الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (1)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (1)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة… الجزء الأول

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المقدمة:

بداية مقدمتي سأبدؤها بشعار للسلطان عبد الحميد الذي خاض أصعب مرحلة زمنية في تاريخ الأمة، واجتهد بكل ما يملك للحفاظ على إسلام الأمة لكي  يكون حاضراً، وأطلق شعار “يا مسلمي العالم اتحدوا”، وكان عهده من أكثر أوقات الخلافة العثمانية نجاحاً وصعوبة في الوقت ذاته، في عام 1922 تم خلع أخر سلاطين الخلافة العثمانية، وألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة نهائيّاً في العام  1924م، بعد أن ألغي السلطنة في العام 1922م، كما تكالب المشروع الغربي بقيادة بريطانيا وفرنسا وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية آنذاك، ونتج عن هذا التكالب ما يعرف بمعاهدة سايكس بيكو عام 1916م، والتي نتج عنه تقاسم منطقة الوطن الإسلامي بين فرنسا وبريطانيا، في الوقت كانت تفقد الخلافة الإسلامية بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني نفوذها وقوتها لأسباب شتى، وتم إزاحة الإسلام كحاكم في الأمة، ونتج بعد ذلك الثورات القومية العربية بعد فشل الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، والذي كان أداة للثورة ضد آخر الملك الإسلامي العضوضي بقيادة الدولة العثمانية، مما نتج فصل الدول العربية عن كيانهم الجامع ألا وهي الخلافة الإسلامية، والتي تدين بحكم الإسلام كاملاً، وأصبحت الأمة الإسلامية مفتتة في أقطار وأمصار خاضعة لمناطق وحدود جغرافية، كل قطر يحرص على مصلحته الشخصية ولا يهتم بحقوق الأمصار الأخرى، وخاصة المجاورة له مما حدا به لاتفاقيات مع أعداء الأمة، ليحقق واقعية حكمه وتمتين الأسرة الحاكمة أو الحزب الحاكم لدولته، فمن هنا برزت الحركات الإسلامية مصطحبة مصطلح الإسلام السياسي، وذلك لتوصيف لحركات تغييرية سياسية؛ والتي تؤمن بالإسلام باعتباره “نظاماً سياسياً للحكم”، وأن الإسلام”ليس عبارة عن دين عبادات أو شعائر فقط، وإنما عبارة عن نظام سياسي، واجتماعي، وقانوني، واقتصادي يصلح لبناء وإدارة  مؤسسات دولة”. ويستخدم المصطلح غالبًا في سياق الربط مع الحركات التي تمثل القوى السياسية الحالية باسم الإسلام، والتي نشأت في نهاية القرن العشرين، إلا أن العدو يراقب؛ ويتابع واقع الأمة المسلمة، ويعي حقيقة الصراع، ويتوعد الأمة بشرذمتها وتفريقها، ويتعهد مع أحلافه أن لا يعود الإسلام بشموليته ورحمته وعدله وقدرته للمحافظة على مقدرات الأمة، مازالت الحملات التترية والصليبية تتوالى على الأمة الإسلامية، بقيادة صهيونية عالمية وبأداة أمريكية صليبه، وبشرائع إنجيلية توراتية مزورة ومحرفة تدعم اليهود لاحتلال الأمة، وتدعم العدو الصهيوني لاحتلال مقدسات الأمة، والأمة في غياب تام بل تتجاهل عدوها لترتمي بأحضانه ليكون لها حامي لعروشها وممتلكاتها حتى لو أخذ أعز ما تملك ألا وهو دينها.

محطات للمفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي (قراءة في تقرير راند 2007م) :

المحطة الأولى: صدور كتاب عام 1999م، أي: قبل أحداث سبتمبر بعامين بعنوان (مواجهة الإرهاب الجديد)، حاول الكتاب أن يجيب عن سؤال عمّا إذا كان (الإرهاب الجديد) يشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة تحديداً أم لا؟ وأشار الكتاب إلى أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الوطن العربي، وسيهدد مصالح كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

المحطة الثانية: أصدر في عام 2004م تقرير بعنوان (العالم المسلم بعد 11/9) يبحث التفاعلات والديناميات المؤدية إلى حدوث التغيرات (الدينية -السياسية) التي يشهدها المسرح الإسلامي الراهن بهدف إمداد صانعي السياسة الأمريكية برؤية شاملة عن الأحداث والتوجهات الواقعة حالياً في العالم الإسلامي. قدم البحث في محوره الأول خريطة شاملة للتوجهات الفكرية في المناطق المختلفة في العالم الإسلامي، مشيراً إلى أن المسلمين لا يختلفون فقط في الرؤى الدينية، بل يختلفون أيضاً في الرؤى السياسية والاجتماعية، مثل: الحكومة، والقانون، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والتعليم. وحاول التقرير أن يصنع مساواة مفتعلة بين الإسلام (المعتدل) وبين (العَلْمانية)، ويقسم العالم الإسلامي تقسيماً قسرياً؛ حيث يتم مثلاً تعريف منطقة معينة في العالم المسلم في كونها (سلفية)، وأخرى (راديكالية) أي تتبني الجهاد، وثالثة (معتدلة). وتناول الجزء الثاني من البحث الخلافات القائمة بين المسلمين بعضهم مع بعض، مع تركيزه على خلافين أساسيين هما (الخلاف السني- الشيعي)، و(الخلاف العربي- غير العربي)؛ حيث يخلص إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تثبت ولاءها للشيعة العراقية لصدِّ المد الشيعي الإيراني رغم صعوبة ذلك.

المحطة الثالثة: صدر في عام 2005 تقرير بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات)، ويخلص التقرير أنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الإسلام في المنطقة؛ الذي يقف سداً منيعاً أمام محاولات الهيمنة والسيطرة على الأمة، وأنّ الحل يكمن في النظر إلى المسلمين عبر أربع فئات، هي: مسلمين أصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين. أما فيما يتعلّق بالأصوليين يقول التقرير”يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وأفضلهم هو ميّتهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن، وأنهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، ويجب الحذر منهم لأنّهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم، وهم ذوو تمكُّن في الحجّة والمجادلة. ويدخل في هذا الباب السلفيون السنة، وأتباع تنظيم القاعدة والموالون لهم والمتعاطفون معهم، و(الوهّابيون)”، كما يقول التقرير. وفيما يتعلق بالتقليديين يقول “يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ الأصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجّة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية (يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وأفكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين”. وأوصى التقرير بأهمية أن: “ندعم التقليديين ضدّ الأصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين: دحض نظريتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته، إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها، إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلّفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلّة إيمانهم، وتجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا أحداً للتعاطف معهم”.

المحطة الرابعة:  دراسة بعنوان (ما بعد القاعدة)، وهي تقع في مجلدين: الأول حول حركة الجهاد العالمية، والثاني عن الحلقات الخارجية لعالم الإرهاب. تبحث الدراسة في أربعة مباحث رئيسة: المبحث الأول عن القاعدة: العقيدة، والإستراتيجية، والتكتيك، والتمويل، والعمليات، وتغير الأشخاص، والمستقبل المحتمل، أما المبحث الثاني: فهو عن الجماعات الجهادية التي تبنت نظرة القاعدة العالمية، والتي ليست مرتبطة رسمياً بتنظيم القاعدة، والمبحث الثالث: حول الجماعات الإرهابية الإسلامية وغير الإسلامية والتي ليس لها أي صلات معروفة بالقاعدة، ولكنها تهدد المصالح الأمريكية والأصدقاء والحلفاء؛ كحماس وحزب الله، وغيرهما، أما المبحث الأخير فهو عن الرابطة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن ذلك طرق استعمال الإرهابيين للمنظمات الإجرامية في تمويل نشاطاتهم. تدعو الدراسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توسيع الجهود بشكل كبير لتقويض الدعم للقاعدة وخاصة من داخل الدول الإسلامية، وتقول: “إن نجاح مكافحة القاعدة (الجهاد العالمي) يتم من خلال مهاجمة العقيدة الجهادية العالمية، وقطع الصلات بين الجماعات الجهادية، وتعزيز قدرات دول المواجهة إلى مواجهة تهديدات الحركات الجهادية”، كما يقول التقرير: “إن العقيدة الجهادية تواصل الانتشار وتلقى مزيداً من القبول في العالم الإسلامي، وهذا سينتج إرهابيين أكثر يجددون صفوف القاعدة، وإذا تم الطعن في هذه العقيدة ومصداقيتها فإن القاعدة ستنزوي وتموت”. يؤكد التقرير أن طرق مكافحة الإرهاب التقليدية لا تكفي لهزيمة القاعدة، ويجب فهم أن الصراع مع القاعدة صراع سياسي وعقدي، ويقول التقرير “الحركة الجهادية العالمية حركة أيديولوجية متطرفة.. والحرب عليها في أبسط مستوى يكون بحرب الأفكار”، والهدف من ذلك كما يقول التقرير هو منع القاعدة من استغلال الخطاب الإسلامي والخطاب السياسي والذي استخدمته بكل براعة. يرى التقرير أن تقويض العقيدة الجهادية العالمية من الخارج أمر صعب؛ فالقاعدة قد عبأت المسلمين ضد الغرب، لكن ليس كل الجماعات الجهادية تتفق مع القاعدة في النظرة العالمية؛ ولهذا السبب تدعو الدراسة الولايات المتحدة إلى قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، وذلك بنشر وتأكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية (القاعدة)، وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب، ومن المهم تأكيد وإبراز أن الدولة الإسلامية التي تسعى القاعدة إلى إقامتها ستستبعد التيارات الإسلامية الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى القضاء على الجماعات الإرهابية، وتعزيز قدرات الحكومات الحليفة والصديقة للتعامل مع التهديدات الإرهابية، لكن بصفة استشارية بتوفير مجال جمع البيانات والتحليل والتقرير.

المحطة الخامسة: صدر في عام 2007 تقرير بعنوان: بناء شبكات مسلمة معتدلة، يوصي التقرير أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها (تيارات متطرفة)، كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الأمريكي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الإدارة الأمريكية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم والعمل على احتواء نهضة الأمة الإسلامية، كما يرى التقرير أهمية استعادة تفسيرات الإسلام من أيدي التيار الإسلامي وتصحيحها! حتى تتماشى وتتناسب تلك التفسيرات مع واقع العالم اليوم وتتماشى مع القوانين والتشريعات الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة. يؤكد التقرير أن هذا التعريف للاعتدال هو من أهم ما يمكن أن يساهم به التقرير في خدمة السياسة الأمريكية، وأن على أمريكا أن تدعم فقط الأفراد والمؤسسات التي تندرج تحت مفهوم الاعتدال بالتفسير الأمريكي له، والمقدم في هذا التقرير. * ما مفهوم الاعتدال الأمريكي؟ تشير الدراسة إلى أن نقطة البدء الرئيسة التي يجب على الولايات المتحدة العناية بها في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء المسلمين، وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أنه يمكن التغلب على صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء إلى التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد (راند)، ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الإسلاميين المعتدلين، أهمها ما يلي:

1 -القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قِيَم الديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً على التعرف على المعتدلين؛ فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن بعضهم الآخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الإسلامية؛ خصوصاً مبدأ (الشورى) ويرونه مرادفاً للديمقراطية. كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية.

2 -القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة إلى أن أحد الفروق الرئيسة بين الإسلاميين المتطرفين والمعتدلين هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة. تؤكد الدراسة أن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، وتدلل الدراسة على ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني (عبد الله بن نعيم) قال فيه بأن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقاً متساوية في الشريعة الإسلامية.

3 -احترام حقوق النساء والأقليات الدينية: وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء والأقليات المختلفة دينياً، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها؛ نظراً لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبَّان عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

4 -نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع: تؤكد الدراسة هنا على أن الإسلاميين المعتدلين يؤمنون كما هو الحال في معظم الأديان بفكرة (الحرب العادلة)، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف ومتى يكون مشروعاً أو غير مشروع؟ * اختبار الاعتدال؟ يضع التقرير 11 سؤالاً تشكِّل في مجملها المحددات الرئيسة لوصف الاعتدال المقترح التي تتبناه الإدارة الأمريكية، وهي مقياساً للاعتدال، وأن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا.

التحليل للمواجهة والمكاشفة:

إن ما يقوم به العدو المركزي من شن هجماته العسكرية والأمنية والسياسية والفكرية هي هجمات إرهابية منظمة، ويعي ما يريده العدو؛ إن كان في حرب عسكرية تقتل الإنسان المسلم وتمزقه وتحرقه، أم حرب الأفكار الباردة التي يتعاطى ويتماهى المسلم مع أفكار العدو المركزي أو تضمن أنه متساوق معها لدرجة التبعية، وعليه يسعى لأمرين هامين: تقسيم الأمة فكرياً، وجغرافياً؛ لكي يستطيع أن يوجه إدارته السياسية للنيل من جميع المتخاصمين والمتقاتلين، وتحت التحالفات الإقليمية والدولية والأمنية، وممارسة الضغط والتخويف والإرهاب المنظم من طرف العدو المركزي على الشعوب وفئاته، والتي أصبحت تطالب بأدنى حقوقها وهي توفير المأكل والمشرب، وقد نسيت في الوقت نفسه الانعتاق والتحرر من هيمنة الإرهاب المنظم بقيادة العدو المركزي للأمة الإسلامية، والذي يمثله الصهيوصليبية والمتمثل باليهود وحلفائها، وهي التي تحرمها من تحررها ونهضتها من جديد وتحرمها من خبزها ومشربها.

 ومن هنا بعد انهيار الحكم العضوضي للإسلام متمثل بالدولة العثمانية، ونشوء القوميات وظهور العدو المركزي للأمة؛ الذي لا يختلف عليه إلا متساوق معه أو منتفع منه أو عميل له، بدا تشكيل الجماعات الإسلامية مطالبة باستئناف الشريعة الإسلامية، كمنهج حياة ومن خلال إصلاح الإنسان بواسطة التعاليم والقيم الإسلامية، ومن ثم الانتقال لإصلاح المجتمع للانطلاق به لإصلاح مؤسسات الدولة، وبعد التصادمات بين الإسلاميين والحكومات والصراعات على الحكم، والتي شهدتها الأمة خلال القرن الماضي؛ تمت المراجعات من قبل الحركات الإسلامية مما حذا بها لتشكيل فهم الإسلام السياسي، والتي يعيش مع فكرته والتي لها مقاييس ومعاير التنظيم الفكري من خلال الفكر النخبوي، والذي أقصى ما يتمناه أن يكون بالسلطة هو ونخبته من عناصر التنظيم لتحقيق بعض المكاسب التنظيمية، بعيداً عن استكمال الدائرة في الولوج الكامل مع الجماهير؛ ليعيش قضية الشعب من فقر وجوع واستبداد وظلم له، فعاش بين فكرته وطموحاته التي لا ترتقي بأن تكون له الولاية التامة على شعبه، ولم يخض معركة التحرير الكاملة الشاملة بكل مكوناتها التحررية، فلذا أخطأ بانعزاله عن الأمة؛ ولم يستطع أن يصنع ممارسة تكون الأمة حاضنة له، كما أنه ما زال الإسلام السياسي يعاني كيفية الخروج من فكرته، والتي أدمن الانحسار عليها ولا يقدم دعوة مفتوحة وعامة تجسد روح الإسلام التي تتعانق مع الشعوب والجماهير، والذي لا يعرفه الإسلام السياسي أنه مازال يعيش حقبة الملك الجبري، ولم يتحرر منها إلا بالرجوع للإسلام على طريقة رسولنا محمد r كما سيأتي ذكره، مما تقدم طرح الإسلام السياسي أدى لعقم فكري مقيد بفكرته الذي دعا للتنظيم قبل الإسلام، ولم يجعل تحقيق الإسلام في الأمة ديناً وسياسةً وجهاداً، ولم يسعى لتوجيه معركة التحرر للعدو المركزي بكل المكونات، والتي تشمل الأمة في جهاد كبير؛ للانعتاق من حقبة تترية صليبية حاقدة على الإسلام والأمة المسلمة…يتبع

الحواشي:

  1. Krämer, Gudrun. “Political Islam.” In Encyclopedia of Islam and the Muslim World. Vol. 6. Edited by Richard C. Martin, 536–540. New York: Macmillan, 2004. via Encyclopedia.comنسخة محفوظة 13 يوليو 2018 على موقع واي باك مشين.
  2. ^Al Jazeera Arabic قناة الجزيرة، في العمق – الإسلام السياسي في عالمنا العربي، اطلع عليه بتاريخ 14 يناير 2019
  3. تعدى إلى الأعلى ل:أب Voll، John O.؛ Sonn،  “Political Islam”. Oxford Bibliographies Online Datasets (باللغة الإنجليزية). doi:10.1093/obo/9780195390155-0063.
  4. “كيف ظهر “الإسلام السياسي” وماهي أهدافه الحقيقية؟”. aljazeera net . اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  5. “ماذا بقي من الإسلام السياسي والجهادي بعد الربيع العربي؟ – جريدة الشرق”. al-sharq com. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  6. http://iswy co/e116v3

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة... الجزء الأول

 




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)




ثورة قادمة .. أم “ربيع ” عائد؟؟ (4) تركنا الجهاد .. وهكذا صرنا !!.

نقدم لكم المجموعة الرابعة من أجوبة ابوالوليد المصري ( مصطفي حامد ) علي إستفسارات متابعين موقع مافا السياسي . 

ثورة قادمة .. أم “ربيع ” عائد؟؟

(4)

تركنا الجهاد .. وهكذا صرنا !!.

 

عناوين :

– فلنجاهد فى سبيل الله .. ولا نخشى لومة لائم ، أو تهماً بتطرف أو إرهاب ، فالجهاد هو الجهاد إلى قيام الساعة ، وهو فريضة دينية مثل الصلاة والصوم ، فلا هو إرهاب ولا هو تطرف ، بل هو الصراط المستقيم وعهد الله المتين .

– إلى ثورة الحجيج هذا العام .. وإلا فالبديل هو (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) و (شردوا بهم مَنْ خَلْفَهم).

– فى دروس جهاد فلسطين وأفغانستان واليمن ما يكفى من الدروس ” لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.

سؤال من ( هوية ) :

السلام عليكم ورحمة الله

شيخ ابو الوليد حياكم الله

ما الذي يحدث في العالم الاسلامي ؟ ما مصير أرض الحرمين ؟.

نعيش حالة  رعب في الوطن ، و دعاة المحبة والسلام (الاسلام الترامبي) ينشرون الفساد و الكفر بمباركة أسياد العار ( خادم تل ابيب و الع…. ) لعنة الله عليهم .

انتشرت الدعارة و الشراب ، الرقص و حفلات المثليين والشذوذ ، دعوات رسمية لوزراء الصهاينة  ، سياحة علنية للصهاينة ، إهانة بيت الله و رسول الإسلام و تحريف الاسلام و..

اتعجب من تصرفات ترامب كيف يهين سلمان والعائلة الحاكمة بشكل بشع استفزازي حقير . حبيب يد الحريم قدم لهم اموال طائلة  و اعطاهم النفط و الارض و سلم الجزيرة للصهاينة . كيف ؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!.

 

 

جواب ابو الوليد المصري : 

حالنا كمسلمين هو أسوأ ما طلعت عليه الشمس منذ أن ظهر الإسلام . المسلمون بتفريطهم هم المسئول الأول عن ذلك . فعبر أجيال تراكم التفريط حتى صار جبالاً لا ندرى كيف نزيحها، ولكن ما بين أيدينا من نصوص دينية تشير بكل وضوح إلى أن هذه المحنة سوف تنقشع ، ولكن بعد تمحيص شديد وتمايز بين الناس حتى تتبين معادنهم .

كل ما جاء فى رسالتك صحيح ومؤلم ، وبالإعتماد على الله لابد أن ندفع ذلك البلاء بأقصى ما يمكننا من قوة ، ومهما كانت الأثمان المطلوبة لذلك من دماء وآلام وتضحيات { ولنبلوَّنَّكم بشئٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمرات ، وبشر الصابرين} .(155 ــ سورة البقرة).

ولنحاول  فيما يلى تفكيك تلك المحنة الكبرى إلى عناصرها الأولية ، على أمل العثور على ثغرات تقودنا إلى طريق الخلاص .

 

 

أولا :

 فى الوضع الإسلامى الراهن سلبيات كثيرة وقاتلة .. ولكنه فى نفس الوقت يحمل مزايا لم نكن نحلم بها من قبل . فمركزية وضع المقدسات (مكة ـ المدينة ـ القدس) بالنسبة للأمة الإسلامية جميعها يوفر أساساً غاية القوة ، يتيح توحيد حركة الشعوب الإسلامية ، ضمن قضية مركزية واحدة . فلأول مرة فى تاريخهم يفقد المسلمن سيادتهم على المقدسات الدينية ، ولأول مرة يُجْمِعْ معظم حكام العرب على بيع المقدسات لليهود. وحكام جزيرة العرب يعتبرون المقدسات ملكية خاصة أو عائلية ، لا يبيعونها فقط بل ويظهرون تجاهها الإستخفاف وعدم الإحترام .  )مثل صعود الفاسق المرتد “بن سلمان” إلى سطح الكعبة فى رسالة واضحة المعنى ، تقول : أيها المسلمون ، كعبة ربكم أضعها تحت قدمى).

ومهما تعددت المسارات الفرعية فى بلاد المسلمين ، يظل الهدف واحد (تحرير المقدسات الإسلامية) ، بما يضمن عدم التشتت فى متاهات إقليمية لا حصر لها.

ذلك الهدف المركزى للأمة لا خلاف عليه مطلقا بين جميع المسلمين ، على تعدد مذاهبهم وأعراقهم . وفى ذلك مدخل هام لتخطى خنادق النيران والدم التى حفرها أعداء الإسلام بين مكونات الأمة الواحدة ، ليشغلوا المسلمين بأنفسهم . فبدلا من أن نجاهد عدونا جعلونا نقاتل بعضنا بعضا فى ميادين الفتن التى فتحوا أبوابها فى أماكن كثيرة .

لنجد أنفسنا فيما نحن فيه الآن ، من موقف بائس وخطير ، وإذ اليهود قد إبتلعوا جزيرة العرب ، وأجهزتهم الأمنية، بأفرادها ومعداتها، تحمى الحرمين فى/ مكة والمدينة/ من خطر المسلمين المتطرفين الإرهابيين”!!”.

 

 

ثانيا :

وحدة الهدف توحد الرؤية السياسية للأمة حول نقاط أساسية . وهى أن ضياع المقدسات صنعته وأحكمت حلقاته ، مجموعة الشياطين الثلاثة (إسرائيل ،أمريكا، مشيخات النفط). وبالتالى فإن أى حركة تغيير ثورى لن تتخذ أيا من هؤلاء الشياطين حليفاً .

    وأى تحرك ثورى ، مهما كانت مطالبة المعيشية ، وعندما يرفع السلاح دفاعا عن حقوقة ومقدساته ، فهو ملتزم برؤية إسلامية شاملة تدعو إلى (العدل والإحسان وإيتاء ذى القربى). وملتزم فى نفس الوقت بقوله تعالى:( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أوعشيرتهم ..)ــ 22 المجادلة ــ

    فالجهاد ليس تعاليا، أو توحش وفساد فى الأرض، حيث (كلكم لآدم، وآدم من تراب ). فلا غطرسة ولا إستكبار فى الأرض بغير الحق ، ولا ظلم لعباد الله ، لأن الناس (إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق) . فلا من مبدأ هداية أو سبيل رشاد فى الدنيا والأخرة إلا وهو موجود فى الإسلام ، لصالح البشر جميعا ، المسلم منهم وغير المسلم .

 

 

ثالثا :

إتضح جليا أن مشاكل المسلمين واحدة ، مع وجود إختلافات محلية ليست جوهرية . وبالتالى فإن العمل المشترك ممكن بل هو ضرورى . لهذا نقول أن قادم الأيام ستشهد تحركا إسلاميا جذريا جهاديا إنسانيا ، لم يسبق له مثيل ، وهو حيوى ومتحرك ، وليس راكد أو نمطي أو مقيد (بمكائد مذهبية) حاكها علماء السلاطين لشل قدرات المسلمين وتكبيل أيديهم وعقولهم ، لمنعهم من القتال فى سبيل الله صفاً واحداً { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص } ـ 4 الصف ـ

 

 

رابعا:

مع ظهور توحد سياسى وعسكرى وأمنى بين الثلاثى الشيطانى (إسرائيل ـ أمريكا ـ المشيخات النفطية). والإختراقات الكبرى التى حققوها فى جبهات حساسة خاصة فى جزيرة العرب والخليج، ومصادرة أموال النفط وتحويل تلك المنطقة إلى منطقة قواعد عسكرية جوية وبحرية وأرضية لجيوش أعدائنا وأعداء الدين . فإن التوسع الجغرافى الكبير لمناطق الصراع ، بين المسلمين وأعدائهم وظهور مقاومة شعبية شرسة وحركات جهادية قوية ويقظة فى العديد من المناطق ، جعل الموقف الإستراتيجى لجبهة الشياطين مهددة بالإنهيار فى أكثر من موضع هام ، وتحديدا فى أفغانستان واليمن وجنوب لبنان . إضافة إلى موقفهم غير المتماسك والمُهَدَّدْ فى أكثر من جبهة هامة ، خاصة فى العراق وسوريا . أو موقف غامض يهددهم بمفاجآت خطرة كما فى مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر .

فمناطقنا الإسلامية كافة إما أنها مشتعلة جهاديا وثوريا ، أو أنها مغطاة بالرماد الذى يخفى تحته جمراً ملتهباً ، قد يشعل الحرائق فى وجه الكافرين فى أى لحظة .

– ورغم عدم تماسك الجبهة الجهادية الإسلامية بالشكل المطلوب ، نتيجة إصابتها بوباء الفتنة الطائفية الذى زرعه الثلاثى الشيطانى ، إلا أنها تقف فى ما يشبه جبهة توفر نوعاً من التساند المقصود كما فى جبهة (إيران ـ جنوب لبنان ـ اليمن ـ سوريا ـ العراق ) أو التساند غير المقصود ولكنه واقعى كما فى جبهة شرق الخليج (الفارسى) الممتدة من إيران إلى أفغانستان والجمهوريات الإسلامية فى آسيا الوسطى وقبائل باكستان . وهى جبهة تحظى/على أقل تقدير/ بإرتياح من روسيا والصين .

كما أن صمود إيران فى وجه الهجمية الشيطانية القادمة من الشاطئ الغربى للخليج ، أفادت جهاد أفغانستان بأكثر مما توقعت إيران أو حتى أرادت . لأن إسرائيل يحرقها الشوق للتواجد المتبجح والمكشوف فى أفغانستان ، على غرار ما حدث فى جزيرة العرب . لأن تواجدها المستتر فى أفغانستان حاليا، وهو تواجد كبير وفعال ، لكن إسرائيل تريده معلناً وليس سريا ، تماما كما فعلت مع بلدان العرب خاصة فى الخليج والجزيرة . ولكن حركة طالبان تقف لهم بالمرصاد ، وما أدراك ما حركة طالبان التى يذهب الله بها وساوس الشيطان .

 

 

خامسا :  

اليمن هى الجبهة الأهم للدفاع عن جزيرة العرب . لهذا بدأ بها حلف الشياطين حتى تخلوا لهم أجواء الردة فى كامل الجزيرة وتدنيس مقدساتها. إنهم يخشون شعب اليمن ولا يخشون سكان جزيرة العرب الناعمين الوادعين”!!” ، الذين كانت إستجابتهم للخروج من الإسلام على يد “محمد بن سلمان” أسرع وأيسر بكثير من إستجباتهم لدخول الإسلام حين دعاهم إليه محمد رسول الله . ومن قَبْل أُشْرِبَتْ قلوبهم فتنة إبن سعود وإبن عبد الوهاب.

 – فى أى إستراتيجية دفاعية عن جزيرة العرب ، أو هجوم معاكس على اليهود الوافدين إليها كمحتلين ، يعتبر صمود اليمن وتحريره ، خطوة أولى لا غنى عنها . إختصارا .. فإن اليمن هو قاعدة تحرير جزيرة العرب . لذا فإن تحريره وتقويته هو خطوة أساسية لتحرير جزيرة العرب و مقدساتها وتطهير أراضيها من أرجاس التحالف الثلاثى الشيطانى.

– على أى إنبعاث جهاى جديد أن يستفيد من أنجح التجارب الجهادية فى العصر الحديث ، وهى تجربة طالبان فى أفغانستان، تجربة (الحوثيين) فى اليمن ، وتجربة (حزب الله) فى جنوب لبنان . أهم سمات تلك التجارب الناجحة والمؤثرة فى الوضع الإسلامى العام نوجزها فيما يلى :

مجاهدو حركة طالبان أذلوا أمريكا فى أطول حرب خاضها الأمريكيون خارج أراضيهم ، وطردوهم من غالبية الأراضى الأفغانية . لقد إعتمد مجاهدو طالبان على قوة إيمانهم بالله ودعم الشعب الأفغانى وثقته بهم ، رغم إفتقادهم للدعم الإسلامى ، ومعاناتهم من تآمر أكثر العرب. وعداوة مريرة غير مبررة من جارتهم الكبرى إيران. ومشاركة مباشرة ودائمة من جارتهم باكستان مع الإحتلال الأمريكى منذ لحظة هجومه المباشر وحتى برنامجه الداعشى فى أفغانستان حاليا.

الجيش الأمريكى فقد زمام المبادرة العسكرية فى أفغانستان ، ويوما بعد يوم تتزايد عليه تكلفة الحرب ماليا بأكثر مما هو متاح من أموال البنتاجون المخصصة لأفغانستان ومقدارها 45 مليار دولار سنويا . وما هو فى يد آلة الحرب الأمريكية الآن هو الإنتقام من المدنيين وتكثيف المجازر ضدهم . وهو أسلوب إتبعتة معظم جيوش الإستعمار فى كل ساحة هزموا فيها. كما إستخدمه السوفييت ضد الأفغان فتركوا ملايين الألغام مدفونة فى الأرض الأفغانية حتى يستمر إنتقامهم على مدى الزمن . ولكن أين هم السوفييت الآن ؟؟. والأمريكيون أيضا سائرون فى نفس طريق الفناء الذى يصنعه الأفغان دوما للمعتدين.

الحوثيين بقيادتهم لشعب اليمن ، أفشلوا حربا عالمية حركها اليهود ضد اليمن ، مستخدمين شياطين مستعمرات النفط كمطايا للغزو وممولين له . فالسعودية أكبر مستورد للسلاح فى العالم ، وأكثر ذلك السلاح يتوجه إلى صدور الشعب اليمنى . وأسواق السلاح مفتوحة على مصراعيها للسعوديين والأماراتيين ، من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا. والمرتزقة العرب والدوليون (بلاك ووتر الجديدة بإدارة بن زايد) زودوا الساحة اليمنية بالقتلة ، يحفرون بحيرات الدم ، وينشرون الأوبئة والجوع ، حتى صارت أغلبية شعب اليمن خارج الحالة الطبيعية للحياة البشرية . ومثل الأفغان يعانى شعب اليمن من وحشية العدو وخيانة معظم العرب ، وتجاهل أو تواطؤ معظم دول العالم . ومع ذلك نجح اليمنيون فى تطوير وسائل قتالية  فعالة ، خاصة الصواريخ والطائرات المسيرة . وهم بذلك لم يدعموا صمودهم فقط ، بل بشكل غير مباشر وفروا دعما تسليحيا حديثا، يمكن أن يصبح متاحا لأى حركة جهادية قائمة ، أو قادمة فى المستقبل القريب.

و حزب الله حقق إنتصارات عسكرية منتزعا بالقوة أراضى لبنانية إحتلها الإسرائيليون. ومحققا إنتصارات كبرى شهد بها العالم وأصبحت موضع دراسة فى الجيوش المعتبرة، وتحديدا حرب عام 2006 فى جنوب لبنان . والحزب هو القوة الإسلامية الوحيدة التى فرضت على الجيش الإسرائلى معادلة ردع تجعله محدود الخيارات عند أى مواجهة عسكرية معه . والجديد فى قدرات الحزب هى منظومة عسكرية متكاملة تشكل ردعا للعدو الإسرائيلى وتهديدا لتواجده فى الأراضي المحتلة. وتشمل المنظومة قوة صاروخية كبيرة ومتطورة ، إضافة إلى طائرات مسيرة . وذلك يضاف إلى قوة برية نظامية جاهزة لخوض حرب على أرض الشمال الفلسطينى فى الجليل ، بشكل تقليدى أو غير تقليدى .

 إن الإستفادة من نقاط القوة فى تلك التجارب الجهادية ، من جميع النواحى الإستراتيجية والسياسية والتسليحية والتنظيمية ، هو خطوة جادة لنقل جهاد الأمة الإسلامية من حالة الفشل والجمود السلفى الوهابى ، والإنطلاق به قدما دفاعا عن مقدساتنا فى فلسطين وجزيرة العرب . وإستكمال تحرير أراضى إسلامية عديدة .

 

 

ثورة الحجيج خطوة أولى .. وضربة إستراتيجية كبرى :

ثورة الحجيج هى إختبار كبير للأمة الإسلامية كى تثبيت جدارتها بأن تكون إسلامية فعلا وليس قولا فقط . وتثبت أحقيتها بالوجود الكريم بين الأمم ، وليس كعبيد مستتبعين لأعدائهم.       أربعة ملايين حاج يتجمعون كل عام فى ساحة عرفة ، وفى الحرم المكى والمسجد النبوى .  لو قالوا مرة واحدة وبصدق (لا اله إلا الله ) لاهتز لهم العالم ، وعرف أنهم أحرار بالفعل ، ولم يجرؤ أشباه الرجال مثل ترامب أو نتنياهو أن يتجبروا عليهم ويهينوهم صباح ومساء .

يجب أن يستولى ملايين المسلمين على مقدساتهم فى مكة والمدينة ، وأن يضعوا حاكما لجزيرة العرب ، التى هى أرض مقدسة لدى المسلمين وملكية عامة لهم ، ولا ينصرفون من حوله حتى يستتب له الأمر فى تلك البلاد . يومها تصبح فلسطين والأقصى على بعد أمتار .

– مقدساتنا لن تصبح يهودية مهما تطلب الأمر من دماء وتضحية ومن قتال وصبر أيام وسنين وحتى لقرون وإلى قيام الساعة . لقد نادى البعض بتحويل مكة والمدينة إلى ما يشبه(الفاتيكان) بالنسبة للمسيحيين الكاثوليك. ولكن الإسلام لن يسلك نفس مسار المسيحية فيفصل ما هو لقيصر(اليهودى) عن ماهو لله من المناسك التعبدية .

فالإسلام هو دين لأمة واحدة ، تؤمن بالله وبالإسلام كمجموعة نظم مترابطة أخلاقيا وإجتماعيا واقتصاديا وسياسيا . رسالة واحدة مهداة للبشر جميعا بكل المحبة ، وبلا إكراه أو ظلم لأحد من البشر ، أو ظلم لغيرهم من الكائنات أو حتى مكونات الطبيعة التى تشاطرهم الوجود على نفس الكوكب. فالإسلام دين متفرد فى شمولة وبساطته وعمقه وإنسانيته.

– مكة هى عاصمة الإسلام ، والمدينة عاصمة رسول الإسلام ، وبيت المقدس هو قِبْلَة المسلمين الأولى ، ومنتهى رحلة إسراء رسول الإسلام وبداية معراجه فى رحلته إلى السماء. لا شئ من ذلك قابل للتنازل أو التعديل ، أو الإهداء لأعداء الإسلام ، ولن تتحول عواصم الدين إلى عواصم للإرتداد عن الدين وعربدة المرتدين .

– فإما أن الحجاج سينجحون فى إعادة الموازين إلى نصابها بقوة تجمعهم المبارك ، وزخم إيمانهم وتجردهم من متعلقات الدنيا فى مناسك الحج، وإلا فإن مسيرة تحرير المقدسات والأرضى المقدسة لجزيرة العرب سوف تأخذ شكلا جهاديا عنيفا . رضى بذلك من رضى وأبى من أبى . لقد تركنا الجهاد ، فصار حالنا إلى ما نراه الآن . والعودة إلى الجهاد بالسلاح والكلمة والدعاء أصبح ضرورة حتمية ، إن نكص عنها قوم فسوف يقوم بها أقوام آخرون ، لا يخافون فى الله لومة لائم ، ولا تردعم تهويلات الأعداء بمصطلحات الإرهاب والتطرف ليصدوهم عن طريق الجهاد .

ويبقى طريق العزة الوحيد هو طريق الجهاد ، من الآن وحتى قيام الساعة . لقد بدأ الإسلام غريبا وقد عاد الآن غريبا حتى فى مهبط الوحى وأرض الرسالة . ولكنه سيعود أقوى مما كان فى أى عصر مضى حتى ينجز الله وعده (ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون) وهو الوعد القادم الذى لم يتحقق فى سابق عهود الإسلام ، ولكنه حتمى الحدوث قبل قيام الساعة.تلك الردة الفاجرة فى جزيرة العرب ، وعموم بلاد العرب ، هى أشد ساعات ليل الضلال الذى سيعقبه فجر الظهور الجديد للإسلام ، على أيدى المجاهدين الصابرين المحتسبين .

وما لم يخرج طواعية الكفار والمرتدون والمنافقون من جزيرة العرب وفلسطين ـ وعموم بلاد العرب ـ فإن السبيل لإقتلاعهم واضح فى الكثير من آيات القرآن :

{واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم ، كذلك جزاء الكافرين } ــ 191 سورة البقرة ــ ومالا تنجح فيه ثياب الحجيج البيضاء ودعواتهم ، فسوف تحققة أسلحة المجاهدين وتضحياتهم (كتب الله لأغلبن أنا ورسلى ..).

 ذلك وعد الله ، وكان وعده مفعولا.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

ثورة قادمة .. أم "ربيع " عائد؟؟ (4) تركنا الجاد .. وهكذا صرنا !!.




بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان .. (4)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (4)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 

(4)

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا .

الهجوم على القواعد الجوية الكبرى يؤثر على نشاط المرتزقة وعلى صناعة الهيروين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المفاوض الأمريكى يرفع عصا المرتزقة فى وجه المفاوض الأفغانى . وأنه فى حال سحب القوات الأمريكية فإن جيش المرتزقة هو الذى سيتولى الحرب .

وفى ذلك نوع من التهويل للتأثير على أعصاب الأفغان . فالمرتزقة هم القوة الأساسية التى تقاتل الشعب الأفغانى منذ عدة سنوات . ما زاد فى عهد ترامب هو إعلانه فى إستراتيجيته تجاه أفغانستان أنه رفع جميع العوائق امام مقاتليه كى يستخدموا أقصى درجات العنف لإنهاء مقاومة الشعب الأفغانى ، ودفع حركة طالبان قسراً صوب طاولة المفاوضات ، وبالأحرى طاولة الإستسلام . والنتيجة هى أن إنسحاب القوات الأمريكية لن يغير شيئا فى طبيعة القوات التى تقاتل لحسابها فى أفغانستان ، ولن يقلل من الكوارث الواقعة على رأس المدنيين .

الشئ الآخر هو أن قوات المرتزقة هى قوات قتل وليست قوات قتال ، خاصة إذا كان فى مقابلها حركة جهادية ذات تصميم وعزيمة وخبرة قتالية طويلة وتحظى بدعم شعبى كامل .

المرتزقة قوات قتل من الدرجة الأولى، فى حال إنفردت بالمدنيين العزل ، فيصبح أفرادها وحوشا بلا رحمة ، لا تربطهم صلة بالبشر ، وتفعل بالمدنيين مالا يمكن تصوره من أعمال .

من الطبيعى أن يكون البطش بالمدنيين هو الهدف الأول لجيش المرتزقة طبقا للإستراتيجية الأمريكية التى تناسب تماما التركيب النفسى للجندى المرتزق .

فحركة طالبان ما كان لها أن تخوض حربا جهادية طويلة لأكثر من 18 عاما حتى الآن وبدون دعم خارجى ـ بل على العكس فى ظل حصار إقليمى ودولى كامل ـ إلا بدعم شعبى لا نظير له ، بحيث يلبى جميع إحتياجات حركة مقاومة جهادية متصاعدة ضد أقوى جيوش الأرض فى أوسع تحالف شهدته حرب بعد الحروب العالمية .

كانت خسائر الشعب الأفغانى فى الأرواح باهظة ، وأكبر بكثير جدا مما يعلنه الأمريكيين . الذين أيضا تكبدوا خسائر فى الأرواح والمعدات أكبر بكثير مما أعلنوه حتى الآن .

يدرك الأمريكيون أن لا فائدة من محاولة ردع مقاتلى طالبان ، ناهيك عن هزيمتهم ولكن أملهم الوحيد فى ردع الإحتضان الشعبى لطالبان ، والتصدى لتبعات حرب طويلة وقاسية وباهظة التكلفة .

الشعب الأفغانى هو المستهدف من حرب أمريكا وجيوش مرتزقتها . والحرب تجرى الآن وستظل كذلك تحت رقابه CIA ، وقوة محدودة من القوات الخاصة والجنرالات الجيش، للمحافظة على إتجاه الحرب ضمن إطار الإستراتيجية الأمريكية العليا ، التى ليس من مصلحتها بحال أن يتحول جيش المرتزقة فى أفغانستان إلى صورة طبق الأصل عن (شركة الهند الشرقية ) فى القرن التاسع عشر ، التى تحولت إلى دولة تحكم الهند فعليا بدرجة عالية جدا من المرونة فى إرتباطها بالمركز البريطانى . فالظرف الدولى الحالى مخالف تماما لما كان سائدا منذ قرنيين من الزمان .فالحرب فى أفغانستان مرتبطة بخارطة الحروب والأزمات الدولية التى تديرها الولايات المتحدة ، وهى أشد إرتباطا بالحملة الأمريكية الإسرائيلية فى بلاد العرب من العراق والشام وحتى اليمن مرورا بجزيرة العرب بنفطها ومقدساتها. ومرتبطة بالخطر الذى يعترض ذلك المخطط والرابض على الشاطئ الشرقى للخليج العبرى ، ألا وهو إيران(الرافضة) للمشروع الأمريكى كلة ولأصل التواجد الصهيونى فى بلاد العرب والمسلمين.

    – للمرتزقة فى أفغانستان سلاح طيران خاص بهم ، ويشمل تشكيلة منوعة من الطائرات ، مع تركيز خاص على طائرات الهيلوكبتر التى تعتبر العمود الفقرى لعملياتهم الأرضية ومعها بالطبع تلك “الدرون” متعددة المهام .

لإستكمال التحطيم النفسى للمدنيين فإن هجمات المرتزقة على القرى تتم فى الليل غالبا . وبعد تدمير الأبواب وتجميع السكان فى الساحة الرئيسية للقرية يبدأ الإحتفال بالضرب والقتل والنهش بالكلاب المفترسة ، تم تدمير المسجد والمدرسة ومعدات الزراعة ، ثم إنتخاب أسرى والطيران بهم بعيدا .

صار ذلك جدولا نمطيا للتعامل الأساسى . وهناك أيضا القصف الجوى المفاجئ على القرى ، أو ضربها بمدفعية الجيش “الوطنى” ، وكثيرا ما أزيلت قرى بالكامل بهذه الطريقة .

الطائرات بدون طيار لها دور محورى فى الإستطلاع والمراقبة إلى جانب عمليات الإغتيال الجوى وترويع الأهالى وقتلهم فى مواقع شتى على الطرقات وفى الحقول ، وضرب الأسواق ، وجرارات الزراعة ..  وفى ذلك موجز غير مكتمل عن حرب المرتزقة فى أفغانستان .

ولكن كيف يواجه مجاهدو طالبان ذلك التحدى ؟؟ .

  – نتيجة لضعفها المخزى على الأرض تعتمد الإستراتيجية الأمريكية على سلاح الطيران ، بحيث يعجز المشاة عن أى تحرك بدون غطاء جوى أو دعم جوى قريب وسريع .

ـ العمليات الأرضية الخطيرة يقوم بها الجيش “الوطنى” !! وبالتالى يتكبد دوما معظم الخسائر فى الأرواح . وكذلك حراسة المدن الكبرى ، أو تأمين الطرق لحركة الجيش الأمريكى(وهى نادرة حاليا ) أو إستكشاف الطريق لقوات المرتزقة فى العمليات الأرضية والغارات المفاجئة.

    فرص تحقيق نجاحات لقوات المرتزقة عند مهاجمة مجموعات من طالبان ، هى عندما تكون تلك المجموعات صغيرة أو منعزلة ، أو محدودة التسليح بحيث لا تحمل صواريخ مضادة للدروع  RPG .

    وأحيانا تمكنت وحدات طالبان الصغيرة من إسقاط المروحيات التى تحمل جنود المرتزقة المعززين بقوات خاصة (وطنية)!! وإسقاط تلك الطائرات يمثل كارثة للعدو لأن خسائر الأرواح تكون كبيرة .

وفى العديد من الحالات فإن الوحدات الصغيرة من مجاهدى طالبان كانت فى موقف القتال لآخر طلقة وآخر نقطة دم فى مقابل هجوم متفوق للمرتزقة المحمولين بالمروحيات  . فيتحقق للمرتزقة نصراً تكتيكيا مدفوع الثمن بالكامل ، بحيث يعتبر خسارة فى الحساب الإجمالى .

وبهذا لن يتحقق أبدا نصراً ميدانيا متكاملا على مجاهدى طالبان ، ويظل الطريق المضمون والممهد أمام المرتزقة هو تدمير المدنيين وحياتهم ومعاشهم .

فيركز المرتزقة على الإنتقام من القرى التى تستضيف المجاهدين أثناء عبورهم أو مبيتهم. حسب ما يردهم من معلومات الرصد الجوى (بدون طيار)، أو شبكة الجواسيس المحليين الذين تفتقر معلوماتهم إلى الدقة ولا تخلوا من عنصر المكيدة وتصفية الحسابات الشخصية أو القبلية.

 

 

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا :

لا يمكن للمرتزقة أن يكسبوا حرباً ـ خاصة فى أفغانستان ـ كما أنهم لم يكسبوا أى حرب فى السابق ـ ولننظر إلى تجربة فرنسا مع فرقتها الأجنبية التى هى سلاح المرتزقة لديها والمكونة من جنود مستعمراتها السابقة . ولها شهرة عالمية فى الوحشية المفرطة ، وعدم التقيد بأى قوانين أو أعراف إنسانية . وهدفهم دوما ـ كما هو الآن ـ إرعاب الشعوب وردعها عن مجرد التفكير فى مقاومة الإستعمار.

كان للفرقة الأجنبية الفرنسية تجارب كثيرة منها فيتنام فى أواسط أربعينات القرن العشرين . إذ أفاقت فرنسا من هزيمتها المخزية فى الحرب العالمية الثانية، فرجعت إلى مستعمراتها السابقة فى الهند الصينية لإعادتها إلى حظيرة الإستعمار الفرنسى . كان الجنرال الفيتنامى ” جياب ” هو النجم الساطع فى تلك الحرب والقائد العسكرى الأشهر . يقول الجنرال جياب عن المرتزقة الذين قاتلهم وإنتصر عليهم بجيش من الفلاحين البسطاء لكن المتحمسين للدفاع عن وطنهم .

قال الجنرال ما معناه : { إن فرنسا إعتبرت هؤلاء المرتزقة غاية فى الإمتياز أنهم يخوضون حرب الآت لا حرب جنود . التدريب الآلى حولهم إلى آلات حرب لا جنود . الحرب تجارتهم لكنهم لا يعرفون لماذا يقاتلون . إنهم يعتمدون على السلاح والتدريب الآلى أكثر من إعتمادهم على روح الجندية } .

{ إن ما يفتقده الإستعمار ليس السلاح ، وفى هذا الخصوص هم يتمتعون بتفوق كامل علينا ، إن ما يفتقدونه هم الرجال الراغبون فى القتال } .

{ إعتمد جنرالات فرنسا على السلاح والمسائل الفنية ولم يعرفوا شعبنا بشكل جيد ، ولم يدركوا أنهم يقاتلون أمة بكاملها وجيش شعبى يشن حربا شعبية } .

فهل الجنرال جياب منذ أكثر من سبعة عقود كان يصف الوضع فى فيتنام أم كان يصف الحال فى الحرب الأفغانية الدائرة حاليا ضد الإستعمار الأمريكى وفرقته الأجنبية من مرتزقة شركات (بن زايد/ برنس / إسرائيل)، أشهر وأقوى جيوش المرتزقة فى القرن الحادى والعشرين .

 

  – يراعى مجاهدو طالبان مبدأ الإنتشار وعدم تركيز القوات تفاديا لسلاح الجو المعادى ، ولعدم إمتلاك طالبان لوسائل مناسبة للدفاع الجوى ، خاصة الصواريخ المحموله على الكتف . والتى فى حال توفرها بأعداد حتى ولو كانت قليلة فسوف تضع حداً لمعظم نشاطات المرتزقة وبذلك تتوفر حماية أكثر للمدنيين ولقوات طالبان معاً .

معظم قوات المجاهدين تتشكل من مجموعات متحركة تتكون ما بين عشرة إلى عشرين مجاهدا ، وذلك لتقليل الخسائر من الضربات الجوية أو عمليات الإنزال الجوية للمرتزقة .

تلك المجموعات المتحركة تتمتع بقدرة كبيرة على التحول من الإنتشار إلى التركيز و بسرعة كبيرة بدرجة تمكنها من التجمع لمهاجمة أهداف كبيرة للغاية كمدينة رئيسية مثل غزنى أو قندوز . وهم قادرون على ما هو أكبر من ذلك، ولكن بعد حل بعض القضايا التكتيكية والسياسية ، سيمر علينا بعضها عند مناقشة عملية الإستيلاء المؤقت على مدينة غزنى فى الصيف الماضى (2018) .

  – هناك وسائل عديدة تتبعها قوات طالبان لمقاومة قوات المرتزقة المحمولين جوا ، منها كمائن المتفجرات بعد إشارات تضليلية بوجود قوات لطالبان فى المكان .

وبالمثل توريط تلك القوات فى كمائن وحصار يكلفها خسائر باهظة وإستنفار عسكرى كبير لاستخراج من يتبقى منهم .

  – تبقى الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف هى العلاج الأفضل والأنجح. وهى مشكلة سياسية قبل كل شئ ، فالدول المنتجة لذلك السلاح لا تجرؤ على تحدى النفوذ الأمريكى. والسوق السوداء التى تذخر بكل شئ تعانى من متابعة إستعمارية دقيقة لتنظيفها من ذلك النوع من الأسلحة تحديدا .

 ويظل أفضل ما هو موجود لدى مجاهدى طالبان لمواجهة المرتزقة هو مبدأ مرونة وسرعة الحركة ، والقدرة على التجمع ثم الإنتشار والعكس .

ويلى ذلك فى الأهمية الكمائن وأفكارها المبتكرة . ثم أطالة أمد الإشتباك مع المرتزقة حتى تتدخل نجدات من مجموعات المجاهدين الأخرى . عندها تكون هزيمة المرتزقة حقيقة لا جدال فيها ما لم يتمكنوا من الإنسحاب بأقصى سرعة فى مروحياتهم .

  – حل أضافى ذو طابع إستراتيجى ، وهو الهجوم على القواعد الجوية الرئيسية حيث يتجمع المرتزقة والطائرات المروحية وتلك التى بدون طيار وبالطبع أنواع الطائرات المختلفة المقاتلة وقاذفة القنابل .. ومعامل تحضير الهيروين .

وتشديد الضغط على تلك القواعد مؤثر فى المجهود العسكرى للمرتزقة وسلاح الطيران وصناعة الهيروين ـ لذلك فهو عمل ذو أهمية إستراتيجية ويحتاج إلى تجهيزات أكثر تطورا وتكتيكات أكثر تعقيدا .

  – عامل إستراتيجى آخر للتأثير على المجهود الضار للمرتزقة ، وحماية المدنيين من هجماتهم . هو تشديد الهجمات على المدن لإرغام النظام على حشد قواه ـ بما فيها المرتزقة وسلاح الطيران ـ للدفاع عن المدن ـ حيث أن الإحتفاظ بالمدن الرئيسية هو الورقة الأساسية التى يمسك بها المحتل ونظامه السياسى العميل فى العاصمة كى يساوم بها فى أى مفاوضات نهائية مع المجاهدين . معتمدا على عدم قدرتهم على مهاجمة المدن أو عدم قدرتهم على الإحتفاظ بها إذا تمكنوا من إقتحامها (كما حدث فى غزنى وقندوز) .

     بالطبع يمكن الإستيلاء على مدن كبرى والإحتفاظ بها فى ظل الظروف الحالية بعد توفير شرائط معينة عسكرية وسياسية . خاصة وأن الإحتلال الأمريكى المباشر بقوات أمريكية ، أو بواسطة شركات المرتزقة وجيوشها ، يخضع أساسا لموازين الربح الإقتصادى المرتبط فى أفغانستان على عامل الهيروين . وحيث أن الأفيون ومزارعه يقع بشكل متزايد فى أيدى مجاهدى طالبان ، أى سيطرتهم أكثر على المادة الخام لتصنيع الهيروين .

     والمطلوب هو مزيد من السيطرة على مزارع الأفيون لحرمان العدو منها . وعدم إعتراض الأفيون عند خروجه من البلاد حتى لا يعود إلى مصانع العدو أو إلى خطوط نقله إلى قاعدة بجرام الجوية عبر المطارات الداخلية ، أو بواسطة التجار المتعاونين مع المحتلين، والذين يجب تشديد العقوبات عليهم وإعتبارهم قوات معادية .

     وسائل خنق صناعة الهيروين وتجارته هى هدف أساسى للمجاهدين فى تلك الحرب . وذلك يشمل صناعة تبيض الأموال المرافق لتلك الصناعة وتوأمها اللصيق بها.

  – وهنا يجب الحديث بشئ من التفصيل عن دور “بنك كابول” بإعتباره ركيزة أساسية فى  تلك الحرب.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان .. (4)

 




إسلاموفوبيا أم هولوكوست

من نيوزيلاندا إلى أفغانستان و فلسطين و اليمن.. دماء مسفوحة بالمجان

من نيوزيلاندا إلى أفغانستان و فلسطين و اليمن.. دماء مسفوحة بالمجان

 

هجوم إرهابى على مسجدين فى نيوزيلاندا ، قتل فيهما 50 شهيداً ومثلهم تقريبا من الجرحى .

حجر آخر ألقى فى بركة شعوب إسلامية راكدة ، تسمع وتثرثر تاركة الفعل للقطاع الإسلامى الحكومى ، أو ذلك القطاع الخاص المحترف من جماعات مسلحة ودعوية “!!” .

كالعادة أسهم  الصحفيون والكتاب  بغزارة فى شرح وتحليل مأساة نيوزيلاندا . فالموضوع مثير وتفاصيله المتاحة كثيرة ، والكتابة فيه سهلة ومأمونة .

التحليلات غطت معظم الجوانب ، بحيث لم يعد هناك مكانا للمزيد سوى تكرار لا يضيف جديدا ، إلى أن يتوفر حادث آخر تنتقل إليه الأضواء ويلهث خلفه المتابعون وفرسان الإنترنت.

– من السهل رؤية ترابط بين حادث نيوزيلاندا والموقف الإسلامى العام ، من فلسطين إلى اليمن ، وهزيمة داعش وإفلاس أخواتها فى العراق والشام . ويأس الشعوب العربية ، وتراجع قضاياها الأساسية ، وإنتكاسة محاولاتها للحركة والإنفلات من كوابيس الحياة اليومية وعلى رأسها أنظمة تحكم بالشرطة السرية والبيادة العسكرية .

والغرب الذى يرأسه ترامب ، يوقظ الروح الصليبية مناديا بحذف المسلمين والمهاجرين من الغرب المسيحي ، فى عنصرية دينية وعرقية ينفق عليها نظام إقتصادى وصل إلى نهاية الطريق بإفلاس العولمة ، إذ شعرت شعوب الغرب المدللة بفداحة نتائجها متمثلة فى تراجع كبير فى مستوى حياة الأغلبية، لصالح تراكم الثروات بشكل غير مسبوق لثلة من كبار الأثرياء من أعمدة نظام(الرأسمالية المتوحشة) وشركاتها العظمى العابرة للقارات وللإنسانية كلها .

   تلك الرأسمالية ترى أنها مهدَّدَة بثورة شعبية لا تبقى ولا تذر، تتراكم نذرها التى بزغت فى فرنسا وهى ترتدى سترات صفراء . والحل ؟؟ .. ليس سوى نظام فاشى يسيطر على كل أوروبا فيحول مسار الثورة المتجهة صوب رأسمالية الكوارث لينحرف بها صوب فقراء المهاجرين والمسلمين . فأعطوا اليمن المتطرف حقن منشطة ليزحف تدريجيا وثبات ليس فقط على المجال الشعبى الجماهيرى ، ولكن أيضا على مؤسسات الحكم فى أكثر من بلد محورى فى أوروبا من شرقها إلى غربها .

المسلمون أول الضحايا ، فهم أصحاب الديانة الأولى بعد المسيحية فى أوروبا ، ثم أنهم أغنام شاردة لا راعى لها ، بحثوا عن ملاذ آمن فى(ديموقراطية) الغرب ، فرارا من أنظمة حكم (إسلامية) ترعى شعوبها بالمعتقلات والمشانق والإخفاء القسرى ، وتزود سفاراتها فى الخارج (بالمناشير الألكترونية) ويسكن سفرائها فى فيلات مزودة(بأفران ضغط عالى) تصهر جماجم وعظام رعاياها الذين تم “نشرهم” فى سفارات بلادهم.

– حادث نيوزيلاندا حقنة حياة لمرضى الإنعاش من تنظيمات إسلامية مسلحة وغير مسلحة . وحقنة منشطة لصفقة القرن التى حولت فلسطين من (قضية العرب المركزية) إلى بورصة مساومة إقتصادية لتحسين مستوى معيشة اللاجئين، وصفقات عظمى تسيطر بها إسرائيل على بلاد العرب من المحيط إلى الخليج ، بمقايضة الوطن الفلسطينى (بل الوطن العربى كله بمقدساته الإسلامية والمسيحية) بالدولار الأمريكى وشطائر الهمبورجر.

صفقة تقتحم بعدها إسرائيل الحرم المقدس لجزيرة العرب ، من الحجاز إلى اليمن السعيد بالغزو السعودى الإماراتى ، وإلى عمان المنطوى على نفسه القانع بأحوالة السرى منها والعلنى ، والذى تحاول الإمارات “إستكشافه” وغزوه بالجواسيس بدعم تكنولوجى إسرائيلى .

– بشكل عام تحظى الحوادث الفاقعة التى تجد طريقها إلى الإعلام بالصدفة البحته ، أو بالصدفة التى تم التخطيط لها جيدا ، تحظى بإهتمام فوق العادة يصل أغلبه إلى درجة النفاق والتصنع ، وغسل الأوجه القذرة والأيدى الملوثة بالدم . فهذا يستنكر والثانى يشجب والثالث يدين ورابع يطالب بأشد العقوبات .

إسلاموفوبيا أم هولوكوست ؟؟ .

أما الكوارث الحقيقية فهى تمارس على مدار الساعة على أيدى أجهزة رسمية لدول عظمى (أو حتى شرق أوسطية حقيرة) . القتلى فيها ليسوا صحفيين لامعين تم(نشرهم) فى قنصليات بلادهم ، بل مُصَلِّين أبرياء فى نيوزيلاندا عاث فى صفوفهم قاتل هادئ الأعصاب أمِنَ على سلامته ، وتم منحه الوقت الكافى لقتل أكبر عدد ممكن من المسلمين الذين قَدِمُوا من العالم الثالث لغزو العالم المسيحى الأبيض فى عقر بلاده التى إستعارها من ملايين جثث  السكان الأصليين .

نشط القاتل (برينتون هاريسون تارنت) فى مسجدين مختلفين وقت صلاة الجمعة ، حيث أجهزة الدولة “مُعْتَكِفَة” ، تفكر فى أى شئ سوى حماية أرواح أناس لا قيمة لهم .. فقط لأنهم مسلمون من دول متخلفة نجوا بجلدهم من حكومات بلادهم . شاب أسترالى مسلح بترسانة كاملة من البنادق والمسدسات والعبوات الناسفة ـ { كل ذلك وتقول السلطات أنه إرتكب الحادثة وحيدا} ـ ذلك السوبرمان ، أو رامبو أستراليا يذكرنا بالأمريكى(باروخ جولدشتاين) الذى إقتحم عام 1994 الحرم الإبراهيمى فى فلسطين المحتلة ، عند صلاة الفجر ليقتل ويجرح العشرات فقتله المصلون بعد أن فقدوا 19 شهيدا وجرح منهم 15 آخرين . وأسترالى آخر (دنيس مايكل روهان)، فى عام 1969 أشعل النيران فى المصلى القبلى للمسجد الأقصى ليحرق أجزاء منه بما فيها المنبر التاريخى الذى أحضره صلاح الدين الأيوبى بعد فتح القدس . المحاكمة فى واحة الديموقراطية فى الشرق الأوسط أثبتت أن الجانى الأسترالى كان مختل عقليا فأطلقوا سراحه .

 زميلَةُ (تارنت) فى نيوزيلاندا سيكون فى الغالب مجنوناً أيضا .. ليس هو فقط بل كل المصلين الذين ظنوا أن هناك بلدا آمنا لمسلم . أو أن هناك جبل يعصمه من أسماك القرش التى يستثيرها الدم المسلم أينما كان ، فى موطنه أو فى المهجر، أو فى قارب فى عرض البحر يبحث عن بر للأمان ، فلا يجد غير ذئاب أوروبا فى الإنتظار. يسمون ذلك إسما لطيفا هو “إسلاموفوبيا” ، فكيف يكون “الهولوكوست”؟؟.

دماء فى الظلام :

– بعيدا عن الأضواء هناك أفغانستان . حيث أطفأ الإحتلال الأمريكى جمع الأضواء وأخمد جميع الأصوات ، سوى صوته هو فقط ، وصدى صوته فى الإعلام المحلى والدولى .

على ذكر أبطال أستراليا، فإن لهم فى أفغانستان باع طويل فى جرائم (الكراهية والعنف) على أساس دينى بحت، وعنصرى أحيانا، حيث “هولوكوست” يحرق شعبا كاملا بلا تمييز.

فى ولاية أرزجان { مسقط رأس الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان وأمير أول دولة لها} قناصة الجيش الإسترالى يمارسون /عندما تسنح لهم الفرصة/ رياضة قنص الأهالى السائرون فى الطرقات وفى الأسواق . وتتعالى ضحكات الجنود ، ويتصايحون بالرهان على أصابة أنواع مختلفة من خلق الله الأفغان .{يهاجر بعض الأفغان إلى أستراليا ونيوزيلاندا بحثا عن الأمان ولقمة العيش!!}. لم يكن ذلك حادثا منفردا أو وحيدا بل مكررا . لن نتكلم عما فعله فى الشعب الأفغانى أبطال أمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا .. إلى آخر جيوش قلاع الحرية والديموقراطية الأوربية .

فهناك سُحِلَ الأحياء بالسيارات حتى الموت ، وأُحْرِقَت الجثث ، وتبول الغزاة على أجساد الشهداء ، وقطعوا أجزاء من أجسادهم لإرسالها كتذكارات إلى الأصدقاء فى أرض الوطن لطمأنتهم أن كل شئ فى أفغانستان يسير على ما يرام حسب رؤية جورج بوش قائد الحملة الصليبية على أفغانستان . وهناك حفلات الهجوم الليلى على سكان القرى وإخراجهم إلى الساحات ، وإطلاق الكلاب المتوحشة على النساء والأطفال تنهش أجسادهم ، وتأكل من جثث القتلى منهم ، قبل نسف بعض المنازل ومدرسة القرية ومسجدها. فهناك تركيز خاص على المساجد والمدارس الدينية ، بقتل علمائها ومدرسيها وطلابها واعتقالهم وإخفائهم (قسريا) إلى الأبد، حيث تتراوح مصائرهم بين القتل تحت التعذيب إلى تفكيكهم إلى قطع غيار بشرية تباع فى الأسواق ، لتمنح أثرياء العالم فرصة لحياة أطول . حيث الفقراء تكون فائدتهم “للإنسانية” وهم موتى أكثر من فائدتهم أحياء.

{بالمناسبة : قال الهنود عن الطائرة التى أسقطتها باكستان فى كشمير أنها كانت تستهدف مسجدا ومدرسة دينية ــ تأمل!! ــ نفس الهدف يتوخاه الباكستانيون والأمريكان عند قصف المناطق القبلية فى وزيرستان الحدودية مع أفغانستان ــ تأمل!! ــ. لهذا لم يستنكر أحد وجود المساجد والمدارس الدينية كهدف يحظى بإجماع الأصدقاء والأعداء على حد سواء} .

–  مع بداية العام الحالى ، الأستراليون / من زملاء بطل جريمة مسجدى نيوزيلاندا، وتحديدا فى 26 يناير الماضى، هاجموا عدة قرى أفغانية فى ولاية أرزجان ، ونتائج غزوتهم كانت : تخريب مسجد واحد ، تدمير عدة منازل للقرويين ، تدمير20 سيارة ، 8 قتلى من المدنيين ، وإختطاف 6 من الأهالى وإصطحابهم فى المروحيات حيث المصير المجهول .

وخلال عام 2018 دمرت الحملة الأمريكية وحلفاؤها من الديموقراطيات الغربية 85 مسجدا للأفغان ، وفجرت 15 مدرسة دينية مع أعتقال المشايخ والطلاب وحرق الكتب ، وعدم السماح للطلاب بإخراج كتبهم من فصولهم المحترقة ، وتدمير606 منزلا ـ بعضهم بكامل سكانه بواسطة ضربات جوية ومدفعية ، إحراق 58 سيارة و 8 شاحنات ، تدمير 398 دراجة نارية ، إحراق كامل لسبعة أسواق تجارية ، إقتلاع وإحراق 4210 شجرة مثمرة وكأننا فى فلسطين أو فى سيناء .

   تم تتويج عام 2018 فى شهر إبريل ، بضربة جوية لمدرسة دينية فى ولاية قندز الشمالية أثناء إحتفال كبير لتكريم أطفال من حافظى القرآن الكريم . حضر الإحتفال أولياء الأمور وأهالى المنطقة ، ولم يستشهد فى الحادث سوى100 طفل من حافظى القرآن الكريم مع عدد من آبائهم ، لهذا لم يهتم أحد فى العالم العربى .

 ولعل الحكام العرب والمسلمين يتنفسون الصعداء عند كل حادث مماثل لما حدث فى قندوز أو نيوزيلاندا إذ خفف عنهم معاناة قتل عدة عشرات من المسلمين ، هم بلا شك (مشاريع لإرهاب إسلامى مستقبلى) يجب سفك دمه الآن .. الآن .. وليس غدا .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

إسلاموفوبيا أم هولوكوست

 




مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (154) | ربيع الثاني 1440 هـ / ديسمبر 2018 م.       

24/12/2018

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

– القواعد العسكرية الأجنبية وظيفتها نهب الثروات ، والسيطرة السياسية ، وتوفير نفقات الإحتلال ، ومنع تطبيق شرائع الإسلام .

– بدأت أمريكا عملية جباية وتسول مسلح لم تستثن أحدا / من الحلفاء الكبار إلى الأتباع المُحْتَقَرين/ بدعوى الحماية من الأخطار الخارجية .

– “القاعدة العسكرية” للمحتل الأجنبى تحْكُم الدولة “المُضِيفَة” ولكن من وراء ستار .

– القواعد العسكرية الأمريكية تجلب مخاطر الحرب النووية ، خاصة بعد نشر أمريكا لصواريخ متوسطة وقصيرة المدى ، وتعرض أفغانستان لخطر الدمار النووى بسبب موقعها الجغرافى .

– قاعدة بجرام الجوية تنتج أنْقَى أنواع الهيرويين ، وتنشر السلاح النووى الموجه إلى جيران أفغانستان . فمن يضع المشنقة النووية حول رقاب الشعب الأفغانى ؟؟ .

 

يعتمد الإستعمار الحديث (الإمبريالية) على السيطرة الإقتصادية ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر ـ تاركا مهمة إدارة البلاد التابعة لحكومات محلية “وطنية” تتبع سياسة المستعمر فى أمورها الداخلية والخارجية ـ لذا فهى حكومات إحتلال بالوكالة ـ أى أنها تقوم بكل ما يرغب فيه المحتل من تسخير موارد البلاد الإقتصادية لمصلحة شركاته وبنوكه ، وفى السياسة الخارجية تكون تابعة لخطاه ، تعادى من يعاديه المستعمر وتحالف من يحالفه ، وتنضم إلى مغامراته العسكرية الدولية ، وتكون تابعاً له فى حربه وسلمه .

– مازالت دول الإستعمار القديم تحتفظ بقواعد عسكرية فى الكثير من مستعمراتها السابقة ، وذلك لأسباب عديدة :

أولا ـ حماية مصالحها الإقتصادية ، ومصالح شركاتها الكبرى فى ذلك البلد من الأخطار الداخلية أو الخارجية المحتملة ، ومن أى مزاحمة ـ غير شريفة ـ من الشركات الكبرى التابعة للدول المنافسة. تلك المنافسات الشرسة تدور حتى بين الحلفاء، تزاحما على الموارد الإستراتيجية، خاصة النفط والغاز أو الماس والذهب واليورانيوم ، أو المواد الخام النادرة التى تستخدم فى الصناعات المتطورة وصناعات الفضاء.

ثانيا ـ ضبط التفاعلات السياسية فى البلد المقام فيه القاعدة العسكرية . بحيث تضمن بقاء عملائها على قمة السلطة السياسية . وتكون جاهزة للدفاع عنهم ضد أى عمل إنقلابى أو ثورة داخلية . أو العكس بأن تستخدم الجيش “الوطنى” الذى تشرف هى على تدريبه وتسليحه وإختيار قياداته العليا والتحكم فى حركة الترقيات الداخلية فيه بحيث يبقى تابعاً لها تماما. فتستخدمه للحفاظ على الحكومة المحلية العميلة ، أو تضغط به على مؤسسات الدولة المضيفة أو حتى ينقلب عليها ليقيم حكما عسكريا مباشرا لصالح أصدقاء الإحتلال المحليين الأكثر إخلاصاً له ، والأقوى فى الدفاع عن مصالحه ، والأكثر إستجابة لمطالبه ، والأقل طمعا فى تقاسم الثروات معه أو مشاركته فى شئ من القرار السياسى .

ونضرب مثلا لذلك الغزو السوفيتى فى ديسمبر 1979 والذى جاء برئيس شيوعى جديد أكثر إخلاصاً لهم هو “بابراك كارمل” بديلا عن “حفيظ الله أمين” الذى راودته أحلاما بشئ من الإستقلالية رغم ضعفه فى السيطرة على البلد بعد إحتطافه السلطة فى إنقلاب شيوعى عسكرى ضد الرئيس السابق”نورمحمد طرقى” أول رئيس شيوعى لأفغانستان ـ وهكذا إضطرب زمام السلطة فى أيدى الشيوعيين ، وتصاعدت قوة المجاهدين المناوئين للنظام الشيوعى .

فأضطر الجيش الأحمر السوفيتى لغزو أفغانستان وتنصيب رئيس أكثر طاعة ، ولكنهم أضطروا للقتال حوالى عقد من الزمان فى محاولة إخماد الثورة الجهادية ، ولكنهم فشلوا وهُزِمَ الجيش الأحمر وإنسحب ذليلا عاجزا فانفرطت الإمبراطورية السوفيتية من بين يديه .

 

“القواعد العسكرية” هى إحتلال عسكرى رخيص الثمن :

ــ لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية فى عشرات الدول، ليس فيهم واحدة تتمتع بقدر معقول من الإستقلال السياسى ، أو الإقتصادى ، أو الثقافى .

وتظل “القاعدة العسكرية” هى عماد قوة الإحتلال ، وتحت تصرفها حكومة محلية “وطنية” تتبع السياسة الأمريكية ، وتُبْقى إقتصاد الدولة فى قبضة القروض الأمريكية وهيمنة الشركات الأمريكية الكبرى المتعددة الجنسيات التى لها باع طويل فى السيطرة الإقتصادية على معظم دول العالم المتخلفة .

– “القاعدة العسكرية” لدولة أجنبية، تفرض منهجا سياسيا وإقتصاديا وثقافيا تابعاً لها فى الدولة “المضيفة” . ونظرة على أحوال الدول التى تجثم فوق صدورها قواعد عسكرية أمريكية، أو لأى دولة أخرى من دول الإستعمار القديم مثل بريطانيا وفرنسا ، تثبت صحة ذلك حتى فى الدول القوية إقتصاديا مثل ألمانيا واليابان . ناهيك عن الدول التى لا وزن لها ولكن تحتوى أراضيها على ثروات من نفط أو غاز أو مواد خام هامة مثل الذهب والماس واليورانيوم ، وغيره .

–  التبعية السياسية والإستغلال الإقتصادى بواسطة القروض أو الشركات متعددة الجنسيات لم تعد تكفى الجشع الأمريكى الذى تخطى حدود المعقول نتيجة تدهور حقيقى فى وضع الإقتصاد الأمريكى رغم الثراء الظاهرى . وقد ظهر الضعف البنيوى الحقيقى فى الإقتصاد الأمريكى فى أزمة المالية الكبرى(2008 ـ 2009) والتى لم يشف الإقتصاد الأمريكى والعالمى منها حتى الآن رغم التحسن النسبى الذى لا يطال جذور المشكلة الإقتصادية .

الجشع الأمريكى تزايد مع إقتراب الإقتصاد من أزمة كبرى ، سيكون لها آثار خطيرة على المجتمع الأمريكى لدرجة قد تصل إلى حرب أهلية بين المكونات العرقية والدينية. أوروبا تعانى بدرجة مماثلة ، وإستجاب المجتمع الأوروبى بتمزقات ظهرت بوادرها فى فرنسا فى تمرد السترات الصفراء، التى تتوسع نحو دول أوروبية أخرى مثل هولندا وبلجيكا والبقية تأتى ، ومازال الأمر محدودا ولكنه ينذر بمخاطر جَمَّة .

أمريكا بدأت عملية (تسول مسلح) لم تكد تستثنى أحدا من الحلفاء الكبار أو الأتباع المحتقرين . خطوات التسول والجباية الأمريكية بدأت من الدول التى ” تستضيف!!” قواعد عسكرية أمريكية، حتى أنها طالبت الأوروبين بدفع أموال لقاء حمايتهم . مدعية أنها كانت سابقا تحميهم بلا مقابل، وعليهم الآن أن يدفعوا الثمن كاملا . وطالبت دول حلف الناتو بزيادة مساهمتهم المالية فى ميزانية الحلف(الذى إدعى الأمريكيون أنهم يدفعون معظمها) . وفى النتيجة وجدت أوروبا أنها مطالبة بسداد نفقات المغامرات الأمريكية حول العالم والتى لا تفيد مصالحهم بشئ ، بل العكس تتمدد أمريكا على حساب مصالح الحلفاء والأصدقاء فهى دولة حمقاء مارقة لا تعرف سوى أنانيتاها.

–  فاضطر حلف الناتو إلى ضم دول نفطية إلى “ما يشبه العضوية” لتشارك فى عملياته العسكرية ، العلنية والسرية ، على أن تدفع جزءاَ يتناسب مع ثرواتها لتمويل النشاط الإستعمارى الأمريكى حول العالم بما فيه أفغانستان .

 

الإحتلال بالقواعد العسكرية :

الإحتلال بالقواعد العسكرية أقل تكلفة إقتصادياً بالنسبة للدول الكبرى المحتلة . ويوفر عليها عبء المعارك المسلحة مع الشعب الضحية . ويترك للحكومات العميلة مهمة إخضاع شعوبها بجيشها “الوطنى” وقوات الأمن المحلية والسجون والمعتقلات والتعذيب ، وجهاز (بهتان إعلامى) مهمته ترويج الأكاذيب وتضليل الشعب وصرفه إلى اللهو والمجون، وتزين القبول بالإستعمار غير المباشر وبالقواعد العسكرية للمستعمرين ، وقبول التدخل الخارجى فى شئون البلد ، والأهم هو الإستنزاف الواسع للثروات لصالح الشركات الأجنبية (خاصة شركات الدول التى تمتلك قواعد عسكرية فى الدولة المنكوبة). والوضع الطبيعى فى نظام حكم مثل هذا هو أن يكون فاسداً قاسياً عميلاً ، يتسابق فى حصد الأموال عبر التفريط فى ثروات الوطن وحقوق الشعب . ويمكن القول أنه من المستحيل قيام حكم صالح وطبيعى فى حال وجود قواعد عسكرية لدولة أجنبية.

فالدولة (الوطنية) بحكامها وأجهزة حكمها، تكون فى خدمة الدولة الأجنبية صاحبة القاعدة العسكرية. ويحرس “الوطنيون!!” مصالح المحتل، ويحرسون حتى قواعده العسكرية بأموالهم ودماء شبابهم ، ويدفعون تكلفة قهر الشعب من دماء وأموال هذا الشعب الذى يحكمونه . أما المحتل فيتجنب المعارك ويكتفى بإظهار قوته من خلال قاعدته العسكرية ـ ويستمتع بمكاسب الإحتلال كاملة بدون أن يتجشم عناء الحرب تاركا مصائبها للشعب المحلى وحكومته “الوطنية” . فيبقى المحتل فى قواعده العسكرية الحصينة ، يقوم  بدور المشرف العام ، وربما الحَكَمْ بين أطراف الحُكْمِ المتصارعين دوما. ويدير من وراء ستار كل صغيرة وكبيرة تحدث فى الدولة ” الوطنية”. أى أن “القاعدة العسكرية” هى الحاكم الفعلى للدولة المضيفة ولكن من وراء حجاب . والأمثلة أكثر من أن تحصى فى بلاد موزعة على القارات الخمس ، من مسلمين وغير مسلمين .

–  إستنزاف موارد الدول الواقعة تحت إحتلال القواعد العسكرية ، لا يتوقف على ما سبق ذكره ، من إستباحة الموارد الإقتصادية بواسطة الشركات الأمريكية ، بل تطور الأمر فى خطوتين تاليتين إتخذتهما الولايات المتحدة ، هما :

الأولى : فرض صفقات أسلحة على الدولة المبتلاة “بالقواعد العسكرية ” . صفقات باهظة الثمن لا فائدة منها، ولا ضرورة لها فى الدفاع عن تلك الدولة ، ولكن لمجرد جنى الأرباح لشركات صناعة الأسلحة فى بلاد الإستعمار الجديد .

وإذا زاد تخزين الأسلحة حتى إمتلأت جميع المخازن ، وحتى لا تتوقف عملية شراء الأسلحة وتبقى مستمرة طالما إستمرت القواعد العسكرية واستمرت حاجة الحكم الوطنى لمستعمر يدافع عن بقائه فى الحكم ، أخترعت أمريكا حرباً ــ أو عدة حروب ــ تجبر النظام العميل على خوضها لإستهلاك مخزونات السلاح وشراء المزيد ، بدون أن يؤثر ذلك على نهب باقى ثروات البلد الضحية ، من نفط وغاز مواد خام أو مقاولات فى مشاريع إقتصادية أو معمارية لا فائدة منها عمليا سوى إستهلاك المال ونزحه إلى الدولة المحتلة ، أو إلى إسرائيل .

الثانية : إذا ظل هناك مخزون مالي لدى الدولة الضحية ، تستهلكه الولايات المتحدة بعقوبات متعسفة لإخطاء فى الحكم ، رغم أن الحكم قائم أساساً على الأخطاء ، بل هو فى حد ذاته خطيئة دينية وأخلاقية . ولكن العقوبات تكون ذريعة للنهب لا أكثر . وإذا ظل هناك فائض مالى فلابد من تحويله إلى السوق الأمريكية إما بالإيداع فى البنوك ، أو بإقراض الحكومة الأمريكية بشراء سندات الخزينة . وعلى أى شكل كانت الأموال التى ذهبت إلى السوق الأمريكية فإنها لن تعود أبدا ، وبأى ذريعة مختلقة سوف تتم مصادرتها أو تجميدها ومنع أصحابها من إستخدامها .

 

دور القواعد العسكرية الأجنبية فى الحرب على الإسلام :

–  أى دولة “إسلامية” ترزح تحت الإستعمار الأمريكى بالقواعد العسكرية فإنه غير مسموح لها بأى تطبيق حقيقى لشرائع الإسلام . بل يفرض عليها فتح أبوابها لبعثات التنصير وبناء كنائس ومعابد لشتى الملل والنحل، وإجبارها على إصدار تشريعات قانونية تبيح كل ما حرمه الإسلام ، مع التضييق الحقيقى على الدعاة المسلمين غير المنافقين. أما فتح الأبواب لليهود وإسرائيل فى كافة المجالات ، فهو ومنذ البداية شرط أساسى لتولى الحكم . وتبدأ العلاقات مع الدولة اليهودية المحتلة لفلسطين والمسجد الأقصى بشكل سرى إلى أن يحين الوقت لإعلان ذلك بعد إضعاف الروح الإسلامية وأشاعة الإنحلال فى مجتمعات المسلمين ، فيسهل تقبل المنكر على أنه معروف ، ويستنكر الناس المعروف معتبرينه منكرا لا يُحْتَمَل .عندها يصبح التعامل والتحالف مع إسرائيل علنيا ، بل والقتال باليد واللسان دفاعاً عنها يصبح موضع فخر وتبجح وكأنه الحق المنزل من السماء .

–  الدول المبتلاة بالقواعد العسكرية، أو تقبل بالمعونات العسكرية الأمريكية لجيوشها ، أو فتحت الأبواب للشركات الإستعمارية متعددة الجنسيات ،فتفرض عليها (ديانة الديموقراطية). ورغم أن الديموقراطية وهْمٌ حتى فى البلاد التى تدعى أنها أخترعتها ، إلا أنها فى بلاد المسلمين تعنى أبشع أنواع النفاق والقهر والتحلل الأخلاقى والثقافى والحرب على الله ورسوله فى كافة المجالات . حتى أن (الديموقراطية) ثبت من تجربتها فى بلاد المسلمين أن ضررها على المسلمين ودينهم وأخلاقهم ومجتمعاتهم وثرواتهم ، أشد ألف مرة من الخطر الشيوعى (المقبور بفضل الله وفضل جهاد الشعب الأفغانى المسلم ) .

ولا شك أن شعب أفغانستان (إمام المجاهدين فى العالم الإسلامى ، وعلى مر العصور) قادر بعون الله، على أن يدفن الديموقراطية الليبرالية، وينهى سيطرتها على المسلمين والجنس البشرى كله كما فعل ذلك مع الشيوعية .

إن الدعوة إلى إقامة قاعدة (أو قواعد) عسكرية أمريكية فى أفغانستان، ما هو إلا حيلة من المستعمر الأمريكى للإبقاء على الإحتلال فى صورة تُكَلِفَة أقل قدر من الدم والمال . وتتيح للمحتل أقامة سعيدة وأبدية فى أفغانستان ، مع دوام الديموقراطية الليبرالية المحاربة لله ورسوله ، والتى تذبح الدين والشعب وتنهب ثروات أفغانستان التى لا حصر لها. الثروات التى أهمها هو الشعب الأفغانى نفسه حامى حمى الدين ، الآن وعلى مر العصور.

 

القواعد العسكرية الأمريكية ومخاطر الحرب النووية :

التطورات الأخيرة فى العربدة الأمريكية على مستوى العالم ، جعلت الحرب النووية قريبة أكثر من أى وقت مضى . فالخروج الوشيك للولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ، جعلت الوضع الأمنى للدول القريبة من الحدود الروسية والتى “تستضيف” على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية ، فى أخطر الحالات .

فأمريكا تعتزم نشر صواريخها النووية ذات المدى القصير والمتوسط فى قواعدها العسكرية فى البلدان القريبة من الحدود الروسية ضمن مدى تلك الصواريخ ، خاصة فى أوروبا الشرقية. وخطورة أى قاعدة عسكرية نووية فى أفغانستان أنها قريبة من الحدود الصينية والروسية معاً ، ولا ترى أمريكا نفسها ملزمة بالاستئذان مع حكومات الدول التى ستنشر فيها صواريخها النووية قصيرة ومتوسطة المدى (من 500كم إلى 5000 كم ) لأن تلك حكومات ضعيفة وتعيش تحت الحذاء الأمريكى ، ولولا حمايته لتلك الأنظمة لسقطت بضغط من شعوبها فى أقرب وقت .

وبالتالى فأنها ستكون الأكثر عرضة لضربة نووية روسية فى حال نشوب حرب ، وهو إحتمال قائم حتى بسبب أخطاء تكنولوجية فى أجهزة الكمبيوتر. وفى حال الإنذار خاطئ من أجهزة الكمبيوتر فإن التأكد من صحة الإنذار من عدمه يجب ألا تستغرق أكثر من 20 دقيقة فى حال إطلاق صاروخ قصير المدى ، وبعدها لابد من إطلاق الضربة النووية الجوابية مهما كان الأمر ـ حتى لا تتحطم الدولة المستهدفة بدون إنتقام نووى ـ أما فى حال إستخدام الصواريخ النووية بعيدة المدى فأمر التحقيق من صحة الإنذار يمكن أن يمتد حتى 40 دقيقة قبل إطلاق الإنتقام النووى . وبالتالى فالصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى جعلت الحرب النووية أكثر قرباً ، بسبب قِصَرْ الفترة الزمنية التى لا يجب أن يتأخر عنها الرد الإنتقامى .

أفغانستان بموضعها الجغرافى تشكل خطورة وتهديدا على روسيا والصين بسبب نشر صواريخ نووية فى القواعد العسكرية الأمريكية. (نظريا يمكن لأمريكا أن تحطم معظم المراكز الإقتصادية الحيوية فى الصين بإطلاق صوارخ قصيرة ومتوسطة المدى من قواعدها العسكرية فى أفغانستان وكوريا الجنوبية ــ وأن تفعل نفس الشئ فى روسيا إنطلاقا من قواعدها القريبة من روسيا فى بولندا ومستقبلا من أوكرانيا ــ ثم من قواعدها فى اليابان شرقاــ ومن قواعدها فى أفغانستان التى موقعها أشد خطورة على الأهداف الحيوية فى روسيا ).

وهناك من يقولون أن تحت أرض مطار بجرام قد بنيت بالفعل قواذف للصورايخ النووية التى يمكن أن تطال روسيا والصين . وتحت أرض نفس القاعدة الجوية (بجرام) توجد مصانع لبلورات الهيروين الأكثر نقاوة فى العالم . وبهذا تجتمع فى أفغانستان أسلحة الدمار الشامل ، المتمثلة فى قنبلة الهيرويين والقنبلة النووية .

ولا شك أن الإحتلال الأمريكى سيفعل مع الحكومة العميلة فى كابول ما فعله مع إمثالها من العملاء فى بلاد المسلمين وغير المسلمين ، فسوف يطالبها بسداد فواتير القواعد والأسلحة النووية التى (يدافع بها عن أفغانستان مجانا) !!! .على حكومة كابل أن تدفع فواتير الدفاع عنها ضد ثورة شعبها، وفواتير الإنشاء والتشغيل والصيانة وثمن السلاح النووى ، ثم تحمل عواقب الحرب النووية ، من دمار شامل للأرض والإنسان .

فمن من الأفغان يشترى قواعد أمريكية مزودة بصواريخ نووية ، ومنتجة لأنقى أنواع الهيرويين فى العالم ؟؟ ، وكلاهما خطر يهدد أفغانستان والعالم ، فمن يقبل بوضع حبل المشنقة النووية حول رقاب الشعب الأفغانى ؟؟ .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world

 

 

مخاطر القواعد الأمريكية على أفغانستان والعالم .

 




من ((إسرائيل الكبرى)) إلى ((إسرائيل العظمى)) -3 و الاخير

نقلا عن موقع الحوار المتمدن 

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر

من (( إسرائيل الكبرى )) إلى (( إسرائيل العظمى)) 

( الثالث و الاخير )

 

لــكــن تطور العالم الرأسمالي العلمي والتكنولوجي الهائل في عصره الإمبريالي، وتمكنه من خلق (بيئة صناعية للمواد الأولية) بديلة عن بيئة (الأرض الطبيعية) وموادها الخام، قد قللت من قيمه الجوهرية للأرض (ولموادها الأولية الخام) في الصناعة إلى حد الصفر تقريباً!.

وبالتالي فإن هذا (التطور العلمي والتكنلوجي النوعي) للعالم الرأسمالي الإمبريالي، جعله يستغني تقريباً عن احتلال الأرض ـ إلا فيما ندر ـ أو استعمارها واستغلال استغلالاً مباشراً، إلا في السلع الاستراتيجية التي لا يمكن تعويضها صناعياً، وليس في الصناعات التقليدية!.

وتبعاً لهذا التطور النوعي، تحولت اقتصادات وصناعات الدول الإمبريالية بمجملها تقريبا، إلى اقتصاد خدمات وصناعات بتكنلوجيا عالية الدقة والتطور، توفرها لها تلك [البيئة الصناعية للمواد الخام]، وتجعلها لا تحتاج إلى أرض واسعة لتوفيرها. وبهذا تخلصت جميع الأنظمة الرأسمالية الإمبريالية من عبئ احتلال الأرض واستعمارها للبلدان الأخرى، ومن تكلفتها العالية، ودخلت جميعها في طور تقدم وازدهار وتعاظم مضطرد ومتتابع على جميع المستويات، جعلها في النهاية تستغني عن مستعمراتها القديمة وأرضها وموادها الأولية الخام.. لأنها أصبحت عديمة الفائدة وبدون جدوى تقريباً، ولا تحتاجها إلا كأسواق لتصريف منتجاتها الصناعية والخدمية!

لكن تلك المستعمرات القديمة:

كانت قد ارتبطت أو أُربطت بمستعمريها القدامى ـ خلال فتره استعمارها ـ ارتباطاً غير مرئي لكنه كان محكماً، أجبرها في النهاية على العودة إلى مستعمرها القديم طواعية وبرضا شعوبها هذه المرة، وليست بقوه السلاح كما حدث عند استعمارها أول مره!.

وبهذا أصبحت تلك القوى الاستعمارية العاتية (بريطانيا/فرنسا/أميركا وغيرها) في نظر تلك الشعوب المغلوب على أمرها، قوى للحرية والتحرير، وأصبح شبابها يخاطر بحياته يومياً، ويهاجر بــ “قوارب الموت” إلى مستعمره الأوربي القديم بالجملة “زرافات ووحدانا”!

 

****

و “إسرائيل” التي هي جزء من ذلك العالم الغربي الرأسمالي وامتداده النوعي في المنطقة العربية، قد استوعبت هذا الدرس جيداً وفهمت :

أن الأرض مع هذا التطور العلمي والتكنلوجي الهائل للعالم الرأسمالي لا تساوي شيئاً تقريباً، سواءٌ في عمليات انتاج السلع والخدمات أو في العمليات الحربية هجوما ودفاعاً، لأن تقدم الصناعات العسكرية بمختلف أصنافها قد ألغى عملياً، جميع الحدود السياسية وحتى مبادئ “السيادة الوطنية” من قبل الأمريكان خصوصاً، وجعلهما ـ أي الحدود والسيادة ـ أمام كل هذا التطور النوعي العلمي والتكنلوجي، مجرد كلمات وخطوط باهتة على الورق فقط!

فالولايات المتحدة مثلاً: بتقدمها العلمي والتكنلوجي والاقتصادي الهائل على جميع المستويات، قد فتح لها كل الحدود الدولية المعترف بها وأصبحت كأنها حكومة عالمية تدير شؤون الجميع، ولم تعد بحاجه لإذن من أحد عند دخولها أيه أرض أو بلد تريده!

و”إسرائيل” ـ حسب تصورها ـ يمكنها أن تقوم بنفس هذا الدور في المنطقة العربية، إذا ما أحرزت مزيداً من التقدم العلمي والتكنلوجي، ودون الحاجه لضم أراضي جديدة تمتد “من الفرات إلى النيل” قد تكلفها وجودها نفسه!

ولهذا تبدو “إسرائيل” ـ وفق هذه المعطيات ـ وكأنها ستستبدل “إســـرائــيــل الــكــبـــرى” التي تعني صهيونياً مساحة الأرض التي “تمتد من الفرات إلى النيل” بــ “إســرائــيــل الــعــظــمــى” التي ستبسط هيمنتها، وربما سيادتها الفعلية: سياسياً واقتصادياً وعلمياً وتكنلوجياً وعسكرياً، على نفس الأرض الممتدة “من الفرات إلى النيل”، دون حاجه لضمها بتكاليف عاليه!

وإذا ما تم لها هذا، يمكنها هي الأخرى من لعب دور القوة العظمى والوحيدة في هذه المنطقة، بالتوازي مع ذلك الدور العالمي الذي تلعبه الولايات المتحدة، كقوة وحيدة منفردة بإدارة شؤن العالم بأجمعه!!

وبناءْ على هذا التصور ومعطياته، سيحل عند الصهاينة كتاب ” “ثروة الأمم” لآدم سميث، محل كتابي “الـــتـــوراة” و “الــتــلــمــود” وخرافاتهما، عن “أرض الــمـــعـــاد” و “إسرائيل الكبرى”.. فثروات العرب وثروات الخليجيين بالخصوص، أفضل لهئولاء الإمبرياليين الصغار وأنفع ألف مرة، من وهم تلك “الأرض الموعودة” وتكلفتها العالية!

 

****

لكن هناك معضله تواجه هذا المشروع، ولا يمكن تحقيقه إلا إذا تمت [تسويات تاريخية].. داخلية وخارجية:

داخــلــيــة: تتم بين ما مكتوب في التوراة وما مكتوب في عقول بسطاء الصهاينة، وما عبئت به عن “أرض المعاد” و “إسرائيل الكبرى” التي تمتد “من الفرات إلى النيل” على مدى قرون!

وخــارجــيــة: تتم مع العرب من خلال خطوات سياسيه وعسكريه توصلهم إلى حد اليأس التام، وتجبرهم على الاستسلام الكامل والاعتراف بـ “إسرائيل”، ليس كدوله طبيعية في المنطقة فقط، إنما كقوة إقليمية عظمى قائدة وسيدة ومهيمنة على عموم هذه المنطقة العربية وما جاورها أيضاً!.

وهذا سيكون ليس في صالح “الإسرائيليين” وحدهم، إنما لصالح والأمريكيين وعموم الغربيين وحلف الناتو، وبالتأكيد جميعهم سيعاون “الإسرائيليين” على تحقيق أحلامهم هذه!

وبالتأكيد أيضاً أن كل هذا الذي جرى وهذا الذي يجري حالياً، من عداء خليجي صريح للمقاومة وتطبيع مع العدو وعلاقات مكشوفة معه، هي في جوهرها كانت خطوات متقدمة، مؤدية إلى قيام “إسرائيل العظمى” في النهاية.. وجميعها كانت خطوات صبورة وطويلة ومدروسة ومحكمة، أفضت إلى نتائج (ربما) رسمت ملامحها الأولية في “مؤتمر لندن1907” واحتوتها “وثيقة كامبل”!

وقد بدأت تلك الخطوات بــ “كامب ديفيد” ـ وحتى قبلها سراً ـ وما تبعها في “وادي عربة” و “أوسلو” و “الحرب العراقية الإيرانية” و “احتلال الكويت” قبلهما، ثم “الربيع العربي” وتداعياته الكارثية……إلخ فأدت بجموعها إلى محطات فاصلة فككت الكيان العربي، وأدت بالنتيجة إلى تدميره ومعه النظام الرسمي العربي بمجمله، وسرعت من الخطوات التالية المرسومة مسبقاً، وفتحت بالنتيجة جميع الأبواب التي كانت موصده بوجه تلك “التسوية التاريخية” بين العرب والصهاينة، حتى وصلت إلى الباب ما قبل الأخير المسمى بــ “صفقة القرن”، واتمامها سيفتح جميع الأبواب المتبقية، والتي لا زالت موصده أمام قيام كيان “إسرائيل العظمى”!!

و “صــفـــقــة الــقــــرن” : لها ثلاثة أركان واكتمالها سيفضي إلى قيام “إسرائيل العظمى”:

أولها : القضاء على مشروع الدولتين، وإدامة الانقسام الفلسطيني وتعميقه والوصول به إلى حدود اللاعوده.. وهذا سيؤدي عملياً إلى قيام [كيانين سياسيين فلسطينيين] احدهما في غزة والآخر في الضفة الغربية.. وستعمل “إسرائيل” على قضم ما تبقى من الضفة الغربية تدريجياً ـ كما هو حاصل الآن ـ وضمها في النهاية، باعتبارها “إسرائيل التوراتية”، واعتبار غـــزة هي (أرض الفلسطينيين الحقيقية) وربما تضم أجزاء من سيناء إليها ـ كما كان متفقا مع محمد مرسي ـ وجعلها دولة للفلسطينيين، لكن تحت السيادة “الإسرائيلية” أو تحت إشرافها، بينما وهي في حقيقتها معزل لهم كـ (معازل سود جنوب أفريقيا)!

وثانيها : بالإضافة لما تقدم، العمل على إحياء وتحقيق تلك الفكرة الصهيونية القديمة، فكرة “الوطن البديل”، التي تعتبر الأردن هو (وطن الفلسطينيين الحقيقي) وبه تحل القضية الفلسطينية، وعلى أرضه يجب أن تقام دولتهم!

وهذا يعني اختفاء “المملكة الأردنية” من الوجود.. وقد تعرضت الأردن في الأشهر الماضية ـ ولا زالت تتعرض ـ لضغوط شديده، لقبول “صفقه القرن” بكل تفاصيلها، وبداياتها تكون بقبول الأردنيين لـ (مشروع الفدرالية مع الفلسطينيين) كخطوة مرحلية!

وقد مورست تلك الضغوط على الأردن بشدة، فبالإضافة إلى الضغوط السياسية كانت هناك اجراءات اقتصادية، تم من خلالها قطع المساعدات المالية الأمريكية والخليجية عن الأردن، وتعريضه للشلل التام تقريباً، مما أدى إلى قيام مظاهرات شعبية واضطرابات اجتماعية عرضته لخطر الانهيار.. فالأردن كانت دائماً في “عين العاصفة”، ولا زالت تهب عليها بعنف لاقتلاعها من الوجود ومن خارطة العالم!

وثالثها: أن تقوم علاقات طبيعية واعتراف كامل من جميع العرب ـ دون استثناء ـ بــ “إسرائيل”، ومن وجهه النظر الصهيونية والأمريكية هذا هو أفضل وقت لقيامها بعد ما تم انهاكهم، وبعد ما تبين لأغلبية العرب البون الشاسع بين ما يعتقدونه من حقوق تاريخيه لهم في “فلسطين”، وبين عجزهم التام عن استخلاص تلك الحقوق، وهذا هو الذي أجبرهم في النهاية على الرضوخ، وقبولهم للأمر الواقع الذي لا يستطيعون تغيره، وقبولهم واعترافهم بــ “إسرائيل” كجزء من المنطقة وسيده فيها وعليها.. ومن هذه الزاوية يجب أن تبدأ تلك “التسوية التاريخية” مع العرب، بدءاً من أضعف نقطة عندهم.. وهم الخليجيون!

وما هذا الذي نراه اليوم من العلاقات الصهيونية الخليجية، المنطلقة بسرعة صواريخ “توما هوك” الأمريكية الأم الراعية لـ “إسرائيل” ولتلك العلاقات، وهي خطوات ستؤدي حتماً إلى واحد من أهم بنود هذه “التسوية التاريخية” بين العرب و “الإسرائيليين”، والتي ستؤدي حتماً أيضاً إلى تسريع مشروع “إسرائيل العظمى”!!

وعظمة “إسرائيل” ستكون حسب وَصْفَاتْ (شمعون بيريز) التي وردت في كتابه: ((الشرق الأوسط الجديد))، والذي أصدره فرحاً بعد “اتفاقات أوسلو” عام 1993.. فحسب تلك الوصفات (الشمعونية):

يجب أن يتزاوج “المال الخليجي” بــ “العبقرية اليهودية!!” ـ كما وصفها بيريز ـ و “التكنلوجيا الإسرائيلية” و “العمالة المصرية” الرخيصة، وسيشتغلون جميعهم معاً، لصنع هذا “الشرق الأوسط الجديد” الموعود.. وطبعاً سيستغلون فقراء العرب ـ شعوباً ودولاً ومجتمعات ـ وأولهم المصريون!!

وإذا ما تم كل هذا بنجاح، ستتكرس “إسرائيل” قوة عظمى وحيدة في هذا “الشرق الأوسط الجديد” برمته، كما تكرست الولايات المتحدة قوة عظمى ووحيدة في هذا العالم!

وبعدها ستستلم “إسرائيل” (عـــــهــــــــــــــدة) هذا “الشرق لأوسط الجديد” من الولايات المتحدة، وتديره لحسابها الخاص، كي تتفرغ أميركا لجنوب شرقي آسيا ـ مركز العالم وصراعاته المقبلة ـ وللصين وروسيا وحلفائهما في العالم أجمع!!

 

****

أعتقد بأن هذه الضجة الشديدة التي تصم الأذان بضجيجها، حول ما يسمى بــ “الــتــطــبــيــع” والعلاقات والزيارات المتبادلة بين الخليجيين والصهاينة، لا موجب لها مطلقاً؟.. فجميعنا كنا نعرف بوجود هذه العلاقات منذ زمن طويل، أو على الأقل أن بعضنا كان يخمن وجودها بين الطرفين.. والفرق بين ما كان وما هو كائن اليوم بين الطرفين هو مجرد ظهور تلك العلاقات إلى العلن، بعد أن كانت طي الكتمان.. بل أن بعض من تلك العلاقات قد بدأ قبل إنشاء الكيان الصهيوني نفسه وخاصه مع السعوديين، قبل وبعد إنشاء مملكتهم العتيدة :

منها العلاقات والاتصالات مع الوكالة اليهودية!

ومنها تعهد (عبد العزيز آل سعود) الخطي لــ (لسير برسي كوكس) مندوب بريطانيا (العظمى سابقاً) كتابة، وبخط يده متعهداً بالآتي :

((أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعود، أقر وأعترف ألف مره لسير برسي كوكس، مندوب بريطانيا العظمى، لا مانع عندي من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم، كما تراه بريطانيا، التي لا أخرج عن طاعتها حتى تصيح الساعة))…… [ويمكن الاطلاع على هذه الرسالة وصورتها بمجرد كتابه اسمها على النت!]

ومنها لقاء عبد العزيز آل سعود بالرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت) عام 1945في مصر على ظهر طراد عسكري، واعطائه تعهداً مماثلاً، وتوقيعه لعقد زواج أبدي بين المملكة السعودية والولايات المتحدة، التي تعهدت بحمايه مملكة السعوديين ـ ولهذا قال ترامب أنهم لا يبقون أسيوعين بدون حماية الأمريكيين لهم ـ بينما تعهد السعوديين بالمقابل، بأنهم لا يخرجون “عن طاعتها حتى تصيح الساعة” أيضاً..

وهذا رابط يعرض وقائع ذلك اللقاء التاريخي: bit.ly/2zlu0ir   !!

وهذا رابط آخر لتقرير أجنبي يوضح بأن السعودية هي أيضاً وليدة [اتفاقيات سايكس/بيكو] وأن بريطانيا تبنت عبد العزيز واعانته على انشاء مملكته، واقصاء منافسيه عن حكم الجزيرة العربية وعن [كرسي الخلافة] المتنافس عليه أنذك، عندما تخلت عنه تركيا، فأطلقت على (عبد العزيز) لقب “حامي الحرمين الشريفي” ـ الذي يحمله خلفائه الآن ـ تمهيداً لحمله لقب

(الخليفة)..لأنه الوحيد من بين جميع الزعماء والأمراء العرب، الذي قبل بشروط بريطانيا بإعطاء فلسطين لليهود وقيام كيان “إسرائيل” في فلسطين!: bit.ly/2TL3M1u

 

****

وما دام الأمر هكذا، فعلينا إذاً ألا نستغرب هذه العلاقات والزيارات بين الجانبين الصهيوني والخليجي على الأخص، لأن جوهر وجود الطرفين يمثل [نمطين مختلفين من الكيانات الوظيفية]، اللاتي خلقهما الاستعمار في طوريه الكونيالي والإمبريالي في المنطقة العربية.. فكل منهما له وظيفة محددة في هذه المنطقة، يؤدي من خلالها خدمات متنوعة لصالح الإمبريالية العالمية ومرتبط عضوياً بمركزها العالمي في واشنطن!

فالطرف الأول : أي الصهيوني، يؤدي خدماته ضمن [بؤرة القيادة] في ذلك المركز الإمبريالي العالمي، وكرديف له في المنطقة!

في حين أن:

الطرف الثاني : أي الخليجي بما فيه السعودية، يقع ضمن [الهوامش] التابعة لذلك المركز الإمبريالي العالمي، ويؤدي له خدمات أخرى مختلفة.. فدور هذه (الكيانات الوظيفية) في الخليج العربي لا يزيد عن كونها:

o “بئر نفط” ومصدر طاقة دائمة: لأن كل منها في الأصل، كان عبارة عن “بــئــر نــفــط” تحرسه قبيله، والإمبريالية البريطانية هي التي زاوجت بين (النفط والقبيلة) وحولتهما إلى دوله وعلم ونشيد وطني.. ولهذا ترى أسمائهم كمشايخ:

آل ثاني وآل خليفه وآل نهيان وآل سعود………إلخ ولس كرؤساء لدول!!

وكونها قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية ثابتة!

وكونها “احتياط مالي” جاهز دائماً لحل أزمات النظام الرأسمالي البنيوية المتتالية!

وكونها سوق لتصريف السلاح الغربي الكاسد، وتشغيل مجمع الصناعات العسكرية، الذي يمثل قاطره تقطر ورائها الاقتصاد الأمريكي برمته، وتديم هيمنه الأمريكيين ورفاه مجتمعهم!!

وكونها أعدت للعب دور (خالق أزمات) في المنطقة وحسب حاجات الإمبريالية العالمية، وحاجات كيانها الاستيطاني الاحلالي في فلسطين المحتلة، المسمى بــ “إســـــرائــــيـــل” كالأزمة الحالية مع إيران مثلاً!

إذاً يجب علينا ألا نستغرب ولا يتملكنا العجب، من هذه العلاقات ومن عمليات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكل ما يمكن أن يتمخض عنهما، لأن الطرفين كيانات وظيفيه، تؤمر من قبل الإمبريالية فتطيع، وليس بيدها من أمرها شيئاً.. وهي لا تعرف حتى معاني الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية:

وقد قيل قديماً : “فــاقـــد الــشـــيء لا يــعــطــيــه”.. فلا ترجوا منهم خيراً!!

ولكن لابد للشعوب من أن تنتصر في النهاية وتتملك أمرها ـ كما دلت تجارب جميع الشعوب ـ ولا يبقى استعمار دائم ولا استيطان دائم.. فالشعوب هي وحدها الباقية وهي وحدها الدائمة، وهي المنتصرة دائماً في نهاية المطاف.. وغيرها إلى زوال!

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




من ((إسرائيل الكبرى)) إلى ((إسرائيل العظمى)) -2

من ((إسرائيل الكبرى)) إلى ((إسرائيل العظمى)) -2

نقلا عن موقع الحوار المتمدن 

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر

من (( إسرائيل الكبرى )) إلى (( إسرائيل العظمى)) 

(2)

 

لقد كانت فلسطين حاضرة بقوة في أروقه “مؤتمر لندن/عام 1907” وشكلت واحدة من أهم وأخطر وصايا “وثيقه كامبل” التي صدرت عن ذلك المؤتمر.. بينا كانت “اتفاقيات سايكس/بيكو 1916” و “وعد بلفور 1917” عبارة عـــــــــــن:
“خارطة الطريق/ التنفيذية” لتنفيذ قرارات ذلك المؤتمر ووصايا وثيقته الاستعمارية الخطيرة، ووضعها موضع التنفيذ!!

فتم بموجبهما اقتسام الوطن العربي وتقسيمه، وتم احتلال فلسطين واستعمارها واستيطانها ـ قبل وأثناء وبعد ـ بداية ونهاية الحرب العالمية الأولى 1918 – 1914 !!

وهي الفترة التاريخية التي شهدت صعود المد الاستعماري الكونيالي في كافة أرجاء العالم، بحيث أدى ذلك المد والتنافس بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ واحتلال أراض الشعوب الأخرى ـ بما فيها بعض الشعوب الأوربية ـ إلى قيام تلك الحرب العالمية الأولى المدمرة، والتي استمرت لأربع سنوات متتالية، رافقها ومن خلالها تحول الاستعمار الكونيالي الأوربي إلى إمبريالية عالمية متوحشة، تأكل بعضها بعضاً بحروب مدمرة بين أطرافها الاستعمارية المختلفتين، كالحربين العالميتين الأولى والثانية!

والإمبريالية كما يُعَرِّفَها لينين هي: “أعلى درجات الاستعمار”، وهي الدرجة الاستعمارية التي وصلتها الولايات المتحدة بين تلك الحربين العالميتين، وتمثلها بأبشع صورها في عالم اليوم!!

فالإمبريالية في أحد وجوهها، هي استعمار مموه، لا يستخدم الغزو والاحتلال المباشر للأرض أو الاستغلال المكشوف لثروات الأمم ـ وإن خالفته الإمبريالية الأمريكية لتحوشها ـ إنما بالواسطة، ومن خلال:

التقدم العلمي والتكنلوجي والاقتصادي والقوه العسكرية الغاشمة ـ إن تطلب الأمر ـ وكذلك من خلال مؤسسات محليه وشركات عابره للجنسية، ومن خلال مؤسسات دوليه كالبنك والمصرف الدوليان، وحتى من خلال الأمم المتحده وبعض منظماتها الدولية المتنوعة، وكذلك من خلال الحلفاء بما فيهم دول كانت كبرى: كبريطانيا وفرنسا وألمانيا….الخ , والتابعين والوكلاء الآخرين و “الكيانات الوظيفية” في بعض مناطق العالم المختلفة، كالكيان الصهيوني في منطقتنا العربيه، بحيث تصبح جميع هذه الأسماء والمسميات في النهاية في خدمه الإمبريالية العالمية في طورها التوحشي هذا، وسيفاً من سيوفها تحارب بهم جميع شعوب الأرض!

كما شهدت تلك الفترة التاريخية المهمة في الوقت ذاته، ولاده [نقيض الإمبريالية النوعي] متمثلاً بــ “ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى” في روسيا القيصرية وقيام الاتحاد السوفيتي، كما شهدت أيضاً بدايات نضالات شعوب المستعمرات لنيل استقلالها!

وكانت حكومة الثورة في روسيا، هي التي كشفت النقاب عن “اتفاقيات سيكس/بيكو” بعد أن كانت سريه، وطي الكتمان .

فقد كانت الحكومة القيصرية السابقة طرفاً في تلك الاتفاقيات الاستعمارية، ولها حصة من كعكة الدولة العثمانية، كما لبريطانيا وفرنسا حصص دسمة فيها.. وكانت حصة روسيا بجوارها الجغرافي، وتشمل أجزاء من إيران وتركيا وأرمينيا ومناطق أخرى غيرها كانت ستحصل عليها بعد انتهاء الحرب، كما حصلت بريطانيا وفرنسا على حصصها بعد انتهائها!

لكن قيام ثوره اكتوبر أسقط القيصرية في روسيا.. وبسقوطها: 

((سقط حلم الإمبراطورية الروسية التوسعي بالسيطرة على مناطق شاسعة في تركيا؛ منها مضيقا البوسفور والدردنيل، ومدينة القسطنطينية (إسطنبول)، وطرابزون، وكذلك كردستان، ومدن إيرانية، وأجزاء من أرمينيا))
[عن: مذكرات سازونوف/ وزير خارجيه روسيا القيصرية، وكان اسم (سازونوف) كان سيذكر بجانب أسمي [سايكس وبيكو] في تلك الاتفاقيات، إلا أن سقوط القيصر أسقط اسمه منها أيضاً، بحسب وثائق كشف عنها برنامج “رحلة في الذاكرة” الذي بثته قناة “روسيا اليوم” في الاسبوع الماضي، واعادت بثه السبت الماضي !2018-11-10.

 

بتقسيم الوطن العربي واقتسامه بين الحليفين في الحرب في الحرب الأولى، تحققت (الصفحة الأولى) من صفحات “مؤتمر لندن 1907 ” ووصاياه التي تضمنتها “وثيقه كامبل”، وحسب “خارطة الطريق” التي رسمتها “اتفاقيات سايكس/بيكو”!

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ونهايات النصف الأول من القرن العشرين الماضي، تم تحقيق (الصفحة الثانية) من قرارات “مؤتمر لندن 1907″، والمتمثلة بتحويل (الاستيطان في فلسطين) إلى (كيان سياسي) أسمه “إسرائيل”!!

وقد حددت لهذا الكيان وظائف استعماريه في المنطقة العربية، حددها له ذلك المؤتمر بدقه!.

وقد نجح هذا الكيان الاستعماري في تأدية الوظائف المناطة به نجاحاً باهراً.. فقد تمكن من فصل المشرق العربي الآسيوي عن المغرب العربي الأفريقي فعلياً، بعد أن كان نظرية على الورق، وتحول في الوقت نفسه ـ كما حدد مؤتمر لندن وظائفه ـ إلى أداة فعالة تستنزف جهد العرب، وتمتص ثرواتهم وتمنع نهوضهم وتديم تخلفهم وتؤجج خلافاتهم وتقمع تطلعاتهم وتسفه أحلامهم بإعادة توحيد وطنهم.. وتسقط بالقوة الغاشمة أيه تجربه نهضوية حقيقية تلوح في أفقهم!!

وقد يكون الترويج اليوم لما يسمى بــ “الشرق الأوسط الجديد” و “صفقة القرن” و (التطبيع السريع والمتلاحق) هذه الأيام، يراد منها إعادة هيكله المنطقة العربية، وبدأ (صفحة ثالثة) ـ نجهلها ـ لمؤتمر لندن ووصاياه السرية، بسايكس/بيكو جديده؟

إن هذا الكيان الوظيفي الاستيطاني في فلسطين لم يكن بدعة جديدة في واقع العالم، إنما هو تكرار لظاهرة استعمارية استيطانية تمت تجربتها بنجاح في أغلب قارات العالم، وقد تم الفضاء وتصفية بعضها ـ في زمبابوي والجزائر وجنوب أفريقيا واوغندا…الخ ـ وبعضها الآخر يستحيل على التصفية، كاستيطان الأوربيين للأمريكيتين واستراليا ونيوزلندا!! .

وكانت تلك الكيانات بمجلها (كيانات وظيفية) كالكيان الصهيوني تماماً، وكل منها تؤدي للإمبريالية العالمية وظائف متنوعة في بيئتها المحلية!!

لكنها، وبحكم كونها كيانات مصطنعة وليست أصيله في البيئات المحيطة بها، بقيت بمجملها كيانات هشة وهامشية، لكونها غريبه عن البيئات التي زرعت في وسطها، وعمرها الافتراضي ينتهي بانتهاء وظيفتها الاستعمارية في تلك البيئات.. ولهذا تمت تصفيه بعضها نتيجة لنضالات الشعوب صاحبة الأرض الأصلية، أو لانتهاء عمرها الافتراضي أو الاستغناء عن خدماتها، واحلال (حكومات وطنيه) بالاسم، وتؤدي دورها نفسه للإمبرياليين!

أما الظاهرة الاستيطانية المماثلة في فلسطين المحتلة المسماة بــ “إســـرائــيــل”، فهي تفترق عن تلك الكيانات الهامشية ببعض النقاط الجوهرية.. لـــكونها :

 

أ ـ قائمه على دعوة دينية ـ وإن كانت ملفقة ـ ومعتقدات مشتركة مع دين أغلبية شعوب تلك الدول الإمبريالية، التي تستغل عاطفة شعوبها الدينية لتثبيت كيانها وتبرير وجوده في فلسطين!
ب ـ ولكونها تفصل ((الممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية والإفريقية وملتقى طرق العالم وأيضا (هي) مهد الأديان والحضارات)) كما تقول: “وثيقه كامبل”.. ولهذا لها أهمية خاصة للإمبرياليين، ولهم مصالح حيوية فيها ـ أي في هذه المنطقة ـ لقرنيين قادمين ـ على الأقل ـ!

ج ــ ولكونها مشروعاً اقتصادياً مربحاً، يوفر كثيراً من الأموال والمنافع والجهد العسكري للإمبرياليين، لو أنهم أداروا المنطقة بأنفسهم، فــ “إسرائيل” توفر لهم أكثر عشرة مليارات دولار سنوياً، بضبطها عوضاً عنهم!!

لأن ضبط المنطقة والسيطرة التامة عليها، يحتاج لخمس أو ست أساطيل بحرية، وكل منها يكلف ما يقارب الأربع مليارات سنوياً، في حين أن “إسرائيل” تكلف ثمن اسطولين من هذه الأساطيل سنوياً، تأخذها على شكل “مساعدات قيمتها سبع مليارات” سنوياً وتوفر الباقي كما يقول: الدكتور “محمد المسيري”!!

فلكل هذه المنافع والخدمات ولغيرها، لا يمكن للإمبريالية أن تستغني عن هذا الكيان الوظيفي، في المرحلة الحالية على الأقل!!

ولهذه الأهمية الفائقة التي تشكلها “إسرائيل” للإمبريالية العالمية، فقد تبناها الامبرياليون بالكلية، والحقوها بمركزهم القيادي مباشره، ولم يبقونها على هامشهم كالكيانات الوظيفية الأخرى في العالم.. كما أنهم أخذوا بيدها وسمحوا لها بالتطور النوعي، بنفس أو بقرب تطورهم النوعي على جميع الصعد: سواء على صعيد التطور العلمي والتكنولوجي، أو على صعيد القوه العسكرية والاقتصادية والسياسة والمكانة الدولية، أو على صعيد مركزها الإقليمي كقوة عظمى في الإقليم.. لتتمكن بكل هذه الرفيعه من أداء وظائفها داخل الإقليم بشكل مثالي، وفي خدمه المركز الإمبريالي العالمي، الذي تمثله الولايات المتحدة اليوم!

لقد كان سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية ـ الضد النوعي للإمبريالية ـ إعلاناً بوصول الإمبريالية العالمية إلى مستوى “أعلى درجات الاستعمار” ولأعلى قمم تطورها النوعي، وإيذاناً بانفراد الولايات المتحدة ـ زعيمة هذه الإمبريالية العالمية ـ بقياده العالم.. وبافتراسه أيضاً!.

وكان هذا أيضاً إيذاناً للكيان الصهيوني بالسير على نفس خطى الإمبرياليين بالتطور، والسماح له بالانفراد بقياده إقليم الشرق الأوسط برمته، كانفراد الولايات المتحدة بقياده العالم وفرض شروطها عليه، والسماح له بافتراس المنطقة العربية، بخضوعها لكافة شروطه!!

وما الصراع اٌلإقليمي المحتدم حالياً بين دول الإقليم الكبيرة ـ كل وتوابعه ـ إلا تعبيراً عن هذه الإرادة الإمبريالية، وصراعها مع أضدادها المتنوعي السياسات والإيديولوجيات في المنطقة!

لقد كان لهذا التحول النوعي للإمبريالية العالمية، ولوكيلها العام (“إسرائيل”) في المنطقة العربية أسباب موضوعيه تتمثل بـــ:
إن الكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين في جوهره ظاهرة استعمارية خالصة، قامت وفق شروط ومفاهيم الاستعمار الكونيالي ومصالحه الدائمة في المنطقة.. وهذه الظاهرة الاستعمارية تتطور بتطور طبيعة الاستعمار الكونيالي وطبيعة مصالحه في كل مرحلة تاريخية، فتتحول وظائف هذه الظاهرة الاستعمارية الكونيالية بتحوله إلى النمط الإمبريالي.. ولأن الاستعمار الكونيالي قام جوهره بالأساس، على استعمار الأرض وامتصاص خيراتها وموادها الخام لاستغلالها صناعياً بالدرجة الأولى، وتحويلها إلى سلع ومنتجات صناعيه، وتوزيعها وبيعها في أسواق العالم الواسعة!

ولأن الحركة الصهيونية التي أنشأت الكيان الصهيوني هي عبارة عن ظاهرة الاستعمارية ملحقة به، وتتأثر بجميع تحولاته النوعيه، فإنها قد تأثرت بالفكرة الجوهرية تلك لــ (قيمه الأرض) واستعمارها.. فرفعت أنذك شعار:
• ((إسرائيل الكبرى.. (التي تمتد).. من الفرات إلى النيل))
لاستعمار أرض فلسطين وما جاورها من أراض شاسعة تمتد من: فرات العراق وسوريه .. إلى نيل مصر والسودان، لاستغلال بشرها وثرواتها وموادها الخام، وتحويلها إلى منتجات صناعيه وتصريفها في أسواق المنطقة نفسها، والعالم أيضاً!

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




من إسرائيل الكبرى إلى إسرائيل العظمى (1)

من ((إسرائيل الكبرى)) إلى ((إسرائيل العظمى)) -1

نقلا عن موقع الحوار المتمدن 

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر

من (( إسرائيل الكبرى )) إلى (( إسرائيل العظمى)) 

(1)

إن ظاهره الاحتلال والاستيطان ليست جديدة في تاريخ العالم، ولا تحويل (كيانات الاستيطان) إلى (قوى عظمى) بالجديد أيضاً، فقد سبق للعالم أن شهد تجارب كثيرة في تاريخه من هذا النوع، وسبق للمستوطنين الأوربيين أن حولوا مستوطني ومستوطنات أميركا الشمالية إلى (اقوه عظمى) اسمها “الولايات الأمريكية المتحدة” بل هي أعظم قوه عظمى عرفها الجنس البشري في كل تاريخه!!

ويراد اليوم ـ وحتى بالأمس ـ تحويل “إسرائيل” إلى (قوه عظمى) مهيمنه في المنطقة العربية وعموم الشرق الأوسط، كهيمنة الولايات المتحدة على العالم بأجمعه تقريباً!!

فما هي الخلفية التاريخية لتلك التجارب الاستيطانية الاستعمارية في العالم!!.. وما هي الطرق العملية والعوامل المتعددة، التي أدت إلى خلق مثل تلك (القوى العظمى) العالمية والإقليمية.. والتي قد تؤدي لأن تكون “إســــرائــيــل” واحدة منها؟؟

إن ظاهره الاحتلال والاستيطان واحلال مستوطنين غرباء محل شعب آخر ـ جزئياً أو كلياً ـ سواء في فلسطين أو الأمريكيتين أو استراليا أو في أجزاء من أفريقيا ـ الجزائر/ زمبابوي / جنوب أفريقيا وغيرها ـ وحتى في بعض مناطق من آسيا ومن الصين بالذات!

وهذه الظاهرة ظاهرة استعمارية، رافقت الاستعمار الأوربي الحديث لشعوب العالم الثالث أو للملونين كما يسمونهم، وامتاز هئولاء المستوطنون الغرباء في جميع هذه المناطق، بتفوقهم الكاسح على أبناء البلد الأصليين!

وقبل هذا الاستعمار الأوربي لم يكن العالم خالٍ من الاحتلالات لبعض البلدان والدول والشعوب، من قبل ملكيات وإمبراطوريات كثيره قامت في مناطق متفرقة من العالم القديم منذ فجر التاريخ، وقبل هذا الاستعمار الأوربي بعشرات القرون، لكن ما يميز هذا الاستعمار الأوربي عما سبقه هو، أنه كان وليد الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، ووليد عصر الاكتشافات البحرية التي سبقته في القرن الخامس عشر الميلادي!

وكانت الاستكشافات البحرية قد قامت لأسباب دينية ومالية ولمجد الملوك والأباطرة، لكن ما تمخض عنها كان استعماراً لأمم وشعوب، واكتشافاً لقارات ومناطق ما عرف بــ “العالم الجديد” ولبعض من مناطق العالم القديم.. وقد نتج عن حركه الاستكشافات البحرية في القرن الخامس :

ــ استكشاف قارتي أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا ونيوزلندا، ثم احتلالها واستيطانها جميعها وإبادة سكانها الأصليين!!

ــ احتلال الكثير من شواطئ وسواحل تقع في آسيا وأفريقيا، وإقامه موانئ ومستوطنات ثابتة عليها!

لكن ما تمخضت عنه الثورة الصناعية هو ما عرف بالاستعمار الكونيالي، والذي ظهر لسببين مباشرين يتعلقان بالثورة الصناعية.. والسببان هما: المواد الأولية الخام، وأسواق لتصريف المنتجات المصنعة!

فمن المعروف أن الصناعة تحتاج إلى:

مواد خام أوليه: تعيد المصانع تدويرها ودمجها ومعالجتها وتركيبها، ومن ثم تحويلها إلى بضائع ومنتجات يحتاجها ويستخدمها كل الإنسان في العصر الحديث!
وتحتاج الصناعة أيضاً : إلى أسواق واسعه لتصريف جميع تلك المنتجات الصناعية!

فالمنتجات الصناعية الأوربية، لا يمكن إيجاد جميع موادها الخام داخل الدول الأوربية ذاتها، ولا يمكن تصريف جميع موادها المصنعة ومنتجاتها الصناعية داخل القارة الأوربية نفسها.. فهي تحتاج إلى مواد خام كبيرة وكثيرة ومتعددة الأصناف ، وتحتاج أيضاً إلى أسواق واسعة وكبيرة لتصريفها، وهذه ما لا تتوافر عليها قاره أوربا الصغيرة بمساحتها وقلة سكانها! فبدون هذين العنصرين الحيويين قد تموت الصناعة وتختفي من الوجود، أو أنها تبقى صغيره ومحدودة .. ولا حل أمام دول أوربا لحل لهاتين المعضلتين، إلا بالتوجه إلى العالم الخارجي الواسع، لتأمين هذين العنصرين الحيويين!

ولهذا قامت جميع الدول الأوربية الصناعية الكبيرة بالاتجاه إلى العالم الخارجي في آسيا وأفريقيا والعالم الجديد، للحصول على تلك المواد الأولية الخام، ولإيجاد أسواق كافيه لتصريف واستيعاب منتجاتها الصناعية!

ولهذين السببين الجوهريين قامت حركه استعماريه واسعه لاحتلال دول ومناطق العالم وقاراته المختلفة، لتأمين هذين العنصرين الأساسيين اللتين تتطلبهما العملية الصناعية.. وقد احتلت بالفعل دول كبيرة وعريقة في آسيا كالصين والهند…..الخ ومصر في أفريقيا ومعها معظم مناطق أفريقيا السوداء، وكذلك في أمريكا الجنوبية!

وقد تنافست تلك الدول الأوربية فيما بينها على المواد الخام والأسواق واحتلال دول العالم الأخرى لـتأمينها، تنافساً شديداً وصل في بعض الأحيان إلى حروب بين دولتين أوربيتين أو أكثر، وفي أحيان أخرى وصل إلى حروب عالمية مدمرة دفع ثمنها العالم كله، كالحربين(الأوربيتين) العالميتين الأولى والثانية!

وقد نتج عن الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر:

ــ احتلال أجزاء واسعه: من قارتي آسيا وأفريقيا واستيطانها: كالجزائر وجنوب أفريقيا وزمبابوي وغيرها من المناطق
في قاره أفريقيا!

ــ إنشاء مستوطنات ثابتة: في سواحل العالم القديم كالهند وجنوب شرقي آسيا وجنوب أفريقيا بعد استعمارها، واستيطان أجزاء من أغلبها!!

ــ احتلال الصين: واستيلاء الأوربيون واستيطانهم لأجزاء واسعة منها: كهونغ كونغ وماكاو وغيرها!!ومن مهازل القدر أو من مهازل التاريخ، أن الصين هذا العملاق البشري الذي يحسب له العالم اليوم ألف حساب، قد احتلته وتقاسمته معظم الدول الدول الأوربية الكبيرة وحتى الصغيرة منها، كهولندا والبرتغال.. فالبرتغال مثلاً: قد احتلت ماكاو الصينية، واستمر احتلالها لها سته قرون كاملة ،أي، 600 عام، ولم تنسحب منها إلا قبل سنوات قليلة [في عام 1999] وكانت هي آخر مستعمره أوربية في آسيا تم تحريرها (سلماً!!) .

ــ احتلال فلسطين من قبل بريطانيا: واستيطانها من قبل اليهود الأشكناز(الغربيين) ثم تبعهم اليهود السفراديم(الشرقيين) لاحقاً.. وهي آخر مستعمرة ومستوطنة أوربية لا زالت مستعمرة في آسيا إلى اليوم!!

لقد تم احتلال فلسطين من قبل بريطانيا باعتبارها من أملاك (الدولة العثمانية) التي اشتركت الحرب العالمية الأولى، والتي تمت تصفيتها فيما يعد، واقتسام أملاكها بعد خسارتها لتلك الحرب، فكانت فلسطين من نصيب بريطانيا حسب اتفاقيات سايكس/بيكو بينها وبين القطب الاستعماري الآخر، فرنـــســـا!

لكن قبل هذا الاحتلال البريطاني كانت فلسطين على جدول أعمال “المؤتمر الصهيوني الأول” الذي عقد في بازل بسويسرا عام 1897 ، والذي ترأسه (تيودور هيرتزل) مؤسس “الحركة الصهيونية” ، المرادفة للحركة الاستعمارية في نشأتها!

وكذلك كانت فلسطين على جدول أعمال “مؤتمر لندن” الذي دعا إليه حزب المحافظين البريطاني عام 1905، ووجهت الدعوة أنذك سراً إلى كل من: [بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وإيطاليا] التي حضرته، وكانت هي كبرى الدول الاستعمارية أنذك.. وكانت الدعوة لعقد مؤتمر يتم من خلاله: وضع سياسة لهذه الدول الاستعمارية لـــ :
أ‌) دراسة السبل التي تحفظ الحضارة الأوربية من السقوط كما الحضارات التي سبقتها!
ب‌) احتواء شعوب العالم الخارجي غير الأوربي، ودراسة أي منها يمكن أن يشكل خطراً على الحضارة الأوربية، حاضراً ومستقبلاً!
ت‌) احتواء الوطن العربي بالخصوص، باعتباره مجاور لأوربا جغرافياً؟

وبعد سنتين (عام 1907) انبثقت عن ذلك المؤتمر وثيقة سرية تحمل وصايا سريه، أسموها ” وثيقة كامبل ” نسبه لرئيس وزراء بريطانيا أنذك (هنري كامبل)!

وواحد من بنود ووصايا تلك الوثيقة السرية يقول:

((إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية والإفريقية وملتقى طرق العالم وأيضا هو مهد الأديان والحضارات . ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان)) (عن وثيقه كامبل السرية)

ولاحتواء ((شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان)) واحتواء خطره المحتمل ـ كما يعتقدون ـ على المنظومة والحضارة الأوربية، اقترحوا وأوصوا بتمزيق وطن ذلك الشعب الواحد بتقسيمه و “زرع جسم غريب وسطه في فلسطين” يفصل جزئه الآسيوي عن جزئه الأفريقي.. على أن يكون (الجسم المزروع) قوه ضاربه تستنزف جهد مواطني ذلك الشعب، وتمنع نهوضهم وتمتص ثرواتهم وتديم تخلفهم وتؤجج خلافاتهم وتسفه أحلامهم، بتوحدهم وقيام دولتهم الواحدة!!

فانبثقت عن تلك التوصيات السرية لمؤتمر لندن” “اتفاقيات سايكس/بيكو” عام 1916 بعد تسع سنوات من انعقاده، ثم تبعها “وعد بلفور” عام 1917 أي بعد عشر سنوات من ذلك المؤتمر، ثم نفذ مشروع “زرع جسم غريب” متمثلاً بقيام “إسرائيل” في فلسطين عام 1948، التي ستؤدي دور ذلك “الجسم الغريب” الذي يفصل الجزء الآسيوي عن الجزء الأفريقي لوطن ذلك الشعب الواحد بكفائة عالية!!
وغير تلك التوصية الرئيسية هناك توصيات سرية كثيرة أخرى، يتعلق معظمها بمتابعة خلق مشاكل دائمة بين الكيانات التي انبثقت عن اتفاقيات سايكس/بيكو ، لمنع توحدها ونهوضها وادامه تخلفها، ومتابعة رسم سياسات مرحلية مرنة للمنطقة في كل مرحلة على حدة، لتديم تلك المشاكل والخلافات وتطورها وتُصَعْدُها باتجاهات أكثر عمقاً وشمولية بين كياناتها المختلفة!!

ويمكن القول دون تحفظ بأن ما وصلنا إليه اليوم من داعش إلى النصرة والقاعدة وأفراخها الكثيرة، ليست بعيده عما رسمته (وثيقه كامبل) ووصايا “مؤتمر لندن” السرية.. إن لم يكن درءاً لخطر يتوهمونه، فلثروات غير محدودة يريدون إدامة نهبهم لها!!

وهذه وثــــائـــق موجودة لمن يريد الاطلاع عليها، وليست “نظرية مؤامرة” التي يرددها البعض بمناسبة وبدون مناسبة، وكأنها البسملة التي يفتتح ويختتم بها كل موضوع، ويرد بها على كل رأي مخالف لآرائهم!! والرابط أدناه يمكنه الوصول بالقارئ الكريم لــ “وثيقه كامبل” ووصايا “مؤتمر لندن: 1907” وبعض ما كتب عنهما .
http://bit.ly/2RRRIJZ

 

بقلم  : الاستاذ خلف الناصر
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (150) | ذوالحجة 1439 هـ / اغسطس 2018 م. 

24/8/2018

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

– بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب .

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية .

–  تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا ، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

–  تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة .

–  أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها .. وهكذا تفعل على الدوام .

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب ، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟؟

– من أهداف أمريكا الكبرى : تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى ، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى .

– ما هى  قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان ؟؟ .

–  وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى ، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية ، إلى أن يتوقف الجهاد .

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض . فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون ، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان .

–  لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن ؟؟ .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد . فهو يعبر عن النظام الأمريكى ، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب . رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى ، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى .

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط ، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة . فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن . فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم . وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات . وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم ، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا .

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما) ، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه . ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية ، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة . لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة ، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون .

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب :

1 ـ  إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا ، وعلى رأسها أفغانستان ، ومن ضمنها العراق وسوريا . ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها ، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا ، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ  أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة . وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله .

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة ، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية ( أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية ، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية . أو لطرد منافسين من مناطق معينة ( إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا ..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة .

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم ، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية ، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى ، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول . وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل . وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية . لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم .

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة . ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا ، أو مستقيلا ، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام .

 

الحرب والمفاوضات :

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب . ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك .

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء . فالمفاوضات مليئة بالعروض (أوالمشاريع) الملغمة ، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك . وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى . فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه . واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد .

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا ، فى ” فرساى” بالقرب من باريس ، بشأن الإستسلام والتعويضات . وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية) .

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة ، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب ، إذا كان هناك حرب أخرى .

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً . وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها . بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء . فهناك مثلا :

 ضغوط عسكرية : بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين ، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة .

  ضغوط سياسية : من داخل أفغانستان وخارجها ، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها .

  ضغوط مذهبية : مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين .

  ضغوط نفسية : ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها ، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج .

وكما سمعنا فى حوار مع أحد رموز حركة طالبان القدماء مع محطة إعلامية عربية شهيرة ، والمذيع يدحرج عليه كومة من الإدعاءات المحبطة ، التى توحى بعزلة الحركة ومخالفتها لجميع التيارات والمبادئ الإجتماعية والدينية ، فيقول ما معناه { القبائل الأفغانية مَلَّتْ من الحرب والعلماء يطالبون بوقفها ـ والمقاتلون مَلّوا من الحرب ، بينما حركة طالبان تريد الإستمرار فى الحرب منفرده ضد إرادة الجميع } !! .

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية ، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال .

   فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان . وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009 ، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014 . ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط ، ولوبى المخدرات ، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا ، واستمرت الحرب .

  وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان . وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها . أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها .

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها ؟؟ . قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019) . بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض ، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى ، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

 – تنازلات أمريكية “مؤلمة !! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة ، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية) ، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى ، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا ؟؟.

 فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل : تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا .. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ” !! .

   إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى ، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل . فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة ، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله .

   الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة ، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل .

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا . ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات . فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا  لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله .

    الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى ، إلى (صفقة) سياسية ، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة . وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية ، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا .

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته ، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه . وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية . فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة ، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا) ، فلا أحد يأخذ منها شيئا ، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف .

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان ، فما هى   أهدفه المتبقية فى عملية التفاوض ؟؟ .

   الهدف هو ذاته لم يتغير ، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا ، وتطبيقها للشريعة شكليا ، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته :

    فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية. وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب .

ولا يصل إلى السياسة ، فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام .

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة ، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء . ويترك لجماعة التنفير من الدين ، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام .

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق .

دخول تلك الشركات إلى دولة ما ، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد :

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات : لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى . ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها .

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى : أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان ، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث . تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية ، وشئون الأسرة ، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل ، كل ذلك بمنظور غربى بحت ، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية . ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين . ويكون هَمْ الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة .

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية” : وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما :

الأولى : تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد . وتوزيع مشاريع الدولة على تلك الشركات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى ، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة ، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة ، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى ، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية . والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية : الحفاظ على الأمن الداخلى : لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة . لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة ، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة ، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر ( كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ) .

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة تلك الشركات والدول الحامية لها .

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته ، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم .

وأهم الأدوات اللازمة لذلك ، هى الأجهزة المسلحة أى : جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة ، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره . جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى : تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج ( الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة) .

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن” . وأهم الأجهزة المساندة هى : الجهاز التشريعى ( مجلس النواب ) والجهاز الإعلامى ، والجهاز القضائى ، والجهاز الدينى(علماء النتاجون ، وبغال الإفتاء ) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين ، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ) .

الثالثة :  القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها :

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة .

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما .

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا .

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان ، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات ، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان ؟؟ :

المطلوب أشياء كثيرة .. أهمها ما يلى :

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند ، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان . وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى ، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة . أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة .

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة ( UNODC ) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها ، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون .

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة . مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها . وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت ، ( طبقا لقاعدة : “أمريكا فوق الجميع” ، وكل شئ لأمريكا فقط ، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان ، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن ، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا . وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان .

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان . والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى . مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين .

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام ، والمحافظة على أقلية من العملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها .

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته . ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى .

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة .

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية . وهى هيئات إستخبارية فى الأساس ، وأدوات غزو سياسى وثقافى .

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة ، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى .

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال . وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام . وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد . والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال .

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل ، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب ، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم . وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان .

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى ، والإلتزام بالتجارة الحرة ، أى عدم حماية الصناعات المحلية ، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي . وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى ، حسب ما سبق ذكره .

 

 

لا نهائية المفاوضات :

أولا : من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض ، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة . كما أن التفاوض يعنى صفقة ، والصفقة إذا كانت عادلة ، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر . بينما تحرير أفغانستان لا يخضع للتفاوض أو المساومة ، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة ، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل ، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد .

    فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان ، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع ، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن . فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة  ، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال ، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق ، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم . عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام  1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية .

ثانيا :  ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض . فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة ، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها .

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه ، جميعها شئون أفغانية بحتة ، يجرى بحثها داخليا ، وتنفيذها جماعيا ، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته ، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص . والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض ؟؟.

   إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض ، لمصالح قد تراها ، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده ، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام ، إلى أن يخرج آخر جندى محتل . لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً . فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة ، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض ، أو ( لبناء الثقة !! ) . أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين … إلخ .

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة . إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية . ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات الجهادية المقاتلة وتفتر الهمم ، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم . فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات .

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى . وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة ، مزقت أوصاله طيلة سنوات . ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود .

 

ملاحظات حول توقيت التفاوض :

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية .

 

فى أفغانستان :

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ {حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية} ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها . فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون . وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون ، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى ، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان ، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية . وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب . وإن كان هو أقواها ، ولكن ذلك لا يبرر بقائه ، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين . وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون .

    وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى . وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة .

 

فى الداخل الأمريكى :

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد . فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله .

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين ، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة .

 

فى المنطقة العربية :

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية ، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها .

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع ، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران . بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم . لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض ، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية .

   قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية . فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/8/2018

www.mafa.world