جيتس.. ماذا بعد التقاعد ؟؟

مع بدايات شهر يونيه 2011 قام وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بزيارته الوداعية الأخيرة لقوات بلاده المحتلة لأفغانستان.

لذلك فإن تصريحات جيتس لم تكن في معظمها تستهدف مصالح بلاده بقدر إستهداف مستقبله بعد التقاعد الوشيك، لهذا ظهر متشددا أكثر مما يستدعيه الوضع البائس لتلك القوات, فأظهر جيتس تمسكا بالبقاء في أفغانستان، وطالب بإبطاء الإنسحاب وجعله شكليا، وأيد تخفيض عدد الجنود المرشحين للإنسحاب هذا العام، وأن يشمل الإنسحاب جنود الإسناد وليس الرماة الذين “يود بقاؤهم حتى النهاية” على حد قوله.

ذلك رغم أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” قالت بأن قواتها في أفغانستان تعاني من “معدلات مرتفعة من تدهور المعنويات ومشاكل الصحة النفسية”.
ليس الجيش الأمريكي فقط هو الذي يعاني، بل أن الدولة الأمريكية كلها على وشك الدخول في حالة كساد عظيم لتخطيها الحد الأقصى المسموح به للإقتراض والمقدر بمبلغ 3,14 ترليون دولار.

ويحذر مسئولون في وزارة الخزانة من عواقب كارثية إذا لم يوافق الكونجرس على زيادة جديدة لسقف الدين، أي السماح للحكومة بالمزيد من الإقتراض لما فوق حد الخطر.

وتقول دراسة إقتصادية متخصصة بأن تخلف الحكومة الأمريكية عن سداد ديونها سوف يصيب عشرات الملايين من الأمريكين بأضرار عميقة تستمر طويلا.
ويقول خبراء إقتصاديون بأن الديون الأمريكية ـ الدين السيادي ـ يتصاعد بشكل صاروخي، وأن نسبته إلى الناتج المحلي وصل إلى 75%. يبدو أن وزير الحرب المتقاعد جيتس كان يتشدد لصالح مستقبله المهني القادم.

فشخصيات من هذا الوزن الثقيل تسعى بعد التقاعد إلى الإلتحاق بوظائف مرموقة ذات مرتبات عالية في شركات النفط أو الصناعات العسكرية، أو تأسيس شركات دولية للمرتزقة بالتعاون مع ممولين كبار.

وكل تلك المناصب يناسبها شخصية قويه متشددة من الصقور، وهذا هو المظهر الذي حاول جيتس أن يبدو عليه خلال آخر زيارة له لأفغانستان.

ولكن يبدو أن ذلك التشدد لا يعكس قناعات حقيقية, فمن فلتات لسان قليلة ظهر أنه ليس على هذه الدرجة من الثقة.

فمرة يقول ” أن المهمة العسكرية الأمريكية في أفغانستان ليست غير محدودة من حيث الوقت والموارد “.

وكلمة الموارد هنا هامة جدا لأنها تتعلق بموقف الدولة الأمريكية في العالم واستمراريتها متماسكه كدولة.

وتعتبر حرب أفغانستان أكبر نزف تصاب به ميزانية تلك البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، ويؤثر ذلك على معنويات الجيش ونفاذ صبر الشعب وإنحدار مستواه المعيشي مع معاناة من البطالة وتدني مستوى الخدمات.

ثم يقول جيتس: ” إن إنتصارات حلف الناتو على ساحة القتال الأفغانية وضعت الأساس لإجراء مفاوضات مع المتمردين”.

وتلك بلا شك نكتة قالها للترفيه عن الجنود الذين يعرفون قبل غيرهم معنى تلك الإنتصارات التي أصابتهم بشتى الأمراض النفسية وحالات الهستريا.

بتريوس يطبق القاعدة المشهورة التي طبقوها في فيتنام من قبل والتي تقول “إعلن انتصارك ثم إنسحب”. أى مجرد إعلان لفظي عن إنتصارات لتغطية الهزيمة الميدانية ثم الإنسحاب بعد ذلك.

وهناك غطاء إضافي جاء مع إغتيال أسامة بن لادن الذين يتكلم كثيرون في واشنطن الآن بأنه “يناسب إنهاء المهمة القتالية في أفغانستان في أقرب وقت”.
سيناتور أمريكي بعد أن قابل بتريوس في أفغانستان قال كلاما ربما يعبر عن الرأي الحقيقي لوزير الدفاع، حين قال “إن الشعب الأمريكي أصيب بالإنهاك من الصراع الدائر في أفغانستان منذ عشر سنوات”.

إذن جهاد الشعب الأفغاني أصاب الدولة الأمريكية كلها /جيشا وشعبا وإقتصادا/ بالإنهاك.
إنها القصة السوفيتية تتكرر مرة أخرى.
ثم أن أوباما الباحث عن فترة رئاسية ثانية هو الآخر يبدي تشددا لفظيا كما يفعل جيتس الباحث عن وظيفة مناسبة بعد التقاعد.
أوباما هذا يقدم كذبتين في التصريح الواحد فيقول أنه والحلفاء “كسروا شوكة طالبان وقاموا بتدريب القوات الافغانية”.
وهذا كلام لا يصدقه حتى أوباما الغارق في أحلام التجديد لولاية ثانية.
فكثيرون في الغرب يقولون أن حركة طالبان الآن هي أكثر قوة من أي وقت مضى، وأن نطاق سيطرتها قد إزداد.
ويقف الجمهوريون الراغبون في إقصاء أوباما عن الرئاسة يتصدون لمزايدات أوباما بمزايدات مضادة، فيقول الجمهوري جون ماكين المرشح السابق للرئاسة بأن الإنسحاب الأمريكي لهذا العام ينبغى أن لا يتعدى 3000 جندي فقط !!.
وتلك مزايدات إنتخابية لا تضع إعتبارا للمصلحة الوطنية، فالحرب كلها من الأساس لم تراع المصلحة الوطنية الأمريكية بقدر ما راعت مصالح مافيا المخدرات ومافيات النفط والسلاح، إضافة إلى الأحقاد الدينية للمحافظين الجدد وأساتذتهم الصهاينة.
لكن رئيس لجنة القوات المسلحة لمجلس الشيوخ الأمريكي “كارل ليفن” أبدى شيء من الإعتدال حين طالب أوباما بسحب 15 ألف جندي أمريكي على الأقل هذا العام حتى تكون خطة الإنسحاب معتبرة، على أن يشمل الإنسحاب جنود القوات القتالية وقوات الدعم.
وذلك على عكس جيتس الذي يرغب في أن يقتصر الإنسحاب على قوات الدعم فقط.
ورغم ذلك فإن لكلام جيتس شيء من المعقولية حيث أن القوات الأمريكية في معظمها تعيش رهن الإعتقال داخل قواعدها الكبيرة المنعزلة والمحصنة، وبالتالي فهي بالفعل ليست في حاجة إلى الكثير من قوات الدعم.

ملف الصمود / بقلم: مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)

copyright@mustafahamed.com
خاص : مجلة الصمود عدد 62 شعبان 1432 هـ يوليو – اغسطس 2011 م
المصدر : موقع الصمود – امارة افغانستان الاسلامية
http://alsomod-iea.com/index.php