طالبان.. والعمل السياسى الربيع فى أفغانستان له طعم آخر

0

# تأمل الولايات المتحدة فى الوصول إلى حالة ” هزيمة بلا إنهيار” بعد أن عاشت مرحلة ” نصر بلا حرب”.

# السوفييت ثم الأمريكيون عملوا على إضعاف القبائل فى أفغانستان لصالح الأحزاب المصطنعة .

# القبائل فى أفغانستان كانت على مر العصور محضنا للإسلام وحصنا للدفاع ضد الغزاة .

# جميع الأحزاب فى أفغانستان إرتبطت بالغزو الخارجى السوفيتى ثم الأمريكى .

# فى قتالها ضد الإمارة الإسلامية إستأجرت الأحزاب “الجهادية!!” مرتزقة روس وتحالفت مع ميليشيات “جلم جم” الشيوعية ثم قاتلت فى طليعة الغزو الأمريكى .

# أحزاب كابل متمسكة بالإحتلال الأمريكى وتستمد وجودها من وجوده .

# الحزبية هى نتاج حضارة الغرب وتعبر عن معتقداته وأوضاعة الإقتصادية والإجتماعية .

# أنظمتنا الديموقراطية لابد أن تكون تابعة أومرتبطة عضويا بإسرائيل والولايات المتحدة ، ولهذا يصرون على فرضها على بلادنا بقوة السلاح أو بالخديعة والغواية .

# الشعارات البراقة / حتى ولو كانت بصياغة إسلامية / لايمكن لها أن تخفى الطبيعة الصهيونية والإمبريالية للنظام الديموقراطى ، فعند
قمة الهرم الديموقراطى يجلس كبار مكتنزى الأموال من صهاينة وصليبيون جدد .

# أحزاب الإسلام السياسى ساهمت فى تجريف الإسلام وتفريغه من محتواه .

# الشعار الإسلامى فى الإقتصاد ليس بديلا عن إنشاء إقتصاد قوى
وفق رؤية إسلامية صحيحة ، تراعى العدالة الإجتماعية وتوفر الأمن الغذائى . ولهذا فإن إقتصاد السوق الذى يطرحة الغرب لا يتوافق مع المفهوم الإسلامى للإقتصاد .

# إقتصاد السوق أكذوبة إقتصادية كما أن الديموقراطية أكذوبة سياسية .

# إقتصاد السوق هو الأساس الإقتصادى لمهزلة الديموقراطية ، ولا يمكن لأحدهما القيام بدون الآخر .

# أحزاب “الإسلام السياسى” قامت بدور السمسار / وأحيانا المقاتل/ لصالح الشركات متعددة الجنسيات والبنوك الدولية وشركات النفط والغاز ، وشعاراتها الإسلامية تجعل إقتصاد السوق أكثر إستقرارا لأنها توهم الناس بأن الإسلام يقبل بالظلم والتبعية .

# لا بديل عن جعل الإسلام محورا للعملية التعليمية ، وبدون علوم الفيزياء والكيمياء وعلوم الفضاء والتكنولوجيا سنظل عرضة لمحاولات الغزو الخارجى .

# ليس من مفردات السياسة فى الإسلام الخضوع والموالاة لأئمة الكفر فى العالم ، ولا السماح للصهاينة بإحتلال فلسطين ، ولا القبول بقواعد عسكرية لدول تحارب المسلمين وتحتل أراضيهم .

# كل شرعية تتعارض مع الشريعة الإسلامية ، لا إعتبار لها .

# “إقامة شرع الله” شعار لايمكن تحقيقة بدون إمتلاك حرية القرار
السياسى ، وتحرير رقاب المسلمين من الإحتلال الأجنبى ، وذل الديون ، والحاجة إلى المعونات الخارجية ، وقيود الإتفاقات الجائرة مع الأعداء .

::::::::::::::::::::::::

هناك أسباب تؤخر الولايات المتحدة عن سحب قواتها من أفغانسنان رغم إتضاح خسارتها للحرب هناك بلا أدنى شك . تلك الأسباب من القوة بحيث تجعل هذه الدولة الإمبريالية تتحمل النتائج الوخيمة لتأخير عملية الإنسحاب طول تلك المدة , رغم إتضاخ خسارتها للحرب منذ عام 2008على الأقل , بحيث ترافقت بشائر الهزيمة العسكرية مع بوادر الأزمة المالية الإقتصادية التى مازالت تتجذر فى المعسكر الغربى كله وتهدد بسقوطه فى عقر داره , بما بعيد للأذهان السيناريو السوفيتى عندما ترافقت الهزيمة العسكرية فى أفغانستان مع تفاقم الوضع الإقتصادى ثم فى النهاية السقوط المريع والإندثار .

= ما تريده الولايات المتحدة هو تلافى المصير السوفيتى والسيطرة المسبقة على تداعيات الأحداث فى العالم بعد الفرار من أفغانستان . تراهن أمريكا بدفع التكلفة الباهظة لتأخير الإنسحاب فى مقامرة لكسب الوقت إلى أن تعيد ترتيب وضعها الإمبريالى لتظل كما هى الآن : قطبا أوحدا ومهيمنا على شئون العالم .

وما تريده قبل الإنسحاب هو التوصل إلى آليات جديدة لتلك السيطرة وإتخاذ الكثير من الإجراءات على مستوى العالم كله ـ وبالطبع على مستوى الداخل الأمريكى المتصدع ـ للدخول فى مرحلة جديدة من الهيمنة تتناسب مع حقيقة الهزيمة العسكرية والتصدع الإقتصادى ، و الوصول إلى ما يمكن تسميته (هزيمة بلا إنهيار) على غرار شعار ريتشارد نيكسون (نصر بلا حرب). المجهود الأمريكى فى هذا الصدد ضخم وجبار ولكنه لن يكون كافيا ، لأن العالم تغير بالفعل وظهرت فيه حقائق جديدة على كل الأصعدة ، الإقتصادية والسياسية ، والأهم هو مستوى إدراك الشعوب بما يجرى حولها، ونزوعها إلى التمرد على السيطرة الأمريكية ، والبحث بشكل حقيقى عن العدل والحرية . وليست شعوب الولايات المتحدة بمعزل عن كل ذلك , فالكثير منها بدأ يعى مخاطر ذلك النظام الفاشى الذى يسيطرعليه قلة صغيرة من أصحاب الترليونات ، فبدأت تلك شعوب تطالب تدريجياً بحق تقرير المصير والإنعتاق من سجن الفيدرالية المجحف . وتلك مطالب عادلة سوف تلاقى تعاطف ودعم شعوب العالم أجمع خاصة من المسلمين الذين ذاقو الأمرين من النظام الأمريكى المتوحش.

إعادة تموضع حول العالم :

وحتى لا يحدث الإنهيار تصبر الولايات المتحدة على نيران الهزيمة فى أفغانستان إلى أن تعيد ترتيب قطاعات عديدة تغطى العالم كله تقريباً.

= من تلك القطاعات أفغانستان نفسها بإمكاناتها الإقتصادية والسياسية وموقعها الإستراتيجى ودورها الإسلامى الحالى والمستقبلى . ويرتبط بأفغانستان قطاع المنطقة العربية قاطبة من المحيط إلى الخليج, خاصة ما يتعلق بالدور المأمول أمريكياً لذلك الخليج ليس فقط كمصدر وممر لمعظم صادرات الدنيا من الطاقة منذ عقود مضت ، ولكن أيضاً لتحويل ذلك الخليج إلى خندق نيران طائفية تلتهم المسلمين على الضفتين وتزحف فى الإتجاهات الأربع لتصبح الحرب الطائفية هى قضيه المسلمين الأولى وليست فلسطين ولا ضياع مقدرات المسلمين وبلادهم وقبل ذلك وبعده ضياع شرائع دينهم .

لذلك فإن فهناك إرتباطا وثيقاً بين ما يجرى فى أفغانستان وذلك الذى يجرى فى المنطقة العربية , وعلى وجه الدقة منطقة الغرب من أفغانستان ، الممتدة من إيران وحتى الشواطئ العربية على المحيط الأطلسى.

ولا ننسى أن هناك شريطاً جغرافياً آخر يمتد من شرق أفريقيا “القرن الأفريقى” وصولا إلى غرب القارة وتحديدا دول جنوب الصحراء . وهو الآخر قطاع تشمله ترتيبات أمريكية عميقة لإستقبال مرحلة ما بعد الإنسحاب من أفغانستان.

= يمكن التوسع فى الحديث وضم مناطق عديدة أخرى يجرى العمل عليها إستقبالا للتحول العالمى القادم فى محاولة أمريكية يائسة لأن يظل العالم أمريكيا كما حدث منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفيتى, ولكن تلك الوجبة أصبحت أكبر بكثير من أن تبتلعها المعدة الأمريكية الشرهة . وكما كانت أفغانستان إنطلاقة التغير الجيوسياسى العالمى بعد هزيمة الجيش الأحمر, فإنها ستكون كذلك وأكثر بعد هزيمتها لجيوش أمريكا وحلف الناتو .

فإذا إعتبرنا أفغانستان مركزاً للتحولات الدولية الكبرى فى هذا المناخ “الجيوسياسى” فإن مجموعة الدول الواقعة شمال أفغانستان والتى تشمل جمهوريات أسيا الوسطى وروسيا الإتحادية , ومجموعة الدول الواقعة جنوب أفغانستان وتشمل دول شبه القارة الهندية . ثم إلى الشرق من أفغانستان فى حيث الصين أو ذلك التنين الذى من المنتظر أن يتحرك على ساحة العالم بقوة وثقل سكانى وإقتصادى وتقدم تكنولوجى, ليزيح أمريكا أوروبا جانباً ويتصرف دولياً على شكل يصعب تماما التنبؤ به . كل تلك المجالات “الجغرافية / السياسية” حول أفغانستان تجهز لها الولايات المتحدة قبل إتمام فرار قواتها من أفغانستان حيث تكون هيبتها الدولية قد سقطت والأزمة الإقتصادية بلغت مداها وتململ الشعوب وغضبها قد إتخذ مسارات خارج السيطرة أو حتى التصور الأمريكي . إذن الإنتظار الأمريكى فوق الحديد الأفغانى الساخن له ما يبرره من وجهة نظرها ، تفادياً لكارثة
كاملة , فمن الأفضل تحمل المزيد من الخسائر لعدة أشهر إضافية.

ولكن الحسابات الأمريكية ربما كانت خاطئة وأن الصبر فوق الجمر الأفغانى لن ينجيها من كوارث الإنهيار. لأن إعادة رسم خريطة العالم وفقاُ للهوى الأمريكى هو أمر أكبر بكثير من قدرت تلك الدولة المتراجعة, وهو طموح أمريكى غير واقعى لأن العالم أصبح أكبر بكثير من أن تحتويه قوة إمبريالية مهزومة ومتصدعة . فقد آن لأمريكا وحضارة الغرب أن تتراجع خطوات كثيرة إلى الخلف , لأن هناك مستقبلاُ آخر قادم فى الطريق.

ذلك المستقبل يصنعه الأفغان بجهادهم ، وقد آن لهم هذه المرة أن يكونوا فى صدارة المستقبل القادم . لقد فاتتهم الفرصة فى المرة السابقة عندما صنعوا عالما جديداً بإزالة الإتحاد السوفيتى , وكان السبب الجوهرى لضياع الفرصة هو فساد قيادات الأحزاب التى قفزت فوق موجة الجهاد ثم باعته للولايات المتحدة وعملائها الإقليميين.
إضعاف القبيلة لصالح الحزب :

ومن الدروس الأخرى الكبرى لتجربة الجهاد الأول ضد السوفييت كانت :
1
ــ تسلط الشخصيات الفاسدة والمنحرفة والموالية للغرب على قيادة الجهاد.

2ــ تقسيم الحركة الجهادية إلى أحزاب تعتمد على الإسناد الخارجى فى التمويل والتسليح والدعم الدبلوماسى فى مقابل التنازل للقوى الخارجية عن القرار السياسى الأفغانى ، فتحول الجهاد إلى حرب بالوكالة لصالح تلك القوى /الولايات المتحدة تحديدا/ التى فازت بالغنائم وتركت لشعب أفغانستان حكومة فاسدة وقادة متناحرون, يديرون عصابات إجرامية وحرب داخلية أدت إلى إختلال تام فى أمن المواطنين وأعمالهم .

3ــ إضعاف القبائل الأفغانية التى هى أساس التكوين السياسى والإجتماعى للبلد , فالقبائل تؤدى مهام غاية الأهمية فى المجتمع والدولة , كما أنها ركيزة الدفاع على مر العصور ، وهى المحضن الأول للإسلام والمدافع الأساسى عنه . لذلك كانت القبائل مستهدفة من قوى العدوان الخارجى سواء كانوا إنجليز أو سوفييت أو أمريكيين. وإنشاء الأحزاب كان أحد أهدافه الخفية إضعاف القبائل الأفغانية بتقسيمها وتفريق أفرادها بين الأحزاب ونقل القدرات والصلاحيات إلى أيدى الأحزاب . وجميع المستعمرين إتبعوا أساليب شتى لإضعاف القبائل وتفتيتها سواء بالحرب والقوة العسكرية المباشرة ، أو بالتقسيمات الإدارية أو رسم الحدود المصطنعة مع الدول المحيطة بأفغانستان . وفى وقت الجهاد ضد السوفييت كانت القوى المالية والتسليحية والإتصالات الخارجية فى يد قادة الأحزاب الذين بذلوا جهدهم لإضعاف “القبلية” لصالح “الحزب” . وذلك جانب هام يكمن وراء فلسفة تكوين الأحزاب فى أفغانستان ، أى إضعاف القبلية ودورها الإجتماعي والثقافى والإقتصادى والأمنى والدفاعى ، ثم حصيلة ذلك إضعاف قدرة أفغانستان فى الحفاظ على قيم الإسلام أوالدفاع عن البلد فى مواجهة الغزو الخارجى .

ــ والأحزاب فى الدول الإسلامية بشكل عام هى حيلة غربية لتقسيم المجتمع وتفتيت قواه بكيانات حزبية متهافتة وعديمة الفائد تمنع إتحاد الشعب وتبعثر قواه وتشتت جهوده فى صراعات عقيمة لا جدوى منها. ولا قيام لتلك الأحزاب بغير العون الخارجى سواء من الأعداء الواضحين المباشرين أو الأعداء غير الواضحين من وكلاء
الإستعمار الإقليميين.

ــ وللأسف الشديد فإن العمل الإسلامى فى البلاد الإسلامية قد إتخذ الصيغة الحزبية العقيمة ، ولم يتوجه للمجتمع بتكويناته التقليدية ، فصارت الحركة الإسلامية طافية على السطح بلا جذور ، ومبرتبطة بالخارج بحثاً عن المال والدعم الدعائى والدبلوماسى , وكلما زاد ضعفها وعزلتها داخلياً زاد إرتباطها بالخارج حتى وصلت الى ما نشاهده الآن فى دول الربيع العربى من إرتباط علنى مع الولايات المتحدة , أشد أعداء العرب والمسليمن, ثم الإسترضاء الذليل لإسرائيل التى تشكل خطرا وجوديا على العرب والمسلمين جميعاً ،على الأقل بأسلحتها النووية ، وتهديداُ لمقدساتهم فى فلسطين والحجاز . فالأحزاب كيان دخيل وضار على كل الجسد الإسلامى خاصة فى أفغانستان التى إرتبطت فيها الأحزاب / التى أظهرت الماركسية أو إدعت الإسلام / بشكل مباشر بقوات الغزو الخارجى ، السوفيتى سابقا والأمريكى حاليا .

فقد رأينا الأحزاب الشيوعية وكيف أنها إستقدمت الجيش الأحمر السوفيتى لحمايتها ، ثم رأينا الأحزاب الجهادية “!!” وكيف تاجرت بدماء الشعب ثم تحالفت مع كل أعداء الداخل والخارج . وفى حربها ضد الإمارة الإسلامية إستخدمت فى صفوفها مرتزقة روس حاربوا قبلا فى أفغانستان ، وكانت تلك الأحزاب “الإسلامية” وحلفائها من ميليشيات “جلم جم” الشيوعية رأس رمح لقوات الغزو الأمريكى الأوروبى .

ثم نرى فى كابل الآن الأحزاب التى نشأت تحت رعاية الإحتلال وبأمواله وأموال الدول الخارجية من كل صنف ولون ، تلك الأحزاب جميعا متمسكة بالإحتلال وتستمد وجودها من وجوده ، فهى مثل الظل الذى يزول بزوال الأصل ، فأصل تلك الأحزاب هو الإحتلال الأجنبى.

وعلى عكس تجربة تلك الأحزاب فى أفغانستان وباقى بلاد المسلمين تقف حركة طالبان كنقيض لها ونموذجا للتحرك الإسلامى الدعوى الجهادى الممتد إلى أعماق تركيبة المجتمع الأفغانى وتاريخه .

وفى إشارة لتلك الحقيقة قالت صحيفة “ديلى تلجراف” البريطانية ( إن حركة طالبان متجذرة بعمق بين قبائل البشتون “!!” جنوب وشرق أفغانستان ، ولا يمكن لأى قوة مهما بلغت عظمتها أن تقتلع تلك الحركة من جذورها). واضح أن الصحيفة خلطت بين نشأة تلك الحركة فى مناطق الجنوب والشرق وبين إنتشار تلك الحركة كأحد المكونات الثقافية والدينية لجميع القبائل . والدليل الواضح هو قيادة تلك الحركة لجهاد الشعب الأفغانى فى كافة المناطق والأرجاء شمالا وجنوبا ،
شرقا وغرباً.

كما لا يدرك آخرون أن “طالبان” هم طلاب العلوم الدينية , وبالتالى فهم يرتبطون بالإسلام الذى يجمع كل القبائل . إن “حركة طالبان” تعنى ذلك التجمع الذى قام كى يأمر بالمعرف وينهى عن المنكر لإصلاح الخلل الذى أحدثته حكومة كابول فى أنحاء البلاد ، فأفسدت حياة الناس ، وإنتهى المطاف بذلك التحرك الإصلاحى إلى خلع الحكومة وإعلان الإمارة الإسلامية التى أعادت الحياة فى ذلك البلد إلى مسارها الإسلامى الصحيح.

وبشكل ما فإن كل طالب للعلوم الشرعية يعتبر نفسه عضواً فى تلك الحركة ، وبهذا لا تنحصر حركة طالبان فى قبيلة أو منطقة جغرافية محددة ، فإنتمائها الحقيقى هو للإسلام , وقد بذلت الحركة الآلاف من أرواح شبابها فى ذلك الدرب وما زالت . وتلك مهمة يتعدى تأثيرها بلدا واحدا ، ليصل عاجلاً أو آجلا إلى جميع المسلمين بل والبشرية جمعاء , لأن الإسلام هو رسالة للبشر كلهم . وتضحيات طالبان هى فى سبيل الله أى لنفع الخلق أجمعين ، وهكذا فإن حركة طالبان ليست حزباً ولا يمكنها أن تكون كذلك ، وأى محاولة من جانب العدو لحشر الحركة فى حفرة الحزبية هى محاولة فاشلة لأنها لن تقبل بالإنعزال عن الدين, وعن جموع المسلمين فى شتى القبائل ، ولن تتحول إلى كيان حزبى مسخ منعزل لا يرى سوى مصالحه الضيقة ومكاسبه السياسية والمالية, شأن كل الأحزاب ، العلمانى منها والإسلامى.

فالحزبية هى نتاج حضارة الغرب وتلبى فلسفاته الإعتقادية وأوضاعه الإجتماعية والإقتصادية .

الديموقراطية خدعة تاريخية :

# إن ما يعرضه الغرب على المسلمين تحت مسمى الديموقراطية هى من أكبر الخدع فى تاريخ الإنسانية , لأن مزاياها متوهمة وليس لها وجود فى حقيقة الأمر . والشعب هو الضحية الأولى لذلك النظام المخادع الذى يمارس ما يشبه الطقوس الوثنية ليوهم العوام بالمشاركة فى الحكم والرقابه عليه بحيث لا يمكن لجهة واحدة الإستبداد بالحكم أوالإنفراد به . وكل ذلك غير حقيقى فكما قال أحد رؤساء وزراء بريطانيا بأن (الديمقراطية نظام سيئ ولكنه أفضل نظام إخترعه الإنسان) . وقال آخر ( إن الديموقراطية هى أفضل نظام يمكن شراؤه بالمال) . وذلك القول أكثر دقة , لأن الديموقراطية فى حقيقتها هى حكم الأقلية التى تمتلك معظم الثروات, وهى التى تدير عبر مجلس إدارة غير معلن كل اللعبة السياسية والإعلامية . فذلك المجلس أو الإتحاد هو الذى يمول الأحزاب والإعلام ، ويختار الشخصيات القيادية التى تخدم أهدافه وتقود “اللعبة” عبر المؤسسات الرسمية وعبر المنظمات الشعبية والنقابات أو”مؤسسات المجتمع المدنى” كما يحلو لهم القول.

تلك هى أصول اللعبة لدى الكبار . أما الصغار من الدول المتخلفة فإن ديموقراطياتها تابعة للدول الكبرى ( دول المركز) ، فمنها تستمد المال والتوجيه بل والشرعية السياسية داخلياً ودولياً.

إذن ديموقراطيات العالم المتخلف هى نظام “الإلتحاق” بالغرب ومجرد تقليد أجوف لأنظمتة التى هى فى الأساس أنظمة مخادعة وتخدم الأقلية التى تمتلك ثروة المجتمع, أى تمتلك القوة المالية التى منها تنبع باقى أنواع القوة . وتلك القلة التى تمتلك المفاتح الحقيقية للحكم ، ثابتة ولا تتبدل بينما يتصور الرعاع أنهم يبدلون الرؤساء والحكومات عبر صناديق الإقتراع ، وكل ما يفعلونه فى الحقيقة هو إختيار واحد من الذين يرشحهم ويرضى عنهم نادى الأثرياء المتحكمون فى اللعبة كلها.

ديموقراطيات العالم الثالث تسير على هذا المنوال ، فأصحاب الثروات الطائلة يديرون عن بعد اللعبة السياسية بما فيها من أدوات عبارة عن أحزاب و إعلام تخدم مصالح مموليها . وأصحاب الثروات هؤلاء تابعون لنادى أثرياء العالم ومقره الأساسى هو تلك الدولة الأعظم ، ويضم كبار أصحاب البنوك والصناعات العسكرية والشركات متعددة الجنسية , والصهاينة بالطبع هم القطب الأهم والرئيسى فى ذلك النادى الديموقراطى الدولى العابر للقارات والأمم .

أثرياؤنا تابعون لهؤلاء , وأغلبتهم العظمى مدينون بثرواتهم لنادى الثروات الدولى ، بل ويعملون غالباً كنواب لهم وستائر لحركة أموالهم . وذلك يوضح لماذا أن كل نوادى الأثرياء التافهون فى بلاد العالم الثالث تابعون بالضرورة ، وبحكم الإرتباط العضوى ، لنادى الأثرياء الدولى . أى أن “أنظمتنا” الديمواطية لا بد أن تكون موالية ومرتبطة عضويا بإسرائيل والولايات المتحدة إقتصادياً وسياسياً.

وما نشاهدة فى بلاد “الربيع العربى” خير برهان ودليل على ذلك. وأى شعارات مهما كان نوعها ــ حتى الإسلامى منها – لن تجدى فى تغيير الطبيعة الصهيونية الإمبريالية لأى نظام ديموقراطى . فعند قمة الهرم الديموقراطى يجلس (رأس المال) وكهنته من يهود وصليبيون جدد . فمصاصو الدماء هؤلاء هم أعدى أعداء المسلمين والبشرية جمعاء ، وهم مشعلى الحروب والفتن ومبيدى الشعوب والحضارات وسارقى الأرض , بل والقارات ، فمن إجمالى خمس قارات على سطح الأرض سرقوا ثلاثة منها وأبادوا سكانها الأصليين وجلبوا لخدمتهم فيها كعبيد أكثر من عشرين مليون مسلم من قارة أفريقيا ، وحديثا سرقوا منا فلسطين ، ويجهزون الآن المسرح العربى بعرائس خشبية حاكمة متحكمة ، متعددة الأشكال والألوان ، علمانية وإسلامية ، تمهد وتحمى زحف اليهود القادم نحو المقدسات الإسلامية فى الحجاز .

أحزاب “الإسلام السياسى” وتجريف الإسلام :
يقصد بالتجريف إزالة الطبقة الخصبة القابلة للزراعة من فوق سطح الأرض . و “تجريف الإسلام” إصطلاح يعنى الحفاظ على الإسم والشعار الإسلامى بعد إزالة المعنى والبنيان الواقعى للدين من فوق سطح الأرض . فيصبح الشعار بديلا عن المحتوى, والمظهر عوضاً عن الجوهر , والإنفعال والحماس بديلاً عن التخطيط والتدبير ، والجدال الفارغ بديلاً عن البحث المتعمق المفضى إلى عمل منتج ، وتشتيت إنتباه الأمة عن الأخطار الحقيقة المحدقة بها وإستبدال ذلك بخصام داخلى وأخطار مصطنعة ، وإشعال الحروب الداخلية بين مكونات الأمة بديلا عن الإعتصام بحبل الله وعدم التفرق ، وإتباع التدين الشكلى والمظهرى بديلا عن الإجتهاد المبنى على العلم الشرعى المؤصل والفهم المعمق للواقع .

ــ خلال فترات الإضطهاد إكتفى الإسلام السياسى بالشعارات البراقة ، وعندما وصل إلى السلطة بإتفاق واضح مع اليهود والنصارى (إسرائيل والولايات المتحدة) ظل مكتفيا بالشعارات الإسلامية مع الإبقاء على جوهر النظم السابقة فى مجالات السياسات الداخلية والخارجية ، والإقتصاد الضعيف الفاسد والتابع لدول الإستعمار ، والإعلام التافه المقلد للإعلام الدولى المعادى للشعوب ومصالحها الحقيقية ، والحياة الثقافية الموبوءة بأمراض الغرب الفكرية والإعتقادية . فإذا كان الوقت لم يسعف أحزاب “الإسلام السياسى” حتى الآن ، فإن تفاصيل ما نفذه بالفعل وما أعلنه من خطط مستقبلية ، يوضح تماماً أن لا جديد تحت الشمس ، وأن ما حدث هو مجرد استبدال للوجوه وإلباس النظام القديم قناعاً إسلامياً ، مع بقاء نفس الممارسات ونفس منهج الحكم.

ــ يقولون فى الغرب أن الشيطان يكمن فى التفاصيل . ذلك لأنهم يخفون نواياهم الشريرة خلف الكلمات البراقة. ومن المفروض أن يكون العكس هو الصحيح على الجانب الإسلامى, أى أن الحق يجب أن يظهر مع التفاصيل خاصة عندما يقود الإسلاميون الدول . فلا بد أن نرفق شرحاً تفصيلياً مع الشعار الإسلامى حتى تتضح صورته الحقيقية ويكون الجميع على بينة منه . ومع النقاشات المتخصصة والمسئولة يستبين طريق الصواب ، فعند التصدى لمسئوليات الحكم لا يكون التعميم كافياً بل يصبح ضاراً وغير مسموح به .

ــ فقد ظهر مثلاً أن من ظلوا عقوداً طويلة ينادون (بإقامة شرع الله) ، كانوا يقصدون فقط إقامة الحدود , وذلك جانب هام جداً ولكنه ليس كل شئ , فالتشريع فى أى مجتمع هو سياج يحمى البنيان القائم : البنيان العقائدى, والثقافى, والسياسى, والإقتصادى , وأسلوب الحكم . ويحفظ أمن المجتمع وسلامة مواطنيه ويحمى وسائل تطورهم ورفاهيتهم من أى عدوان خارجى أو عقبات داخلية .
فإذا أقدم أى فريق إسلامى على (تطبيق الحدود) فى مجتمع لم يقم الإسلام فى حياته ، بل تحكمه شرائع العسف والجور والإنحراف بشتى صوره ، فإنه بذلك يحمى الطغيان (الطاغوت) بدعوى أقامة شرع الله . وتلك جريمة كبرى .

الإقتصاد الإسلامى بين الشعار والبرنامج :

# وكذلك من يكتفى فى الإقتصاد بمجرد دعوة الناس إلى الإبتعاد عن أكل الربا وإيتاء الزكاة والتوسع فى الصدقات ، ولكن بدون أن يتطرق إلى وسائل بناء الإقتصاد بشكل يلبى الإحتجاجات الأساسية للجميع ويفتح طريق الرقى والغنى للمجتمع والدولة . وعلى العكس من ذلك ، فهؤلاء الوعاظ عندما وصلوا الى السلطة توسعوا فى الإقتراض الربوى من جميع المصادر الدولية المتاحة فزادوا البلاد فقرا وإرتهانا لغير المسلمين, حيث القروض الربوبة مستحيلة السداد تقريباً, ووقعت إجيالنا القادمة تحت عبودية القرض الربوى.

فلا يكفى الشعار الإسلامى فى الإقتصاد بديلا عن سياسة إقتصادية مبنية على ضوء شرائع الإسلام وتركز على الإنتاج وتوفير العدالة بين الناس وتلبى إحتياجاتهم المعيشية ـ كما جاء فى الآيات الكريمة من سورة قريش (فليعبدوا رب هذا البيت ، الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ــ وتفتح للأجيال آفاق المستقبل المشرق الآمن من الفقر والحاجة أو الإرتهان لأعداء الدين والأمة ، فيصبح المسلمون تحت تسلط الكافرين بسبب الفقر والعوز والحاجة إلى لقمة العيش أو إستيراد أدوات العمل .

وعلينا أن نواجه حقيقة إقتصادية يتلافاها أكثر الدعاة ، خاصة فيما
يعرف بالإسلام السياسى ، عن عدم ملاءمة “إقتصاد السوق” كما يطرحة الغرب مع المفهوم الإسلامى للإقتصاد . فإقتصاد السوق ليس إلا أكذوبة إقتصادية كما أن الديموقراطية أكذوبة سياسية .

# وكذلك هو الحال عن شعاراتنا حول التعليم الإسلامى . صحيح أنه
لا بديل عن جعل الإسلام محورا للعملية التعليمية , ولكن بدون علوم الفيزياء والكيمياء والفضاء وكل أنواع العلوم الحديثة والتكنولوجيا فسوف تظل بلادنا متخلفة بما يغرى الأعداء بمحاولات غزوها مباشرة أو الهيمنة عليها إقتصاديا أو معرفيا ( وهذا أخطر) ، فقد نبهنا القرآن الكريم إلى حقيقة ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟؟ ) بالقطع لا يستوي الفريقان.

وقد سيطر الغرب علينا بإمتلاكه ناصية العلوم الطبيعية وإكتشاف السنن الكونية وتسخيرها لمصالحه ، الصالحة والطالحة . بينما العلماء المسلمين كانوا طليعة الإنسانية فى مضمار العلوم الحديثة فى وقت نهضتهم ، وكذلك ينبغىى أن يعود الحال فى ظل نظام إسلامى حقيقى . فالتعليم الإسلامى لا يعنى فقط الفصل بين الجنسين فى معاهد العلم ، أو حجاب الطالبة المسلمة ، ورعاية أداب السلوك وآداب تلقى العلم بين الشباب ، كل ذلك مهم جدا ، ولكنه ليس كل العملية التعليمية فى ظل نظام قائم على الإسلام .

# الدولة الإسلامية ليس من مفرداتها الخضوع لأئمة الكفر فى العالم ولا التسليم لهم بالسيادة علينا بأى صورة ، ولا السماح لهم أو للصهاينة بإغتصاب الأرض والأوطان وإملاء أساليب الحكم وشرائعة . فأى شرعية تتعارض مع الشريعة فلا قيمة لها مهما كانت صفتها .

نعم .. ليس من مفرادت الدولة الإسلامية الخضوع لأئمة الكفر فى العالم ، ولا التسليم لهم بالسيادة علينا. ولكن الإسلام السياسى فعل كل ذلك لشراء وصوله إلى السلطة و تسديداً منه لثمن ذلك الوصول . وشعار ” إقامة شرع الله” لا يمكن أن يتحقق بغير إمتلاك المسلمين لحرية القرار السياسى , وتحرير رقابهم من الإحتلال المباشر وغير المباشر وتحرير إرادتهم من ذل الديون الربوية ، والتحرر من السيطرة الإعلامية والثقافية لدول الغرب , وتطهير البلاد من الفاسدين وعملاء الإستعمار بكل صورهم، ومن سموم الثقافة الغربية مع الأخذ بما هو نافع من كل الثقافات والعلوم ، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها . ولكن ليس كل ما هو شائع نافع ، ومع ذلك فالحكمة والصواب هى لنا أينما كانت وبلا تردد . فالطريق أمام المسلمين صعب جداً وطويل وملئ بالجهاد بمعناه الأوسع ، والأخطار مازالت جسيمة ومتربصة ، والبناء الداخلى مازال هشاً وملئ بالثغرات.

# فإقامة شرع الله ليست شعاراً بلا تفسير عملى يوضح محتواه .

وليست إسلامية الدولة مجرد شعار يطلقه حاكم ذو سمت إسلامى , والجلوس على كرسى الحكم لا يجعل الدولة إسلامية فى غمضة عين , بل يحتاج الأمر إلى جهاد مرير لسنوات طوال حتى ولو أقيمت الحدود بشكل فورى ، كما فعلت حركة طالبان عند توليها زمام السلطة فى إمارة إسلامية .
فقد سبق أن جلس زعماء أحزاب جهادية على كرسى الحكم فى كابل بعد هزيمة السوفييت وسقوط النظام الشيوعى . ورغم ضجيج شعاراتهم السابقة إلا أن ممارستهم للحكم كذبت كل تلك الإ دعاءات ، حيث كان الواقع معاكسا تماما للشعارات ، فإلى جانب الإفساد الداخلى مارس الحكام الجدد “القادة الجهاديون!!” موالاة أكابر أئمة الكفر فى العالم ( وهو ما يفعله الآن الإسلام السياسى العربى). كما حافظوا على بقاء رأس الفتنة رئيس الدولة الشيوعى السابق “نجيب الله” ولم يقدموه للمحاكمة, بل أبقوه محتجزاً تحت حماية الأمم المتحدة فى أحد مقاراتها الكبيرة بالقرب من القصر الجمهورى .

وظل الرئيس “المخلوع” على صلة بأعوانه بالداخل ، وعلى صلة أيضا مع موسكو الذى أسبغت عليه حمايتها وفوضته بتوقيع أوامر طباعة أوراق النقد الأفغانية ، التى ظلت تطبع فى موسكو حتى فى عهد حكومة المجاهدين(!!).

نلاحظ أيضاً أن حكومات الإسلام السياسى فى دول “الربيع” لم تقدم الحكام السابقين وكبار أعوانهم إلى أى محاكمة حقيقية سوى لبعض المخالفات الجنائية التى يسهل تخليصهم منها لعدم توافر الأدلة ، تلك الأدلة التى طمست عمدا ليبقى القضاء أعمى يتخبط فى متاهة . وحتى كبار لصوص الثروات من أصحاب المليارات المنهوبة من دماء الشعب ، لم ينبس أحد لهم ببنت شفة , بل العكس ، حيث تزلف الحكام الجدد إليهم , ودخلت “الشركات الإسلامية” فى سوق النهب الإقتصادى إلى جانب الناهبين القدماء . أو كما قال البعض ( لقد نشأ إتحادا ضم سارقى ثروة الشعب مع سارقى ثورته ) . فهل تغنى بعض شعارات إسلامية عن الخوض فى التفاصيل حيث تتكشف الحقائق ؟؟ . لم تعد الشعارات الكبيرة البراقة كافية للإجابة عن تحديات الواقع المعقد , ولم يعد كافيا أن يصيح أحدهم بأن “الإسلام هو الحل” أو ” إننا نسعى لتطبيق شرع الله” أو “إقامة الدولة الإسلامية” ، فتلك مجرد شعارات كبرى ولكن المطلوب هو برامج التنفيذ , البرنامج وليس مجرد الشعار. والبرنامج لا بد له من نقاش مستفيض ، أما الشعار فلا يلزمه سوى التسليم والإذعان لأنه يتعلق غالباً بالمعتقدات الكبرى.

المرفوض هنا.. مقبول هناك :

من ذلك يظهر أن ما هو مقبول فى “دول الربيع” من المستحيل قبوله فى أفغانستان , والأسباب واضحة ، فالمواقف تبنى على معطيات الواقع وليس على البيانات اللفظية . فالشعب الأفغانى رفع السلاح تحت شعار إسلامى واضح , دفاعاً عن دينه ودفاعاً عن بلاده وحريته . وقيادته كانت واضحة وذات تجربة ومصداقية وممارسة ميدانية طويلة ومتنوعة.

وعلى جانب “الربيع” كان الموقف مغايراً, وما حدث كان صرخة ألم أطلقها دفعة واحدة ملايين المظلومين . ولكن لم تكن هناك قيادة ، من أى نوع ، ولا رؤية للطريق القادم . والإسلاميون ظلوا سابقا بعيدين عن ساحة الفعل الثورى أو حتى التمهيد له , ولم يلتحقوا بالركب الثورى إلا بعد أن كان التوجه العام يطالب بالديموقراطية على النمط الغربى . وبعد سقوط رأس النظام سلم ” الثوار” السلطة لإجهزته القديمة نفسها بل وحتى رموزه السياسية ورجال خدموه .

ثم قفز الإسلاميون على السطح ووصلوا إلى الذروة بطريقة عليها
تساؤلات شتى وشبهات حول صفقات تقاسم منفعة مع قوى النظام القديم والقوى الدولية الصهيونية والأمريكية ودول حلف الناتو . فماذا تجدى الشعارات الإسلامية فى هذه الحالة ؟؟ وهل يمكن أن تكون سوى خداع وتلاعب بمشاعر المسلمين ؟؟ وهل يخدم ذلك الإسلام أم يصد الناس عنه ؟؟ .

شروط المنهزمين :

# ما يعرضه الأمريكيون على حركة طالبان فى مشروع التفاوض المتوهم لا يخرج فى جوهره قيد شعرة عما قبل به زعماء “الربيع” ، الإسلامى منهم قبل العلمانى . وأهم ما يعرضه الأمريكيون هو :

1ـ التأكيد على إلتزام أفغانستان الراسخ بإرساء حكم تعددى ديموقراطى ، وحماية القيم الديموقراطية والإعلاء من شأنها . { معنى ذلك تحويل حركة طالبان إلى حزب سياسى يشارك الأحزاب الأخرى فيما يسمى باللعبة الديموقراطية . وفى ذلك تحويل للحركة من جزء عضوى فى النسيج الإجتماعى للشعب الأفغانى إلى مجرد تركيب مسخ يستجدى العون الخارجى ويمارس الدجل السياسى فى لعبه الخداع الديموقراطى . والإعلاء من قيم الديموقراطية تعنى صراحة القضاء على قيم الإسلام وأحكامه بدعوى أنها تتعارض مع قيم
الديموقراطية}.

2ـ إعطاء أمريكا فى أفغانستان صفة حليف رئيسى من خارج دول الناتو. { أى تحويل أفغانسان إلى مستعمرة أمريكية لا يشاركها فيها حتى الحلفاء الذين قاتلوا إلى جانبها, ويلاحظ أن أمريكا بالنسبة لدول الربيع هى أكثر من حليف رئيسى وأكبر من حليف إستراتيجى فهى مالك فعلى للبلاد ومتحكم فى جميع تفاصيل أمورها } .

3ـ تلتزم أفغانستان بمنح تسهيلات للقوات الأمريكية فى أفغانستان طول عام2014 وما بعده . {عام 2014 سيكون حرجاً جداً فى عملية الفرار ، لأن القوات الأمريكية أقل عدداً وأقل تجهيزاً بعد تفكيك ونقل معظم معداتها المتقدمة ، ومعنويات قواتهم منهارة ولا يشغل الجنود سوى موعد الرحيل من ذلك الجحيم , لهذا فهم يطلبون الأمان من حركة طالبان لتمكينهم من تنفيذ المرحلة النهائية من الفرار بهدؤ.
أما ما بعدعام2014 فهم يخططون لبقاء غير محدود لقواعد إستراتيجية . ولا شك أنه فى حاله نشوب حرب أمريكية مع أى دولة فى الإقليم ، خاصة إيران وربما روسيا والصين ، فإن أفغانستان ستكون بؤرة الحركة الأمريكية العدوانية ، وعلى الشعب الأفغانى تحمل تبعات حروب أمريكا فى أسيا التى قد تتحول الى حروب نووية عالمية . ولا نقارن هنا مع دول الربيع حيث القواعد الأمريكية العسكرية أو الإستخبارية أو كلاهما تعتبر من البديهيات ، وقد نسى الإسلام الديموقراطى أحاديثه الصاخبة عن عقيدة الولاء والبراء ، بل أنها تحولت إلى عقيدة معكوسة العمل ، أى أنها تعمل فى عكس التوجه المحدد لها شرعا }.

4ـ يلتزم الطرفان الأمريكى والأفغانى بالعمل على تعزيز إقتصاد السوق ونموه ، على أن تضطلع الولايات المتحدة بدعم جهود أفغانستان فى إدارة ثرواتها الطبيعية.

مرة أخرى .. خدعة إقتصاد السوق :
إقتصاد السوق يعنى فتح الأسواق أمام السلع والمنتجات الخارجية بلا قيود ، وفتح الطريق أمام حركة رأس المال دخولا وخروجاً ، والسماح للبنوك الأجنبية بالعمل بحرية . والنتيجة فى البلاد التى فتحت أسواقها وبنوكها بهذا الشكل : أولا نزح أموالها إلى الدول الغربية عبر البنوك ، ثم القضاء على الصناعات المحلية لصالح مثيلانها المستوردة ، فهى أجود وأرخص، فيقتصر الإنتاج المحلى على تجميع بعض الصناعات الهامشية أو إقامة صناعات ملوثه للبيئة طردتها دول الغرب من بلادها وساقتها الى دول العالم الثالث كى تنشر الأمراض الخبيثة وتوفر إنتاجاً رخيص الثمن بسبب ضعف الأجور. وقد تفتح بعض الصناعات الغربية أفرعاً لها فى تلك البلاد للإستفادة من ميزة إنخفاض الأجور وضعف رقابة الحكومة على مشاكل التلوث البيئى, وفساد أجهزة الدولة وتفشى الرشاوى بما يسمح لتلك الشركات بالتهرب الضريبى وإرتكاب شتى المخالفات القانونية. الزراعة هى الأخرى تتدهور ولا يبقى لها غير إنتاج محاصيل ثانوية يحتاجها السوق الغربى لرفاهية مواطنيه أو لخدمة الصناعات الكبرى هناك.

فلا يصبح البلد المتخلف قادرا على سد إحتياجاته من الغذاء الأساسى” المحاصيل الإسترتيجية” مثل القمح والأرز، فيكون خاضعاً للشروط السياسية للغرب تحت التهديد بالتجويع .

بالتدريج يتحول إقتصاد البلد المنكوب إلى مجرد مصدر للمواد الخام من المناجم وأبار النفط والغاز والمنتجات الزراعية ،إضافه إلى أهم سلعة زراعية على وجه الأرض وهى الأفيون ” فى حالة أفغانستان” الذى جاءت أمريكا لزراعته واحتكارة ضمن خطتها للسيطرة على سوق المخدرات الدولية التى تدر ما يقارب من ألفى مليار دولار سنوياً.

أهم ما تطالب به أمريكا من دول الربيع هو هذا الشروط تحديداً ، أى التحول إلى إقتصاد السوق والحفاظ عليه وتمكين أمريكا وشركائها من سرقة الخامات الطبيعية فى مقابل رشاوى مناسبة تدفع لرأس النظام الحاكم وكبار معاونيه . حتى أن فتح الأسواق وتحويلها إلى إقتصاد السوق المفتوح كان سبباً جوهرياً وراء عمليات الغزو الأمريكية والأوروبية فى المنطقة العربية خاصة ضد العراق ثم ليبيا وسوريا ، تلك البلدان حيث كان للدولة فيها سيطرة قوية على الإقتصاد.

والغريب أن أحزاب الإسلام السياسى قبلت بتلك الصفقة الإقتصادية وعملت فيها وكيلاً وسمساراً / وأحيانا مقاتلا بالسلاح/ فى خدمة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات وشركات الطاقة والبنوك الدولية .
# إقتصاد السوق هو الأساس الإقتصادى لمهزلة الديموقراطية ، ولا يمكن لأحدهما القيام بدون الآخر.

صحيح أن الأنظمة الطاغوتية المستبدة تبنت إقتصاد السوق ، فكان
الظلم الإجتماعى المرافق له ، مضافاً إليه القمع الوحشى الذى قامت به أجهزة الأمن فى حق المظلومين ، أهم المحفزات للثورة . ولكن “اللعبة الديمقراطية” بمشاركة الإسلام السياسى تتيح مناخاً أفضل لإستقرار نظام السوق الذى يفاقم أوضاع الفقراء ، وهم معظم أفراد الشعب ، لصالح أقلية من السماسرة والمرتشين المتعاملين مع الطغيان الأمريكى وشركاته متعددة الجنسيات والبنوك الربويه الدولية . ويزيد من صبر الناس على الظلم أن ترفع بعض الشعارات الإسلامية لإيهام الناس أن الإسلام هو الذى يريد أو يبارك هذا الإنحراف الهائل والظلم المطبق على حياتهم .

ــ الشرط الرابع والذى يشترط على الولايات المتحدة أن تضطلع بدعم جهود أفغانستان فى إدارة ثرواتها الطبيعية, فإن ذلك يعنى فى الحقيقة السماح للولايات المتحدة بمصادرة تلك الثروات فى مقابل رشاوى وعمولات لحكومة فاسدة وأحزاب ورقية وإعلام تافه . وهذا ما يحث حين تحط أمريكا رحالها فى أى بلاد “صديقة” أو “حليفة” .

ومعلوم أنه من الأسباب الأساسية للعدوان الأمريكى على أفغانستان هو أن الإمارة الإسلامية رفضت مبلغا مقطوعا “رشوة” مقدارها خمسة عشر مليون دولار مقابل تمرير خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان وصولا إلى أراضى باكستان ، لتفادى مرور تلك الخطوط الإستراتيجية عبر روسيا أو إيران المنافستان أو المعاديتان للنفوذ الأمريكى إقليميا وعالميا. عندما تأكد رفض الإمارة الإسلامية للمشروع صرح المفاوض الأمريكى لسفير باكستانى سابق بأن الحرب هى السبيل الوحيد لحل تلك المشكلة.

( بشكل عابر جدا نشير إلى حقيقة أنه من بين الدوافع الجوهرية للحرب الأمريكية الأوروبية على سوريا هو إرغام نظامها على تمرير خط أنابيب الغاز من قطر إلى موانئ تركيا وصولا إلى أوروبا. وهو عمل يضرب مكانة روسيا وإقتصادها ، وروسيا حليف إستراتيجى لسوريا ، فما كان لها تمرير المشرع ، فكانت الحرب ضرورية لحل تلك المشكلة أيضا ) .

ربيع مختلف :

# فإذا كانت تلك هى شروط التفاوض التى تمليها أمريكا المنهزمة عسكرياً فماذا لو أنها كانت المنتصرة؟؟.

وإذا كانت تخاطب حركة طالبان العقائدية المجاهدة والتى هزمت أعتى أحلاف الشر والطغيان فى العالم بهذه

الطريقة ، فكيف تخاطب أمريكا الأحزاب والحركات التى أوصلتها إلى سدة الحكم وتساندها بشتى وسائل الدعم المالى والسياسى ؟؟ .

حقاً.. إن الربيع الإسلامى فى أفغانستان له طعم آخر .

بقلم : مصطفي حامد

copyright@mustafahamed.com
مصدر : مجله المصود

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here