السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)




الجهاد : إلى أين ؟؟

مع بيان الدكتور أيمن الظواهرى ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”.. الجهاد : إلى أين ؟؟

مع بيان الدكتور أيمن الظواهرى ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”

الجهاد : إلى أين ؟؟

 

العناوين:

– لم تعد تجدى الخطابات العامة ، أو الأهداف التى لا تناسب الوسائل الممكنة .

–  شعاراتنا توحد العدو وتشتت صفوفنا ، وهى خيالية وبعيدة عن المهام العاجلة .

– بعد رحيل بن لادن لم تظهر قيادة جهادية على نفس القدر . والعمل الجهادى صار شعارا للفرقة والفوضى ، ولم يعد أملا بقدر ما أصبح خطرا.

– إستمرت “القاعدة” فى تبنى العمليات الخارجية ضد الولايات المتحدة ، بدون إدراك لدوافع بن لادن فى تبنيها، أو إدراك لخطورة الأضرار التى ترتبت عليها .

– تبين دور الطائفية والمذهبية ودعاوى التفتت والصراع الداخلى ، فى إضعاف الأمة .

– ليس هناك عدو بديلا عن إسرائيل ، ويجب وقف الصراع المفتعل بين السنة والشيعة والتوجه جميعا لتحرير المقدسات وفلسطين .

– الداعشية أهم أسلحة الغرب فى “حروبه الهجينة” ضد المسلمين ، من أفغانستان إلى فلسطين ، فى “جهاد” داعشى لمنع وحدة الأمة .

– كل من يسحب المسلمين إلى صراع ثانوى بعيدا عن هدفهم الأساسى ، هو العدوالحقيقى سواء كان سنيا أو شيعياً .

–  تحولت الشعارات الإسلامية الكبرى إلى مجرد صناديق فارغة ، يعبئها من يريد بما يريد من معانى وأهداف .

–  دولة الخلافة ، هل ستكون راشدة بالفعل وسط أعاصير الموبقات الإقتصادية والثقافية والدينية التى تفترس البشرية ؟؟ .

ــ وهل ستظل راشدة وهى بلا إقتصاد أو صناعة أو سلاح متطور وتعليم حديث ، وبلا وحدة إسلامية عظمى تخلق سوقا متكاملا وإمكانية دفاع فعال ؟؟ . وهل هى نموذج مستقل وقدوة ، أم مجرد نموذج مخادع منخرط فى نفس المهزلة الدولية؟؟.

– هل يكون مجلس الشورى هيئة للرقابة والمحاسبة ، أم مجرد مجلس للأنس والظرف إلى جانب الأمير ؟؟. أم يتحول مجلس الشورى إلى نقابة لحيتان الطغيان والفساد ؟؟.

–  الشريعة هى البناء الفوقى للدولة الإسلامية ، والإقتصاد هو بنيتها التحتية . والربا أكبر التحديات أمام تطبيق الشريعة .

– النظام الربوي حول الإنسان إلى ماكينة تعمل بكد وتستهلك بجنون وتستدين بسفه. فالإنسان يعمل أجيرا لديهم ، ويستهلك منتجات مصانعهم ، وتستعبده قروض بنوكهم .

– من مستلزمات نظام الربا الدولى تعميم الظلم الفادح فى توزيع الثروات ، لخلق طبقة فاحشة الثراء ، خائنة لدينها وشعبها .

– ليست الأمم المتحدة ، بل سقوط الإمبراطورية العثمانية كان هو الضياع الحقيقى لفلسطين ، وما حدث بعد ذلك كان تحصيل حاصل .

– ليس هناك شرف أو فروسية فى مجتمع الذئاب الدولى . فكل دولة حسب قدراتها ، تدخل فى تحالفات أو تخرج منها حسب المصلحة .

– بدون الفرائس الغبية والعاجزة، لا تدوم حياة الوحوش الكاسرة فى غابة العالم المتحضر.

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

الجهاد : إلى أين ؟؟
اضغظ علي الصورة لتحميل المقالة PDF

 

 

 (الحلقة الأولى / من 3)

الأخ الدكتور أيمن الظواهرى .. السلام عليكم .

أكتب إليكم هذه الرسالة من أجل المزيد من البحث حول العناوين الهامة التى جاءت فى رسالتكم الأخيرة تحت عنوان “أمريكا عدوة المسلمين الأولى” ، والتى أرى فيها إقترابا ملموسا من خط الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله ، الذى حدده لتنظيم القاعدة ، والذى كان صالحا لأن يكون خطاً عاما لحركة جهادية شاملة . لولا عدة عوامل منها :

ــ أن ذلك التوجه الاستراتيجى تعرض للتبديل إلى مسارات أبعد ، ولم يسانده تخطيط لعمل دائم ومستمر فى نفس الإتجاه .

والعذر قد يكون فى ضراوة المعركة التى جابهت القاعدة ، وشتت قواها . وتعرض الشيخ نفسه لمطاردة وفترة إختباء طويلة .

ــ التوجيه الإستراتيجى الذى يمكن تسميته بالتوجيه الأول ، جاء فى بيان إعلان الجهاد الذى أطلقه الشيخ رحمه الله من جبال تورابورا فى أكتوبر 1996 ، داعيا إلى ” تحرير جزيرة العرب من المشركين”، الذى سريعا ما أصبح”تحرير المقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب وفلسطين” . وكان تطويرا طبيعيا ومتماشيا مع التوجيه الأصلى .

ــ ثم جاءت دعوة الشيخ إلى ضرب الأمريكيين فى كل مكان ، وفتح حرب شاملة ضد الولايات المتحدة وجميع مصالحها وجميع حاملى جنسيتها حول العالم .

فبدأت مرحلة من التشتت والضياع الاستراتيجى ، لعدم واقعية الهدف من جهة ، ولعدم مناسبة الإمكانات المتاحة لتحقيق شئ ذى جدوى، ثم كان ذلك التوجيه مثار خلاف وبلبلة وعدم قبول من الرأى الإسلامى العام .

فجميع ما تحقق من عمليات ضد الأمريكيين ، من بعد عملية 11 سبتمبر وحتى الآن ، سواء داخل أمريكا أو حول العالم ، لم يؤثر بشئ على القدرات الأمريكية بل لم يحقق نجاحاً تكتيكيا يذكر . فكان التأثير المعنوى سيئا فى صفوف المسلمين لعدم قناعتهم بما يحدث وبسبب عنف الرد الأمريكى وشموله ، وهو ما تسمح به إمكاناتها الهائلة ، وقدرتها على حشد تحالفات وتحريك مؤسسات دولية ، فدمرت البنية التحتية البسيطة لمعظم التنظيمات الجهادية ، بل عرقلت حركة الإسلام كدين وأضرت بمصالح المسلمين وسمعتهم فى معظم بلاد العالم . واقترن إسم الإسلام بالتطرف ، وأصبحت كلمة (إرهاب) بديلا عن كلمة (جهاد) . والتيار الجهادى لم يتمكن من معالجة شئ من تلك الآثار السيئة ، بل ظهرت فيه المزيد من الإنحرافات الجسيمة .. منها :

ــ التطرف الفقهى الذى تحول لدى كثيرين إلى تخلى كامل عن أحكام الدين مع وحشية فى التعامل مع الخصوم والجمهور . وبعد أن كانت (القاعده) هى شعارا للجهاد السلفى فى مرحلة من (1988 حتى 2003) ، أصبح  الشعار هو تنظيم داعش ، أو الداعشية كمنهج وحشى منفلت منذ عام 2014 . وعلى نفس المنوال وتحت شعار (الجهاد) ظهرت تنظيمات كثيرة تؤدى نفس الوظيفة ، حتى صار عددها بالمئات.

ــ تحول” الجهاد ” إلى عمل إرتزاقى لدى الأغلبية من التنظيمات ، بدوافع متعددة تبدأ من البحث عن الشهرة والزعامة ، وصولا إلى البحث عن المال والسلاح والنفوذ. مع الإحتفاط بإحترام خاص لمجاهدى اليمن المدافعين عن بلادهم ضد الغزوة الصهيونية/ السعودية.

ــ فيما عدا القدرة على القتل ونشر الفوضى ، تدنى مستوى الجماعات التى تدعى الجهاد على جميع المستويات خاصة الدينية والأخلاقية ، مع جهالة سياسية شبه تامة ، حتى أضحت كيانات فارغة سياسيا يملؤها العدو وأعوانه الخليجيين بما شاءوا من تعبئة دعائية فاسدة ، تضلل الفكر ليكون ظهيرا كاملا للعمل المنحرف المسمى”جهادا” . فأصيبت تلك التنظيمات بالعمى السياسى وعجزت عن فهم وتحليل الواقع الذى تخوض فيه معاركها . والدليل الواضح هو ما حدث فى سوريا من لحظة التورط الأولى وحتى الآن ، حيث الخسائر فادحة والهزيمة الكاملة باتت قاب قوسين أو أدنى . ودول العالم الكبرى ودول الإقليم الأساسية إقتحمت المجال السورى دفاعا عن مصالحها ، وفى مقدمة الجميع كانت إسرائيل . ومع ذلك يبحث (الجهاديون) عن وَهْمٍ لم يكن مطروحا للبحث فى أى لحظة داخل سوريا ويسمى (دولة لأهل السنة فى سوريا ) وهو شعار رفعته (الجماعات المسلحة) القادمة من خارج سوريا ، بتوجيه من مشيخات النفط التى تمول حرب تلك الجماعات. وفرضت شعارها المصطنع على (الساحة الجهادية) هناك ، بلا ظهير شعبى يطالب بتلك الفرضية الهلامية ، التى تعمق طائفية الإسلام الجهادى ، الذى قاتل بطريقة كارثية فى قلب المدن ومن وسط المدنيين الذين أعتبرهم مثل أكياس الرمل فى المتاريس ، بما يجعل تلك الجماعات المسئول الأول عما لحق بالشعب السورى من مصائب وما أصاب سوريا من خراب ، وتمزق لكيانها الصغير أساساً .

 ــ تدنى مستوى القيادات (الجهادية) إلى مستوى عملاء لقوى إقليمية أو دولية ، وتحول جهادهم إلى مقاولات قتالية تخضع لمنطق الأعمال التجارية ، وليس ذلك النشاط الدعوى الجهادى العقائدى، كما كان يفترض أن يكون .

ــ منذ رحيل بن لادن ، لم تظهر أى قيادة جهادية بنفس القدر . والعمل الجهادى نفسه أصبح شعارا للفرقة الإسلامية والفوضى ، ولم يعد هو أمل المسلمين فى الخلاص بقدر ما أصبح خطرا يهدد بلادهم وأمنهم .

ويفتقد العمل الجهادى إلى شخصية جامعة وقادرة على إستيعاب طبيعة التحديات وطرح الحلول ، ومراعاة مصالح الأمة الواحدة ، وليس التنظيم المتفرد والقائد الأوحد .

ــ وقعت الحركة الجهادية “السنية !!” فى مصيدة الإستتباع الكامل لمشيخات النفط . الذى بدأ عقائديا فى السبعينات ، وإنتهى إلى إستتباع مالى وسياسى وعسكرى حاليا .

ومن الواضح للجميع أن تحالفا وثيقا يقوم بين مشيخات النفط وبين إسرائيل ، وبطبيعة الأشياء فإن التيار الجهادى (السنى) يقف فعليا فى نهاية صف المتعاونين مع إسرائيل وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة . وفى ذلك إختطاف للعمل الجهادى ، أو بالأحرى فريضة الجهاد التى هى عماد الدفاع عن الدين والأمة وأرواح العباد وسلامة البلاد .

وفات علينا منذ عقود أن الإسلام نفسه قد إختطفته بريطانيا “العظمى” بواسطة الحركة الوهابية وآل سعود . أو بمعنى أصح ، تعامى المسلمون عن تلك الحقيقة ، بعد أن أعشى أبصارهم بريق الذهب النفطى الذى نثره آل سعود بغير حساب للإضرار بالإسلام والإمساك بزمام الدين كله لمصلحة بريطانيا ، بواسطة الوهابية والذهب السعودى والحرمين الأسيرين فى مكة والمدينة .

ــ تحول الزمام الآن إلى يد إسرائيل مباشرة . التى فى يدها الآن مقدساتنا الثلاثة فى مكة والمدينة والقدس ، مع تحول التبعية الخليجية إلى إسرائيل (بمباركة ورعاية أمريكية) وتحول السعودية (ومعها أبوظبى) إلى رأس رمح للمشاريع الصهيونية فى بلاد العرب والمسلمين بل والعالم كله ، حتى فى تمويل الحملات الإنتخابية فى الولايات المتحدة . فأصبح المسلمون ومعتقداتهم وجهادهم وكامل دينهم فى أخطر الأوضاع التى مرت بهم عبر تاريخهم كله.

ولم تعد تجدى الخطابات العامة ، أو الأهداف التى لا تناسب الإمكانات الممكن توفيرها . ولم يعد يجدى مجرد رفض (وشجب واستنكار) الواقع المرير والإتجاهات المميتة فى سياسات الحكومات والجماعات الإسلامية ، والعلمانية .

ــ وقد تبين مدى ضرر الطائفية والمذهبية ودعاوى التفتت والصراع الداخلى فى إضعاف بل وتصفية مادية للأمة ومعتقداتها .

يجب وقف الصراع المذهبى ، وتحديدا الصراع المفتعل بين السنة والشيعة ، والقتال الداخلى بشتى عناوينه ، والتوجه جميعا إلى هدف أساسى واحد . فليس هناك عدو بديلا عن إسرائيل ، وكل من يسحب المسلمين إلى صراع ثانوى بعيدا عن هدف تحرير المنطقة والمقدسات الإسلامية من الإحتلال الإسرائيلى الأمريكى ، هو العدو الحقيقى مهما كان الشعار الذى يرفعه ، حتى لو بدا إسلاميا “متطرفا” فى وهابيته أو فى تشيعه.

فإذا كان الأعداء إتحدوا لإستئصالنا ــ كما جاء فى بيانكم المذكور ــ فليس أقل من أن نتجمع من أجل الدفاع عن أرواحنا وديننا وأراضينا وأجيالنا القادمة حتى لا تنشأ فى التيه الإعتقادى ، مع دين جديد يجهزه بن سلمان والصهاينة ، والضياع فى بلاد الغرب ، محتقرين ومطاردين ومكروهين ، بلا وطن ولا أمل ولا مستقبل . فكيف نقابل كل ذلك بحركة إسلامية أشد ضياعا، وحركة جهادية تابعة للعدو ، وليست قائدة للمسلمين أومدافعة عنهم ؟؟ .

ــ الفكر السلفى من أساسه يركز على المذهبية والطائفية . وجاءت الوهابية لتحدثنا عن (توحيد) عماده التكفير وتسليط السيف على رقاب المسلمين . حتى جاءت الداعشية ، فى مسار منطقى وطبيعى ضمن السياق التطورى للوهابية ، لتزيل أى عوائق من دين تحول بينها وبين كامل التوحش وإبادة الأمة ، وكأنها يد إسرائيل تعمل من خلف قفاز إسلامى رقيق . حتى صارت فى طليعة جيوش الغزو وأهم أسلحة (الحروب الهجينة) التى تشمل عناصر من مكونات حروب قديمة وحديثة ، نفسية وتكنولوجية . ليصبح الجهاد السلفى فى أعلى مراحله الداعشية ، جهادا هجينا ، وفى طليعة أدوات حروب إسرائيل وأمريكا على المسلمين من أفغانستان إلى فلسطين. جهادا يمنع وحدة المسلمين ، بل يزيد من تمزقهم . حتى جعل من إتحاد العمل الإسلامى (عموما) ، والجهادى خصوصا ، أشبه بالمستحيلات .

 

قوالب فارغة ، وشعارات كبرى بلا محتوى :

تحولت الشعارات الإسلامية الكبرى إلى مجرد صناديق فارغة ، يعبئها من يريد بما يريد من معانى وأهداف . فأصبح من الضرورى على من يريد إستخدام تلك المصطلحات أن يرفق بها مذكرة تفسيرية لما يعنيه من شعارات مثل : حاكمية الشريعة ، الشورى ، الخلافة الراشدة ، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والتوحيد ، والدعوة ، وصولا إلى الجهاد فى سبيل الله .

فتجارب المسلمين فى العقود الثلاثة الأخيرة أظهرت سؤ إستعمال تلك المصطلحات ، واستخدمها للإثارة العاطفية ، مع تطبيقات مخالفة تماما للمقصود الحقيقى منها .

تلك العقود الثلاثة بينت أبعادا لم تكن ظاهرة بما يكفى فى تجارب إسلامية أقدم عُمْراً ، خاصة تجارب (نجد) وشبه جزيرة العرب ، والحكم (الإسلامى) لآل سعود ، وتطبيقهم للشريعة ، والتوحيد ، والجهاد فى سبيل الله . وهى تجربة ثرية عميقه الأبعاد ويظهر تأثيرها فيما نراه الآن من ضياع لفلسطين ، والردة الضاربة فى جزيرة العرب التى فتحت أبوابها للصهاينة ، ودفعت أموال المسلمين كجزية للأمريكيين لشراء الحماية للحكام وكراسى حكمهم . ومزقت المسلمين إلى معسكرين متحاربين (سنة وشيعة) . يتحد فيها (السنة) مع إسرائيل ضد الشيعة (الأكثر خطرا من أمريكا وإسرائيل !! ) حسب الأدبيات الوهابية الرائجة .

تلك هى مسيرة الوهابية وزحفها التاريخى والجغرافى ، من نجد إلى أقصى العالم الإسلامى من مشرقه إلى مغربه ، فى حملة ضياع وفتنة وتمزق ، وفقدان لهيبه الدين ، وإختلاط لمعانيه وأهدافه ، وإضطراب فى صفوف أتباعه بل وانهيارها .

فالشعارات الفارغة التى نتحدث عنها ، إستخدمتها الوهابية السعوديه طبقا لمفهوم معين ، وطبقها غيرهم فى عدة بلدان ومناسبات ، حتى وصلت الراية ، ومفاهيم الخلافة والشورى والجهاد وأحكام الشريعة إلى أيدى الدواعش .

وكل طرف يرفع نفس الشعارات بدون أن يوضح للمسلمين ماذا يقصد بكل شعار منها ، عمليا وليس بلاغياً شعراً وخطابة وعنعنات . حتى أذا أسعفته “ظروف ما” للوصول إلى الحكم والركوب فوق أعناق المسلمين ، بدأت المفاجآت والمآسى والكوارث .

ــ أما إستخدام الشعارات الإسلامية الكبرى فى عبث الصراع السياسى خلال التجارب “الديموقراطية” التى خالطت كوارث”الربيع العربى”، وفيها زاود التيار الإسلامى بتلك الشعارات على العلمانين لمجرد التنافس على الأصوات الإنتخابية ، بدون أى توجه حقيقى لتطبيقها. وعند وصوله إلى الحكم حافظ التيار الإسلامى على كل ثوابت “النظام الطاغوتى” العميل للإسرائيليين والأمريكيين ، وسيطرة أجهزة القمع وأثرياء المال الحرام ، على مفاصل الحكم والدولة والثروات العامة . فحق فيه المثل القائل ( كأنك يا أبو زيد ما غزيت ) أو كما يقول المصريون ( من “هذه” إلى “تلك”  .. يا قلب لا تحزن).

وتفوق التيار الإسلامى فى ذلك السباق “الديموقراطى الربيعى” بسبب توافر الدعم المالى من مناجم الذهب الخليجى ، مع الإلتصاق التام بالخليج فى العمالة لإسرائيل ومشاريعها فى المنطقة ، حتى فى سرقتها لمياه النيل التى تروى بلاد التنظيم الدولى للجماعة الإسلامية ” الأم” . فما معنى تلك الشعارات العظمى ؟؟ ، وما مدى جديتها لديهم ؟؟ .

–  تلك الشعارات الكبرى لابد أن تحمل موقفا إسلاميا صحيحاً تجاه التحديات الراهنة التى تهدد المسلمين وكافة شعوب الأرض ـ من تغير فى أشكال الإستعمار القديم إلى أشكال جديدة أشد خبثا وفتكا ، وأصعب فى المواجهة . فالإحتلال الإقتصادى وسيطرة الشركات عابرة القارات ، والبنوك الدولية ، والرأسمالية المتوحشة وعبودية القروض ، ونزح ثروات العالم بشكل جائر يهدد حاضر ومستقبل الشعوب التى فقدت ثرواتها وسيادتها ، بل وحتى عقائدها الدينية لصالح ثقافة غربية (متوحشة) تنحط بالإنسان إلى أدنى مراتب الحيوانية والغرائز البدائية ، لما قبل الأديان والحضارات .

أين ستكون ( دولة الخلافة ) من كل ذلك ؟؟.. من الشريعة وأحكامها: فالعبادة لمن ؟ للذهب أم للخالق الرزاق ؟؟  والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، من الذى سيميز المعروف عن المنكر؟؟ ، هل هى الحكومات “الطاغوتية” ؟؟ ، أم الشركات والبنوك الدولية (التى تدير معاهد لتخريج العلماء المسلمين) ؟؟. أم علماء أمن الدولة الطاغوتية ؟؟. أم هم الدواعش وآلاف الجمعيات الدينية المسلحة ؟؟ .

ودولة الخلافة “الراشدة” ، ماهو موقفها من الإستعباد الإقتصادى للشعوب ؟؟. وما الدليل على أنها ستكون راشدة بالفعل وسط أعاصير الموبقات الإقتصادية والثقافية والدينية التى تفترس البشرية؟؟ وهل هى نموذج مستقل وقدوة ، أم مجرد نموذج مخادع منخرط فى نفس المهزلة الدولية ؟؟.

 –  الشورى ،  لم نفرغ حتى الآن من بحث إن كان مُعلِمَة أم مُلزِمَة للأمير أو الخليفة . وكيف نحققها على مستوى شعب صغير أو أمة بمئات الملايين من الرعايا (!!) ؟؟ .

وهل يناط بالشورى وظيفة الرقابة والمحاسبة ، بما يشبه صلاحيات البرلمانات فى الدول الحديثة؟؟ أم أن مجلس الشورى عبارة عن ، مجموعة ما ، منزوعة الصلاحيات ومجرد مجلس للظرف والأنس إلى جانب “ولى الأمر” ؟؟.

وهل أهل الشورى هم نفسهم أهل الحل والعقد؟؟ ، أى كبار حيتان الطغيان والفساد ، فى الإقتصاد والأجهزة الأمنية والعسكرية؟؟ . أم هم البنك الدولى وصندوق النقد ؟؟ ، أم هيئة الدائنين والمانحين وأهل الوصاية الإقتصادية ؟؟ . ودولة الخلافة الراشدة كيف تحافظ على كيانها وسط إقتصاد عالمى تسيطر عليه دول قليلة ، بل حتى أفراد معدودين؟؟ . هل ستظل راشدة وإسلامية وهى بلا إقتصاد ، وبلا صناعة وسلاح متطور أى تعليم حديث ، وبلا وحدة إسلامية عظمى وحقيقية تخلق سوقاً متكاملاً ، يقى سكانه من العقوبات والتجويع والحصار الذى ستفرضه دول (الكفر العالمى)؟؟ ، وحدة تتيح لها إمكانيه دفاع فعال عن كيانها السياسى والعقائدى والإقتصادى . وحدة قد تضم حتى شعوبا مسحوقة ولكنها غير إسلامية ، بل تبحث فقط عن عدالة الإسلام وإنصاف المسلمين . ولذلك سوابق تاريخية عديدة ، يوم كان هناك على الأرض إسلام ومسلمين.

فهل هذه الوحدة تنعقد بالسلفيين فقط ؟؟ ، أم بالوهابيين وحدهم ؟؟ أم بالسنة بلا شيعة وزيديين وأباضية ، ولا أى مذهب ، لا يثبت براءته أمام محاكم تفتيش متعسفة يديرها مرضى عقليين ومنحرفين دينيا ؟؟ .

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

(الحلقة 2 من 3 )

 الوضع الدولى ومصائر المسلمين :

توضح فى كلمتك القيمة { أن كل دول العالم الإسلامى الأعضاء فى الأمم المتحدة قد إعترفت بإسرائيل بتوقيعها على ميثاق الأمم المتحدة ، الذى يؤكد على وحدة وسلامة أراضى كل دولة بما فيها إسرائيل ، واعترفوا أيضا بنفس التوقيع ، بترك التحاكم للشريعة ورضوا بالتحاكم لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة بما فيها قرار التقسيم لعام 1941 وقرار 242 وغيرها من سلسة قرارات الهزيمة والاستسلام } .

ــ تعلمون أن ضياع فلسطين يعود إلى تاريخ أبعد من إنشاء منظمة الأمم المتحدة . فسقوط الإمبراطورية العثمانية كان هو الضياع الحقيقى لفلسطين . وما حدث بعد ذلك كان تحصيل حاصل . بما فيه موافقة الدول العربية والإسلامية على ضياع فلسطين والإعتراف الضمنى أو السرى بإسرائيل. فقيام إسرائيل واستمرار وجودها جاء نتيجة لهزيمة المسلمين أمام حملة صليبية متصلة من الهجوم الحضارى والدينى يشنها عليهم الغرب حتى الآن . واستعادة فلسطين يتم مع إستعادة الوحدة الإسلامية المتحضرة ، الجاهزة لإستعادة حقوقها ، بما فيها حق الوجود الفاعل والعادل على المسرح الدولى .

والأمم المتحدة كمنظمة ، أنشئت لإدارة شئون العالم بما يتوافق مع نتائج الحرب العالمية الثانية وموازين القوة بين المنتصرين ، ولتفادى وقوع حروب أخرى واسعة النطاق ، مع الإبقاء على الصراعات الدائرة بين الدول الكبرى تحت مستوى الحرب الشاملة ، أى تحت مظلة الحروب بالوكالة . والدول الإسلامية كلها تقريبا كانت مستعمرة أو حديثة العهد بإستقلال شكلى ، وتبعية فعلية لمستعمريها القدماء أو الجدد .

وكان التنافس على أشده بين الكتلتين الشرقية والأخرى الغربية ، من أجل الهيمنة على دول العالم الثالث ، لنقلها من نطاق تبعية إلى نطاق تبعية أخر .

والمنظمة الدولية والقانون الدولى كانت / وما زالت/ ذرائع للسيطرة على الضعفاء ولكنها لم تكن ملزمة للأقوياء إلا فى حدود تحقيق المنافع لهم .

وحتى الدول الصغيرة كانت تتملص من تلك القوانين إذا حظيت بدعم كاف من دول كبرى. كما فعلت إسرائيل نفسها بعد صدور قرار التقسيم عام 1947، فوسعت مجال إحتلالها للأرض العربية أكثر بكثير مما نص عليه القرار . واخترقت الهدنة أو إلتزمت بها وفقا للإحتياجات العسكرية لحربها ضد العرب. وحتى لحظتنا هذه فإن الباب مازال مفتوحاً لأى دوله كى تخرج على أى قرار دولى ، إذا أمنت لنفسها الظروف المناسبة لتحقيق مكاسب أكثر تحت غطاء كاف من قوتها الذاتية أو قوتها التحالفية . فليس هناك شرف أو فروسية فى الغابة الدولية ومجتمع الذئاب الدولى . فكل دولة ومهاراتها السياسية وقدراتها العسكرية وقدرتها على عقد التحالفات أو الخروج منها حسب المصلحة .

ــ حتى تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتعلق بدخول الأمم المتحدة أو الخروج منها. وليست الشريعة بديلا عن القانون الدولى أو قرارات الأمم المتحدة ، والعكس صحيح فالقانون الدولى والقرارات الدولية ليست بديلا عن الشريعة ، فتلك المسائل كلها تتعلق بموازين القوى وصراع العقول والأظافر والأنياب . فلا ينبغى إتخاذ عذر أو تبرير لتقاعس أو عجز المسلمين عن تطبيق أى شئ من شرائع دينهم ، فالمسئولية تقع على كاهلهم أولا وأخيرا .

فالغابة الدولية لها قوانينها الإفتراسية ، أى الشريعة الدولية المناسبة لموازين القوى ومقتضيات الصراع الدولى فى لحظة معينة . وهى قوانين رهن التغيير فى أى لحظة تتغير فيها تلك الموازين ، والجميع يدرك ذلك . وللجهل عواقبه الوخيمة ، وبدون الفرائس الغبية والعاجزة ، لا تدوم حياة الوحوش الكاسرة فى غابة العالم المتحضر .

 ــ جميع دول العالم لا تحب أن تسمع كلمة (الشريعة الإسلامية) فهم لم يشاهدوها ولم يختبروها منذ قرون مضت . ولكن القرار الحقيقى هو للمسلمين أنفسهم وليس لسواهم . فعلى المسلمين أن يقاتلوا من أجل تحقيق إتحادهم ثم يقاتلو لأجل تطبيق شرائع دينهم . سوف يحاربهم من يريد حربهم ، سواء طبق فى حربه قوانين دولية أو قرارات أمم متحدة ومجلس أمن ، أو حتى خارج كل ذلك كما تفعل أمريكا الآن فى حروبها ضد المسلمين . حيث تعقد تحالفات مؤقتة خارج كل مؤسسة أو شريعة دولية ، وتشن حروبا وتحتل دول مثل أفغانستان والعراق أو ترسل قواتها الى داخل دول بدون إعلان الحرب عليها (سوريا ، اليمن ، ليبيا ) .

الإنخراط فى مجتمع الأمم المتحدة قد يفيد فى إستطلاع مواقف الدول وكواليس إتصالاتها ومناوراتها ، ولكنه لا يمنع المقدور إذا قررت قوة عظمى أبتلاع دولة صغيرة . والخروج من الأمم المتحدة أيضا لايمنع المقدور ، ولا يجعل الطريق أسهل صوب تطبيق شرائع الإسلام .

فتلك معركه طويلة جدا عسكريا وسياسيا وإقتصاديا وثقافيا ، على المسلمين وحدهم التصدى لها وتحمل تبعاتها .

 

الشريعة هى البناء الفوقى للدولة الإسلامية ،

والإقتصاد هو بنيتها التحتية .

القانون هو البنيان الفوقى لأى نظام سياسى . وهو السياج الذى يحمى بنيانه وقيمه . ويمكن تشبه القانون بالعلم الذى يرفع فوق جبل للإعلان عن هوية من يسيطر عليه .

لذا فمن غير الواقعى الحديث عن تطبيق الشريعة بينما المجتمع لم يكتمل بنائه من منظور إسلامى . فى وقت مبكر يمكن تطبيق بعض الأحكام الشرعية وليس كلها . البعض يظن أن (التعزيرات) والعقوبات الجنائية هى كل الشريعة ، وذلك ليس صحيحاً . وفى ظروف العالم حاليا فإن التحدى الحقيقى أمام تطبيق الشريعة هو الإقتصاد ، حيث يسيطر الربا على الإقتصاد العالمى . وداخل كل دولة وبدون المعاملات البنكية الربوية لم يعد ممكناً إجراء اى معاملة تجارية مهما كان حجمها . ومعلوم أن الربا هو أحد المحرمات الكبرى فى الإسلام . والربا هو كارثة إنسانية شاملة ونزف لثروات البشر إلى أيدى المرابيين الدوليين وبنوكهم الكبرى .

ذلك النظام الإقتصادى الربوى، حول الإنسان إلى ماكينة تعمل بكد وتستهلك بجنون وتستدين إلى درجة السفه. فالإنسان يعمل أجيرا لديهم، ويستهلك منتجات مصانعهم ، وتستعبده بنوكهم بالقروض الربوية .

 فأدى ذلك إلى شتى أنواع الحروب والإضطرابات الإجتماعية ، وسوف يستمر ذلك إلى أن يصبح الربا محرما فى كل الكرة الأرضية ، ويفهم البشر كافة أن الربا / وليس الإرهاب “الإسلامى” / هو العدو الحقيقى للإنسانية كلها . بل هنا تحديدا يمكن القول وبكل ثقة .. أن (الإسلام هو الحل) .

–  ولابد من لفت النظر إلى أنه بسبب الديون والفقر الذى ترزح فيه الشعوب والدول فى ظل النظام الربوى الدولى ، لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل عادل وحقيقى حتى فى مجال العقوبات ــ وهو المجال الوحيد المتاح الآن ــ لأن الفقر هو الأب الشرعى للكفر . فالقتل والزنا  والسرقة وشهادة الزور والرشوة وتعاطى المسكرات والمخدرات إلى آخر قائمة طويلة من الجرائم الكبرى سببها الأساسى هو الفقر . فكيف نطبق الشريعة فى أسهل مجالاتها ، أى العقوبات الشرعية ، من تعزيرات وحدود فى ظل الكفر البواح الناتج عن الفقر؟؟. لابد من التحرر من الفقر ومن مظالم توزيع الثروات على النطاقين الدولى والمحلى ، قبل الكلام عن تطبق كامل وحقيقى للشريعة . هذا إن كنا حقا صادقين فى ذلك الإدعاء ، ولسنا نخادع المسلمين ونتاجر بجهلهم وفقرهم ، من أجل الركوب على أكتافهم ، وإتخاذهم مطايا توصلنا إلى سلطة غشومة ، فنكون طاغوتا جديدا فى السوق السياسى الذى تديره المنظمة الربيوية  الدولية التى تدير باقى العالم .

من مستلزمات النظام الربوى الدولى تعميم الظلم الفادح فى توزيع الثروات داخل كل بلد ، بهدف خلق طبقة فاحشة الثراء، خائنة لدينها وشعبها تساند نظام الربا الدولى ومقتضياته السياسية من قهر وفساد وظلم تحت شعارات كاذبة ومخادعة عن شئ وهمى يسمى ديموقراطية ومجتمع مدنى وحقوق إنسان .

وللخروج من التعامل الربوى لابد من بناء سوق إسلامى ضخم لا يتعامل بالربا ولا يخضع لإملاءات الكتلة الإقتصادية العظمى التى تسيطر على إقتصاد العالم بما فيه البنوك .

 إذن الوحدة الإسلامية الكبرى هى فريضة دينية فى حد ذاتها، كما هى ضرورة للخروج من المحرمات الكبرى وعلى رأسها الربا . ناهيك عن حتميتها للدفاع عن أراضى المسلمين ، واستعادة أراضيهم وأوطانهم المحتلة ، وتلك فريضة إسلامية أخرى .

فالذين يسعون إلى إشعال نيران الفتنة بين المسلمين وإشعال نيران الحروب فيما بينهم ، إنما إنما هم أعداء الإسلام وأعداء الشريعة الإسلامية ومحاربون لها . بل وعملاء للقوى الربوية الدولية التى تخشى على مصيرها من تطبيق إسلامى حقيقى فى مجال الإقتصاد ، وكلنا نعلم من هى تلك القوى ومركزها الروحى فى إسرائيل .

– فبدون إقامة إقتصاد إسلامى صحيح ، فإن أى تطبيق سياسى”دولة” سيكون مجرد هذر ، أو على أهون الإحتمالات مجرد تطبيق ناقص .

ولا تطبيق إسلامى مكتمل فى الإقتصاد وفى الشريعة ، بدون وحدة إسلامية كبرى .

 – فالجهاد من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية الشاملة هو جهاد من أجل تطبيق الشريعة والدولة الإسلامية الراشدة .

– نعود إلى حديثكم حول الجامعة العربية ، فنقول إنها ومثيلاتها الفاشلات ، مثل منظمة التعاون الإسلامى أو الوحدة الإسلامية . إنما أقيمت تحت إشراف مستعمرينا ، كبديل شكلى للإتحاد الفعلى تحت راية إسلامية ولو كانت مريضة مثل الدولة العثمانية .

تلك المنظمات لم تخدم يوما هدفاً عربيا أو إسلاميا ، فالأهداف دائما كانت إستعمارية ، أو تنافسية حقيرة بين أنظمة أشد حقارة . فمرة يهيمن على الجامعة العربية النظام الملكى المصرى ، ثم الجمهورى العسكرى المصرى ، والآن يسيطر عليها أقزام وقراصنة الخليج النفطى . فهيمنت قطر لفترة قصيرة ، إلى أن تعافى النظام السعودى تحت راية الردة الصريحة ، وقيادة اللوح(بن سلمان) الطفل المعجزة و” لوح” الإعلانات فى البيت الأبيض.

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

( الحلقة 3 من 3 )

 

 أين قوة أمريكا ؟ ..  

الأرض : مستقر .. ومستودع .. وموضوع صراع .

جاء فى ييانكم ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى” : { ثم لم يكتف بذلك ـ أى الشيخ أسامة ـ بل قام فعليا بضرب المثل والقدوة العملية لأمته ، فبين لها أنه ضرب أمريكا ممكن ، لمن توكل على ربه ، ثم عقد عزمه ، واستنفرغ جهده ) .. (فضرب إخوانه الأمريكان فى عدن ثم فى الصومال ثم فى نيروبى ودار السلام ، ثم فى عدن مرة أخرى بضرب المدمرة كول ، ثم كان الفتح الأكبر فى عقر دار الأمريكان} .

– إن إكتشاف إمكانية ضرب أمريكا بل وهزيمتها وإذلالها ، سبق وأن إكتشفته شعوب عدة ، أشهرها الشعب الفيتنامى . فالهزيمة العظمى التى ألحقها بأمريكا وجيشها صارت مثلا بين الشعوب ، وعلامة فى فن الحرب ودنيا السياسة الدولية .

والشعب الأفغانى يثبت فى كل ساعة إمكانية ضرب أمريكا وإذلالها . وأظن أن لجؤ الشيخ أسامه إلى العمليات الخارجية كان خطأ استراتيجيا ضمن مجموعة خطيرة من الأخطاء .

فالهدف المعلن للجهاد طبقا لبيان ” تورا بورا” عام 1996 كان إخراج المشركين من جزيرة العرب . ثم فى بيان تلاه توسع الهدف ليصبح تحريرالمقدسات الإسلامية من مكة إلى المدينة إلى القدس . ومن البديهى أن تحرير أى أرض يكون نتيجة لحرب ـ أو جهاد يخوضه الشعب على أرض وطنه ، وليس أرضا غريبة أو بعيدة . قد يحصل ذلك الشعب على إسناد من شعوب آخرى تدعمه فوق أرضه ، أو فوق أراضى بعيدة ، فى عمليات ثانوية أو دعائية ضمن حرب نفسية.

ــ أعلم أن أبا عبدالله كان متخوفاً ـ فى حال شن هجمات داخل السعودية نفسها ـ أن ينقلب عليه “المشايخ” و”طلاب العلم ” ويسحبون منه الشرعية الدينية فيضعفون موقفه داخل البلد ، خاصة إذا سقط ضحايا من “المسلمين” فى الشرطة أو الجيش . لذا لجأ إلى العمليات الخارجية تحت وهم آخر، كان يصرح به ، بأن الأمريكيين لن يتحملوا ضربتين أو ثلاث من الضربات القوية وبعدها سوف يفرون من السعودية . وقد تناقشنا سويا ومطولا حول خطأ ذلك الإفتراض لأن عظمة أمريكا مرتكزة على نفط السعودية أساسا ، ثم باقى نفط الخليج ، وتسعيره بالدولار الأمريكى الذى أصبح بذلك عملة التجارة الدولية . ولكن الرجل لم يقتنع ، وتركيزه إنصب على العمليات الخارجية . وهو التركيز الذى إستمر حتى اليوم فى القاعدة ، وبدون فهم لمبرراته أو إكتشاف لقصوره عن تحقيق أى هدف ، وخطورة ممارسته فى ميادين يجهلها المجاهدون ، ويسيطر عليها العدو بالكامل ، حتى تمكن من تحويل نتائج تلك العمليات لمصلحة سياساته الداخلية والدولية ، وبناء تحالفات عدوانية ، وتشويه صورة الإسلام وليس المجاهدين فقط .

والآن .. وإسرائيل متواجدة فى كامل الأراضى السعودية بما فيها المقدسات ، وتقوم بحماية القصور الملكية ، وتشارك بل وتدير ، حرب اليمن التى شنها آل سلمان نيابة عن الصهاينة.

فى هذا الوقت الحرج لا يكاد يوجد للقاعدة قوة على الأرض تمكنها من التصدى للغزو الصهيونى للمقدسات ، ولا لطوفان الردة الذى يغرق المملكة وجزيرة العرب.

وبشكل عام تجد القاعدة نفسها فى هذه اللحظة بعيدة عن أرض الصراع مع صهيونية إسرائيل وصليبية أمريكا ، بل أنها فى بعض الميادين وقعت بعض فروعها تحت سيطرة القوى الإستعمارية التى تمكنت من توجيه مسارها ضمن مسار مصالحها الاستراتيجية .

وليست القاعدة وحدها الواقعة فى مجال (الهيمنه الاستراتيجية ) الأمريكية/ الإسرائيلية ، حيث يوجد معها كل التيار الجهادى / تقريبا / . بل أن التيار الداعشى (الدولة الاسلامية!!) هو جزء لا يتجزأ من القوات الأمريكية فى نشاطها حول العالم وفى المنطقة العربية .

يحاول البعض التنظير لحالة الفشل التى تعانى منها الحركة الجهادية العربية ، وعدم قدرتها على تحقيق أى إنجاز فعلى على الأرض بحيث يمكن ترجمته فى صورة تقدم سياسى . ولا حتى أى إنجاز عسكرى واضح يمكن التباهى به . فيقولون أنهم حركة جهاد عالمى  ، لأنهم لايهتمون بقضايا جهادية فى وطن بعينه ، حتى فى أوطانهم الأصلية . بينما العالمية لا تأتى من فقدان الأرض وضياع الأوطان وتشتت المجاهدين فى زوايا الأرض، بحثا عما يشغلهم عن قضايا بلادهم، مدعين أن تلك هى العالمية الجهادية . بل عالمية الجهاد تأتى من التشبث بالأرض والدفاع عنها. فالدواعش مثلا يهاجمون حركة طالبان مدعين أنها حركة “وطنية ” تدافع عن وطنها فقط وليس عن كل بلاد المسلمين . واضح ركاكة ذلك المنطق . فلو ترك المسلمون الأوائل المدينة المنورة للمشركين فى غزوة الأحزاب ، لما كان هناك إسلام على ظهر الأرض اليوم . فالأرض بما عليها من بشر وكائنات وثروات وضعها الخالق لمنفعة الناس، وهى موضوع الصراع بين المسلمين وطغاة الأرض الذين تألهوا على البشر واستعبدوهم . فعمران الأرض تكليف للجنس البشرى كله  ، أما خرابها ودمارها على يد المجرمين الطغاة ، فذلك هو موضوع الجهاد الأكبر والصراع بين الإيمان والكفر . ليس لإرغام الناس على إعتناق الإسلام بل لقيادتهم صوب العدل والإنصاف والمساواة بين البشر جميعا وإعمار الأرض بقيم العدل والمساواة ، والسعى فى مناكبها بإحسان بلا إساءة للبشر أو باقى الكائنات ، أو بتخريب كوكب الأرض طمعا فى نهب ثروات بأنانية مهلكة للجميع .

وبما أن القاعدة ـ وباقى التنظيمات السلفية الجهادية ـ غير موجودة فى قلب ساحة الجهاد الأساسية ، فهى إما أنها لم تعد موجودة بشكل كاف أو أنها ضلت السبيل ـ وتاهت ـ فى غابة السياسة العربية ومتاهات الأيدلوجيا الوهابية ، والعلاقات مع وكلاء أمريكا ، الذين قلتم عنهم فى بيان ” أمريكا عدوة المسلمين الأولى”: { أن من يعتمد على دعمهم وأموالهم وتوجيههم إنما يسير نحوالهاوية إن لم يكن قد إستقر فيها } . أظن أن تلك الهاوية مزدحمة للغاية بتنظيمات ومجمواعات جهادية ودعوية ، وأخرى سياسية سلفية .

هم فى الهاوية مزدحمون ، ومازالوا يتسابقون على المال النفطى الحرام تاركين ساحات الجهاد الفعلى لتحرير المقدسات الإسلامية التى ضاعت واقعيا ، بينما التنظيمات العربية ، الجهادى منها والدعوى والسياسى ، فى سكون الموت ، أو يقظة اللص الفطن الذى ينتظر فرصة الإنقضاض على شئ من الغنيمة ، غنيمة الخيانة ، وبيع الأوطان والمقدسات . ومع ذلك مازالوا يتاجرون بشعاراتهم القديمة التى لم تعد تقنع أحدا .

 

شعاراتنا توحد العدو .. وتشتت صفوفنا.

وهى خيالية .. وبعيدة عن المهام العاجلة.

جبهة العدو هى الأخرى مليئه بالثغرات سواء فى العلاقات بين الدول وبعضها ، أو بين الطبقات الإجتماعية داخل كل بلد ، إضافة لتناقضات بين أقليات عرقية ودينية .

والكثير من أفراد تلك الطبقات يعانى من ظلم النظام الإقتصادى و السياسى الذى يحرس مصالح الأغنياء ، ضد الفقراء والمضطهدين من المجموعات المستضعفة لأسباب دينية أو عرقية .

كل هؤلاء يمثلون إحتياطيا للمسلمين ، إذا لاقوا منهم التفهم والمساعدة . لذا من الخطأ الكبير أن نعامل العدو كحزمة واحدة . حتى الدول فيما بينها ، لديها الكثير من التناقضات الداخلية. لكنها وصلت إلى درجة كبيرة من الرشد والقدرة على القفز فوق التناقضات والتعامل فى نطاق المصالح المشتركة لتحقيق أرباح ترضى الجميع حتى ولم يكن التوزيع عادلا، فذلك أفضل من التحديات والحروب التى يخسر فيها الجميع . وهذا درس من دروس كثيرة ينبغى أن نتعلمها من العدو . فنحن ندمر صفوفنا ونلغى كل مشتركاتنا الدينية الأساسية بحثا عن أى خلاف مهما كان صغيرا كى نضخمه ونحوله إلى تناقض أساسى ، وحربا تكفيرية لا تبقى ولا تذر . وللوهابية الدور الأكبر فى خلق تلك الفتن وتسعير نيرانها بين المسلمين . فتستبعد معظم المسلمين وتتهمهم بالكفر حتى لا يتبقى لدينا غير تنظيمات وهابية متصارعة متنابذة ، ومعظمها وصل إلى التعامل الصريح أو الخفى مع أعداء الأمة بما فيهم أمريكا وإسرائيل .

لذا ليس من الحكمة وصف المجنون ترامب ومن حوله بأنهم { أمته الصليبية الرعناء} و{ أمته الحمقاء الغشوم } فذلك قول غير صحيح على إطلاقه ، ويُضَيّعْ على المسلمين تحالفات قيمة مع غير المسلمين ، من الضعفاء المظلومين من أديان وعرقيات لا حصر لها .

يجب أن يكون الإسلام والمسلمين نصيرا لكل مظلوم مهما كان إعتقاده أو جنسه . وفى ذلك دعوة للإسلام يقبلها من يقبل ، أو يرفضها من يرفض ــ فلا إكراه فى الدين ــ ولا يغير ذلك من موقف الإسلام والمسلمين شيئا تجاه نصرة المظلومين ، حتى من غير المسلمين ، ومجابهة الظالمين ـ حتى لو كانوا من المسلمين.

–  وفى حين نوحد صفوف العدو بإطلاق أحكام عامة غير دقيقة ، نبذل قصارى جهدنا فى تفريق صفوف الأمة . وتصنيفها وفق أقوال ثبت خطورتها على مستقبلها. فكثرت التصنيفات التى تثير البغضاء والكراهية بين المسلمين ، تحت دعاوى باطلة تدعى الحرص على (العقائد) و(التوحيد) . وجميعها أكاذيب ،  إذ أن الأمة واحدة بكلمة التوحيد . أما الذى يرفع السلاح عليها نصرة للكافرين فهذا هو العدو الذى يجب نقاتله. فكم نزعنا صفة الإسلام عن موحدين مجاهدين ، بدافع أحقاد فقهية ، وخلافات مذهبية ، أو عصبية قبيلية منتنة.

هكذا فعلت حركتنا الجهادية ، من السلفى إلى الوهابى والداعشى . فكم من جرائم فى حق الدين والأمة إرتكبها ذلك التيار ، متوازيا مع خطاب سطحى يهاجم العدو بما يجمع صفوفه ضد المسلمين وكراهية للدين الذى جاء رحمه للعالمين ـ كل العالمين ـ وليس فقط المسلمين .

 

المبالغة فى الخيال تضر التركيز على المهام العاجلة :

المبالغه فى الخيال الجهادى ، قد تكون مقبولة فى الكتابات الأدبية أو للتعبئة العاطفية أو لتنشيط الذاكرة التاريخية .

فى واقعنا الحالى تتساقط قلاعنا الأساسية ، بسرعة قياسية لم تحدث قبلا حتى خلال الغزو المغولى لبلاد المسلمين . فالعدو إحتل القدس ، وتمكن من جزيرة العرب ، ويشن حرب إبادة على أهم شعوبها ـ بل وشعوب العرب أجمعين ـ خاصة فى اليمن وفى مصر الساقطة بالفعل، وهى خاوية على عروشها من كل أسباب القوة بفعل عصابة الخونة من الصهاينة المصريين ، فى الجيش والأمن ، وديدان الإعلام والأزهر . وهكذا ضاع نصف عدد العرب فى ضربه واحدة . وتعداد ما حدث من كوارث للعرب يصعب حصره ، ومعظمه معلوم بالضروره :

 شعب أفغانستان ـ درة الجهاد، وسادة الإسلام ـ مازالوا للعام السابع عشر فى حصار من العدو ومن الأخ والصديق . يقاومون أكبر حملة صليبية فى التاريخ  كما لم يفعل أحد قبلا .

وشعب فلسطين ـ جوهرة الإسلام وقلبه النابض بالجهاد ـ فى حصار وتجاهل ، ومقاومة منسية بل مغدورة من إخوة الجهاد . وأنصارها الحقيقيون متهمون ومحاربون ، ومتهمون فى عقائدهم وسياساتهم .

والحرمين الشريفين ــ مكة والمدينة ــ أعمدة الدين وراياته ، ينخر فيهما السوس اليهودى مستبيحاً حرماتهما ، محولا إياهما إلى مجرد آثار تاريخية ، مغيرا لأحكام الدين ولطابع المدينتين إلى نمط عمران مدن القمار والدعارة فى الولايات المتحدة وإسرائيل . وأزال آل سعود عن المدينتين معظم السمت الإسلامى الذى يظهر هويتهما الدينية. فالمقدسات أصبحت مجرد أقزام عمرانية تائهة فى بحار العمارة الغربية الباذخة بطابعها العمرانى المتحدى للدين والثقافة الإسلامية.

أمكانات الجميع لا تكفى للمواجهة ـ ومع ذلك ينشط أتباع مشيخات النفط فى بث الفرقة والتكفير وخلق عدو بديل لإسرائيل ، داعين إلى مواجهة (الفزاعة الإيرانية) بديلا عن العدو الحقيقى المدجج بالسلاح النووى والجرثومى ، وأحدث منتجات مصانع السلاح فى الولايات المتحدة وأوروبا ، ويحتل إما فعليا ، أو واقعيا من وراء ستار سعودى شفاف ، كل مقدسات المسلمين .

مع هذا العجز الفادح فى الرجال والسلاح والمال ، نجد دعواتكم لتحرير كشاغرى (فى الصين) وجروزنى (فى روسيا الإتحادية) وكشمير(فى الهند) إضافة إلى الأندلس( أسبانيا والبرتغال) وليس بهما من المسلمين سوى فئة صغيرة من المهاجرين العرب . على تلك القوى العظمى الناهضة بسرعة إلى صدارة العالم فى المدى القريب أو المتوسط ، نشن حربا من الآن . ونحن فى ورطتنا، حيث لا نتقدم لحل معضلاتنا إلا بالمزيد من الفتن وتفريق الصفوف.    – فماذا نحرر، ومتى ، وكيف ؟؟.

هل يمكن توضيح ولو الخطوط الإجمالية لكيفية فعل ذلك ؟؟. أخشى أن تكون المناداة بتحقيق الأهداف المستحيلة ، مدخلا لنا للتملص من تأدية الواجبات العاجلة والقريبة .

هذا ما يحضرنى الآن ، ودمتم فى حفظ الله ورعايته .

اضغظ هنا لتحميل المقالة PDF

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 الجهاد : إلى أين ؟؟
اضغظ علي الصورة لتحميل المقالة PDF