تعزيزات أوباما فى الوقت الضائع أمال محبطة فى مفاوضات مستحيلة

0

قبل أيام من ذهابه لإستلام جائزة نوبل للسلام أعلن “أوباما” إستراتيجية الحرب فى أفغانستان . وقرر أرسال  30 ألف جندى، فوصل عدد قواته هناك مئة ألف جندى ، وإجمالى قوات الغزو إلى حوالى 120 ألف . ويلاحظ أنه يحتفظ فى العراق بنفس العدد من القتلة. وينشر فى الشرق الأوسط حوالى نصف مليون عسكرى.
وبهذا يصبح أوباما (أبو الحروب) حائزا على (جائزة أبو الديناميت) للسلام، وراعيا لأكبر إنتشار أمريكى عسكرى فى ميادين الخراب ، متفوقا بذلك على جورج بوش نفسه .

من حق العالم إذن أن يتسائل عن مفهوم الغرب للسلام .
وإن كان هو ذلك المفهوم المنحرف بل والمعكوس الذى نشاهده الآن؟؟.
فإن ذلك يوضح معنى الإرهاب الذى يطلقونه على  المسلمين المدافعين عن دينهم وأوطانهم .

ولنتأكد من أن معظم أدابياتهم تستخدم المطلحات بشكل معاكس تماما للواقع . وذلك مجال لبحث واسع ليس هنا مجاله .

لكن الملاحظ هو ذلك التشويش الكبير الذى سبق إعلان أوباما عن “استراتيجيته الجديدة ” ومازال ذلك التخبط فى تحديد الأهداف مستمرا حتى الآن . فكل عدة أيام أو أسابيع نسمع عن رزمة أهداف جديدة للحرب . وذلك ما دفع “الحلفاء” إلى التملص تدريجيا من إلتزاماتهم . فمنهم من حدد موعدا للإنسحاب النهائى لقواته ـ مثل كنداـ ومنهم من رفض زيادة عدد قواته ـ مثل تركيا وفرنسا واستراليا وإيطاليا وغيرهم .

المتابع لأقوال الأمريكين وتصرفاتهم يدرك أنهم” ضائعون تماما” لا يدرون فى أى إتجاه يسيرون . وأهدافهم الحقيقية من الحرب لايمكنهم البوح بها كما لايمكنهم التخلى عنها.

فالحرب بالنسبة لهم “ضرورة” مالية وليست ضرورة أمنية كما يدعون.
بينما الإستمرار فى الحفاظ عليها بهذا الشكل يبدو مستحيلا . فجميع الظروف تسير فى عكس إتجاه أطماعهم سواء فى العالم أو فى المنطقة أو فى أفغانستان تحديدا ، التى إنقلبت فيها الأوضاع على عكس ما كانوا يأملون .

فالإمارة الإسلامية تسيطر الآن على معظم البلد ، والشعب فى معظمه يقف خلف قيادة الإمارة وضد الإحتلال ” الأمريكى الأوربى “. وتزحف الإمارة الإسلامية بثبات صوب كابول وقندهار من جديد .

أوباما الذى يتقدم بظهره

لا أتذكر حادثا فى التاريخ أرسل فيه رئيس دولة قواته إلى الحرب وهو يبشرها بإنسحاب محدد بمواعيد مسبقة. فهو بذلك إما ان يكون مخادع كبير أو مغفل كبير.
فإن كان مخادعا فهو بعمله هذا يريد أن يعطى حقنة مخدرة كبيرة لدول الإقليم الكبيرة حتى لاتصدر عنها ردات فعل عنيفة .

ويريد أيضا إضعاف معنويات الخصم “المجاهدين” حتى يتراخوا ويبدأوا فى إحتفالات السلام والنصر ، فيفاجئهم بالهجوم الكاسح عسكريا وسياسيا .
فيقتل من يقتل ويشترى من يمكن أن يبيع نفسه .

أما إذا كان مغفلا لدرجة أنه يرسل قواته إلى الحرب معلنا فى نفس الوقت بمواعيد أولية للإنسحاب، فيتراجع فى هيئة المتقدم ، أو يتقدم فى هيئة المتراجع. فيكون شبيها بذلك الأحمق الذى أراد أن يتطفل على أحد حفلات العرس ولم يكن مدعوا إليه ، فتقدم نحو الباب وهو يسير بظهره حتى يظنه أهل الدار خارجاً وليس داخلا.

ونظره على جدول أوباما لنشر وسحب القوات . نجد أنه ينادى بإنسحاب “يبدأ” بعد 18 شهرا أى فى يوليو2011 , أى أن الفترة التى يفترض أن تلك القوات ستعمل فيها بكامل طاقتها هى عشرة أشهر فقط ، ثم ” تبدأ ” فى إنسحاب لا يعلم أحد ـ ولا حتى أوباما نفسه ـ متى ينتهى وأى مدة سوف يستغرقها . وهل هى عدة أيام أم عدة سنوات .

ويبدو أن ذلك من الأسرار التى يدخرها ” أوباما ” لمناقشتها على مائدة مفاوضات لا يدرى كيف يمكن أن يعقدها. حيث أن الطرف المقابل وهو الإمارة الإسلامية ، لا ترى لها مصلحة فى بدئها ، لأن مطالبها بسيطة ولا تستدعى تفاوضا. وتتلخص فى الإنسحاب الكامل للمعتدى أولا وقبل كل شئ . فالمعتدى لم يحضر جيوشه بالتشاور مع الإمارة لذا عليه أن يخرج بلا تفاوض معها، وإن أراد التفاوض فليجعل ذلك موضوعا تاليا للإنسحاب وليس قبله.

تفاوض إقتصادى سياسى

لا شك ان “أوباما” يرغب من الآن فى مناقشة الموضوع الأهم على قائمة إهتمامات بلاده . وهو الحفاظ على مصالحها الإقتصادية وتحديدا فى الأفيون ثم التفاوض بشأن أنابيب نقل الطاقة من آسيا الوسطى .

وبعدها تأتى قائمة من المطالب السياسية، وعلى رأسها ضمان توجيهات سياسية بعينها للنظام القادم. وهى مطالب فى الإجمال تهدف لأن يكون ذلك النظام أداة تنفيذية لسياسات أمريكا التى هى على وجه الدقة لا تخرج عن زعزة أمن واستقرار المنطقة وإشاعة الحروب فيها، ونشرعمليات التخريب ضد دول الجوار لإجبارها على تقديم تنازلات محددة للولايات المتحدة.

وهو مالخصة أحد الصهاينة الجدد بأنه ” تحويل أفغانستان إلى إسرائيل المنطقة”.
وهذا دور قد ينفذه سياسيون من أمثال كرزاى وأشباهة ، ولكن ليس الإمارة الإسلامية بأى حال وتحت أى ظروف .

فقد أعلن أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله بكل وضوح عن برنامجه السياسى القادم وسياسته الإقليمية والدولية .

وهى قائمة على مبدأ الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة والبيت الواحد الذى يضم جميع دول المنطقة فى إطار معادى للإستعمار.

يتبقى إذن العنصر الإقتصادي الذى هو بطبيعته قابل للنقاش .
وأول المبادئ فيها هو تحقيق مصلحة الشعب الأفغانى حيث أن تلك الثروات هى ملك لجميع أفراده وتمثل جزءا من ثروة الأمة وبيت مال المسلمين .

وبما أن الإحتلال والنظام العميل الذى أنشأه فى كابل هى عوارض ضارة سوف تزول قريبا ، ولم يكن لها شرعية من أى نوع ،  فكذلك أيضا جميع الإتفاقات الإقتصادية التى عقدها ذلك النظام تعتبر هى الأخرى لاغية وسوف تخضع للدراسة من جديد . فما كان منها يحقق مصالح الشعب فيمكن أن تقره الإمارة . وإلا فسيكون لها رأى آخر حسب كل حالة على حدة.

وأما ما رافق تلك المشاريع من فساد ورشاوى فسوف يحاسب عليه المسئولين عنه أمام قضاء الإمارة.

أما عن المستثمرين الأجانب الذين مارسوا الإفساد ودفع الرشاوى ، فإن كان قد ترتب عليها ضياع حقوق الشعب المسلم فتكون تلك الجهات طرفا فى جريمة تستحق العقوبة التى يقررها القضاء فى الإمارة , وربما ترتب عليها فسخ تلك العقود ، أو دفع غرامات … إلى آخر الإجراءات الآخرى .

وذلك ينطبق على خطوط نقل الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى باكستان عبر الأراضى الأفغانية . فقد كانت تلك الخطوط من الأسباب الرئيسية للعدوان الأمريكى . وتحديدا كانت السبب الثانى بعد الأفيون .

وأول شئ فإن تلك الشركات مسؤولة عن إشعال الحرب. وأحد الضاغطين الرئيسيين على قرار البيت الأبيض من أجل إشعالها. وذلك ثابت من تهديدات مفاوضيهم بعد فشل مفاوضاتهم مع الإمارة وقولهم بأن السلاح هو الذى سوف يحل المشكلة.

لذا فمن المنطقى أن يكونوا متضامنين مع حكومة بلادهم فى دفع تعويضات الحرب التى ستقررها عليهم المحاكم الإسلامية فى الإمارة.

ثانيا   فإن العقود والإتفاقات التى أبرمتها تلك الشركات مع حكومة كرزاى تعتبر لاغية تلقائيا. وربما رأت الإمارة الإنسحاب كليا من المشروع ، أو إعادة التفاوض فيه مع نفس الشركات طبقا للقواعد الدولية والمشاريع المماثلة فى المنطقة والعالم ولا يمكن أن يتم أى تفاوض بذلك الخصوص إلا بعد الإنسحاب الكامل.
أما توقيع أى إتفاقات فى ظل الإحتلال وتحت رحمة جيوشة فذلك إذعان غير مقبول عقلا وشرعا .

خيار آخر متاح أمام الإمارة وهو طرح المشروع من جديد على شركات عالمية وإقليمية لإيجاد عروض أفضل إقتصاديا، وأقل خطورة من الناحية السياسية لأن شركات النفط الأمريكية تاريخها كله أسود وملئ بالمؤامرات والانقلابات وشن الحروب وبالتالى فان إستمرار تواجدها فى أفغانستان سيهدد إستقرار البلد والمنطقة كلها .

مشكلة الأفيون

معروف أن الأفيون كان السبب الرئيسى وراء هجوم أمريكا على أفغانستان بعد قرار الإمارة الإسلامية وقف زراعته فى المناطق التى تحت سيطرتها (95 % من مساحة  البلاد فى ذلك الوقت ) . وكان إنتاج أفغانستان فى عام 2001 هو185 طن حسب تقارير الأمم المتحدة بعد أن كان 3600 طن فى أوج إزدهارة . ومع ذلك فإن إنتاج 2001 كان فى معظمه من إنتاج مناطق حلفاء أمريكا من ” تحالف الشمال”  كما كان يطلق عليه سابقا .

والآن يتكلمون بشكل غير رسمى عن إنتاج قد تخطى حاجز التسعة الآف طن من الأفيون . يتحول فى معظمه داخل القواعد الجوية الأمريكية إلى مسحوق الهيرويين ويجرى توزيعة جواً فى أنحاء العالم وحيث ما توجد قواعد عسكرية أمريكية .
ويدر أفيون أفغانستان عائدا يصب فى البنوك الأمريكية ويقدر بمئات المليارات من الدولارات ، ضمن تجارة مخدرات عالمية ، تهيمن عليها الولايات المتحدة ويقدرها البعض بأكثر من 1.5 ترليون دولار .

ومن الواضح تماما أن الولايات المتحدة تريد الإطمئنان على هذا الكنز من عدة نواحى :

1 ـ إلى يد من سوف يذهب ؟
2 ـ ما هى الضمانات لضمان هيمنة أمريكية مطلقة عليه ؟ .
3 ـ أن لا تمتد إليه يد الإمارة الإسلامية أو يتحول لبناء أفغانستان .
4 ـ أن لا تقفز بعض دول الأقليم لوراثة الدور الأمريكى فى أفيون أفغانستان.
5 ـ وضع آليات جديدة تكون مقبولة أفغانيا لإستمرار الوضع الأمريكى المسيطر على ثروة الأفيون وشبكة: التحويل/ والنقل/ والتوزيع .

وبما أن الإمارة الإسلامية تعطى أولوية مطلقة لطرد جيوش الإحتلال من البلد، فإنها إلى الآن لم تطرح رؤيتها حول ذلك الموضوع الحساس التى تدرك الآن أكثر من أى وقت مضى مدى تأثيرة على القرار الأمريكى بالحرب أو السلام، وأيضا على مستقبل أفغانستان .
ولكن المتأمل فى بيانات أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله يدرك أنه يعطى الأولوية المطلقة لمصالح الشعب الأفغانى ، طبقا لاحكام الشريعة . ثم سيعطى أولوية تالية لمصالح دول الجوار، ودول الإقليم ودول العالم ، تطبيقا للمبدأ الإسلامى المعروف “لاضرر ولا ضرار” .

تطبيق ذلك المبدأ على مشكلة المخدرات يستدعى منطقيا أن يأتى حل مشكلة الأفيون فى إطار مشاورات إقليمية أولا ثم دولية ثانيا ، للبحث عن حل يحقق المصالح المشروعة لجميع الأطراف .

ومن المنطقى أن تكون الحلول المطروحة مماثلة للقواعد المطبقة إقليميا ودوليا. فمثلا:

ـ هناك دول فى الإقليم مثل تركيا والهند يصرح لها دوليا بزراعة محدودة من الأفيون بغرض بيعة لشركات الدواء . وذلك يدر عليها مليارات الدولارات سنويا أكثر مما يصل إلى مزارعى أفغانستان الذين يزرعون أكبر محصول للأفيون فى العالم.

فإذا كان ذلك المبدأ معمولا به فشعب أفغانستان فى حاجة إلى مثل تلك الموارد كى يبدأ فى بناء حياته من حالة الدمار الشامل التى أوصلته اليها الغزوات الإستعمارية المتلاحقة من سوفيتية إلى أمريكية أوروبية .

ـ إذا رأت دول الإقليم والعالم أن تلك الزراعة غير مرغوب فيها لأسباب تمس أمن المنطقة ، ففى هذه الحالة قد يبدو معقولا أن تنشئ تلك الدول صندوقا لبناء أفغانستان ، يوضع فيه سنويا مبالغ تعادل الدخل المتحقق من زراعة الأفيون وهو مبلغ زهيد للغاية لا يتعدى الآن سنويا أربعة أو خمسة مليارات دولار.

ـ مع ذلك الصندوق قد يكون من المناسب تشكيل لجنة تعاون إقليمى لإعادة بناء أفغانستان بشكل متكامل بإعادة تأهيل القطاع الزراعى بعيدا عن زراعات الأفيون والحشيش. وأيضا تأهيل القطاع الصناعى وقطاع الخدمات . تلك اللجنة مهمتها توفير التمويل اللازم وتقديم خدمات إستشارية أو خبراء لأجهزة الإمارة المختصة التى تتولى تنفيذ تلك المشروعات أو الإشراف على الهيئات والشركات المنفذة لها .

ـ تتولى المنظمات الإقليمية تبنى مطالب أفغانستان بتحصيل تعويضات الحرب من الدول المحتلة حتى يبنى الشعب الأفغانى حياته، فلايجد نفسه أمام طريق مسدود يجعل زراعة الأفيون عملا إجباريا من أجل النجاة من الفقر والمجاعة.

التواجد العسكرى الدائم

تصريحات متناثرة أشارت إلى رغبة “أو خطة” أمريكية  فى بناء قواعد عسكرية دائمة فى أفغانستان .

وذلك أمر يتنافى مع إستقلال البلد ويهدد دول الجوار ويهدد المنطقة بأسرها ويهدد السلام العالمى برمته. وبالتالى فمن المستحل أن تقبل به الإمارة الإسلامية تحت أى ظروف ، فطالما أن هناك جندى أجنبى واحد موجود على أرض أفغانستان فإن الجهاد سيستمر وكأن البلد كلها تحت الإحتلال .

أفغانستان لن تكون مثل ألمانيا أو اليابان فتقبل بإحتلال دائم لأراضيها أوتواجد أبدى لقوات أجنبية محتلة. كما أن شعبها أكثر وعيا من أن يتمكن المحتل الأجنبى من إشعال حرب بين طوائفة تجعل كل منهم يستغيث ببقاء الإحتلال حتى يحافظ على وجوده . فالشعب الأفغانى كله متحد ومصالحة متطابقة .

أما الذين ينادون ببقاء طويل المدى للإحتلال المباشر . عسكريا أو أمنيا فهؤلاء هم الشرذمة التى أتى بها الإحتلال من مختبراته السرية كى يحكموا أفغانستان.
ويأتى على رأسهم “كرزاى” صاحب سلسلة المطاعم فى أمريكا، وصاحب سلسلة الفضائح فى أفغانستان. فضائح بدأت بتجميع الأفيون وتوريده للمحتل الأمريكى ولم تنته بفضيحة تزوير الإنتخابات .

من آخر التصريحات المثيرة للسخرية لذلك الرئيس الدمية، طلبه من وزير الدفاع الأمريكى فى زيارته الأخيرة إلى كابول، أن تواصل الولايات المتحدة الإنفاق على قواتة العسكرية لمدة   15أو 20 سنة قادمة . مدعياً أنه خلال 5 سنوات سيكون فى مقدوره السيطرة على الأمن الداخلى فى كل البلد .

وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق لأنه عاما بعد آخر بل يوما بعد يوم يخرج زمام السيطرة من يد القوات الأمريكية والأوروبية ، فما بالك بقوات جيش المرتزقة الذين جمعهم كرزاى من بين صفوف المدمنين والخارجين عن القانون والمطرودين من عائلتهم .

وبينما أوباما يفكر فى الفرار بعد عام ونصف فإن كرزاى يدعوه للبقاء عقدين أضافيين .

فإما أن يذهب كرزاى مع المحتلين كما جاء معهم ، أو أن يبقى عشرين عاما فى كابول ولكن معلقا فى الهواء كما علق نجيب فوق أحد أعمدة الإنارة

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 43
http://124.217.252.55/~alsomo2

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here