قـصـة الـبـيـعة العـربـية لأمير المؤمنين ” الملا محمد عمر”

ملاحظة هـــــــــــامـــــة:
أبو الوليد المصري ( مصطفي حامد ) بايع أمير المؤمنين الملا محمد عمرفي قندهاريوم الاثنين 14 رجب 1419 هجري، الموافق 2 نوفمبر 1998 ميلادي.
و في أواخر نفس الشهر بايع الملا عمر مرة أخري نيابة عن الشيخ أسامة بن لادن .

أولا: 1998 (بيرل هاربور إيرانية)
…. ولكن فى مزار شريف
كانت مأساة القنصلية الإيرانية فى مزار شريف فى صيف 1998 عنصرا هاما فى ” كيمياء السياسة التحويلية” التى نبغ فيها عبقرى طهران ” الشيخ هاشمى رفسنجانى” فى معمله المسمى” تشخيص مصلحة النظام” .. عالم الدين والدنيا صانع الملوك والمدير الحقيقى لكل شئ فى العاصمة والدولة.

بتلك اللمسة السحرية فى مزار شريف بلونها الدموى، تحولت مشاعر العداء الشعبى والحكومى فى إيران من أمريكا( الشيطان الأكبر) إلى عدو بديل أقوى وأكثر خطورة هو حركة طالبان.
وبما أن تلك الحركة المتطرفة ( طالبان) تشكل خطرا على كل الدنيا بما فيها الولايات المتحدة، فالأمر يستدعى بالضرورة تحالفا إيرانيا أمريكيا لإنقاذ العالم والقضاء على حكم طالبان فى أفغانستان. وعندما إحتل الأمريكيون أفغانستان ومعهم حلف الأطلنطى وحوالى خمسين دولة أخرى، طبلت الدعاية الحكومية فى إيران وأشادت بالحكمة السياسية لنظامهم البارع الذى سخر قوة أمريكا لخدمة أهدافة فى إسقاط حركة طالبان أخطر أعدائه فى المنطقة. وكلما كانت الكذبة ضخمة وسخيفة صدقها كثيرون.

 لاشك أن الرئيس الأمريكى ” جورج بوش” هو المسئول الأول عن قتل مواطنيه ضمن مؤامرة 11 سبتمبر الكبرى والتى مازات أسرارها طى الكتمان الكثيف حتى عن نواب الشعب. والأرجح انها ستظل كذلك إلى الأبد كما حدث مع أسرار حادثة بيرل هاربر التى إستدرجت إليها اليابان بشكل متعمد كما إستدرج بن لادن إلى كارثة 11 سبتمبر.

    ولاشك أيضا أن الرئيس الإيرانى “محمد خاتمى”، وبصورة متطابقة تماما، هو المسئول الأول عن مقتل دبلوماسييه( الأحد عشر أو التسعة على إختلاف فى التقديرات) فى مجزرة القنصلية الإيرانية فى مزار شريف فى صيف عام 1998. وقام ذلك الحادث بنفس الدور الوظيفى الذى قامت به أحداث بيرل هاربر وسبتمبر وتحمل نفس اللمسات. بما يشير عند البحث إلى أن العقلية المخططة هى نفسها. أما التنفيذ الميدانى أو بالأحرى اليد التى ضغطت على الزناد فهى مسألة متغيرة. وإن كانت ملابسات الظروف وقتها تشير بقوة إلى أن التعاون الأمريكى الإيرانى كان ضروريا من أجل ضمان النجاح. فالقنصلية الإيرانية وقتها كانت تقوم بدور أكبر بكثير من مجرد قنصلية، وكانت تدير واقعيا تحالف الشمال وتشكل مع الروس الأطراف الحقيقية التى تشعل الحرب ضد طالبان.

# فى نفس العام 1998 نفذت عملية “بيرل هاربور” فى “مزار شريف” والتى كانت خطوة هامة للضربة العسكرية القادمة ضد نظام الإمارة الإسلامية فى أفغانستان. فى “مزارشريف” لم ينتبه أحد إلى حقيقة كونها أكبر عمليات التمهيد للحرب القادمة على أفغانستان.. حرب دولية.. بقيادة الولايات المتحدة، وتضم فى ركابها جمهورية إيران الإسلامية!!.

 وهو أمر كان، وإلى وقت قريب للغاية، خارج كل تصور أو معقول ومنطقى. حتى خرج رئيس الجمهورية السابق خاتمى يتحدث إلى التلفزيون البريطانى وبكل صفاقة عما قام به من “بطولة”. وظهر أيضا عالم الدين والكيمياء السياسية “الشيخ رفسنجانى” الذى أهدى المحطة التلفزيونية شريطا وثائقيا يعرض لأول مرة، ويظهره وهو يملى على مجلس خبراء القيادة عملية إختيار السيد الخامنئى خليفة للإمام الخمينى عقب وفاته، كل الوثائق التى قدمها رفسنجانى كانت وصية شفوية من الإمام الراحل كان هو سامعها الوحيد!!… وقد علق المذيع البريطانى على ذلك بقوله أنه يبدو أن رفسنجانى يملى علي أعضاء المجلس ما يجب أن يفعلوه. الرسالة كانت واضحة وهى أن صاحب “مجلس تشخيص مصلحة النظام”: هو صاحب كل قرار، وصانع السياسات، والملوك، ورؤساء الجمهورية، وعاكس المسارات السياسية، من أقصى العداء إلى أقصى الصداقة.وبطل “الحرب المفروضة” مع العراق ، وبطل “لحرب المحتومة” على أفغانستان.

كشف خفايا مجزرة “مزارشريف” مسألة غاية فى الأهمية لأنها مازالت متعلقة بمشكلات حادة وصراعات دامية تهدد بالمزيد من سؤ الفهم وربما الحروب فى المستقبل القريب والبعيد.
ولعل أهم مسئوليات حكومة الرئس نجاد هى فتح تحقيق حول حقيقة ما دار فى مجزرة مزارشريف” وتحديد الجناة ومعاقبتهم. مع ضرورة جعل التحقيقات علنية وتجنب الأسلوب الأمريكى فى إخفاء الحقائق وحماية كبار المجرمين وإلصاق التهم جزافا بأطراف خارجية هى أضعف من أن تدافع عن نفسها حتى لو أعطيت لها فرصة لذلك.

لهذ التحقيق أهمية كبرى لإيران قبل أى طرف آخر. لأن ذلك الحادث رافقه سطو غير دستورى على السلطة، مع إلغاء فعلى لأهم فقرات الدستور، والتعدى على صلاحيات المرشد الأعلى للثورة، بل وحصارة فى بوتقة معلوماتية مضللة تماما. إضافة إلى ضخ كمية هائلة من الأكاذيب على الرأى العام الداخلى لتغيير قناعاته واستبدال قائمة إهتماماته وعدواته وصدقاته وتصوير أهم أعدائه وأخطرهم على أنهم حلفاء وتصوير الجيران المسلمين على أنهم أعداء قتله معتدين.

بل رافق ذلك حملة تحقير لرجال الدين فى إيران نفسها وشوهدت على بعض جدران العاصمة عبارات مسيئة على غرار ( إيها الطالبان عودوا إلى أفغانستان) والمقصود هنا علماء الدين الثوريين (المتشددين) فى داخل إيران.

بدون ذلك التحقيق قد لاتعود المياه إلى مجاريها بين الرأى العام السنى وإيران. نتكلم عن ذلك الرأى المستنير الذى ظل معجبا بإيران وثورتها وإنجازاتها ومواقفها الحرة المستقلة، إلى أن وقعت كارثة التعاون الإيرانى الأمريكى فى ضرب أفغانستان وإحتلالها، ثم تكرار التجربة مرة أخرى فى العراق وإغراقها فى الإحتلال والقتال الطائفى وإضعاف المقاومة المسلحة حتى الشيعى منها.

 مجزرة “مزارشريف” كانت علامة فارقة فى تاريخ إيران الحديث. وكشف ملابساتها قد يكون مدخلا لا محيد عنه لتفادى الفتنة الطائفية التى تزكى نيرنها أمريكا وإسرائيل ودول الإعتدال العربى. هذا وإلا فإن إيران قد تكون شريكا فى الفتنة كنوع من الدور الإقليمى الذى تنادى به لنفسها منذ مساهماتها فى كوارث أفغانستان والعراق.

ليس إذا مستغربا إذا جعل الرئيس نجاد على رأس أولويات حكومته الجديدة التحقيق الجدى فى مجزرة “مزار شريف” حرصا على بلاده قبل كل شئ، وحرصا على مصير المسلمين فى المنطقة والعالم والذى سيكون مهددا بشدة إذا إستمرت مسيرة الثورة المضادة التى سيطرت بطريقة غير دستورية على صلاحيات الحكم فى بلاده، والتى أودت بمصائر شعبين هامين فى أفغانستان والعراق.

      كانت مجزرة القنصلية الإيرانية فى “مزارشريف” خطوة مهمة دشنت مرحلة التحالف الإستراتيجى بين إيران والولايات المتحدة بهدف ( مكافحة الإرهاب والتطرف الدينى) ـ أى الثورة الإسلامية فى العالم السنى ـ فى الدول المحيطة بإيران مثل أفغانستان وباكستان والعراق. وهو نطاق إستراتيجى لتحالف قد يمتد لأوسع من ذلك حيث أن الأسطول الإيرانى قد أرسل مؤخرا بعض قطعه إلى بحر العرب ومداخل البحر الأحمر فى مجهود دولى شعارة ( مكافحة القرصنة) وهو إصطلاح مخادع ومجرد تفريع ثانوى للشعار الأكبر ( الحرب على الإرهاب). وتعبير “القرصنة” هو إرهاب لجوعى الصومال الذين نهبت أساطيل العالم ثرواتهم السمكية الكبيرة، وقذفت فى مياههم النقية كافة النفايات السامة للعالم الصناعى المجرم. لهذا تكاتف مجرمى العالم وسفاحيه لقتل الجوعى الذين أخرجهم الجوع إلى عرض البحر شاهرين على الناس سيوفهم!!.. ألم يؤيد ذلك، بل وعده واجبا، “أبو ذر الغفارى” رضى الله عنه.. بل واستنكر ألا يفعل ذلك المسلم الجائع الذى لايجد قوت يومه. أم أن حب أمريكا والرغبة فى كسب رضاها أنسى أحباب ذلك الصحابى الكريم أن يذكروا إسمه، بل وأن ويرسلوا مدمراتهم لقتل من أحيا سنته المباركة ؟؟!!.

إن التواجد البحرى الأمريكى الإسرائيلى فى بحر العرب والأحمر ومقابل القرن الأفريقى مرتبط بأهداف غاية الخطورة ليس هنا مجال تفصيلها. ومعلوم أن أهمها يرتبط بالمقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب. وليس أقلها نهب مياه النيل وبيعها لشركة عابرة للقارات يهودية التمويل مع ستار تمويه من السعودية والخليج. سيدخل مع النيل بالطبع شقيقاه دجلة والفرات بنفس الأسلوب ونفس العصابة مضافا إليهم تركيا بصفتها دولة منبع للنهرين الأخيرين،( واضح أن ذلك إخراج عصرى لتمليك النيل والفرات لإسرائيل تحقيقا للنبؤة التوراتية، وهم الآن بصدد تخريج عصرى لحرب كونية “هرمجدون” تمهد لظهور السيد المسيح وبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى).
وذلك سبب جوهرى للتقارب الأخير والفجائى لعصافير الكناريا فى الخليج مع الفارس العثمانى فى إسطمبول والذى قالت عنه تلك العصافير أنه جاء لمعادلة
( التهديد الإيرانى ـ الذى قد يجعلونه ذريعتهم لتدشين حرب نووية كونية) وكأن أمريكا وفرنسا وبريطانيا والأطلنطى لاتكفى جميعا لمواجهة ذلك “التهديد” الإيرانى الذى بالكاد يستطيع الدفاع عن أرضة وتوجيه ضربة رادعة ضد إسرائيل عند الضرورة القصوى، إذا توفرت لديه قوة الأعصاب التى تظهر حينا وتختفى أحيانا كثيرا.
السـائرون نـيـاما

فى ستينات القرن الماضى وتحت هذا الإسم كتب الروائى المصرى العظيم “سعد مكاوى” قصة من أعماق الريف المصرى. واختار العصر المملوكى زمانا لقصته. وكان زمانا للجهل والتخلف والظلم الفاحش. وزاد الطين بله إنتشار الطاعون فى البلد فتراكمت المصائب كثيفة خانقة بعضها فوق بعض. والناس لاترى لنفسها مخرجا فكانوا يسيرون فى طرقات البؤس.. يسيرون لكن … نياما!!!.
لكن ما صلة ذلك بنا فى أفغانستان؟ . كان العصر المملوكى معنا بكل جوانبه المظلمة ( ما عدا يقظة السيوف). ولكن ماذ يجدى ذلك السيف إذا كان الناس منزوعى العقول؟.

 والفقه الدينى السائد سحب العقل البشرى إلى غياهب الخلاف والتخلف، والعلماء باعوا دينهم لسلاطين المماليك يستخدمونه لقضاء مآربهم فى دنيا الجباية والسياسة. جئنا نحن فى زماننا المتأخر هذا واستوردنا كل أوزار العصر المملوكى فى الفقه والخلاف والتكفير وإعمال السيف فى رقاب الموحدين بدعوى شبهات بالشرك تارة والكفر تارة أخرى وظننا أننا بذلك قد أصبحنا من “السلف الصالح” ـ كنا حقيقة نسير على خطى “السلف المملوكى”، وفقه العهد المظلم الذى أملته سيوف ونزوات سلاطين القوة والبأس والجباية.
كنا فى الحقيقة نراكم على أنفسنا ظلمات فوق ما حاق بنا من مظالم طغاة الداخل وأعداء الخارج. لم نشعل شمعة فى الظلام بل جلبنا الظلمات متمثلة فى الخلافات المملوكية بين الفرق والنحل والمذاهب واستخدمنا سلاح العصر المملوكى المتطور ” للتكفير الشامل” الذى إستخدمه سلاطين الجور لإهدار دماء المنافسين واستحلال دمائهم وأعراضهم.
كنا فى أفغانستان على خطى “السلفية المملوكية” نسير بكل الحماس الأعمى ..
نسير ولكن .. نياما.

    فى عام 1998 كان الجانب العربى فى أفغانستان يسير هو الآخر صوب حرب مكشوفة مع الولايات المتحدة . لكنه كالعادة يسير على غير بصيرة . وبمعنى أوضح كان يقوم بكل مايلزم من أعمال تستدرجه إلى فخ محكم وهزيمة مؤكدة .

تزايد نشاط بن لادن إعلاميا ، مع إستدراج الإعلام الدولى له وتضخيم صورته والتهويل من حجمه . وتمادى هو معهم فى نفس الإتجاه ، ظانا أنه بذلك حقق نجاحا سهلا ساقه إليه القدر .
تزايد التواجد العربى فى أفغانستان تحت تأثير ذلك الزخم الإعلامى. كان هدف الكثيرين هو الإلتحاق بالركب المنتصر الذى يمثله بن لادن والقاعدة .

وعندما حدثت ضربة أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى كينيا وتنزانيا (أغسطس 1998) ، زاد التدفق البشرى من الشباب العربى صوب أفغانستان التى أصبح لها جاذبية لا تقاوم يعود معظمها إلى بن لادن شخصيا ، والأقل لكونها ” إمارة إسلامية ” تحكم الشريعة الإسلامية ، وترحب بالمجاهدين العرب المضطهدين والملاحقين فى كل مكان .

مع تزايد عدد العرب فى أفغانستان ، تزايدت معهم الخلافات والإنقسامات . ولم تكن ظروف العرب ولا ظروف أفغانستان تسمح بذلك . ولكن الظاهرة ظلت تتفاقم ومع كثرة الجماعات زادت معسكرات التدريب .

والأخطر أن كل جماعة حاولت ونجحت فى إستقطاب عدد من شباب طالبان بل وقيادات من الصف الثانى ومادون ذلك .

كانت بوادر “تعريب” لحركة طالبان مذهبيا وسياسيا . ومن المنطقى ان الصدمات المسلحة والإنقسامات فى الحركة ستكون هى الخطوة التالية ، لولا وجود القيادة الجامعة المانعة التى يمثلها ” الملا محمد عمر ” ومنصبه المهيب والخطير ” أمير المؤمنين ” .ولكن المتأمل للوضع وقتها يصل إلى إستنتاج أن الطوفان قادم لامحاله بعد رحيل ذلك الرجل لأى سبب .

( والاعداء الذين وصلوا إلى تلك النتيجة حاولوا إغتيال الرجل فى حادث تفجير شاحنة أمام منزله فى قندهار فى أغسطس عام 1999).

ظهرت قيادات عربية عديدة تعارض بن لادن وكلها يركز على العودة إلى المجابهة المحلية مع أنظمة حكم عربية ، وأن التحول الى “مواجهة عالمية ” مع الولايات المتحدة غير مناسب وغير ممكن حتى تحت شعار تحرير المقدسات الإسلامية والذى رفعه بن لادن .

تقدم بعض هؤلاء ، مستعينين بأنصارا لهم فى حركة طالبان ، بطلبات للملا عمر من أجل دعمهم ومن أجل عدم إستفراد بن لادن بالساحة العربية فى أفغانستان، وبعض هذه الطلبات وجدت أذانا صاغية .
إذن الإنقسامات العربية تحركت تدريجيا لتصبح إنقسامات فى حركة طالبان وهى مرشحة للتصاعد والوصول إلى مركز الإمارة فى قندهار .

القبيلة العربية .. وبيعة أمير المؤمنين

فى ذلك الوقت تقدمت بإقتراح إلى أبوعبدالله “أسامة بن لادن” فى حضور الشهيد أبو حفص وبعض المقربين إلى بن لادن .

يقول الإقتراح أنه طالما نحن العرب نعيش فى إمارة إسلامية لها أمير هو موضع أجماع القبائل ، فلماذا لا يكون هو أيضا أميرا لكل العرب ونسغنى عن كل هذه الجماعات العربية المتنافسة دوما والمتناحرة أحيانا .

فإننا ينبغى ألا نعيش فى أفغانستان بإعتبارنا ضيوفا. بل علينا أن نتحول إلى مواطنين ، خاصة وأن عودتنا إلى بلادنا تبدو مستحيلة فى الظروف الحالية وإلى أجل غير محدد . فلا ينبغى أن يكون هناك أمراء عرب وجماعات عربية فى أفغانستان بل يجب أن يكون الملا محمد عمر هو أمير للعرب يبايعونه كما بايعه باقى الأفغان .

كما لا ينبغى أن يعيش العرب بصفتهم أفردا أو مجموعات صغيرة من بقايا “جماعات إسلامية ” ظهرت فى وقت معين فى الدول العربية. وأغلب هذه الجماعات لم يعد قائما على أرض الواقع ، فقد تفككت فى بلادها وتشرد أفرادها فى أصقاع العالم . فما الداعى للتمسك بذلك ” التاريخ ” وفرضه على أفغانستان فى شكل بؤر صغيرة ومعسكرات تدريب لا قيمة عملية لها سوى التنافس والتظاهر بأن هناك شيء ما بينما لا يوجد شيئ فى الحقيقة ؟ .

الأفضل إذن ان يتجمع العرب فى إطار كتلة عربية واحدة تدير أمورها الذاتية، فأفغانستان تفتقر إلى أجهزة الدولة التى يمكن أن تدير شئون الأفراد . خاصة إذا كانوا من الأجانب . فكل فرد فى أفغانستان يدير حياته من خلال القبيلة. والدولة تتعامل مع قبائل ، وحتى إذا تعاملت مع فرد فإنها غالبا ماتعود به إلى قبيلته وتحل مشاكله من خلالها . والدولة “حتى إذا أعيد بنائها ” فإنها تصبح ميزان للعلاقات بين القبائل المختلفة تحل مشاكلها وتجمعها فى إطار أوسع هو الدولة .

إذن نحن فى حاجة إلى تكوين ” قبيلة عربية ” تدير شئون أفرادها فى العمل والسكن والتعليم . ثم النواحى الحساسة مثل الأمن الداخلى والدفاع ” وبالتالى تنظيم التدريب العسكرى للأفراد، خاصة وأن التجمع العربى هوالأصغر فى أفغانستان ومع ذلك فهو الأكثر إستهدافا من الخارج ، بل أن الإمارة كلها مستهدفة بشكل خطير .

إذن القبيلة العربية ستكون كيانا إجتماعيا وليس سياسيا . وللأفرد داخلها كل الحرية فى أن يكون لهم مزاجهم السياسى الخاص ، وآرائهم المستقله ، ومذهبهم الذى يرتضون لأنفسهم ، أى أن من أراد منهم أن يظل سلفيا فليفعل ومن أراد أن يكون على مذهب أبى حنيفة مثل باقى عموم باقى البلد فله ذلك( وهو ما كنت أفضله شخصيا لتحقيق التجانس بين العرب وباقى الأفغان بدلا من العداوة المذهبية التقليدية بين السلفيين والأحناف ) .

 لم يكن إقتراح تشكيل ( القبيلة العربية) موضع ترحيب. ولم ينظر إليه أحد بجدية بل كان أحيانا مناسبة للسخرية وإطلاق النكات. حتى أرغمنا على قبول ماهو أسوأ بكثير بعد سنوات قليلة، فى أماكن مثل جوانتانامو وأخواتها.

 أما دعوتى لهم إلى بيعة (أمير المؤمنين) فكانت مفاجأة لم يتوقعها أحد، فظهرت الدهشة على الوجوه. وكان ردهم الذى أجمعوا عليه والذى أدهشنى بنفس الدرجة هو أن “أمير المؤمنين” حاكم خاص بالأفغان وليسل غيرهم. وأن الأفغان لايقبلون أن يبايعه غيرهم.

أختلفنا فى هذه النقطة فقلت لهم بأننى ذاهب إلى ( الملا جليل) نائب أمير المؤمنين للتأكد من هذه النقطة بنفسى، ثم آتى لهم بالخبر اليقين.

 نفى الملا جليل ما يقوله العرب وقال بأن أى شخص فى أفغانستان يمكنه مبايعة أمير المؤمنين. ولكن من هم خارج أفغانستان فإن بيعتهم مازالت موضع بحث فى الإمارة ( علمت فيما بعد أن ذلك متعلق بالقبائل الباكستانية التى تطالب ببيعة الملاعمر بينما كانت الإمارة متحسبة من ردة فعل حكومة باكستان، التى على ما يبدو قد وجهت إنذارات فى هذا الصدد).

ذهبت بالنتيجة إلى “أبو عبد الله” ظانا أن اللبس قد زال. لكنه والذين معه طالبوا بمزيد من الوقتللتفكير.
إستغرق الأمر أسابيع، فشعرت بالغضب لهذا التردد غير المبرر، بينما وضعنا العربى الفوضوى قد يجلب كارثة على “الإمارة الإسلامية” فى أى لحظة.

للتملص من هذه الغضبات والضغوط ، لجأ أبو عبدالله إلى حيلة جديدة لكسب الوقت وقال أنه ومعه “الإخوة” قد طلبوا وفدا من علماء باكستان لمشاورتهم فى الأمر، وأن ذلك قد يستغرق بعض الوقت. شعرت بأنهم متهيبون جدا من موضوع البيعة وأنهم ربما يرغبون فى بث اليأس فى نفسى فأترك ذلك الموضوع وأسكت عنه..

عندما إدركت السب الحقيقى للمماطلة والتهيب من البيعة كان الوقت قد تأخر جدا.

كان السبب يتعلق برغبتهم فى إبقاء يدهم طليقة فى العمليات الخارجية بدون تدخل من الإمارة.
إستمر إلحاحى على “أبوعبدالله” أن يكون هو أول عربى يبايع الملا عمر. لأن ذلك سوف يحسن العلاقة بينه وبين الرجل. وقد كان توتر العلاقة يزداد يوما بعد يوم، وإن كان مكتوما. حيث يتذرع الملا عمر بالصبر، ويتذرع “أبو عبدالله” بعصيان الأوامر بطريقة إلتفافية تثير الغيظ لأنها توجه إهانة الإستخفاف بالطرف الآخر خاصة وأنه “الأمير الحقيقى مفترض الطاعة”.

كانت ضربة أفريقيا ضد السفارتين الأمريكيتين قد وقعت بالفعل وأعقبها ضرب المعسكرات فى خوست بصواريخ كروز الأمريكية. بينما العلاقات بين الرجلين قريبة من الصفر.

وبشأن البيعة ظلت المشاورات الداخلية مستمرة بين أبوعبدالله وكبار مساعديه وكبار تنظيم الجهاد المصرى( وكانوا الأشد معارضة بشأن البيعة وتشكيكا فيها ـ وكان أبو حفص المصرى أقرب إلى موقفهم) ـ أما من تواجد من تنظيم الجماعة الإسلامية المصرية فكانوا أكثر عذوبة وينتظرون فتاواهم أن تأتى من أماكن بعيدة جدا لايدرى أحد متى تأتى أو هل تأتى بالفعل أم لا ؟ . فإذا حضروا جلسات من هذا النوع لبحث البيعة كانوا يتكلمون بكل خير وهدؤ.. وآخر شيئ يمكن توقعه منهم هو أن يكون لهم موقف واضح فى أى شيئ). جماعات الشمال الأفريقى كان أكثرها تسامحا يرى أن الإمارة الأفغانية
“مشركة” والواجب هو الإنتظار حتى تتضح الرؤية. أما متشددو الشمال الإفريقى فموقفهم مفهوم وسهل وممتنع، يبدأ من تكفير الإمارة وينتهى بتكفير من حولها من عرب والساكنين فيها.

ظلت المشاورات الداخلية قائمة، والطلب من علماء باكستان أن يحضروا لمشاورة العرب مستمرا. كنت أتردد بشكل متواصل ما بين كابول، حيث كنت أعيش، وبين قندهار، حيث يعيش بن لادن وكبار مستشاريه.

كانت المسافة بين المدينتين حوالى 500 كيلومترا تستغرق 12 ساعة عندما يكون الطريق فى أحسن أحواله. وكانت تستغرق 30 ساعة قبل أن تبدأ الإمارة فى تمهيد أجزاء منه وترصف أقل القليل نظرا لضعف التمويل وقلة الإمكانات.

      طال الأمر أكثر مما ينبغى. وفى أحد زياراتى المكوكية إلى قندهار وجدت مستشارى أبو عبد الله يعودون بى إلى نقطة الصفر مرة أخرى قائلين أن بيعة أمير المؤمنين غير متاحة لغير الأفغان. وكان ذلك رأى بن لادن أيضا. فقلت أننى سأذهب وأجرب بنفسى وأطلب مبايعة الرجل.
إندهشوا وتضاحكوا وظنوها مزحة. ولما رأونى قد نهضت مصمما على المضى قدما لتنفيذ ما عزمت عليه، قام معى أبوعبدالله على عادته الكريمة مع زائريه ، وفى الطريق إلى باب الخروج طلب منى العودة إليه لإبلاغه بالنتيجة.

 قابلت “الملا جليل” فى مبنى “جامعة ومسجد عمر” ، القريب من ميدان شهيدان الشهير حيث موضع لمعركة تاريخية كبرى دارت بين أهالى قندهار والقوات البريطانية التى شاء سوء حظها أن تقاتل هؤلاء الناس.المسجد قيد البناء وأصبح شبه مكتب لمساعد الأمير أثناء النهار، يتابع منه الإعمار وشئون الإمارة.

كان يرافقنى الشاب الأوزبكى الرائع “محمد طاهر” قائد (حزب إسلامى أوزبكستان) المعارض المخيف لحكومة بلاده. وكان الملا عمر يحترمه ويحبه كثيرا. بعد الترحيب جلس معنا الملا جليل وسأل عن سبب الزيارة فتكلمت إليه مخبرا إياه أننى جئت أنوى مبايعة الملا عمر. إنتابت الرجل حالة عاطفية إنتقلت بسرعة إلينا وإلى عدد من الأفغان الجالسين حولنا.
أمسك جهاز المخابرة متصلا بالملاعمر فى مقر عمله بالإمارة. وتكلم معه بصوت خفيض وعين يلمع فيها الدمع. وتحدد الموعد بعد صلاه العصر.

فى الموعدد المحدد صاحبنى الملا جليل إلى مقر الإمارة. كان الملا محمد عمر بقامته النحيلة الفارعة يجلس وحيدا على حافة سور منخفض يحيط بمساحة خضراء فى الحديقة الواقعة وسط ساحة المبنى الحكومى القديم ، الذى ظل مقرا لحاكم إقليم قندهار لعقود خلت.

 حراس الأمير ، وكانوا عدد من أقاربه الشباب يجلسون تحت الأشجار بإسترخاء
يتسامرون ويتضاحكون ناسين مسئوليتهم كحراس فى حضرة أمير يقابل غريبا غير معروف. ( أغلب هؤلاء الشباب لقوا حتفهم فى محاولة إغتيال الأمير بتفجير شاحنة فى أغسطس 1999 ) .
قام الأمير للترحيب بنا ومصافحتنا. ثم عاد للجلوس على السور المنخفض وإلى يمينه جلس الملا جليل بينما جلست إلى يساره. لعدة دقائق كان الأمير يسأل والملا جليل يجيب على أسئلة بعضها عن أحوال الضيوف العرب وبعضهاعن مبنى المسجد والجامعة. وفى الأخير نهض الأمير معلنا أن الجلسة قد إنتهت ثم صافحنى أولا ثم صافح الملا جليل الذى تقدم نحوى واضعا يده فى يدى كى نتوجه صوب البوابة.

نظرت إلى الملا جليل وسألتة بدهشة: ولكننى لم أبايع الأمير بعد !!!!.

فرد مصححا : لكن مصافحته لك هى البيعة.
قلت : ولكننى لم أنتبه إلى ذلك، لذا يلزم أن أصافحة مرة أخرى.
ضحك الملا جليل وعاد يكلم الأمير فى الموضوع. فنهض الرجل من مكانه القريب وتقدم يصافحنى مرة أخرى.

لم يكن أمر البيعة يزيد عندهم عن صفقة اليد تلك. ولكنها تعنى عندهم الكثير جدا .. وذلك على العكس منا نحن العرب .. حيث أن الكثير عندنا .. الكثير الكثير.. لايكاد يعنى أى شيئ.
ودعت الملا جليل عند “مسجد عمر” ، ثم توجهت منفردا نحو المجمع السكنى الجديد للعرب والذى أسميه عادة “عرب خيل”.

فى عربة الركشا كنت أفكر فى اللقاء الوشيك لى مع بن لادن ومن معه. كنت أنظر إلى شوارع المدينه نصف المهدمة وكأننى أراها لأول مرة، لكن أجمل بكثير من واقعها الذى يشاهده الناس.

كنت أشعر بعمق أنه منذ الآن بدأت علاقة جديدة وهامة بين العرب والإمارة الإسلامية. وتحديدا مع أمير المؤمنين الملا محمد عمر. وأنه من الآن ستصبح المسيرة واحدة وبلا صداع التصدعات العربية التى لا تنتهى.
المجمع السكنى العربى يقع أمام ترعة ضيقة تصبح مصرية الطابع إذا زارتها المياة أحيانا. وهى مناسبة تنتظرها عدة أوزات لا أدرى كيف يصلهن الخبر فيجئن بسرعة لتقمن مهرجانا خاصا. ولو أن هذا المنظر قد وقع أمامى منذ عقود قليلة فقط لكنت أحد مكوناته الجمالية التى تزعج باقى الكائنات داخل وخارج البحيرة.

سرنى أن بعض أطفال المنطقة يمارسون فى الترعة نفس الدور الذى أتمناه وأحلم به. وأعاد لى طفولتى منظر الطين الذى يكسوا جلودهم البرونزية السمراء. رداء ناعم وحنون سرعان ما ينقشع بالمياة العكرة الجارية فى الترعة. ضحكت وأردت أن أصيح فيهم : واصلوا أيها الشجعان .. سنوات قليلة فقط وستصبحون مطلوبين دوليا بتهمة الإرهاب.

وجدت أن ذلك المرح لا يليق الآن بسنى ، كما أن حاجز اللغة ألجمنى.

” قرية عرب خيل” لها سور طينى ضخم. وعليه تستند بإرهاق منازل صغيرة كالحة يلف كل منها سور مرتفع ونحيف يحيطها من ثلاث جهات، وله باب أمامى من الخشب الخفيف يطل على الساحة الترابية الواسعة للقرية الذى يمارس فيها الأطفال ماهو متاح من شئ يشبه اللعب، والعبث بسيارات “بيك أب” قليلة تقف هنا وهناك لبعض الوقت.

 قابلنى الحراس الشباب كرائد فضاء عاد من رحلة على سطح القمر فتجمع حوله سكان الأرض يباركون له عودته ويسألونه عن الأخبار “هناك” .

كانوا جميعا على علم بالمهمة التى ذهبت لأجلها ، وكانوا فى إنتظارى” لسماع الأخبار” . أقبل نحوى عدد من الشباب مسرعين يتساءلون بلهفة وتجمعوا حولى مستفسرين . فلما أخبرتهم أننى قد ” بايعت أمير المؤمنين ” كبر بعضهم وضحك الجميع بفرح حقيقى وعانقونى بحرارة وكأننى قد نفذت عملية إنتحارية ناجحة .. ثم رجعت منها سالما !!.

فى غرفة الضيافة فى المجع السكنى ، وبعد قليل من الإنتظار ، تجمع حولى كبار القوم ، أبو عبدالله وأبوحفص والدكتور عبد المعز ” أيمن الظواهرى” يرافقه واحد من كبار مساعديه ، وكان تنظيم الجهاد مازال مستقلا عن القاعدة، كما حضر آخرون من كبار تنظيم القاعدة .

الدهشة كانت عارمه لما حدث . وبعد وقت قليل شعرت أن النظرة لى هنا قد تغيرت نسبيا ، وأن “قيمتى الأدبية” قد تراجعت إلى الخلف قليلا . فالشعور هنا مخالف للشعور فى ساحة المجمع عند الشباب الصغار . هنا كانت النظرة لى كأنى مخلوق آخر قادم من المريخ ، مدهش لكنه غامض ومخيف أيضا .

ظننت أننى قد أزحت أهم الحجج التى تمنع “أبو عبد الله ” تحديدا من أن يبايع أمير المؤمنين . وكنت قد ذكرت لهم مرارا أن بيعته للملا عمر هى الأهم لأن نظرة الأفغان إليه على أنه أمير كل العرب . لذا فإن لبيعته قيمة كبيرة جدا بعكس بيعة أى شخص آخر ، بما فيهم شخصى المتواضع. لأن تأثير”بن لادن” أكبر وله قيمة أعظم عند العرب والأفغان معا خاصة وأنه يعتبر حاليا أهم رجل فى العالم .
بعد حوار معاد ومكرر وصلنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى .

أبو عبد الله وجميع الحاضرين يرون أن ” التريث هو الأولى ” وأن ” المشورة مازالت مستمرة ” و” علماء باكستان قادمون ” . إلى آخر تلك الحجج التى كنت أفندها وأهاجمها وأبدى دهشتى منها . لكنهم ظلوا صامدين باسمين فتوقفت عن الهجوم . ثم أخذت من أبوعبدالله موعدا جديدا تكون فيه المشاورات قد إنتهت. وذلك قبل أن أعود مرة أخرى إلى كابول مستأنفا رحلاتى المكوكية التى لاتكاد تهدأ ولم تظهر لها حتى الآن نهاية.

على أى حال كانت جلستنا الأخيرة تلك قد أثبتت أن بيعة أمير المؤمنين ليست خرافة بل هى أمر ممكن.

ودعنى “بن لادن” وباقى المجموعة. و قبلت شاكرا عرض الدكتور عبد المعز أن يصطحبنى فى سيارته إلى مكتب الأوزبك الذى كنت أستخدمه مقرا لى أثناء زياراتى لقندهار. كان على المبيت هناك حتى الفجر حين تبدأ حركة سيارات الأجرة صوب العاصمة وباقى المدن.
كان برفقة الدكتور ثلاثة من أقرب مساعديه وكانوا أيضا من أصدقائى.

ولكن ما أن أخذت موضعى داخل السيارة التى تحركت بنا صوب المدينة حتى بدأت جولة من الملاسنة الساخرة حول ما قمت به من مبايعة لأمير المؤمنين . سألنى أحدهم بسخرية عن شعورى عندما بايعت الأمير !! .

تفاديت الغضب وأجبت بسخرية مقابلة : شعرت أننى فى مسلسل إسلامى، (ضحكوا لذلك.. ولكننى أكملت كلامى) لم يخطر فى بالى يوما أن أقابل أميرا للمؤمنين : بل وأن أبايعه أيضا!!! .

أستمرت وتيرة سخريتهم إلى أن وصلنا المكان المطلوب عند بوابة المعسكر الرئيسى فى وسط المدينة حيث يسكن الأوزبك .

ودعت أصدقائى وعبرت بوابة المعسكر ثم بوابة مكتب الأوزبك حيث بقيت فى ساحته الخارجية تحت شجرة توت ضخمة، ولكنها بكل أسف لاتثمرـ ولعل فى ذلك معنى رمزيا لم ألتفت إليه وقتها ـ بقيت ساهرا معظم الليل حيث قفلت راجعا إلى كابول عند الفجر .

سيارة الأجرة المزدحمة بالمسافرين الأفغان كنت العربى الوحيد فيها، غارقا فى أفكارى طول الطريق باحثا عن إجابة لأسئلة تحيرنى : ماذا يريد العرب ؟ .. ماذا يمنعهم حقيقة عن بيعة أمير المؤمنين ؟ .. هل هو الخلاف المذهبى ؟.. هل هو الإستعلاء العرقى ؟.. هل هى رغبة فى التفلت من أى قيد تفرضة البيعة ، ورغبة فى إستمرار حالة الأنطلاق الفوضوى ولو أدى إلى كارثة ؟.

وفى الأخير وصلت كابول وقد غمرها الظلام واقترب موعد حظر التجول الذى يبقى المدينة فى سكون من العاشرة ليلا وحتى آذان الفجر .

سكون لايقطعه/ على سبيل التذكرة/ إلا صوات إنفجارات تأتى من على بعد عدة كيلومترات إلى الشمال حيث مازالت هناك حرب وخطوط قتال.

تواصلت زياراتى لقندهار . وشعورى بخطورة الموقف وخطورة الموضوع جعلنى أواصل الأصرار والمتابعة . وكأن أبو عبدالله شعر بالملل والإحراج ، فقام معى ليوصلنى إلى باب المجمع أثناء مغادرتى وكنا منفردين. فقال بصوت منخفض أنه يوافق على بيعة أمير المؤمنين وطلب منى أن أحدد له موعدا لذلك .

كدت أطير من الفرح لهذا النجاج المفاجئ . وتوجهت على الفور لمقابلة نائب الملا عمر فى “مسجد وجامعة عمر” التى كانت قيد الإنشاء . وكما فعل معى فى المرة السابقة تكلم بالمخابرة مع “أمير المؤمنين” وحدد موعدا لمبايعة أبوعبدلله فى عصر نفس اليوم كما فعل أيضا فى المرة الماضية .

     على الفور توجهت إلى مقر “ابوعبدالله” لأزف له الخبر السعيد . وقلت له أننى لن أصاحبه فى ذلك اللقاء لأننى قدرت أن لقاءه المنفرد مع “أمير المؤمنين ” سيكون أفضل وقعا ، وتأثيرا فى رفع حالة الجمود والتوتر المكتوم بين الرجلين .

وافق على ذلك رغم أنه كان يفضل أن أحضر اللقاء . قلت أننى سأحضر فى صباح الغد لمعرفة ما دار فى ذلك اللقاء التاريخى.

مضى الليل بطيئا جدا بينما أحاول الرقاد تحت شجرة التوت العملاقة فى ساحة مكتب الأوزبك. قضيت شطرا من الليل أتجاذب أطراف الحديث مع محمد طاهر “الأمير الأوزبكى” وكان يتابع معى ما يحدث على الساحة العربية الأفغانية ويبدى تعاطفا كبيرا مع وجهة نظرى . وكنت ممتنا له كثيرا، فقد كنت وحيدا بالكامل وبلا أنصار فى معالجة مشكلة خطيرة كما أراها. بينما يراها عرب آخرون مجرد “كلام فاضى”.

مع أضواء الصباح الأولى كنت بالفعل داخل غرفة الضيافة فى مجمع “عرب خيل” منتظرا كبار القوم، وأبو عبدالله تحديدا كى أطمئن / وأكاد أقول أحتفل/ بهذا التطور الضخم فى تاريخ العرب والإمارة الإسلامية.

 وأخيرا وصل أبوعبدالله عند إرتفاع شمس الضحى. لم يكن مستبشرا كما هى عادته فتوجست شرا. وتبعه أبو حفص وهو فى حال مشابه فانقبض صدرى.
وعلى الفور توجهت بالسؤال إلى أبو عبدالله عن أخبار الأمس وكيف سارت الأمور مع الملا عمر. فقال أنه لم يذهب إليه !!.

شعرت أن صخرة قد هوت فوق رأسى من فوق جبل مرتفع . وسألته فى ذهول :
كيف ؟؟ ولماذا ؟؟ . فرد قائلا بإقتضاب أنه يشعر بالحاجة الى المزيد من التفكير .
قلت له أن ذلك سيترك أثرا غاية السوء فى نفس الملا عمر . وسيتأكد لديه شعور موجود بالفعل وهو أنك تتكبر عليه وترى نفسك أكبر وأهم . وذلك سيكون سيئا للغاية فى موقف الأمارة منك بل ومن كل العرب لأنهم يظنون العرب كتلة واحدة كما هى قبائل أفغانستان .

وأظن أننا الآن فى ورطة جدية ولابد من تحسين الموقف مع الرجل بعد أن ساءت الأمور أكثر من أى وقت مضى .

وكأن أبوعيد الله شعر بجدية الموقف فطلب منى أن آتيه عصرا .

فى تلك الجلسة المسائية أخبرنى أبوعبد الله أنه قرر بالفعل أن يبايع أمير المؤمنين ، وطلب منى أن أقوم بتلك البيعة نيابة عنه .

دار بيننا نقاش طويل . فقد كنت أرى ضرورة ذهابه شخصيا حتى تزول تلك الترسبات الضارة فى العلاقة والتى تراكم بعضها فوق بعض . خاصة بعد تخلفه الأخير عن الموعد الذى يعتبر إهانة قوية .

وقد كنت بالفعل أخشى أن يرفض الملا عمر بيعة ابوعبدالله وأن أتلقى بنفسى صدمة الأهانة .
فى الأخير وافقت على طلبه ، مع ظنى أنها مغامرة غير مأمونة العواقب وأننى أغامر بالدخول فى عداوة لا دخل لى بها ، بل كنت أحاول تفكيك بواعثها بين أهم رجلين فى أفغانستان . وبالأحرى بين أهم رجل فى أفغانستان وهو الملا محمد عمر ” أمير المؤمنين ” وبين أهم رجل فى العالم “أبوعبد الله ” أسامة بن لادن . وقد كنت بالفعل أشعر بحب عميق لكليهما .

        كنت فى غاية الخجل والحرج وأنا أحدد موعدا جديدا لأداء بيعة بالنيابة . كان الملا عمر كريما وذكيا ، فلم يسألنى عن أى شيئ وكنت أتوقع ان يطلب منى إيضاحا عن عدم حضور أبوعبدالله فى الموعد المقرر بالأمس . ولماذا لم يحضر بنفسه اليوم ؟ وماذا يمنعه عن ذلك ؟ .
لم يكن عندى أى إجابة تهدئ الخواطر ، كما كان ثقيلا جدا على نفسى أن أذكر الحقيقة الجارحة، ولم يكن واردا بأى حال أن أقول غيرها.

“الملا عمر” رجل لماح وغاية فى الذكاء وكان يقرأ ما يدور فى ذهنى بشكل دقيق ، فلم يشأ أن يحرجنى .

أديت له البيعة بالنيابة عن ” أبو عبدالله ” وخرجت من عنده مسرعاً وكأننى أزحت صخرة ثقيلة من على صدرى، أو كأننى خشيت أن يتراجع الملا عمر عن موقفه ويرفض البيعة.
فى عام 2000 تحسنت العلاقات نسبيا بين الرجلين . وقام أبوعبدالله بزيارة الملا عمر فى مقره الجديد الذى إتخذه قريبا من أحد الجبال ـ بناء على مشورة من العرب ، بعد محاولة إغتياله فى العام 1999 .

ولكن على وجه العموم إستمر أبوعبد الله فى نفس مسيرته القديمة . وخالف التعليمات الأساسية لأمير المؤمنين والتى تتلخص فى بندين رئيسين مع بعض الفرعيات الآخرى .
الأساسيات كانت التوقف عن اللقاءات الصحفية والتلفزيونية . مع حظر أى ضربة عسكرية ضد الولايات المتحدة لأن باكستان هددت بالتدخل المباشر ضد الإمارة إذا حدث مثل ذلك الأمر . وهو ما لا يمكن إحتماله فى ظروف الإمارة الحالية وإلى أن تتم السيطرة على المناطق الباقية تحت حكم التحالف الشمالى المعارض.

أما الضربات ضد إسرائيل فإن الإمارة تؤيدها ومستعدة لتحمل تبعاتها إلى جانب العرب ( وكان ذلك الموقف فى أثناء إنتفاضة المسجد الأقصى فى آوخر عام (2000 .

ولكن يبدو أن أبو عبدالله كان قد مضى بعيدا فى الإعداد لضربة سبتمر 2001 . والتى لم يكن أحد يدرى بها تفصيلا سوى ثلاث أفراد منهم أبوعبد الله نفسه . ثم عدد محدود لا يزيد عن إثنين أو ثلاثة يعلمون على وجه اليقين أن هناك ضربة عسكرية كبيرة ضد هدف أمريكى غير معلوم لديهم بالتحديد .
وخارج الدائرة الضيقة الأولى ثم الدائرة الضيقة الثانية ، لم يكن أى أحد آخر يدرى بما يدور . وطبعا على رأس هؤلاء الذين ” لايعلمون ” كان الملا عمر الذى وقعت فوق رأسه كل التبعات المدمرة لما حدث ، إذ سقطت أمارته مع سقوط المبانى التجارية فى نيويورك .
وبالطبع كنت فى صدارة ” الذين لا يعلمون “. ولوأننى علمت لما دفعت بكل تلك القوة لاتمام بيعة “أبوعبدالله ” للملا عمر . لأنها كانت فى الواقع عملية تضليل لأمير المؤمنين لصرف نظرة عن عمل خطير يحاك من وراء ظهره ويتعدى على صميم إختصاصاته كحاكم للبلاد . ويتعدى على مصير وحياة شعبه الذى كان على وشك التعرض لمجزرة أمريكية ، وإحتلال أمريكى أوروبى أقسى وأشد من الإحتلال السوفيتى الذى لم يكد يرحل عن البلاد .
ورد فى ذهنى سؤال بعد فوات الآوان :
لماذا أصر أبوعبد الله على أن تكون بيعته للملا عمر بالنيابة وليس مباشرة ؟ .
فخطر لى أنه وفر لنفسه هامشا أكبر للمناورة عند سؤاله عن تلك البيعة:
عما إذا كانت قد تمت بالفعل أم أنها لم تتم ؟.
فإذا إستدعى الأمر نفيها قال أنه لم يبايع . وكان صادقا فى ذلك لأنه لم يبايع شخصيا .
واذا إستدعى الأمر إثبات البيعة قال أنه بايع وكان صادقا أيضا لأن البيعة قد وقعت بالفعل ولكن بالنيابة .
كان الله فى عون “الملا عمر ” …وعون جميع المسلمين .
تحميل ملف (الـبـيـعة العـربـية لأمير المؤمنين )   :
http://www.4shared.com/file/119191145/f1987c13/___________.html
بقلم :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)- 20 يوليو, 2009
copyright@mustafahamed.com

المصدر :
موقع مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world