أوسع أبواب الفساد التى تحول الجهاد إلى حريق بالوكالة.

# دروس “الربيع الزائف” عظيمة الأهمية لأفغانستان بعد التحرير لتفادى تهديدات كارثية.

# تعدد الأحزاب يعنى تعدد مصادر التمويل الخارجى , فى مهمة لشغل حياة الوطن بالضجيج والخلاف بدون أن تتطرق بأى قدر من الجدية لقضاياه الأساسية.

# تعرضت الحركة الإسلامية بكافة فروعها لمفاسد مناخ الديمقراطية الغربية , فلا السياسة أصبحت بهم إسلامية ، لا الدعوة بقيت سالمة من تأثير الفساد السياسى والمصالح المالية والتجارية .

# المساندة الشعبية الكاملة لحركة طالبان عوضها عن حالة الحصار التى ساهم فيها المسلمون قبل غيرهم .

# توقف المسلمون حتى عن الدعاء لمجاهدى أفغانستان خوفاً من غضب أمريكا وإسرائيل ودول الناتو, فتلك هى مصادر الرياح التى تهب على “الربيع العربى” .

# فى ظروف الجهاد الصعبة ضد أقوى تحالف للشر فى التاريخ إستطاعت حركة طالبان ، ليس من هزيمة عدوها عسكرياً فقط ، بل وأحبط كافة محاولاته لإثارة الفتن الداخلية .

# وحدة الشعب الأفغانى هى أمضى أسلحتة فى مرحلة ما بعد التحرير .

# ستكون أفغانستان مؤثرة على مجريات العالم فى المرحلة القادمة
، وهى مرشحة لإصلاح مسيرة العالم الإسلامى الذى أفلست قواه الحركية التى كانت معقد الآمال .

# أفغانستان جغرافيا هى مفصل الإتصال البرى بين أربع قوى أساسية فى النظام الدولى القادم ، وهى طليعة لكتلة إسلامية فاعلة ، متكاملة مع مسلمى المنطقة العظمى الممتدة من آسيا الوسطى إلى شبه القارة الهندية وإيران .

# اذا لم تضطلع أفغانستان بدورها الكبير القادم فسوف تذوب كنقطة ماء فى بحر القوى الجبارة التى حولها ، وذلك هو التحدى الأكبر أمام الشعب الأفغانى العظيم وقيادته الإسلامية المجاهدة.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

التاريخ مصباح ينير الطريق نحو المستقبل ، وأهمال دراسة التاريخ هو إهدار لذلك المستقبل . والأخطر من ذلك هو دراسة التاريخ بشكل خاطئ وإستخراج دروس غير صحيحة , أو إعتساف النتائج نتيجة للأهواء . أو قراءة التاريخ بشكل إنتقائى أو غير أمين للخروج بنتائج محددة سلفا لخدمة أهداف سياسية.

وقد أهمل المسلمون كثيراً دراسة تاريخهم البعيد والقريب ، فتكررت أخطاؤهم وتعاظمت . وهذا واضح فى الإضطراب الكبير الذى يهز بلاد المسلمين ويهدد معاقلهم الحضارية . فقد تسلط الأعداء عليهم وتحكموا فى شتى أمور حياتهم ، وسلبوا ثرواتهم ، وأضعفوا الدين وإستبعدوه عملياً من الحياة ، وإشاعوا الفوضى والإضراب والفتن بين صفوفهم . و نتج عن ذلك ضياع الأمن وفقدان الثقه بين الناس وإنتشار القتل المتبادل والتخريب المتعمد وإضطراب الأفكار وضياع الطريق نحو الخلاص.

وحتى دراسة تاريخ باقى شعوب الأرض مهم لنا لأخذ العظة والعبرة واستخلاص النتائج . لأن مسيرة الإنسان على ظهر الأرض واحدة ، فالشعوب يؤثر بعضها على بعض ، وذلك واضح لنا الآن كما لم يكن واضحاً فى أى زمن سابق . تجارب أفغانستان فى العقود الأربعة الأخيرة خير مثال على إهمال المسلمين فى دراسة تاريخهم والإستفادة من دروسه , رغم ما دفعوه من ثمن باهظ جداً كلفهم ملايين الأرواح مع أموال لا حصر لها.

فلو أن العرب مثلاً فهموا الدروس المستفادة من جهاد أفغانستان ضد السوفييت ، لما وقعوا فى تلك الأخطاء الكبيرة التى أدت إلى فشل إنتفاضاتهم الشعبية فى مواجهة سلاطين الجور والفساد ، من أجل إستعادة الحرية والكرامة والعدالة . ذلك رغم أن العرب لم يكونوا بعيدين أبداً عن تلك التجربة الأفغانية بل شارك فيها الآلاف من شبابهم , وإستشهد منهم المئات فوق ثرى أفغانستان الطاهر الذي امتزجت فوقه دماء صفوة شباب الأمة الإسلامية من أفغان وغير الأفغان .

كانت تجربة فريدة من نوعها فى تاريخ المسليمن والبشرية جمعاء , ولكن يبدو أن المسلمين كانوا الأقل استفادة من دروسها ، فواصلوا الوقوع فى نفس أخطائهم القديمة بل وضاعفوها ، فكان حالهم كما نرى الآن : ضياع وخراب وفوضى وفقدان السيطرة على المصير, وتسلط الأعداء على نواحى الحياة كبيرها وصغيرها .

أخطأ المسلمون أيضاً فى إكتشاف حقيقة واضحة أشار إلها القرآن , ويحقفها الواقع فى كل دقيقة (وتلك أمتكم أمة واحدة , وأنا ربكم فاعبدون) . رغم الوضوح الساطع كضوء الشمس لحقيقة أن ما يحدث من إضطراب فى المنطقة العربية له إرتباط وثيق بما يجرى فى أفغانستان من صراع بين ذلك الشعب المجاهد وبين جيوش العدوان الغربى الهمجى ، ذلك العدوان الذى تقوده الولايات المتحدة وحلف الناتو وتشاركهم إسرائيل بشكل قوى ولكنه مستتر ، خوفاً من إفتضاح الأسباب الحقيقية للعدوان على أفغانستان . فبعد هزيمة أمريكا وحلفائها فى أفغانستان ، فإنهم يعيدون الإنتشار فى المنطقة العربية ، لتأمين السيادة الإسرائيلية أولا ، وتأمين أطماع أمريكا وحلفائها فى ثروات المنطقة ومزاياها الإستراتيجية ثانيا .
وتلك هى نفس القوى التى تعيث فساداً فى بلاد العرب وتنتشر فيها الفوضى والفقر والإقتتال , فتتحول إنتفاضات الإصلاح إلى دمار وإنقسامات وإنهيارات للأمم والمجتمعات ، أى إلى ” ربيع عربى” حسب التوصيف الغربى المنافق لتك الحالة المأساوية .

نفس القوى الشيطانية ( الولايات المتحدة , حلف الناتو , إسرائيل ) هى التى تشيع الخراب فى بلاد العرب الآن , بعد أن هزمها شعب أفغانستان وأرغمها على إنسحاب غير مشروط من بلاده. ونفس القوى ” الإسلامية !!” التى تعاونت مع الأعداء فى أفغانستان الآن ومنذ عقود ، هى نفسها التى تتعاون معهم الآن فى بلاد العرب وتساعد فى بقاء مشروعهم الإستعمارى , مقابل مشاركة تافهة فى الثروات والسلطة السياسية . ومن المؤسف أن يكون من بين المتعاونين مع دول الغرب الإستعمارية المعتدية مجموعات محسوبة على الإسلام وتهتف بشعارات إسلامية لا تجاوز حناجرها . تماماً كما فعل قادة الأحزاب “الجهادية” فى أفغانستان الذين باعوا جهاد الشعب واستدعوا جيوش شياطين الغرب , لتحل مكان جيوش شياطين الشرق .

لقد كانت الثورة التصحيحية التى قادتها حركة طالبان موجهة ضد فساد أمثال هؤلاء الذين إستلموا السلطة فى كابل ، وبدلاً من أن يحكموا بالإسلام عملوا كل جهدهم لتدمير أساسيات الإسلام بالتعاون مع أعدائه , بينما هم يظهرون الإحترام له شكلا . ويكتفون بالمظهر الإسلامى الشخصى كبديل عن تطبيق شرائع الإسلام وحدوده . حدث ذلك فى المجتمع الأفغانى الذى ضحى بحوالى مليونى شهيد من أجل طرد الشيوعية وتطبيق الإسلام .
هؤلاء الزعماء الذين أصموا الآذان بدعواهم وإدعائهم بأنهم أبناء “الحركة الإسلامية” وقادة “صحوتها” كانوا فى الحقيقة يخدعون المسلمين ويتاجرون بالدين وبدماء شعبهم , من أجل الوصول إلى السلطة بمباكة الولايات المتحدة وأوروبا ، فقدموا البلاد هدية لهم يحققون فيها مآربهم وفى الإقليم الذى حولها . حقيقة هؤلاء “القادة الإسلاميون!!” كانت خداع المسلمين والإخلاص للكافرين , إحترام الإسلام شكلاً والإضرار به عملاً , وأكل الدنيا بالدين وإتخاذه سلعة وإرتزاقاً , بطاعة الكافرين ومعصية الله وتضليل الناس والسير بهم فى مجاهل تلبس الحق بالباطل .

تلك كانت حقيقتهم فى أفغانستان, فهل إستوعب المسلمون تلك التجربة المريرة؟؟ وهل إستفاد منها العرب أم أنهم كرروا نفس الأخطاء؟؟ فهل ضاعت دماء شبابهم سدى فى أفغانستان بدون أن يفهموا ما حدث فيصبحوا أكثر وعياً ؟؟ . إنهم لم يستفيدوا من الدرس ، بدليل أن نفس النوعية من الزعماء تعمل هناك وتؤدى نفس الوظيفة ضد الإسلام والمسلمين ولكن بإسم الإسلام ، فضاعت الأوطان و الثروات وانتشرت الفتن ووقعت الشعوب فى حيرة فلا تجد لنفسها مخرجاً. وأنَى لهم أن يجدوا مخرجاً وقد صار معظم القادة من “جهاديين ودعاة ” جزءاً رئيسياً من حالة الفتنة والضياع , وبدلا عن راية الإسلام رفعوا راية ديموقراطية الغرب ، وأظهروا طاعة شكلية للإسلام وخضوعاً فعلياً ومفضوحاً لأعدائه وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة ومعهما دول ناتو التى تواصل إذلال المسلمين منذ قرون متواصلة. وفتحوا أذرعتهم للأعداء ومهدوا لهم سبل النفاذ إلى كل شئ وتعاونوا معهم على ذلك . والجائزة هى نفس ما ناله أشباههم فى أفغانستان , أى المال الحرام والسلطة الذليلة المتعفنة. ونفس الفصائل “الإسلامية التاريخية!!” التى وقفت مع الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان , تقف فى العديد من العواصم العربية الهامة / فى العلن وليس فى السر فقط / مع أمريكا وإسرائيل.

لقد موهوا على شعوبهم بالقول أن الديمقراطية الغربية هى الإسلام وأن الظلم والإستغلال وسرقة الثروات وتهريبها وإضعاف إقتصاد المسلمين وتجهيلهم وإهدار صحتهم وتخريب مقومات حياتهم ، هى نفسها تعاليم الإسلام ومبادئ إقتصاده ورؤيته للمجتمع المسلم ، وفوق ذلك يتبجحون بإمتلاك ما أسموه ” مشروعا إسلاميا”

وكأن التبعية لأعداء الإسلام والتفريط فى أراضى المسلمين هى الوسطية والإعتدال فى الإسلام . فأى تخريب للإسلام أكثرمن ذلك , بل أى صد عن سبيل الله إخطر منه؟؟ .

يجب ألا نمل من التحذير دوماً من أن الكثير الحركات الدعوية والجهادية قد أصبحت تحت التأثير المباشر أو غير المباشر للأعداء ، وقد يعنى ذلك إنسداد طرق النجاة أمام تلك الشعوب ، وجعل مهمة الإصلاح فى غاية الصعوبة وشبه مستحيلة فى الكثير من المناطق.
فى البلاد التى تمتع فيها علماء المسلمين بإستقلالية إقتصادية بعيدا عن تأثير ” السلاطين” ماليا وسياسيا ، تمكن التعليم الدينى من النجاة من سيطرة حكومات الفساد والبغى . فى مثل تلك البلاد يمكن إيجاد البديل والخروج من الكوارث وذلك ما حدث فى أفغانستان ، وذلك هو السر الأكبر للمعجزة الأفغانية التى حطمت إمبراطوريات الإستعمار كما إستعصت على حكم سلاطين الجور ، كما ثارت على حكم مدعى الإسلام المتعاونين مع أعداء الدين والأمة .
فالشعب الحر أنتج علماء دين أحرار وتعليم دينى مستقل . ومن هؤلاء جميعاً ظهرت حركة طالبان التى قادت شعبها لإصلاح مسار الحكم وأزاحت المنحرفين والفاسدين عن سدة الحكم ، فلما تدخلت جيوش الغرب لحماية أعوانها هؤلاء تصدى لهم شعب أفغانستان بقيادة أبنائه من حركة طالبان فى مواجهة تاريخية بدأت منذ سنوات فى تغيير وجه العالم , وأدت إلى إضمحلال قوى وصعود أخرى ، تماما كما حدث بعد هزيمته للسوفييت .

ولكن هذه المرة سيكون الشعب الأفغانى فى طليعة القوى الصاعدة , والوجه الإسلامى الأكثر إشراقا . ولن يكون وحيداً بالطبع لأن قوى إسلامية عديدة سوف تلحق به وتشد من أزرة لتكون الأمة الإسلامية فى صدارة المرحلة القادمة من تاريخ البشرية . سيكون ذلك تحديا تاريخيا طويلا وصعبا , ولكن إنتصار الإسلام حتمى رغما عن أعداء الداخل والخارج (والله غالب على أمره).

:::::::::::::::::::::::::

ثـلاث تـجـارب أفـغـانـيـة

تجارب كبرى مرت بأفغانستان فى ثلاث مراحل متتابعة وجميعها غنية بالنتائج الهامة التى ينبغى أن تكون دروساً لجميع المسلمين .

ــ المرحلة الأولى كانت الجهاد ضد الحكم الشيوعى والإحتلال السوفيتى ( 1978-1992).

ــ والمرحلة الثانية (1994- 2001 ) كانت الثورة الجهادية التصحيحية التى قادتها حركة طالبان وأنشأت خلاها نظام الإمارة الإسلامية ، وإنتهت بالحرب العدوانية التى شنتها الولايات المتحدة على البلاد .

ــ المرحلة الثالثة ، بدأت عام 2001 بالإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، وحتى بداية فرار جيوشهم منها عام 2012 ومازال الفرار مستمرا حتى الآن .

الدروس الهامة من تلك المراحل الثلاث أكدتها أحداث المنطقة العربية وما تمر به من تمزقات أطلق الغرب عليها مصطلح “الربيع العربى” . وفيما يلى بعض أهم تلك الدروس :

1- الإسلام : شعار وسلوك وعمل .

إذا كان الإسلام هو الذى يقود حركة الشعوب ، فينبغى على القادة أن يتخذوه شعاراً وسلوكاً وعملاً فى كتلة واحدة لا تنفصل . فقد رأينا كيف أن البعض إكتفى بالشعار وكان تقصيره واضحاً فى السلوك والعمل . فعوضوا ذلك بالصوت المرتفع والتشدد فى غير موضعه ، وإستخدام العنف حيث ينبغى اللين والرفق ، بل إستخدموا السيف بديلاً عن الكلمة والحوار . والبعض إستعانوا بالشعارات الصاخبة والمعارك الوهمية فى الإتجاهات الخاطئة ليستروا إنحرافهم بمسيرة الجهاد وتعاونهم مع أعداء الأمة .

2- وحدة القيادة مع وحدة التنظيم .

كثيرة هى آيات القرأنية والاحاديث النبويه التى تحض المسلمين عى الوحدة وتجنب الشقاق . ولكن ذلك يبدو وكأنه أصعب الأمور التى يعجز المسلمين عن تنفيذها حتى فى أحرج اللحظات . وذلك واضح فى عواصف الربيع العربى حيث أن الناس هناك (أعطوا الجدل ومنعوا العمل) ، ولم يتعظوا بالأحزاب الجهادية فى بيشاور وقت الجهاد ضد السوفييت ، وكيف أن تعدد القيادات وتعدد القيادات وتناحرها وتعدد التنظيمات وصراعها وتمزيق المجاهدين إلى فئات تتعصب للحزب وليس للدين أو الوطن , أدى كل ذلك إلى فتح الأبواب واسعة أمام الأعداء كى يعبثوا بالجهاد فسيطروا على مسيرته ثم صادروا نتائجه وحرموا الشعب الأفغانى من ثمرة تضحياته الجسيمة. وفى النهاية فإن نفس هؤلاء الزعماء المتناحرون ظهرت نواياهم الحقيقية ، فكانت إستبدال إحتلال بإحتلال آخر, أى إستبدال الإحتلال السوفيتى بالإحتلال الأمريكى . وكان تعاونهم مع العدو الأمريكى مستمراً منذ زمن بعيد ، والأهداف واضحة فى أذهانهم منذ البداية , ولكى يستروها عن أعين المجاهدين رفعوا عقيرتهم بالشعارات الرنانة والخطب العصماء ، إلى أن كشف الواقع عن خبث طويتهم .

إن تعدد التنظيمات الجهادية يمزق قوى المقاومة ، ويكون بذرة لصراعات مسلحة بعد التحرير / بإستثناء تعدد غير مقصود تملية ظروف جغرافية قاسية أو معضلات لوجستية أو إجتماعية / ولكن التعدد التنظيمى للمجاهدين فى أفغانستان وقت الجهاد ضد السوفييت كان بفعل تدخل ونفوذ الدول خارجية . وتلك حالة التنظيمات فى العالم الإسلامى حاليا , حتى التنظيمات الدعوية أو الجهادية , فالتمويل الخارجى للمنظمات والأحزاب هو أوسع أبواب الفساد التى تحول الجهاد إلى حريق بالوكالة ، والمجتمع المسلم إلى ساحة لصراعات دول خارجية.

3- توحيد الشعب والحفاظ على مصالحه .

بعد الإعتماد على الله مباشرة يأتى الإعتماد على الشعب فى العمل الجهادى وتحديات مراحل ما بعد التحرير ،
أى مراحل تطهير البلاد من أثار مرحلة الإنحراف تمهيدا لمرحلة البناء . وكلما كان الإيمان بالله قوياً زاد الإعتماد على قوة الشعب كمصدر للقوة البشرية والمالية والتعاون الكامل فى الجهاد ضد الأعداء , وصار النصر مؤكدا.

ــ وعكس تلك القاعدة الأساسية صحيح تماماً , أى لأجل إفشال الجهاد لابد من ضرب ركيزته الإيمانية المتمثلة فى الإعتماد على الله والثقة بوعده وكأنه أمر واقع بالفعل , ثم ضرب الإعتماد على الشعب وإضعاف الثقة فيه وعدم التعاون معه . وحاليا نرى حركات جهادية منحرفة تعامل الشعوب المنكوبة وكأنها قوة إحتلال إستيطانى. ــ الإعتماد على الشعب كمصدر أساسى / أو وحيد أحياناً / للقوة المادية ، يضمن إستقلالية القرار السياسى وعدم إنحراف مسيرة الجهاد إلى مجرد حرب بالوكالة ، وعدم تحويل المجتمع إلى ساحة صراع لصالح قوى خارجية تدفع المال لأطراف داخلية من أجل تفتيت وحدة الشعب وعزله عن قياداته الفعليه وإبعاده عن قضاياه الأساسية . وإشغاله بقضايا ومعارك وهمية أو هامشية لا ضرورة لها.

إن أهداف القيادة الإسلامية ثابتة فى وقت الحرب كما فى وقت السلم ، وهى الحفاظ على أرواح الناس , وأموالهم وحماية مصالحهم الحالية والمستقبلية ، وقبل كل شئ إبقاء الإسلام عزيزاً وفاعلاً فوق ساحة الحياة ومصانا من أى عبث جاهل أو معادى , وإعلاء قيم العدل فى المجتمع وحرية أفراده فى إطار أحكام الشريعة وليس أهواء الحكام أو تسلط المتنفذين سياسياً أو محتكرى الثروات و الأقوات أو تأثير الأعداء وحروبهم النفسية.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::

دروس لأفـغـانـسـتـان من تجارب “الربـيـع المزيـف” :

وكما أن الدروس الأفغانية المعاصرة ، ذات فائدة عظمى لجميع المسلمين ، خاصة دول الربيع ، فإن دروس الربيع الزائف لها فائدة كبيرة لأفغانستان فى مرحلة ما بعد التحرير . فالمخاطر التى إتضحت فى مناطق الربيع الزائف يمكن أن تهدد أى مجتمع إسلامى آخر وتصل به إلى نفس النتائج الكارثية . ومن تلك التهديدات :

ــ خطورة المسار الديمقراطى الغربى فى تفتيت المجتمعات إلى أحزاب متنافرة ، فيضيع الإجماع ويتشتت المجهود الشعبى إلى إتجاهات متناثرة وتبرز القضايا الثانوية على حساب القضايا الكبرى التى تمس الجميع وتشكل خطرا على دينهم ودنياهم . فتعدد الأحزاب يعنى تعدد مصادر التمويل الخارجى , وتكون الأحزاب تعبيراً عن مصالح الخارج- أى الأعداء أو وكلائه الإقليميين – وتقوم الأحزاب بدور تخريبى لصالح هؤلاء الأعدء, وتملأ حياة الوطن ضجيجاً وخلافات ولا تتطرق بأى قدر من الجدية الى القضايا الرئيسية للشعب والوطن .

ــ مناخ الديمقراطية الغربية يسمح بإهانة الإسلام وقيمه والتطاول على المقدسات بدعوى حرية التعبير , وباقى الإدعاءات الفارغة مثل حقوق الإنسان وأخواتها . كما يسمح بأعمال الخيانة الواضحة بدعوى أنها مجرد وجهات نظر مسموح بها فى مناخ من تعدد الإجتهادات.

ــ تعترضت الحركة الإسلامية بكافة فروعها لمفاسد مناخ الديموقراطية الغربية ، وقد أثبت الواقع فشل تلك الأحزاب فى ممارسة السياسة بأى معيار إسلامى ، إلى جانب تلاشى عملهم الدعوى نظراً لفقدان المصداقية وطغيان السعى نحو الغنائم السياسية . فلا يمكن تمييز الأحزاب الإسلامية فى بلاد الربيع عن أى فصيل سياسى تقليدى من حيث إنحطاط الممارسات السياسية وانتهازيتها وسعيها الحثيث نحو السلطة على حساب المبدأ والعقيدة وعلى حاب الشعب ومصالح الوطن . فلا السياسة أصبحت بهم إسلامية ولا الدعوة بقت سالمة من تأثير الفساد السياسى والمصالح المالية والتجارية.

{ جاء فى مقال لكاتب مصرى شهير مايلى : ” إن القضية الآن لم تعد من يتكلم فى الدين ، وبقدر ما إرتفعت الصيحات الدينية فى الشارع بقدر ما ساءت سلوكيات الناس وأخلاقهم ،وقليلا ما تجد إماما أو خطيبا يتحدث عن مكارم الإخلاق ، لأننا جميعا غرقنا فى السياسة ” ـ الكاتب والشاعر فاروق جويدة ، فى جريدة الأهرام ، 28 إبريل 2013 }

= حرية التعبير, الرأى والرأى الآخر, حرية الفكر, التعددية الفكرية والسياسية.. إلخ كل تلك شعارات مخادعة تسعى إلى عكس ما يمكن ان تفهم به من الوهلة الأولى . وفى نهاية المطاف تصبح الخيانة وجهة نظر , ويصبح الدين مجالاً للطعن والتجريح والتحريف , وتضيع القيم والثوابت الدينية لأنها تصبح فى نفس الميزان مع جهات النظر القابلة للطعن والرفض والإستخفاف.

فالتعاون مع الأعداء والتحالف معهم يصبح جائزاً ومعقولا بل ومطلوبا من الحكم ومعارضيه . وبيع الأوطان والتنازل عن المقدسات هى إجتهادات يمكن قبولها أو الإعتراض عليها بحرية. وغالباً ما تأخذ طريقها إلى التنفيذ حتى تأخذ الخيانة فرصة فى إثبات فائدتها.

ــ فى ذلك المناخ يعمل العدو بكل حرية داخل الوطن المبتلى بالديمقراطية الغربية ، فتصول أجهزته الأمنية وتجول بكل حرية , وبشكل رسمى يجتمعون بنظرائهم فى الحكومات الجديدة , ويبارك الإسلام الديموقراطى كل ذلك ويعتسف تفسير النصوص وشواهد السيرة والتاريخ الإسلامى من أجل ترسيخ التواجد العسكرى والأمنى للأعداء الذين يزداد تدخلهم فى الشأن الداخلى السياسى والإقتصادى و الثقافى والتعليمى وحتى الإسلامى .

ويخترع الإسلام السياسى بدائل عن الأعداء الحقيقيين لصرف الأنظار إليهم وتفريغ طاقات الغضب الشعبى عليهم ، فتضيع طاقات المسلمين هباء منثوراً وتنقلب المعايير فيصبح القريب بعيدا والعدو صديقا حميما والأخ عدوا لدودا . وبذلك يتحقق أقصى درجات الأمن للأعداء الحقيقيين كى يعملوا بكل حرية فى تدمير البلاد .

ــ ينتشر الفساد المالى فى موازاة الفساد السياسى ، ويمد الجميع أيديهم إلى المال الحرام ، وتضيع حقوق الضعفاء لصالح الأقوياء المتنفذين . وتغرق البلد فى قروض خارجية باهظة , يضيع معظمها فى مسارب الفساد ، ويبقى عبء السداد على كاهل الفقراء وأجيال الشعب إلى أبعد الآماد القادمة.

ــ بعض أحزاب الإسلام السياسى ، ولسداد فاتورة السماح لها بالمشاركة السياسية ، حولت العلاقة بين المذاهب الإسلامية ناهيك من العلاقة مع أتباع الديانات الأخرى – إلى “علاقة حربية” يكون النقاش فيها بأقصى العنف المتاح ، إبتداء من الكلمة النابية وصولا إلى العصى ثم الأسلحة بأنواعها . فكان ذلك مصدر سعادة غامرة للأعداء ، فهو يسير وفق مخططهم الرامى إلى تفتيت البلاد الإسلامية إلى جزيئات صغيرة على أسسى طائفية ومذهبية وعرقية ولغوية .

# الخطورة فى حالة أفغانستان ستكون إستثنائية إذا إنتقلت اليها تلك الإنحرافات الخطيرة من “بلاد الربيع” . فموقع أفغانستان الفريد من الناحية الإستراتيجية خاصة فى ظروف العالم الحالية – أى ما بعد الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان وأزمتها الإقتصادية وانحسار دورها السياسى دولياً ــ فأن أهمية أفغانستان (الجيوسياسية) تضاعفت بشكل يصعب على كثيرين تصوره . وبالطبع لن يمارس ذلك الموقع تأثيره بصورة تلقائية ، بل عبر عوامل بشرية تكسبه الأهمية والتأثير النادر . من أهم تلك العوامل البشرية :

1- القيادة القوية الكفؤة .
2- الشعب المتحد.
3- نظام حكم يحظى بالقبول والمصداقية.

من ناحية القيادة ونظام الحكم فلا جدال فيه بالنسبة للشعب الأفغانى . فقد أثبتت التجارب منذ عام 1994 أن حركة طالبان والنظام الإسلامى الذى أقامته هو نقطة الإنطلاق للمرحلة القادمة بدعم شعبى ساحق . وقد تجلى ذلك بوضوح فى مرحلة الجهاد الحالى ضد الإحتلال . فالمساندة الشعبية الكاملة لحركة طالبان عوضها عن المساعدات الخارجية التى إنقطعت نتيجة حالة الحصار الدولى الكامل على جهاد الشعب الأفغانى . وهو حصار ساهم فيه المسلمون قبل غيرهم , بل وأكثر من غيرهم ، حيث توقفوا حتى عن الدعاء لمجاهدى أفغانستان خوفا من أن يغضب ذلك إسرائيل والولايات المتحدة ودول حلف الناتو . وهى الجهات الثلاث التى تهب منها رياح “الربيع” القاتلة .

# وفى ظروف الجهاد الصعبة ضد أقوى تحالف للشر فى التاريخ إستطاعت قيادة حركة طالبان ، ليس فقط من هزيمة عدوها عسكريا بل وأحبطت كافة مساعيه لحرف مسيرة الجهاد نحو الفتنة والإقتتال الداخلى ، بل وأستطاعت الحركة من توحيد شعبها كأفضل ما كان فى أى فترة من تاريخه . رغم أن الضغوط التى بذلها العدو وأعوانه من أجل إيقاع الفتنة لم تكن بأى حال أقل من المجهود العسكرى . ويجب التنبيه هنا وبأقصى قوة أن ترابط الشعب الأفغانى ووحدته هى أهم مفاتيح النصر فى مرحلة تحديات ما بعد التحرير ، وهى تحديات أخطر وأعظم من تحديات مرحلة القتال المباشر ضد الإحتلال .

# فى ظروف أفغانستان القادمة ودورها الكبير المتوقع ، المنطلق من موقعها الجغرافى الفريد وإنتصاراتها العسكرية الباهرة ، ومجاورتها للقوى الدولية الكبرى فى ” النظام الدولى القادم” ، أو فلنقل إدارة العالم القادمة بعد الأفوال الأمريكى ، فإن الدور الأفغانى حيوى للعالم أجمع . ستكون أفغانستان مؤثرة على مجريات الأحداث فى العالم الجديد كما أنها مرشحة لتعديل مسيرة العالم الإسلامى الذى تمزقت أوصالة وأفلست قواه الحركية التى كان يعول عليها فيهما مضى ، ولكنها تلوثت بأدران الديموقراطية الغربية وحولت العلاقة بين المسلمين إلى صراعات وحروب ، وطبيعى أنها لن تتردد فى نقل تلك التجربة البائسة إلى أفغانستان حتى لا تبنى أفغانستان نفسها من جديد بعد أربعة عقود من الحروب المتصلة وحتى لا تساهم أفغانستان بدور إيجابى فى التأثير على مجريات أحداث إقليمها الأسيوى الحيوى وأحداث العالم ، حيث أنها تقع جغرافيا فى مركز القوى الجديد المؤثرة عالميا ، على حدود كل من الصين وروسيا وإيران والهند .

جغرافيا تعتبر أفغانستان هى مفصل الإتصال البرى بين تلك القوى الأربع . وهى متكاملة مع إيران ومسلمى شبه القارة الهندية وجمهوريات آسيا الوسطى الخمس ستكون أهم وأخطر كتله إسلامية مؤثرة فى مستقبل المسلمين . تلك الكتلة هى المعادل الإسلامى للكتل البشرية والإقتصادية العظمى فى ذات الإقليم ، وهى قوى دولية كبرى فى الزمن القادم . إذن أفغانستان مرشحة لأن تكون طليعة لكتلة إسلامية كبرى وفعالة ضمن نظام أسيوى يقود البشرية فيما بعد الأفول الأمريكى الأوروبى .

= فإذا لم تكن أفغانستان جديرة بذلك الموقع وذلك التاريخ المجيد ، ولم تختر لنفسها دوراً قياديا للعالم والمسلمين كافة ، فإنها قد تتلاشى كنقطة ماء فى محيط تلك القوى الجبارة التى حولها .
وذلك هو التحدى الأساسى أمام الشعب الأفغانى العظيم وقيادته الإسلامية المجاهدة .

بقلم : مصطفي حامد

copyright@mustafahamed.com
مصدر : alsomod-iea.info

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here