تركيز الفشل والانهيار في الولايات المتحدة

0

ـ القلة المالية تسيطر على كل شيء ..
والجيش على وشك إحداث انقلاب سياسي

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 46
http://124.217.252.55/~alsomo2

خصصت الولايات المتحدة لحروبها في أفغانستان والعراق لمدة عامين 3,2 مليار دولار وذلك في ظل عجز في الميزانية هذا العام مقداره 156,000,000,000 مليون دولار وهو عجز فاق ما توقعه مكتب الموازنة في الكونجرس .
إضافة إلى قائمة كبيرة بخفض أو إلغاء برامج حكومية، ونسبة قياسية في حجم البطالة بلغ 10% من القوة العاملة بدون أمل حقيقي في تخفيض تلك النسبة في ظل موقف مالي ضعيف للحكومة بسبب انخفاض عائداتها وارتفاع حجم إنفاقاتها لإعالة العاطلين وبرامج الأمان الاجتماعي.
اقترح “أوباما” خفض أو إلغاء (120) برنامجا حكوميا ولكنه زاد ميزانية الحرب “الدفاع” بنسبة 2% لتصل اعتماداتها أكثر من 700 مليار دولار .
ولكن القحط المالي لم يمنعه من المطالبة بمبلغ 33 مليار دولار لتمويل إرسال 30 ألف جندي إلى الحرب في أفغانستان، تلك الحرب التي كلفته مع شقيقتها حرب العراق مبلغ ألف مليار دولار منذ عام 2001 (هذا رغم أن بعض الخبراء أسمى حرب العراق بأنها حرب الثلاثة تريليون دولار بحساب النفقات غير المباشرة) .
1ـ التركيز المالي
وبصفتها دولة فاشية قائمة على الحروب الدائمة والمنتشرة فإن الآلة العسكرية تدور  بأقصى طاقتها ولو على حساب المواطن العادي الذي يعاني بشدة منذ بداية الأزمة المالية والاقتصادية التي استحال التغطية عليها منذ ديسمبر 2007 فأعلنت عن وجودها بقوة، ومنذ ذلك اليوم تواصل انهيار المصارف والبنوك الأمريكية حتى بلغ عدد البنوك والمصارف المنهارة إلى نحو 149 مصرفا حتى الآن، ومازالت الانهيارات مستمرة ولكن البنوك العظمى التي بدأت فيها الأزمة الحالية / أو افتعلتها بمعنى أصح/ كان أصحابها الكبار هم الرابحون على الدوام.
في البداية سرقوا الأموال فبدأت الأزمة، ولأجل العلاج ضخت الحكومة في خزائنهم مئات المليارات من أموال دافعي الضرائب من الشعب، الذي يعانى من انخفاض الدخل والبطالة، وكان الحال كما وصفه ” جيسى جاكسون” المرشح السابق للرئاسة الأمريكية، (بأن البنوك الكبرى تستحوذ على الأرباح في حال نجاحها، بينما يتعين على دافعي الضرائب إزالة الإشكالات والفوضى في حال فشلها). نتيجة الأزمة المالية الاقتصادية في النهاية هو المزيد من تركيز الثروات الأمريكية في أيدي آحاد (أو عشرات قليلة) من الأفراد أصبحوا يسيطرون ويديرون كل شيء في بلد يعتمد الفاشية العسكرية في الخارج والفاشية البوليسية في الداخل .
ولأن خزائنهم طفحت بالأموال فإن كبار أصحاب البنوك يوزعون على كبار مديرهم المليارات على شكل مكافئات، فالذين صنعوا الأزمة يتلقون المليارات من المكافئات من أموال دافعي الضرائب التي قدمتها الحكومة لعمالقة البنوك .
بلغت المكافئات التي جهزتها البنوك العملاقة لمديرها هذا العام 100 مليار دولار، رغم أن معظم تلك البنوك لم يحقق أرباحا في العام الماضي، ورغم خسائرها فإن البنوك الكبيرة أخذت في سداد ديونها للحكومة حتى تتخلص من أية رقابة أو تدخل حكومي في إدارتها، بمعنى أوضح لا تريد أي عرقلة لقدراتها على التلاعب بثروات الأمة .
ويدور الجدل داخل أمريكا عن الحكمة في صرف المليارات من الدولارات كمكافئات لمديرين حققت البنوك أكبر الخسائر تحت إداراتهم. هل هي مكافئات على الفشل أم مكافئات لأدائهم مهمة سرقة أموال الشعب وتركيز الأموال في أيدي القلة الحاكمة في الولايات المتحدة  والعالم ؟؟ .
نعم .. ما يحدث في الولايات المتحدة هو صورة مخففة لما يحدث في أنحاء العالم ، ولصالح نفس الأقلية التي يمكن إحصائها على الأصابع، فقد بلغ عدد الفقراء الجوعى في العالم حوالي مليار إنسان سيضاف إليهم في نهاية العام الجاري 64 مليون فقير حسب أقوال رئيس البنك الدولي .
وذلك حسب باحثين أكاديميين في الولايات المتحدة يشير إلى أن النفوذ الأمريكي على العالم قد أشرف على نهايته وأن (الإغراءات الاقتصادية التي قدمها النموذج الأمريكي إلى دول العالم حول الخصخصة وإلغاء شركات القطاع العام أثبتت عدم جدواها).
وأشار هؤلاء إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد استخدمت المال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لإغراء الحكومات الأخرى خاصة الحكومات الأوروبية حتى تتبنى النموذج الأمريكي الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي.
ونعود هنا مرة أخرى إلى ” جيسى جاكسون ” المرشح السابق للرئاسة الأمريكية وهو من السود الأصليين في الولايات المتحدة ـ أي من سلالة المسلمين الأوائل الذين اختطفوا من أفريقيا وبيعوا كعبيد في الأرض الجديدة خلف مياه الأطلنطي بعد أن نقلتهم سفن مملوكة ليهود، فهو إذن ليس أسودا مستعارا مثل أوباما الذي ليس له أجداد ولا حتى آباء ولدوا في الولايات المتحدة.
يقول جاكسون في أحد مقالاته أن البنوك الكبيرة تخرج من الأزمات أكثر تركيزا (بمعنى أنها تسرق المزيد من الأموال فتتركز ثروة المجتمع في يد القلة من المرابين)
أما الحقيقة الذي يكررها دوما فهي أن الخطوة التي أشعلت الأزمة المالية كانت هجوم البنوك والسماسرة على أحياء الأقليات العرقية واستهداف ممتلكاتهم العقارية بتشجيعهم على الاقتراض حتى ولو لم يمتلكوا أي فرصة لسداد تلك القروض، وفي النهاية فقد هؤلاء ممتلكاتهم، أما وأن ديونهم قد بيعت عدة مرات لبنوك ومصارف فقد بدأت سلسلة من الإفلاسات الكبيرة وتداعت الأزمة.
ويرى جاكسون (أن الانهيار المالي قد كلف الأمريكيين حرفيا ترليونات الدولارات).
وأن شلال التمويل الذي ضخته الحكومة في عروق البنوك الكبرى قد أفاد تلك البنوك ولم يفد المواطن الأمريكي، فزادت أرباح البنوك فبدلا من استثمار المال في نشاط اقتصادي يخفف من البطالة فإنها اندفعت إلى مضاربات في (أسواق المال المتنامية في الخارج) والاستثمار في الشركات التي تنقل نشاطها في مناطق مزدهرة مثل الصين، ومارست الربح السريع بالمضاربات في أسواق الأسهم والسندات ، وبعبارات أخرى فالوضع الحالي هو أن البنوك تحصل على أموال الشعب ، بينما أحوال الشعب تنحدر نحو الأسوأ، والنتيجة أن رؤية الشعوب جميعا ـ وليس الشعب الأمريكي فقط ، فقدت ثقتها بالبنوك والشركات والحكومات أيضا .
ومع ذلك يظل كبار المرابين في البنوك يقولون بأن وضع البنوك أصبح أفضل هذا العام منه في العام السابق رغم فقدان ثقة الناس بها.
وكلامهم صحيح على ضوء ما أوردناه سابقا في هذا المقال .
ومع ذلك لم يستطيع بعض حلفاء أمريكا الكبار أن يخفوا سخطهم على ما فعلته البنوك الأمريكية من أزمة عالمية كلفتهم الكثير جدا من الأموال وبالتالي من رفاهية المواطنين والاستقرار الاجتماعي.
فهذا هو الرئيس الفرنسي ” سركوزاى” في خطابه في جلسة افتتاح منتدى دافوس السويسري في يناير الماضي، ينادي بنظام نقدي جديد للعالم ، وإيجاد عملة أخرى غير الدولار تكون احتياطا نقديا عالميا .
وحتى أوباما الذي ساند تحويل أموال الشعب الأمريكي إلى خزائن المرابين في البنوك الكبرى يحاول التغطية على عجزه أو تآمره أو غبائه ـ أيا كان الوصف المناسب ـ فتارة يهاجم تلك البنوك ، وتارة يلوح بفرض ضرائب عليها.
ولكن ذلك لا يغير شيء من الواقع المرير ، الذي يصف جزء منه رئيس مستشاري أوباما في أحدى جلسات منتدى دافوس فيقول: (إن هناك واحدا من كل خمسة رجال من بين سن 25 ، 45 عاما عاطل عن العمل في الولايات المتحدة ) .
وذلك توصيف لأحد مظاهر الأزمة الكبرى التي تعيشها الولايات المتحدة الفاشية والتي يسيطر فيها عدد محدود من الوحوش المالية العظمى، يخضعون بقوتهم الخرافية جميع أجهزة الدولة الأمريكية لخدمة مصالحهم داخل وخارج الولايات المتحدة، في الخارج ينشرون الحروب ويستولون على كنوز المواد الخام، وفي الداخل يفرضون حكما بوليسيا تتآكل فيه بسرعة الحقوق الدستورية للمواطنين، وتذهب أموالهم إلى وحوش المرابين الكبار، ويعرف الجميع أن السيطرة الآن هي للرأسمالية البنكية التي أصبحت تدير الرأسمالية الصناعية المدنية منها والعسكرية.
2ـ التركيز الإعلامي
ـ وكما أدت الأزمة الاقتصادية “المصنوعة” إلى زيادة تركيز الأموال في الولايات المتحدة والعالم في أيدي القلة من المرابين المصرفيين، فنتيجة لذلك أدت أيضا إلى مزيد من تركيز القوة الإعلامية في أيدي نفس القلة، حيث أن الأزمة الحالية قد عصفت بالكثير من المؤسسات الإعلامية الأصغر حجما فانكمشت أو انسحبت من سوق المنافسة (لصالح الاحتكارات الإعلامية العظمى التي تمتلكها نفس الأقلية المصرفية ).
وتركيز القوة الإعلامية في أيدي نفس الأقلية المالية يعطى المزيد من الدلالات على توجهات (الفاشية الجديدة) الحاكمة في الولايات المتحدة، وهى فاشية لا تضطهد المسلمين فقط سواء على أراضيها أو في العالم، بل تضطهد كل ما سواها أو يخالفها في الانتماء العرقي أو الرؤية الدينية والفلسفية ، أو التوجيهات الشمولية في المجتمع والسياسة.
3 ـ التركيز السياسي ـ
وتحدثنا عن “تركيز الإعلام ” الذي جاء نتيجة “لتركيز رأس المال”، والآن تصرخ الطبقة المثقفة الليبرالية في الولايات المتحدة وبعض السياسيين الذين احتفظوا بشيء من الشرف، من تركيز ” التنوع السياسي” في أيدي كبار أصحاب الأموال وفي مقدمتهم بالطبع مالكي البنوك وأتباعهم من مالكي الصناعات.
فهذه المحكمة العليا في الولايات المتحدة ترفع القيود من على الشركات في تمويل الحملات الانتخابية، وذلك يعنى ببساطة أن الشركات الكبرى (أي كبار الرأسماليين) قادرة الآن على “تعيين” نواب الشعب عن طريق الإنفاق الباذخ لإنجاح ومرشحين يمثلون مصالحهم ، وأيضا لإفشال وتحطيم الآخرين ممن يحاولون تمثيل مصالح الشعب الأمريكي. وحتى أوباما الذي عرض نفسه في الانتخابات على أنه مرشح ليبرالي جاء من أجل التغيير، قد أثبت يوما بعد آخر أنه مجرد ألعوبة في يد المحافظين الجدد ـ أو على الأصح ” الفاشيين الجدد” الذين استولوا على البلاد عنوة وتخطوا الدستور .
أوباما لم يستطيع الدفاع عن قرار المحكمة العليا الذي جعل الفساد السياسي عملا قانونيا وقال عن قرار المحكمة أنه ( يطيح بالمصلحة العامة ويمثل هجمة طاغية جديدة للمصالح الخاصة على حساب السياسة ومصالح البلاد العامة) .
ولكن ذلك هو الوصف الصحيح أيضا للأزمة المالية التي تعيشها بلاده، وقد ساهم هو في جعلها محرقة أو “هولوكوست” لثروات الشعب ، لصالح مجموعة خاصة جدا وضئيلة العدد لدرجة يمكن تسمية أفرادها.
ـ ولكن أوباما فضل أن يواجه الظل على أن يواجه الأصل . فضل انتقاد المحكمة العليا بقضاتها التسعة على أن يواجه ديناصورات البنوك / رغم عددهم المحدود/ ولكن قوتهم غير محدودة وغير محكومة لا بدستور ولا بقانون، ولذلك يخشاهم الجميع بدءا بالرئيس وانتهاء بأصغر صحفي في أجهزة الإعلام.
القضاة الليبراليون وصفوا قرار المحكمة بأنه (قد يضر بالمؤسسات المنتخبة في كامل أرجاء الأمة) وقال مختصون بأن القرار يمثل تهديدا لاستقامة ونزاهة وشفافية الديمقراطية الأمريكية.
فالديمقراطية الأمريكية ـ الآن وأكثر من أي وقت مضى ـ أصبحت ديمقراطية الأقلية المسيطرة ماليا، والقادرة على أن تختار العاملين في المجالات التشريعية والسياسية والذين يمثلون مصالحها فقط ، وعلى حساب الأغلبية التي ستذهب إلى صناديق الاقتراع وهى واقعة تحت تأثير حملات شرسة للتأثير وغسيل الدماغ ، وتلفيق رأى عام موهوم ، وإجماع لا وجود له في الحقيقة على اختيار مرشحين بعينهم، يمثلون أطماعهم الخاصة، ومصالح من “عينوهم” ديمقراطيا ممثلين عن الشعب.
فتلك هي الديمقراطية الجديدة ، في دولة الفاشية العظمى “الولايات المتحدة” .
ــ   تكلمنا عن “التركيز المالي” عبر الأزمة المالية المفتعلة ثم التركيز “الإعلامي” عبر استبعاد الصوت الإعلامي الآخر الذي عجز عن تحمل الأزمة المالية.
ــ   ثم “التركيز السياسي” عبر إطلاق العنان للوحوش المالية كي يدعموا مرشحيهم بالأموال وبلا حدود لإيصالهم إلى الصدارة السياسية والتشريعية في المجالس المنتخبة والأجهزة التنفيذية للدولة.
سنتكلم عن (التركيز العسكري) وأثره على الداخل الأمريكي والخارجي العالمي.
ثم نتكلم عن (التركيز الإستخباري) وأثره المدمر على الداخل الأمريكي والخارجي العالمي.
4 ـ التركيز العسكري
عالم الاجتماع “بيتر فيليب” وضع تعريفا لفريق السيطرة الكونية قال فيه: (طبقة القيادة في الولايات المتحدة ، يسيطر عليها الآن مجموعة من حوالي مائتي شخص من المحافظين الجدد الذين يشتركون في هدف واحد هو تأكيد الهيمنة العسكرية الأمريكية حول العالم).
تلك الهيمنة العسكرية على العالم تهدف من قبل كل شيء إلى السيطرة على منابع الطاقة، وذلك لممارسة الضغط على الحلفاء في أوروبا وتعويق منافسيهم في آسيا، خاصة الصين، وذلك لتظل الولايات المتحدة في الصدارة رغم فشل نموذجها الاقتصادي والسياسي والقيمي.
إنهم يرسمون حاضر العالم ومستقبله عبر استخدام قوتهم العسكرية الأكثر حداثة وقدرة على التدمير والإبادة فهي الأقوى من أي طرف أو مجموعة أطراف في العالم، وجيشهم رصدوا له هذا العام ميزانية قدرها 700 مليار دولار رغما عن كل الأزمات والبطالة والفقر داخل بلادهم نفسها.
ومازال لديهم 865 قاعدة عسكرية حول العالم ينفقون عليها أكثر من مليار دولار سنويا هذا إضافة إلى 6429 قاعدة داخل الولايات المتحدة نفسها .
ـ فلماذا هذا الانتشار العسكري الضخم على الأرض الأمريكية المحمية بحاجز مائي من أضخم المحيطات، وجوار بري أضعف حتى من أن يدافع عن نفسه ؟؟ .
كان الجيش حاضرا وبقوة في السياسة الأمريكية الداخلية، وضباط الجيش يقسمون على حماية الدستور، والطبقة الرأسمالية المتحكمة قادرة على تشخيص الجهات المعادية للدستور وتحديد نوعية الاختراقات الدستورية، وقادرة أيضا على تنصيب رجل مثل “ماكارثى” كي ينظف البلاد من أي مطالب بالحد من الوحشية الجشعة التي تحكم وتحاكم وتسيطر على البلاد.
ذلك الرجل الذي قمع في بداية خمسينات القرن الماضي عشرات الآلاف من المثقفين والفنانين، ووضع في قوائم المشتبهين عشرات الألوف من المثقفين وأكثر من مليون مشتبه متابع أمنيا.
وفي عام 1943 حاول الصناعيون الكبار إقناع جنرالات في الجيش بإحداث انقلاب فاشي، حيث أن الأنظمة الفاشية في أوروبا نجحت في تحجيم نفوذ نقابات العمال والشيوعيين، وأنعشت الصناعات خاصة العسكري منها فتقلصت البطالة وزادت الأرباح إلى درجة دفعت العديد من الصناعيين الكبار في الاستثمار في الصناعات العسكرية المزدهرة في الإتحاد السوفيتي وفي ألمانيا النازية بالذات، فساهموا في صناعة الطائرات والمركبات الألمانية التي كانت تطحن دول غرب أوروبا الحليفة للولايات المتحدة .
ولم يتخل الرأسماليون عن نزعتهم إلى تأكيد سيطرة عسكرية مباشرة على الحياة السياسية الأمريكية ـ واقتنعوا لظروف معينة بالبقاء في ظلال السياسيين الفاسدين والانتهازيين الذين يتناوبون على البيت الأبيض والكونجرس.
ولكن الجيش كان رهن أشارة هؤلاء الرأسماليين /الماليين والصناعيين/ لقمع المعارضة الداخلية، إذا تخطت حدودها في معارضة المغامرات العسكرية العالمية والحروب، والتي ترمى إلى السيطرة على موارد الثروات من مواد خام وطاقة .
كما حدث مثلا في عام 1970 حين أطلق الحرس الوطني النار على مظاهرات الطلبة في جامعة ” كنت” في ولاية أوهايو ، وكانوا يحتجون على توسيع العدوان الأمريكي على فيتنام ليشمل كمبوديا أيضا ، وفي النتيجة قتل أربعة من الطلبة وجرح كثيرون .
ـ والآن وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية في أمريكا إلى مستوى غير مسبوق . فإن التهديدات بانفجار الأوضاع الاجتماعية داخليا ، تعتبر احتمالا جديا. فالفئات الأفقر من الملونين وذوى الأصول الأفريقية واللاتينية هم أكثر من عانى من الأزمة المالية الحالية،  بل هم كانوا أول المستهدفين منها وقد بدأت بهم ونزعت منهم منازلهم وأغرقتهم في الديون ونهبت ثرواتهم وزادتهم فقرا وتهميشا، وهم أكثر الفئات معاناة من البطالة وبالتالي الفقر وانتشار المخدرات والجريمة ، وبالتالي أصبحوا يشغلون أكبر نسبة من رواد السجون.
ولكن الأهم أن ذلك الفقر الذي صعق به أفراد تلك الفئة الكبيرة كان بشكل غير مباشر خير وسيلة لدفعهم إلى الالتحاق بالجيش الذي يعانى من إعراض وصدود الشباب عن الالتحاق بصفوفه، الآن هم مرغمون على ذلك من أجل لقمة الخبز أو مستقبل أفضل في التعليم أو الحصول على إقامة دائمة على الأراضي الأمريكية، ولم تكن تلك الفائدة الوحيدة التي قدمها الرأسماليون الكبار للجيش، فقد فتحوا له مجالات واسعة للحرب في المنطقة الإسلامية من أجل السيطرة على النفط والغاز .. والأفيون.
(الذي زادت كميات الأفيون في أفغانستان بفضل مجهودات القوات المحتلة إلى 40 ضعفا في ثمان سنوات، أي انه يتضاعف خمسة أضعاف في كل عام ).
والرأسمالية البنكية دعمت صناعات التسليح بكامل قوتها . وعملاؤها الحارسين لمصالحها فوق قمة النظام  وضعوا المال العام في خدمة الجيش وطلباته غير المتناهية من السلاح المتطور، ودفع القوات فورا إلى مسارح العمليات في المناطق العربية والإسلامية.
وهكذا تتحول الحروب إلى نفط “وأفيون”، والنفط إلى مال، والمال إلى سلاح والسلاح إلى حرب، وهكذا تدور الساقية الاقتصادية في النظام الفاشستي الذي يدمر بلاده ويدمر العالم .
سلاح الجيش يتوجه إلى الداخل
وبات مطروحا بشكل علني احتمال استخدام الجيش للخروج من الأزمات الداخلية المستحكمة التي تواجه الولايات المتحدة، ويتذرعون بالأزمات الأمنية والأحداث الأخرى التي تحدث داخل الولايات المتحدة .
ومن هنا نلاحظ توظيفا داخليا ” لمصطلح الإرهاب” مماثلا للتوظيف الدولي لحادث 11 سبتمبر 2001 .
والأحداث القليلة التي ترمى بشكوكها على المسلمـــــين ،
ليست هي ما يمكن أن يحدث التهديد الخطير، ولكنها تكفي لاتهام المسلمين واضطهادهم بل وإذلالهم داخل وخارج الولايات المتحدة . ولكن الخطر الحقيقي يأتي من توترات اجتماعية واسعة النطاق يحتمل أن يقوم بها الفقراء من السود والملونين الذين بدأت بهم الأزمة المالية ، ولم تتركهم إلى وهم أشباه كائنات بشرية لا أمل لها سوى إما ممارسة الجريمة داخل الولايات المتحدة ضمن عصابات إجرام، أو ممارسة الجريمة ضمن إطار الجيش في حروب ضد شعوب العالم والمسلمين منهم بشكل خاص .
ويقول موقع ” رينس الإخبارى ” في تقرير له بخصوص احتمال تدخل الجيش بشكل سافر في الحياة السياسية في الداخل الأمريكي: (أن “الانقلاب” أو التدخل العسكري المحتمل سيحدث بشكل ” مدني” غير دموي من أجل الدفاع عن الدستور من خلال إدارة مؤقتة تكون مهمتها إدارة شئون الحكم بطريقة جادة وان تدافع عن الأمة) .
ويقول موقع ” رينس” إن مشاعر الانزعاج بدأت تتنامى لدى الأمريكيين من أن أمريكا بصورتها المعروفة لن تبقى على ما هي عليه بعد رئاسة أوباما بحلول الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2012 .
ويلاحظ الموقع أن الاقتصاد الأمريكي يمر بوضعية سيئة ويرتكز من الناحية المالية على الحكومات الخارجية المقرضة.
ويلاحظ الموقع تلك الحرب غير المعلنة التي يقول أن “أوباما” يشنها على المسئولين الإستخباريين في الدولة.
5 ـ التركيز الإستخباري
وهذا يقودنا إلى الحديث عن التركيز الأخير وهو ” التركيز الإستخبارى” ذلك التركيز الذي تنامي بشكل غير مسبوق حتى في الحملة “الماكرثية” في أوائل خمسينات القرن الماضي، وذلك تحت ستار حادث تفجير 11 سبتمبر وما أعقبة من ما سمي بـ (الحرب على الإرهاب) التي دشنها جورج بوش وعصابته المحافظين الجدد الذين أمسكوا بخناق الحكومة في الولايات المتحدة ومازالوا متحكمين في رقبة أوباما وإدارته.
فتمددت صلاحيات أجهزة الاستخبارات داخل الولايات المتحدة وتم تجميعها وتركيزها في أطار موحد أمنيا وسياسيا، فتعدت على الحقوق المدنية والدستورية للمواطنين ومارست تمييزا دينيا وعنصريا ضد مواطنيها المسلمين والجالية المسلمة والشرق أوسطية هناك .
ونشأت ” صناعة أمنية” عملاقة تستثمر آلاف المليارات في صناعات أمنية ، وخبرات أمنية ، وشركات أمن تعمل على مستوى العالم. وتم خصخصة جزء كبير من الخدمات الأمنية الحكومية ، بل والأعمال العسكرية بوجه عام ، حتى لم يكد يتبقى في الجيش سوى (ساحبى الزناد) من جنود عديمي الخبرة، وتباهى شركات أمنية كبرى في الولايات المتحدة أنها تضم في أطقمها نسبة من الجنرالات أكثر من نسبتهم في الجيش نفسه (!!). وتم تحويل العالم أجمع إلى قرية أمنية، تديرها أجهزة الأمن الأمريكية وفقا للرؤية والمصالح الإستراتيجية الأمريكية، وتبيعها المعدات والخبرات بمليارات تتدفق بلا حساب إلى الحكومة الأمريكية وشركات الأمن الخاصة العملاقة.
إن عنف النظام الفاشي في الولايات المتحدة وعربدة جيوشه في دول العالم وبلاد المسلمين باتت على وشك أن يصب نيرانه بشكل مباشر على الشعب الأمريكي نفسه، فيتحول إلى مصداق لتحذير رئيس أمريكي قديم  حذر من أن يتحول أبناء الأمريكيين إلى مجرد عبيد في مزارع اليهود، وهذا ما نراه بأعيننا الآن بل يكاد أن يتم ذلك بإشراف عسكري مباشر كما يحدث في أي دولة مستبدة ومتخلفة في العالم الثالث حيث يحكم جنرالات الجيش وأنجالهم.

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 46
http://124.217.252.55/~alsomo2

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here