الجيش المحلي يتبخر

يشكل الجيش الأفغاني هما محوريا للمحتل الأمريكي، وعليه يعقد معظم الآمال المتوهمة للسنوات التالية، ومرحلة البقاء الأمريكي الدائم في قواعد ثابتة في مناطق حيوية بالقرب من حدود الصين وباكستان وإيران ودول آسيا الوسطى.
أمريكا وعدد من دول الإحتلال تعلن عزمها البقاء في أفغانستان إلى ما بعد عام 1014 على هيئة مدربين عسكريين للجيش المحلي، تثبتا له في مهمة قتل الشعب وكبت المقاومة الجهادية المسلحة ضد الإحتلال، وذلك خوفا من عودة النظام الإسلامي إلى البلاد.
وحسب المصادر الرسمية فإن تعداد ذلك الجيش الآن يبلغ 164ألف جندي، ومع شهر أكتوبر 2011 سيصل تعداده إلى حوالى 172 ألف جندي، أي أكثر بمرتين من تعداد الجيش الأفغاني وقت الإحتلال السوفيتي, ويوضح ذلك الأهمية الكبرى
التي تراها أمريكا له.
ولكن الواقع على الأرض يقول شيء آخر, فذلك الجيش يعاني من عيوب تكوينية تمنعه من تأدية دور يعتد به أو ملء شيء من الفراغ الحادث بإنسحاب جيوش الإحتلال.

وفى الوقت الحالي يكلف ذلك الجيش بالكثير من مهام القتال كبديل لقوات الإحتلال أو كدروع بشرية تتقدم أمام قواتها.
لذلك فإن معدل خسائره مرتفع للغاية, يرجع ذلك إلى عدة عوامل منها ضعف المعنويات وتدني التدريب، وكون الإلتحاق بالجيش يتم لأسباب إقتصادية بحتة نتيجة لتفشي البطالة، فأصبح الجيش ـ ومعه أجهزة الأمن الأخرى ـ ملجأ لكبار السن والعاطلين بل والمجرمين في كثير من الحالات والمطاردين إجتماعيا والمنحرفين وحتى المدمنين على المخدرات.
وحاجة الإحتلال إلى جيش ضخم جعل شروط الإلتحاق ميسرة للجميع، فتمكن المجاهدون من إلحاق الكثير من كوادرهم في مراتب مختلفة من الجيش العامل، وتمكنوا من تركيز خلاياهم حتى داخل وزارة الدفاع كما ظهرت من الهجوم الإستشهادي على وزير الدفاع الفرنسي أثناء إجتماعه داخل الوزارة مع كبار جنرالات الجيشين الأمريكي والأفغاني منذ أسابيع قليلة مضت.
وأصبح من الشائع الآن حوادث تدل على إنتشار روح التمرد وضعف الإنضباط، إلى جانب تنامي المشاعر الجهادية لدى الكثير من عناصر الجيش من مختلف المراتب.
كان ذلك يظهر في السابق في البيانات العسكرية للإمارة الإسلامية فقط، ولكن الآن بات من الطبيعي ذكر بعضه في بيانات رسمية للحكومة، كإشارتهم مثلا في السادس من شهر يونية إلى هجوم على نقطة تفتيش قام به المجاهدون بمعاونه من ” ضباط منشقين “.
وحتى مصادر غريبة في الصحافة أشارت إلى تنامي ظاهرة “الضباط المنشقين” داخل الجيش, أي بمعنى آخر أن الجيش يتفكك وتذهب قطاعات منه إلى المجاهدين بكامل أسلحتها، وهو ما حدث في أواخر عهد “حفيظ الله أمين” قبل التدخل السوفيتي في ديسمبر من عام 1979 ـ وأقوى إشارة إلى تفكك الجيش المحلي هو ما صرح به قائد مهام التدريب التابع لحف الناتو في أفغانستان من أن نسبة ما أسماه  “الإستنزاف من الخدمة” مرتفعة وتمثل مشكلة كبرى.
وتعبير الإستنزاف هنا يعنى الهروب من الخدمة أو الإلتحاق بالمجاهدين وأحيانا تنفيذ عمليات ضد الإحتلال بالتنسيق مع المجاهدين، وبعض تلك العمليات كان إستشهاديا، والأمثلة على تلك العمليات لا تكاد تحصى في بيانات المجاهدين، والبعض منها لم تسطيع سلطات الإحتلال أن تبقيها سرا، مثل ما حدث في بداية شهر يونيو أيضا من قيام جندي أفغاني بإطلاق النار على عريف من قوات الإحتلال الأسترالي في ولاية أرزجان فأرداه قتيلا أثناء نوبة حراسة.
تكرار تلك الحوادث خلقت شكوكاعميقا في نفوس جنود الإحتلال تجاه الجيش المحلي، وتطور الأمر إلى إشباكات مباشرة في عدة حالات، وخاصة عندما يصر جنود الإحتلال على تفتيش الجنود المحليين العاملين معهم في نفس المعسكرات خوفا من أن يكونوا إستشهاديين يعملون لصالح المجاهدين.
قائد التدريب التابع لحلف الناتو قال أن نسبة “الاستنزاف” بلغت 32% خلال عام 2010.
إذن بقاء قوات أمريكية وأوروبية في أفغانستان بذريعة تدريب جيش مفكك وغير فعال ويفقد في العام الواحد ثلث قوته العاملة، يعتبر مشروعا فاشلا مقدما ولا معنى له.
فالإنسحاب الأمريكي الأوروبي سيتم حتما وسيلحقه في الحال ذوبان الجيش المحلي الذي لا يتوقع بعض كبار قادته أن يتمكن من الصمود أمام المجاهدين لأكثر من 24ساعة بعد إنسحاب الجيوش المحتلة.
ومع ذلك يكلف ذلك الجيش البائس مليار دولار سنويا !!. ويعتقد مراقبون في كابل بأن أمريكا إمتنعت حتى الآن من تزويد الجيش المحلي بمعدات متطورة / بما في ذلك الطائرات/ نتيجة عدم ثقتها في ولائه لها، وخوفا من أن تصل تلك الأسلحة للمجاهدين ليستخدمونها ضدهم كما حدث وقت الإحتلال السوفيتي.
الجيش المحلي ـ مثل باقي قوات الأمن الداخلي ـ يعتبر مجالا خصبا لحركة طالبان تجول داخل صفوفه طولا وعرضا.
لأجل ذلك يخطط الجيش الأمريكي لإرسال 80 خبيرا في مكافحة التجسس بهدف الحد من تلك الإختراقات.
سيقوم هؤلاء الخبراء في التدقيق في ملفات المجندين، وتحسين إجراءات التجنيد وإستبعاد من هم أكثر تعرضا لأن تجندهم حركة طالبان وأنصارها.
وذلك أيضا جزء من المجهود الأمريكي العبثي في أفغانستان.
فالجيش لن يتحسن وضعه بوصول 80 جاسوسا أمريكيا لمكافحة الإختراقات الأمنية، لأن ضعف الجيش وتفككه يأتي متماشيا مع ظروف الإحتلال ومناخ الفساد والتحلل الذي أشاعه في كافة مرافق الدولة وأجهزتها الحساسة.
إضافة إلى تفشي البطالة والفقر بين طبقات الشعب، هذا إلى جانب التدين الفطري القوي بين أفراده، وتعاطفه مع المجاهدين وكراهيتهم للإحتلال والتواجد الأجنبي.
حتى أن الكراهية الشعبية للأمريكيين والأوربيين تفوق الآن بمراحل ما كان يكنه الشعب من كراهية للسوفييت وجيشهم الأحمر.

ملف الصمود / بقلم: مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)

copyright@mustafahamed.com
خاص : مجلة الصمود عدد 62 شعبان 1432 هـ يوليو – اغسطس 2011 م
المصدر : موقع الصمود – امارة افغانستان الاسلامية
http://alsomod-iea.com/index.php