بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (6)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 

(6)

حركة طالبان تفاوض أمريكا وعملاءها فى الخليج .

– متى التسريبات؟!!.. ليست تسريبات بل صواريخ تطير فوق ساحة التفاوض.

– غباء خليل زاد أضاع من أمريكا فرصة العمر فى أفغانستان ، بأن يُسَلِّم الجيش الأمريكى أسلحته الثقيلة وقواعده العسكرية لحركة طالبان خَصْماً من تعويضات الحرب .

– زلماى يعيش فى “عالم ديزنى” الخيالى، الذى يعيش فيه ترامب، فابتعد عنه العالم.

– كيف نجعل أمريكا تترك كل شئ فى أفغانستان؟؟ : الحل هو الطائرات المسيرة لتصفية التكدس العسكرى فى القواعد العسكرية المعزولة والمحاصرة .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

سؤال من (متابع)  :

تحياتي للاستاذ مصطفي حامد

الي متي انتظر تسريبات جديدة حول المفاوضات الأخيرة لطالبان في قطر ؟

 

جواب ابو الوليد المصري : 

– ليس فى الأمر تسريبات ، فالصواريخ التفاوضية تطايرت فوق طاولة المفاوضات ، والنتيجة أن فشل التفاوض!! . وكان أكبر ضحايا الفشل هو (زلماى خليل زاد) رئيس الوفد الأمريكى  الذى فقد مصداقيته وفقد ثقة بلاده فيه ، وفقد إعتباره عند الطالبان وظهر إن الرجل كان فقاعة إعلامية ولا يتمتع بأى كفاءة تفاوضية ،على الأقل فى مقابل وفد حركة طالبان .

فى الأخير كشف “خليل زاد ” أهم أوراقه المستورة وقال أنه لا ينوى التفاوض على إنسحاب الجيش الأمريكى من أفغانستان ، بل جاء لعقد إتفاق بين حركة طالبان وحكومة كابول يضمن وقف الإشتباكات وإرساء السلام فى أفغانستان !! .

فإما أن الرجل أحمق للغاية ، أو أنه لا يقدر ذكاء الأفغان، ناهيك عن صلابتهم وطول نفسهم الجهادى الذى يمكن أن يستمر إلى مالا نهاية حتى يخرج (الكفار) من بلادهم . إنهم ببساطة ليسوا عربا بل أفغان أقحاح ، ومسلمون بلا لف أو دوران .

بهذا المزيج المتفجر من الصلافة والغباء أضاع ذلك “الزلماى ” فرصة تاريخية قد لا تتكرر مرة أخرى . ذلك أنه لم يتمكن من إلتقاط فكرة سخية جاءت فى لحظة نادرة .

يقول أحد المتطلعين من خلف الكواليس، أن الفكرة كانت شبه إقتراح عارِضْ كسحابة صيف ، بأن يترك الجانب الأمريكى جميع أسلحتة الثقيلة وطائراته بأنواعها، وأن تستولى حركة طالبان على القواعد العسكرية الأمريكية فور إنسحاب القوات المعتدية منها . فى مقابل أن يخصم ثمن المعدات من مبالغ تعويضات الحرب التى هى من حق شعب أفغانستان . الفكرة تحمل مزايا منها تخفيف المشاكل اللوجستية وتخفيض الزمن اللازم للإنسحاب . كما أنها تخفف من أقساط  تعويضات الحرب المطلوبة من الأمريكيين . مع بُعْد سياسى وتجارى هام يتمثل فى الدعاية الدولية التى سينالها السلاح الأمريكى ببقائه مُشْهَراً فى أيدى الشعب الأفغانى ومجاهديه الشجعان المنتصرين .

ولكن خليل زاد كان بطئ الفهم لدرجة لم تمكنه من إلتقاط الفكرة فى لحظتها المناسبة ، وأن يبنى عليها نصرا تفاوضيا وسياسياً لبلاده.

كما أضاع ذلك الزلماى العديد من العروض العملية المرنة، سواء على الجانب القتالى (العسكرى) أو الجانب السياسى .

على سبيل المثال مدَّدَ الجانب الطالبانى فترة السماح لإنسحاب القوات الأمريكية إلى ستة أشهر وربما تسعة أشهر . وفى البداية كان هناك رأى عام قتالى فى أفغانستان يقول أن لدى أمريكا القدرة على سحب جميع قواتها مع قوات حلفائها بما فيهم عصابات داعش ، خلال ساعات ، يمكن تمديدها إلى عدة أيام . لكن زلماى رفض تلك الواقعية القتالية وأصر على تمديد فترة الإنسحاب إلى سنوات قد تصل إلى ستة سنوات .. يتوقف خلالها القتال !! .

يعيش (زلماى) فى عالم من كرتون “ديزنى” الخيالى . فى صورة طبق الأصل مع ترامب الذى يضرب عرض الحائط بالعالم كله ومصالح جميع الشعوب ، ولا يرى سوى أوهام {أمريكا أولا .. وأخيرا } . وفى النتيجة يبحث العالم لنفسه عن تواجد مستقل وبعيد عن جنون الغرور الأمريكى . ويظل الجيش الأمريكى منغرساً حتى رقبته فى طين أفغانستان ، ولا يكتفى ترامب بذلك بل ذهب ليبحث لجيشه وبلاده عن المزيد من مستنقعات الطين فى الشرق الأوسط .

فى النتيجة .. ليس هناك تسريبات .. هناك معارك وصواريخ وحملات هجوم ودفاع ، فى معارك ملتهبة ، تبدأ من جبال وصحارى أفغانستان ، صولا إلى برودة المكاتب المكيفة فى الدوحة ، على بعد أمتار من قاعدة “العيديد” التى لا ينقطع منها ضجيج الطائرات الذاهبة للإغارة على شعب أفغانستان ، وعودتها سالمة. إلى أن وصلت قاذفات B 52 الإستراتيجية عسى أن تمد خليل زاد ببعض الشجاعة والصلابة ، وأن تصيب وفد التفاوض الأفغانى بشئ من الرهبة، فهى نفس الطائرات التى إسْتُخْدِمَت لتحطيم دفاعات طالبان شمال كابل فى بداية الحرب .

طائرات تبعث الأمل فى حكومة كابل بأن تلك القاذفات الإستراتيجية قادرة على إخلائهم فى اللحظة الحاسمة من فوق سطح السفارة الأمريكية فى كابول .

 

سؤال من (أحمدي)  :

السلام عليكم شيخ ابوالوليد

ما هو الجانب المشرق في المفاوضات بين امارة افغانستان الاسلامية و خليل زاد ؟ و هل الإمارة فقدت الثقة  بالإنظمة العربية ؟ . هل (عرب تابى ) و ( عرب بجرام ) قسوا عليكم في الجهاد ضد الإحتلال السوفيتي ؟.

كتبت مقالة (بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 5 ) و فهمت من كلامك ان امريكا منتفعة جدا اقتصاديا في افغانستان . كيف يمكن لترامب ترك كل شئ ؟!! .

 

 

جواب ابو الوليد المصري : 

– الكثير من الجوانب المشرقة كشفت عنها المفاوضات بين إمارة أفغانستان الإسلامية وبين الإحتلال الأمريكى . فالإمارة ليست خصماً متفوقا فى ساحة القتال فقط بل فى ساحة التفاوض أيضا ـ رغم العديد من الملاحظات السلبية التى بدأت مع تلك المفاوضات ومازال بعضها مستمراً .

فالإمارة تقف نداً وحيداً ومقتدراً على أرض أفغانستان فى مقابل أقوى جيوش الأرض ، وأكثر الدول دموية وعنفاً . والإمارة تمسك بموازين الحرب والسلام فى أفغانستان . وتأكد الأمريكيون أن مصيرهم فى أفغانستان معلق فقط بقرار من الإمارة الإسلامية .

حكومة كابول تعلم أنها واقعة لا محاله بين أيدى طالبان . لذلك تسارع بشكل غير رسمى إلى تسوية أوضاعها مع الحركة ـ ليس كحكومة ـ بل كأفراد يشغلون مناصب مختلفة فى تلك الحكومة .

–  والأكثر فائدة هم جنرالات الجيش ( الفاسدون مثل كل شخص وكل شئ فى تلك الحكومة ) إذ يمدون المجاهدون بكافة الإحتياجات فى مقابل جائزة مناسبة .

وجنرالات الأمن لا يقلون أهمية فى حرب عمادها(المعلومة ) وتديرها المخابرات الأمريكية CIA وليس البنتاجون . لهذا نستحق المعلومة الثمن المدفوع فيها مهما كان مرتفعاً .

–  الوضع السياسى للإمارة الإسلامية تطور جذريا بالنسبة للقوى الإقليمية المحيطة بأفغانستان ، وهى قوى دولية فى ذات الوقت ، وهى الصين وروسيا إيران .

وينظرون الآن إلى الإمارة على أنها الجار والشريك فى نظام إقليمى ودولى قادم . وهو شريك يمتاز بالأصالة والإعتمادية والإستقلال والوعى الإستراتيجى بموقع بلاده وحساسية الإقليم وأهميته .

–  عن الإمارة الإسلامية والأنظمة العربية ، فقد إنتهى شهر العسل ، ومعه عصر الثقة وحسن الظن . ومن مزايا تجربة التفاوض أنها أوضحت حقائق عن طبيعة أنظمة الخليج كان مستحيلا أن تقتنع بها الإمارة بدون خوض تلك التجربة الغنية التى أظهرت أن أنظمة الجزيرة والخليج هى أنظمة أمريكية إستعمارية وليست عربية ولا إسلامية . فلم يكونوا وسطاء بل أطراف تضغط وتهدد وتكذب وتخدع لصالح المحتل الأمريكى وعلى حساب حقوق الأفغان ومظلوميتهم أمام عدوان أمريكى كافر.

بدأت مشيخات النفط بدعاوى” الوساطة” بين الوفد الأمريكى ( الكافر المحتل) ووفد حركة طالبان (المسلم المجاهد). ثم تحولت المشيخات إلى الضغط فالرشاوى فالتهديد الخشن .. وأخيراً دفع مجموعات الإغتيال إلى الميدان للتخلص من قيادات طالبان والمتعاطفين معهم.

–  فى زمن الإحتلال السوفيتى لم يكن قد ظهر بعد(عرب تابى) أو (عرب بجرام). كانت السعودية فقط هى القوة العربية الأعظم والتى تعمل على الساحة الأفغانية ضمن مخطط المخابرات الأمريكية فى تحويل جهاد شعب أفغانستان إلى حرب بالوكالة تخدم رؤية تقول بحتمية أن يخسر الطرفان المتقاتلان (السوفييت والأفغان) تلك الحرب ، لتكون أمريكا هى الطرف الرابح الأوحد .. وذلك ما حدث .

السعودية أمدت الأحزاب الأفغانية بالأموال ، ودفعت لأمريكا ثمن صفقات السلاح التى ورَّدَها الأمريكيون لأفغانستان بعد شرائها من مصادر شتى مثل الصين والهند ومصر وبريطانيا. وفى نهاية الحرب أدخلوا صواريخ ستنجر الأمريكية لترويجها فى سوق السلاح العالمى على أنها صانع النصر فى تلك الحرب ، وليس المجاهدون الأفغان أو المسلمون الذين توافدوا بحماس إلى ساحة الجهاد فى أفغانستان وبذلوا فيها الأرواح .

– السعودية موَّلت جميع التنظيمات العربية والجماعات الصغيرة ومعسكراتها وشجعت على نمو التنظيمات الجهادية السلفية بين كل الجنسيات الموجودة .

– إجتهدت السعودية فى جمع كل المعلومات الممكنة عن العرب(وغير العرب) من المتطوعين المسلمين . ذلك الكنز المعلوماتى ذهب بالطبع إلى الراعى الأمريكى ، وإستفادت منه الأجهزة السعودية فى السيطرة على السلفية الجهادية وتنظيماتها وتنمية النافع منها وحذف الضار أو عديم الفعالية .

لم تشارك السعودية بشكل مباشر فى مطاردة المجاهدين العرب . لكن ما وفرته من معلومات كان نافعا جدا فى إنجاح الحملة الأمريكة على عرب أفغانستان .

وشاركت السعودية فى حفلات التعذيب التى شاركت فيها مجموعة كبيرة جدا من دول العالم عربا ومسلمين ومن مختلف الملل والنحل ، حتى أصبحت طقساً وثنيا فى عالم السياسة فى ذلك الوقت .

 

كيف يمكن لترامب أن يترك كل شئ ؟ :

ذلك سؤال جوهرى وهام . بل هو تحدى هذه اللحظة .

إختصاراً فى الإجابة نقول :

بغير القوة المسلحة لن يخرج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان { وبالمثل ، الإحتلال اليهودى من فلسطين} . وبخسارة الجيش الأمريكى وعملاؤه الأرض لصالح حركة طالبان ، حدث تكدس شديد فى القواعد الجوية الأمريكية التى إتسعت لتشمل الآلاف من القوات الخاصة والمرتزقة ، إلى جانب مصانع الهيروين الحديثة .

– فالإستيلاء على تلك القواعد بالطرق التقليدية شبه مستحيل لعدة أسباب منها :

عدم القدرة على توفير حشد عسكرى كبير فى ظل فقدان صواريخ “أرض ـ جو” ، أو صواريخ “أرض ـ أرض” أو تسليح ثقيل مناسب للتعامل مع تلك الأهداف.

مع إتساع تلك القواعد الجوية ، وقوة دفاعاتها الأرضية وغطائها الجوى، فإن الطرق المتاحة هى : إما قصف صاروخى من بعيد ، مع وجود عقبة قِلَّة الصواريخ ، وعدم دقتها . وسيلة أخرى هى العمليات الخاصة الإستشهادية التى ينفذها أفراد من قوات الصفوة، أو     ( الكوماندوز حسب وصف العدو) .

وطبيعة تلك العمليات معقدة ، ولا يمكن الإستمرار المتواصل فيها . وعلى سبيل المثال الهجوم لمرتين على قاعدة( شور آب) فى هلمند بواسطة أعداد قليلة من قوات الصفوة ، الذين حققوا دماراً واسعاً فى القاعدة بين الأفراد والمعدات . ولكن لا يمكن تنفيذ تلك الهجمات على فترات متقاربة ، بعكس القصف الصاروخى مثلا .

 

الحل العاجل والمتاح :

فى الحروب الدائرة ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما ظهرت فعالية سلاح الطائرات المُسَيَّرَة (الدرون) والتى إستخدمها المجاهدون اليمنيون ضد قوات العدوان على اليمن .

ظهرت كفاءة الطيران المُسَيَّر (درون) من حيث :

– مدى طيرانها الذى يمكن أن يصل إلى ألف كيلومتر . وحمولتها التى يمكن أن تصل إلى مئة كيلوجرام من المتفجرات.

– صعوبة إكتشافها بالرادار أو إصابتها بصواريخ باتريوت الأمريكية المضادة للطائرات. والمواجهة هنا غير إقتصادية ، فثمن الباتريوت يزيد عن ثمن أربعة آلاف طائرة مسيرة (ثمن الباتريوت أربعة ملايين دولار ، فى مقابل ألف دولار للدرون الكبيرة).

– دقة الإصابة عالية جدا بالمقارنة بأى سلاح آخر .

– تمكن مجاهدو اليمن فى تطوير تلك الطائرات وتشغيلها بكفاءة، وتحقيق إصابات دقيقة وخطيرة ضد أهم الأهداف العسكرية والإقتصادية والإستراتيجية على مسافات كبيرة .

– أنشأ مجاهدو اليمن قوة أسموها (وحدة الدفاع الجوى المُسَيَّر) وهذا ما نحتاجه تماما فى أفغانستان ، وأن توضع تلك القوة الجوية تحت تصرف القيادة العسكرية لحركة طالبان ، لضرب آخر تجمعات الجيش الأمريكى فى قواعده الجوية المزدحمة (واغتيال كبار قادته) . فلا يتبقى أمامه من طريق مفتوح سوى الهروب جوا إلى خارج أفغانستان .

والصور الجوية لتلك القواعد الجوية تظهر مدى تكدسها بالمعدات والطائرات والجنود . بما يعنى خسائر فادحه للعدو إذا هاجمته الدرون .

ذلك السلاح ، متاح فى المنطقة العربية ، فى اليمن أساساً ، التى أحرزت تقدما كبيرا فى التصنيع والإستخدام ، وفى لبنان عند(حزب الله) الذى طور كثيرا فى سلاح الصواريخ وسلاح الطائرات المُسَيَّرَة .

وهناك إيران ، وهى أحد الدول الهامة فى إنتاج وإستخدام تلك الأسلحة (الصواريخ ـ والدرون).

لا ننسى بالطبع الصين وروسيا وأنهما من الدول الرائدة فى تصنيع وتطوير تلك الأسلحة وموقف تلك الدول من حركة طالبان تحسن كثيرا وأصبح أكثر واقعية . ولكن إمداد الحركة بتلك الأسلحة شئ آخر، إذ يخضع لحسابات حساسة للغاية. ولكنه أمر غير مستحيل فالحماقات الأمريكية تجعل ذلك أكثر سهولة مع مرور الوقت.

– إسرائيل هى الأكثر تطورا فى تصنيع طائرات الدرون ، وتبيع أسرار صناعتها لدول كبرى منها الصين . والأهم هو أن إسرائيل زودت القوات الألمانية فى أفغانستان بطائرات درون  للتتمكن من قتل أكبر عدد من الأفغان . ومعلوم أن سلاح درون هو أهم وسائل الإغتيال فى أفغانستان . وبواسطته إستشهد عدد كبير من القادة والكوادر الجهاديين.

–  توفير ذلك السلاح للمجاهدين يقع ضمن مهام الجهاز السياسى للحركة ، وأن يضعه فى أقرب وقت بين أيدى المجاهدين فى الجبهات .

لن يفيدنا كثيرا أن يقوم مكتبنا السياسى فى قطر بإحصاء عدد الطائرات الأمريكية الذاهبة لقصف أفغانستان والعائدة من هناك . ولكن الأفيد هو البحث عن أسلحة حساسة تغير مسار الحرب فى أفغانستان ، وأن توضع بسرعة قيد إستخدام المجاهدين .. فالحصول على تلك الأسلحة  (من أى مكان وبأى وسيلة) هو مسألة تتعلق بالسياسة أكثر منها بالأموال .

وتلك هى وظيفة السياسة والسياسيين.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حركة طالبان تفاوض أمريكا وعملاءها فى الخليج .

 




جلال الدين حقانى 5

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 5

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (155) | جماد الأولي 1440 هـ / يناير2019 م.            

18/01/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 5 )

– الرحلة الثانية إلى مقر حقانى (1981 ) .. ملامح الجهاد تتشكل .

– حقانى : الخطر ليس من الجيش السوفييتى ، بل من غياب الوحدة بين المجاهدين .

– حقانى يتخطى القواعد العامة لحرب العصابات ، من أجل الوصول إلى القوانين الخاصة للحرب فى باكتيا.

– حقانى : موقف الجيش السوفيتى فى أفغانستان عام 1981 أضعف من موقف القوات الشيوعية قبل الغزو السوفيتى .

– حقانى المهندس الأول للطرق العسكرية فى الجبال .

– شهدنا آخر معركة من التراث الحربى لقبائل باكتيا .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

جميع السمات الخاصة بالجهاد فى أفغانستان كانت تتشكل فى سنواته الأولى ،منذ نجاح الإنقلاب الشيوعى فى إبريل 1978 وإلى عام 1981 .جميع المزايا ، ونواحى القصور ، ومواطن القوة ، ومخابئ الضعف التى تتربص بالعمل الجهادى حتى تقضى عليه .

– خلال رحلتى الثانية لملاقاة مولوى حقانى فى مركز سرانا بالقرب من جرديز ،حيث كان لقائنا الأول ، فى صيف عام 1979 كتبت فى أوراقى عن تلك الرحلة ما يلى :

كان من السهل ملاحظة حالة إنتعاش عام بالمقارنة مع الصورة السابقة عام 1979م . كان  عدد المجاهدين أكثر ومعنوياتهم أعلى ، والقرى مازالت عامرة رغم عمليات الهجرة التي تمت، ويبدو أنها كانت هجرة إنتقائية ـ أو بقاء إنتقائي ـ بمعنى أن الذي هاجر كان من الفئات الضعيفة التي لا تتحمل الحياة في ظل حالة الحرب . وبقت عناصر قوية قادرة على العمل والقتال معا.  مضى يومان ومازلنا في منتصف الطريق بين الجبال الشاهقة ، وفي أحد المقاهى المرتجله على جانبى الطريق وتسمى “السماوات” . تمددت كمن يتهيأ للإنتقال إلى السماوات العلى . لم أكد أتذوق طعاما منذ غادرنا ميرانشاه . وإلتهاب الحلق جعلني أشرب الماء بلا حساب حتى أنهكني الضعف.كان يرافقنى فى الرحلة شابان فى مقتبل العمر ، وهما من طلاب العلوم الشرعية (طالبان) وصار لهما شأنا كبيرا فيما بعد فى معارك باكتيا ضمن مجموعات جلال الدين حقانى .الأول كان (حنيف شاه) الذى أصبح قائدا ميدانيا رائعا تميز بالشجاعة والإبتكار ، وهو من قبائل تاناى . والآخر هو سيف الرحمن والذى عمل فى قسم الإمداد العسكرى لجبهات حقانى إلى نهاية الحرب . (سيف الرحمن) أحضر لي  قليلا من التوت ـ لا أدري من أين حصل عليه ـ ودفعه لي وأنا في شبه غيبوبة . ولما علمت أنه (توت) إنتابني شيء من النشاط وإلتهمته بالسرعة الممكنة ، وطلبت المزيد ، وإستبشر الفتيان وأحضرا كمية أخرى، وتحسنت أحوالي قليلا. زاد من نشاطي ما أخبراني به أننا على وشك النزول إلى الطريق العام المؤدي إلى جرديز ومن هناك سنركب شاحنة إلى مكان قريب من سرانا .

أدهشني النبأ ودفعني الفضول إلى الحركة وأنساني آلام المرض . الشاحنة الضخمة تقف إلى جانب الطريق تحت الجبل و مغطاة بعناية خوفا من الطيران .

المسافرون تحت الأشجار وإلى جانب الصخور في إنتظار موعد الإقلاع ـ أقصد الحركة ـ وكان عند إصفرار الشمس تفاديا للطيران كما يحدث تماما في العمليات العسكرية . كنت أتوقع أن تحملنا الشاحنة الضخمة ـ وهو ما حدث فعلا ـ ولكن لم أتوقع أن أحمل كميات من المتاع ومن الإخوة المسافرين فوق رأسي وقدمي وصدري ، وكل ما تيسر من جسمي حسبما تتيحه ظروف الطريق . ولكونها التجربة الأولى من نوعها فقد أنستني الدهشة سلبيات الرحلة. وقد رأيت في السنوات اللاحقة رحلات (آلية) أسوأ من تلك بكثير ، ويمكنني الآن أن أقول بأنها كانت رحلة درجة أولى رغم أن ذلك لم يكن رأيي وقتها .  تقابلت مع الشيخ جلال الدين في سرانا وكان قد مضى عام تقريبا منذ آخر لقاء لنا في أبو ظبي أثناء زيارته مع الوفد الذي ترأسه سياف .

كان أهم ما يشغلني موضوعان : الأول ما هو الوضع العسكري؟ ..وكيف إستطاعوا الصمود إلى الآن ؟ وكان قد مضى عام ونصف على التدخل العسكري السوفييتي, فهل يعتقد بإمكانية الإستمرار؟. الموضوع الثاني : ما هو رأيه في وضع (الإتحاد) الآن وهل هناك أمل في اتحاد حقيقي بين المجاهدين؟ .. وماهو دور سياف وكيف يمكن دعمه ؟ . بالنسبة للوضع العسكري كان (جلال الدين) متفائلا ويرى أنه قد تحسن عن ذي قبل ، وأن الروس لم يكونوا مخيفين إلى تلك الدرجة التي أشيعت عنهم وأن هزيمتهم ممكنة جدا لو توافرت بعض الشروط وعلى رأسها إتحاد المجاهدين في الجبهات إتحادا حقيقيا . وأن العقبة الرئيسية أمام ذلك هم قادة  الأحزاب في بيشاور ، الذين يبذلون أقصى جهد لمنع إتحاد المجاهدين في الداخل ويهددون من يفعل ذلك بمنع المساعدات ، بل ويحرضون أتباعهم في الداخل لمقاتلة أتباع الآخرين.

وهذا أكثر ما يخشاه على مستقبل الجهاد . أما السوفييت فليسوا هم المشكلة الرئيسية. هكذا كان الموضوعان مترابطان، فالتقدم على الجبهة العسكرية مرتبط تماما  بتحقيق ترابط في

المجال السياسي . والعكس يبدو صعبا، وإن كان هو البديل الوحيد  وهو أن يكون التقدم العسكري وسيلة ومدخلا لتحقيق تماسك سياسي . سواء تم هذا التماسك في بيشاور ـ أو كما خطر في  بالنا لاحقا أن يتم تماسك سياسي داخلي ،أي إتحاد سياسي بديل في الداخل ، وإلغاء دور زعامات  بيشاور ، وهذا بدوره لم يحدث مطلقا .

عن الوضع العسكري في باكتيا  أخبرني مولوى (جلال الدين) بأن الروس لم يستطيعوا تغيير الأوضاع السابقة ، وأن المجاهدين إستطاعوا إحباط محاولات السوفييت لتغيير الموازين العسكرية في الولاية . وأهم العلامات أن الجيش الأحمر فشل في توصيل الإمدادات إلي مدينة خوست من الطريق البري . سواء عبر مناطق (زدران) وهي قبائل جلال الدين، أو عبر الطريق المار في مناطق (منجل) وهي قبائل في شمال وشرق المحافظة . إن المجاهدين ـ كما يرى حقاني ـ أصبحوا أكثر جرأة على الروس. وقد ذكر مثلا لطيفا على ذلك فقال بأن هناك قولا لدى الأفغان بأن الإنسان يجب أن يحذر من الكلب الذي يرقد صامتا، أما إذا بدأ الكلب في النباح فلا تهتم به. وضحك حقاني قائلا لقد نبح الروس ، فسقطت هيبتنهم في نفوسنا.

أخبرني حقاني بأن باكستان بدأت في إعطاء بعض المساعدات للمجاهدين. وأن أسلحة صينية و مصرية قد وصلت إلى المجاهدين عن طريق باكستان وأن من ضمن هذه الأسلحة صواريخ سام7 المضادة للطائرات وأن حقاني تسلم منها أربعة صواريخ، كما تسلم عددا من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات . وقد رأيت في مركز سرانا إثنان من تلك الرشاشات أحدهما مدفع دوشكا ذو أربعة سبطانات من صناعة الصين ، ومدفع رشاش آخر زيكوياك وهو صناعة صينية أيضا .

أما المدفع البلجيكي القديم الذي كانت تنحشر فيه الطلقات فلم أعد أراه، بل أن العديد من الرجال الذين قابلتهم في العالم الأول لم يعد لهم وجود فقد لاقوا الله شهداء. غير أن وجوها جديدة في صفوف المجاهدين بعضهم شباب دون العشرين من العمر قد ظهروا في الجبهات والصفوف الأولى .  سألت عن المدافع التي تقصف جرديز فأخبرني أنها مدفعان فقط أحدهما مدفع ميدان(أوبوس) عيار 122مم  والآخر مدفع جبلي عيار 76مم . وكلاهما من الغنائم وكذلك قذائفهما.

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

الضابط رشيد :

تشغيل المدافع يقوم به ضابط باكستاني متطوع ، يشارك المجاهدين في عمليات أخرى مثل التدريب على المدافع أو الهجوم على المواقع . أما عن قصة ذلك الضابط ـ وإسمه رشيد ـ قال حقانى أنه ذات يوم بينما هو في ميرانشاه  يتهيأ لعبور الحدود إلي أفغانستان أخبره بعض رجاله أنهم شاهدوا شابين باكستانيين أحدهما يقول أنه ضابط في الجيش بينما هما يساومان البائع  في أحد دكاكين الأسلحة ، لشراء بندقيتين لهما ويطالبان بتخفيض السعر لأنهم مجاهدان في سبيل الله . أرسل حقاني رجاله لإستدعاء الرجلين وتعرف عليهما ، إنهما الرائد (رشيد) وابن أخته (وحيد) وهو شاب في المرحلة الثانوية . قدم  رشيد نفسه إلى حقاني على إعتبار أنه رائد سابق في الجيش الباكستاني إستقال مؤخرا من الخدمة لرغبته الإلتحاق بالمجاهدين ، لأنه يرى أنه يخدم بذلك باكستان  ويدافع عنها أكثر من بقائه ضابطا في الخدمة وبعيدا عما يحدث في أفغانستان، وأن السوفييت إذا لم يتم إيقافهم في أفغانستان فلن يستطيع أحد إيقافهم بعد ذلك، وأن باكستان سوف تضيع لا محالة.

تعرفت على رشيد بعد ذلك ، فقد رحلت إليه في جبال (ساتي كندو) . تحدثنا كثيرا وأعتقد أننا أصبحنا أصدقاء . وكان من أكثر من إستفدت بمعرفتهم خلال سنوات الحرب . فقد ساعدتني نقاشاتي معه في تبين الكثير من أساسيات الموقف العسكري والسياسي للحرب الأفغانية .

كان موقف القوات الشيوعية واضح الحرج وشعر الأهالي بذلك فارتفعت المعنويات وزاد عدد المتطوعين في مراكز المجاهدين .

أما حقاني فقد خطر له الهجوم على جرديز والإستيلاء عليها وقد صارح رشيد بذلك الخاطر .

والعجيب أن رشيد أيده في ذلك ، ولكنه طلب أن يضع حقاني تحت إمرته ثلاثمائة مجاهد . (القوة الضاربة التى إقتحمت خوست عام 1991 كان عددها ثلاثة آلاف مجاهد تقريبا حسب تقديرى وقتها)..وأخبرني رشيد أن برنامجه للقصف المدفعي هو تمهيد لذلك الهجوم .

والهدف من القصف هو إضعاف دفاعات العدو ومعنوياته . لم يخامرني شك وقتها بأن حقاني لو حاول فسوف ينجح . ويرجع ذلك الإعتقاد إلى قلة خبرتي من ناحية وإرتفاع معنوياتي بشكل كبير من ناحية ثانية ، ثم إنتصارات المجاهدين ضد والجيش الحكومي من جهة ثالثة، وأخيرا ثقتي في جلال الدين ورجاله المؤمنين الشجعان. فكرة الهجوم على جرديز في ذلك كالوقت كانت سابقة جدا لأوانها ، والغريب إنها خطرت على ذهن حقاني في ذلك الوقت والجيش السوفييتي مازال طازجا لم تستنزف قواه أو معنوياته وغريب أيضا أن يوافق رشيد على رأيه، وهو الضابط المحترف. على أية حال لم تنفذ الفكرة وأستبدلت بالهجوم على (تعمير) وهي قرية حديثة تستخدم لإدارة منقطة واسعة والإشراف عليها وعسكريا ، وهي في الطرف الجنوبى الغربي لجرديزعلى بعد حوالي عشرة كيلومترا ويخترقها الطريق الرئيسي الواصل بين جرديز وغزني .

كان هجوم تعمير ناجحا للغاية وقلب الكثير من المفاهيم كما سيأتي شرحه. ولكن نعود إلى فكرة الهجوم علي جرديز لكون ذلك معلم من معالم التفكير العسكري لجلال الدين حقاني ، الرجل الأهم في  باكتيا حتى نهاية الحرب ، وامتدادا لتقاليد الأبطال من مقاتلي قبائل البشتون. فقد كان للبطولة والشجاعة عند حقاني مكانة عالية جدا. فالهجوم مهما كانت المخاطر ، والثبات أمام العدو مهما كانت العواقب كانت مفاهيم قوية في ذهنيته العسكرية.  الشجاعة في الهجوم ، والثبات في الدفاع صفات جيدة بلا شك إذا إستخدمت في مكانها الصحيح . وهو ما يفعله قائد ناجح مثل جلال الدين . وبالنسبة للتعامل مع الجيوش الحديثة وأسلحتها الجديدة . تطبيق مثل تلك المفاهيم ـ من جانب قائد لحرب العصابات ـ يحتاج إلي كثير من الحرص حتى تعطي تلك المفاهيم نتائج إيجابية ولا تتحول إلي العكس. فالهجوم الشجاع بدون خوف قد يكون مفيدا للغاية، وقد يكون مدمراً وذو عواقب وخيمةعلى صاحبه. والدفاع المستميت قد يكون مفيدا مهما بذل فيه من تضحية، وقد يكون وبالا وسببا في هزيمة قاتلة.

لقد تعلم المجاهدون الأفغان كثيرا من تجاربهم .وكذلك حقانى من خلال الصواب والخطأ.

تعلم الكثير وإمتلك ميزانا صحيحا لتقدير الأمور. وبالطبع كان هناك ثمنا لتلك المعرفة،  ثمنا من  الدماء قبل أي شيء آخر . مع هذا ظلت تقاليد أبطال البشتون حية في ذهنه وسلوكه، وكذلك كان معظم القادة الممتازين في أفغانستان .

 

حقانى ، يتخطى القواعد العامة لحروب العصابات ،

وصولا إلى القوانين الخاصة بالحرب فى باكتيا .

كان لجلال الدين قرارا خطيرا ــ مخالفا لمبادئ حرب العصابات ــ حين قرر الدفاع عن مكتسباته من الأرض وعدم الإنسحاب والبدء من (الصفر) حتی لا تدمره  القوات الروسية .

كما أشار عليه بذلك الرأي الرائد (جولزراك) الذى كان مساعدا عسكريا له ـ وهو من نفس القبيلة ومدرس سابق في الأكاديمية العسكرية في كابل ـ كانت تلك المشورة في عشية إستيلاء  السوفييت على كابل. ومشورة جولزراك صحيحة فنيا وأكاديميا . ولكن وجهة نظر حقاني كانت الأكثر صحة بالنسبة للواقع الأفغاني . وقد كانت مبررات رفضه لمقترحات جولزراك كما أخبرني بعد ذلك هي كالتالي : أ ـ إن فك مجموعاتنا القتالية الكبيرة وإخفاء أسلحتنا الثقيلة في مخابئ سرية ، والعودة إلى أسلوبنا الأول في الضرب والإختفاء كان سيحرمنا من مكتسبات عامين من القتال . ولم يكن مقاتلينا ليتحملوا تلك النكسة وكانت تعني بالنسبة لهم الهزيمة والإستسلام للعدو . وما كانوا لينهضوا بعدها للقتال . وهذه نقطة هامة بالنسبة لمعرفة القائد لنفسيات مقاتليه.

فالإنسحاب الواسع كان سيؤدي إلى هزيمة معنوية وإستسلام للعدو. إذن في هذه الحالة يكون خيار القتال هو الأصوب حتى لو حمل في  طياته مخاطرا الإبادة . هكذا فكر حقاني وكان مصيبا تماما . ونستنتج من ذلك أن قواعد الحرب وقوانينها ليست مقدسة بل يمكن تعديلها أو تخطيها بل يكون ذلك واجبا في بعض الحالات الخاصة، كالحالة التي نحن بصددها الآن.

ولايمكن سوى للقائد الفذ أن يستنتج “قوانين الحرب الخاصة” والتي تتعلق بأوضاع غير عادية فى أحد الحروب، كما فعل حقاني في هذه الحالة.  لا بد من الإعتراف أن العديد من القادة الأفغان المقاتلين قد طوروا قوانين الحرب بما يناسب “الحالة الأفغانية” من حيث طبيعة الشعب فكريا ونفسيا وسلوكيا.  وكان العديد من هذه التطويرات عبقريا ، وبعضه الآخر أدى إلي كوارث لأنه  كان خاطئا . وعلى وجه العموم ظل الأفغان يقاتلون (بطريقتهم الخاصة) طوال مدة الحرب ، لذلك كان عسيراجدا على غير الأفغان من المتطوعين ـ عرب أو غيرهم ـ أن يتواءم  مع الطريقة القتالية للأفغان التي لا يمكن إستساغتها أو مجاراتها في معظم الأحوال . من أجل ذلك لجأ العرب في مراحل متأخرة إلى تكوين مجموعات قتالية خاصة، تقاتل بالتعاون مع مجموعات أفغانية ، وفي أحيان قليلة قاتلوا منفردين.   ب ـ أضاف حقاني، دفاعا عن قراره، قائلا: إن الإنسحاب مرة أخرى إلى أعماق الجبال ـ كما  بدأنا أول مرة ـ  كان سيتيح للسوفييت فرصة الإستيلاء السهل على الطرق الرئيسية التي تخترق مناطقنا صوب حدود باكستان. وبالتالي سوف يقطعون خطوط إمدادنا ويعرقلون حركتنا، ويسيطرون بسهولة علي التجمعات السكانية التي سوف تكون أسيرة لديهم ، حتى أولئك الذين  تحرروا في السنتين الماضيتين.

فإذا تحقق للسوفييت ذلك فسوف يطاردوننا في الجبال ويتصيدوننا واحدا واحدا كما تصاد الوحوش البرية . إن قرار البدء مجددا من الصفر في حرب عصابات بدائية كان سيقودنا إلي هزيمة سريعة بلا مقاومة. بينما رجال القبائل أصحاب الغيرة على الدين والأعراض كانوا سيقاتلون  باستمرار ضد السوفييت إذا نحن ثبتنا في أماكننا للدفاع .

وهذا بالضبط ما حدث فنجحنا بذلك فی إحباط المجهود العسكري السوفييتي في مناطقنا. حتى أن وضع السوفييت حاليا (1981م) أضعف من موقف الجيش الشيوعي قبل تدخل السوفييت.

ــ  هذا وسوف نمر في سردنا خلال هذا الكتاب علی التجاوزات الخلاقة لقوانين الحرب،والتی كانت بحثا ملهما عن (القوانين الخاصة) للحرب على الساحة الأفغانية ، وهو ما تحتاج إليه كل حرب عصابات ناجحة . وهي مهمة القيادة وكوادرها العاملة ،  وكل من له بصيرة في القتال . ــ إن الدفاع حتى الموت عن مكتسبات المجاهدين في باكتيا والنجاح في ذلك عام(1980م) ــ ثم القرار الطموح للغاية بالهجوم على جرديز (1981م) دليل على ترسخ أسلوب قتالي لدى القادة الأفغان البارزين خاصة حالة حقاني التي نحن بصددها .

وسبب تفصيلنا فى هذه النقطة هو إدعاءات وردت في كتاب فخ الدب الذي سبقت الإشارة إليه ـ وهو كتاب خاضع لوجهات نظر صاحبه كضابط مخابرات سابق ـ وهو لم يكن يوما، ولن يستطيع،أن يكون مجاهدا يخوض حرب عصابات عقائدية ضد عدو ساحق التفوق. فقد كان العقيد محمد يوسف مجرد العبد المأمور تحت إدارة قائده الجنرال أختر عبد الرحمن رئيس جهاز الإستخبارات الباكستانية(ISI) الذي كان بدوره عبد المأمور تحت إمره رئيسه الجنرال ضياء الحق رئيس الدولة، ويمكن أن نسترسل إلى حلقه أعلى لنقول أن ضياء الحق كان أيضاً عبد المأمور لدى الولايات المتحدة،  وإن كان كما ذكرنا ـ عبدا على وشك التمرد ـ وقد دفع ثمن تمرده ،إذ دمره الأمريكان في طائرته مع أختر عبد الرحمن وغيرهم من كبار ضباط باكستان وحتى مع السفير الأمريكي نفسه.

ـــ    لقد إدعى محمد يوسف في كتابه أنه كان صاحب فكرة الدفاع الثابت عن منطقة (علي خيل) في جاجي (معرکة 1987م) ، وعن قاعدة جاور التابعة لحقاني (معرکة 1986م). والإدعاءات نابعة من الغرور والتعالي الذي يميز رجال الإستخبارات خاصة أولئك الذين قاموا  بمهام كبيرة في يوم ما . وإدعى العميد أنه خالف بذلك القواعد التقليدية لحرب العصابات فتعرض لإنتقادات مرؤوسيه. سنتعرض لاحقا لحالتي “جاور” و”جاجي” ، وكيف أن الأسباب الحقيقية للدفاع الثابت عنهما تعود في الحالة الأولى إلى حقاني شخصيا وأسلوبه القتالي ، وملابسات القتال في باكتيا والعوامل الشخصية والقبلية فيه .

أما في حالة جاجي والقتال الثابت عنها فالذي يقف خلفها هو شخص عربي هذه المرة ، وتلك ظاهرة نادرة وفريدة في الحرب الأفغانية ،ذلك الشخص هوأسامة بن لادن .  وسوف نتعرض بشيء من التفصيل للحالتين لكونهما من معالم الحرب الأفغانية وأغناها  بالدروس المستفادة. وكما أن مكتسبات الجهاد الأفغاني سقطت في أيدي غير إسلامية،  كذلك كل الميزات العسكرية التي حدثت، تحاول تلك الأطراف أن تنسبها إلى نفسها . فالأمريكان ينسبون النصر إلى أنفسهم وأموالهم وصاروخهم العجيب (ستنجر) وحتى إلى البغال الأمريكية التي أرسلوها كي تحل مشاكل اللوجستيك لدى المجاهدين !! . أما خدمهم من الباكستانيين فادعوا بأنهم هم الذين خططوا ودربوا وقادوا . ولم يتركوا للأفغان سوى التنفيذ الذي كان مليئا بالسوءات كما يدعى كتاب فخ الدب.

{ فى مسألة إبداع وإبتكار القوانين الخاصة للحرب ، خَلَفَ “سراج الدين” والده حقانى فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى ، كرئيس للجهاز العسكرى لحركة طالبان . فأضاف إلى ميراث والده فى فنون ذلك العلم ما يتناسب مع التطورات التكنولوجية والقتالية والإستخبارية لدى المحتل الأمريكى ، الذى جعل من الحرب المسلحة واحدا ضمن مجموعة حروب مجتمعة يخوضها فى نفس الوقت على نفس الساحة . يضاف إلى ذلك التطور الهائل والنوعى فى الأسلحة ، خاصة فى سلاح الطيران والطائرات بدون طيار ، والذخائر الموجهة ، و مناظير الرؤية الليلية . فأصبح على حرب العصابات المطلوبة للمواجهة أن تتمتع بدرجة أعلى من التعقيد ، وعلى إبتكارات أعمق وأشمل مما كان موجودا فى الجهاد السابق ضد السوفييت . وإلى جانب سراج الدين حقانى ، وهو الرمز الأكبر فى المرحلة الراهنة ، كما كان والده فى المرحلة السابقة ، هناك عشرات بل مئات من القيادات الشابة الموهوبة من حركة طالبان ، الذين حشروا أقوى جيوش الأرض فى زاوية الهزيمة والعجز حتى عن الفرار }  .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

حقانى المهنس الأول للطرق الجبلية  :

الطريق الذي شقه حقاني لعبور (الحائط الجبلي) خلف مركزنا في “ساتي كندو” كان هو الآخر من الإنجازات التي لا يلتفت إليها كثيرون . وكان أول طريق”غير قانوني” شقه المجاهدون  لخدمة العمليات. وأمثال تلك الطرق أدت دورا حيويا في عمليات المجاهدين ، وكان ذلك  ظاهرا للغاية في ولاية باكتيا . وقد برع حقاني في ذلك النوع من (الهندسة)  .وكنت أعتبره  أكبر (مهندس فى باكتيا) . ليست المسألة مجرد براعة فنية ، حيث أن المعدات الحديثة لشق الطرق لم تظهر إلا في وقت متأخر جدا .

وشق طريق في مثل تلك الجبال الوعرة ليس فنيا بالشيء السهل .  والأهم من ذلك إختيار مكان الطريق وخط سيره بحيث يلبي عدة متطلبات في آن واحد . أهمها بالطبع خدمة أكبر عدد من الأهداف العسكرية، ومنها عدم إكتشافه من قبل  مراكزالعدو الأرضية ، وإذا كانت المنطقة مأهولة نسبيا فإن موافقة السكان القريبين من الطريق تعتبر ضرورية . وقد تستدعي الموافقة دفع بعض الأموال للأهالي أو الإنحراف بالطريق بعيدا عن قراهم ، أو مجرد إقناعهم بأهمية الطريق للمجاهدين . والسبب هو أن التجربة أثبتت أن الطريق مهما كان بدائيا فإنه يعتبرهدفا لهجوم الطائرات .

والقرى التي يخترقها أو يمر قريبا منها تعتبر هي الأخرى أهدافا محتملة . لقد أهدر الطيران الشيوعي ألاف  الأطنان من القنابل على أمثال تلك الطرق بدون أى نتيجة ملموسة ، لأن إصلاح الطريق أو الإنحراف قليلا إلى أحد الأجناب ـ بعيدا عن حفر القنابل ـ ليس بالشيء العسير ، حتى أن بعض الحفر الضخمة للقنابل كانت تدفن بلا مجهود بواسطة الرمال والصخور التي تحملها مياه السيول والأمطار .

والملاحظ أنه لم تكن هناك إنتصارات كبيرة خاصة في مرحلة العمليات المتوسطة والكبيرة بدون وجود شبكة طرق مناسبة من ذلك الطراز (غير القانوني) . هناك ملاحظة الإرتباط المتبادل بين كثافة العمليات وكثافة شبكة الطرق (غير القانونية) وهو إرتباط جدير بالتأمل. فقد تؤدي شبكة طرق من هذا النوع إلى إعطاء أهمية عسكرية لمنطقة لم تكن مهمة سابقا ، والعكس أيضا صحيح، فقد تتحول منطقة هامة جدا عسكريا إلى منطقة خاملة لعدم وجود طرق مناسبة بها. بل إن كثافة شبكة الطرق تؤثر في التخطيط الإستراتيجي للعمليات. فقد كان ملاحظا في معركة فتح خوست أن وجود شبكة طرق جيدة في القطاع الجنوبي من الجبال(منطقة باري) قد فرض على مُخطِطْ عمليات  الهجوم ـ جلال الدين حقاني ـ أن يرتكز على ذلك القطاع في عملية الهجوم الرئيسي على المدينة. بالطبع لم تكن شبكة الطرق هي الإعتبار الوحيد . ولكنها من أهم تلك الإعتبارات التي جعلت باري منطلقا للهجوم الأخير والناجح على خوست .

 

معالم جديدة فى موقعنا القديم :

نعود إلى الطريق غير القانوني الذي كان يربط مركزنا بالعالم الخلفي، من حيث يجيء متخطيا الحائط الجبلي الرهيب . ذلك الطريق لم يجعل الإمدادات أمرا سهلا فحسب بل جعل المناورة بتحريك المدفعية أمرا ممكنا ومذهلا للعدو بحيث كان في كل مرة تحدث له مفاجأة جديدة ، من حيث مكان الرماية ومن حيث التوقيت.

فشلت مدفعيات العدو ورماياته الكثيفة في أن تنال من مدافع المجاهدين . كذلك فشلت عدة محاولات للطيران ، حتى أنه لم ينجح في مجرد تحديد أماكن إختفائها . ولكنه تمكن أخيرا  من إرسال بعض الجواسيس حددوا له مكان المدفع بدقة ، وكان يوما غير سعيد . ويمكن تخيل ما حدث لنا في ذلك اليوم ، ولكن بفضل الله لم يصب أحد ولكن مدفعنا الثقيل  (122مم) أصيب بعدة شظايا غير مؤثرة ولكنها خدشت كرامته فتوقف برنامجه لعدة أسابيع، إستخدم خلالها الهاون غرناي (120مم) والمدفع الجبلي (76مم) وكلاهما أيسر نسبيا  من حيث المناورة خاصة المدفع الجبلي ذو العجلات الكاوتشية الذي يمكن قطره بسيارة بيكاب وحتى يمكن دفعه بواسطة الأفراد .

أما الغرناي فما زلت أعتبره من أغبى الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها رجال حرب عصابات . ولم تستخلص تلك النتيجة في أفغانستان فقط ، بل في تجارب أخرى أيضا. ولما كان ذلك المركز يعتبر الأهم والأقوى في باكتيا كلها فسوف أعدد أهم الأسلحة ـ الجديدة ـ التي وجدتها فيه مقارنة بما كان موجودا في العام 1979م .

أولا :المدفعية : – مدفع واحد أوبوس عيام 122مم روسي الصنع من الغنائم . – مدفع واحد جبلي عيار 76مم روسي الصنع من الغنائم . – مدفع عديم الإرتداد عيار 82مم صيني الصنع. – هاون غراناي عيار 120مم مصري الصنع . ثانيا: المضادات الجوية : – عدد 2صاروخ أرض جو “سا م 7″من مصر . هذا بالإضافة إلى عدد من بنادق كلاشنكوف مصرية وصينية ، بحيث أصبحت البنادق

الإنجزية القديمة من طراز (لي انفيلد) قليلة التواجد في الأيدي نسبيا . ولم تكن الدفاعات الجوية تحتوي إضافة إلى صاروخي “سام” إلا على رشاش دوشكا عيار 12.7مم روسي الصنع كثير الأعطال أيضا وكالعادة . أما هاون عيار82مم الذي كان نجم 1979م في نفس المنطقة فلم أشاهده ويبدو أنه أصيب .

كان في المركز حوالي أربعين مجاهدا ، وكنا في شهر شعبان ، لذلك كان العدد مرشح اللإنخفاض  وهذا ما حدث فعلا . وقد هاجم العدو مركزنا هجوما كبيرا في اليوم الثالث من رمضان وكان هدفه الأول تدمير المدافع وهدفه الثاني دفعنا إلي الخلف لتأمين المدينة .  ولكنه أخفق في كلا الهدفين .

 

صاروخ  سام7 تلميذ بليد :

ولكننا أيضا أخفقنا في إصابة إحدى طائرات العدو المروحية بواسطة صاروخ سام7 . والأرجح أن سام هو الذي أخفق، فقد تمت الرماية في ظروف مثالية ومسافة مناسبة تماما  ضد طائرة هيلوكبتر(مي ـ24) ومر الصارخ على بعد عشرة أمتار من ذيل الطائرة  بدون أن يبذل أدنى مجهود لمتابعتها ـ والأرجح أن جهاز الصاروخ للبحث الحرارى لم يكن يعمل ـ وفي الواقع أن معظم صواريخ سام التي أرسلت إلى أفغانستان كانت تعاني من نفس العيب. كون تلك الصواريخ قديمة ومخزنة منذ فترة طويلة ، والأجهزة الدقيقة داخل الصاروخ/ الباحثة عن الحرارة/ تتلف بعد مدة محدودة .

وعلى أية حال فإن صواريخ سام أوحت إلى المجاهدين بفكرة عبقرية وهي إستخدام القاذف المضاد للدروع (RPG7 ) ضد الطائرات الهيلوكبتر بوجه خاص.  وكانت النتائج ناجحة جدا فقد أخافت تلك القذائف الطيارين، وأحرزت نفس نسبة إصابات صواريخ (سام7).. فلم تسقط أي طائرة .{ نجاح صاروخ سام7 كان نادرا طوال الحرب ، وبالمثل قاذفRPG7 ضد الهيلوكبتر المتحركة }.

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

معركة من المتحف التاريخى للحروب الأفغانية :

كانت الحملة العسكرية ضد مركزنا من الطراز التقليدي ، وإستغرقت نهارا واحد من بعد  صلاة الفجر إلى قرب المغرب . بدأت بالقصف المدفعي الشديد على مركزنا وعلى المناطق التي سوف تحتلها القوة في بداية المعركة . وفي العاشرة صباحا بدأت أفواج من سكان القرى  تأتي للمساعدة في صد القوات الحكومية . وكان منظرا مؤثرا للغاية . فقد سمعوا قصف المدفعية الشديد وفهموا ـ بالتجربة ـ أنه هجوم واسع . فحضروا مع بنادقهم القديمة يسألون عن مكان العدو كي يتوجهوا إليه . وكان مقاتلوا كل قرية يتوجهون في كتلة واحدة صوب المكان المحدد. سكان بعض القرى جاؤا بالطبول يقرعونها  بقوة ويلوحون بالبنادق القديمة .

كانت صورة تاريخية للحروب الأفغانية القديمة محفوظة في المتحف التاريخي لأفغانستان .  كان تعداد مركزنا قد إنخفض قبل الهجوم بسبب مغادرة المجاهدين إلى قراهم ،  حسب تقاليدهم الثابتة ، فإنخفض عددنا إلى أقل من النصف. ولكن عند الظهر كان عددنا أكبر من مقداره الأصلي. كثيرون أخذوا مواقع أمامية للدفاع عن مركزنا ولم  نكن نعرف أكثرهم ، ولكن جميعهم كانوا من مناطق الجوار . كان مشهدا مؤثرا للغاية، وغنيا بالدلالات ولم أشهد مثله أبدا بعد ذلك.  بل شاهدت عكسه تماما في عام 1990م عندما توافد الناس من باكستان لنهب المدن المفتوحة

وقد ظنوا وقتها أن خوست على وشك الفتح . فجاءوا في عشرات من السيارات ومئات أو آلاف من البشر ولحسن الحظ فإن المدينة لم تفتح وقتها . لم يقتل أو يجرح أحد من أفراد مركزنا ـ ولكن بعض سكان القرى جرحوا .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

18/01/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى

 




عودة الماضى الإستعمارى لشركة الهند الشرقية

أفغانستان شركة للمرتزقة

أفغانستان شركة للمرتزقة

عودة الماضى الإستعمارى لشركة الهند الشرقية

مشروع ترامب / برنس

 

# يوجد أصدقاء لشعب أفغانستان حيث يوجد أعداء للولايات المتحدة .

# العصب الحساس فى تلك الحرب هو ضرب صناعة الهيرويين الأمريكية .

# التحدي الجديد يفرض على حركة طالبان رفعا نوعيا لكل من مستوى التسليح والعمل السياسى .

بقلم: مصطفي حامد / ابو الوليد المصري

 

أنهى ترامب حديثه عما أسماه (استراتيجية) جديدة تجاه أفغانستان ، وكان عرضا للأفكار مضطربا ومتناقضا . ومتوافقاً تماما مع شخصية أسوأ رئيس أمريكى فى التاريخ .

هذا إضافة إلى توليفة من المصطلحات البراقة التى تخفى الفراغ الفكرى وتضلل المتابعين عن إتجاه الحركة الحقيقية . فمناقشة ذلك الهراء سوف تأخذ الناس بعيدا عن المسار الحقيقى للأحداث .

ويظهر من خطابه (الاستراتيجى) عن أفغانستان أنه لم يقدم أى جديد سوى تلاعب بالألفاظ واستعراض للمصطلحات الفارغه مثل : تخليه عن سياسة (بناء الأمم!!) التى إتبعها أسلافه وتبنى نظرية جديدة أسماها (الواقعية المسئولة!!). بينما ليس هناك أى بناء ولا أى مسئولية فيما فعلته وتفعله بلاده فى العالم منذ زمن طويل .

قالت “كيلى ماجزمن” المسئولة السابقة فى وزارة الدفاع الأمريكية والعضو السابق فى مجلس الأمن القومى : ( أن ما عرضه ترامب كان مجرد تعديل متواضع فى استراتيجية مركزية يجرى العمل بها منذ سنوات وظلت نتائجها مختلطة ) .

وهى بذلك إقتربت من نصف الحقيقة . لأن النصف الآخر يقول أن هناك استراتيجية حقيقية لم تعرض مطلقا فى حديث ترامب . ولكن تكشفها العديد من التحركات فوق الأرض الأفغانية ، وأيضا تحركات البيت الأبيض وكبار مستشاريه ، السابقون منهم واللاحقون .

الاستراتيجية المركزية القديمة ، التى تعنيها المسئولة الأمريكية السابقة ، قيلت منذ زمن، وكرر ترامب أن أهدافها هى :

1 ــ ألا تتحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية التى تريد مهاجمة الولايات المتحدة مثل طالبان (!!) والقاعدة .

2 ــ ألا تسقط الأسلحة النووية الباكستانية فى أيدى تلك الجماعات .

وأطلقوا على تلك الأكاذيب سياسة (بناء الأمم). وأقل إنجازاتها كان حوالى نصف مليون شهيد أفغانى ودمار هائل فى البلاد وإنهيار الأمن ، وإنتشار الفقر والفساد فى جميع مرافق الدولة .

الآن رغم أن الاستراتيجية المعلنة ظلت كما هى منذ عهد بوش، إلا أن ترامب أطلق عليها (الواقعية المسئولة)، فالشعارات تتغير والاستراتيجية ثابتة . وفى كلا الحالتين كان هناك (الظاهر) و(الخفى) لتلك الاستراتيجيات .

وتلك هى الاستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة فى عهد ترامب :

1 ــ تأكيد السيطرة الأمريكية على إنتاج الهيرويين من أفيون أفغانستان ، كأحد أهم موارد الثروة المالية فى العالم . كما أنه أحد أسلحة أمريكا فى حربها الناعمة ضد أعدائها وضد شعوب العالم .

2 ــ تأكيد سيطرة الشركات الأمريكية على ثروات أفغانستان المعدنية بشكل إحتكارى، فى مقابل الصين التى منحتها أمريكا بعض الرشاوى الهامة من تلك الثروات .

3 ــ حماية وتطوير سيطرة الشركات الأمريكية على غاز ونفط آسيا الوسطى وخطوط نقلها عبر أفغانستان وباكستان إلى مياه المحيط الهندى .

4 ــ متابعة موضوع مياه نهرى (سيحون وجيحون) فى أفغانستان والجمهوريات الإسلامية الخمس إلى حين إنضاج ظروف نزحها إلى خارج المنطقة ، على غرار ما يحدث فى نصيب مصر من مياه نهر النيل .

وهناك إشارات إنطلقت من كابول وأخرى من واشنطن حول التوجه الاستراتيجى الحقيقى للولايات المتحدة :

ــ الإشارة الأولى أطلقها الرئيس الأفغانى (أحمد غنى) خبير البنك الدولى وسياسة العولمة الإقتصادية ، والمدافع المتين عن الإحتكارات الأمريكية والشركات متعددة الجنسيات . الرئيس الأفغانى يطلب من ترامب أن تستولى الشركات الأمريكية على ثروات أفغانستان المعدنية. وبدأ يظهر الحديث عن أنها تساوى ترليون دولار . وقد شاعت تقديرات فى أوائل التسعينات أنها تساوى أكثر من ضعف ذلك المبلغ ، وأن المسح الجيولوجى الذى قام به السوفييت كان دقيقا ولم تختلف نتائجه كثيرا عن نتائج المسح الأمريكى . وأن الشركات الأمريكية الكبرى فى ذلك الزمان طالبت الإدارة الأمريكية بطرد(الإرهابيين) العرب من أفغانستان ، لأن وجودهم هناك يهدد نشاط تلك الشركات. وكان عدد العرب فى أفغانستان وقتها لا يتعدى بضع عشرات.

“أحمد غنى” كرر عرضه عدة مرات . إحداها فى أثناء زيارتة لأمريكا ، وأخرى فى مؤتمر الرياض الشهير حين طاف “حجيج” من 50 دولة إسلامية”!!”حول بلورة ترامب السحرية.

ــ “غنى” مثل “آل سلمان” يعلم أن معادلة التعامل مع رئيس مع الولايات المتحدة هى : ( إدفع تحكم ، إدفع أكثر تحكم أكثر، إدفع بإستمرار تحكم بإستمرار) . وكأن ذلك كان أحد بنود البيعة التى قدمها من حضروا مؤتمر الرياض للرئيس الأمريكى الذى عاد من الرياض محملا بمئات المليارات من دولارات النفط التى إستردها من آل سلمان . فوهبه الرئيس الأفغانى ثروات أفغانستان كلها . وذكروا منها ترليون واحد فقط ثمن الثروات المعدنية . ولم يذكر أحد الأفيون ، الذى قد لا يمثل رقم ترليون إلا عائدات أمريكا من تجارة الهيرويين خلال أعوام قليلة .

ــ قال ترامب أثناء عرضه للهلام الاستراتيجى الذى طرحه ، أنه لن يحدد جدولا زمنيا أو خططاً، ولكنه سيفاجئ الأعداء بحركته”!!” . وحتى أنه لم يحدد أهدافاً عامة لتلك الاستراتيجية سوى ذلك التمويه الذى تحمله أهداف تلك الحملة الإستعمارية منذ بدايتها ، بالحديث عن (الملاذ الآمن للإرهابيين ، و الأسلحة النووية الباكستانية ) .

ــ ولكن تحديد الأهداف الاستراتيجية وخطة العمل ، وإمكانية تحديد جدول زمنى للتحركات ، بل وميزانية العمل الاستراتيجى كله ، جاء به بطل المرحلة القادمة فى أفغانستان ، الملياردير (إريك دين برنس) مؤسس شركة بلاك ووتر ذائعة الصيت وسيئة السمعة حول العالم . وهو أيضا مؤسس لعدة شركات مماثلة فى السؤ ولكنها أقل فى الشهرة . كما أنه ذو خبرة فى تأسيس الشركات متعددة الجنسيات حول العالم .

الملياردير المغامر شرح وجهة نظره حول أفغانستان فى مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يدعو فيه إلى فكرة جوهرية ، هى إنشاء شركة معاصرة على غرار” شركة الهند الشرقية ” التاريخية . وهو الإقتراح الذى دعمه اليهودى ( جاريد كوشنر) صهر الرئيس ترامب والأكثر نفوذا فى البيت الأبيض . كوشنير دعا “برنس” لشرح نظريته أمام الرئيس فى البيت الأبيض حسب تقرير لمجلة “فورين بوليسى”.

 

وعلى هذا فإن الاستراتيجية التى طرحها برنس لأفغانستان ستكون قائمة على عناصر:

1 ــ تطبيق الفلسفة الإستعمارية التى إشتهرت بها شركة الهند الشرقية ( 1700 ــ 1874) .

2 ــ الشركة تكلف المرتزقة بمهمة القتال فى أفغانستان وتستثمر جميع ثروات البلد .

الجانب الفلسفى فى مشروع “برنس” يتطابق من الفلسفة التى وضعها المستشار السابق لترامب (ستيف بانون) لجميع الظاهرة “الترامبية” التى يطلق عليها “اليمين البديل” ، والقائمة على ثلاث مبادئ : (الأمن ـ القومية الإقتصادية ـ تفكيك المؤسسات الإدارية القائمة وإعادة بنائها ).

ستكون تلك هى المبائ الحاكمة لنشاط الإمبراطورية الأمريكية داخليا وخارجيا . ويهمنا أنها ستكون حاكمة لاستراتيجياتهم فى أفغانستان : العسكرية ، الإقتصادية ، السياسية ،الإدارية .

الواقع العسكرى الجديد :

مشروع (برنس) الاستراتيجى ، وهو مشروع الدولة الأمريكية الأرجح ، سيعتمد عسكريا على المرتزقة (بلاك ووتر وأخواتها) . وقال (برنس) أن عددهم سيكون 5500 مرتزق أمريكى سيعملون مباشرة مع القوات الأفغانية “ضمن خيارات تدريبية مستحدثة !!” تضمن قيامهم بشكل أفضل بتنفيذ المهام الموكلة إليهم . وانتقد فى نفس الوقت أداء جنود البنتاجون الذين لم يحققوا الحد الأدنى خلال حرب إمتدت 16 عاما .

ولم يوضح برنس كيف أن هذا العدد الضئيل من المرتزقة يمكن أن يحقق ما لم يستطع تحقيقه 130,000 جندى أمريكى مدعومين بحلفاء وأتباع من 48 دوله خلال 16 عاما .

وما هى تلك البرامج التدريبية (المستحدثة)؟؟. وعلى أى صنوف الأسلحة وأى معدات التكنولوجيا الحديثة التى ستعطيهم تلك الفعالية الحاسمة التى لم تتحقق خلال تلك الحرب الأطول فى تايخ أمريكا الإستعمارى؟؟ .

وأيضا فإن الجيش الأمريكى إستخدم خلال أعوام حربه فى أفغانستان عددا كبيرا من المرتزقة ـ ومن شركة بلاك ووتر تحديدا ـ ويقال أن عددهم الذى لا يكشفون عنه كان يماثل تعداد الجيش الأمريكى نفسه ، وأرقام قتلاهم لا تحسب ضمن أرقام قتلى الجيش .

تلك الأعداد الضخمة من المرتزقة هل ستظل ثابته مضافا إليها رقم 5500 ، أم أن ذلك هو كل الرقم الإجمالى ؟؟. ترامب سيزيد هو الآخر قواته بمقدار4000 جندى ليصل مجموعها إلى 13000 تقريبا ـ وهى أيضا قوة غير كافية للدفاع حتى عن نفسها . كما أن الرقم الذى طرحه البرنس للمرتزقة لا يكاد يكفى حتى للدفاع الشخصى ، إلا أن تكون هناك أرقام غير معلنة .

هناك موارد أخرى للقوة البشرية المقاتلة . مثل الجيش “الوطنى” والميليشيات المحلية ـ بدون نسيان الدور الجوهرى المنوط بمسلحى داعش بعد هزائمهم فى الشرق الأوسط ، والذين تدفقوا من باكستان ، لتغيير المسار العقائدى والإجتماعى للحرب ، لصالح الإحتلال وضد حركة طالبان ومرتكراتها الدينية والإجتماعية .

ــ الاستراتيجية الجديدة (لشركة الهند الشرقية) من الطبيعى أن تحمل بصمات المؤسس”برنس” ونواحى تفوقه المهنى ، ومنها :

ــ مهارته فى تأسيس منظمات المرتزقة وإدارتها وتوسيع نشاطها بإستمرار.

ــ إستغلال عنصر التفوق التدريبى والتكنولوجى والإدارى ، فى إنجاز توكيلاته الحربية .

ــ خبرة “برنس” فى القضاء على الإرهابيين ، حيث كان جزءا من قوة المهام السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية .

فمن مهام قوات المرتزقة فى الجيش الأمريكى كان المشاركة فى تشغيل برنامج الطائرات بدون طيار التى كانت مخصصة غالبا لعمليات إغتيال المجاهدين ، وتدمير المدارس الدينية ، والمناسبات الاجتماعية من أعراس ومآتم ، وتدمير معامل تصنيع الهيرويين داخل باكستان العاملة خارج المشروع الإحتكارى الأمريكى .

المناخ الاستراتيجى الجديد :

مشروع البرنس يخلق مناخاً استراتيجيا جديدا فى أفغانستان يؤثر على كل أعمال الإحتلال .

فمن ناحية تاريخية شكلت شركة الهند الشرقية علامة فارقة فى تاريخ الإمبراطورية البريطانية ، القوة الأولى فى العالم وقتها .

حيث تولت الشركة فتح الهند وإخضاعها عسكريا وسياسيا لسلطة التاج البريطانى ، ونزح ثرواتها لصالح الشركة وكبار مديرها وبالطبع لصالح الإمبراطورية الأم . وموظفى الشركة صاروا الأغنى فى الإمبراطورية ، وأصبح فى إمكانهم التأثير سياسيا وإقتصاديا حتى على الوطن البريطانى نفسه ، بشراء السياسيين والدوائر الإنتخابية.

( شركة الهند الشرقية) كانت مشروعاً إمبراطوريا متكاملا تمكن من إبتلاع الهند . وكان للشركة جيشها الخاص ، ولها القدرة على تعيين الحكام فى الهند أو التخلص منهم بحروب أو بإنقلابات .

وتجاريا عملت منذ لحظتها الأولى فى المتاجرة بمنتجات الهند من حرير وتوابل وشاى وأفيون”!!” الذى كان مصدر ثروتها الخرافية ، وبالتالى قوتها التى لا تقاوم ، وقدرتها على التأثير فى مجريات الأمور فى لندن نفسها .

وهكذا شركة ” البرنس”، سوف تبنى حكومتها الخاصة فى كابول وتسيطر على تجارة (الهيرويين) ـ وليس الأفيون الخام مثل قديم الزمان ـ ثم تدير السياسة الداخلية فى أفغانستان ، والسياسة الإقليمية المتعلقه بذلك البلد . مع نشاطات فى دول الإقليم بما يحافظ على سيادة الشركة سياسيا وزيادة أرباحها الفلكية من تجارة الهيرويين .

وما تمتلكه الدولة الأفغانية سوف يوضع ـ طبقا لتصور وفلسفة (شركة الهند الشرقية) ـ رهن تصرف إدارة الشركة الجديدة . فالسيد”برنس” من أنصار رؤية (اليمين البديل) التى تقضى بفك مؤسسات الدولة وإعادة تركيبها من جديد .

مبادئ العمل فى الشركات الناجحة : مثل الإقتصاد فى النفقات ، والإنضباط مع كفاءة الأداء ، سوف تحدث تغييرات جذرية فى نظام فى كابول ، من قمته الثنائية (غنى /عبدالله ) مرورا بقيادات الجيش الذى أنفق عليه الإحتلال 15 مليار دولار ليكون كتلة مسلحة من الفساد وإنعدام الكفاءة . وبالمثل أجهزة الإستخبارات ، ناهيك عن الشرطة والميليشيات بأنواعها بقيادة مسئولين كبار فى الدولة من أمثال “دوستم” ، أو على حواشى السلطة من أمثال “حكمتيار” الزعيم الأصولى السابق .

لا ضرورة للتذكير بأن أفغانستان لم تكن يوما مثل الهند . ولا الشعب الأفغانى مماثل لشعب الهند ـ ولا ظروف القرون الخوالى من الثامن عشر إلى التاسع عشر تماثل ظروف القرن الحادى والعشرين . وبالتالى فإن مصير تجربة السيد “برنس” فى أفغانستان ستكون قطعا مخالفة تماما لما توصل إليه آساطين شركة الهند الشرقية فى القرن 18 من أمثال (روبرت كلايف) .

مصادفات تاريخية من شركة الهند الشرقية :

ــ ومن المصادفات المدهشة أن شركة الهند الشرقية كانت وراء أهم عمليات القرصنة فى التاريخ القديم ، والتى قعت فى باب المندب (الذى تدور فيه حاليا حرب رهيبة ضد اليمن تقودها السعودية وشريكتها الإمارات ، التى تمول مشروع للسيد”برنس” فى إنشاء قوة من الصوماليين لمكافحة القرصنة!!) . وبديهى أن يكون لمرتزقة السيد “برنس” دور فى حراسة شواطئ اليمن وشرق أفريقيا وباب المندب ، بالتعاقد مع إسرائيل وبتمويل دول الخليج، لحماية أكبر عملية قرصنة فى التاريخ الحديث والقديم ، وهى عملية نهب نصيب مصر من ماء النيل والمتاجرة به عالميا بواسطة أنابيب وناقلات ماء . وهو مشروع تشارك تلك الدول فى تمويله كما تشارك فى تمويل المرتزقة لحمايته ، ومركز الحركة التجارية للمشروع هو باب المندب .

ــ أيضا من المصادفات التاريخية المدهشة أن شركة الهند الشرقية هى التى أذلت الصين وهزمتها عسكريا وفرضت عليها إباحة تعاطى الأفيون والتخلى عن أهم موانئها وجزرها لصالح تجارة الأفيون . الذى كان أهم الثروات المالية التى رفعت من شأن الشركة .

وأن “ستيف بانون” واضع أيدلوجيه تيار “اليمين البديل” يرى أن المواجهة الرئيسية للولايات المتحدة هى مع الصين ، فى حرب إقتصادية تحت مبدأ يقول بالقومية الإقتصادية . بما يعنى إسثناء أمريكا من تبعات مبدأ العولمة الإقتصادية ، وإستثناء أمريكا من الإتفاقات الدولية لحماية البيئة وقوانين فتح الأسواق ورفع الحماية الجمركية . بينما تفرض العولمة وفتح الأسواق على جميع دول العالم ، بالضغط والإكراه وحتى التلويح بالحرب المسلحة .

“شركة الهند الشرقية” الخاصة بأفغانستان سوف تستهدف الصين أساسا ، وتستهدف الدول المحيطة بأفغانستان ، بالحرب و بكافة أشكال التدخل ، كما فعل أسلافها التاريخيون فى الهند وجنوب وشرق آسيا ، فأخضعوا الصين بقوة السلاح بحربين لفرض تجارة الأفيون عليها .

الموقف العسكرى لحركة طالبان :

حتى قبل فوزه فى إنتخابات 2008 كان الرئيس “باراك أوباما” يدرك أن بلاده لن تستطيع السيطرة على أفغانستان ، وأن حركة طالبان لها اليد الطولى على أرض المعارك ، والسيطرة على الأرض ، والأهم هو الإجماع الشعبى حول قيادتها .

لكن حسابات المؤسسة العسكرية ومعهما الإستخبارات المركزية CIA المنغمسة فى التجارة الدولية للهيرويين ، تدرك المكاسب الفلكية العائده عليها من إحتلال أفغانستان ، وهؤلاء منعوا تنفيذ فكرة الإنسحاب .

وترامب فى برنامجه الإنتخابى غازل ناخبيه بأمنيات الإنسحاب من أفغانستان نظرا لعدم شعبيه تلك الحرب الطويلة ، بينما أمريكا نفسها تعانى من معضلة إقتصادية وتراكم تؤترات إجتماعية تهدد بإنفجار داخلى .

عند وصوله إلى الحكم أسفر ترامب عن موقفه الحقيقى ، وسياسته الكارثية فى أفغانستان وشرق آسيا والتى أسماها (الواقعية المسئولة !!). وملخصها تحويل أفغانستان إلى مستعمرة تديرها وتستثمرها شركات المرتزقة الدوليون (على رأسهم بلاك ووتر) . ومؤسسها وصاحب المشروع هو “إريك برنس” الذى تمول مشاريعه دولة الإمارات المقيم على أراضيها ، وللإمارات أيضا قوات شاركت فى القتال ضد حركة طالبان ، وإحتلت مواقع عسكرية فى قندهار ، ولها دور تاريخى ونصيب معلوم فى تجارة المخدرات الدولية .

ــ ما نشر عن القوات العسكرية للمحتلين الأمريكيين والمرتزقة لا يشير إلى أى تغير جوهرى يمكن يحدث فى الموازين الحالية ، إلا فيما يتعلق باحتمال إستخدام أسلحة متطورة تكنولوجيا بأكثر مما سبق إستخدامه حتى الآن . فالمستثمرون الكبار يفضلون توظيف التكنولوجيا أكثر من توظيف البشر . فهم يتوقعون منها أرباحاً أكثر ونتائج أسرع وفى الإجمال نفقات أقل . وهذا هو التحدى الذى يجب أن تتحسب له حركة طالبان .

الجانب المعنوى ونوعية المقاتلين والحاضنة الشعبية كل ذلك يجعل نتائج الحرب محسومة لصالح حركة طالبان مهما تنوعت الاستراتيجيات التى فشلت بإستمرار .

واستراتيجية ترامب مهتزه جدا فى جوهرها ، وحتى صاحبها يبدو غير مقتنع بها ، رغم صراخه بضرورة الإنتصار . فقوله بأن استراتيجيته لا ترتبط ببرنامج ولا خطة، يعنى ببساطة أنها ليست استراتيجية فى الأساس . بل لعبة من ألعاب المقامرات ، لأنه ينتظر مرور الزمن حتى يقرر ماذا سيفعل ، وكيف سيفاجئ خصمه ، فبأى شئ سيفاجئ وهو بلا خطة ؟؟ .

إنه يعتمد على ضربة حظ سوف نتكلم عنها لاحقا .

فى جميع الأحوال يلزم حركة طالبان تعزيز قواتها المقاتلة بالمزيد من المعدات المتطورة لمواجهه تطور كبير محتمل فى المستوى التكنولوجى للحرب ، ستفرضه الإستراتيجية الجديدة لشركة المرتزقة التى ستتولى خوض الحرب وإدارتها عسكريا وسياسيا واقتصادياً .

وبشكل خاص يلزم الحركه ما يلى :

1 ــ التوسع فى إستخدام مناظير الرؤية الليلية للأفراد والأسلحة / خاصة بنادق القناصة وقوازف الصوارخ المحمولة على الكتف/ . والتوسع فى إستخدام أجهزة تحديد المسافات العاملة بأشعة الليزر.

2 ــ صواريخ “أرض ـ أرض” ، تناسب أغراض حصار القواعد الجوية من حيث المدى والقدرة التدميرية.

3 ــ صواريخ ” أرض جو” محمولة على الكتف . تناسب أغراض حصار القواعد الجوية وخطوط الملاحة لطائرات نقل الهيرويين .

4 ــ معدات إتصال لاسلكى أكثر تطورا ، وأكثر عدداً ، لتحقيق الترابط بين المجموعات وتنسيق العمليات الصغيرة والكبيرة ، واعتراض إتصالات العدو اللاسلكية .

5 ــ معدات حديثة للتصدى للطائرات بدون طيار لإسقاطها أو الإستيلاء عليها .

6 ــ الحصول على تدريب متقدم لطواقم تلك الأسلحه جميعاً .

العصب الحساس : ضرب صناعة الهيروين .

المحور الحيوى لكل هذا البنيان الإحتلالى هو الثروة الهائلة التى يجنيها من تحويل محصول الأفيون إلى “هيرويين” داخل معامل حديثة فى القواعد الجوية الأمريكية . ثم ينقله عبر العالم بطائرات سلاح الجو الأمريكى ، مع تهريب برى عبر الحدود إلى دول الجوار .

حرمان العدو من ذلك المصدر المالى يفقد العملية الإستعمارية جدواها ويصبح الإنسحاب إختيارا أوحدا .

وذلك بشن حرب ضد ذلك العصب الحساس لحياة العدو ، فى مجهود عسكرى سياسى منظم . يمتد داخل أفغانستان حتى يصل شقه السياسى إلى دول الجوار ، والعالم الخارجى .

من أجل شن (حرب أفيون مضادة) وناجحة ضد العدو ، يلزم لها المتطلبات التالية :

1 ــ إحكام السيطرة عسكريا وإداريا على مناطق زراعة الأفيون .

2 ــ منع إيصال خام الأفيون إلى العدو ، بضرب ركائز عملية الإنتقال من معدات وأفراد ومخازن . والتخلص من كبار القائمين على مشروع المخدرات لدى العدو من عناصر محلية أو أجنبية .

3 ــ فرض حصار برى على القواعد الجوية حيث مصانع الهيرويين .

4 ــ التصدى لطائرات العدو لمنعها من نقل الهيرويين ، وضربها على الأرض وفى الجو.

5 ــ قطع طرق تهريب الهيرويين برا إلى خارج أفغانستان وإحراق الكميات المصادرة على الفور .

6 ــ تسهيل خروج الأفيون الخام حتى لا يقع فى أيدى العدو فيستخدمه فى صناعة الهيرويين .

المجهود السياسى للحرب على الهيروين :

داخليا: شرح موضوع حرب الأفيون للمزارعين والشعب عموما . وتوضيح الموقف الشرعى وفقا للمذهب الحنفى من المشكلة . والفرق بين زراعة الأفيون كنبات طبى وبين تعاطيه كمُسْكِر. وأن زراعته مباحة بينما تعاطيه حرام ، مثل تعاطى الهيرويين والمخدرات الأخرى.

ــ تحريم بيع الأفيون للعدو بشكل مباشر أو غير مباشر . وأن ذلك يعتبر عونا للكافرين على المسلمين .

ــ أنه بعد التحرير ورحيل المستعمر . سيجرى تصنيع أدوية من الأفيون للتصدير فى أنحاء العالم ، بديلا عن بيع الخام الذى قد يساء إستخدامه ، علاوة عن تدنى ثمنه كثيرا بالنسبة للأرباح العائدة على السماسرة والتجار، لذا يكون المزارع غارقا فى الديون الربوية .

خارجيا : مناقشة دول الجوار حول مشكلة الهيرويين الذى تصنعه أمريكا من محصول الأفيون الأفغانى وتهربه إلى دول العالم ، بما فيها دول الجوار. وإقناعها بالسياسة القاضية بتسهيل خروج الأفيون من أفغانستان لحرمان العدو من إستخدامه فى صناعة الهيروين القاتل ، مع عدم السماح بمرور شحنات الهيروين وإعدامها على الفور ومعاقبة ناقليها بإعتبارهم مساعدين للعدو .

ــ أن لدول الجوار أن تتخذ السياسة التى تناسب مصالحها إزاء شحنات الأفيون التى قد تنتقل إلى أراضيها ، فذلك من مسئوليتها . وطبقا لمصالحها تتعامل مع المضبوطات إما بالإتلاف أو بإدخالها ضمن دائرة الصناعات الدوائية لديها .

ــ يمكن الدخول فى برامج مشتركة لمكافحة عصابات تهريب الهيرويين ، حيث تلتقى مصالح الجميع حول ذلك .

ــ الأفيون فى الأساس نبات طبى يدخل فى صناعة جميع المسكنات ، لذا فإن التعامل الإيجابى معه هو الأصل . أما الهيرويين فهو منتج مدمر للإنسان والمجتمعات والدول . لذا يجب التكاتف ضد تهريبه وضد الإستعمار الأمريكى الذى دمر أفغانستان لأجل تحويلها إلى مزارع تخدم مصانع الهيروين وتجارته الدولية .

قتال الشركات .. قتال عصر العولمة :

تغير المناخ الاستراتيجى الذى تدور فيه حرب أفغانستان ، مع تغير نظرة العدو إلى الحرب معتبرا إياها نشاطاً تتخلى عنه الدولة (الولايات المتحدة) لصالح القطاع الخاص (شركات المرتزقة) . حيث واجبات الحكومة طبقا لسياسة العولمة الإقتصادية هى:

مجرد حارس لأمن الشركات وأداة لتنفذ سياساتها ، وتوكيل المشاريع العامة ووظائف الحكومة وسلطاتها إلى تلك الشركات التى تشاطر الحكومة حتى فى مهامها الأساسية المتبقية لها فى الدفاع والأمن . وتضع الحكومة القوانين التى ترفع كل العوائق من أمام الشركات الكبرى حتى لا تحد من إندفاعها المحموم صوب الربح . وطبيعى وكنتاج منطقى لكل ذلك أن تحتاج الحكومة إلى إستخدام درجة عالية من التضييق على الحريات العامة والقمع ومراقبة المواطنين لمنع ثورتهم على ذلك الظلم الفادح فى توزيع الثروات التى تتركز فى أيدى نسبة قليلة من أفراد المجتمع وفى النهاية أفراد قليلون من الصفوة المالية (يهود فى معظمهم) .

ــ الحرب فى أفغانستان وطبقا لرؤية ترامب هى نشاط للشركات وليس للحكومة . وتأسيس شركة على غرار شركة الهند الشرقية (1700 م ـ 1874 م ) يثير فى أفغانستان والمنطقة مخاوف تاريخية عظيمة الأثر . فتلك الشركة مهدت لإستعمار الهند ومناطق واسعة من شرق آسيا ، ودمرت الصين ، وأسست للقرصنة البحرية المنظمة ، وخربت الثقافات وتلاعبت بالأديان ، خاصة الإسلام فى الهند وفى جزيرة العرب حيث أسست هناك الوهابية ودولة آل سعود فغيرت بذلك حاضر تلك البلدان ، بل وكافة بلاد المسلمين، وشكلت مستقبلها . فى أفغانستان ، تلتقى شركة الهند الشرقية الحديثة للسيد “برنس” مع “داعش الوهابية ” المنتج التاريخى للشركة فى جزيرة العرب .

ذلك بلا شك يعنى جميع دول المنطقة ، خاصة جيران أفغانستان . وبشكل أكثر خصوصية الصين التى كانت قديما أكبر ضحايا شركة الهند الشرقية وسياستها الإستعمارية .

ــ جزء من المعركة أن تثير حركة طالبان تلك القضية الخطيرة مع دول الجوار للتوصل إلى رؤية مشتركة، والأهم هو التوصل إلى برامج عمل مشتركة للدفاع ضد ذلك الخطر الوجودى.

مع توضيح الدور المركزى لجهاد شعب أفغانستان بقيادة حركة طالبان فى التصدى للتحول الإستعمارى الجديد ومخاطره على المنطقة .

تعامل حركة طالبان مع الوضع الجيوسياسى الجديد لأفغانستان :

من أساسيات العمل السياسى لحركة طالبان ـ فى الداخل والخارج ـ هو إستخدامها الإيجابى وتفهمها الكامل للقيمة السياسية لموقع أفغانستان الاستراتيجى فى المنطقة ، فى ظل الوضع الدولى الراهن . فبعد أن كانت أفغانستان منطقة عازلة بين إمبراطوريتين إستعماريتين ، وذلك باتفاق الكتلتين معا ، فالآن بزوال ذلك الواقع ، من المفروض أن تتحول أفغانستان إلى حلقة ربط بين أجزاء آسيا الجنوبية والشمالية ، وبين شرق آسيا وغربها . ولكن الإحتلال الأمريكى عرقل ذلك الدور . ومع تحول الإحتلال إلى شركة إستعمارية من النمط القديم ، ولكن بوسائل حديثة ، فإن دور أفغانستان كحلقه إتصال تعرض للخطر حيث أن ذلك الموقع معرض لسؤ الإستغلال من جانب الشركة الإستعمارية الجديدة ، بتحويله إلى موقع للتدخل وتصدير الهيروين والإرهاب المؤسسى(بلاك ووتر) والإرهاب الوهابى الأعمى (داعش) ، وممارسة التدخل فى شئون دول المنطقة والسعى إلى السيطرة على ثرواتها .

ــ ومن المعلوم أن العديد من دول الإقليم قد إستثمرت أموالا طائلة فى مشروعات إتصال فيما بينها عبر أفغانستان ، وفى الطرق الحديدية بشكل خاص . وذلك متوافق مع دور أفغانستان كحلقة إتصال وتبادل تجارى بين دول الإقليم .

ــ حركة طالبان فى إتصالها مع دول الجوار توضح حرصها على ذلك الدور لبلادها فى تنمية الإقليم . وأن تلك المشروعات لن تكون عرضة للهجوم ، بل ستكون موضع تنمية فى المستقبل لأن من ضمن أهداف الحركة بعد وصولها إلى الحكم سيكون ربط أجزاء البلاد كلها بشبكة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية . إضافة إلى عملية واسعة لإستخراج المواد الخام وتصنيعها ، والتوسع فى المشروعات الزراعية . والتعاون الإقليمى فى مجال الصناعات الدوائية المشتركة التى تعتبر حلا جذريا لمشكلة سؤ الإستفادة من محصول الأفيون .

تفتيش القواعد الأمريكية :

ــ وينبغى أن تكرر الحركة على الدوام مطلبها بضرورة إخضاع القواعد العسكرية الأمريكية للتفتيش الدولى بمشاركة دول الجوار ، للتأكد من حقيقة النشاطات غير العسكرية التى تدور فى تلك القواعد . مع الجزم أنها تضم أكبر معامل الهيرويين فى العالم وأحداثها . وأن أسطول طائرات النقل العسكرية ماهو إلا أسطول دولى لنقل الهيروين حول العالم . إضافة إلى أن تلك القواعد تحوى سجونا سرية ومقار للتعذيب والإستجواب العنيف للمعتقلين .

السياسة مع دول الجوار (صفر مشاكل ــ 100% تعاون ) :

هذا المبدأ ينبغى أن يأكده المكتب السياسى للإمارة فى حواراته مع دول الجوار . وأن السبيل إلى ذلك هو تحويل أى مشكلة “حدودية” أو “مائية” إلى مشاريع مشتركة فى تلك المجالات . مع فتح الباب لمفاوضات هادئة بين المختصين فى الجانبين للوصول إلى إتفاقات قانونية عادلة للمشكلات المعلقة .

حوار سياسى وعسكرى مع دول الجوار :

جاء فى رسالة موجهة من الإمارة الإسلامية إلى ترامب (فى 25 / 8 / 2017 ) { سترتكبون غلطة كبيرة إن أجبرتم شعب أفغانستان المسلم ليمد يده إلى “نظرائكم ” لأجل تحرير بلده والتخلص من ظلمكم } .

وفى الحقيقة فإن الخطأ الأكبر هو عدم القيام بذلك منذ اليوم الأول للعدوان الأمريكى على أفغانستان وحتى الآن . وعدم تفعيل المبدأ الشهير (عدو عدوى صديقى ، وصديق عدوى ، عدوى ) . وعوضا عن ذلك إفتتحت الحركة مكتبا سياسيا دائما لها فى قطر التى تلقت الأوامر أولا من الرئيس الأمريكى ، باعتبارها حاملة طائرات أمريكية وأكبر مخزن عتاد للقوات الأمريكية فى المنطقة . وذلك تناقض فادح يصعب تفسيره أو إيجاد مبرر له .

وطبقا للمبدأ الشهير للعداوة والصداقة بين الدول ، فمن المفترض أن تكون قائمة أصدقاء شعب أفغانستان هى نفسها قائمة أعداء الولايات المتحدة . ومن المنطقى أن يتصدر القائمة إسم كوريا الشمالية ، ثم تتوالى الأسماء لتشمل الصين وروسيا وإيران حتى تصل إلى فنزويلا فى أمريكا الجنوبية . فثمة أصدقاء لشعب أفغانستان حيث يوجد أعداء للولايات المتحدة . ومن حسن الحظ أن تلك الدول جميعا تصنع أسلحة على درجة من التطور تفى باحتياجاتنا القتالية ومواجهة التحديات الجديدة .

مخاطر مشتركة = مصالح مشتركة :

الجوار يفرض علينا مصالح مشتركة مع دول الجوار جميعها . والخطر العدوانى الرابض على أراضينا يقتلنا ويدمر شعبنا ومستقبل أمتنا ، هو خطر يهدد على جميع دول الجوار بلا إستثناء . والتطور الجديد (للمؤسسة الإرتزاقية) أو (شركة الهند الشرقية) الجديدة ، أو مشروع(ترامب /البرنس) هو تطور شديد الخطورة ودروسه التاريخية من القرون الماضية خير شاهد .

وحيث أن مجاهدى حركة طالبان يقفون فى الصف الأول لقتال تلك الأخطار ، فإن دول الجوار جميعاً تستفيد من ذلك الجهاد البطولى ، ويصبح من واجبها دعمه بكل وسائل الدعم الممكنة ، حسب الظروف المتاحة أمام كل بلد بدون تعريضها لأى مخاطر من أمريكا والمحور المساند لها .

أهم المطالب هى الحصول على السلاح المناسب وبالكميات المناسبة . وجبهة الأصدقاء يمكنهم توفير ذلك بسهولة ، ودول الجوار الصديقة عليها توفير ممرات لعبور السلاح إلى المجاهدين فى أفغانستان . أو على الأقل إغماض عينيها إذا قام المجاهدون بفعل ذلك بوسائلهم الخاصة .

ــ مع التطورات الجديدة وتغير المناخ الاستراتيجى للحرب ، حان الوقت كى تدخل علاقات طالبان مع دول الجوار فى مرحلة أكثر جدية ، ليس فقط فى مجال التسليح بل أيضا فى المجال السياسى والإعلامى وشتى العلاقات الأخرى ، التى ستشمل بحكم طبيعة الأوضاع موضوعات أمنية متعددة .

ــ هذا يستدعى فتح مكاتب إتصال مع تلك الدول لمتابعة الموضوعات المشتركة . ومكاتب الإتصال تكون تحت إشراف المكتب السياسى المركزى الذى يجب نقله إلى داخل أفغانستان ، وإلا فإن حركه طالبان لن ينظر إليها الآخرون بجدية فى الظروف المستجدة .

فى إنتظار الفتنة .. الوقت جزء من استراتيجيه ترامب :

فى طرحه الاستراتيجى المفكك ـ الذى لم يكن إلا مجرد تكليف لشركة خاصة بأمر الحرب فى أفغانستان ، على خطى الإستعمار البريطانى القديم ، قال ترامب أنه لا يمتلك جدولا زمنيا ولا خططاً ، بل سيفاجئ “الأعداء” بحركته ، وسيترك تحديد الزمن لتغير الشروط على الأرض .

فهو لا يملك خطة ولا جدول زمنى ، ولكنه يكمن فى إنتظار فرصة معينة لم يفصح عنها . فما هى تلك الفرصة؟؟.

يدرك الأمريكيون عدم وجود أى فرصة لإحداث تغيير أساسى فى الأوضاع العسكرية على الأرض . وأن أى ضغط عسكرى زائد سيتم إمتصاصه والتغلب عليه . فهم يخسرون الأرض باستمرار وتذوب الأجهزة العسكرية “الوطنية” من ناحية المعنويات والقدرات القتالية .

تنحصر فرصة العدو لإحداث التغيير بالأساليب الاستخبارية وليس العسكرية . وقدرة أجهزته على إشعال فتنة ما تؤدى إلى إضعاف حركة طالبان ، وإرغامها على الرضوخ والتسليم بشروطه . وهناك ثلاث أنواع من الفتن الممكنة نظريا ، أو يمكن تجربتها عمليا :

1 ـ الفتنة الداخلية : بإحداث خلافات داخل صفوف الحركة تؤدى إلى إنشقاقها .

2 ـ فتنة داعش : فى حال نجح داعش فى تثبيت فتنة ما ، طائفية أو عرقية ، فى المجتمع الأفغانى ، أو تشكيك الأفغان فى دينهم ، وإضعاف ثقتهم فى حركة طالبان .

3 ـ فتنة مشيخات النفط : باستخدام سلاح المال لشراء قطاع قيادى من حركة طالبان يكون كافيا لإحداث إنشقاق كبير يدخل فى تسوية سياسية تحت الشروط الأمريكية ، فيشكل حكومة مختلطة مع نظام كابول . كما فعلت السعودية مع منظمات المجاهدين حين شكل مدير مخابراتها (تركى الفيصل) حكومة مجددى وربانى، لتشارك فى الحكم مع الشيوعيين المنبثين فى أجهزة الدولة . وظل الرئيس نجيب يمارس بعض سلطاته من داخل مقر الأمم المتحدة بالقرب من القصر الجمهورى فى كابول .

من المعروف أنه من الصعب جدا إحداث أياً من أنواع الفتن فى أفغانستان بدون مساهمة باكستانية وثيقة . لهذا أصر ترامب على ضرورة تعاون باكستان بشكل أكثر جدية فى “مكافحة الإرهاب” ، بل وهدد حكومتها بعقوبات إن هى لم تفعل . فإحداث الفتن فى صفوف المجاهدين هو تراث باكستانى راسخ ، ورثته حكوماتها عن الإستعمار البريطانى للهند . هذا الإستعمار يعود الآن إلى المنطقة من جديد مع شركة (ترامب/ برنس) كورثة شرعيين لشركة الهند الشرقية .

تلك مجرد إحتمالات . ولكن الركائز الإيمانية للحركة الجهادية بقيادة حركة طالبان، قوية بما يكفى لإحباط الفتن جميعا ، وتحقيق النصر فى نهاية المطاف .

وليس من شك فى أن الولايات المتحدة ستلحق بالإتحاد السوفيتى، لينتهى أحد أكثر فصول التاريخ البشرى همجية ودمارا .

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world

 

 




الهجوم الإستراتيجى المعاكس فى حرب الأفيون

مصطفي حامد لزاكي : الهجوم الإستراتيجى المعاكس فى حرب الأفيون

نص رسالة من زاكي (2017/07/29) :

منذ نشأة حركة طالبان حتي الان و الفتاوي الباكستانية السعودية مؤثرة علي عصب الحركة.
طالبان بحاجه الي صواريخ و فعلا تصلهم عدد محدود من خلال سماسرة المخدرات . طالبان لابد ان تضع خطة جيدة تضرب مصانع الهيروين الامريكية و تفتح طرق مستقلة لتجار الافيون مقابل صواريخ متطورة ايرانية و روسية و…
الاخ ساخي يقترح علي طالبان تضمن حصة امريكا من الافيون !! لماذا ؟ يعجبك نرسل لهم حصتهم الي واشنطن علي حساب فقر شعبي ؟
اخي اولا و اخيرا يجب شل سير تجارتهم لتجبرهم علي الخروج .. و السلام .

 

 

رد مصطفى حامد على رسالة زاكى :

الهجوم الإستراتيجى المعاكس فى حرب الأفيون .

حركة طالبان قادرة على هزيمة أكبر خطرين فى العالم :

الهيرويين الأمريكى .. وداعش الإجرامية .

 

 

منع زراعة الأفيون، كانت هى السبب الأول للحرب العدوانية على أفغانستان عام 2001 .

ومنع تجارة الأفيون كانت سببا لحربين كبيرتين شنتهما ( بريطانيا العظمى) على الصين فى منتصف القرن التاسع عشر بمشاركة معظم تلك المجموعة المتوحشة من دول أوروبا التى ساندت أمريكا فى إحتلال أفغانستان .

وقد تقاسمت تلك الدول غنائم حربى الأفيون على الصين . والجزء الأكبرذهب إلى بريطانيا ، القوة الأولى فى العالم وقتها . وأسفرت الحرب عن إجبار إمبراطور الصين على إباحة تعاطى الأفيون فى الصين ( وكان قد منع شعبه من تعاطيه ـ ونلاحظ أن حربهم على أفغانستان كانت بسب قرار حاكم الإمارة الإسلامية بمنع زراعتة) . وأرغم المعتدون إمبراطور الصين على التنازل لهم عن أهم الموانئ والجزر، لتكون مخازن للأفيون ومراكزا لتوزيعه داخل الصين . وكانت الهند أكبر حقول الأفيون فى العالم ، مستعمرة بريطانية ، بل درة التاج البريطانى كما أطلق عليها المحتلون .

الدول الأوربية التى شاركت فى الحرب على الصين كان لها مزارعها الخاصة للأفيون فى مستعمراتها الأسيوية مثل أندونيسيا ودول جنوب شرق آسيا مثل بورما وتايلاند ولاوس . فوجدوا فى الصين سوقا شاسعا لتعاطى الأفيون على حساب الدمار الصحى والإقتصادى لشعبها .

ــ أفغانستان كان الدافع الأول لإحتلالها هو إعادة زراعة الأفيون الذى أوقفته بالكامل الإمارة الإسلامية ـ بشهادة وكالات الأمم المتحدة ـ باستثناء 185 طنا أنتجها تحالف الشمال المعارض فى المناطق التابعة له . وكان إنتاج افغانستان قبل ذلك قد وصل إلى 3360 طنا .

فى ظل الإحتلال الأمريكى وصل متوسط محصول الأفيون لعام 2016 إلى 4600 طن ، أو(5600 طن كحد أقصى) حسب تقدير وكالات الأمم المتحدة ، وذلك رغم إنخفاض نسبى فى المساحات المزروعة ــ نتيجة للتطور التقنى فى الزراعة وتحسين البذورــ  كما زادت كفاءة تصنيع الهيرويين نتيجة لتطور المعدات والكيماويات المستخدمة. فزادت إنتاجية معامل التصنيع حتى وصلت جودة الهيرويين المنتج إلى نسبة نقاء وصلت إلى مئة فى المئة (!!!)..

كل تلك التطويرات وراءها القدرات العلمية والتكنولوجية للولايات المتحدة . فالجيش الأمريكى يستخدم معظم الأفيون المنتج فى أفغانستان ويحوله إلى هيرويين عالى النقاوة فى قواعده الجوية. ثم يتولى توزيعه إلى جميع أنحاء العالم بواسطة طائرات سلاح الجو ، مع مسالك أخرى متعددة برية وبحرية .

– وعائدات تلك التجارة تعود على خزينة المخابرات الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات بعد خصم نصيب الشركاء الآخرين من دول العدوان ، وأجور شركات المرتزقة التى تساهم فى حماية منشآت تكرير الهيرويين فى أفغانستان وتشارك بالدم  فى معارك السيطرة على حقول زراعته ، ولها شبكاتها الخاصة لتوزيع حصتها من الهيروين دوليا .

– يتضح من ذلك أن الهيرويين ليس مجرد حافز للأمريكيين لإحتلال أفغانستان ، بل هو الموضوع الرئيسى لتلك الحرب وهو وسيلة تمويلها ، بل وتمويل مشاريع المخابرات الأمريكية حول العالم .

لذا فإن حرب أفغانستان هى حرب المخابرات الأمريكية أكثر منها حرب الجيش الأمريكى أو حرب شركات النفط أو شركات المياه ، رغم أنهم جميعا مشاركون وأصحاب مصالح فى تلك الحرب بدرجات متفاوته .

الأفيون ـ والهيرويين بالتالى ـ هو الموضوع الأساسى لتلك الحرب ، ومن عائدات تجارته يستأجر الأمريكيون جيوش المرتزقة الدوليين والمحليين ، ويصنعون الأسلحة التى تقتل الأفغان واليمنيين والفلسطينيون وباقى الشعوب الإسلامية والشعوب المستضعفة حول العالم .

إذا فالأفيون هو المصدر الأساسى لقوة العدو فى أفغانستان والعالم ، أما باقى مظاهر قوته فهى مجرد إنعكاسات لتلك القوة الأساسية.

فالوسائل الأخرى مثل الجنود والأسلحة والمرتزقة والحكومة العميلة ، ومشاريع خراب يسميها مشاريع الإعمار ، والدمار العقائدى والفكرى الذى يسميه تعليما. كل تلك الكوارث يمكنه فعلها بقوة الثروة التى يحصلها من أفيون أفغانستان ، الذى يدرعائدا ماليا أكبر من أى سلعة متداولة فى عالم التجارة الدولية .

# لذا فالمجهود الأساسى للمجاهدين ، ومحور استراتيجيتهم الحربية يجب أن يتوجه إلى قلب العدو ومصدر قوته الرئيسى وهو الأفيون . ومن الخطأ أن يتوجه المجهود الأساسى للمجاهدين صوب الأهداف الثانوية . فكل هدف يجب أن يحصل على الإهتمام المناسب لتأثيره فى مجرى الحرب . فالهدف الأول يجب أن يكون حرمان العدو من ثروة الأفيون ، وما تبقى من أهداف هى فروع .

فالحرب فى الأساس هى حرب الأفيون . والجانب العقائدى فيها مصدره أن الغرب ينظر إلى الأفيون كقوة فى يد المسلمين لذا يصمم على إنتزاعها من بين أيديهم ، كما فعل مع الثروات الأخرى مثل النفط والغاز والمياه والمواقع الإستراتيجية والممرات البحرية. فالحرب على الإسلام تبدأ بنزع الثروات والقدرات الإقتصادية والعلمية من أيدى المسلمين . ثم تدمير دولهم ومجتمعاتهم بالحروب والأوبئة والمخدرات .. ومنها الهيروين !!.

# وللأفيون فى أفغانستان سلسلة معروفة يستخدمها العدو للحصول على تلك المادة الإستراتيجية والإستفادة منها ، وهى على سبيل الإختصار :

1ــ قوات الإحتلال العسكرى : التى تحاول السيطرة المباشرة وبشكل دائم على الأرض والمزارعين فى مناطق الزراعة الأساسية ، حتى تأخذ محصول الأفيون من على باب المزرعة كما يقولون وبأرخص السعار . فتربط مصالح المزارعين الإقتصادية بالإحتلال مباشرة .

2 ــ الوسيط المحلى: ( الذى ينقل الأفيون إلى الأمريكين ) .

3 ــ القواعدة الجوية : (وأهمها بجرام وقندهار)، حيث معامل تحويل الأفيون إلى هيروين .

4 ــ  طائرات النقل العسكرية : كوسائل نقل الهيرويين إلى خارج أفغانستان .

5 ــ طرق التهريب البرية:  الواصلة إلى دول الجوار فى باكستان وإيران وطاجيكستان، ويستخدمها العدو لأهداف خاصة .

يجب أن تستهدف حلقات تلك السلسلة، ويقطع إرتباطها الداخلى مع بعضها البعض ، فمثلا :

– يقاس النجاح الواقعى فى الحرب الدائرة فى أفغانستان بمدى السيطرة الأرضية على مزارع الأفيون الكبرى ، وفى مقدمتها ولاية هلمند فى الجنوب وتنتج 59% من محصول الأفيون ، لذا حشد العدو لأجلها منذ بداية الحرب أهم قواته وقوات حلفائه الأقربين وكات تنتج وقت الغزو حوالى 90% من إنتاج أفغانستان . ثم تليها من حيث الأهمية فى زراعة الأفيون كل من : ولاية بادغيس فى الغرب وتنتج 25% ، وفى الشرق ولاية ننجرهار وتنتج 9%  ثم باقى ولايات أفغانستان التى تنتج مجتمعة 7% من محصول الأفيون . ذلك هو الثقل النسبى للأوزان الإستراتيجية لمختلف مناطق أفغانستان . (والأرقام مأخوذة من إحصاءات الأمم المتحدة) .

بالتقريب فإن نسبة الأهمية الإستراتيجية للمناطق يمكن قياسها بنسبة إنتاجها للأفيون ، فهكذا يوزع العدو مجهوده العسكرى . ولحسن الحظ فإن للمجاهدين اليد العليا فى تلك المناطق والدليل على ذلك يأتى من طرف الأعداء فى تقرير ما يسمى قسم الأمن والسلامة للأمم المتحدة UNDSS) ) الذى يشهد بأن مناطق زراعة الأفيون موجودة فى مناطق تصنف بأنها “خطيرة” أو “خطيرة جدا”، ولا تتمكن الأمم المتحدة أو منظمات الإغاثة الدولية (جواسيس الإحتلال) من الوصول إليها ـ أى أنها واقعة تحت سيطرة مجاهدى حركة طالبان ــ لذا  يعتبر إنتصارطالبان فى تلك الحرب محسوما حتى بهذا المقياس فقط للإنتصار . ناهيك عن سيطرة حركة طالبان على أكثر من نصف أراضى البلاد بشهادة المحتلين ، أو على ثلاثة أرباع مساحة البلاد حسب الأمر الواقع الذى يحاول المحتل إخفائه لأسباب نفسية .

ويكتمل ذلك الإنتصار عندما يتم تحويل مجرى شلال الأفيون بعيدا عن أيدى المحتلين وعملائهم لحرمان العدو من أهم الموارد المالية لإقتصاده ، وهو ما يحتاج إليه بأكثر مما يحتاج إلى المزيد من الأراضى الأفغانية التى فى معظمها لا تقدم له أى ميزات إقتصادية .

فلا تكفى سيطرة حركة طالبان على الأرض بل يجب حرمان العدو من مواردها، وإلا فإن الإنتصار يفقد معناه وقيمته . فلا يكفى حرمان العدو من مزارع الأفيون ما دامت موارد الأفيون لا تستخدم فى تقوية الجهاد . أو إذا كان العدو قادرا على الوصول إلى تلك الثروات بطرق إلتفافية مثل تجار الأفيون المحليين الذين يجمعون الأفيون ثم يوصلونه إلى العدو ، فهكذا يسرق العدو الإنتصار من يد المجاهدين ، فهو يريد الأفيون وليس الأرض . والسيطرة على الأرض كانت وسيلته للحصول على الأفيون وما يجلبه من ثروات عبر تحويله إلى مسحوق الهيرويين .

أما إذا تمكن العدو من الحصول على الأفيون بدون قتال ، أو إحتلال المزارع وما يكلفه من أموال ودماء ، فهذا ما يسميه الأمريكيون ( نصر بلا حرب) .

لكن إذا فقد العدو موارده المالية من الأفيون ، أو كانت نفقات الإحتلال أعلى من مكاسبه ، فإنه يرحل بلا جدال.

– إذا يجب منع الوسيط المحلى المتعامل مع العدو من الوصول إلى المزارع لشراء الأفيون . ولنطلق على هذا الصنف من الوسطاء (الوسيط المعادى)، وهو هدف عسكرى لا شك فيه .

كما يجب منع الوسيط المعادى من الإتصال بالعدو ناقلا الأفيون إليه .

– القواعد الجوية الأمريكية . وهى مصانع للهيرويين عالية التحصين وكثيفة الحراسة بالعناصر البشرية والمعدات الإلكترونية . فوضعها تحت الضغط العسكرى الدائم واجب هام جدا سواء بالقصف الصاروخى أو بالعمليات النوعية ، أو بمنع المدنيين من التعامل معها أو بتجنيدهم للعمل مع المجاهدين ، وهذا هو الأفضل .

– طائرات النقل العسكرية هى أهم وسائل نقل الهيرويين ، لذا يجب وضعها تحت التهديد الدائم والجدى ، كما فعل المجاهدون مع طائرات النقل السوفيتية ، بإستهدافها بالصواريخ سواء كانت فى الجو أو رابضة على الأرض .

– حصار تلك القواعد بريا على قدر الإمكان ، بعرقلة تواصلها الأرضى مع الوسط السكانى المحيط وباقى أجزاء أفغانستان ، وجعلها تعتمد إلى أقصى درجة على التواصل الجوى بالطائرات فى جلب الطعام والمؤن واستبدال الجنود والعمال وباقى الخدمات المطلوبة للقاعدة الجوية.

مسارات بديلة لطوفان الأفيون :

لما كان وقف الزراعة أو توجيه الأفيون نحو الصناعات الدوائية فقط ،هو أمر غير ممكن قبل وصول حركة طالبان إلى السلطة وعودة حكم الإمارة الإسلامية ، لذا فإن طوفان الأفيون سيظل متدفقا. ولكن ينبغى تحويل مساره بعيدا عن أيدى العدو ، وإتاحة الفرصة للقنوات البديلة كى تنقل الأفيون إلى خارج أفغانستان قبل إستيلاء الأمريكيين عليه وتحويله إلى هيرويين.

– ثم حماية تلك المسارات البديلة ، نظرا لقيمتها العسكرية العالية.

– وفى نفس الوقت ضرب أى مسارات برية يستخدمها العدو أو عملائه لتهريب الهيرويين إلى دول الجوار للإضرار بها.

– وكلما أمكن يجب إيجاد آليه تعاون مع دول الجوار للإتفاق معها على إستراتيجية مشتركة إزاء المشكلة برمتها ، على إعتبار أنها مشكلة سياسية فى الأساس وليست مشكله أمنية فقط . أى أن مصير الإحتلال والموقف منه يجب أن يكون مطروحا فى المقدمة كسبب وحيد لتلك المشكلة التى كانت حركة طالبان قد قضت عليها قبل الغزو الأمريكى عام 2001.

يجب أن تطالب حركة طالبان بإجراء تفتيش دولى على القواعد الجوية الأمريكيية فى أفغانستان ـ وتكون دول الجوار ممثلة فيه ــ للتأكد من كون القواعد الجوية الأمريكية ماهى إلا مصانع لتحضير الهيرويين كامل النقاء وبكميات هائلة . إلى جانب المهمة الأخرى التى لاتقل إجراما وهى إستخدام تلك القواعد كسجون سرية تمارس فيها أقسى درجات التعذيب الوحشى ضد أفراد من الشعب الأفغانى ، وضد المجاهدين المطالبين بحرية بلادهم .

وذلك مدخل هام للإتصال السياسى مع دول الجوار ودول الإقليم وبدء مجالات مشتركة للتعاون فى إجمالى قضايا المنطقة وفى مقدمتها المخدرات والإجرام الداعشى . والدخول فى مجال المشاريع الإقليمية للتنمية والتعاون الإقتصادى بعيدا عن التدخل الخارجى ، ولنبذ تواجده فى أى شكل عسكرى أو أمنى .

# نفس تلك المسارات البديلة التى تأخذ الأفيون إلى خارج أفغانستان بعيدا عن اليد الأمريكية ، يمكن بحكم طبيعة تكوينها أن تحمل الأسلحة إلى داخل أفغانستان ، على أن تكون من الأنواع المتطورة المطلوبة لعمل عسكرى متقدم . وذلك جزء من الضريبة التى يجب أن تتحملها دول الإقليم ودول الجوار لدعم المعركة التى تخوضها الحركة نيابة عن دول المنطقة والعالم ضد الهيرويين الأمريكى والإجرام الدولى المنظم الذى تديره الولايات المتحدة ، وداعش هو رمزه الأشهر حاليا .

إعتبارات هامة فى موضوع الأفيون :

# الأفيون فى حد ذاته ليس محظور شرعا، لكونه مادة دوائية . لذا لم يحظرعلماء الأحناف زراعته بل حظروا تعاطيه بغرض السكر . فالقول بمنع التدخل فى زراعة الأفيون ، أو التحكم فى مساراته وقطعها عن العدو لصالح الشعب الأفغانى ومقاومته الجهادية، هو قصور فى الفهم أو هو من الفتاوى المخصصة / عن قصد أو بدون قصد / لخدمة الأمريكيين الذين يستخدمون الأفيون لتدمير شعب أفغانستان وباقى شعوب العالم .

# وعلى الدول الراغبة فى منع دخول الأفيون إلى أراضيها أن تقاومة داخل حدودها . كما يمكنها مصادرته من الناقلين أو شرائه منهم واستخدامه فى صناعتها الدوائية ، أو بيعة لشركات الدواء فى الدول الأخرى ، أو حتى حرقه لو أرادت ذلك . أما مصلحة شعب أفغانستان فتقتضى / كحل وحيد/ التخلص من الأفيون بأى طريقة قبل وصوله إلى أيدى العدو، حتى لا يحوله إلى مسحوق الهيرويين المدمر والذى لا قيمة دوائية له ، بل هو  أمضى أسلحته فى الحرب ضد شعب أفغانستان والشعوب كافة . وتلك خدمة لا تقدر بثمن لجميع الشعوب والدول ، ما عدا تلك الحكومات المستفيدة من الإتجار فى مسحوق الهيرويين كجائزة من الإحتلال الأمريكى فى مقابل التعاون معه .

#  وبعد عودة حركة طالبان إلى الحكم فسوف تتعاون بالتأكيد مع دول الجوار، وباقى دول الإقليم، لإقامة صناعة دوائية عملاقة تستهلك الأفيون المنتج فى أفغانستان ، مع إتاحة الفرصة لشركات الدواء العالمية كى تحجز مقدما المقادير التى تحتاج إليها من الأفيون الخام بعد ترتيب الإجراءات القانونية مع الحكومة الشرعية للبلاد .

طالبان قادرة على القتال على جبهتين

بدون أن تفقد تركيز قواتها فى المحاور الحاسمة للحرب .

على النحو السابق يمكن تقطيع شبكة عمل العدو، ومنعه من الفوز بجائزته من تلك الحرب وهى الأفيون ، الذى يحوله إلى سلاح دمار شامل للإنسانية تحت مسمى الهيرويين . وهذه خدمة كبرى تقدمها حركة طالبان لدول المنطقة والعالم أجمع .

ولعلنا ندرك أن أهم واجبات تنظيم داعش فى أفغانستان هو إستفزاز الحركة بأساليبة الوحشية ودعاياته المتبجحة ، لإستدراجها إلى خارج مسارح العمليات الأساسية فى حرب الأفيون ، كى يقاتل التنظيم فى مسارح ثانوية تفقده تركيز قواته فى المنطقة الحاسمة من مسارح الحرب السابق ذكرها . ولكن الحركة قادرة وبدون أن تغير من هدفها الإستراتيجى، وبدون أن تسحب قواتها من مسارح القتال الرئيسية ، أن تهزم داعش بكل سهولة ، خاصة وأن عمود داعش الفقرى مكون من قوات حكمتيار المشهود لها بالضعف والفشل ، ومعها قوات دوستم التى إنشقت عنه شكليا حتى تحمل رايات داعش وتضخيم الوهم (لا حظ التماثل بين ما تقوم به قوات دوستم “الشيوعي الفوضوي” بما قامت به قوات البعث الصدامية من صناعة وحش وهمى إسمه داعش، لتجتمع تحت رايته المزيفة كل طواغيت الأرض لخدمة الطاغوت الأكبر فى أمريكا وإسرائيل) . إن أمريكا تمارس بداعش نوعا من الخداع الإستراتيجى لإستقاذ مكاسبها المالية الهائلة من تجارة الهيرويين فى العالم . وبالقضاء على داعش بجانب القضاء على صناعة الهيرويين الأمريكى، تقدم حركة طالبان أكبر خدماتها للإنسانية جمعاء . لذا يجب على دول العالم أن تقدم دعمها العملى لتلك الحركة حتى تحقق نصرها الحاسم على هذين الخطرين الماحقين : داعش والهيرويين .

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world