عاصفة التسريبات الأمريكية (الجزء الاول)

0

وثائق البنتاجون تهدف إلى خلط الأوراق فوق الساحة الأفغانية وفك التلاحم
الشعبى مع المجاهين، وتحويل الإحتلال إلى حليف ضد “الجيران السيئين”.

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

عاصفة من تسريب الوثائق على موقع (ويك ليك) الألكترونى، هى الأكبر فى تاريخ البنتاجون /حسب زعمهم/ وقد تكون كذلك من ناحية الحجم ولكن ليس من حيث الأهمية، فهناك أسرار أشد خطرا خرجت من وزارة الدفاع الأمريكية ـ ومازالت تخرج ـ سواء رضى قادة ذلك البلد أم أن غضبوا أنه التسريب ـ أو على نحو أدق النزيف المعلوماتى الذى يتدفق دوما فى إتجاه إسرائيل ـ وتلك قصة طويلة لها مجال آخر . عاصفة التسيبات الحالية أثارت الكثير من الأتربه التى غطت على الحقائق . كما أنها عبثت بستائر ممزقة حاول مجرمو هذه الحرب تغطية جرائمهم بها , فكانت محاولاتهم فاشلة وافتضح أمرهم.

عاصفة الوثائق المسربة حركت وكشفت قليلا عما كان مكشوفا بالفعل رغم ستائر الكتمان الممزقه . ردود الفعل فى أنحاء العالم إختلفت حسب إهتمام كل منطقة بموضوع العدوان الامريكى على أفغانستان . وردة الفعل فى أمريكا نفسها ستكون أكبر من غيرها/ ماعدا أفغانستان بالطبع/ نظرا لأنها المتسبب فى الحرب والمرتكب لجرائمها والمستفيد من إشعالها . وقد تأثرت باقى دول الحلفاء والرأى العام الشعبى هناك على مقدار تورط كل فريق ومعاناته وأيضا جرائمه. فمن ناحية الشكل تعددت وجهات نظر المراقبين فى الوثائق نفسها :
1ـ من ناحية الدقة أو المصداقية.
2ـ تحديد من قام بعملية التسريب.
3ـ التوقيت ، وهل من سبب معين لتسريبها الآن؟.
4ـ وما هو الهدف من نشرها فى الأساس ؟.
أما عن الدقة والمصداقية فهذا جانب هام جدا عند التعامل مع أى وثيقة. فهناك عدة أسئلة يجب معرفة الإجابة عنها :
هل الوثيقة صحيحة أم مزيفة ؟. هل الوثيقة صادرة من جهة إختصاص ؟.
ماهو المستوى الذى أصدر الوثيقة ؟.

ـ بالنسبة للسؤال الأول عن كون الوثيقة صحيحة أم مزيفة، هو جانب فنى دقيق للغاية لا يمكن لغير أجهزة مختصة أن تحدده. أى أن الرأى العام لا يمكنه ذلك ـ وحتى المختصين كثيرا مازيفت وثائق ودست عليهم وبعد الفحص الدقيق قرروا أنها صحيحة .
وفى تاريخ الجاسوسية مئات القصص من هذا النوع . حين يقوم طرف بكتابة وثيقة مليئه بمعلومات صحيحة وأخرى كاذبه ويدسها بطريقة مقنعة كى تقع فى يد الطرف الآخر وكأنه هو الذى عثر عليها ببراعته أو بمحض الصدفة. وبعد فحص المعلومات يجد أن بها الكثير من الأشياء الصحيحة التى تأكدت لديه من قبل، إلى جانب معلومات أخرى هامة ولكنه يراها لأول مرة ، فيقرر أن كل المعلومات صحيحة ويتصرف هذا الأساس، فيقع فى كمائن جهزها عدوه لإصطياده.

وهناك الكثير جدا من الوقائع التاريخية تؤكد ذلك . وعلى هذا فإن الوثائق الأمريكية الأخيرة وهى أكثر من 92ألف وثيقة ، من المؤكد عند المختصين ، أنها تحتوى على الكثير من المعلومات الكاذبة المدسوسة وسط مجموعة أخرى من المعلومات الصحيحة ولو جزئيا .
وسوف نعود إلى هذه النقطه فيما بعد ولكن نؤكد عليها قائلين أن كمية من الأكاذيب الخطرة دسها الأمريكيون فى تلك الوثائق وتستهدف الحركة الجهادية فى أفغانستان وضرب إرتباطها مع محيطها الشعبى بتصويرها صنيعة للخارج المكروه شعبيا وخاصة باكستان .

ـ بالنسبة للسؤال الثانى حول صدور الوثائق عن جهة ذات إختصاص، فرغما عن التزوير ، فإن الجهة التى زورت وسربت هى بالتأكيد جهة ذات إختصاص ومرتبطة تماما بما يجرى فى أفغانستان. أى أن دس معلومات مزورة وسط آخرى نصف صحيحة قام بها أخصائيون أمنيون فى جهات مختصة مثل وزارة الدفاع أو الإستخبارات. وذلك غالبا فى إطار عمل (قسم الأكاذيب والحرب النفسية ) فى البنتاجون والذى أنشئ بعد أحداث 11سبتمبر تحت إسم (قسم التأثير الإستراتيجى) بغرض نشر الأكاذيب ونشر الشائعات للتأثير على الرأى العام وعلى الخصوم . ومازال ذلك القسم يعمل رغم الإعلان عن أيقافه لفترة معينه لكنه عاد مرة أخرى . ومن المرجح أن تلك الوثائق وتسريبها هى من صناعة ذلك القسم وأحد أنتاجاته المتعلقة بأفغانستان . والهدف منها توجيه ضربه معنوية للمجاهدين وإضعاف علاقة الشعب بهم ، بعد أن وصل التلاحم درجة نادرة المثال تجلت فى إنجازات باهرة فى ميادين القتال وضبط وإدارة شئون المناطق المحررة، ووصول خسائر القوات الأمريكية والحليفة لها إلى درجات غير مسبوقة .

ـ ولكن ما هو المستوى الوظيفى الذى صدرت عنه الوثيقة ؟.
أغلب من كتبوا حول هذه النقطة إتفقوا على أن الوثائق بنيت على تقارير كتبها عملاء ذوى مستوى منخفض . وحسب مسئول أمنى أمريكى قال عنها (إنها قائمة على الشائعات وتافهة ومن مصادر ثانوية ) . والأهم من ذلك شهادة السيناتور الأمريكى جون كيرى مرشح الرئاسة السابق الذى حذر من أعطاء أهمية مبالغ فيها لتلك الوثائق . وقال كيرى عن تلك الوثائق (إنها تتضمن معلومات إستخبارية ميدانية ينبغى رفض بعضها تماما وأن بعضها الآخر لا يمكن الركون إليه) .

ومع ذلك فإن رئيس هيئة الأركان الأمريكى مايك مولن كان له رأى آخر ، فرغم أنه إستنكر تسريب المعلومات / وذلك حتى يوهمنا بصحتها / إلا أنه أضاف شيئا هاما للغاية حين أكد أن المعلومات التى تضمنتها الوثائق قد وضعتها واشنطن فى إعتبارها عند إعادة تحديد الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان، وعلاقتها بباكستان .
أنه بذلك يوضح إلى حد كبير جانبا من الهدف المنشود من تلك التسريبات التى وصفها كيرى بأنها(غير موثوقه ولا يمكن الركون اليها) ولكن رئيس الاركان يقول أنها معلومات دخلت فى صلب الإستراتيجية الأمريكية الجديدة فى أفغانستان فماذا يعنى ذلك ؟.

إن ذلك يعنى ببساطة أن الإستراتيجية الأمريكية تضع فى حساباتها توسيع الحرب فى إتجاه باكستان، وبوسائل أكثر من مجرد إستخدام الطائرات منزوعة الطيار. أى بإستخدام قوات برية وقد يشمل ذلك إيران أيضا التى إتهمتها الوثائق / التى إعتمدها البنتاجون/ وأشارت إلى أنها أمدت المجاهدين بالسلاح والتدريب.

فالوثائق المسربة ربما تعتبر إشارة أو تمهيد لنقل الحرب البرية لأمريكا والناتو إلى حدود جيران أفغانستان. وبمعنى آخر تحويل أفغانستان إلى منصة لأطلاق الحروب المتنقلة فى إتجاهات جنوب وغرب آسيا ، ولاحقا إتجاهات أسيوية أخرى، وحيثما وجدت ثروات ومعادن ونفط وأسواق . أو ضرب أى منطقة فى آسيا تهب منها رياح غير مرغوب فيها على شرق أوسط ضخم تريد أن تتسيده إسرائيل. شرق أوسط صهيونى قد يشمل العالم كله فى المستقبل ولو فوق جسر من معركة هرمجدون.

ولكن بعض الآراء المختصة والتى تصدى أصحابها لنقد تلك الوثائق قال عنها: (معظم المعلومات هى أخباريات ليست موثقه تم جمعها من الميدان فى أفغانستان وتأتى عادة من مصادر مقربه من الإستخبارات الأفغانية والتى تتعامل مع باكستان كعدو وعادة ما تكون غامضة ومفبركة ومكتوبة من رجال الصف الثانى).

وإذا كان الكلام عن المخابرات الأفغانية فهى حسب وصف الوثائق المسربة نفسها (واقعة تحت إدارة وتوجيه المخابرات الأمريكية وتعتبرها تابعا لها) . تماما كما فعل المحتلين السوفييت سابقا مع مخابرات نظام كابل الشيوعى. أو كما تفعل واشنطن مع الدول الحليفة والصديقة. إذن أى تقرير تجهزه المخابرات الأفغانية لابد أن يحمل وجهة النظر الأمريكية ويؤكدها عن طريق التأليف والتلفيق الذى يجلب رضا السيد الأمريكى ويجتذب أمواله. وهذا ما حدث مع التقارير المسربة والتى تناولت صلة الباكستان مع حركة طالبان.

من قام بعملية التسريب ؟
صاحب المصلحة فى ترويج ما تحويه الوثائق من معلومات مغلوطة أوكاذبة بهدف التأثير المعنوى والسياسى على الخصوم أو حتى الحلفاء من الطبيعى أن يكون هو الذى سرب الوثائق للنشر. ومن الطبيعى أن يظهر إنزعاجه من التسريب حتى لا تنكشف الخدعة. فنراه يبدى إنزعاجا وأسفا وغضبا وربما هدد وتوعد من قام بالتسريب. وكل ذلك جزء من ترويج المواد المسربة وإيهاما للغير بصدقيتها.

 الهدف من التسريب.. ولماذا الآن؟؟.
الهدف والتوقيت متلازمان فى عملية تسريب الوثائق الأمريكية؟.
ــ والهدف الأساس هو التأثير على الوضع الأفغانى الداخلى والذى وصل حال الإحتلال فيه إلى مرحلة حرجة جدا وخسائر ضخمة غير متوقعة. ولابد من إلقاء المسئولية على طرف خارجى( باكستان / إيران) رغم أن كلاهما يعادى الإمارة الإسلامية وساند الإحتلال وما زال.

ولكن المحتل الفاشل الذى لم يتورع عن إلقاء المسئولية على عميلة كرزاى الذى كان وما زال مجرد موظف فى الإستخبارات الأمريكية، يرى أن توجيه الإتهام إلى حلفاء أو أصدقاء متعاونين أمر أيسر.

ــ الدرجة التالية من الإستهداف متوجهة إلى شبه القارة الهندية وتحديدا باكستان والهند.
ـ والدرجة الثالثة من الإستهداف هى إيران نفسها وهى المحطة النهائية والأهم فى مسلسل المغامرات الأمريكية/ الإسرائيلية فى الشرق الأوسط الكبير الجديد.

الوضع الراهن فى أفغانستان:
1ـ وصل الإحتلال الأمريكى إلى إعتقاد راسخ بأنه أمام طريق مسدود فى أفغانستان وأن حربه خاسرة ومكلفة وغير محتملة. وأن الطرف الوحيد المواجه له هو الإمارة الإسلامية التى تقود بكفاءة حربا جهادية شعبية ناجحة. ومن الواضح أن الإمارة هى الطرف الوحيد الذى سيتولى زمام الأمور فى البلد بعد رحيل الإحتلال.
2ـ وصل الإحتلال إلى نتيجة مفادها أن استراتيجية الجهاد الشعبى الشامل الذى تنتهجها الإمارة إبطل أى إستراتيجية عسكرية للإحتلال ، وأحبط كل محاولات الإلتفاف السياسى الذى حاولته أمريكا بمناورات مختلفة مثل إصطناع (حركات جهادية عميلة ) أو قادة قبليون يوظفهم الإحتلال، أو تصنيع قيادات جديدة تحت أى مسمى كان، سواء قيادات معتدلة (بالمعيار الأمريكى) أو قيادات “جهادية!!” قديمة من العهد السوفيتى ترغب فى إحياء عمالتها للخارج.

أو تكثيف العمل من بناء ميليشيات تحت مسميات مختلفة مثل الشركات الأمنية أو حتى مجاهدين سابقين. كل تلك الخدع تحطمت، ليس بضربات المجاهدين رغم قوتها، ولكن بوعى الشعب الذى إكتسب قدرا كبيرا من الوعى بعد ثلاثين عاما من الجهاد ضد القوى العظمى المحتلة وعملائها فى الداخل والخارج.

وبتحليل عناصر النجاح والقوة فى العمل الجهادى الشعبى فى أفغانستان نجد أنها ثلاث عناصر أساسية هى :
أولا: القيادة الإسلامية ذات القدرة والكفاءة.
ثانيا: القوة الجهادية الضاربة. وتنقسم بدورها إلى قسمين هما :
أ ـ كوادر حركة طالبان والمجاهدون القدماء.
ب ـ المتطوعون من الأهالى وفئات الشعب المختلفة.
ثالثا: الترابط الوثيق والاحتضان الشعبى الواسع للقوة الجهادية الضاربة والقبول بقيادة الإمارة الإسلامية. أى أن التأييد الشعبى هو الذى يضخ الحياة والقوة فى العنصرين الآخرين : القيادة والقوة القتالية. وبدون ذلك التأييد يصبح الفوز أو حتى مجرد التقدم مستحيلا.

الحلقات الثلاث المترابطة وفرت الشروط الضرورية للإنتصار، وجعلت من الممكن إستيعاب كل الضربات التى وجهها العدو للحلقتين الأولى والثانية.

فقد إستشهد قادة كبار ومخططين عباقرة ولكن جاءت النتيجة على عكس ما توقع العدو إذ إستمرت المسيرة تتقدم إلى الأمام وبسرعة أكبر بما يدل على تربية مستمرة لأجيال متلاحقة من الكوادر المقتدرة.

ومن الأمثلة القريبة على ذلك كان إختفاء الملا برادر الذى لإعتقله الباكستانيون وأشاع العدو بعدها أنه العقل المدبر والمنظم لكل ما يحدث فى أفغانستان وإن إختفاءه سيكون الضربة القاضية للجهاد هناك. ولكن لاحظ الجميع أن العمل الجهادى إنطلق بقوة أكبر وسجل إنتصارات لم يعهدها قبلا فى برنامج جهادى أطلقت عليه الإٌمارة (عمليات الفتح).
طبعا كان عمل الملا برادر له تاثير كبير فى تربية كوادر أقوى وأكفأ تولت العمل من بعده.

وترعى الإمارة العلاقات بين الحلقات الثلاث السابقة بواسطة دستور ينظم العلاقات بينها. ذلك الدستور يدعى ( اللائحة) وهى مجموعة قواعد وقوانين تخضع للتطوير مع تطور العمل الجهادى بما يلائم كل مرحلة وما يستجد فيها من تحديات.

قراءة متأنية فى الوثائق المتسربة يشير بشكل غير مباشر إلى مدى إستحكام الحلقات الثلاث سالفة الذكر. والواقع يشير بوضوح إلى إهتمام أمريكى كبير لتحطيم الحلقات الثلاث جميعا. ونفس الوثائق المسربة تعطى إشارة على ذلك الإهتمام. فتتحدث الوثائق مثلا عن القوات الأمريكية الخاصة والوحدة التى تحمل رقم 373 ثم “الوحدة السوداء” التى مهمتها حسب الوثائق ملاحقة وقتل قادة طالبان بدون محاكمة ، التى لا داعى لها، حيث كل ضحايا تلك المجموعات الإجرامية هم مدنيين أبرياء وليس أسهل من وصف أى ضحية بأنه إرهابى أو قيادى فى حركة طالبان.. فمن يجرؤ على الإعتراض؟؟ ومن سوف يبحث أو يفتش؟؟.

حسب الوثائق فإن قوائم الإغتيال التى تحملها مجموعات السفاحين تلك تشمل ألفى إسم . وهو رقم ضخم جدا لعدد القادة المزعومين . ولكن تلك الفرق يديرها مرتزقة تزيد أرباحهم بزيادة ضحاياهم الأبرياء. أما القادة الحقيقيون فلا يدرى عنهم هؤلاء القتلة أى شئ ولا يقدر أحد على إحصاء عددهم لأن القادة المجاهدين فى أفغانستان ينبتون كما ينبت العشب الأخضر بعد أمطار الربيع.

التسريب يستهدف الحلقة الثالثة:
عملية تسريب وثائق وزارة الدفاع الأمريكية يأتى فى إطار حملة نفسية تهدف إلى ضرب الترابط الشعبى مع المجاهدين. لذا نراها تركز بشكل كبير على علاقة موهومة بين قيادات المجاهدين وبين إستخبارات باكستان. فالعدو الأمريكى يعرف بلا شك مدى الكراهية التى يكنها الشعب الأفغانى للنظام الباكستانى وإستخباراته بشكل خاص. وحسب قول أحد كوادر حركة طالبان فى حديث شخصى بيننا ( إن الشعب الأفغانى كما تعرفه يكره المخابرات الباكستانية وحكومتها أكثر بكثير من الأمريكان وحتى الروس).

والتقارير المتسربة تتهم إيران ولكن بتركيز أقل ، بأنها ساعدت المجاهدين و أمدتهم بأسلحة وتدريبات. وتلك الرشقة من الأكاذيب تتوسل بالنعرة الطائفية وتحاول تزكية الحساسية السنية الشيعية، فى سعى لتزكية الفتنة الطائفية التى عملت الإمارة دوما على وأدها فى مهدها وقطع رأسها الكريه كلما أطل على أفغانستان. كان ذلك أثناء فترة الإمارة الأولى ومازال مستمرا حتى الآن كسياسة ثابتة للإمارة التى أحبطت محاولات كثيرة للإحتلال كان يهدف منها (عرقنة) جهاد أفغانستان أى تحويلة إلى قتال طائفى مهلك وبغيض لايخدم سوى مصالح المحتلين، كما حدث فى العراق. وجذب إيران إلى الصورة إلى جانب المجاهدين يثير حساسية سياسية أيضا كون إيران هى من أعطى أمريكا إستراتيجية الحرب وخرائط المواقع التى مكنت الجيش الأمريكى من الإنتصار على شعب أفغانستان. وذلك ليس دعاية طائفية مغرضة، فلا يمكن لأى حاقد أو مغرض أن يبلغ ذلك التأثير المدمر الذى أحدثته إعترافات الرئيس الإيرانى خاتمى للتلفزيون البريطانى متفاخرا بفعلته تلك أثناء تولية الرئاسة وقت الغزو. لم يرف لخاتمى جفن، ولم يسأله أحد فى طهران حتى اليوم : ماذا فعلت؟. نتيجة لذلك فقدت إيران مصداقيتها بين قطاع واسع من المجتمع الأفغانى، هذا إن لم نقل أنها إكتسبت عداوته.

لعبة خلط الأوراق:
تلك أخطر اللعبات التى تحاول أمريكا لعبها على الساحة الأفغانية بعد فشلها العسكرى. وهى لعبة نجحت إلى حد بعيد فى المنطقة العربية وتحديدا المناطق الملتهبة فيها مثل فلسطين ولبنان والعراق.

وتتلخص العملية فى خلط المفاهيم عبر تلاعب بالألفاظ وترويج الأفكار الجديدة بحملات دعائية كاسحة وبمشاركة النظم الحاكمة والصفوة من مرتزقة الثقافة والإعلام والفن والرياضة ونجوم الدين ومشايخ أمن الدولة، وبمشاركة تلك الأشياء المسماة مؤسسات المجتمع المدنى وجمعيات حقوق : إنسان /وطفل/ وإمرأة/ وأقليات/ إلى آخر تلك الستائر الدخانية التى يختبئ خلفها العدو ويبث من خلالها أفكاره ويطمس الثقافة المحلية والدين والأخلاق. وتضيع خلالها القضايا الحقيقية وتبرز قضايا موهومة تماما ينشغل بها الناس. والأهم هو إبراز عدو بديلا عن المستعمر المحتل المسيطر أو المتربص بجيوشه من أجل الإنقضاض فى أى لحظة يراها مناسبة. والعدو البديل هو شقيق أو جار أو صديق .

أما العدو الأصلى المحتل الغاصب السارق المتربص المحارب فيجرى تقديمة كحليف يشاركنا همومنا ومعاناتنا من ذلك العدو الجديد الموهوم أى يشاركنا العداء لإخواننا وجيراننا وأصدقائنا.

والنظام العميل الجاثم على الصدور تجرى إعادة رسم صورته من جديد كحامى ومنقذ وطنى يجب أن ينضوى الجميع تحت رايته خدمة للوطن وللمبادئ والديانات الجديدة من ديموقراطية ،وحداثة، وحقوق كائنات، وسلام هو دوما خيارنا الأستراتيجى مع أعداء الأمس القريب، أما مع الأعداء الجدد فالحرب فريضة من أجلها نتحالف مع اليهود والأمريكان وذئاب أوروبا الجوعى أبدا إلى ثرواتنا ومزايا مواقعنا الإستراتيجية.

وهذا تختلط المفاهيم وتتبدل المعسكرات وتضيع الحقائق. فالحاكم الخائن العميل يتحول إلى بطل شعبى وطنى ومخلص.وأعوانه الذين هم على شاكلته يصبحون منقذين للوطن وطلائع تحمل مصابيح الهداية للشعب الغافل عن مصالحة الغائب عن حقائق الأمور التى هم فقط من يدرك كنهها.

هذا بإختصار ما يحاولون فعله الآن فى أفغانستان وجاءت تلك التسريبات من أجل إنجاحه.

الخائن بطلا :
ـ فى هذا الوقت نرى كرزاى يسوق نفسه على أنه بطل قومى يعارض الإحتلال ويطالب جيش الإحتلال (بالحرص) عند توجيه الضربات من أجل (التقليل) من الخسائر فى أرواح المدنيين.

وكرزاى الذى كان ولا زال موظفا فى الإستخبارات الأمريكية يطالب الإحتلال بالرحيل ولكن بعد أن يكون كرزاى وقواته جاهزون لضبط الأمن، أى أنه يطالب بمهلة لا نهائية، أى يطالب فى الحقيقة بدوام الإحتلال إلى الأبد.

ورغم إنغماسه فى تجارة المخدرات وتهريبها وتجميع محصول الأفيون لصالح الإحتلال إضافة إلى عمليات تهريب واسعة للأموال فإن كرزاى النزيه يتهم الإحتلال بإشاعة الفساد فى البلد. وقوله صحيح تماما ولكن يجب أن يستدرك ويعترف بأنه /كرئيس دولة/ يقود عمليات الفساد ويفتح مجالاتها أمام المحتلين، وينوب عنهم فى الكثير من أعمال الفساد الكبرى، والأفيون ومشتقاته فى مقدمتها.

وبعد تسريب وثائق البنتاجون نراه قد تحول إلى جنرال أمريكى، فيطالب الإحتلال بتوجيه الجيوش لضرب قواعد الإرهاب فى باكستان. أى أنه يطالب أمريكا بأن تفعل ماهى منغمسة فيه منذ تسع سنوات. ثم يعمد كرزاى وجهاز إعلامه وجهاز الإشاعات التابع للإستخبارات الأمريكية على ترويج محتويات الوثائق المهربة وتقديمها للشعب الأفغانى على أنها مصونة ومقدسة ولا يرقى إليها الشك، وبالتالى فإن المجاهدين هم أعداء الشعب الذين يتعاونون مع الجيران الباكستانيين السيئين.

ذلك هو خلط المفاهيم، وخلق العدو البديل، وبدلا عن إجلاء العدو يصبح المحتل منقذ من جيران السوء، وحليف ضد المجاهدين أعداء المحتل وأعداء النظام الحاكم وبالتالى أعداء الشعب حسب المفاهيم الجديدة والوثائق المسربة، التى أعطيت داخل أفغانستان صفة القدسية، ويحاول نظام كابل تقديمها على أنها وحى وقرآن جديد.
كرزاى يطالب بحرب أوسع على باكستان تطال مالم تطاله الحرب الحالية فى منطقة القبائل. وهى حرب تشارك أمريكا فيها إستخباريا وبالطائرات منزوعة الطيار وتشارك فيها باكستان بعدد من جنودها يفوق عدد جنود أمريكا فى حرب أفغانستان، فتقتل شعبها من أجل دولارات أمريكية تنهمر فى حسابات سرية لجنرالات خونة وسياسيين بلا ضمير. ومع ذلك فالحديث الآن يدور/ وينادى كرزاى/ بحرب أوسع نطاقا على الأرض الباكستانية ضد (الإرهاب).
وكرزاى يضاهى فى ذلك أسلافا له من العرب قالوا أنهم نادوا بحرب عالمية على الإرهاب الإسلامى قبل وقوع أحداث سبتمبر بسنوات. وهكذ فإن كرزاى ليس وحيدا على الطريق وليس هو من إكتشفه، فهناك سابقون وسيأتى لاحقون.
وفى النهاية يريد كرزاى الوطنى الغيور أن يقول للشعب الأفغانى أن أمريكا ودول حلف الناتو المستعمرون لأفغانستان هم حلفؤنا فى الحرب على عدوتنا باكستان وربما على إيران فى وقت أقرب. وأن المجاهدين والإمارة الإسلامية هم أعداؤنا وأنهم يعملون فى غير مصلحة الوطن والمذهب.
هذا ملخص ما يجرى حاليا فى أفغانستان وبدعم أساسى كبير ومفاجئ من وثائق البنتاجون المهربة عمدا من أجل التأثير على الوضع الأفغانى الداخلى وعزل المقاومة الجهادية عن الشعب. وليست الوثائق موجهة إلى الخارج الدولى أو الداخل الأمريكى إلا بشكل ثانوى. لأنه وبإعتراف الجميع فإن ما تحويه لم يحمل فى جوهره أى جديد يفاجئ أحد خارج أفغانستان أو حتى داخلها. فهى نفس الإتهامات القديمة ولكن هذا التوقيت مهم وذلك التركيز الإعلامى يجعل القديم يظهر للأفغان وكأن جديدا قد حدث ، وأن ما يجرى ليس مجرد إشاعات بل هى حقائق دامغة كشفت عنها وثائق إستخبارية مقدسة لا يحيطها شك. وذلك عنصر خداع جديد على الأفغان فربما يعتقد كثيرون هناك أن وثائق إستخبارية مهربة هى معلومات مؤكدة. وذلك ماتركز عليه الآن الماكينة الإعلامية للنظام وللمحتلين فى آن واحد. ولم يتعرض الشعب الأفغانى لخدعة مماثلة قبلا من طرف أى محتل وآخرهم السوفييت.
ذلك هو الجديد فى وثائق مهربة لا تحتوى أى إضافة جوهرية لما هو معلوم من قبل.
ولكن المناورة الأمريكيية الجديدة تحاول نقل تجربة نجحت فى ساحات خارج أفغانستان. ولكن تلك المناورة سوف تفشل حتما لأن أفغانستان أثبتت دوما أنها ساحة ليست كأى ساحة أخرى.
وسوف نتابع الحديث فى جولة أخرى.

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here