عودة إلى الحوارات (3) : السلفية الجهادية أصابها العمى والصمم

السلفية الجهادية أصابها العمى والصمم

عودة إلى الحوارات (3) : 

العناوین: 

– سوريا كانت ضحية لشعارات إسلامية بلا إسلام .. وقع الظلم علينا والإنتقام من حقنا .

– التعاون الجهادى بين السنة والشيعة .. حقيقة أم خيال ؟.

– السنة والشيعة .. بين إسقاط الإمارة الإسلامية ، والتعاون مع نظام كابل العميل .

– لماذا لم يتكلم إعلام طالبان عن(حزمة المحبة الوهمية) بين السنة والشيعة ؟.

– صفوف الإمارة الإسلامية تضم كافة مواطنيها بمذاهبهم وعرقياتهم ، ولهذا نجحوا.

– فى وقت الجهاد ضد السوفييت جمع مولوى حقانى قادة المجاهدين من كل العرقيات والمذاهب فى مؤتمرين عُقِدا فى قاعدة جاور .

– الشعب الأفغانى فى حاجة إلى قيادة دينية موثوقة لحل المشكلات الداخلية .. لهذا تحظى الإمارة بثقة ومحبة الجميع .

– يستخدمون مصطلحات “الرافضة” و”المجوس” ولا يفقهون أنها تدينهم.

– السلفية الجهادية أصابها العمى والصمم ، إلا عن أوامر “بيريز ” بالفتنة الحاضرة ، والإتحاد مع الصهاينة لمحاربة الشيعة .

– المسئول الأول عن الدماء السورية المسفوحة هم قادة التنظيمات”الجهادية”، الذين حولوا مسيرة الشعب من مطالبات معيشية وسياسية إلى حرب عصابات دولية .

– التدخل الخارجى والأموال أدارت الرؤوس المسطحة، فحولوا الجهاد إلى إرتزاق وسفك دماء حسب الطلب .

– تترس “المجاهدون” بالمدنيين بدون إمتلاك وسائل للدفاع عنهم أو خطة لحمايتهم .

– سوريا كانت دوما بؤرة صراع أمم وحضارات ، ولم تكن لعبة مراهقين مخبولين ، وهكذا جلب الرويبضة الخراب لبلاد الشام .

– بعض أصحاب (العقائد الصحيحة) يودون أن تتحول أفغانستان إلى فتنة عمياء كالتى أضرموها فى سوريا والعراق ، فأرسلوا إليها سفراء الفتنة ومقاتلو الخوارج .

– قبائل البلوش تجاهد فى أفغانستان بدافع العقيدة. وبرضاها لم تشارك فى إنتفاضة البنزين. فالذى يجاهد لا يخشى أن يتظاهر .

– بسقوط شاه إيران ونجاح الثورة الإسلامية، تذكر العرب أنهم “سنة وجماعة”، وأن شعب إيران “روافض ومجوس” !! .

– دخلت  جيوش الشاه إلى عُمَان ، ولم يتحدث أى فصيح عن تمدد إيرانى أو هلال شيعى.

– هناك خلط متعمد بين “السلفية الوهابية” وبين “أهل السنة والجماعة” . والواقع أنهما متناقضان أشد التناقض .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

 

 

السؤال الأول :

– انا مندهش من حوارك الاخير عن سد النهضة . و اشعر  بأن سوريا ضحية شعارات اسلامية بلا اسلام. 

– ولكن يا ابو الوليد ظلمنا بشار و الايرانيين و الروس و الشبيحة . الظلم في مختلف أشكاله وألوانه ليس من الاسلام و لا من الانسانية.  و مهما حاولنا فهم و درك الحقيقة يبقى الانتقام من الظالم حقنا القانوني و الشرعي  .

إجابة ابو الوليد المصري : 

– غير واضح موضع الدهشة من الحوار الأخير حول سد النهضة .

– أما أن سوريا كانت ضحية شعارات إسلاميةـــــ بلا إسلام ـــــ فهذا صحيح . وليست سوريا وحدها بل معظم بلادنا الإسلامية أصابها بلاء المتاجرة بالإسلام لتحقيق أهداف غير إسلامية، بل وضارة بالمسلمين . فالدين أصبح وسيلة للسيطرة على العوام، يتلاعب بهم (عديمو الدين) مستفيدين من العاطفة الدينية القوية لدى الناس مع إفتقارهم إلى الوعى بالدين وبمصالح المسلمين .فأسهل طرق السيطرة على الجمهور هو خداعهم باسم الدين . وقيل فى هذا الصدد:(التجارة بالأديان هى التجارة الرائجة فى المجتماعات التى ينتشر فيها الجهل)..(وإذا أرادت أن تتحكم فى الجهلة من الناس فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف دينى).

وذلك هو أساس جميع المصائب التى تجتاح بلادنا ومجتمعاتنا. بالخداع بإسم الدين يقودنا المزيِّفون إلى فتن وصراعات تخدم أعداءنا فقط .

– أوافق معك على أن الظلم هو من أعظم الشرور . وقد حرَّمَهُ الله على نفسه وحرمه على الناس، حسب الحديث القدسى الشريف .

ولا تكاد توجد حرب لا تصحبها مظالم أو أخطاء ، ولدينا أمثله مشهورة فى تاريخنا الإسلامى حتى فى عصوره الأولى الزاهرة ، ومع شخصيات من الطراز الرفيع مثل أسامة بن زيد ، وخالد بن الوليد ( التفاصيل فى المراجع التاريخية لدى أهل السنة). الفرق هو وجود السلطة العادلة والقضاء الشرعى ، وهو ما يفتقده المسلمون فى العصر الراهن. وقد رأينا طرفا من تلك المحاكمات الشرعية فى أفغانستان ، ولمسنا تأثيرها فى تصفية النفوس وعودة الأمن بين الناس .

وسمعنا عن محاكمات بعد الحرب العالمية الثانية ولكنها كانت بدافع الإنتقام والتشهير وليس لتحقيق العدالة . وإلا فإن الطرف المنتصر لم يكن أقل ظلماً وإجراماً من الطرف المنهزم ، لدرجة أن المنتصر لم يقدم ـــــ حتى الآن ـــــ إعتذارا عن إستخدامه السلاح النووى لمرتين خلال ثلاثة أيام ضد اليابان .

أثناء الحرب من الوارد وجود عمليات عسكرية يحركها الإنتقام ـ ولكن بعد توقف الحرب فإن المطلوب هو”تسويات” تتيح فرص لحياة جديدة للمتحاربين . لأن كل حرب تقود فى النهاية إلى إتفاق سياسى . وبعد ذلك الإتفاق تصبح عمليات الثأر عملا مداناً وعدوانيا يستلزم عقوبة حتى لا تعود الحرب، أو يضطرب السلم، وتتوقف الحياة الطبيعية، التى إنتظرها الناس أو حتى قاتلوا لأجلها .

الحرب فى سوريا أرتكبت فيها الكثير من المظالم ــــــــــ من الطرفين ــــــــ والتجاوزات موثقة بالصوت والصورة من الجانبين . وفى أحوال كثيرة لم تكن حربا نظيفة. والشعب السورى هو أكثر من تضرر منها.فتعرضت المدن للقصف بأنواعه ، هذا صحيح ، وتعرض المدنيون لأهوال الشبيحة كما أهوال الجماعات المسلحة “الجهادية!!” التى سرقت وقتلت وفرضت الإتاوات بدون وجه حق . وغاز الكلور إستخدم سلاحا للقتل ، وبشكل أكبر كسلاح للتشنيع السياسى على الطرف الآخر ، بدون إعتبار لحياة المدنيين .

إن تغيير مسار الأحداث من إنتفاضة مدنية ذات مطالب سياسية وإقتصادية ، وتحويلها إلى حرب مذهبية (إستئصالية ) كان هو الخطأ الأعظم، والظلم الأكبر الذى وقع فى حق سوريا وشعبها .

صحيح أن النظام واجه الحركة الجماهيرية السلمية بالقوة المفرطة، ولكن التحول إلى حرب عصابات {دولية من ناحية المتطوعين والتسليح والإسناد الإعلامى والمالى } كان جريمة أكبر ، وظلما أعظم وهو الأساس لأى مظالم أخرى . وقد ظلم “المسلحون” أنفسهم وشعبهم بدخول حرب وهم مشتتون إلى عشرات أو المئات من التنظيمات المتنافسة والمتقاتلة ، وحتى بدون جبهة تجمعهم ، إن لم يكن تنظيما موحدا ، وبدون إمتلاك برنامج موحد للثورة .

 

 

السؤال الثانى :

– انت عراب خبيث، تعمل جاهدا علي تكوين حزمة محبة وهمية لا صحة ولا أساس لها بين المجاهدين و الرافضة . 

– انت علي علم تام بحقيقة الرافضة. كيف تبرر سبب اسقاط الامارة بيد المجوس و التعاون الاستراتيجي بين الرافضة المجوس و الحكومة العميلة الكافرة المرتدة ؟ .

– ان الرافضة يشغلون اهم مناصب العسكرية و السياسية في ادارة الاحتلال الامريكي و يدهم ملطخه بدم الافغان و العرب السنة العزل من اطفال ونساء وشيوخ .

– افترض انك تقول شئ من الحقيقة. لماذا الاعلام الرسمي الطالباني لا يذكر كلمة عن هذه العلاقة الوهمية ؟.

 

إجابة ابو الوليد المصري : 

(عراب خبيث) تلك ليست مقدمة مناسبة لحوار!! .. لكنها ليست أسوأ ما وصل إلينا من سباب، لهذا سنستمر فى النقاش نظرا لأهمية النقاط التى أثرتها .

ليس هناك حديث عن ( حزمة محبة وهمية ) بل نتكلم عن جهاد عنيف ومستعر منذ 18 عاما، يقوم به شعب أفغانستان المسلم ، ضد المعتدين الأمريكيين المدعومين بحوالى 50 دولة ، بعضها دول “إسلامية سُنية ” ، مثل: تركيا ـ الإمارات ـ الأردن .

شعب أفغانستان يجاهد بقيادة موحدة، تحت راية الإمارة الإسلامية وحركة طالبان:

رغم محاولات بعض الحركات السلفية العربية شق صفوف طالبان وتكوين حركات موازية تنقل القتال إلى داخل الصف الإسلامى ــ كما هى عادتهم دائما فى كل مكان عملوا فيه .

ورغم أن ملايين الدولارات من عرب النفط ، تنسال على أيدى شبكات وهابية، للإنفاق على تفريق كلمة المسلمين الأفغان ، وخلق الفتنة فى صفوفهم خوفا من أن ينسحب الأمريكيون بينما شعب أفغانستان ما زال موحد الكلمة خلف إمارته الإسلامية المجاهدة .

حركة طالبان وحدت شعبها للجهاد فى سبيل الله صفاً واحداً وكأنهم بنيان مرصوص . ولكن “السلفية الجهادية” تأبى إلا الفتنة وإفشال أى جهاد بالتفريق بين المسلمين ، على أساس المذهب والطائفة. وفى النهاية يكون الفشل للمسلمين والتمكين للكافرين. ولعله الهدف الأكبر والأوحد لهؤلاء ” الفتَّانين العرب”.

لقد كشفت وثائق السوفييت عن تعاون السلطات الشيوعية فى آسيا الوسطى مع الدعاة الوهابيين للعمل ضد العلماء الصوفيين الذين كانوا يقودون الجهاد ضد الحكم السوفييتى، فكانوا يطعنون فى عقائدهم لتفريق الناس عنهم وعن الجهاد .. لصالح (أولياء الأمر) الشيوعيين .

قال أحد كبار اليهود المعاصرين(إسرائيل بخير طالما أن العربى يكره العربى أكثر من كراهيته لإسرائيل) . والسلفية الجهادية تطبق ذلك القانون الإسرائيلى ولكن على مستوى الأمة الإسلامية. (فإسرائيل بخير طالما أن المسلم يكره أخاه المسلم أكثر من كراهيته للصهاينة المحتلين لفلسطين). وتلك رسالة الوهابية ، أو الصهيونية العربية الحديثة .

– صفوف المجاهدين فى أفغانستان تضم كافة مواطنى”الإمارة الإسلامية” بطوائفهم ومذاهبهم وعرقياتهم المختلفة . لذا إستمروا بنجاح فى الجهاد تلك السنوات الطويلة فى ظل حصار دولى ، ونكران إسلامى ، وتآمر حكومات إسلامية وحركات جهادية سلفية.

إذن لم نتكلم عن(حزمة محبة وهمية) بل عن (حركة جهادية ظافرة) تضم جميع المسلمين، رغما عن الوهابيين، دعاة الفتنة والإقتتال بين المسلمين .فالخلافات بين المسلمين مهما كانت، ما هى إلا موضوع للحوار والإتفاق ، ومن الجنون تحويلها إلى حرب إستئصالية. ولا يفعل ذلك إلا من كان عدوا للمسلمين يتظاهر بالحرص على المذهب على حساب إهدار الأرواح وضياع الدين ، نصرة للكافرين .

– فى زمن الجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان كان المجاهدون من سنة وشيعة موحدين فى الميدان ، وللأسف كانوا وقتها تحت راية تنظيمات متعددة ، بعضها عرقى والآخر مذهبى . وقد جمعهم المجاهد الكبير مولوى جلال الدين حقانى / من كل أنحاء أفغانستان/ فى مؤتمرين جامعين فى قاعدة جاور الشهيرة ، للتشاور حول مسيرة الجهاد والمخاطر التى تهدده ، والضغوط الدولية و”الإسلامية”، الرامية إلى إستدراج المجاهدين للمشاركة مع الشيوعين فى حكومة واحدة . مع ضغط إعلامى ومالى لإستبدال الجهاد بحرب عرقية ومذهبية بعد أن إنسحب الجيش الأحمر من أفغانستان مدحورا. وأسفرت إجتماعات “قاعدة جاور” عن إتفاقات جيدة ، بعضها وجد طريقة إلى التنفيذ رغم مقاومة عالمية وعربية عنيفة . وللأسف نجحت قوى الفتنة فى إحداث العديد من الصدامات العرقية والمذهبية البشعة .

إن ما تتخيله أنت (جرعة زائفة من المودَّة) إنما هو أساس لدى شعب أفغانستان لمواجهة العدوان الخارجى. وليس وليد اليوم أو حتى الماضى القريب إنما هو تقليد قديم وراسخ . ولا يمنع ذلك من أن دسائس “الفتَّانين” قد نجحت أحيانا ، وتركت جراحا فى مجتمع له تقاليد قبلية تتوارث الثارات والخلافات. فهو فى حاجة إلى قيادة دينية موثوقة لحل تلك المشكلات. ولهذا تحظى الإمارة الإسلامية بثقة ومحبة جميع القبائل بعرقياتها ومذاهبها ، فمهما كانت المشاكل القبلية الموروثة، فلا يمكن أن تحلها إلا مثل تلك القيادة الدينية العادلة والنقية .

– لقد سجنت الحركة السلفية نفسها فى مصطلحات مثل”الرافضه” و”المجوس” بهدف هجاء الشيعة وإيران ، وإثارة الكراهية والعداوة ضدهما . وأظن أن معظم من يستخدمون تلك المصطلحات لا يعرفون معناها الحقيقى ، وإلا لتوقفوا عن ذلك الزيف .

“فالرافضة” إصطلاح سياسى يشير إلى من رفضوا مبدأ الشورى فى تولية الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتمسكوا بضرورة وجود نص شرعى يحدد من يتولى ذلك المنصب الدينى الخطير ، قائلين أن النص متوفر ومعروف. ولكن التنازع وقع بين من قال بالنص الموجود ، وبين من تمسك بالشورى على أساس عدم معرفته بالنص الشرعى أو إنكاره إياه .

– والآن إنتهى الأمر إلى أن السنة والشيعة كلاهما يأخذ بمبدأ الشورى(الإنتخاب) فى تعيين الحاكم الأعلى . ذلك لأن صاحب الحق بالنص الشرعى غير موجود حسب قول السنة ، أو موجود ولكنه غير ظاهر حسب قول الشيعة .

إذن ليس هناك موضع للتشنيع “بالرفض” فى هذه الحالة نظرا لإنتهاء الموضوع نفسه. ولأن الحكم بعد الخلافة الراشدة لم يلبث أن تحول إلى مُلك وراثى (عَضُود) بغطاء دينى لا أثر فيه لشورى أو نص شرعى.

 والآن لم تعد هناك خلافة جامعة بعد أن تمزقت بلاد المسلمين ، ومنعتهم أوروبا من إقامة أى كيان سياسى جامع بإسم الإسلام ، سواء كان إسمه خلافة أو حتى كومنولث . بل تدفعهم دفعا نحو المزيد من التمزق عبر حروب أهلية أو ثورات ملونة سموها نفاقا “الربيع العربى”.

– أما التنابذ بمصطلح “مجوس” ففيه إدانة مغلظة لمن يستخدمه، لجهلة أو تحديه للشريعة الإسلامية وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم . والعجيب أن يجرؤ من يدعى أنه سُنِّى على فعل ذلك!!. .

وكأن رسولنا الكريم(صلى الله عليه وسلم) أراد تحصين الأمة من شر الفتن التكفيرية فقال مشيرا إلى سلمان الفارسى رضى الله عنه: { لو كان الإيمان فى الثريا لناله رجال من قوم هذا } .

ومنحه أيضا تكريماعظيما بقوله :{سلمان منا آل البيت}. فأى شرف أعظم من ذلك ؟.

ومن أولى بالإتباع .. قول رسول الإسلام، أم قول التكفيريين الوهابيين ؟ .

وصدق من قال (أكبر عدو للإسلام جاهل يُكَفِّر الناس). وذلك الذى قال:( لو سكت من لا يعرف ، لقلَّ الخلاف ) .

ومن ناحية تاريخية فإن المساهمات العلمية والثقافية التى أضافها “الفُرْس” إلى الحضارة الإسلامية تشكل الكتلة الأساسية لتلك الحضارة ، ولولاها لما كان لدينا شيئ يمكن تسميته (حضارة إسلامية) إلا ما ندر . ومن المحرج جدا أن نتحدث عن مساهمات السلفيين والوهابيين فى حضارة المسلمين ، منذ ظهورللسلفية على يد إبن تيمية وصولا إلى عصر إبن عبد الوهاب، وابن عثيمين ، وشيوخ الترفيه السعودى الداعر، وعلماء”الهولوكوست” والتطبيع مع الصهاينة.

 

– تسأل { كيف تبرر إسقاط الإمارة بيد المجوس } ــ ثم تسأل عن تبرير { التعاون الإستراتيجى بين الرافضة المجوس والحكومة العميلة الكافرة المرتدة } .

أقول بصرف النظر عن القاموس التكفيرى الرنان : مجوس ، حكومة عميلة ، كافرة ، مرتدة.

فلدينا هنا موضوعان: 1ـ إسقاط الإمارة الإسلامية. 2 ـ التعاون بين حكومة كابول والشيعة.

 

أولا ــ إسقاط الإمارة الإسلامية :

إن المعول الأكبر والأول الذى إسقط الإمارة كان عصيان تنظيم القاعدة لأوامر أمير المؤمنين (الملا محمد عمر ـ رحمه الله ) للجماعات العربية بألا يوجهوا ضربات للأمريكيين، لأن الإمارة لن تكون قادرة على تحمل رد فعل باكستان على ذلك . أما توجيه الضربات لإسرائيل فلن يكون للباكستانيين عذر فى معاقبة الإمارة عليه. (وذلك حسب تقديرات الإمارة وقتها).ومناسبة الحديث كان إنتهاك الصهاينة لحرمة المسجد الأقصى . وما يحدث الآن أبشع منه بكثير ، ولكن السلفية الجهادية أصابها العمى والصمم إلا عن الإذعان لأوامر شمعون بيريز بفريضة الفتنة التى أوجبها عليهم ، كما أوجب إتحاد “السنة!!” مع الصهاينة لمحاربة الشيعة. أما ضياع الأقصى والكعبة والمسجد النبوى فليس لها عند السلفيين غير الشجب والإستنكار، على طريقة طواغيت العرب الذين باعوا فلسطين ومقدسات المسلمين . ببساطة لأن أصحاب التنظيمات الجهادية السلفية لو إلتفتوا ناحية فلسطين والمقدسات فسوف يفقدون التمويل الخليجى والإيواء التركى.

– نجحت أمريكا فى تصوير حربها الصليبية على أفغانستان على أنها إنتقام لإعتداء وقع عليها إنطلاقا من أفغانستان فى هجمات 11 سبتمبر (غزوة منهاتن!!). وحتى الآن تعانى الإمارة من عزلة دولية سببها الأساسى ضعف موقفها القانونى والأدبى ، بسبب رعونة تنظيم القاعدة وعدم مبالاته بمصالح الإمارة وعدم إطاعتة لأمير المؤمنين الذى بايعوه على السمع والطاعة فى المنشط والمكره . ولكنهم إستثنوا حظوظ النفس وصلافة التنظيم .

ولم تجد الولايات المتحدة صعوبة فى تجنيد ما يقارب الخمسين دولة فى تحالف عدوانى ضد الإمارة الإسلامية ، ومشاركة حلف”الناتو”، بما فيه تركيا “السُنَّية”عضوالحلف ، التى شاركت فى العدوان بعشرة آلاف جندى، فكان لها أكبر قوة بعد الولايات المتحدة .

وشهر الرئيس بوش سيف الجنون بشعار(من ليس معنا فهو ضدنا) .أى لا خيار أمام أى دولة فى العالم سوى الوقوف فى الصف الأمريكى سياسيا وعسكريا وإلا ستواجه هى الأخرى حرباً أمريكية !! .

من جيران أفغانستان شاركت باكستان بنشاط فى العدوان وكانت أراضيها قاعدته الرئيسية. وشاركت قواتها كطليعة للعدوان فى بعض المواضع ، خاصة من الشرق(جلال آباد ـ من مدخل تورخم) ، ومن الجنوب(قندهار ــ من مدخل سبين بولدك ).

 إيران أيضا إرتكبت خطأ فادحاً بدعمها للعدوان الأمريكى ، فأمدته بمشورة عسكرية (خرائط لمواقع طالبان قرب مدخل وادى بانشير)، وسمحت للطيران الأمريكى بالمرور من أجوائها بشرط عدم حمل معدات عسكرية ــ بدون تحديد وسائل للتأكد من ذلك(!!) ــ

ــ من جهتها فإن الإمارة لم تبذل قبل الحرب جهدا كافيا لخلق مناخ من الثقة مع إيران وجيرانها فى الشمال خاصة طاجيكستان وأزبكستان .

فكانت الدول الثلاث تدعم بنشاط كبير قوات المعارضة (المخالفين للإمارة) ، و معظمهم من (أهل السنة والجماعة) تمثلهم أحزاب يقودها الأصوليون الثلاثة من الأخوان المسلمين : سياف ، حكمتيار ، ربانى . إضافة إلى التحالف الشمالى الذى كان يقوده أحمد شاه مسعود، وهو تحالف “سنى”. أما المجموعة الأصغر عددا وعتادا فى ذلك التحالف فكان حزب “وحدت” الشيعى .

{ تأمل دخول الإخوان فى تحالف ضد الإمارة يجمع الشيعة ومرتزقة روس إنضموا إلى التحالف فى بداية الحرب . وقارن ذلك بالهستيريا السلفية والإخوانية ضد الشيعة والروس فى سوريا . وذلك يثبت أن لا عقائد فى الموضوع ، بل مصالح مرتبطة دوما بالولايات المتحدة وأموال النفطيين العرب }.

 

 

ثانيا ــ التعاون بين حكومة كابول والشيعة :

 وهكذا نرى  أنه طبقا للتصنيف المذهبى ــ المفضل لدى السلفية الوهابية ــ فإن القوى التى تصدت بالسلاح للإمارة الإسلامية (ضمن التمرد الداخلى المسلح، أو مع الغزو الأمريكى) كانت فى غالبيتها تنتمى لأهل السنة والجماعة !!! .

– الكوادر العليا فى الأحزاب الأصولية الثلاثة، شارك معظمهم فى العمل مع الحكومة التى شكلها الإحتلال الأمريكى فى كابول ، بما فيها قيادات عليا فى جهاز الإستخبارات الذى يتولى ملاحقة وتعذيب شبكات المجاهدين . وقد برز فى ذلك العمل الإجرامى كوادر من حزب سياف مثل “سيف الله خالد” وغيره كثيرون .

وتخصص حكمتيار فى تأسيس الدواعش وإدارة عملهم بالتعاون مع الإحتلال وقيادات”الأمن القومى” فى الحكومة {الكافرة.. المرتدة.. العميلة ..إلخ }، كما عمل فى نفس الوقت كمجاهد نسوى فى سبيل تحرير المرأة “!!” . أما حزب ربانى فمنه خرج العديد من قيادات الصف الأول فى النظام الحاكم خاصة (الرئيس التنفيذى )عبد الله عبد الله .

وللشيعة مراكز هامة فى النظام ، ولكنها لا ترقى من حيث المكانة والعدد إلى ما يتمتع به (أهل السنة والجماعة). وفى النهاية .. أى فرق بين السنى والشيعى إذا أرتكب أيا منهما جريمة خيانة للدين والوطن؟؟ . ومعظم التيار السلفى يتكلم وكأن “السُنِّى” مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بسبب (إمتيازه المذهبى!!) . وأن الشيعى مدان مهما فعل من خير لكونه (مدان مذهبيا بجريمة التشيع)!! . وأن الشيعة فى أى  مكان مسئولون عن أى جريمة يرتكبها فرد شيعى فى أى مكان على ظهر الأرض . فهل هكذا يفهم الوهابيون قوله تعالى ( ولا تذر وازرة وزر أخرى )؟؟. إن العدل يغيب عندما تغيب التقوى ، وذلك فيما نعتقد أحد الأوجه لفهم قوله تعالى: (إعدلوا هو أقرب للتقوى) .. والكلام موجه للمسلمين إن كانوا حقا كذلك .

– وفى الأخير.. وطبقا للمنظور /السلفى الوهابى/ الذى ينظر إلى الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة على أنها المحرك الأول للتاريخ البشرى ولأمور الدنيا والدين ، منذ بدء الخليفة وحتى قيام الساعة، فإن نظام كابول الحالى والذى يرعاه الإحتلال الأمريكى ، هو فى جوهره نظام(سُنِّى) ، شأنه فى ذلك شأن الأغلبية الساحقة من الأنظمة العربية ، وشأن معظم العمل الإسلامى الحركى(لأهل السُنة والجماعة) فى العالم العربى ، الذين هم فى تحالف عملى شبه معلن مع أمريكا ومعسكرها المترامى ، الذى يبدأ بإسرائيل ، إلى مشيخات النفط ، وصولا إلى منظمة العالم الإسلامى ” منظمة ثكالى الهولوكوست” .

–  تقول : { إن الرافضة يشغلون أهم المناصب العسكرية والسياسية فى إدارة الإحتلال الأمريكى ، ويدهم ملطخة بدم الأفغان والعرب السُنة العزل من أطفال ونساء وشيوخ} .

سبق الشرح بأن الشيعة يشاركون فى المناصب العسكرية والسياسية الهامة فى نظام كابول. ولكن ليس بقدر مشاركة (أهل السنة والجماعة)، لا من حيث العدد ، ولا من حيث الأهمية. وذلك راجع على الأقل إلى تفاوت النسبة العددية بين الجانبين . ولا ننسى أن الرئيسان الذان حكما أفغانسان حتى الآن تحت ظل الإحتلال الأمريكى ، كلاهما من أهل “السنة والجماعة” حسب التصنيف السلفى لبني الإنسان .( ويلاحظ أيضا أن الزعماء الشيوعيين الأربعة الذين حكموا أفغانستان تحت الإحتلال السوفيتى كانو جميعا من ” أهل السنة والجماعة” حسب نفس التصنيف).

– العبرة فى الحروب هو معايير الحق والباطل ، وليس السنة (ومعهم الحق دوما حسب النظرة السلفية /الوهابية) أو الشيعة (وهم على باطل دوما حسب نفس النظرة ) .

واضح تماما أن أكثر سفك دماء المسلمين فى أفغانستان (كما فى سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن) تم على أيدى من يُحسبون زوراً وبهتاناً على “أهل السنة والجماعة “. سواء من “الجيش الوطنى” العميل أو الميليشيات المحلية ولا ننسى قوات من دول إسلامية سنية مثل تركيا والإمارات والأردن .

هؤلاء هم أغلبية سافكى دماء المسلمين فى أفغانستان .. وهم حسب التصنيف المعتمد لديكم ، من “أهل السنة والجماعة” . فهل هؤلاء المجرمون نالوا براءة من الذنوب لمجرد حملهم تلك الشرف الذى منحتموهم إياه ؟. أم تقولون بقول اليهود:(وقالوا لن يدخل النار من كان هوداً أو نصارى..)؟. فهل النار محرمة على من كان(سلفيا أو وهابيا) بينما الآخرون مخلدون فيها؟.

وهل أن دماء العرب “السُنة” المسفوكة ، كانت حكرا على الشيعة وحدهم؟. أم أن “السُنى” مغفور له لكونه سنيا.. بينما الشيعى مدان بالقتل سواء كان معتديا أو معتدى عليه ؟.

وأى جرائم إرتكبها الشيعة يمكن مقارنتها بجرائم زعماء من السنة مثل صدام حسين وعبدالناصر، وعبد الفتاح السيسى ، وحفتر ، وبن زايد ، وبن سلمان؟ .. هؤلاء مجرد نماذج من وقتنا المعاصر بدون الرجوع إلى تاريخ المسلمين الملئ بالظلم والمذابح والطغيان .

أم أن مجرد الإنتماء الكاذب إلى(أهل السنة والجماعة) يبيح جميع الموبقات والخطايا ؟؟ .

وإذا كنت تعنى دماء المسلمين المسفوحة فى سوريا، فإن المسئول الأول عنها هم قادة التنظيمات الجهادية “السُنية” ، الذين حولوا مسار الشعب من مطالبات معيشية محدودة إلى حرب عصابات دولية مفتوحة على مصراعيها للتدخل “الصليبى” و”الخليجى” والإسرائيلى . وقد أغرتهم الألقاب والمناصب والسمعة الإعلامية ، والأموال المتدفقه بلا حساب ، والسلاح الحديث الذى لم يتوفر مثله قط لأحد قبلهم من”المجاهدين” !!.

كثافة التدخل الخارجى ، وغزارة الأموال ، والشهرة العالمية، أدارت الرؤوس المسطحة، فحولوا الجهاد إلى إرتزاق و قتل مجنون ، ومقاولات سفك دماء حسب الطلب وبالمقاولة.   وبفعل الرواج وتعاظم الطلب تكاثرت الشركات القتالية ــ أو التنظيمات الجهادية ــ حتى تخطى عددها العشرات أو المئات !!. وتترس “المجاهدون” فى سوريا بالمدنيين فى المدن بدون إمتلاك وسائل الدفاع عنهم أو أى خطة لحمايتهم . وفى ظنهم أن الضغط الدولى لحلفائهم فى الخارج سيردع النظام عن مهاجمة تلك المدن (المحررة)!!. ولكن النظام هاجم وحطم الدفاعات والمتاريس التى لم تكن فى أغلبها سوى أجساد المدنيين الذين تم “تحريرهم” والتترس بهم . حارب “المجاهدون” تحت وَهْمْ مظلة حماية يوفرها الإعلام والدبلوماسية الدولية لحلفاء الخارج. ولم يمتلك “المجاهدون” المزعومون رؤية خاصة بهم لتلك الحرب، ولا استراتيجية لخوضها. وظنوا أن لاحاجة إلى شئ من ذلك لأن الجبهة الدولية الجبارة ستوفر لهم حربا سهلة وسريعة ومظفرة .

هؤلاء هم مجرمو سوريا الحقيقيون الذين ينبغى محاكمتهم ومحاسبتهم . فالنظام السورى يريد السيطرة والإنفراد بالسلطة المطلقة كباقى أنظمة العرب . بينما المجاهدون جلبوا العالم إلى سوريا بما فيه إسرائيل التى قدمت لهم الكثير سرا وعلنا . والنظام لحماية نفسه من هجوم دولى تحصن بجبهة من الحلفاء، حتى يتمكن من البقاء وأداء واجباته القانونية فى “الدفاع عن الوطن والسيادة الوطنية “. مع ملاحظة أن لا شئ إسمه حرية أوعدالة إجتماعية فى كامل الوطن العربى، وليس فقط سوريا ، وإلا ما كانت سوريا بلدا عربيا. وأن المجاهدين لو ربحوا تلك الحرب ما غيروا شيئا من تلك الحقيقة ، بل لأكدوها تحت إدعاء كاذب كالعادة، بأنهم بهذا الظلم إنما يطبقون الشريعة على فهمهم الوهابى، الذى تجلى فى أبهى صورة فى النموذج السعودى فى بلاد الحرمين الشريفين .

– لم يكن متوقعا أن تُتْرَك سوريا خالصة للمحور الإسرائيلى الأمريكى ، بدون أن يستدعى ذلك تواجدا مضادا من المحور المعادى أو المنافس . وهكذا ذهبت روسيا الإتحادية وإيران وحزب الله لبنان .هؤلاء هددت الحرب الدولية على سوريا مصالحهم فى سوريا التى هى قلب المشرق العربى كله . فبلاد الشام على مر التاريخ مكدسة بالطوائف والأعراق . ورفع شعار طائفى سياسي (مثل  إقامة دولة لأهل السنة والجماعة) دق جميع أجراس الخطر عند عشرات الفرق والقوى السياسية المحلية والإقليمية والعالمية. ولو نجح ذلك المخطط فكم دولة كانت ستظهر بديلا عن سوريا الحالية ؟؟. وكأن إتفاقية “سايكس بيكو” التى قسمت سوريا الكبرى إلى أربعة دول لم تكن كافية. فجاءت عاصفة التفتيت السلفى لتمزيق ما تبقى من سوريا إلى شظايا لاعدد لها ولا رابط بينها، بل عداوات مريرة وثارات، بدلا من إستعادة ما تفرق منها…خاصة فلسطين .

سوريا لم تكن يوما لعبة مراهقين مخبولين ، بل كانت دوما بؤرة صراع أمم وحضارات ، ومركز صراع بشرى على هذا الكوكب، موضوعه مقدسات فلسطين وجزيرة العرب ، وما يتبع ذلك من ثروات طبيعية ومواقع إستراتيجية على اليابسة وفى الماء.

وخبلان الشعارات الهستيرية يضلل الفهم ، إذ لا يمكن إختصار شئون العالم فى بعض الشعارات والصياغات الرنانة المجوفة .

 وهكذا جلب “الرويبضة” الخراب لبلاد الشام والعرب ، ولبلاد المسلمين ولأهل السنة والجماعة. والإسلام برئ من هذا السفه الذى لا يخدم سوى أعداء الإسلام ، ويضر بوحدة الأمة وجهادها.

– ثم تسأل مستنكراً ( إفترض أنك تقول شئ من الحقيقة . لماذا الإعلام الرسمى الطالبانى لا يذكر كلمة عن هذه العلاقة الوهمية ؟ ) .

 فأقول :  إذا إنتصر المسلمون وتوحدت صفوفهم فإن أعداءهم يصيبهم الجنون ، فينكرون الواقع مهما كان ساطعاً مثل الشمس. ينكرونه حتى لو شهد به جميع البشر. ويُكَذِّبون كل من يقول بغير قولهم . كما قال أحد الحكماء { ليست مشكلة الكذاب أن أحدا لا يصدقه ، بل مشكلته أنه لا يصدق أحدا } .

 فصدق أو لا تصدق : إن صفوف الجهاد فى أفغانستان تضم جميع طوائف وأعراق الأفغان ، شاء من شاء وأبى من أبى . والشيعة يقاتلون يدا واحدة مع إخوانهم السنة . ولهم بطولات ومنهم شهداء.

هؤلاء جميعاً مواطنو الإمارة الإسلامية .. فهل على الإمارة أن تصدر بياناً خاصاً عن كل مواطن أو قبيلة ، لتعلن مشاركاتهم وبطولاتهم ؟؟ .

تلك ليست بالأخبار الساره لوكلاء الفتنة ، وهم الأعلى صوتا بدعم من أعداء الأمة . ولكن الصوت العالى والضوضاء المزعجة لا تجعل الباطل حقا ، ولا تحول الحق إلى باطل .

فالشريعة هى من يميز بين الحق والباطل . بينما إتباع الأهواء يقود الناس إلى نيران الفتن فى الدنيا قبل نيران الآخرة .

ولأن بعض أصحاب “العقائد الصحيحة ” يودون أن تتحول أفغانستان إلى فتنة عمياء كالتى أضرموها فى سوريا والعراق ، فأرسلوا إلى أفغانستان سفراء الفتنة ومقاتلوا الخوارج، ودولارات النفط التى أحرقت حركات الجهاد فى العالم وأفشلت سعى أى شعب مسلم نحو الإنعتاق من الظلم . ولكن الإمارة الإسلامية ليست تنظيما سلفيا عربيا، ولاهيئة إرتزاقية لسفك الدماء تديرها الصهيونية، بل هم مسلمون أحناف مجاهدون . كانوا كذلك ، وسيظلون بإذن الله.

 

 

السؤال الثالث :

– بالنسبة للمبادرة الجهادية بين قبائل البلوش السنية فى إيران المجوسة وباكستان المرتدة ما هي الا مبادرة فرضتها القبائل غصب عنهم.

– ان اهل السنة في ايران المجوسية مضطهدين و مقهورين لا حول لهم ولا قوة . كيف يشاركون في ما سميته انت انتفاضة البنزين او اي حراك اخر تحت هذا الضغط الهائل.  عندما يصل الضغط لمستوى معين ينتهي معه حراك المضطهدين . الشعب المصرى اليوم وصل الي هذه المرحلة.

 

إجابة ابو الوليد المصري : 

– هؤلاء الملايين من المسلمين ، لا تراهم سوى مرتدين أو مجوس “!!” فهل ظل عندك من أحد لدخول الجنة .. أم تراك فيها وحيدا؟ .

– المبادرة الجهادية بين قبائل البلوش فى إيران وباكستان كانت مبادرة شعبية بدافع العقيدة الإسلامية . فذهب أبناء القبائل وقاتلوا قتال الأبطال ، وحرروا مناطق وسقط منهم شهداء ، ومازالوا يتناوبون الذهاب إلى جبهات القتال والعودة منها ، بكفالة المال والتسليح والنفقات من قبائلهم ، تماما كما تفعل قبائل أفغانستان من بشتون وطاجيك وتركمان ، لأداء فريضة هى أهم فرائض الإسلام بعد الشهادتين ، لأن فى تركها ضياع للدين ، وهلاك للمسلمين .

– تقول بأن قبائل البلوش تحركت نحو الجهاد غصباً عن دول وصفتَها طبقا لمعاييرك السلفية بأنها دول(مرتدة أو مجوسية ) . ثم تعود  لتقول بأنهم”مضطهدين ومقهورين لا حول لهم ولا قوة”، ولذلك لم يشاركوا فى إنتفاضة البنزين.

 فأقول : إن من يذهب إلى القتال لمواجهة نيران جيوش أمريكا والمرتزقة والدواعش ، هو قادر بلا شك على الخروج فى مظاهرة سلمية تطالب بأسعار أفضل لمادة البنزين .

فمواطنو إيران يعانون من مشكلات معيشية عديدة . وذلك وضع طبيعى فى دولة تخضع للحصار الإقتصادى والمقاطعة منذ أربعين عاما، عندما ثار الشعب الإيرانى على الشاه ونظام حكمه الخاضع لإسرائيل والغرب . ومنذ نجاح الثورة الإسلامية فى إيران تذكر العرب بأنهم (أهل السنة والجماعة) وأن إيران (شيعية رافضية مجوسية) ينبغى إخضاعها لما خضع له العرب من عبادة لأمريكا وإسرائيل .

فذلك هو جوهر المشكلة . وإلا فإن إيران تحت حكم الشاة كانت تحظى بإحترام زائد من المشيخات الوهابية فى الخليج والسعودية . فكان شاه إيران يحميهم كشرطى عينته بريطانيا والولايات المتحدة. بل أرسل شاه إيران قوات ضخمة لمحاربة الشيوعيين فى سلطنة عمان ، وسط ترحيب دولى وسلفى وهابى . ولم يتحدث أى فصيح عن “تمدد إيرانى” ولا عن “هلال شيعى” أو”غزو إيرانى لجزيرة العرب يهدد الحرمين الشريفين”. فلا رافضة وقتها ولا مجوس، ولا هلال شيعى، ولا تمدد صفوى، ولا غزو . بينما جيوش الشاه تقاتل “ثوار ظفار”الشيوعيين على أرض جزيرة العرب فى سلطنة عمان . ذلك لأن الشاه رجل أمريكا وحليف إسرائيل. وهذا بالضبط هو المطلوب من الجمهورية الإسلامية حتى تحظى بالرضا السلفى الوهابى ويُسْمَح للشيعة بدخول جنة التبعية والهوان التى يمتلك الوهابيون مفاتيحها ، وإن لم يرتضوا ذلك فهم بلا شك “رافضة.. ومجوس .. إلى آخر قصيدة الهجاء المشهورة”.

فالحركات الإسلامية المنتمية إلى السلفية الوهابية ، وضعت يدها فى يد الغرب وإسرائيل من أجل ضم إيران إلى حظيرة الأبقار الخليجية التى يحلبها ترامب قبل أن يذبحها بعد جفاف الضرع . وسبق أن عقد الإخوان فى ثمانينات القرن الماضى مؤتمرا فى الأردن للعمل على تحويل إيران إلى المذهب السنى!! . فصارت تلك عقيدة وأيدلوجية بلورها فى التسعينات الزعيم الصهيونى “شيمون بيريز ” لتوحيد الصهاينة مع “السنة” لمحاربة إيران والشيعة.. أنظر وتأمل ، فالأمر لا يحتاج إلى كثير شرح لأنه يشرح نفسه بنفسه.

– ولنسأل أنفسنا: هل أن “أهل السنة والجماعة” يتمتعون بشئ من الحرية فى العالم العربى تحت أنظمة حكم (سُنيَّة) مثل حكومة السيسى مثلا؟؟ . وأنت تقول أن شعب مصر واقع تحت ضغط يمنع حراك المضطهدين، فهل لهذا الضغط توصيف مذهبي (فنقول مثلا أنه ظلم واضطهاد سُنِّى) أم أن ذلك التوصيف المذهبى مقصور فقط على الشيعة؟؟. ولماذا الظلم له هوية مذهبية فى مكان، وخالى من التمذهب فى مكان آخر ؟؟.

وإذا كان صحيحا أن أهل السنة فى إيران واقعون تحت ذلك الإضطهاد والقهر بما يجعلهم بلا حول ولا قوة ، فلماذا لم يلجأوا إلى حيث إخوانهم من أهل السُنَّة فى الدول المحيطة ، خاصة دول النفط على الشاطئ الآخر من الخليج ، حيث الثراء الفاحش ، والحرية فى ظل المذهب الوهابى السمح ؟.

ولماذا تكتفى مشيخات النفط بشكل رئيسى من أشكال الدعم لإخوانهم أهل السنة فى إيران ، وهو تشكيل مجموعات مسلحة لشن حرب داخلية، تتطيح بإيران “الرافضة” للإنضمام إلى نادى الإبقار الحلوبة فى مشيخات النفط .

ثروات إيران تذهب إلى شعبها (سنة وشيعة) لبناء دولة متقدمة وقوية. فلا تذهب للحكام وشركات النفط وتجار السلاح وجيوش الحماية الأجنبية. ذلك ما نقموه من إيران ، وليس غيرتهم على “سنة” إيران. وإلا لماذا فعلوا ما فعلوه فى شعب مصر ((مئة مليون فقط!! ـــــــ أى أكثر من ثلث تعداد العالم العربى)). فمن حجب مياه النيل بتمويل وتسليح سد النهضة الأثيوبى؟؟ . فأصبحت مصر(شعبا ودولة وتاريخا) على طريق الإندثار العاجل . ذلك رغم أن مسلمى مصر جميعهم من “السُنَّة” ، وكذلك الدول التى مولت سد النهضة جميعها دول سُنيَّة (تركيا ـ قطر ـ الإمارات ـ السعودية ـ الكويت ).

– هناك خلط متعمد بين (السلفية / الوهابية) وبين (أهل السنة والجماعة). فأول ضحايا السلفية الوهابية وأكثرهم عددا وأشدهم تضررا  هم “أهل السنة” الحقيقيون . إذ حُجِبَتْ مذاهبهم المعتبرة لصالح “منهج” أقلية “سلفية!!” منشقة عن أحد المذاهب السنية الأربعة . حتى أن أغلب الجيل الجديد من السلفيين لا يكادون يعلمون شيئا عن تلك المذاهب.

فأى ضرر وأى خسارة لحقت بأهل السنة والجماعة من جراء ذلك العدوان السلفى ، الذى شوه الفقه الإسلامى ، وفرَّق الأمة ، وأشعل نيران الفتن والاستئصال بين مكوناتها .. ولصالح من ؟؟.

– هنا السؤال الذى على أساسه يمكن فهم ديانة الزعيم الإسرائيلى “شيمون بيريز” التى إعتنقها قطاع كبير من السلفيين ، والتى تدعو إلى الإتحاد بين إسرائيل وبين “السُنَّة” ودولهم العربية ، للعمل سويا ضد إيران والشيعة ، بدعوى أن إسرائيل لا تشكل خطرا ، بل إيران هى الخطر المشترك للجميع !!. وأن قيادة إسرائيل للمنطقة ومعها ثروات العرب ، يمكن أن تحكم العالم .

أنهم لا يقصدون المعنى الحقيقى لإصطلاح (أهل السنة والجماعة) بل يقصدون ذلك الخلط الذى أوجدته الوهابية ، والإدعاء بأنها التجسيد الوحيد (لأهل السنة والجماعة) . بينما هم مجرد إنشقاق فقهى تبنته بريطانيا أيام كانت عظمى، ومولته دولارات النفط الخليجى ، ليحدث الفرقة والشقاق فى صفوف “السنة” ، فلا يُحْيون “سُنَّة” ولا  تقوم لهم “جماعة”. ويبقى المجال فسيحاً لإمبراطورية بنى إسرائيل ، بأموال أصحاب القرون فى جزيرة العرب ، ممولو صفقة القرن وتهويد المقدسات الإسلامية.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

2020-02-05

 

 

السلفية الجهادية أصابها العمى والصمم




قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر ( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (149) | ذوالقعدة 1439 هـ / يوليو 2018 م. 

24/7/2018

قول الزور والفتاوى مدفوعة الأجر

( فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام )

 – العمامة وحدها لا تصنع من الجاهل عالما . ومجاورة البيت الحرام لا تجعل من الفاسق ناسكا .

– كيف يسمع بوجود الإحتلال الأمريكى لأفغانستان من أصم سمعه رنين الذهب وأعشى بصره بريقه .

– حاقت بالمسلمين فتنة لا تزول ، إلا بفضل من الله وجهاد الأفغان ، ومن سارعلى دربهم من المخلصين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 (فساد الأمة بوقوف العلماء على باب الحكام ) . فكيف هو حال الأمة إذا كان الحكام والعلماء الذين على أبوابهم هم من مروجى الفساد والمنافحين عنه ؟؟.

ألم يسمع “علماء” الزور بأن الجيش الأمريكى إجتاح أفغانستان عام 2001 بناء على وعد من الرئيس الامريكى (بوش)، قطعه على نفسه فى كنيسة بالعاصمة واشنطن مهددا أفغانستان بحرب صليبية ؟؟ . يبدو من أحاديثهم أنهم لم يسمعوا أصلا بوجود إحتلال أمريكى فى أفغانستان . هل فقدوا الذاكرة أم أنساهم بريق الذهب تلك الحقيقة الرهيبة التى تعيشها أفغانستان منذ 17 عاما ويعرفها العالم أجمع فيما عداهُمْ !!. حقيقة وجود جيش كافر صائل يقتل وينهب ويعتدى ، وينشر الرذيلة والفساد ويسفك دماء المسلمين .

نسى هؤلاء أم سقط سهوا من بياناتهم وفتاويهم وجود آلاف من جنود الإحتلال الأمريكى ومن دول تابعة لتلك الدولة الكافرة بلغت حوالى الخمسين دولة ، غير آلاف أخرى من مرتزقة الشركات الدولية التى تتعاطى تجارة الحروب والهلاك . إضافة إلى عدة آلاف أخرى من سقط متاع المجتمع الأفغانى سلحتهم أمريكا ودربتهم ليكونوا رأس حربة فى خراب البلاد وهلاك العباد . ومن بين تلك الجيوش الغازية كانت ثلاث جيوش (إسلامية !!) هى تركيا والإمارات والأردن ، ناهيك عن باكستان التى وضعت كافة إمكاناتها وطاقاتها ومعلوماتها فى خدمة حملة بوش الصليبية على شعب أفغانستان .

بلغت جيوش الحملة الصليبية أكثر من 150 ألف جندى ، مزودين بأشد أسلحة العالم فتكا ، وسلاح طيران لا نظير له فى دول اليوم . وذخائر لا حصر لها ما بين ذكى وإشعاعى ، ومن جميع الأوزان والأحجام وصولا إلى (أم القنابل) التى تزن 11 طنا من أنقى أنواع المتفجرات، لتكون أقوى القنابل خارج الترسانة النووية الأمريكية .

ألم يسمع السادة العملاء بذلك ؟؟. أم أن بريق الذهب يعشى الأبصار ورنينه يصم الآذان ؟؟. أم أن الإرتشاء فضيلة لمنعدمى الفضيلة ؟؟.

إن العمامة وحدها لا تصنع عالما .. والتواجد فى البلد الحرام لا يجعل من الفاسق ناسكا .. وإلا لما حفظ لنا القرآن إسم أبا لهب ، وحفظ التاريخ إسم أبا جهل ضمن أسماء فطاحل الكفر .. فالكفر ملة واحدة منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير فى حياة البشرية.

“وبلعام بن باعوراء” له أحفاد مستنسخون ، تجدهم فى شتى الأماكن من أندونيسيا إلى كابول إلى البلد الحرام ـ ولاحول ولا قوة إلا بالله .

وكذلك هو أبا رغال وأبا جهل ومسيلمة الكذاب . كلها شخصيات تختفى حينا وتظهر أحيانا لتؤدى نفس الأدوار فى عصور مختلفة وبأسماء مستعارة ـ قد يتمسح بعضها نفاقا بالإسلام وشخصياته النورانية .

هلك فرعون وأخزاه الله فى الدنيا والآخرة . لكن أحفاده المستنسخون ، والمنبثون فى أرجاء المعمورة ، مازالو يتناوبون على حكم البشر . يسومونهم سؤ العذاب ويرشدونهم سبل الضلال ، ثم يلاقى فرعون وجنوده ـ نفس المصير ، ولا من معتبر . فأكثر الناس ينسون ولا يتذكرون ، بل يستخفهم الباطل بدعايته المبهرجة التى يطرب لها ضعاف العقول ، بأنهم كانوا قوما فاسقين .

– إن المشكلة فى أفغانستان والتى تعامى عنها من طمس الله قلوبهم هى الإحتلال الأمريكى للبلاد . وشعب أفغانستان / وإن كان من أكرم الشعوب وأنبلها / إلا أن به من أصناف البشر مثل ما فى كل شعوب العالم . فهناك ضعاف النفوس وفيه من تعاون مع المحتل وعمل إلى جانبه وقاتل من صفوفه طمعا فى متاع الحياة الدنيا . كما تميز الشعب الأفغانى بكثرة علمائه ومجاهديه الذين يبذلون الأرواح من أجل دينهم ، فقاتلوا أعداء الدين من الغزاة والمتعاونين معهم من أهل البلاد مهما كانت قبائلهم أومكانتهم الإجتماعية ـ عملا بقوله تعالى:

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } المجادلة ـ 22 ـ

ـ فلدى الأفغان أيضا (أبا رغال) و(بلعام بن باعوراء ) ومسيلمة الكذاب ، تماما كما أن لدى العرب خائنين للأمة ودينها من الذين أدخلوا الكفار أعداء الدين إلى البلاد المقدسة والأراضى التى طردهم منها رسول الإسلام . بل ويتباهون بصداقتهم ، ويهبونهم أراضى جزيرة العرب التى طردهم منها رسول الإسلام بقوله (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) ، يبتغون عندهم العزة .  فأنشأوا فيها أكبر الكنائس وأكبر القواعد العسكرية وأعظم الموانئ لأساطيل دول الكفر . بل وأدخلوا اليهود لحماية قصورهم ، وتثبيت أركان حكم وهمى زائل وبلا كرامة فى الدنيا ولا ثواب فى الآخرة . وتنازلوا لهم ومنحوهم الحق فى إحتلال أراضى الإسلام فى فلسطين وكأن تلك الأرض ومقدساتها هى من أملاكهم الخاصة . فوصل بهم الأمر إلى التنازل لهم عن القدس ومسجدها الأقصى .

   يقول بعض الضالين المضلين ، بضرورة التطبيع مع قتلة الأنبياء مغتصبى أرض الإسراء والمعراج ، وأن تفتح لهم السفارات فى بلاد جزيرة العرب . بل وقنصليات فى مكة  والمدينة !! ، إلى جوار بيت الله الحرام ، ومسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).

ــ إلى هذا الحد بلغ الفجور فلا تختبئوا تحت العمائم فهى ليست لكم ، بل هى للرجال العلماء المجاهدين ، ولأطفال العلوم الشرعية الذى يقتلهم الجيش الأمريكى يوميا فى أفغانستان ، فما توقفوا عن الذهاب إلى مدارسهم لتلقى علوم القرآن والشريعة رغم قصف الطائرات وغارات القوات الأمريكية الخاصة ورغم رحيل الشهداء قوافل تلو القوافل ، من أطفال مدارس الشريعة وشيوخها وطلابها من الشباب المجاهدين المنافحين حقا وصدقا عن الإسلام .

ــ يا من جسدوا العار فى جيبن المسلمين ، هل سمعتم فرعون العصر وهو يقول :{ إن للإسرائيلين الحق فى العيش بسلام على أرضهم (فلسطين!) ولا مشكلة لنا مع اليهود ، وتجمعنا مصالح مشتركة مع تل أبيب }.

فيتبارى السلطان وكلابه  فى التمسح بأحذية اليهود ، ولعق أحذية الأمريكان . كتبت عليهم الذلة والمسكنة ، وعليكم يا آكلى السحت وشهود الزور . أعجزتم أن تقولوا كما يقول بعض المنصفين فى بلاد الأعداء؟؟ .

قال الموقع الأليكترونى الأمريكى (آنتى وور) ، فى تقرير مطول ، أن الجيش الأمريكى قتل فى العراق 2,5 مليون إنسان . (فكم قتل من الأفغان خلال 17 عاما من القصف الجوى والبرى على المدنيين؟؟ ). يقول الموقع المذكور فى تقريره { إقتنع الجمهور بالصفات شبه السحرية “للأسلحة الدقيقة” فكان سهلا على القادة العسكريين والمدنيين الأمريكان تبرير إستخدامها لتدمير قرى وبلدات بأكملها ومدن فى بلد بعد آخر ، كما فى الفلوجة والرمادى والموصل فى العراق ، أو فى سانجين وموسى قلعة فى أفغانستان . ومدينة سرت فى ليبيا ، ومدن كوبانى والرقة فى سوريا } .

–  يا كلاب أهل النار .. هل أصابكم الصمم عن أن تسمعوا قول باحث أكاديمى من سادتكم اليهود وهو يقول عن مضيفكم ـ وبصريح العبارة ـ أن بلاده بدون عون إسرائيل لا تستطيع أن تحمى {{مؤخرتها!}} حتى فى العاصمة . ناهيك عن طلبها للعون الإسرائيلى فى حروبها فى بلاد عربية متنوعة . فإذا كان هذا رأى ذلك الخبير فى “مؤخرة” مولاكم . فماذا عنكم أنتم ؟؟ هل تستطيعون حماية أى شئ؟ ، أم أنكم كما قال حكيم : لا تأخذون حقا .. ولا تدفعون باطلا.  وكيف تدفعون باطلا وأنتم الباطل نفسه ، وعنه تدافعون بشرفكم وكرامتكم ، وتشترون به الدنيا وتبيعون من أجله الآخرة ؟ .

– { فى أفغانستان (خلاف) بين (إخوة فى الدين) يجب أن يتصالحوا فيما بينهم ليعم السلام والوئام } . وهكذا كانت بداية قصيدتكم كفرا .. ونهايتها أيضا كانت كفرا .. فبهذه المقدمة لمؤتمر الشياطين ، لابد أن تكون التوصيات هادية إلى النار .

فى أفغانستان معركة بين الكفر والإسلام . بين كافر غزى بلاد المسلمين وبين شعب مسلم يدافع عن دينه وعرضه وأرضه وماله . فكيف يكون التصالح ؟؟. فليس هناك إلا طريق واحد للحل ، هو أن يخرج المعتدى ويسحب كل قواته معه . { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ـ النساء 76 ـ

أما من ساندوا الغزاة الكافرين من أهل البلاد ، فإنهم فسخوا العهد مع الله والدين والأمه وتلزمهم التوبة ، أو العقوبه المناظرة لجناياتهم التى إرتكبوها . فالخيانة جريمة عظمى ، وليست وجهة نظر تُقدَّر حسب المبلغ المدفوع .

وطبقا لتلك القاعدة الشيطانية التى يرسيها كلاب أهل النار ، بمؤتمراتهم ومؤامراتهم وفتاويهم جاهزة الإعداد ومدفوعة الأجر ، سوف يكون على المسلمين جميعا أن يتنازلوا عن دينهم ، ويتصالحوا مع اليهود المحتلين لفلسطين ، بل ويتعاونوا معهم ويتحالفون سويا للقتال ضد أى مسلم يعترض على(السلام!!) الذى يموهون به على المسلمين ، بتسميه الأشياء بغير مسمياتها. فالخيانة والردة لن تكون أبدا سلاما واستقرارا ، بل أن الجهاد سوف يستمر ، إلى أن يأتى الله بالنصر أو بأمرٍ من عنده .

فقد أنبأنا رسولنا الكريم قائلا : { لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة } ــ رواه مسلم ــ فمن أعظم من الأفغان صبرا أو أقوى منهم شكيمة أو أشد منهم بأسا ؟؟. هم الطائفة الراسخة على الحق ، وبهم يلحق الصادق من المسلمين .

 ــ يا عملاء الزور !! .. لقد حذر الله فى كتابه الكريم بشرا من أمثالكم بقوله تعالى :

{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا } ـ الأحزاب 60 ـ

وفى هذا تحذير لأمثالكم من المنافقين ، بأن هناك قصاص لابد منه ، ومؤمنون فى بطن الغيب قادمون لإقامة الدين وإتمامه ولوكره الكافرون .

ذلك وعد الله .. فأين لكم منه المفر ؟؟ إلا بالتوبة قبل القصاص العادل .

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

علماء البنتاجون و بغال الإفتاء :

شاع مصطلح علماء البنتاجون بعد هزيمة السوفييت فى أفغانستان وظهور دور المتطوعين المسلمين من أنحاء العالم ، بعد فتاوى بلا حصر تؤكد فرضية الجهاد فى أفغانستان ضد الإحتلال السوفيتى .

وبعد إنتهاء الحرب وإنقلاب الموقف الأمريكى والغربى ضد المتطوعين المسلمين ـ خاصة العرب منهم ـ أفتى نفس العلماء بأن هؤلاء المتطوعين هم من المتطرفين والإرهابيين . ولكن ما لبثوا أن أخرجوا فتاوى أخرى تدعو الشباب للتطوع للقتال ضد الروس فى الشيشان ، وفى البوسنة والهرسك ضد الصرب والكروات ـ فكانت بوصلة فتاوى هؤلاء “العلماء” متجهة إلى حيث المصالح الأمريكية الحيوية ومتطلباتها العسكرية . فإذا كان الجهاد لغير صالح الولايات المتحدة كأن يكون ضد اسرائيل أو ضد الجيش الأمريكى وحلفائه/ كما حدث فى غزو أفغانستان / فإن الآيه تنقلب تماما ، ويصبح الجهاد فى فتاويهم جريمة نكراء والمجاهد ينقلب إلى إرهابى يهدد الأمن والإستقرار . فيعقد علماء البنتاجون وعبيد الدولار حلقات الفتوى ومؤتمرات الضرار ، يتجولون بها من بلد إلى آخر ومن محطة فضائية إلى أخرى ، يحذرون من (جريمة الجهاد) ، وفوق ظهورهم يحملون فتاويهم جاهزة التزوير حسب طلب الكافرين. فصدق فيهم وصف (بغال الإفتاء) .. ولا كرامة لفاسق .

ومع ذلك فإن وجود بغال الإفتاء لم يمنع وجود علماء البنتاجون بل وحتى علماء الكنيست . فكلهم مشغولون الآن فى الإفتاء لصالح مولاهم الأمريكى ، ورفع راية إسرائيل وتثبيت أركانها إمبراطوريتها فى بلاد المسلمين والعرب . ومصادقة من يصادقها ، ومعاداة من يعاديها، والجهاد دونها بالكلمة والمال والسلاح ـ أولئك هم أولياء الشيطان .

 بغال الإفتاء لن يستطيعوا إحراز النصر لمن عجزت جيوشهم عن تحقيقه فى أرض المعركة. إنهم جزء من محاولة الجيش الكافر اليائس الذى يرغب فى الفرار السريع قبل أن يسقط على أرض أفغانستان مُحَطّماً ساقط الهيبة والكرامة ، فيسقط على مستوى العالم كله.

 ـــ  فى الوقت الراهن يريد الأمريكى أن يحارب بجيشه ـ أو أن يهدد به فقط ـ كى يرسى قواعد دولة اليهود فى بلاد العرب ، ويضع تحت يدها (جميع) مقدسات المسلمين ، وجميع جزيرة العرب من الشام إلى اليمن ـ وجميع بلاد العرب من المحيط إلى الخليج . ولكن المجاهدين الأفغان يعرقلون كل ذلك وربما أسقطوا معبد الكفر فوق رؤوس الأوثان وعبيد الشيطان . فتنتهى على أيديهم ردة واسعة النطاق وإنهيار شامل لا أمل فى وقفه إلا بعناية من الله وجهاد عباد الرحمن من أبطال الأفغان . ولهم فليدع كل مسلم ، وليعترف بما لهم من فضل يطوق رقاب الأمة جميعا . ولهم النصر المبين بإذن الله .

{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز } ﴿٢١﴾ المجادلة

تحميل مجلة الصمود عدد 149 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/7/2018

www.mafa.world




استئصال فتنة داعش في ولاية لغمان بمقتل جميع أفرادها

استئصال فتنة داعش في ولاية لغمان بمقتل جميع أفرادها

استئصال فتنة داعش في ولاية لغمان بمقتل جميع أفرادها

قبل فترة تم إرسال شرذمة تابعة لداعش لتأسيس خلية لهم في وادي “كندكل” بمديرية الينجار بولاية لغمان.

وتفيد الأنباء بأن هذه الشرذمة الفتانة استقرت في قرى (جوريغي ماسور، اسكين كندا، كنده كل)، وبدؤوا بأذية الشعب هناك.

وتم دعوتهم من قبل مجاهدي الإمارة الإسلامية ليكفوا عن شرهم، وينتهوا عن أذية الناس واختطافهم، لكنهم رفضوا هذه الدعوة واستمروا في غيهم وفتنتهم.

لذلك قام مجاهدو الإمارة الإسلامية يوم أمس بشن عمليات واسعة ضدهم، وتم القضاء على هذه العصابة الشريرة بالكلية، حيث تم تصفية الجبال والأودية وجميع مناطق قرى (جوريغي ماسور، اسكين كندا، وكندكل) من تواجدهم، وأشلاء عشرات القتلى منهم باقية في المنطقة، وتستمر عمليات المجاهدين للإجهاز على الجرحى ومن بقي منهم على قيد الحياة.

وقد استشهد مجاهد واحد فقط في المعارك مع المختطفين من عصابة داعش.

ومن جهة أخرى، فيوم أمس عندما بدأ المجاهدون بتنفيذ عملياتهم ضد عناصر داعش، وصلت طائرات الأمريكيين إلى المنطقة لحمايتهم، وشنت غارات جوية على ثغور المجاهدين ونقاطهم العسكرية، ما أدى إلى استشهاد 4 مجاهدين.

لكن رغم قصف الأمريكيين وحمايتهم لهم فقد واصل المجاهدون تنفيذ عملياتهم ضدهم، وتمكنوا بفضل الله من تطهير المنطقة المذكورة من تواجدهم القذر.

ونفس الأمر حينما يبدأ مجاهدو الإمارة الإسلامية بتنفيذ عمليات قاطعة ضد داعش في بعض المناطق الشرقية في ولاية ننجرهار، تتدخل الطائرات الأمريكية لحمايتهم، ولا تترك المجاهدين حتى يقضوا على عصابة داعش ويستأصلوا شأفتهم.

ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم الإمارة الإسلامية
7/10/1439 هـ ق
۳۱/۳/۱۳۹۷هـ ش ــ 2018/6/21م




خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

وبعد

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية، لحرفها عن أهدافها واستنزافها، وكيفية تجاوز ذلك

توطئة

تُعتبر الحرب الأمنية والتي هي حرب العقول والأعصاب من أعقد الحروب وأدقها والتي تحتاج لمعرفة تفاصيل أفكار وتجمعات واجتماعيات وأهداف.. إلخ العدو ومراكز قوته وضعفه حتى يتسنى اختراقه بأدق طريقة وأسهلها وأقلها خطورة وفي المكان والوقت المناسبين.

والاختراق يكون لهدف معرفة معلومات أو لحرف المُستَهدَف عن هدفه أو لزرع الضغينة والأحقاد وإشعال الفتن والمشاكل داخل الدولة أو الجماعة أو لحرف أفكار المُستَهدَف وغير ذلك.

يعتمد النجاح الكبير وكسب هذه المعركة على القيادة الحكيمة والتنسيق الدقيق بين مكونات الدولة أو الجماعة.

تعتبر الوحدة الإسلامية هي الركيزة الأساسية لقوة المسلمين وسبب انتصاراتهم ولذا لاحظنا على مدار التاريخ كلما توحد المسلمون انتصروا وسادوا وكلما تفرقوا انهزموا وتراجعوا، ولذلك عمد أعداء الأمة ودينها إلى البحث عن نقاط الخلاف بين جماعات الأمة وعلمائها والتركيز عليها وتعزيزها بل وقاموا باستخدام بعضًا من المحسوبين على الأمة من المثقفين أو الشيوخ وقاموا بدعمهم ماديًا وإعلاميًا لكي يوطدوا تلك الخلافات ويزيدوا فجوتها، ومن المؤسف أن كثيرًا من أبناء الأمة انخدعوا بهم وتجاوبوا معهم و انجروا وراءهم وروجوا لهم بالمجان، فنصروا الباطل على الحق والأعداء على الأهل والأصدقاء وهم يعلمون أو لا يعلمون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سأذكر هنا بعون الله بعضًا من أساليب أعداء الأمة لاختراقها، وآثار ذلك وعلاجه.

 

– استغلال الخلافات والثارات القديمة والنعرات القومية والحزبية الضيقة:

وهذا الأسلوب الخبيث في الاختراق الفكري أو الميداني هو أسلوب قديم متجدد قد يكون على مستوى قيادة الدولة أو أفراد أو جماعات منها.

حديثي هنا عن الاختراق من خلال أفراد لضرب المجموع تدريجيًا، وهذا ما نجح بفعله أعداء الأمة الإسلامية كثيرًا للأسف..

حيث يقومون بإثارة الفتن وتأجيج النفوس بين أفراد لهم عصبة وقوة داخل الدولة أو الجماعة حتى يقتتلوا فيما بينهم ومن ثَم ينتقل القتال إلى عصبتهم وقوتهم حتى يعم أجزاء كبيرة داخل الدولة أو الجماعة مما سيؤدي لإضعافها وتشرذمها تدريجيًا.

 ولقد حدث هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين قام اليهودي شأس بن قيس بإثارة النعرات القومية ومشاكل الماضي وثاراته حين أراد أن يوقع بين الأوس والخزرج بعد دخولهم في الإسلام، فلقد: “مر يومًا وكان شيخًا قد عمى عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه –حديث الأخوّة والصفاء والصدق والحب- فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة –بنو قيلة هو اسم يشمل الأوس والخزرج معًا عندما يجتمعون-بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع مَلؤهم بها من قرار، فأمر شابًا من يهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان –يوم بعاث-يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس وكان عليها يومئذ حضير أبو أسيد بن حضير وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقُتِلا جميعًا . ففعل الشاب ما أمره به شأس-وحرّش بينهم- فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب وهما أوس بن قيظي وجبار بن صخر، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا وقالوا قد فعلنا موعدكم الظاهرة وهي الحرة السلاح السلاح . فخرجوا إليها وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم !!؟ بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألَّف به بينكم، فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين وقد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس”.

قلت: لقد نجح شأس بن قيس هذا اليهودي الخبيث في اختراق صفوف المسلمين واستطاع أن يحدث بين المسلمين حدثًا جللًا بسبب اختراقه لصفوفهم والتأثير على مشاعرهم واستفزازهم وتحريك نار العداوة بينهم حتى كادوا أن يهلكوا لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل حين علم بذلك وأصلح بينهم، وكان ذلك في اللحظات الأخيرة من وقوع كارثة كانت ستضرب المسلمين ضربة معنوية ومادية وبشرية، ضربة قاصمة وفي مقتل .

وهذه الطريقة هي نفسها لازال يستخدمها أعداء الأمة للتحريش بين المسلمين لتفريق صفهم وإضعاف قوتهم ليسهل عليهم السيطرة عليهم واستعبادهم ونهب ثرواتهم، وإن من أكبر ما يساعد أعداء الأمة في التحريش بين المسلمين وتفريق صفهم وتشتيت جهودهم هو التعصب الحزبي أو المذهبي والتمترس خلف القناعة القائلة أنا الصواب وغيري خطأ والتعصب للرجال لدرجة ربما تصل التقديس أحيانًا، كل هذا يمنع قبول الآخرين من المسلمين ممن يختلفون فكريًا مع بعضهم اختلافًا صائغًا يمكن احتواؤه بالاتفاق على الأهداف الكبيرة ورص الصفوف حول كلمة الحق التي أوصى بها الله تعالى ومن هذه الأهداف الكبيرة هو نصرة الأمة وقضاياها والعمل على تحريرها من الطغاة والغزاة، ولذا يجب أن تنتقل الأمة من الانتصار للحزب أو المذهب إلى الانتصار للحق وقضايا الأمة الكبيرة، مع الإقرار بأن الكل منها يصيب ويخطئ وأن خيرها من يتقدم الصفوف لنصرتها بالمال والنفس والكلمة، لا المجادل الباحث عن منبع الخلافات وأصلها الذي تجده في كل موطن جدال أو فتنة وقلما تجده أو ربما لا تجده أصلًا في أي موطن قوة ونزال لينصر دينه وأمته، فإن هذه الشاكلات وتلك العقليات هي اللبنة الأولى والخاصرة الأضعف التي يدخل منها الأعداء لضرب الأمة من داخلها والتحريش بين أبنائها. والله ولي التوفيق.

 

– استغلال صدق القيادة أو حماسة الشباب أو تهور بعضهم لاستدراج الكل لمعارك جانبية تشتتهم عن أصل أهدافهم، ولإشغال الدولة  أو الجماعة عن أهدافها الأساسية لاستنزافها وإضعافها لتسهل هزيمتها، ولقد حدث هذا كثيرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر هنا بعض الأحداث كسرية الرجيع والتي حدثت مطلع شهر صفر عام 4هجري.

توطئة: قدَّر الله تعالى أن تكون قريش قبلة للمسلمين من جهة وللكافرين من جهة أخرى، ولقد قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ”، حيث كان القرشيون في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله وأهل حج بيت الله وكان العرب ينظرون إليهم بعين الاحترام والتقدير والإجلال، لذا كان لرأيهم وقولهم وفعلهم وقع قوي في نفوس العرب، وكان العرب يسمعون لقولهم ويقتفون أثرهم في الحب والبغض.

لفتة: عن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، تعلو ولا تُعلى، قال الرازي: “ومعلوم أن قريشًا موصوفون بهذه الصفات؛ لأنها تلي أمر الأمة”.

لاشك أن قريشًا كانت تمثل رأس العداء للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت تستخدم بعض القبائل بطرق مباشرة وغير مباشرة للتحرش بالمسلمين والتشغيب عليهم لاستنزافهم وإقحامهم في حروب وصراعات جانبية حتى تشغلهم عن نفسها وتستنزفهم لكي يسهل عليها الانقضاض عليهم وتوجيه ضربة موجعة قاصمة لهم، وهذا واضح في كثير من المناوشات والتحرشات التي طالت المسلمين.

حيث أن قريشًا كانت تستغل مكانتها بين القبائل وفي نفوس أبنائها –القبائل-لتنفيذ ذلك.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينخدع بذلك ولم يكن يتجاوب لاستفزازاتهم أو يجاريهم بل كان ثابتًا على دعوته متمسكًا بالعمل المرحلي و الطريقة العملية التي خطها لتبليغ رسالته، أما تلك الاستدراجات و الاستفزازات التي كانت تقوم بها عصابات قريش من القبائل الأخرى فلقد كان يواجهها النبي عليه الصلاة والسلام بالسرايا والعمليات الخاطفة والاغتيال والدعاء كل بحسب ما يناسبه.

ففي الحادثة المؤسفة والمعروفة بسرية الرجيع حاولت قريش استدراج النبي عليه الصلاة والسلام إلى معركة جانبية من خلال هذيل حيث كانت القبائل تحب ما تحبه قريش وتفعل ما تفعله قريش ولأن قريشًا كانت تناصب النبي عليه السلام العداء فلقد كانت القبائل تناصبه العداء أيضًا، ولذا كانت القبائل تعتبر أن الموافقة على استدراج النبي وأصحابه وقتالهم وقتلهم أمر مشروع ومقبول بل ومفخرة وشهامة.

ومن هذه القناعة وهذا الفهم العام بادر بنو لحيان وهم أحد أحياء هذيل بادروا لمهاجمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين كانوا في مهمة كلفهم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ومن الأدلة أن قريشًا هي التي كانت تقف خلف هذه المؤامرات والخيانات أن بني لحيان كانوا على تواصل مباشر ومستمر معها للتنسيق واطلاعها على آخر المستجدات كما أنها هي التي أنهت الحادثة بالطريقة التي ارتأتها، حتى أنها طلبت دليلًا حسيًا ومرئيًا لتتأكد من مقتل الصحابي الجليل عاصم رحمه الله، كما في الحديث، “..وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ قَتَلَ رجلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ”. ومعلوم أن هذا الطلب لا يكون إلّا من القيادة أو المتنفذ الأول أو المعني بالأمر مباشرة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهْوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لَحِيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلاً نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَالُوا: لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلاً، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ، وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسَى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ أَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ قَالَتْ: فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعالَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلاَّ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ، فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَوْلاَ أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ:

مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَىْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَىْءٍ”.

لا شك أن ما أصاب الصحابة في تلك الخيانة والتي أدت لهذه المقتلة الغادرة بحقهم هو حدث عظيم أليم، ومأساة كبيرة أحزنت كل من عايشها من المسلمين وزالت تُحزن كل مسلم سمع بها أو قرأ عنها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وبالرغم من عظيم حزنه على صحابته إلّا أنه لم يقم بأي ردة فعل عسكرية تجاههم لأنه كان يعلم أن هذا ما تريده قريش لكي تدخله في معارك جانبية لكي تستنزفه و تشغله عن نفسها لتنقض عليه في فرصة مناسبة يكون قد شتت جنوده وأضعف قوته وتكون هي قد عظمة قوتها ومكّنت حلفاءها، ثم توجه له ضربة قاسية قاصمة، ولكنه صلى الله عليه وسلم بقي ثابتًا صابرًا لا يتجاوز خطوة إلّا وقد أنهى التي قبلها وتممها على أحسن حال وقد أينعت ثمارها وآتت أكلها، هذا هو الفرق بين سياسته صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أعدائه و بين سياسة الحركات الإسلامية المعاصرة والتي كثيرًا ما تندفع لردّات الفعل أو الاستجابة لضغوطات الشباب المطالبة بضرورة الرد وسرعته، فيتم استدراجها ومن ثم ادخالها في معارك جانبية لم تكن جاهزة لها أو ربما لم تكن في حسبانها بتاتًا وكانت تؤجلها لعدة مراحل لاحقة، وربما اندفاع الحركة للرد يكون بأوامر من القيادة ولا فرق هنا بين أوامر القيادة بشكل رسمي وبين استجابتها لضغوط الشباب ففي كلا الحالتين فإن النتيجة واحدة وهي الاستدراج والاستنزاف والدخول في معارك جانبية.

لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ذلك الأذى والاستفزاز ولكنهم في النهاية تمكنوا من الانتصار على الجميع وفي فترة وجيزة وأقاموا دولة الإسلام دولة العز والسلام.

وهذا درس يجب أن يتعلمه كل مجاهد في سبيل الله وأن يلتزم برنامجًا عامليًا مناسبًا لحجمه وقوته وواقعه وألّا يستجيب لضغوطات الواقع واستفزازات الأعداء وأن يواصل المسير بخطى ثابتة حتى يكون النصر على يديه أو يكون هو أحد أهم عوامل النصر التي عبدّت الجسور.

فالعمل من خلال رؤية واضحة وخطط مدروسة والتركيز على الأهداف الأساس والعدو المركزي هو الأصل لبلوغ المرام وتحقيق المنشود، أما الانفعال مع الأحداث بصورة اندفاعية وعدم مراعاة الخطط المرسومة والأهداف الأساسية، فإنه يحرق المراحل ويهدم الجسور ويشتت الجهود ويستنزف الطاقات والقدرات.

-فاجعة بئر معونة وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم:

ثم وبعد حادثة الرجيع المؤسفة بأيام حصلت فاجعة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون من الصحابة والتي تعتبر من أكثر المآسي التي آلمت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحزنتهم؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَنَّ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمْ القُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ» قَالَ أَنَسٌ: ” فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا”. لكن وبالرغم من أنهم مرتدون قد أظهروا الإسلام ثم انقلبوا عليه وعلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحقوا المحاربة والقتل على ردتهم عن دين الله تعالى كما استحقوا القتل بسبب فعلتهم هذه، ولكن وبالرغم من هذه الغدرة الخبيثة الإجرامية إلّا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندفع للقيام ردة فعل ولم يقل لابد أن نغزوهم و نريهم بأسنا وقوتنا وسنطاردهم ..إلخ، بل التزم الهدوء الميداني ولم يتحرك عسكريًا واكتفى بالدعاء عليهم حتى إنه مكث شهرًا وهو يدعو عليهم في صلاته وذلك لشدة الألم الذي ألمَّ به بسبب الغدرة التي أصابت أصحابه بمقتل.

ولم يستجب لاستدراجهم أو ينخدع باستفزازهم وبقي مصممًا على الدرب الذي خطه للوصول إلى هدفه. ولذا ليس من الصواب الاندفاع والتهور والتعامل مع العدو من منطلق ردّات فعل غالبًا هو يستدرجنا إليها لأهداف خبيثة يكون قد رسمها وخطط إليها وللتعامل معها والاستفادة منها. فيجب الحذر والتأني وفهم الأحداث وتطورات من جميع الجوانب خصوصًا تلك التي تحدث فجأة وبصورة استفزازية، ويجب عدم الاندفاع والاستجابة لتهورات الشباب المتحمسين وإن كانوا صادقين مخلصين فإن الصدق والإخلاص لا يكفيان ما لم تقودهما الحكمة والحنكة ويرعاهما التأني والتريث ودراسة الواقع وملابساته والحدث وتداعياته وكيفية التعامل المناسب معه، وليس بالضرورة أن تكون الردود عسكرية دومًا بل لكل حدث حديث ولكل واقع ما يناسبه من التعامل وليكن في الحسبان أن لكل زمن حكماؤه الذين يحسنون التعامل مع مستجداته وطوارئه. والله الموفق.

– اغتيال سفيان بن خالد بن نبيح :

ولقد قرأنا في السيرة العطرة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كيف تعامل مع الكافر المجرم سفيان بن خالد بن نبيح حين كان يؤلب القبائل ويعمل على رص صفوفها ليغزو النبي صلى الله عليه وسلم حيث عاجله النبي عليه الصلاة والسلام وبادر باغتياله قبل أن تنتشر فكرته وتقوى شوكته وتنجح فكرته، فلقد أرسل إليه عبدالله بن أنيس رضي الله عنه ليقتله. لأن خالد هنا هو رأس الحربة وهو المحرك للمؤامرة فمتى تم التخلص منه فلقد انتهت المؤامرة وفشلت وتفرق الجمع وزال الخطر. وبالفعل فلقد قتله الصحابي الجليل عبد الله بين أنيس وقطع الله بذلك دابرته وأنهى مؤامرته.

ومن هنا نتعلم أنه ليس بالضرورة مواجهة العدو بجيشه وعدته وعتاده بل المطلوب النظر لأقل المخاطر والخطوات التي تؤدي لأقل الخسائر مع تحصيل النتائج المرجوة وتحقيق الأهداف المطلوبة.

قال عبدالله بن أنيس رضي الله تعالى عنه: دعاني رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: “إنَّه بلغني أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح يَجمع لي الناس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعرنة، فأْتِه فاقتله”.

فقلتُ: يا رسول الله، صفْه لي حتَّى أعرفَه، فقال: “آية ما بيْنك وبيْنه أنَّك إذا رأيتَه هِبْتَه وفرقتَ منْه، ووجدت له قشعريرة وذكرت الشَّيطان”.

قال عبدالله: وكنتُ لا أهاب الرّجال، فقلت: يا رسولَ الله، ما فرقت من شيء قطّ.

فقال: “بلى، آية ما بيْنك وبينه ذلك؛ أن تجِد له قشعْريرة إذا رأيتَه”.

قال: واستأذنتُ رسولَ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم أن أقول، فقال: “قُل ما بدا لك”.

وقال: “انتسِب لخُزاعة”.

فأخذت سيْفي ولم أزِد عليه، وخرجتُ أعْتزي لخزاعة حتَّى إذا كنتُ ببطن عرنة لقيتُه يَمشي ووراءه الأحابيش.

فلمَّا رأيتُه هِبْته وعرفتُه بالنَّعت الَّذي نعت لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقْت العصر حين رأيتُه، فصلَّيتُ وأنا أمْشي أومئ برأسي إيماء.

فلمَّا دنوتُ منْه قال: مَنِ الرَّجُل؟

فقلتُ: رجُلٌ من خزاعة، سمعتُ بِجمعك لمحمَّد فجئتك لأكون معك عليْه.

قال: أجل، إنّي لفي الجمع له.

فمشيْتُ معه وحدَّثتُه، فاستحلى حديثي وأنشدته، وقلت: عجبًا لِما أحدث محمَّد من هذا الدِّين المحدث، فارق الآباء وسفَّه أحلامهم!

قال: لَم ألْق أحدًا يُشبهُني ولا يحسن قتاله.

وهو يتوكَّأ على عصا يهدّ الأرض، حتَّى انتهى إلى خبائه وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به.

فقال: هلُمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه.

فقال: اجلس، فجلستُ معه، حتَّى إذا هدأ النَّاس ونام اغتررتُه.

وفي أكثر الرّوايات أنَّه قال: “فمشيْتُ معه حتَّى إذا أمكنَني حملْتُ عليْه السَّيف فقتلته، وأخذتُ رأسه، ثمَّ أقبلتُ فصعدت جبلاً فدخلت غارًا، وأقبل الطَّلَب من الخيل والرّجال تَمعج في كلّ وجْه، وأنا مكْتمِن في الغار، وضربتِ العنكبوت على الغار.

وأقبل رجُل معه إداوته ونعله في يدِه، وكنت خائفًا.

فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثمَّ قال لأصحابِه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربْت ما فيها وأخذت النَّعلَين فلبسْتُهما.

فكنتُ أسير اللَّيل وأكمن النَّهار حتَّى جئت المدينة، فوجدت رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في المسجد، فلمَّا رآني قال: “أفْلح الوجه”.

فقلت: وأفلح وجْهُك يا رسول الله.

فوضعت الرَّأس بين يديه وأخبرتُه خبري، فدفع إليَّ عصا وقال: “تخصَّر بها في الجنَّة فإنَّ المتخصِّرين في الجنَّة قليل”.

فكانت العصا عند عبدالله بن أُنيس حتى إذا حضرته الوفاة أوْصى أهلَه أن يدرجوا العصا في أكفانِه، ففعلوا ذلك”. أ . هـ

نستفيد من هذه العملية البطولية أمور كثيرة منها:

1-ضرورة متابعة أخبار الأعداء وخططهم وتطوراتهم الميدانية لمعرفة الذي يفكرون بفعله ضدنا وللاطلاع على خبايا مكرهم والتعامل معه أولًا بأول كل بحسب ما يناسبه.

2- اختيار الرجل المناسب من جميع الجوانب لتنفيذ المهمة. فقوّة التحمل لوحدها لا تكفي والشجاعة لوحدها لا تكفي بل لابد من الرجل الذي يمتاز بالشجاعة وقوة التحمل والصبر والتأني والتفاعل مع التغيرات الميدانية والذي يستطيع تقدير الأمور وأخذ القرار المناسب بكل عزيمة وإصرار دون تردد.

3- أهمية معرفة تفاصيل الهدف المطلوب والاطلاع على تفاصيله وإطلاع المنفذ على ذلك.

4-إرشاد المنفذ لأخذ الساتر المناسب الذي يخترق به العدو، وإمداده بما يلزم للتمويه على العدو وتضليله.

5-معرفة ما يحبه العدو والدخول له من الباب الذي يستهويه ويعجبه، واقتناص الفرصة المناسبة للتنفيذ والانسحاب بسرعة.

6-القيام بالواجبات الشرعية من منطلق “اتقوا الله ما استطعتم”.

7-ضرورة معرفة القيادة لقدرات الجنود وطاقاتهم واستعمال الرجل المناسب في المهمة المناسبة، واستعمال الأكثر ذكاءً وحنكة وشجاعة وجرأة وقوة وثباتًا في المهمات الخاصة والصعبة المعقدة.

8-تكريم من يقومون بالمهمات الصعبة تكريمًا يُشعِرهم بتقدير القائد والجميع لجهودهم وإقدامهم على المخاطر لأجل المجموع.

– اغتيال أبي رافع بن أبي الحقيق :

معلوم أن اليهود قوم بهت وكذب وحقد على الإسلام وأهله ولقد كان أبو رافع من رؤوسهم الذين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوه ونشطوا إلى ذلك حتى أنه ذهب ليتجول على القبائل ليحرضها على قتال النبي صلى الله عليه وسلم.

فلقد ركب في نفر من بني قومه بني النضير إلى قريش وغطفان وثقيف وغيرهم من قبائل العرب يؤلبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد إجلاء بني النضير إلى خيبر، حيث نزل أبو رافع في أحد حصونها، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة رجال من الخزرج لقتله، فتمكنوا من ذلك وقتلوه في داره ليلًا.

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: “بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ اليَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ البَوَّابُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ البَابَ، فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ البَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا، فَفَتَحْتُ البَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلاَلِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ: إِنِ القَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لاَ أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي البَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظِبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى البَابِ، فَقُلْتُ: لاَ أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ: أَقَتَلْتُهُ؟ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: «ابْسُطْ رِجْلَكَ» فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ”.

نستفيد من هذه العملية البطولية أمورًا كثيرة منها:

1-ضرورة التخلص من الأعداء بطريقة ضرب الأخطر فالأخطر وتشتيتهم والتفريق بينهم قدر الإمكان، وكسر شوكتهم قبل أن يرصوا صفوفهم ويقوى بعضهم ببعض.

2-ضرورة التخلص من العدو الذي يسعى للتحريض والتأليب والتحشيد على المسلمين، حتى لو أدى ذلك لاغتياله في بيته وبين أهله.

3- هل يجوز أن يقول الكفر لتسهيل المهمة ؟ هذه المسألة تقدر بقدرها. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

4-بقدر خطر العدو تتم المغامرة، كما لاحظنا هنا كيف أن الصحابي الجليل غامر بداية بالاقتراب من بوابة الحصن ثم دخله ثم مكث حتى هدأت حركة الناس وناموا ثم كيف صعد لبيت أبي الحقيق وكيف كان يغلق الأبواب خلفه بابًا بابًا، حتى لو شعروا به يبقى داخل البيت هو وأبو رافع وهنا هو قرر أن يقتله على كل حال حتى لو أدى ذلك لاستشهاده بعد قتل لأبي رافع. وهذا كله يحتاج لإيمان راسخ وعزيمة قوية وإصرار وثبات.

5-المهمات الصعبة والخطيرة يجب أن يقوم بها الاستشهاديون الذين لا يهمهم الانسحاب بعد الهجوم أو الانحياز حين الحاجة بل هم يتقدمون وهم طامعون في الشهادة في سبيل الله، فالاستشهادي يستطيع القيام بعمليات كثيرة يعجز عنها غيره من الذين يفضلون القتال من منطلق الكر والفر والهجوم والانحياز، فالاستشهادي يهمه انجاز المهمة ثم بعد ذلك فليكن ما يكون، ولذا نجح هنا الصحابي الجليل.

– اغتيال كعب بن الأشرف وضرب التنسيق القرشي اليهودي في مقتل:

لم يتوقف التنسيق الحربي القرشي –الإعلامي والميداني- مع الكل المحارب للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأس الكفار الذين كانت تنسق معهم قريش لحرب النبي عليه الصلاة والسلام هم اليهود وعلى رأس اليهود ومن أهمهم في دوائر التنسيق القرشي اليهودي كان اليهودي الحاقد كعب بن الأشرف.

حين بلغ كعب خبر انتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر وقتل العديد من قادتها وسادتها، قال: أَحَقّ هَذَا ؟ أَتَرَوْنَ مُحَمّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُسَمّي هَذَانِ الرّجُلَانِ، يَعْنِي زَيْدًا وَعَبْد اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَهَؤُلَاءِ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَمُلُوكُ النّاسِ، وَاَللهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.

فَلَمّا تَيَقّنَ عَدُوّ اللهِ الْخَبَرَ، خَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكّةَ، فَنَزَلَ عَلَى عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ السّهْمِيّ وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَأَنْزَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ وَجَعَلَ يُحَرّضُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، الّذِينَ أُصِيبُوا بِبَدْرِ فَقَالَ:

طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ … وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ

قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ … لَا تَبْعُدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ

كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهِ مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ … ذِي بَهْجَةٍ يَأْوِي إلَيْهِ الضّيّعُ

طَلْقُ الْيَدَيْنِ إذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ … حَمّالُ أَثْقَالٍ يَسُودُ وَيُرْبَعُ

إلى آخر الأبيات

ثُمَّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَبَّبَ –أي تَغَزَّل و ذكر المحاسن- بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ -أي من يقتله-؟

بعد أن أنهى كعب جولة من التحريض والتأليب لقريش ضد المسلمين عاد كعب لدياره يحمل وقد ازداد حقده على النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، فبدأ ينفث سمومه تحريضًا على المسلمين وأذية لهم وانتهاكًا لأعراضهم، فقرر النبي عليه الصلاة والسلام التخلص منه، ليقطع شره ويفشل مخططه التحريضي التجميعي ضد المسلمين ولينهي الأذية التي نالته عليه الصلاة والسلام ونالت من المسلمين ومشاعرهم بسبب تعرضه لنسائهم.

اختار النبي صلى الله عليه وسلم طريقة القتل اغتيالًا ليتخلص منه دون أن يؤلب القبائل عليه وعلى أصحابه أثناء سيرهم إلى ديار كعب، ولكي لا تستغل قريش خروج النبي وصحبه فتؤلب القبائل عليه وتخرج للانتقام منه وهي التي كانت نالت ما نالت من هزيمة وقتل وحسرة على يديه، وبالفعل تم أخذ القرار وعرض الهدف وتمت معالجة الأمر على أحسن وجه، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “«مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ – وحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ أَوْ: فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ – فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ، قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ – قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلاَحَ – فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ – قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ – قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ: غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ، وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا، أَيْ أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ وَأَكْمَلُ العَرَبِ، قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ:

نعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ”.

هكذا أنهى النبي عليه الصلاة والسلام مشاغبة ومحاربة هذا اليهودي المجرم وهكذا قطع شره وأذيته للمسلمين ونسائهم.

نستفيد من هذه العملية البطولية أمورًا كثيرة منها :

1-ضرورة التصدي لكل من يعتدي على الإسلام والمسلمين أو يحرض ويؤلب الناس عليهم، أو ينتهك أعراضهم حتى لو أدى ذلك لاغتياله في عقر محلته أو بيته حتى. بخصوص التنفيذ الميداني فإن الأمور تُقدر بقدرها ويفصل فيها العلماء الربانيون وأهل الخبرة من المجاهدين الصادقين. فلكل حدث حديث.

2-أخوَّة الدين أقوى وأثبت من أخوَّة النسب أو غيرها من روابط، وهذه العقيدة يجب أن تُترجم ميدانيًا حين يجد الجد ويستدعي الأمر ذلك، مع العلم أن إعمال ذلك ميدانيًا لا يُقدّره إلّا أهل العلم الربانيين الثقات.

3-هل يجوز أن يقول الكفر لتسهيل المهمة ؟ هذه المسألة تقدر بقدرها. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

4-عرض المهمات الصعبة والخاصة على المقتدرين على ذلك من المسلمين، وقبول طرح من يبدي استعداده للتنفيذ، وإخباره بالمطلوب تفصيليًا.

5-تجهيز حوار مقنع للدخول به على المستَهدَف حتى لو أدى ذلك لخداعه بالكلام لتسهيل استدراجه.

6-التأني وعدم التسرع والانجرار خلف استفزازات العدو لكي لا يسحبنا لدائرة لم يحن وقتها، ونحن في غنى عن الدخول في متاهات ومناوشات ومعارك جانبيه تشغلنا عن الهدف الأساس، ولكن إن تعاظم الخطر أو الأذى من فرد أو مجموعة أو جماعة وهي ليس ضمن قائمة الأهداف الأساسية. فالخيار المناسب للتخلص من أذاها وشرورها هو الاغتيال أو السرايا الصغيرة التي تقوم بعمليات سريعة خاطفة.

غزوة الأحزاب: السلاسة الأمنية، والبراعة العسكرية

لقد كانت فكرة جمع الأحزاب وحشدها لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، فكرة يهودية هدفها تشكيل تحالف يهودي عربي وثني شامل لكل عدو للإسلام والمسلمين، وهدفه اقتحام المدينة والسيطرة عليها والقضاء على النبي عليه السلام وصحبه الكرام.

جاءت هذه الفكرة الشيطانية بعد أن تجاوز النبي عليه الصلاة والسلام عدة مراحل كبيرة جعلته صاحب قوة ونفوذ يحسب لها الكفار ألف حساب، ما أدى لتقوية شوكة المسلمين وتأمين حياتهم بشكل كبير قياسًا على المرحل السابقة.

وكانت في العام الرابع الهجري بعد غزوة بني النضير و التي انتهت بطرد النبي عليه الصلاة و السلام يهود بني النضير من المدينة، وذلك بعدما خانوا النبي عليه السلام وغدروا به وحاولوا اغتياله.

عندما عزم اليهود أمرهم وبدأوا يتحركون ميدانيًا كانت أول وجهتهم وأول خطوة قاموا بها هي التوجه إلى قريش لأخذ شرعية الحراك واعتماده لأن قريشًا كانت هي رأس حربة أعداء الإسلام وأهله.

وافقت قريش على الفكرة وانضمت إليها برأيها وجنودها، فهذا التحالف بحسب قناعات قريش سيمكنها من الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم و القضاء عليه وعلى دعوته. ثم توسع التحالف وتكاثرت الأحزاب المشاركة فيه وتوجهت صوب المدينة لمحاصرتها.

لاشك أن اتفاق الأحزاب على مهاجمة المدينة ومحاصرتها حدث جلل زلزل أهالي المدينة وحصر فرص المناورة والمهاجمة والمباغتة العسكرية، فكانت الانفراجة بفضل الله من خلال سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، حين اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم فكرة حفر الخندق، والتي رحّب بها النبي صلى الله عليه وسلم وباشر في تنفيذها، إلّا أن الخندق لم يدحر الأحزاب ولكنه أوقف تقدمهم وزحفهم ومنعهم من اقتحام المدينة وكان هذا انجاز كبير ومهم، ولكن الأحزاب تمركزت حول المدينة وضيَّقت الخناق على المسلمين حتى أصابهم الخوف الشديد، كما قال الله تعالى واصفًا حالهم: “إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا“.

أحاط المشركون بالمسلمين حتّى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من شهر وأخذوا بكلّ ناحية واشتدّ البلاء وتجهّر النفاق، واستأذن بعض الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقالوا: “إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا“.

وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدّة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفاني فقال: يا رسول الله؛ إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» .

فخرج نعيم بن مسعود الغطفاني، فأتى بني قريظة، وتكلّم معهم بكلام جعلهم يشكّون في صحّة موقفهم وولائهم لقريش وغطفان الذين ليسوا من أهل البلد، وعدائهم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أهل الدار وجيرانهم الدائمون، وأشار عليهم بألّا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتّى يأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونوا بأيديهم ثقة لهم، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.

ثمّ خرج حتى أتى قريشًا، فأظهر لهم إخلاصه ونصيحته، وأخبرهم بأنّ اليهود قد ندموا على ما فعلوا، وسيطلبون منهم رجالًا من أشرافهم تأمينًا للعهد، وسيسلمونهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيضربون أعناقهم، ثم خرج إلى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش، فكان كلا الفريقين على حذر، وتوغّرت صدورهم على اليهود، ودبّت الفرقة بين الأحزاب، وتوجّس كلّ منهم خيفة من صاحبه.

ولمّا طلب أبو سفيان ورؤوس غطفان معركة حاسمة بينهم وبين المسلمين تكاسل اليهود، وطلبوا منهم رهنًا من رجالهم، فتحقّق لقريش وغطفان صدق ما حدّثهم به نعيم بن مسعود الغطفاني، وامتنعوا عن تحقيق طلبهم، وتحقق لليهود صدق حديثه كذلك، وهكذا تخاذل بعضهم عن بعض وتمزّق الشمل وتفرّقت الكلمة.

وكان من صُنْعِ الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون؛ ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتَحِلُوا، فإنّي مرتحل.

وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم.

وسَمِعَتْ غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلّي، وأخبره حذيفة بن اليمان الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم عينًا إلى الأحزاب ينظر له ما فعل القوم ثمّ يرجع، فأخبره بما رأى، فلمّا أصبح انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة وانصرف المسلمون ووضعوا السلاح، وصدق الله العظيم القائل: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً”، والقائل: “وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً“.

ووضعت الحرب أوزارها، فلم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنّكم تغزونهم”.

نستفيد من هذه الغزوة أمورًا كثيرة منها :

1-وجوب الثقة الكاملة بالله والاعتماد عليه وطلب النصرة والفرج منه مع الأخذ بكل أسباب النصر، المادية والميدانية.

2-أهمية اطلاع الثقات على حقيقة الواقع ومشاورتهم والأخذ بالرأي الأنفع والأنسب للتعامل مع الواقع.

3-الثقة لا تُغني عن الحذر؛ فمهما كانت الثقة في الشخص فإن هذا لا يمنع أخذ جوانب تأمين العمل خوفًا من الثرثرة أو تسريب أي معلومة بقصد أو بدون قصد أو ربما يكون هناك أمرًا لا يعلمه أحد من المجاهدين، و هذا كله يُقدَّر بقدره.

4-حدث قبل غزوة الخندق وبعدها أن أناسًا أسلموا وانضموا لصفوف الجيش الإسلامي مباشرة بعد إسلامهم وشاركوا في المعارك، ولكننا لاحظنا هنا في غزوة الخندق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعيم بن مسعود الغطفاني لما جاءه مسلمًا: «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة». وهذا اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم مبني على الأولويات ولوازم المناورة الميدانية.

 لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنعيم ولم يضمه لجيش المسلمين مباشرة ويستخدمه داخل المدينة ؟

لأن الوضع العام للمدينة كان مضطربًا ويستدعي الحذر وكان وضع الجيش الإسلامي يستدعي الحذر أكثر وأكثر، وفي هذه الحالة لم يكن هناك متسع للمغامرة باستقبال جدد من خارج المدينة ودمجهم في الجيش من منطلق أن الأيام ستكشف نواياهم وصدقهم من عدمه، فكان قرار النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قرار حيث أنه قال لنعمان خذّل عنا؛ يعني اذهب وخفف عنا هذا الضغط وانصرنا بما تقدر عليه من خارج المدينة فالكفار لم يعلموا بإسلامك بعد، في هذه الحالة إن كان نعمان صادقًا صحيح الإسلام فإنه سيبقى على إسلاميه وسيعمل على نصرة المسلمين من خارج المدينة، ولقد كان المسلمون في أمس الحاجة إلى ذلك، وإن كان إشهاره لإسلامه خدعة لاختراق المسلمين فإنه لن ينجح في ذلك ولن ينجح في الوصول لصفوف المسلمين الفاعلة، ولن يضرهم بشيء لأنه خارج المدينة، ولن يستطيع من الوصول لأي معلومة أمنية أو عسكرية، وهذا كان اجتهاد رائع من قائدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أنه قبل به ضمن صفوف المسلمين وكلفه بمهمة تناسب وضعه الأمني.

وبالفعل ذهب الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني تحفه رعاية الله وتوفيقه واخترق صفوف الأحزاب واستطاع أن يشق صفوفهم ويشتت شملهم، وكان لهذا الاختراق دور مهم في تشتيت الكفار وهزيمتهم.

5-التأني في استقبال كل من يريد الانضمام لصفوف المجاهدين خصوصًا إذا كان الوقت لا يسمح بإعطاء فرصة لاختباره ومعرفة حقيقة توجهه.

6-انسحاب قريش المبكر من الميدان وبمجرد أن شعرت ببداية فقدان الثقة الداخلية بين الأحزاب كما أنها لم تصبر على ضرب الريح لمخيماتهم وتجمعاتهم، وهذا دليل على أن قريشًا كانت تستخدم القبائل لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عنها أو بمساهمات محدودة وأنها كانت تحاول الاستفادة من الوقت قدر المستطاع حتى يأتي اليوم المناسب والذي تنتصر فيه انتصارًا يُحسب لها لوحدها، ولذلك عندما احتاج الأمر أن تصبر وتتحمل المشاق رفضت ذلك وانسحبت وتركت حلفاءها والذين انسحبوا بعدها تباعًا.

أما غزوة بدر التي كانت بين المسلمين وقريش، فلم تكن قريش تريدها حربًا ولم يكن المسلمون استعدوا لها، ولكنها حصلت بأمر الله وإرادته وتقديره، أما غزوة أحد فكانت تريدها قريش للانتقام من المسلمين لأنهم قتلوا بعض قادة قريش وأشرافها في غزوة بدر.

7-هذه القطعة من الرواية تبين لنا كم كانت قريش مستقلة برأيها وأنها تملي الأوامر على القبائل ولا تنتظر من القبائل أمرًا فصلًا؛ فحين تكلم أبو سفيان لم يوجه الخطاب لغير قريش، وحين ارتحل لم يستأذن من أحد وحين تبعته قريش منهزمة لم تشاور أحدًا كما هو واضح هنا:

“وكان من صُنْعِ الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإنّي مرتحل.

وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم”.

8-ضرورة مراعاة ضعف الأهالي بشكل عام وأنهم ليسوا كالجيش العسكري الذي يتحمل المشاق والمصاعب، واختيار خطط للمواجهة تراعي ذلك، لأن فيهم النساء والأطفال وكبار السن والمرضى.. إلخ، ولا حرج لو تنازل القائد عن شيء من مال أو نفوذ مقابل الحفاظ على سلامتهم وعدم اقحامهم فيما ليس لهم به طاقة. وهذا يُقدّر بقدره فلكل حدث حديث.

9-ضرورة مشاورة قيادة الأهالي وممثليهم والتباحث معهم فيما يحتاجونه و مدى طاقة تحمل أهاليهم، وهذا ما نتعلمه هنا من قائدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “..أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلًا، حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره» ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن، وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة، لئلا يؤتى الذراري والنساء على غرة، ولكن كان لا بد من إقدام حاسم، يفضي إلى تخاذل الأحزاب، وتحقيقا لهذا الهدف أراد أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما، ويخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة على قريش التي اختبروا مدى قوتها وبأسها مرارا، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا:

يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب رأيهما وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة».

الخاتمة:

معلوم لكل صاحب خبرة بالحروب ومجريات الأمور فيها أن الاختراقات الأمنية التي تهدف لحرف الدولة أو الجماعة عن أهدافها الأساسية تعتبر من أخطر ما تتعرض له الدولة أو الجماعة، ولذا وجب تحديد الأهداف والتمترس خلفها وعدم الانتقال عن أيٍّ منها إلّا بعد المشاورات المتأنية مع عدم الاندفاع، كما يجب ألّا يكون الانتقال ناتج عن ردة فعل، لأنه في الحروب والأجواء المتوترة تكثر عمليات الاستفزاز لاستدراج المتهورين أو المندفعين من الدولة أو الجماعة لاستدراج الدولة أو الجماعة لإشغالهم بمعارك جانبية أو معارك هدفها تشتيت الدولة أو الجماعة عن الأهداف الأساسية، وهذا سيؤدي قطعًا لضعف المقاتلين وإحباطهم في المستقبل القريب، وهكذا تصبح الأهداف الأساسية في مهب الرياح، وربما يكون هدف الاستدراج لمعارك جانبية هو إضعاف الدولة أو الجماعة ثم الانقضاض عليها ممن يتربصون بها والذين هم من يقف خلف تلك الاختراقات وافتعال المعارك الجانبية.

ولذا وجب الحذر وعدم الانجرار خلف كل استفزاز ويجب أن يبقى التركيز على الأهداف الأساسية ولا حرج في تغيير الأسلوب أو الطريقة، فهذا من باب المرونة القتالية وهو مطلوب حتى لا تبقى الدولة أو الجماعة تقليدية يفهمها عدوها تمامًا ويعرف كيفية إدارتها للمعارك، فتجديد الخطط والتغير والتبديل فيها أمر مطلوب لإرباك العدو وتشتيت صفوفه. والله ولي التوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 




الحالة الجهادية والانقسام المنهجي والفكري

الحالة الجهادية والانقسام المنهجي والفكري

الحالة الجهادية والانقسام المنهجي والفكري

بقلم : أبو محمود الفلسطيني

الأمر الذي لا خلاف حوله ويجب أن يتقرر في الأذهان أن حركة الجهاد أكبر من أن تحصر في سلفية أو غيرها.. هي حركة الأمة على علاتها.

البعض يظن أن خروج الحركة الجهادية عن الصبغة السلفية أن نترك المنهجية العلمية في التعامل مع النص والدليل، وهذا خطأ، إذ لا تلازم فنحن على منهج السلف في التلقي والتعامل مع النصوص ولكن لسنا مع إطر ضيقة ومفاهيم قاصرة صنعت ليقال لنا أنها هي السلفية حصراً.

فحركة الجهاد إطارها هو إطار الإسلام العام، ومفاهيمها محل اتفاق كل الأمة، وقضيتها هي دفع العدو الصائل، وهنا تسقط شروط كثيرة فيجاهد كل مسلم وليس حصراً السلفي أو الإخواني أو التحريري أو أشعري.

والسلفية كغيرها أصبحت تمثل لوناً وليس وصفاً يحدد طريقة تلقيها وفهما للنص.

وهناك كلام لشيخنا أبي قتادة في صحيفة المسرى يفرق فيه بين السلفية كمنهج تلقي والسلفية المعاصرة كفكر وإطار لجماعة معينة دخلت عليها عوامل أخرجتها عن الفهم الصحيح لمعنى السلفية في التلقي.. وأكبر مثال خروجهم من إطار الاجتهاد والعودة إلى إطار التقليد، وكذلك وضع أوصاف تمثلهم فمن اتى بها هو السلفي كالمداخلة.

فالسلفية حين تكون طريقة تلقي النص نرحب بها؛ أما حين تكون خليطاً من الفكر الذي يصنعه الواقع كما هو حال المدرسة السلفية اليوم فلنا أن نقبل منها الحسن ونرفض السيء والخطأ. ونرفض أن نجعل من نظريات أي تجربة سلفية او اجتهادت في نوازل من الثوابت التي لا يجوز الخروج عنها…

نعم نتمسك بالسلفية ولكن كمنهج لتلقي النص والتعامل مع الدليل وأكبر تجلي لهذا هو نبذ التقليد والتمسك بالدليل واتباع منهج السلف في التعامل مع النوازل والفتوى، لا سحب قولهم في نوازلهم وفتواهم على أنها مذهب السلف الذي يجب القول به في نوازل مختلفة في الزمان والمكان..

فحينما يُراد منا أن نستنسخ فكر جماعة محددة ونضع أنفسنا في إطارها ونتعصب لهذا المسمى فهذا لا نقبله ولا تقبله حركة جهاد الأمة، وسنرى الخلاف الاجتهادي يتطور إلى عقدي سريعا كي تقع الفتن والتنازع والفشل….

إن ما يذهب إليه السلف في التعاطي مع واقعهم من مسائل اجتهادية لا يصح أن نقول أنها منهج السلف في التعاطي مع واقعنا نحن.. فلو دخلت الاعتبارات الواقعية التي نعايشها في واقعهم لتغيرت فتواهم وأقوالهم.

وهذا يوجب علينا أن نحقق المسائل ولا نقلب الحقائق، ثم نطلق قول مذهب السلف في التعاطي مع المسألة الفلانية دون النظر إلى اختلاف واقعنا عن واقعهم في جوانب مؤثرة.

وكذلك لم يكن الإمام أحمد أو بن تيمية أو أئمة نجد يعيشون واقعنا الذي نعيشه من غياب سلطان الله في الأرض وتشرذم الأمة ووو الخ….

إذاً، فالمسائل الاجتهادية لا نستطيع أن نعمم فيها مذهباً للسلف ملزم لنا في كل حال، بل المسائل مسائل فتوى تدخل عليها الاعتبارات والمآلات وتخلف مناط النازلة بوصف معين عن مناط الحكم.

وهذه المسألة محل الخلاف مع من يذهب لأقوال السلف ويظن أنه سلفي بينما الواقع مختلف بما يعني أن الفتوى قد تتغير عند المفتي في واقعنا.

أمثلة على ذلك:

تجد من يقول أنا سلفي المنهج دون أن يعتبر لمعنى الفتوى في الأمور الاجتهادية.

وتجد كتاب كله إطلاقات كنا نقرأه ونظنه نهاية العلم وليس بعده..

لو أقرأه الآن لا أستطيع إكماله.

هذا نموذج لتدرجنا الفكري ومعرفتنا لدلالات ومآلات الكلمات والألفاظ، وليس بالضرورة ذماً للكاتب أو للشيخ…

 مثل القول في أفراد الطائفة وعدم إعمال الموانع مع وجودها ونقول هذا مذهب السلف، مع أن مذهب السلف هو البحث عن الأعذار وإعمالها وليس إهمالها، لكن في نازلتهم مع أفراد الطائفة الممتنعة تعَذر التحقق من وجود الموانع، بينما في نازلتنا نعيش داخل الطائفة الممتنعة ونعلم أحوال أفرادها….فهذا المنهج هو السلفي في طريقة التلقي والتعامل مع النص، وليس المنهج الذي يلغي الموانع ولا يلتفت لها ولو وجدت يقينا.

وكذا مسائل تتعلق بالعذر بالجهل والتأويل، فمن رفضها حاله بين متعسف في الأدلة ومضطرب فيها أو كفر العاذر وأدخل الشباب في فتنة الغلو والتكفير….

انظروا إلى داعش واتباع الحازمي لا يقبلوا بهذ الفتاوى على الإطلاق ويجنحوا إلى التعميم وإغلاق أبواب العذر والتفصيل.. ومن وجدته على هذا الحال فهو داعش شاء أم أبى، مع أن الحازميين انضموا لداعش في البداية لشهوة التكفير ثم سرعان ما كفروا داعش، وداعش حكمت بخارجيتهم ….

وكما قيل لي أن الشيخ حارث النظاري رحمه الله كان يقول: بأن التيار الجهادي صبغ بصبغة سيخرج منها في السنوات القادمة، ويقصد الصبغة السلفية.. وهو ذات الكلام الذي قاله شيخنا أبو قتادة حفظه الله.. وهذا يدل أن كل الحركة الإسلامية ستشهد تغييراً في التفكير وانفتاحاً في المنهج، وسيصبح الفكر الذي ساد سابقاً ليس محل اقتداء وتمسك، لأنه كان يناسب مفهوم الجماعة تنظيميا وايدولوجيا، أما مع حالة الانفتاح وحمل الأمة للسلاح، فلا بد من نزع الصبغات وتغيير التفكير ليخرج خارج حدود وقيود الجماعة او التنظيم وإلا سيقع التصادم بين الواقع وبين من يقتدي بالصبغات او يتمسك بالجماعة والتنظيم، وحينها نرى العجز والانسداد، لأن ما يصلح للطهرية وللمثالية لا ينفع مع جهاد أمة او شعبوية، لأن العقلية التي اعتادت الفكر المعتمد على التجربة الذاتية والمفتقد للنظرة الكلية الشمولية، والمحصور داخل قيود وجدران الصبغات العقدية والايديولوجية وقيود الجماعة والتنطيم، غير قادر على التفاعل مع جهاد، لأن مفهوم الجماعة لا يتسع لعمق الجهاد ولمهمته ورسالته التي يحملها، كذلك الجهاد لا يمكن تطويعه حسب مستوى من يخوضه او يدخل بابه. فالجهاد يسير في قدر الله، فمسيره يكون ملائم لقدر الله الذي يناسب الواقع، فالصحابة ارادوا العير والله أرد قتل أئمة الكفر من قريش، النبي صلى الله عليه وسلم أراد تحييد قريش وعدم قتالهم والله أراد الحرب مع قريش… لذلك حركة الجهاد خاضعة للقدر الإلهي الذي يناسب واقعنا، ومن عاند هذا القدر سيسقط ويُستبدل…..

حالياً التيار الجهادي انقسم إلى قسمين لكل قسم طرحه ومنهجه، والسبب في الانقسام هو تغير الواقع من حالة سحون ومطاردة وتشريد إلى حالة سيطرة وجيوش بالآلاف مع وجود المسلم المخالف ومع دخول العوام، وانتقال المعركة من نكاية في طاغوت إلى نزال دخلت فيه كل القوى الكبرى والدول الإقليمية تحاول منع خروج الأمة من الخنوع إلى الانتفاضة وكسر القيود. وكذلك لم يعد الأمر اتفاق على الكليات كتكفير الطواغيت وقتالهم وقتال أمريكا، بل دخلت امور فرعية وجزئية التي أظهرت الخلاف والانقسام، وكذلك بسبب أن هناك سيطرة موضوعية جاءت بسبب خروج العوام على الطواغيت، ظن تلبعض أن النبتة قد كبرت واشتد ساقها وأثمرت، فراحوا ينازعون على النبتة وثمرتها وكأنهم من ابتدء الجهاد وانتهى في أحضانهم. وكذلك دخول متغيرات وتحولات تفرض التغيير… كل هذه العوامل ساعدت على الانقسام والتشظي داخل التيار الجهادي بل حتى القاعدة أصبحت قواعد، والكل يدعي أنه من يمثل القاعدة الحقيقية…..

 هناك قسم يتبنى الطرح النجدي هو الأقلية ولكن لا زال لهم صوت لأن خطابهم مثير للشباب وفيه تحفظ يحبه البعض كالاستعلاء وخطاب التمايز العقدي والتشدد في التكتيك والسياسة الشرعية والخوف من المسلم الآخر وتحويل كل خلاف إلى مربع التوحيد.

وهناك قسم يتبنى الطرح المنفتح المنضبط الذي يكسر القيود العقدية ويهدم الجدران التاريخية كي تدل كل طوائف الأمة في الجهاد كي يحقق مقاصده من دفع الصائل وحفظ البيضة، وهذا الانفتاح منضبط بشرط الولاء للإسلام والتعامل مع الطوائف والأفراد على هذا الضابط، وبهذا يتحصن الانفتاح من الاختراق والانحراف. وهذا يمثله الشيخ أبو قتادة حفظه الله.

 والخطابالمنفتح هو الأكثر حضوراً في الساحة لكن ما زال يواجه معارضة بسبب التعود على التحفظ ومسارعة القسم الآخر إلى قذف التهم ورفع شعار التوحيد، للأسف ما يجعلنا نعيش ردود الإفعال والتراشق الإعلامي….

 فمرحلةالصراع على التمسك بلون معين من الخطاب والتفكير طبيعية وستأخذ وقتاً وستنتج وسط وطرفين. وها نحن نرى تبلور الطرفين ووجود الوسط بينهما….

والتعويل بعد الله سبحانه في إنهاء هذا الصراع على خير وبأقل الأضرار على شيخنا أبي قتادة حفظه الله، فهو رائد في هذا الباب…..

قال شيخنا ابو قتادة حفظه الله :”إن خصومنا في السابق كانوا يناقضوننا في مسائل الإيمان، الآن المشكلة داخل التيار نفسه ، وهذه الخلافات إن لم تستوعب بعلم وإنصاف وعدل وعقل وهدوء ستتحول إلى إيمان وكفر، توحيد وشرك(أقول: وللأسف فقد تحولات).

الآن التيار الجهادي بسبب الظروف والأحوال وخاصة بعد أحداث داعش ، صار هناك تباين أغلبه في المسائل الفقهية ومسائل التكتيك، فيجب أن نستوعب بَعضُنَا البعض، ولا يجوز أن يبقى رفع اللواء بيننا وبين خصومنا على التوحيد والكفر، لو أن الشافعي رفعه ضد مالك، ومالك ضد أبي حنيفة لكان الأمر طامة ومصيبة وتكفير. (أقول: للأسف قد رُفع اللواء على التوحيد والكفر)

قد اختلف مع أحد ما خلاف شخصي يتعلق بحقوقي سواء حقوق معنوية أم مادية لكن نبقى أخوة في الدين وأخوة في المنهج، كذلك قد اختلف معك في اسلوب تعامل مع قضية من القضايا هذا لا يخرجني ويجعلني مصنفا عندك وعند غيرك. (أقول: للأسف قد تم الإخراج من المنهج والتصنيف بل وجعل المخالف خصما للتوحيد)المشكلة كذلك رفع الشعارات بدون وضوح وبينات يقينية لا ينبغي ، لا مميعة او غير مميعة وغيرها حتى تكون بينة واضحة يستطيع المرء أن يحددها علميا في ذهن السامع”…انتهى. للأسف بسبب عوامل كثيرة يطول شرحه دخلت على نمط التفكير عندنا أصبحت عقلية الشباب غريبة… تعطي الشاب كلاما صحيحا ومنضبطا فلا يقبله منك ويناقشك عشر ساعات.. يقول له نفس الكلام الشيخ الفلاني يقتنع مباشرة…. هذا له دلالات منها ضرورة وجود الثقة الذي يُأخذ عنه العلم، وبسبب منهجية الإسقاط التي سيطرت على العقول لكل مخالف للمنهج انعدمت الثقة بكل مخالف، فكل مجموعة اتخذت شيخا فقدسته وأنزلته مقام النبوة…..

وكذلك غياب المنهجية العلمية والفكرية السليمة عند كثير من إخواننا حتى أولئك الذين يقولون أنهم طلبة علم.

 وكذلك طريقة تلقي الأفكار والقناعة بها ليس مصدرها فقط الحجة العلمية بل هناك عوامل أخرى قد تكون هي الأكثر تأثيراً على عقول الشباب كالمرجعية والتنظيم ، وهذا بسبب حالة التقديس للنظريات والاجتهادت بعد تقديس اصحابها.

نسأل الله أن يوحد الأمة ويجمع صفوفها على نصرة الإسلام….

بقلم : أبو محمود الفلسطيني