رؤية لدور أفغانستان فى النظام الدولى القادم

0

“إن التمرد ينتشر فى هذه البلاد”. هكذا وصف مسئول غربى كبير الوضع فى أفغانستان.
جاء تصريحه بعد أيام من بيان أصدره ” أمير المؤمنين” الملا محمد عمر بمناسبة عيد الفطر، قال فيه ” إن المقاومة الجهادية ضد الإحتلال قد تحولت إلى إنتفاضة شعبية وطنية عمت البلد كله ” .
الحدث واحد ولكن كل طرف يصفه بما يناسب موقعه . فالغزاة يرونه ” تمردا” ، بينما أصحاب البلد من المسلمين يرونه “مقاومة جهادية ” تطورت إلى إنتفاضة شعبية ” .
لعلنا نلاحظ هنا التطور الكبير فى ” الخطاب السياسى” للملا عمر وكبار مسئولى حركة طالبان ، والذى يوضح عند متابعته فى مناسبات عديدة أن الحرب الأخيرة على أفغانستان أدت إلى تطور فكرى كبير فى بنيان الحركة فى مجالات الفقه السياسى والعسكرى وبدرجة مدهشة تحتاج إلى أحاديث متعددة منفصلة.
يتضح ذلك من التصرفات الميدانية وفى أسلوبهم الناجح فى إدارة الحرب بل وإدارة الصراع كله عسكريا وسياسيا وإجتماعيا ضد الغزو الغربى لبلادهم فى خامس غزوة غربية يتعرضون لها منذ منتصف القرن التاسع عشر.
رغم الإهمال والتجاهل الإعلامى المتعمد ، تظهر التوجيهات الإستراتيجية والتكتيكية الصادرة من “الملا عمر” وكبار قادته مستوى رفيعا من الإدراك والقدرة برهنت عليها النجاحات الميدانية ، التى وضعت أضخم جيوش الأرض وأعظم الأحلاف العسكرية فى بؤرة الفشل وحافة إنهيار لبنيان من السيطرة والتسلط يشمل النظام الدولى برمته.
عمالقة آسيا يتهيأون لإستقبال ” سونامى ” دولى إستراتيجى يعقب زلزال الهزيمة التى منيت بها الموجه العدوانية الأمريكية الأطلسية وتحطمها على صخور الهندكوش ، أمام براعة قيادية وبسالة نادرة لتلاميذ صغار أكثرهم لم يتم دراسته فى المدارس الدينية بمناطق القبائل.
هؤلاء السادة الجدد من “طالبان ” سيكونون حتما فى بؤرة قيادة “العصر الأسيوى” الجديد الذى سيقود العالم فيما تبقى من “الألفية الثالثة” وباقى الآلاف القادمة .
إن عمالقة آسيا يرغبون فى أن تؤدى حرب أفغانستان إلى إستنزاف القوة الأمريكية /الأوروبية إلى درجة الإنهيار الإقتصادى والنفسى والأخلاقى بما يدفعهم إلى الخلف ، فتتصدر “آسيا الجديدة ” قيادة العالم ضمن نظام دولى، من ملامحة المؤكدة أن أفغانستان سوف تكون فيه بؤرة قيادية أساسية ، ليس فى مجال المال والصناعة والبنوك الربوية، ولكن فى المجال الأخلاقى والمعنوى والدفاعى الذى برهنت عليه قدرة الإسلام على إلهام شعب صغير وفقير لأن يقاوم ويهزم خمس حملات عسكرية هائلة لأعظم جيوش الأرض ، وذلك بسلاح الإيمان فقط ، مع أسلحة مادية غاية الضئالة مقارنة بما لدي الغزاة المعتدين.
النموذج المعنوى الأخلاقى هو ما يفتقر إليه الإنسان المعاصر ، بعد أن أصابتة حضارة الغرب المتسلطة ، بالتخمة المادية فى كل شيئ ، بما أدى إلى خراب يهدد الإنسانية كلها بل ويهدد كوكب الأرض بخراب محكم ، يلفظ بنى البشر من على ظهره .
# مع بداية النظام الدولى القادم سيستمر موضوع الصراع بين المسلمين كطرف ضعيف ماديا يقاوم ويخوض معركة بقاء ، ضد “الأمبريالية البنكية ” التى أصبحت تحكم العالم بشكل يقترب من الكمال ، خاصة بعد ضربتان غاية فى الخبث والفعالية وجهتها للبشرية ، واحده فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب الذى أعقبته (وقد كانت أحداث سبتمبر ذريعة بل مؤامرة تم تجهيزها بعناية فائقة قبل سنوات من حدوثها).
ثم الضربة المالية الأخيرة والتى أدت إلى تراكم غير مسبوق لأموال البشرية فى خزائن البنوك اليهودية الكبرى.

   الصبر الأسيوى:
الصبر فضيلة أسيوية . والمثل الصينى القديم يقول ” إذا كان لك عدو فما عليك إلا أن تجلس على شاطئ النهر ، وسوف يأتيك الموج يوما بجثتة “.
لم يضيع الصينيون وقتهم هدرا وهم على شاطئ النهر ، حتى أتتهم جثث أعدائهم الغربين على شاطئ النهر الأفغانى .
نفس الدول التى شنت حربين على الصين فى منتصف القرن التاسع عشر هى نفسها ـ وزيادة ـ تحارب فى أفغانستان من أجل الإستيلاء على أكبر مزرعة للأفيون المجانى فى تاريخ الإنسان .
والآن ، الصين ستصبح الإقتصاد الأكبر فى العالم بعد سنوات قليلة . وأعدائها الذين حاربوا لأجل فرض تعاطى الأفيون على الشعب الصينى ، تحطموا فى مغامرتهم الأفيونية فى أفغانستان . وسيطرتهم على شئون العالم تنزوى بسرعة ، لصالح عمالقة آسيا . وعلى رأسهم الصين كقوة إقتصادية وبشرية جبارة .
# وصبر الشعب الأفغانى ليس له حدود ، فهو منذ ثلاثين عاما يقاتل القوى الغربية لأجل الحفاظ على إستقلاله وهويته الدينية. ومنذ قرن ونصف يقاتل حتى يمنع الحملات الغربية القادمة من جنوب آسيا مستهدفه وسطها ، فقاتل الإنجليز وإنتصر عليهم فى ثلاث حروب متعاقبة. ثم حارب ليصد الحملة الروسية القادمة من الشمال مستهدفة جنوب آسيا . فأثبتت أفغانستان الإسلامية أنها كانت ومازالت صمام الأمان لآسيا كلها شمالا وجنوبا . وقد تعززت صفتها الإستراتيجية تلك بنجاحها اليوم فى صد أشد الحملات العسكرية همجية التى شهدتها آسيا منذ إجتياح التتار للعالم القديم .

# والصبر كان فضيلة هندية قديمة إلى أن استولت أقلية علمانية هندوسية تتصرف بمزاج صهيونى إمبريالى لا يكبحه سوى الجدار الأفغانى العظيم ، ولا يستضعف سوى مسلمى الهند والكيانين الهزيلين فى باكستان وبنجلاديش .
ولكن سقوط الأمبريالية البنكية ـ وفشلها فى قيادة العالم سوى إلى الخراب ـ سوف يؤدى إلى عودة الحكمة والصبر الهندى الذى أكسبه الإسلام إنسانية كانت تفتقرها شبه القارة الغارقة فى الخرافات والعسف الإجتماعى. فتتمكن آسيا ذات الضمير المسلم من قيادة العالم بهدؤ لعدة آلاف من السنين القادمة .
#   والصبر فضيلة إيرانية ـ رغم ثورية متوقدة فى ذلك الشعب تؤهلة للقيادة الحضارية ـ لولا نزعة إمبريالية إجتاحت قطاعا من النخبة الحاكمة حاولت الإلتحاق بالنظام الأمبريالى الدولى.
وقادت تلك النخبة ثورة مخملية فاشلة ، لتغليب منطق ” الإمبريالية بالوكالة” على منطق ” الثورة الإسلامية الشعبية ” .
ومازال الوقت مبكرا على معرفة ما إذا كانت “الإمبريالية بالوكالة ” أصبحت سياسة دولة، أم أن الدولة مازالت قريبة من منطق ” الثورة الإسلامية” التى أعطت شرعيتها للنظام القائم .
أمريكا والإتحاد الأوروبى تستخدمان سياسة العصا والجزرة لسوق إيران إلى المنطلق الحضارى الأوروبى ، وجذبها بمغريات موقع ومرتبة “الإمبريالية الإقليمية “. وبمنحها مغريات تجارية ونووية فى مقابل شراء الموقف الإيرانى على محورين:
الأول ـ غض الطرف عن إسرائيل كقوة مهيمنة على الشرقين الأوسطين “الصغير والكبير”.
والثانى ـ المحور الأفغانى المنتصر وما يترتب عليه من دور إسلامى حضارى قادم لامحالة.
يريدون وضع إيران ضمن المحور الحضارى الأوروبى المحتضر والمقاوم للزحف الإسلامى الأسيوى القادم من أفغانستان كنموذج حضارى قيادى يمزج بين مكونات آسيا: الصناعية الحديثة فى” الصين ـ روسيا ـ اليابان”، مع آسيا التراث الدينى والثقافى العريق فى أفغانستان وآسيا الوسطى وإيران وتركيا.
رؤية “رفسنجانى”، رجل الدولة والثرى الأقوى فى إيران وتلميذه “خاتمى” رئيس الجمهورية السابق والمتآمر السابق على أفغانستان والعراق و … إيران، إنحازت للخيار الأوربى والرأسمالية البنكية والأرباح الإقليمية الصغيرة والخطيرة كونها مبنية على عنصر “النفوذ “طائفى” .
هزيمة تلك الرؤية وعساكرها فى الداخل الإيرانى ، وفشل الإسناد الدولى لها فى إحداث ثورة مخملية وفوضى تقود إلى إسقاط النظام لم يترتب عليها، حتى الآن على الأقل، تغير فى التوجات والسياسات الرئيسية .
ولا شك ان الحوار الأمريكى /الإيرانى سوف يكون حاسما فى تحديد تلك الخيارات. كونه حوار يجرى تحت ظلال مكثفة من القوة وتهديدات الحرب والحصار الإقتصادى.
فالخيار الإيرانى حاسم للغاية ، بالنسبة لإيران وكل آسيا والعالم . لأنه إما ان يطيل أمد العدوان الغربى على أفغانستان وآسيا والعالم، أو قد يعجل بهزيمتة ويضع إيران مع أفغانستان فى موضع قيادة النظام العالمى القادم كقوى إسلامية تعيد التوازن المفقود فى الحضارة الإنسانية.
# معركة آسيا تتشكل معالمها الآن فى أفغانستان الإسلامية بقيادة “الملاعمر”. كما تتحدد أيضا فى طهران بقيادة مرشد الثورة “السيد على الخامئنى”. والحوار الدائر حاليا بين إيران والغرب هو فى حقيقته وجوهرة حوار حول مسيرة الحضارة الإنسانية منذ اللحظة الراهنة وحتى قرون قادمة.
الخيار الإيرانى سوف يحدد: إما أن تكون آسيا الإسلامية محركا معنويا وحضاريا للمد الحضارى القادم ، أو أن تقع آسيا فى صراعات داخلية تستنزف طاقاتها الإسلامية وتمزق قواها البشرية وبنيانها الإجتماعى لصالح بقاء “الإمبريالية البنكية”، وقيادة إسرائيل للشرق الإسلامى كله ، واستمرار نهج تدمير الإنسان الذى تحركه وتقوده أمريكا وحلفاؤها عبر الأطلنطى .
الموقف الإيرانى المتأرجح يؤخر الخيار الإسلامى. ولكن الثورة الإسلامية الجهادية فى أفغانستان فقد فرغت من تحديد خطوط تحركها الإستراتيجى والحضارى فوجهت رسائلها للجوار كله ، مع تحديد خاص لإيران كشريك إسلامى كبير ومؤثر فى المنطقة العظمى الممتدة من حدود الصين إلى البحر الأحمر ، ومن فلسطين إلى خليج عمان .
وهذا وضع لا يمكن تجاهله ، أو التغاضى عن دور إيران كقوة إقليمية عظمى فى ذلك المجال الجغرافى الخطير.
وقبل أن نترك هذه النقطة نعيد التكرار بأن ” الخيار “الرفسنجانى/ الخاتمى” كان كارثيا على أفغانستان والعراق وإيران، وإنحيازا إلى رؤية طائفية ضيقة. فقد تعاون (أو تآمر بمعنى أدق) مع أمريكا والغرب بما لا يناسب قيمة إيران ولا كرامة شعبها العظيم أوتاريخها الثورى فى المنطقة والعالم.
وبعد فشل الثورة المخملية فى طهران فمن المنطقى أن يعود النظام إلى منطق “الثورة الإسلامية ” وإلا فإنه سيكون قد تخلى طوعا عن شرعيته التى قام عليها، ويكون قد عاد فعليا إلى “منطق شاهنشاهى” ولكن بوجوه كانت ثورية يوما ما. وقد رأينا بالأمس عددا من تلك الوجوه يقود الثورة المخملية ويدعو لردة سياسية وإجتماعية شاملة.

     #   الصبر الروسى بدأ يتجلى تدريجيا كفضيلة سياسية . فتلك الدولة بهرتها تجربة أوروبا الإستعمارية وأخذت فى تقليدها . وتجاربها فاشلة فى ذلك المجال، فكانت دوما إمبراطورية مريضة ربما بفعل الإرث الأسيوى المترسب فيها والذى يأنف ـ غالباـ عن ممارسة القهر والإجتياح الخارجى لفترات طويلة ويفشل إذا خرج عن ذلك السياق المسالم. وكان المسلمون من أكبر المتضررين من النزعة الإستعمارية الروسية التى مازالوا يعانون منها حتى الآن.
تقف روسيا الآن موقفا دفاعيا ضد الزحف الغربى الذى يرغب بلا مواربه فى تفكيكها إلى دويلات وعبوره صوب الصين لتفتيتها أيضا والوصول إلى مياه بحرالصين .. فتلك المساحة البرية الممتدة ما بين شواطئ الأطلسى الأوربية إلى شواطئ الصين، هى قلب العالم الذى من يمتلكه يمتلك العالم كله. وهذا هو رأى الكثير من راسمى إستراتيجية الغرب المتوحش المدمر للحضارات والمغتصب للقارات ومستعبد الشعوب بل مبيدها.
روسيا هذه بدأت تنظر بعناية أكبر إلى عمقها الأسيوى . بل وتستنجد به لمواجهة الغزوة الهمجية القادمة من البر الأوروبى وإمتداده الأمريكى .
روسيا تطمح فى تحالف مع الصين ثم الهند ، ثم إيران إذا أمكن، وأكثر من ذلك .. مع أفغانستان .. وأكثرمن ذلك .. مع حركة طالبان كقيادة جديرة وواقعية ومنتصرة فى ذلك البلد الحيوى .
الإشارات الروسية العلنية تطير عبر الأثير بالصوت والصورة صوب أفغانستان.
فى سبتمبر الماضى “2009” قال دبلوماسى روسى سابق ، وكاتب سياسى مرموق قريب الصلة من دوائر صنع القرار، فى حديث له مع فضائية عربية ، إن بلاده ليس لها مشكلة مع حركة طالبان ولكن مشكلتها هى مع تلك المجموعات “غير المنضبطة ” والتى تتمركز فيها فتشيع الإضطراب والفوضى فى جمهوريات آسيا الوسطى والشيشان .
هذه إذن رسالة واضحة إلى حركة طالبان تقول /بطريقة غير رسمية/ أن روسيا على إستعداد للإعتراف والتعاون مع “الإمارة الإسلامية ” فى عودتها الثانية التى باتت شبه مؤكدة، مع تحفظ بسيط يتعلق “بغير المنضبطين”. وهو تحفظ يبدو منطقيا ومعقولا فى نظر الأوساط الشعبية فى أفغانستان، كون هؤلاء “غير المنضبطين” وفروا ذريعة ” لحرب تدمير أفغانستان” عام 2001.

# فى آسيا عمالقة آخرين ـ مثل تركيا التى لم تتضح هويتها بعد ، وهى تحت حكومتها الراهنة تبدو كشخص يرتدى سترة أوروبية وربطة عنق أنيقة مع سروال فضفاضى من الطراز التركى القديم . وهو متدين تقليدى يصلى يوما فى مسجد ويوما آخر فى كتدرائية ، ويوما ثالثا فى كنيس يهودي .
يساند ” إنسانيا” أهالى فلسطين ، ويترأس فى الوقت ذاته حلف شمال الأطلنطى ، ثم يرسل قواته إلى أفغانستان فى مهمة “انسانية !! ” لحماية كابول من مجاهدى طالبان الذين يوافقون تركيا فى المذهب وفى قطاع هام من العنصر السكانى التركى.
وإلى أن يحل العملاق التركى تناقضاته مع ذاته وتاريخة ودينه، ويحدد خياراته الإستراتيجية والحضارية، فإن المسلمين يلزمهم المزيد من الصبر. ولكن مسيرة الإنتقال الحضارى نحو المركز الأسيوى لن تتعطل بذلك كثيرا ولكنها ستظل ناقصة لأن تأثير العنصر التركى فى القارة يكاد أن يكون حاسما.

# هناك اليابان مثلا ـ على أطراف آسيا البعيدة فى العمق الشرقى وهى دولة فاشلة بقدر ما هى شركة ناجحة للغاية ومتطورة. وبالأحرى هى دولة كانت إستعمارية ناجحة حولها الإستعمار الأمريكى إلى شركة ناجحة ومزدهرة لكبح جاذبية النموذج الشيوعى فى كل من الإتحاد السوفيتى والصين . والشركات لا تبنى حضارة، وقد تستعيد اليابان هويتها المفقودة، وقد بدأت ذلك بالفعل واختارت لها قيادات ذات نزعة إستقلالية عن الغول الأمريكى القبيح. إن المسيرة الأسيوية سوف تستفيد من اليابان كثيرا إذا إختارت اليابان أن تعود إلى جذورها الأسيوية وتوظف إنجازاتها المادية لخدمة مشروع حضارى أسيوى قادم لقيادة وتحرير الإنسانية.
# وهناك ماليزيا الجميلة التى تعطى مثالا فريداً ، لشبه دولة وشبه شركة ناجحة ، نموذج إسلامى يحاول شق طريقة وسط تناقضات شتى وضغوط لا ترحم.

# وهناك أندونيسيا ـ العملاق الإسلامى الخامد ـ الذى سحبه الغرب إلى مكان مظلم رطب يتحلل فيه بهدؤء ، ويتفكك ثقافيا ودينيا على نيران هادئه وأحيانا نشطة، ولكن وسط غابات رطبة مظلمة بحيث لا يدرى أحد عنها شيئ إلى أن يتم التحول المنشود . فتتحول أندونسيا ـ كما تحولت الفلبين من قبل ـ من دولة إسلامية كبرى إلى كيان صليبى ماسخ وممسوخ، متمدد وسط المياه المالحة كجثة غريق لاتجد شاطئ ترسو عليه.
لأندونسيا دورها الكبير من خلال المستقبل الأسيوى القادم والمنبعث من أفغانستان. ويومها سوف تعود إلى جذورها الدينية والحضارية كمكون أسيوى أصيل وقيم.

# لا ننسى بالطبع أستراليا ـ ذلك المخفر الأمبريالى فى المحيط الأسيوى ـ وهى حلقة ضمن سلسلة تطويق استراتيجى أقامها الإستعمار الأوربى لحصار العالم الإسلامى وقطع طرقه التجارية وإتصالاته الدولية ، وعزله عن مراكز آسيا الحضارية العظمى فى الصين والهند . حزام من المخافر الإستيطانية المسلحة ضم أستراليا وجنوب أفريقيا إلى جانب إسرائيل .
فشل الإستعمار الأوروبى فى إبادة الشعب العربى أو شعوب أفريقيا لذا كان إستمرار المخافر الإستيطانية المسلحة فى تلك المواقع الإسترتيجية مسألة مستحيلة ، وزوالها مسألة وقت لا غير.
أما أستراليا فقد أبادوا سكانها الأصليين ، وبقيت هناك الجالية البريطانية التى طردت من بلادها “لأسباب معروفة” كى تستوطن بالإكراه قارة أستراليا. وهى تعمل حاليا كقوة “إمبريالية بالوكالة” على جزر المحيط الهادى الكبير منها والصغير .
زوال القيادة الأوروبية عن العالم ، يضع الجالية الإستيطانية البيضاء فى أستراليا أمام خيارين:
إما العودة إلى الوطن الأم فى أوروبا، أو التصالح مع المحيط الأسيوى فتندمج معه كأحد المكونات الثرية والفاعلة .
هذا وإلا صراعا طويلا قد ينشب. ولن يكون فى صالح المستوطنين البيض فى تلك المناطق ، فسوف تتغلب عليهم موجات آسيوية أقوى تسليحها وأكثف عددا . ولا شك أن الزيادة الهائلة فى سكان آسيا مع تطورها الإقتصادى والعسكرى سيجعل من أستراليا “مجالا حيويا” /حسب الإصطلاح الأوروبى/ ضروريا للتمدد السكانى الطبيعى فى القارة التى تواجه إنفجارا سكانيا بينما أستراليا شبه خالية من السكان سوى كتلة سكانية بيضاء متناثرة.
إذا كان الخيار الأسترالى إيجابيا ـ أى أسيويا ـ فسوف يكون ذلك مفيدا لآسيا كما للجالية البيضاء فى تلك القارة ويضمن مستقبلها فى المحيط الأسيوى الهادر .

# إسرائيل بصفتها ” مخفرا إستيطانيا مسلحا ” يعمل فى خدمة الأمبريالية الغربية وأحد مراكز الأمبريالية البنكية الجديدة ومخزنا لمنهوباتها ـ سوف يصبح بحكم طبيعة الأشياء ـ مشكلة حضارية وأمنية لقارة آسيا والحضارة الإنسانية التى عادت قيادتها إلى تلك القارة التى كانت مهدا للإنسان، فمن حيث إنطلقت الإنسانية تعود .
وكذلك يجب أن يعود سكان المخفر الإسرائيلى إلى أوطانهم الأصلية وإلا فعليهم خوض صراع غير متكافئ وفى غير مصلحتهم مع محيط إسلامى “أسيوى/ أفريقى” لا نهاية لقدراته البشرية والروحية والمادية .
وفى الواقع فإن كل تواجد عسكرى غربى يعود إلى الأحقاب الإستعمارية والإمبريالية “الصناعية منها أو البنكية ” لن يكون موضع ترحيب من جانب شعوب آسيا ولا متوافقا مع الروؤية الحضارية لتلك القارة ، ولا متوافقا مع معتقدات المسلمين ومصالحهم .
لذا فإن إغلاق تلك المواقع ـ بكل السبل المتاحة والممكنة ـ سوف يكون هماً حضارياً وأمنياً لكل سكان آسيا والعالم .
هذا هو الحال فى فلسطين كما فى جزيرة العرب والعراق . بل أن تصفية الأثار الوحشية للأحقاب الإمبريالية الغربية ، على إتساع العالم سيكون واجبا إسلاميا وآسيويا وحضاريا .
فآلاف السنين القادمة “الألفية الثالثة وما يليها” سوف تكون للعدالة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وسوف تكون للمساواة الحقة ( كلكم لآدم وآدم من تراب).
فلا إستعمار ولا قواعد عسكرية ، ولا سرقة ثروات ولا إبادة شعوب ولاسرقة قارات وأنهار وأقوات العباد ولا شركات متعددة الجنسيات ولا أحلاف تتعاون على الإثم والعدوان.
هذا الزاد الأخلاقى الإنسانى الموجود فى الإسلام على أحسن ما يكون ـ هو نزعة للخير ليست بعيدة عن ثقافات آسيا التى كانت مهدا للأديان المعروفة وغير المعروفة. والتى رحبت دوما بإنتشار إسلامى واسع، حضارى ومسالم، جاء مع قوافل التجارة والدعاة والصوفية الأجلاء.

الأفغان يغلقون ملفات الحرب العالمية الثانية:
بعد نجاحه فى هزيمة الجيش الأحمر وما ترتب عليها من تفكيك الأمبراطورية السوفيتية ـ يوشك الشعب الأفغانى على الإنتهاء من إنجاز آخر، أعظم وأبعد أثرا، وهو هزيمة الجيش الأمريكى وحلف “الناتو” .
وبذلك يكون شعب أفغانستان وبقيادة إسلامية قد تمكن من إزالة كل الآثار السلبية التى تخلفت عن الحرب العالمية الثانية. وإنفتح المجال واسعا أمام نظام دولى جديد تنتقل فيه القيادة من محدثى الحضارة فى الغرب الإستعمارى إلى مراكز آسيا العريقه ، وفى صدارتها الحضارة الإسلامية الظافرة بقيادة أثبتت جدارتها العسكرية ، وقدرتها على خوض صراعات واسعة والإنتصار فيها على كافة المستويات . وفى مقدمتها المستوى الحضارى.
ستعود “الامارة الإسلامية الثانية ” إلى حكم أفغانستان ولكن برؤية أكثر توافقا مع ظروف الإنتقال الحضارى العظيم الذى أحدثته تلك القيادة بإنتصاراتها المتتالية على أعتى القوى العسكرية الإستعمارية التى تمخضت عنها الحرب العالمية الثانية ، حلف “وارسو” ثم حلف “الناتو ” .
بعد الإندحار الأمريكى فى أفغانستان ـ ستبحث أوروبا عن مسار مستقل وكذلك باقى الحلفاء خارج أوروبا ـ خاصة كندا واستراليا ـ أما الأتباع الأذلاء فى العالم الثالث فتساقطهم كأوراق الخريف سوف يصبح أمرا حتميا لصالح قوى جديدة ، كانت مستضعفة ومطاردة.
وكذلك هى الأيام يداولها الخالق بين خلقة حتى يدلى كل منهم بدلوه فى مسيرة الإنسان ، إما سلبا وإما إيجابيا ، ثم يحاسب الجميع فى اليوم الموعود .

 قاطرة إنطلاق للوضع الإسلامى:
لقد بدأ الجهاد فى أفغانستان ضد الشيوعية فى وقت إنتصار “الثورة الإسلامية ” فى إيران ضد “الشاهنشانية ” المتحالفة مع الغرب وإسرائيل .
فأقامت إيران دولتها ذات الشرعية المستمدة من شقين “الثورة والإسلام” ضمن شعار “ثورة إسلامية”. بينما أفغانستان إنخرطت فى حرب طويلة لثلاثة عقود ضد السوفيت أولا ثم الأمريكين والناتو ثانيا، فإن الدولة فى إيران هى الأخرى واجهت حربا دولية هبت عليها لثمان سنوات عبر حدودها مع العراق.
والثورة الجهادية فى أفغانستان واجهت على التوالى حربا سوفيتية من الشمال ثم آخرى أمريكة جاءت من جميع الإتجاهات تقريبا بما فيها الإتجاه الإيرانى ـ وكان ذلك جزءا من مأساه يتمرغ فيها العالم الإسلامى بإنعدام بصيرة نادر المثال .
وبعد الإندحار الأمريكى فى أفغانستان فإن إنطلاقا إسلاميا هائلا سوف يبدأ فى إطار إنتقال المركز الحضارى الإنسانى إلى آسيا بعد فترة مظلمة سيطرت فيه العدوانية الأوربية على العالم .
هذا الإنطلاق الإسلامى العظيم لن يكتمل ـ وهذا رأى شخصى بالطبع ـ إلا بمسيرة متوافقة بين “الثورة الجهادية فى أفغانستان” و”الثورة الإسلامية فى إيران” فكل واحد منهما منفرد يشبه قاطرة تسير بالخشب أو بالفحم . أما المسير المتوافق فسوف يعطى المسلمين قاطرة تسير بالطاقة النووية تكون قادرة على سحب مجمل الوضع الإسلامى المهدد بالتفتت المتسارع والحروب الداخلية وضياع الهوية
كما يتيح إمكانية جعل الإسلام ضميرا للحضارة وقوتها الأخلاقية والإجتماعية والتشريعية ، بل وقدرتها على الدفاع ماديا ومعنويا.

ترابط التأثير الأمنى:
حصول المسلمين على قاطرة دفع “نووية” ليس بالأمر السهل ، كما أن أحدا لم يتخذ هذا القرار بعد. وإن كان “الملا محمد عمر” قد ألمح إليه فى بيانات عيد الفطر وعبر عليها بسرعة ولكن بوضوح فى أكثر من موضع . يقول فى أحدها:( إننا نعتبر المنطقة كلها بمثابة بيت واحد فى مقاومتها للإستعمار)
ثم يتوجه إلى الجيران بشكل خاص قائلا: ( إننى أرجو فى هذا الصدد من جميع الدول الإسلامية والدول القوية المجاورة وحركة الدول غير المنحازه أن تقوم بدورها الإيجابى والتاريخى كما أرجو من الأمة الإسلامية جمعاء والحركات الجهادية فى العالم أن تنتبه إلى مؤامرات الأعداء بإفشاء الخلافات الداخلية فيما بينها وأن توحد جهودها بشكل شامل للتحرير والدفاع عن الأمة المظلومة المحكومة) .
أما مدير مجلة “الصمود” الناطقة بإسم الإمارة الإسلامية لأفغانستان فيقول تعليقا على بيان الملا عمر: ” نستنكر بشدة ما يحدث بين المسلمين من خلافات مذهبية التى تؤدى أحيانا إلى خروجهم من الإسلام والعقيدة الصحيحة “.
ثم يقول: ” نحن نريد العلاقات الجيدة مع جميع جيراننا بما فيها إيران ولا نريد منهم ان يتدخلوا فى شئوننا ولا أن يساعدوا عدونا ضد شعبنا لأن العدو سوف يرحل اليوم أو غدا ولكننا باقون على الأرض جنبا إلى جنب”.
ويضيف: ” ولا نريد الإنشغال بما لا يعنينا ولا يعنى جهدنا وجهادنا الحالى ، بل يزيد مشاكلنا فوق مشكلة الإحتلال الصليبى لبلادنا. وأن المستفيد بصورة عامة هو العدو الصليبى والصهيونية العالمية”.
# ولكن مازال الأمل بعيدا فإيران لم تتحول بعد وبشكل واضح عن موقفها القديم إزاء ” الإمارة الإسلامية ” فما زالت أقرب الحلفاء إلى النظام الإحتلالى فى كابول وعصابة كرزاى الحاكمة.
وذلك يثير المخاوف من أن تعتمد أمريكا “حلاًً عراقيا” فى أفغانستان. يشعل فتنة طائفية أو قتال عرقى ترعاه دول الجوار الطامحة فى مد نفوذها إلى دولة مريضة لا تمتلك أجهزة مناعة . وذلك وضع يبقى ” المصالح ” الأمريكية سليمة بل موضع تسابق لحمايتها من الجميع بينما لا تتكلف الولايات المتحدة أى خسائر تذكر .

     ومع سعادة الشعوب الإسلامية بالتقدم العلمى فى إيران وعلى رأسه التقدم فى المجال النووى ـ إلا أن المبالغة فى تقديس المسألة النووية على المستوى الداخل الإيرانى ، وجعلها قضية الوطن الأولى ، يشعر المسلمين ببعض القلق .
كون أن الشعب الإيرانى قد يقبل من قيادته مقايضة سلامة برنامجه النووى ، بتنازلات سياسية ستطال حتما العراق وأفغانستان ، وربما طالت فلسطين أيضا .
خاصة وأن التنازل فى المجال الفلسطينى قد يأخذ شكل الإصطفاف ضمن الإجماع الرسمى العربى”الذى تعبر عنه الجامعة العربية ” أو الإجماع الرسمى الإسلامى والذى قد تعبر عنه “منظمة المؤتمر الإسلامى” .
وفى مجال التفاوض لا يأخذ أحد كل ما يريد ويتمنى. فإذا عاد المفاوض الإيرانى بموافقة أمريكية / أوروبية على برامج التخصيب النووى المشروط، فماذا سيدفع فى المقابل؟. الخوف هنا أن يدفع الثمن من جيوب ومصائر شعوب مجاورة .
وبهذا يبتعد كثيرا الحلم الإسلامى ، وحلم الإنتقال الحضارى إلى المحضن الإنسانى الأسيوى. ولكن المسيرة لن تتوقف، لأنها تاريخ يندفع فى مسارات، وليس من الحكمة أعترضها ، فالتاريخ يطوى من يحاول أعتراض مسيرته.

 التهديد الإسرائيلى:
إسرائيل تشكل تهديدا مشتركا لكل من أفغانستان وإيران. فهى لن تقبل بكل تلك القوة المتراكمة فى إيران الدولة المتماسكة سياسيا وإجتماعيا والمعادية لإسرائيل ـ حتى الآن على الأقل .
ولن تقبل إسرائيل بأفغانستان كإمارة إسلامية قادت شعبها فى حرب ضروس ناجحة أدت إلى تغيير الخارطة السياسية الدولية ، وأزالت قوتين عظميين ورثتا العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
صهاينة أمريكا كانوا يريدون تحويل أفغانستان إلى إسرائيل ثانية. وكانوا يأملون فى مساعدة الجيوش الغربية فى تنفيذ ذلك كما ساعدتهم فى الإستيلاء على فلسطين .
كانوا يعولون على قادة من أمثال كرزاى وبرويز مشرف وزردارى . ونجحت إسرائيل بالفعل فى إقامة قواعد على حدود الأفغانية الباكستانية لإستهداف الأمن الإيرانى والعمل ضد الشعبين الأفغانى والباكستانى لإضعافهما وتفكيكهما كخطوة نحو إبتلاع الجميع فى إطار “الهند الكبرى” كقوة إقليميه عظمى تجاور وتتعاون مع الإمبراطورية الإسرائيلية المزمعة فوق أراضى الشرق الأوسط الكبير.
لإسرائيل تواجد قوى فوق التراب الباكستانى ، تواجد بدأ فى الظهور منذ الغزو السوفيتى لأفغانستان. ومن آثار ذلك التواجد هو الحرب الطائفية التى بدأت على التراب الباكستانى فى بواكير الثمانينات الماضية.
فلا تكاد تظهر فتنة بين طوائف المسلمين على أساس المذهب أو العرق إلا وكان ذلك مؤشرا على نشاط يهودى ظاهر أو خفى .
ولا تنصلح باكستان إلا بتطهيرها من ذلك التواجد الإسرائيلى ، ومن “الصفوة ” السياسية والعسكرية المتحكمة فى البلاد والتى جلبت جيوش الإحتلال إليها . وتلك مسئولية الشعب الباكستانى نفسه. وياحبذا لو قام بها منفردا بعيدا عن نفوذ “أصدقاء” يزيدون الأوضاع خبالا ويشعلون الفتن الطائفية بين المسلمين أينما حلوا .
الخطر الإسرائيلى يهدد شعوب المنطقة كلها: من إيران إلى باكستان وأفغانستان إلى جمهوريات آسيا الوسطى . وقد ظهرت الأبعاد الخطيرة للنفوذ الصهيونى فى تلك المناطق التى كانت تجهله سابقا .
فلم يكن ذلك الخطر موضع إدراك واضح فى أفغانستان وقت الغزو السوفيتى . وحتى الخطر الأوروبى لم يكن متصورا كون المعونات الأوربية ” الإنسانية!!” كانت كثيرة وملحوظة لدى المجاهدين. وكانوا يظنون أن الصليب هو رمز للمعونة الإنسانية وليس رمزا دينيا . وكان لنا مواقف لا تخلو من حرج أو طرافة مع إخواننا الأفغان بهذا الخصوص بعد رحيل السوفييت .
ولكننا الآن نجد خطابا فى أفغانستان على درجة عالية من إدراك المخاطر التى تواجه المنطقة والمسلمين عامة .
يقول مدير مجلة الصمود التابعة للأمارة الإسلامية: (ولكننا نريد فى الوقت الحالى أن نوجه المعركة نحو العدو الأساسى والمحرك لكل أعدئنا المحليين ألا وهى أمريكا رأس الكفر والطاغوت ومعها إسرائيل وحلف الناتو).
هذا الإدراك الراقى هو جديد فى تلك المنطقة , ويدل كذلك على أنه سيكون منهجا للإمارة الإسلامية العائدة بعد زوال الإحتلال .
وكما أوضحت بيانات الإمارة مؤخرا فإن الرغبة فى تهدئة أجواء المنطقة وإخلائها من الصراعات بأنواعها ، وبنائها إقتصاديا وإجتماعيا هو فى صدرارة إهتماماتها . وذلك بلا شك ضمان لسد المسارب أمام النفوذ الإسرائيلى من جهة وأغلاق الطريق أمام توطين الصراعات الإقليمية والمحلية كوسيلة فعالة وغير مكلفة تضمن إستدامة النفوذ الأمريكى والإسرائيلى.
ولازالت إيران ـ وإلى الآن ـ هى المنطقة الخالية من النفوذ الإسرائيلى فى كل “الشرق الأوسط الكبير” لذا فهى ستكون تلقائيا فى صدارة المجهود الأقليمى لتنظيف المنطقة من ذلك النفوذ المدمر والمخرب للدول والمجتمعات .
وإذا لم تدخل إيران فى صفقة ما لتفكيك عدائها مع إسرائيل ، فإنها مرشحة لقيادة منطقة وسط وجنوب آسيا فى مجال مطاردة التواجد الإسرائيلى السرى والعلنى ، الإقتصادى والثقافى، العسكرى والأمنى.
تهدئة الأوضاع الرسمية بين أنظمة المنطقة ـ وهو ما تدعو اليه الإمارة الإسلامية الثانية ـ يعنى عدم إشعال الصرعات الداخلية بشكل متعمد عن طريق الإثارة الدعائية وضخ الأموال والأسلحة . وهو ما عانت منه “الإمارة الإسلامية الأولى” من معظم دول الجوار خاصة إيران وطاجيكستان وأوزبكستان .
أما التناقضات الداخلية صغيرها وكبيرها فتترك لتفاعلاتها الطبيعية فى داخل الأطر المحلية. فإذا كان معارضو الأنظمة هنا وهناك يعبرون بشكل حقيقى عن مصالح شعوبهم فإنهم سوف ينجحون فى فرض إرادتهم بدون الإرتهان لأى قوى خارجية تحولهم إلى “حصان طروادة ” أو ” بغال تحميل” . فهذا أصدق فى التعبير عن إرادة الشعوب لا عن إرادة الخارج، سواء كان الخارج جارا إقليميا أو قوى من خارج الإقليم أو من وراء البحار.
أما القوى المعارضة ـ حتى وإن أسمت نفسها جهادية ـ فلم يعد ممكنا أن تحمل معها فشلها وتتحرك به إلى خارج الحدود . فهى إما أن تنجح على أرضها أو أن تشهر أفلاسها علنا وترحل إلى منافى إختيارية تخضع فيها لشروط الدول المضيفة ـ هذا إن قبل بإستضافتها أحد .
ونعنى هنا تحديدا حالات الفشل الكارثى المتكرر والمتنقل الذى أدى إلى تدمير تجربة ” الإمارة الإسلامية الأولى ” ، وقبلها تجربة الشيشان ، وبعدها تجربة العراق والجزائر والبوسنة.
حركات جهادية: فشلت كتجارب فى بلاد المنشأ ، وأفشلت تجارب غيرها من المسلمين فى كل بلد إستضافت نفسها فيه، وهذا يكفى.
فإما أن تعيد تلك الإنتفاضات الجهادية تقييم تجاربها ، وتدخل تغييرات جذرية فى مناهجها الفكرية أولا ثم أساليب عملها ثانيا، وإلا فإن إسهاما إيجابيا واحدا لا يشفع لها لدى المسلمين. وعليها أن تتنحى جانبا وإلا تحولت إلى عنصر مناوئ لجهاد الأمة كما تحولت جماعات إسلامية كبرى رفضت الإعتراف بالفشل وواصلت نفس المسير على نفس النهج والنتيجة ما نرى وما نسمع وما هو واضح من أحوال السلمين .
# أما موقف “الإمارة الإسلامية الثانية” من التنظيمات الجهادية التى كانت على أراضيها فهو مفهوم ضمنا وإن كان يستدعى تصريحا واضحاً، أبعد عن الدبلوماسية الحالية، ولكن ليس الآن توقيته المناسب. ولا بد فى كل حال الإعتبار من نتائج تجاربنا فى الماضى القريب والبعيد.
ولنا فى نجاح الجهاد الحالى فى أفغانستان تحت قيادة حركة طالبان وقيادتها المركزية وعلى رأسها “الملا عمر” درساً بليغا على أن الحركة الجهادية إذا كانت تعبير بصدق عن إحتياجات ومصالح شعبها ومنسجمة مع معتقداته الدينية وأعرافه الإجتماعية فإنها تنجح لا محالة حتى مع إنعدام العون الخارجى كما هو حادث فى أفغانستان وفى فلسطين أيضا.
بل أن الواقع أفظع بكثير حيث أن الخارج كله، القريب والبعيد، مازال معاديا لجهاد الشعبين الأفغانى والفلسطينى ضد الإحتلال “الإسرائيلى الأمريكى الأوربى” .
ولكن عندما أطل النصر على الساحة الأفغانية بدأت مواقف الخارج تتبدل وتسرع بإرسال إشارات التفاهم على الوضع القادم حين تعود ” الإمارة الإسلامية الثانية ” إلى المسرح الأفغانى والدولى.
وهذا الدرس البليغ لكل حركات التحرير والمعارضة والجهاد بكافة أنواعها . إن النجاح على أرض المنشأ هو الأساس ، وبعده يأتى إعتراف الآخرين ومودتهم ثم مساعدتهم “على أساس المصالح المتبادلة بطبيعة الحال”. فليس هناك شعب يعيش منعزلا منغلقا يحكم أبواب الحصار بنفسه على نفسه من الداخل . فتلك حالة أثبت التاريخ فشلها فى الماضى كما ثبت إستحالة حدوثها فى الحاضر. لأنها تعبير عن العجز والفشل فى التعامل الصحيح مع الواقع من أجل تطويره أو تغييرة أوحتى الثورة عليه.
كل ذلك لا يستلزم أبدا إتباع سياسة الغلق والإغلاق وحصار الذات والعزلة فكل ذلك من مقدمات الهزيمة حتى ولو أطلق عليه البعض “سياسة الولاء والبراء” أو ” الحب فى الله والغض فى الله ” . فالتاريخ يقول أن معظم شعوب العالم الإسلامى حاليا دخلت إلى الإسلام بفضل جهود التجار الذين جابوا آفاق العالم . وعلماء دعاة دخلوا منافذ المجتمعات المنعزلة والمجهولة . ولو أن هؤلاء الدعاة صبروا أكثر وقرروا التجارة فيما وراء المحيط الأطلنطى لدخل سكان أمريكا الأصليون إلى الإسلام كما دخل سكان أندونسيا والفلبين والصين، ولأنجاهم ذلك من الإبادة على أيدى برابرة أوروبا.
فمعظم بلاد المسلمين لم تطأها قدم جندى مسلم واحد، بل تجار مسلمون ودعاة ومتصوفون .
وبشكل خاص فإن العقائد الإسلامية لا يصح إستخدامها ستارا للجمود الفكرى والفشل العملى.
فالأولى هو الإعتراف بالخطأ وتصحيح المسيرة أو الأعتزال والتنحى عن مسار الحياة تاركين الأجيال الجديدة من المجاهدين والعلماء الصادقين تواصل مسيرتها فى صراع المصير فى خضم الحياة . فمسيرة الإسلام لا تتوقف على شخص أو جماعة أو منهج فكرى بعينة ولا حتى شعب بعينة . فهذا الدين يرعاه خالقه ويقيض له رجالا فى كل زمان ومكان .

 ـ ( عزل الهدف وحصارة هو مقدمة ضرورية لإسقاطه ) ـ
وتلك قاعدة صحيحة فى الحرب كما فى السياسة ، بلا أى فرق. ومن المأثور عن أحد كبار سلفنا الصالح قولة: ” قلما يأتى محاصر بخير”. فالحصار يمنع من حرية المناورة ، أى يفرض الجمود والثبات فى الموضع . فتكون الهزيمة شبه مؤكدة مالم تحدث معجزة ما .
والحصار هو وضعية بائسة يسعى كل طرف إلى حشر عدوه داخلها . والقائد الأحمق هو من يضع نفسه إختياريا فى موضع الحصار.
وموضع الحصار يختلف جذريا عن حماية مجنبات الجيش ومؤخراته. وهو من إجراءات القائد المحنك الذى لا يترك ثغرة لعدوه كى ينفذ منها. وأفضل الأمثلة على ذلك هو وضعية جيش المسلمين فى غزوة “أحد” عندما إستخدم المسلمون جبل “أحد” لحماية ميسرتهم والمؤخرة. واستخدموا هضبة صغيرة وضعوا عليها الرماه لحماية الميمنة . فعجز سلاح فرسان المشركين المتفوق عددا وعدة من تطويق جيش المسلمين .
وعندما إنكسرت ميمنة المسلمين وعصى الرماة أوامر القيادة، تقهقهر من بقى من جيش المسلمين إلى أعلى جبل ” أحد” فتفادوا التطويق والإبادة واستطاعوا القتال من مناطق مرتفعة حرمت الخصم من إستخدام نقطة تفوقه وهى سلاح الفرسان ، كما أنهكت مشاة المشركين من جراء القتال فى حالة صعود، أمام مسلمين يستميتون فى الدفاع ويقاتلون من أعلى، أى من موضع تكتيكى أفضل .
ذلك يوضح الفرق بين حالة الحصار وبين حالة الدفاع الدائرى الماهر الذى يتيح خيارات متعددة عند تبدل المواقف .
# نعود إلى أفغانستان والحصار السياسى الذى فرض علها إبان مرحلة ” الإمارة الإسلامية الأولى” ونقول أنه كان حصارا نجح العدو فى فرضه ولم يكن دفاعا حاذقا عن النفس. بل موقف بائس حشرنا العدو فيه/ نتيجة أخطاء من جانبنا وجانب الأصدقاء/ إستفاد منها العدو فى تصفية حكم الإمارة.
ولا يظن عاقل أن” الإمارة الإسلامية الثانية ” ستعود لتضع نفسها إختيارا فى ذلك الوضع البائس، فهذا ضد العقل والمنطق السليم ، وإن ظن البعض أنه تطبيقا نقيا لعقيدة ” الولاء والبراء”.
ولكنه فى الحقيقة وصفة ” للحصار والفناء”. فالدول تتعامل مع الأمر الواقع والمصالح المتبادلة بدون أن يعنى ذلك إعتناق نفس المبادئ. ولكن الأفكار تتنقل وتنتشر مع التعاملات العادية بين الأمم. وهكذا إنتشر الإسلام فى أرجاء العالم.

فى الأخير نقول أن بشائر النصر الإلهى فى الأفغانى قد لاحت واضحة. وذلك بفضل الله ثم تضحيات شعب ليس لصبره أو إعتماده على الله أى حدود.
وقادة الجهاد فى أفغانستان خير من يدرك أن أخطر لحظات المعركة هى لحظاتها الأخيرة. وفيها يكون الحرص هو أوجب الواجبات ويكون الغرور أو الإهمال أو الإحتفال المبكر بالنصر هو أشد الموبقات.
والنصر دوما يكون مع الصبر. مدركين أن النصر هو من عند الله وحده لا شريك له.

بقلم :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here