حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 157 ) | رجب 1440 هـ / مارس 2019 م .            

22/03/2019

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

– الحق أخلى مكانه للقوة ، التى أصبحت الحقيقة الوحيدة المعترف بها فى عالم اليوم .

– التفاوض المنفرد لا يعيد الحقوق . فالقوة ضرورية لإقناع الظالم أن هناك حقوقا يجب أن تُحْتَرَم.

– التفاوض يعكس موازين القوة فى ساحة القتال . والمُفَاوِض الماهر يمكنه الحصول على أكثر من ذلك ، وفقا لشروط .. فما هى ؟؟.

– ساحة القتال وطاولة التفاوض مترابطتان . وموازين التفاوض تتغير بتقلب موازين الصراع على الأرض .

– لا يمكن لطرف أن يقاتل نيابة عن طرف آخر . ولا يمكن أن يتولى التفاوض غير من قاتل معارك الأرض من أصحاب الحق الأصليين.

– التفاوض يُظْهِرْ الفرق بين ( الحرب بالأصالة ) و( الحرب بالوكالة ) ، وبين “المجاهد الحقيقى” و”المُرْتَزَقْ ” .

– لا يمكن الحديث عن السلام قبل إستعادة الحقوق ، وإلا كان نفاقاً وعوناً للظالمين .

– لدى القائد العسكرى وقائد التفاوض ، تأتى المهارة أولا ، قبل الإمكانات المادية المتاحة.

– القائد العسكرى يتخلص من الإشتباك إذا كانت شروط النصر غير متوفرة . وقائد التفاوض يتخلص من طاولة التفاوض إذا كانت شروط التفاوض غير مواتية . فالقتال والتفاوض فى حاجة إلى ظروف مناسبة .

– خطأ عسكرى واحد  فى الحرب قد يطيح بنتائج معركة واحدة . وفى التفاوض فإن خطأ واحدا قد يطيح بثمار الحرب كلها .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

التفاوض هو جزء من العمل السياسى ، الذى هو إمتداد للعمل القتالى ومكملاً له لكن بوسائل سلمية. فإذا كانت الحرب هى محاولة لإقناع الخصم بالإستجابة لمطالبنا مستخدمين معه منطق القوة ، فإن المفاوضات هى محاولة لإقناعة مستخدمين قوة المنطق.

وغالبا لا يكتسب المنطق قدرة على الإقناع إلا بعد إستخدام القوة أولا. فالمنطق المسالم منفردا، ومهما كانت صحته ، لا يقنع اللصوص بإعادة الحقوق إلى أصحابها. حتى أصبح شائعا بين الأمم أن ما يمتلكه  أى طرف من الحقوق يتناسب طرديا مع ما يمتلكه من قوة . وتَمَكَنْ ذلك الإعتقاد من النفوس حتى أخلى الحق مكانه للقوة ، لتصبح القوة هى الحق ، وهى الحقيقة الوحيدة فى حياة البشر اليوم .

– لهذا لا يمكن الحصول على الحقوق بالتفاوض وحده. إذ لابد من إستخدام القوة حتى يعترف العدو أن هناك حق ينبغى الإعتراف به والخضوع له . عندها يصبح التفاوض مجديا ومشروعا .

– التفاوض يعكس الموازين فى ساحة القتال . فكل طرف يحصل على تأثير فوق طاولة التفاوض يعادل ماله من قدرة تأثير فوق ساحة القتال . بمعنى أن الطرف المنتصر فى ساحة القتال يذهب إلى طاولة التفاوض كى يحصل على ثمار إنتصاره. أما المنهزم فعليه أن يدفع ضرائب الهزيمة .

فإذا كانت النتيجة على أرض المعركة غير محسومة ، فإن طاولة التفاوض هى ساحة للإتفاق على توزيع الغنائم والمغارم بما يتناسب مع موازين القوى على الأرض ، بصرف النظر عن من له حق فى ماذا.

 

حرب فوق طاولة التفاوض :

– لا يتم كل ذلك بصورة تلقائية ، لأن العمل التفاوضى هو أيضا معركة . والمفاوض الأكثر مهارة وموهبة وعزيمة قد يتمكن من الحصول على أكثر مما تتيحة له موازين القوى فى ميدان المعركة المسلحة .

لهذا فإن ساحة المعركة التفاوضية مليئة بالخدع والكمائن ، وتشتمل على عمليات هجوم وأخرى للدفاع . وقد تشمل على الإستعانة بحلفاء داخليين أو خارجيين . لذا وجب الإنتباه إلى أى ظرف سياسى طارئ قد يغير الموازين فوق طاولة التفاوض ، أو تطور عسكرى قد يغير موازين القوى فوق ساحة القتال فتتأثر عملية التفاوض على الفور.( لاحظ مثلا عملية الهجوم الساحق على قاعدة شورآب الجوية فى هلمند أثناء إحتدام التفاوض فى الدوحة). فالطاولة والميدان مترابطان، يؤثر كل منهما على الآخر، وهما متحدان فى الغاية.

لهذا قد يتعجل أحد الأطراف المتفاوضة التوصل إلى إتفاق خشية من ظروف داخلية فى بلده قد تكون فى غير صالحه . وبالعكس قد يعمد طرف إلى المماطلة والتسويف ، إما طمعا فى تطورات قادمة قد تفيد موقفه التفاوضى أو تضر بموقف خصمه { مثلا يتعجل الأمريكى الوصول إلى إتفاق فى مباحثات الدوحة / أو حتى وقف مؤقت لإطلاق النار/ قبل فصل الربيع حيث يشن مجاهدو طالبان هجومهم السنوى ، الذى يتوقع أن يكون أعنف من كل ما سبقه ، بحيث تعتبر عملية شورآب الساحقة مجرد دفعة صغيرة تحت الحساب } . وقد يسعى أحد الأطراف إلى إرهاق أعصاب الخصم واستنزافه معنويا (بالحملات الدعائية العنيفة وذلك نقطة قوة لدى الأمريكيين وحلفائهم ). أو ترقباً لتصدع صفوف الطرف الآخر بالخلاف والشقاق أو بالوعد والوعيد ، أو بحرف التفاوض عن مساراته الأصلية صوب قضايا ومشاكل ثانوية ، بحيث يصبح جلاء المحتلين عن البلاد أحد الإهتمامات التى يسبقها الكثير من القضايا الثانوية).

– القادة البارعون فى التفاوض يكونون مُسْتَهدَفين مثلما يُستَهدَف قادة المعارك البارعين ، إما بالقتل أو بالإختطاف ،أو بث الفرقة فيما ينهم ، أو بإستمالة من يمكن إستمالته منهم بإغراءات المال والسلطة أو بمكاسب للحزب أو للمنطقة.

– كما أنه لا يوجد طرف يقاتل نيابة عن طرف آخر ، فإنه لا يجوز أن يتفاوض طرف لم يقاتل نيابة عن طرف آخر تحمل أهوال المعارك . فالتفاوض يتولاه أصحاب الحق الأصليين الذين خاضوا معارك السلاح على الأرض . وذلك معيار أساسى للتمييز بين “المجاهد” و “المرتزق” ، كما أنه فرق بين ” الحرب بالوكالة” وبين”الحرب بالأصالة”. فالمجاهد هو من يتولى عملية التفاوض وإقرار المصير السياسى لقضيته ولا يترك ذلك الحق لجهة ــ أو دولة أخرى ـ مهما كانت صديقة أو حليفة. فالتفاوض هو عملية “جَنْى ثمار الحرب” و”رسم صورة المستقبل” ، والمجاهد لا يترك تلك الميزات لأى طرف آخر.

الحق فوق السلام :

( فلا تَهِنوا وتدعوا إلى السَلْم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتِرَكم أعمالكم)ــ 135 سورة محمد ــ التفاوض لدى المجاهد صاحب الحق ، لايهدف أبدا إلى إقرار السلام كأولوية مطلقة ، بل يهدف أولا إلى إقرار الحقوق المشروعة وإزالة الإحتلال ، واستعادة الأرض المغتصبة ، والثروات المنهوبة ، وإقرار الشريعة الدينية ، وتأكيد الهوية الثقافية المعرضة للزوال أو الإستبدال . فالحرب هى نتيجة للظلم الواقع ، والسلام هو قرين لإحقاق الحق المنشود. فأى حديث عن السلام قبل إقرار الحق وإعادة الحقوق إلى أصحابها هو نفاق ودعوة إلى الإستسلام لخدمة المعتدين الظالمين . ولن يعيش ذلك السلام المخادع طويلا ، فهو موعد مؤجل لحرب قادمة لا محالة.

المهارة أهم من الإمكانات :

– يمكن للقائد العسكرى الماهر أن يحقق إنتصارات فى المعارك أكبر بكثير من الإمكانات المادية المتاحة بين يديه . يرجع ذلك إلى مهارته العسكرية ، وقوة معنوياته ، وإيمان جنوده وإستعدادهم للتضحية مع قناعتهم بجداره القائد .

يمكن أن يحدث شئ مشابه فى عملية التفاوض ، أى إحراز نتائج أفضل مما هو متاح من قوة على أرض المعركة ، وذلك عن طريق إقناع العدو بأن الموقف كله على وشك أن يتغير إلى غير مصلحته مالم يبادر إلى الموافقه على ما هو متاح له الآن . فيسرع إلى الموافقه على أقل مما يستحقة بحكم قوتة العسكرية على الأرض .

والعكس أيضا صحيح أى أن القائد السياسى المفاوض إذا كانت تنقصه الجدارة ، فيمكن أن يخسر فى معركة التفاوض الكثير من الحقوق التى كانت متاحة له بحكم قوته على أرض المعركة .

– القائد العسكرى الناجح يعمل على توفير شروط النجاح قبل الشروع بالقتال فى أى معركة. فإذا وجد أن الشروط غير متوفرة للنجاح فإنه لا يخوض المعركة ، ويعمل على التخلص منها إذا فرضت عليه. ولا يَقْبَل بخوض غمارها إلا فى الظروف القاهرة حين تكون المعركة حتمية لا محالة . وحتى عندئذ يظل القائد يتابع إمكانية الإنتصار من خلال أى جزئية مواتية تظهر له على غير إنتظار خلال القتال . فهناك دوما إمكانية للنصر فى ظل أى ظروف. هذه القاعدة يمكن تطبيقها على العمل السياسى التفاوضى . فلا نبدأ التفاوض إلا إذا توفرت شروط نجاحه أو كان النجاح هو الإحتمال الأرجح.

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

الخطأ غير مسموح فى التفاوض :

– خطأ واحد فى الحرب قد يغير مصير المعركة ، وفى التفاوض فإن خطأ واحد قد يطيح بنتائج الحرب كلها . لذا فإن عملية التفاوض أكثر حساسية وخطورة من أى معركة عسكرية ، وينبغى ألا يتصدى لها غير الأفزاز من المفاوضين ذوى الخلفية العسكرية المتينة. فالتفاوض معركة مهارة وبصيرة ومعنويات ، وقوة أعصاب ، وليست أبدا خفة يد أو براعة خطابية.

وكذلك إمكانية الخسارة تظل ماثله فوق الرؤوس مهما كانت الظروف مواتيه والعمل العسكرى ناجح . فنتيجة المعركة لا تظهر إلا مع النهاية الكاملة للقتال وإستسلام العدو أو فراره خارج ساحة المعارك.

 

ساحة التفاوض الملغومة :

– قد تصبح شروط ميدان المعركة مواتية لعملية التفاوض حيث الطرف الجهادى هو المنتصر أو صاحب الكفة العليا والمبادرة فى ميدان القتال . ولكن ظروف أجراء عملية التفاوض غير متوفرة بشكل مناسب للخروج بالنتائج الصحيحة . كأن يكون مكان التفاوض غير محايد ، وتحت سلطة حكومة معادية أو عميلة للعدو . أو يكون الوسطاء منحازون للعدو ويعملون لمصلحته سراً وجهراً ، ويعملون كقوة ضغط على المفاوض الجهادى كى يقبل بشروط عدوه ، ويتنازل عن حقوقه التى أتيح له الوصول إليها طبقا لنتائج ساحة القتال وموازين القوة فيها .

( يجب أن يتوازن تمثيل الطرفين فى جلسات التفاوض . قد يكون التمثيل على مستوى رؤساء الوفود أو وزراء الخارجية . ولكن فى مقابل رئيس المكتب السياسى لحركة طالبان / وهى درجة تعادل وزير خارجية/ أرسلت أمريكا السيد “زلماى” الذى هو مجرد “زَلَمَة” لشركة “يونيكال” النفطية الأمريكية ، وموظف درجة ثالثة ــ أو مجرد مستشار موسمى بالقطعة لدى وزارة الخارجية الأمريكية . وفى ذلك غطرسة مرفوضة. لهذا رفض السيد (الملا برادر) رئاسة الوفد المفاوض أثناء الجلسات ، واكتفى بالمتابعة عن كثب).

وهكذا قد يجد المفاوض الجهادى نفسه يخوض معركته التفاوضية فى مناخ غير صديق وفوق أرض ملغومة سياسيا . ولكن تظل إمكانية النجاح فى العملية التفاوضية قائمة ضمن خيارات منها :

1 ـ الإستفادة من أى ظروف مستجدة على ساحة الصراع العسكرى .

2 ـ إلغاء عملية التفاوض والعودة إلى ساحة المعركة إنتظارا لظروف تفاوضية أفضل والحصول على ساحة تفاوضية أكثر حيادا.

3 ـ مواصلة القتال حتى يصاب العدو باليأس فينسحب بلا تفاوض معلنا أنه قد إنتصر فى الحرب ، لذا فإنه (ينسحب بكرامة!!) كما فعل الأمريكيون لتغطية هزيمتهم المهينة فى فيتنام. وسمعنا مؤخرا عضوان فى مجلس الشيوخ الأمريكى (أو الكونجرس) يطالبان بوضع قانون ينص على أن بلادهم قد إنتصرت فى أفغانستان(!!) . وفى ذلك إشارة إيجابية جدا ، فهو دليل على إمكانية إنسحابهم بلا قيد أو شرط ، تحت غطاء الإنتصار طبقا لقانون صادر عن الكونجرس الأمريكى (!!) .

4 ـ الشرائط السياسية فى المنطقة المحيطة بأفغانستان بدأت تتحول لصالح الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . وسوف يؤدى ذلك إلى تحسين المناخ التفاوضى مستقبلا. كما ينعكس إيجابيا على ساحة المعركة ، خاصة فى مجال التسليح وتحديث التجهيزات القتالية للمجاهدين . إذن فالرهان على المستقبل القريب أفضل من المضى فى عملية تفاوض ملغومة . وعلى أى حال العدو سوف ينسحب حتما بإتفاق أو بدون إتفاق . وانسحابه بدون إتفاق خير من إلزام المجاهدين بشروط /تحت مسمى ضمانات/ تكبلهم مستقبلا وتضعهم تحت رحمة العدو سواء فى سياستهم الداخلية أو فى تحركهم الخارجى سياسيا واقتصاديا.

– الوقت يعمل لصالح المجاهدين على مستوى العمليات العسكرية وعلى مستوى العمل السياسى . ويعمل عكس مصالح العدو فى نواحى كثيرة حتى داخل صفوفه التى تتفسخ بإستمرار مع إنحدار معنويات قواته ، وتزايد التأييد الشعبى الإيجابى لمجاهدى طالبان . كما يعمل ضد مصالح العدو فى المستوى الإقليمى وعلى مستوى العالم . حيث الولايات المتحدة منشغلة بمحاربة العالم أجمع تجاريا وسياسيا تحت شعار نازى هو (أمريكا أولا)، الذى وسع قاعدة عداء الشعوب والحكومات لها . وهى مهددة بإنفجار إجتماعى داخلى سيأتى حتما فى وقت ما ، وكلما تأخر كان أشد دماراً . ورئيس الدولة الأمريكية وصفة أقرب مساعدوه بالجنون والعنصرية والكذب وارتكاب مخالفات جسيمة للقانون والدستور قبل وبعد توليه الرئاسة . كما أنه لا يحظى بإحترام أو ثقة أحد داخل أمريكا أو خارجها ، سوى العنصريين القتلة فى الداخل ، وإسرائيل فى الخارج وخلفها قطيع من سقط المتاع ، ومن كلاب الصيد وأبقار الحليب.

(وإن غدا لناظره قريب ) .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/02/2019

www.mafa.world

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض




ملا عبدالغنی برادر

المفاوضات الأمريكية الأفغانية : فاصل سياسى بين حربين

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   06/02/2019

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

المفاوضات الأمريكية الأفغانية : فاصل سياسى بين حربين 

ستة أيام والمفاض الأمريكى “خليل زاد” يصلى جماعة مع مفاوضى طالبان .. ولكن بدون وضوء .. ومع ذلك لم يحصل على ما يريد من تعهدات .

 

لدى الرئيس ترامب أمل ضعيف فى نجاح مفاوضاته مع حركة طالبان . كان رهانه الأكبر من مقامرة التفاوض هو غواية حركة طالبان بدخول (بيت الطاعة) والإنخراط فى بوتقة الفساد ضمن نظام كابل ، فلا تخرج منها أبدا وتنشغل مع الآخرين فى معارك الفاسدين حول تكديس الأموال الحرام والسلطة ، وتحالفات الإفساد ، والجميع مرتكز على دعم الإحتلال وتلاعبه بموازين القوى بين حيتان النظام الآسن .

ذلك الرهان الكبير يبدو أنه سقط بشكل لم يتوقعه المقامر الأمريكى، لأن ثورة داخلية فى حركة طالبان أطاحت بالوساطات المتواطئة التى تتظاهر برعاية المفاوضات لتتسلل إلى داخل الضمير التفاوضى وتؤثر على بعض النافذين .

قمة التواطؤ كانت عند (الراعى) الخليجى ، الذى لم يكن سوى ذئب متمرس على إفتراس الثورات ، وقتلها ، أو أخذها بعيدا عن مراد الثائرين . كما حدث مع آخر محاولة للشعوب العربية للإنعتاق ، حتى أجهض ثورتها (إبن آوى) النفطى ، وحولها إلى (ربيع عربى) ، هو مأساة كاملة ، أحبطت أمال التغيير لأجيال كثيرة قادمة ، نرجو ألا تكون أبدية .

وبدلا عن أمال عريضة (بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانسة ) أخذنا (إبن آوى) النفطى إلى ما هو أكثر من التطبيع مع إسرائيل ، فباعنا بالكامل(حاضراً ومستقبلاً ـ دنيا ودينا ـ كرامة وشرفا) إلى المرابى اليهودى .

المجاهدون الأفغان فى الداخل يتساءلوا : لماذا نفاوض؟؟ .. نحن ننتصر وهم ينسحبون، والجيش والشرطة لا كفاءة لهم فى القتال سوى قتل المدنيين ، وأجهزتهم تذوب بالتدريج .  والأمريكيون دخلوا بلادنا بلا تفاوض ولا طلب ، وعليهم أن يخرجوا بنفس الطريقة .

القيادة الجهادية جعلت الجهاز السياسى جزءا من القوة القتالية . وأختير وزير الخارجية من الجنرالات الكبار ، تعبيرا عن أن المعركة السياسية ليست منفصلة عن العمل العسكرى بل مندمجة معه بالكامل.

 * جنرال يقود فى الميدان ، ومن الميدان يذهب جنرال آخر للتفاوض ويدير معركته السياسية وسط كمائن التفاوض والوسطاء الملغومين .

جاء إلى صدارة الجهاز السياسى ، وكبيرا للمفاوضين ، ذلك القائد الصلب(ملا برادر) بطل معارك ولاية هلمند عام2009 الذى تصدى لحملة الرئيس أوباما ، التى أسماها “الخنجر” وضمت 30,000  جندى أمريكى غير البريطانيين والأفغان .

ولكن (ملا برادر) كسر نصل الخنجر وحوله إلى خيبة أمل ويقين بأن الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان أضحت قدراً مقدورا . “ملا برادر” أعْتُقِلْ وسُجِنْ فى باكستان لمدة ثمان سنوات، خضع خلالها للتعذيب المعتاد . ولما خرج من سجنه أراد التوجه إلى جبهة القتال ، ولكن القيادة العليا عيَّنَتْه جنرالا فى معركة التفاوض . وكما قلب موازين هلمند على رأس جيش أوباما، قلب موازين موائد القمار السياسى فوق رأس المقامر ترامب ورؤوس( أبناء آوى) النفطيون .

 يقول المقامر الأمريكى: فليتفاوض الأفغان مع بعضهم البعض ، وليتفقوا على حل سياسى(أى تقاسم للسلطة) . فدستور تلك السلطة قائم على محورية الإحتلال والتحالف الإستراتيجى معه ، وفقا لديموقراطية الهيرويين ، حيث كابل عاصمة الألاعيب الصغيرة وبهرجة السياسة والإعلام . أما عاصمة المال والحرب والسياسة فهى قاعدة بجرام الجوية ،  عاصمة أفغانستان الفعلية، وعاصمة صناعة الهيرويين فى العالم بلا منازع .. وبلا حسد أو ضغينة .

وليس الهيرويين هو أداة الدمار الشامل الوحيدة فى بجرام ، بل أن الصواريخ النووية المتوسطة المدى ستتواجد لتهديد الجيران (الصين روسيا إيران) أى تهديد العالم بحرب نووية.  وقتها سيقتنع العالم أن الموت بالهيرويين أهون وأسهل ، ومن الأفضل القبول بوضعية بجرام كمصنع دولى للموت الرحيم .

تصدى ملا برادر للمؤامرة الأمريكية ، فقلب طاولة المقامرة السياسية الدائرة فى عَبَقْ من التآمر النفطى، وحولها إلى ساحة لمعركة سياسية حقيقية . مدركا أنها مجرد فاصل سياسى بين حربين ، مختلفتين فى الطابع ومتحدتين فى الأهداف .

إستراتيجية التفاوض أصبحت أكثر تحديدا بإزالة العديد من نقاط التشويش.الطرح التفاوضى لطالبان يقول بأن المحور الأساسى للتفاوض هو الإنسحاب الأمريكى الكامل ، وما سوى ذلك هو نقاط فرعية . أما التفاوض مع حكومة كابل فهو مستحيل فى وجود الإحتلال ، لأن تلك الحكومة مشكلة داخلية بحتة سيتم حلها لاحقا وفقا للأساليب الأفغانية التقليدية وبدون تدخل خارجى من أى طرف.

المفاوض الأمريكى من أصل أفغانى “زلماى خليل زاد” طلب من المفاوض الجهادى وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض كلها / مع الأمريكى أو مع الطرف الحكومى/ ولكن الجنرالات الجهاديون يكتشفون الخدعة بسهولة . فإذا توقفت لغة البنادق لصالح لغة التفاوض فلن يخرج جيش الإحتلال أبدا ، ولن ينتهى التفاوض ، وسيبقى الوضع الإحتلالى على ما هو عليه . وتننتهى أسطورة أفغانستان كصخرة تتحطم عليها الغزوات والإمبراطوريات ، وتتحول إلى مجرد جمهورية هيرويين تديرها المخابرات الأمريكية .

مطالب أمريكية مرفوضة، وعقاب للمفاوض الأمريكى :

 “خليل زاد”طالب الوفد الأفغانى أن يتعهد بعدم جعل أفغانستان “ملاذا للمتمردين” الذين يهددون الولايات المتحدة . فتعهد الأفغان بألا تكون أراضى بلادهم منصة لتهديد الجيران ، أما التعهد لأمريكا بشئ من ذلك فمعناه تحمل المسئولية عن عمليات الحادى عشر من سبتمبر ، وهو الشئ الذى عجزت الولايات المتحدة عن تقديم أى دليل بشأنه . كما أن تقديم أى تعهد مثل ذلك للأمريكيين سيكون ذريعة دائمة لتدخلهم فى الشئون الداخلية للأفغان ، ومادة للتشنيع وفرض عقوبات وربما ضربات عسكرية كما حدث فى تسعينات القرن الماضى ، وبدون أن يقدموا أى دليل سوى (كلمة شرف) أمريكية معززة بصواريخ كروز وطائرات الدرون.

  *    لم يوافق وفد طالبان على الطلبات الأمريكية ولكنهم فى المقابل عاقبوا “خليل زاد” على تذاكيه فاعتمدوا على تكتيك الإطالة فى جلسات التفاوض حتى دخول وقت الصلاة . فينهضون لأدائها فى جماعة ، فيضطر “خليل زاد” إلى الإنضمام إليهم ، إثباتا لإسلامه وأفغانيته الأصيلة. ولمدة ستة أيام صلى “خليل زاد” معظم  فرائض الصلاة اليومية مع الوفد الأفغانى الذى كان أعضاؤه يضحكون فى أكمامهم على الورطة التى وقع فيها المندوب الأمريكى . والغريب أنه عند كل صلاة كان يدعى أنه مازال على وضوء “!!”.

لاحظ الوفد الأفغانى المفاوض أن تلك لم تكن الورطة الوحيدة التى أوقعوا فيها المفاوض الأمريكى . ولكن الأشد منها أنه كمدمن تغريد  على “تويتر”، لم يتمكن من إرسال تغريدة واحدة لمدة ثلاثة أيام متواصلة . وكان وفد طالبان متعمدا قد وضعه فى أجواء تفاوضية ساخنة ومتلاحقة أنسته التغريد كما أرغمته على صلاة الجماعة ، ولو بدون وضوء.

الوقت اللازم لسحب القوات الأمريكية :

أجاد الأمريكيون إستغلال “حادثة التفاوض” فى إطلاق سيل من الإشاعات للتأثير على الوضع الداخلى فى أفغانستان لغير صالح طالبان.

قالت إحدى الإشاعات أن هناك إتفاقا على فترة إنسحاب للقوات الأمريكية مدتها 18 شهرا . وفى ذلك تحايل حتى يضع المجاهدون السلاح تحت وَهْمْ سلام قادم بعد تلك المهلة، ثم يصحون بعد إنتهائها على نقض الأمريكيين للإتفاق كالعادة ، واستمرار الإحتلال بعد أن  تراخى المجاهدون وانصرفوا إلى حياتهم العادية .

إن الجيش السوفيتى بتعداد 150 ألف جندى غادروا أفغانستان فى ستة أشهر أو أقل بعدة أيام. فكيف يحتاج الجيش الأمريكى  بتعداد 15 ألف إلى 18 شهرا ؟؟. وبعملية حسابية بسيطة نجد أن الأمريكيين فى حاجة إلى 18 يوما فقط لإتمام الإنسحاب . مع العلم أن المعدات الأمريكية تعتمد على التكنولوجيا المتطورة وليس الأعداد الكبيرة والأحجام الضخمة كما كان حال السوفييت. الأمريكيون يحتاجون عمليا إلى ثلاثة أيام أو أربعة على أبعد تقدير للإنسحاب من أفغانستان . فقدراتهم على النقل الجوى تتخطى بمراحل قدرات السوفيتت فى الثمانينات ، الذين كان معظم إنسحابهم يتم بريا مصطحبين معهم آلاف المعدات والأسلحة الثقيلة ، التى كانت عبئا فى الحركة ، وبشكل ما كانت من أسباب هزيمتهم فى أفغانستان .

لم يعد التفاوض ساحة للمقامرة الأمريكية ، بعد أن دفعت حركة طالبان بأحد جنرالاتها العظام إلى ساحة التفاوض ، فمن المستحيل خداعة أو إستدراجه إلى كمين أو تطويقه . ويمكن للأمريكيين إستشارة رئيسهم السابق أوباما حول طبيعة ” الملا برادر” وإمكاناته .

وعلى الأغلب فإن أى جولة تفاوض قادمة لن تتقدم كثيرا. وسيتجه الطرفان صوب الإحتكام إلى الميدان . لا سبيل أمام ترامب سوى الإنسحاب من أفغانستان ، وقد يحصل فى المقابل على ضمان لسلامة الجنود الذين سينسحبون طبقا لخطة معلنة سلفا . هذا وإلا فإن أى عملية إنسحاب لم يتم إخطار طالبان بها ربما تتعرض لهجمات سيكون هو المسئول عن نتائجها .

الجيش الأمريكى ينسحب ، وجيش المرتزقة يبدأ حربا جديدة :

هناك خطر كبير يلوح فى الأفق . ذلك أن قوات المرتزقة فى أفغانستان ظلت هى الحاضر الكبير فى تنفيذ إستراتيجية ترامب التى أعلنها فى العام الماضى ، ومع ذلك لا يجرى ذكرها فى جدول التفاوض ، ويجرى تجاهل بحث مستقبلها ، تماما كما يتجاهل الأمريكيون ذكرالمرتزقة فى قائمة الخسائر البشرية. كما يتجاهلون ذكر عملياتهم الإجرامية ضد المدنيين.

هناك من الدلائل ما يشير إلى أن هؤلاء المرتزقة قد يستأنفون حربا غير معلنة فى أفغانستان ، تستكمل أهداف الحرب الحالية ، أو معظم أهدافها على الأقل . وأعداد المرتزقة غير معلومة بدقة ، ومن الطبيعى أن يعتبرها الأمريكيون أحد أسرارهم العسكرية . ولكن يعتقد أن أعدادهم قد تخطت ضعف القوات الأمريكية ، أى أنهم ومنذ فترة يشكلون القوة الضاربة الأساسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان.

سبق أن دار حديث فى الولايات المتحدة عن خصخصة الحرب فى أفغانستان لصالح جيش من المرتزقة يقوده الملياردير (إريك دين برنس) المؤسس الدولى لشركات المرتزقة ومن بينها “بلاك ووتر” سيئة الذكر . برنس ومشروعه الأفغانى يستلهم تجربة الإستعمار البريطانى مع شركة الهند الشرقة التى إستولت على الهند لمصلحة التاج البريطانى ثم حولتها إلى مزرعة ضخمة للأفيون ، الذى فرضت إستخدامه على الصين ، واحتاج ذلك إلى حربين طاحنتين ساهمت فيهما معظم الدول التى شاركت فى الحرب الأخيرة على أفغانستان ، والتى أسميناها حرب الأفيون الثالثة !!.

قال ترامب أنه سينسحب من أفغانستان تاركا هناك وحدة عسكرية صغيرة ووحدة من المخابرات الأمريكية . ومعلوم أن المخابرات الأمريكية هى التى تقود الحرب فى أفغانستان ، وتدير برنامج الإغتيالات بواسطة الطائرات عديمة الطيار . وأن الجيش الأمريكى يأتى فى وضعية المساعد ، بينما المرتزقة الدوليون هم القوة الضاربة الأساسية فى المعارك الأرضية وفى الغارات على القرى بالقوات المنقولة جوا . أما القوات المحلية فتوضع فى مقدمة العمليات الأرضية لتتلقى الضربات الأساسية .

جيش الملياردير “برنس” حدد معظم ملامح حربه فى سبيل الهيرويين لمرحلة ما بعد إنسحاب الجيش الأمريكى الذى لم يعد له دور يذكر فيما يدور الآن من معارك فى أفغانستان ، ولن يكون له فى المستقبل أى دور سوى الإشراف من قريب على ما يجرى من معارك على يد جيش الملياردير “برنس” المدار بواسطة المخابرات المركزية .

إذا أصرت حركة طالبان على موقفها الحالى ــ وهى حتما ستفعل ــ فربما يتم تفكيك مصانع الهيرويين العملاقة فى مطار بجرام ، للتتوزع الصناعة على عدة مناطق تحميها  مليشيات محلية مدعومة بقوات “برنس”، ويتصدر واجهة كل منطقة أحد لوردات الحرب المحليين . ولذلك أبعاد لاشك فيها على السياسة الداخلية لأفغانستان ، وانعكاس على الوضع الأمنى للبلاد وردود فعل من الدول المحيطة . أى أنها حرب هيرويين أخرى فى ثوب جديد.  ومن المرجح أن أمبراطورية “برنس” للهيرويين ستلامس نهر جيحون ، وتصل خطوط عملها اللوجستى إلى ميناء كراتشى فى باكستان ، وهى إمبراطورية لابد أن تكون مقسمة إلى قطاعات إنتاجية وإدارية منفصلة ، لكن تحت إدارة واحدة للمخابرات الأمريكية . وبنادق مرتزقة الملياردير “برنس” ، وقوات من ميليشيا محلية ستدعم عسكريا وتتصدى للمخاطر العاجلة.

أفغانستان: مستعمرة نفط أم مستعمرة هيرويين ؟؟.

قال أحد حيتان النفط فى الولايات المتحدة قبل أن تشن بلاده حربا على أفغانستان ، أنهم سيحولون أفغانستان إلى (مستعمرة نفطية)، فأين ذلك الحلم الآن ؟؟ . لقد نجحوا فى تحويل أفغانستان إلى (مستعمرة هيرويين) وعملوا على ذلك منذ لحظة إحتلالهم الأولى، بما يشير إلى أن ذلك كان الأولوية المتقدمة لحربهم، رغم عدم إعلانهم عن ذلك . وفى العادة فإن الأهداف الكبرى لايعلن عنها أبدا ، أو يعلن عنها فى الأخير جدا بعد أن يتم إنجاز المهمة . ولكنهم لم يتنازلوا تماما عن  فكرة المستعمرة النفطية . فمفاوضهم الرئيسى الحالى “زلماى خليل زاد” كان يفاوض طالبان فى بداية عهدهم فى الحكم حول خطوط نقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى باكستان عبر أفغانستان . ولكن فشلت عمليات التفاوض الذى شارك فيها العديدون ومنهم حميد كرزاى أول رئيس عينه الإحتلال الأمريكى، وقد كان مستشارا لشركة “يونيكال” النفطية الأمريكية ، كما هو حال “خليل زاد”.

الفارق بين المشروعين هو أن مشروع الهيروين لا يستلزم أكثر من السيطرة على العاصمة وعدد محدود جدا من الولايات الجنوبية / خاصة قندهار وهلمند/ التى ركز فيهما الأمريكيون أكثر قوتهم الضاربة ومعهم أقرب الحلفاء من بريطانيين واستراليين وكنديين وإماراتيين .

وبإستخدام التكنولوجيا المتقدمة / التى لا يمتلكها غير الأمريكيين/ فإن الآلات الحديثة المحدودة الحجم تنتج بلورات الهيرويين كامل النقاء ، الأغلى سعرا والأسهل من حيث النقل والتهريب.

لكن مشروع أنابيب النفط يحتاج إلى إحتلال مساحات كبيرة جدا من الأرض عبر عدد من الولايات . وذلك واضح الإستحالة الآن وسابقا . لهذا نشاهد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى وهم يصدرون قانونا بمنع الإنسحاب الأمريكى من أفغانستان . وهؤلاء هم “شيوخ” النفط الأمريكيون الذين خرج سادتهم فى شركات النفط صفر الأيدى من حرب إستمرت 17 عاما ولم يظهر فيها أى أمل على خط أنابيب قادم من آسيا الوسطى .

الأمريكى “خليل زاد” مازال يحتل موقعه على طاولة المفاوضات ، فهل ضاع أمله فى إيجاد مستعمرة نفطية فى أفغانستان ، بعد أن تحولت المفاوضات من مقامرة أمريكية إلى ساحة حرب أفغانية ، يقودها واحد من أكثر جنرالات المجاهدين صلابة وعنادا ؟؟.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ملا عبدالغنی برادر